← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38154

موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني

ياسر الحمداني

Полный текст (8 320 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبهَا، وَوَقَفَ جَيْشُ ابْنِ زِيَادٍ أَمِيرِ الكُوفَةِ عَلَى مَقرُبَةٍ مِنْ جَيْشِ الحُسَينِ، وَقَبْلَ أَنْ يَنزِلَ الحُسَينُ المَعْرَكَةَ أَخَذَتهُ سِنَةٌ مِنَ النَّوْم، وَكَانَتْ أُخْتُهُ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ وَرَضِيَ عَنهَا بجُوَارِه، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَالَ لهَا: يَا زَيْنَب: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في المَنَامِ وَقَالَ لي: " إِنَّكَ عَمَّا قَلِيلٍ سَتَكُونُ عِنْدَنَا " وَهَلْ يُسْأَلُ عَنِ العِنْدِيَّةِ إِنْ كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ الله " ٠٠؟ " عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ": تَعْني في جَنَّاتٍ وَنهَر، في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِر ٠٠!!

стр. 4692

جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ الصَّبر لَكِنَّ زَيْنَبَ بَكَتْ؛ لأَنَّهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ فَقَدَتْ أُمَّهَا فَاطِمَة، وَبَعْدَ ذَلِكَ فَقَدَتْ أَبَاهَا الإِمَامَ عَلِيَّاً كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ قَتَلَهُ أَشْبَاهُ ابْنِ زِيَادٍ وَهْوَ خَارِجٌ لِصَلاَةِ الفَجْر، وَبَعْدَهَا قُتِلَ أَخُوهَا الحَسَنُ مَسْمُومَاً، وَهَا هِيَ الآنَ عَلَى وَشْكِ فَقدِ أَخِيهَا ٠٠ أَنَا لاَ أَجِدُ تَعْبِيرَاً يُسْعِفُني لِلتَّعْبِيرِ عَنْ زَيْنَبَ وَثَبَاتِهَا، وَلَكِنْ كُلُّ مَا أَسْتَطِيعُ قَوْلَهُ أَن أَقُول: " إِنَّهَا جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ الصَّبر " ٠٠!!

стр. 4693

ابْنٌ يُقْتَلُ أَمَامَ أَبِيه وَدَارَتْ رَحَى الحَرْب، وَأَخَذَ أَصْحَابُ الحُسَينِ ﵃ يُسْتَشْهَدُونَ مَثْنى وَفُرَادَى، حَتىَّ وَقَفَ ابْنُهُ عَلِيٌّ لَمَّا رَأَى السِّهَامَ تَنُوشُ أَبَاهُ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ يَقِيهِ بِنَفْسِه، إِلى أَن أَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَه، فَحَمَلَ الحُسَينُ ﵁ ابْنَهُ إِلى خَيْمَةِ أُخْتِهِ زَيْنَب؛ لِتَسْتَقْبِلَ ابْنَ أَخِيهَا مخْضُوبَاً بِدَمِه ٠٠!! أَبَعْدَ هَذَا البَلاَءِ بَلاَء ٠٠؟! أَبَعْدَ هَذَا الصَّبرِ صَبر ٠٠؟! قَائِدٌ يحْمِلُ جُثْمَانَ ابْنِهِ وَالحَرْبُ قَدْ دَارَتْ رَحَاهَا وَحَمِيَتْ، وَرَحَى الحَرْبِ ثَقِيلَة ٠٠ يَوْمٌ خَطَبَ فِيهِ السَّيْفُ عَلَى مَنَابِرِ الأَعْنَاق، وَارْتَوَتِ الرِّمَاحُ فِيهِ مِنَ الدَّمِ الدَّفَّاق ٠٠!!

стр. 4694

وَإِذَا بِالقَاسِمِ الأَخِ الأَصْغَرِ لِعَلِيٍّ يَنَادِي عَلَى الحُسَين: اشْتَدَّ بيَ العَطَشُ يَا أَبي ـ وَكَانَ قَدْ بَلَغَ لُؤمُ ابْنِ زِيَادٍ أَنْ قَدْ مَنَعَ المَاءَ عَنِ الحُسَينِ وَمَنْ مَعَه، فَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُوهُ قَائِلاً: أَبُوكَ اليَوْمَ يَا وَلَدِي قَدْ قَلَّ نَاصِرُه، وَزَادَ مَاكِرُه، فَاصْبِرْ يَسِيرَاً يَا وَلَدِي فَعَمَّا قَلِيلٍ سَوْفَ يَسْقِينَا جَدُّكَ مِنَ الحَوْض!! أَيُّهَا الإِخْوَةُ الأَعِزَّاء؛ إِنَّ المَقَامَ لاَ تَشْرَحُهُ العِبَارَات؛ فَمَهْمَا أُوتِيتُ مِنْ بَرَاعَةِ التَّصْوِير، وَالقُدْرَةِ عَلَى التَّعْبِير: فَإِنَّ الفَارِقَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالكَلاَمِ كَبِير ٠٠!! لَقَدْ كَانَ بحَقٍّ يَوْمُ كَرْبِلاَء: يَوْمَ كَرْبٍ وَبَلاَء " ٠

стр. 4695

لحُبِّنَا في الخِلاَفِ اخْتَلَفْنَا حَتىَّ في رَأْسِهِ وَاللهِ لَوْ قَامَ الآنَ الحُسَينُ مِنْ مَضْجَعِهِ؛ لحَزِنَ حُزْنَاً شَدِيدَاً عَلَى أَحْوَالِ المُسْلِمِين ٠٠ لحُبِّهِمْ في الخِلاَفِ اخْتَلَفُواْ حَتىَّ في رَأْسِهِ ٠٠ وَقِيلَتْ أَقَاوِيلُ في مَوْتِهِ * فَمِنهَا الصَّوَابُ وَمِنهَا الخَطَا قَوْمٌ يَقُولُون: رَأْسُهُ في مِصْر، وَآخَرُونَ يَقُولُون: رَأْسُهُ في العِرَاق، وَقَوْمٌ يَقُولُون: رَأْسُهُ في الأُرْدُن، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ في سُورِيَّا، وَقَوْمٌ يَقُولُونَ في بَيْتِ المَقدِس، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ في البَقِيع، وَتَقُومُ الدُّنيَا وَلاَ تَقْعُدُ لَوِ الْتَقَى الوَاحِدُ مِن هَؤُلاَءِ مَعَ مَنْ يخَالِفُه ٠٠!! مَاذَا يَعْنِيكَ مِنْ رَأْسِ الحُسَين ٠٠؟! هَلْ عَمِلْتَ بِعَمَلِ الحُسَينِ وَأَهْلِ بَيْتِه ٠٠؟! هَلِ اقْتَدَيْتَ بِالحُسَينِ وَأَهْلِ بَيْتِه ٠٠؟!

стр. 4696

لاَ تخْتَلِفُواْ فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، وَقَبْلَ أَنْ تَسْأَلُواْ عَن هَذَا أَوْ غَيرِهِ اسْأَلُواْ أَنْفُسَكُمْ: هَلْ نحْنُ سِرْنَا وَرَاءَ الحُسَينِ في جِهَادِه ٠٠؟ هَلْ نحْنُ أَمَرْنَا بِالمَعْرُوفِ وَنهَيْنَا عَنِ المُنْكَرِ كَمَا فَعَل ٠٠؟ هَلْ نحْنُ رَبَّيْنَا أَوْلاَدَنَا كَمَا حَتىَّ يَكُونُواْ مِثْلَهُ في بُطُولاَتِهِ وَتَضْحِيَّاتِه " ٠٠؟ حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: «أُتيَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الحُسَيْنِ ﵁» ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٣٧٤٨ / فَتْح]

стр. 4697

قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في الْفَتَاوَى عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَة عَن هَذِهِ المَسْأَلَة: «وَالَّذِي رَجَّحَهُ أَهْلُ العِلْمِ في مَوْضِعِ رَأْسِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ في كِتَابِ أَنْسَابِ قُرَيْش ٠٠ وَالزُّبَيْرُ بْنُ بكار هُوَ مِن أَعْلَمِ النَّاسِ وَأَوْثَقُهُمْ في مِثْلِ هَذَا؛ ذَكَرَ أَنَّ الرَّأْسَ حُمِلَ إِلىَ المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَدُفِنَ هُنَاك، وَهَذَا مُنَاسِبٌ؛ فَإِنَّ هُنَاكَ قَبْرَ أَخِيهِ الحَسَنِ ﵁ وَعَمِّ أَبِيهِ العَبَّاسِ ﵁، وَابْنِهِ عَلِيٍّ وَأَمْثَالِهِمْ ﵃ ٠ وَالزُّبَيْرُ أَعْلَمُ أَهْلِ النَّسَبِ وَأَفْضَلُ العُلَمَاءِ بِهَذَا السَّبَب» ٠

стр. 4698

فَتىً مَاتَ بَينَ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ مِيتَةً * تَقُومُ مَقَامَ النَّصْرِ لَوْ فَاتَهُ النَّصْرُ تَرَدَّى ثِيَابَ المَوْتِ حُمْرَاً فَمَا دَجَى * لهَا اللَّيْلُ إِلاَّ وَهْيَ مِنْ سُنْدُسٍ خُضْرُ حُسَينُ عَلَيْكَ سَلاَمُ رَبِّي فَإِنَّني * رَأَيْتُ الكَرِيمَ الحُرَّ لَيْسَ لَهُ عُمْرُ

стр. 4699

وَمَا أَعْذَبَ رَائِعَةَ دِعْبِلٍ الخُزَاعِيِّ هَذَا الشَّاعِرِ المَوْهُوب، الَّذِي بَكَى الحُسَينُ بِمَرْثَاةٍ تَتَقَطَّعُ لَهَا القُلُوب، مِنهَا هَذِهِ الأَبْيَاتُ الرَّائِعِات: الشَّمْلُ مِنْ بَعْدِ الحُسَينُ مُبَدَّدُ * كَثُرَتْ أَعَادِيهِ وَقَلَّ المُسْعِدُ لَمْ يَحْفَظُواْ حَقَّ النَّبيِّ محَمَّدٍ * بَلْ جَرَّعُوهُ حَرَارَةً لاَ تَبْرُدُ قَتَلُواْ الحُسَيْنَ وَأَثْكَلُوهُ بِسِبْطِهِ * فَالدِّينُ يَبْكِي فَقْدَهُ وَالسُّؤْدَدُ كَيْفَ القَرَارُ وَفي السَّبَايَا زَيْنَبٌ * تَدْعُو بِفَرْطِ حَرَارَةٍ يَا أَحْمَدُ يَا جَدُّ قَدْ مُنِعُواْ الفُرَاتَ وَقُتِّلُواْ * عَطْشَى فَلَيْسَ لَهُمْ هُنَالِكَ مَوْرِدُ هَذَا حُسَينٌ بِالسُّيُوفِ مُقَطَّعٌ * وَمُلَطَّخٌ بِدِمَائِهِ مُسْتَشْهَدُ يَا جَدُّ إِنَّ الكَلْبَ يَشْرَبُ آمِنَاً * وَبَنُوكَ مِنْ بَينِ البَرَايَا طُرِّدُواْ يَا جَدُّ ذَا صَدْرُ الحُسَينِ مُمَزَّقٌ * وَالخَيْلُ تَنْزِلُ مِن عَلَيْهِ وَتَصْعَدُ فَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ المُنِيرُ كِلاَهُمَا * حَوْلَ النُّجُومِ بَكَيْنَهُ وَالفَرْقَدُ

стр. 4700

وَفَاةُ مُعَاوِيَة ﵁ سَيِّدُنَا مُعَاوِيَةُ الَّذِي يَتَحَامَلُ عَلَيْهِ البَعْض، وَكَأَنهُمْ أَرْبَابٌ مِنْ دُونِ اللهِ سَلَّطَهُمْ عَلَى رِقَابِ البَشَر، أَلاَ رَحِمَ اللهُ السَّلَفَ الصَّالح؛ الَّذِينَ كَانُواْ إِذَا ذُكِرَ سَيِّدُنَا مُعَاوِيَةُ ﵁ بِسُوءٍ قَالُواْ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُون﴾ ﴿البَقَرَة: ١٣٤﴾

стр. 4701

أَمَّا عَن هَذَا الكَلاَمِ الّذِي تَلَفَّظَ بِهِ وَهْوَ في الرَّمَقِ الأَخِيرِ فَهْوَ مِنْ بَابِ أَنَّ المُؤْمِنَ لاَ يَبرَحُ يَتَّهِمُ نَفسَهُ بِالتَّقصِيرِ وَالذَّنْبِ حَتىَّ يَلقَى الله، وَهْوَ كَقَوْلِ عُمَر: " لَوْ نَادَى مُنَادٍ أَنَّ كُلَّ النَّاسِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلاَّ وَاحِدَاً لَظَنَنْتُ أَنَّهُ أَنَا " ٠ وَكَقَوْلِهِ ﵁ أَيْضَاً لحُذَيْفَةَ: " أَنْشُدُكَ اللهَ يَا حُذَيْفَة؛ هَلِ اسْمِي بَيْنَهُمْ " ٠٠؟ مُعَاوِيَةُ ﵁ عَلَى فِرَاشِ المَوْت لَمَّا حَضَرَتْهُ ﵁ الوَفَاةُ قَال: أَقْعِدُوني ٠٠ فَأُقْعِد، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ اللهَ ﷻ وَيَذْكُرُهُ ثُمَّ بَكَى وَقَال: " تَذكُرُ رَبَّكَ يَا معَاوِيَةُ بَعْدَ الهَرَمِ وَالاَنحِطَاط ٠٠؟!

стр. 4702

أَلاَ كَانَ هَذَا وَغُصْنُ الشَّبَابِ غَضٌّ نَضِير ٠٠؟! ثُمَّ بَكَى حَتىَّ عَلاَ بُكَاؤُهُ وَقَال: يَا رَبِّ ارْحَمِ الشَّيْخَ العَاصِي، ذَا القَلْبِ القَاسِي، اللهُمَّ أَقِلِ العَثْرَةَ وَاغْفِرِ الزَّلَّةَ وَعُدْ بحِلْمِكَ عَلَى مَنْ لاَ يَرْجُو غَيرَك، وَلَمْ يَثِقْ بِأَحَدٍ سِوَاك " ٠ [الإِحْيَاء ٠ دَارُ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ طَبْعَةُ الحَافِظِ العِرَاقِيّ ٠ وَفَاةُ الخُلَفَاء: ١٨٧٣] يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْنَا في جَنْبِ الله وَرَوَى شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ جَمَاعَة عَلَيْهِ في مَرَضِه، فَرَأَواْ في جِلْدِهِ غُضُونَاً ـ أَيْ شُحُوبَاً ـ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْد: فَهَلِ الدُّنيَا إِلاَّ مَا جَرَّبْنَا وَرَأَيْنَا ٠٠؟

стр. 4703

أَمَا وَاللهِ لَقَدِ اسْتَقْبَلْنَاهَا بِزَهْرَتهَا، فَمَا لَبِثَتِ الدُّنيَا أَنْ نَقَضَتْ ذَلِكَ مِنَّا حَالاً بَعْد حَال، وَعُرْوَةً بعْد عُرْوَة؛ فَأَصْبَحَتِ الدُّنيَا وَقَدْ وَتَرَتْنَا وَخَلَّفَتْنَا وَاسْتَلأَمَتْ إِلَيْنَا: [أَيْ عَامَلَتْنَا بِلُؤْم]؛ أُفٍّ لِلدُّنيَا مِنْ دَار، ثُمُّ أُفٍّ لهَا مِنْ دَار " ٠ [الإِحْيَاء ٠ دَارُ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ طَبْعَةُ الحَافِظِ العِرَاقِيّ ٠ وَفَاةُ الخُلَفَاء: ١٨٧٤]

стр. 4704

وَيُرْوى أَنَّ آخِرَ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ ﵁ قَالَ فِيهَا: " أَيُّهَا النَّاس: إِنَّ مَنْ زَرَعَ قَدِ اسْتَحْصَد، وَإِنيِّ وَلِيتُكُمْ، وَلَنْ يَلِيَكُمْ أَحَدٌ مِنَ بَعْدِي إِلاَّ وَهُوَ شَر مِني، كَمَا كَانَ مَنْ قَبْلِي خَيرَاً مِني، وَيَا يَزِيد: إِذَا وَفى أَجَلِي فَوَلِّ غُسْلِيَ رَجلاً لَبِيبَاً؛ فَإِنَّ اللَّبِيبَ مِنَ اللهِ بمَكَان، ثمَّ اعْمِدْ إِلى مِنْدِيلٍ في الخِزَانَة فِيهِ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ النَّبيِّ ﷺ وَقُرَاضَةٌ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ، فَاسْتَودِعِ القُرَاضَةَ أَنْفِي وَفَمِي وَأُذُني وَعَيْني، وَاجْعَلِ الثَّوْبَ عَلَى جِلْدِي دُونَ أَكْفَاني، يَا يَزِيد: احْفَظْ وَصِيَّةَ اللهِ في الوَالِدَيْن، فَإِذَا وَضَعْتُمُوني في حُفْرَتي، فَخَلُّواْ مُعَاوِيَةَ وَأَرْحَمَ الرَّاحمِين " ٠ [الإِحْيَاء ٠ دَارُ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ طَبْعَةُ الحَافِظِ العِرَاقِيّ ٠ وَفَاةُ الخُلَفَاء: ١٨٧٤]

стр. 4705

لَيْتَني كُنْتُ أَرْعَى الغَنَمَ وَلَمْ أَلِ مِن أَمْرِ المُسْلِمِينَ شَيْئَا وَقال محمَّدُ بْنُ عُقْبَة: " لَمَّا نَزَلَ بمعَاوِيَةَ المَوْتُ قَال: يَا لَيْتَني كُنْتُ رَجُلاً مِنْ قُرَيْشٍ أَرْعَى الغَنَمَ في شِعْبٍ مِنَ الشِّعَاب، وَأَنيِّ لَمْ أَلِ مِن أَمْرِ المُسْلِمِينَ شَيْئَا " ٠ [الإِحْيَاء ٠ دَارُ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ طَبْعَةُ الحَافِظِ العِرَاقِيّ ٠ وَفَاةُ الخُلَفَاء: ١٨٧٤]

стр. 4706

وَفَاةُ أَبي طَالِب عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ﵁ عَن أَبِيهِ قَال: " لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ جَاءهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبي أُمَيَّة، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِي طَالِبٍ: " يَا عَمّ؛ قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله؛ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله " ٠ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبي أُمَيَّة: يَا أَبَا طَالِب؛ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِب ٠٠؟

стр. 4707

فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ المَقَالَة؛ حَتىَّ قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِب، وَأَبى أَنْ يَقُولَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَمَا وَاللهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْك " ٠٠ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلي قُرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيم﴾ ﴿التَّوْبَة/١١٣﴾ " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (١٣٦٠ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٤ / عَبْد البَاقِي]

стр. 4708

عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: " لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " رَحِمَكَ اللهُ وَغَفَرَ لَكَ يَا عَمّ، وَلاَ أَزَالُ أَسْتَغْفِرُ لَكَ حَتىَّ يَنهَاني الله " ٠٠ فَأَخَذَ المُسْلِمُونَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوْتَاهُمُ الَّذِينَ مَاتُواْ وَهُمْ مُشْرِكُون؛ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷻ :

стр. 4709

﴿مَا كَانَ لِلنَّبيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلي قُرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُمْ أَنهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيم﴾ ﴿التَّوْبَة/١١٣﴾ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٣٢٩٠]

стр. 4710

عَنِ الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَال: " سَمِعْتُ رَجُلاً يَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَان؛ فَقُلْت: لاَ تَسْتَغْفِرْ لأَبَوَيْكَ وَهُمَا مُشْرِكَان ٠٠؟! فَقَال: أَوَلَيْسَ قَدِ اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَهُوَ مُشْرِك ٠٠؟! فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبيِّ ﷺ ؛ فَنَزَلَتْ:

стр. 4711

﴿مَا كَانَ لِلنَّبيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلي قُرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُمْ أَنهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيم ﴿١١٣﴾ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيم﴾ ﴿التَّوْبَة﴾ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٣٢٨٩]

стр. 4712

عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَمِّهِ: " قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؛ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَة " قَال: لَوْلاَ أَنْ تُعَيِّرَني قُرَيْشٌ يَقُولُون: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الجَزَع؛ لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَك؛ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَن أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءوَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ " [القَصَص: (٥٦)، رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٥ / عَبْد البَاقِي]

стр. 4713

عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ ﵁ أَنَّ العَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ قَالَ لِلنَّبيِّ ﷺ : " يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْء؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَك ٠٠؟ قَالَ ﷺ : " نَعَمْ، هُوَ في ضَحْضَاحٍ مِنْ نَار، لَوْلاَ أَنَا؛ لَكَانَ في الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّار " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٦٢٠٨ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٠٩ / عَبْد البَاقِي]

стр. 4714

عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ ﵁ عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ قَالَ: " قُلْتُ يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُك؛ فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ ٠٠؟ قَالَ ﷺ : " نَعَمْ، وَجَدْتُهُ في غَمَرَاتٍ مِنْ النَّارِ ـ أَيْ في العُمْقِ ـ فَأَخْرَجْتُهُ إِلى ضَحْضَاحٍ " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٠٩ / عَبْد البَاقِي]

стр. 4715

عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ ﵁ أَتَى النَّبيَّ ﷺ يَوْمَ حَجَّةِ الوَداَعِ فَقَال: يَا رَسُولَ الله، إِنَّكَ تحُثُّ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ وَالإِحْسَانِ إِلى الجَار، وَإِيوَاءِ اليَتِيمِ وَإِطْعَامِ الضَّيْفِ وَإِطْعَامِ المِسْكِين، وَكُلُّ هَذَا كَانَ يَفْعَلُهُ هِشَامُ بْنُ المُغِيرَة؛ فَمَا ظَنُّكَ بِهِ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟

стр. 4716

فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " كُلُّ قَبرٍ لاَ يَشْهَدُ صَاحِبُهُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ فَهُوَ جُذْوَةٌ مِنَ النَّار، وَقَدْ وَجَدْتُ عَمِّي أَبَا طَالِبٍ في طَمْطَامٍ مِنَ النَّار ـ أَيْ في العُمْق ـ فَأَخْرَجَهُ اللهُ لِمَكَانِهِ مِنيِّ وَإِحْسَانِهِ إِليّ؛ فَجَعَلَهُ في ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّار " ٠ [قَالَ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع ": رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ، وَفِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ محَمَّدٍ وَهُوَ مُنْكَرُ الحَدِيثِ لاَ يحْتَجُّونَ بِهِ وَقَدْ وُثِّق ٠ ص: ١١٨/ ١] وَفَاةُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَان

стр. 4717

وَلَمَّا حَضَرَتْ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ الوَفَاة، نَظَرَ إِلى غَسَّال بجَانِبِ دِمَشْق كَانَ يَلْوي ثَوْبَاً بيَدِهِ ثم يَضْرِبُ بِهِ المِغْسَلَة، فَقَالَ عَبْدُ المَلِك: لَيْتَني كُنْتُ غَسَّالاً آكُلُ مِنْ كَسبِ يَدِي يَوْمَاً بِيَومٍ وَأَني لَم أَلِ مِن أَمْرِ المُسْلِمِينَ شَيْئَا ٠٠!! فَبَلَغ ذَلِكَ أَبَا حَازِمٍ فَقَال: الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَهُمْ إِذَا حَضَرَهُمُ المَوْتُ يَتَمَنَّوْنَ مَا نحْنُ فِيه، وَإِذَا حَضَرْنَا المَوْتُ لَمْ نَتَمَنَّ مَا هُمْ فِيه " ٠ وَقِيلَ لَهُ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيه: كَيْفَ تجِدُكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين ٠٠؟

стр. 4718

قَال: أَجِدُني كَمَا قَالَ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ جِئتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّة، وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء، لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُون﴾ ﴿الأَنعَام: ٩٤﴾ [الإِحْيَاء ٠ دَارُ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ طَبْعَةُ الحَافِظِ العِرَاقِيّ ٠ وَفَاةُ الخُلَفَاء: ١٨٧٤] وَفَاةُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ المَلِك وَلَمَّا حَضَرَتْ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ الوَفَاةُ نَظَرَ إِلى مَن حَوْلَهُ فَإِذَا هُمْ يَبْكُونَ فَقَال:

стр. 4719

" جَادَ لَكُمْ هِشَامٌ بِالدُّنيَا وَجُدْتُمْ لَهُ بِالبُكَاء، وَتَرَكَ لَكُمْ مَا جَمَعَ وَتَرَكْتُمْ لَهُ مَا حُمِّل، مَا أَعْظَمَ مُنْقَلَبَ هِشَامٍ إِنْ لَمْ يُغْفَرْ لَه " ٠ [ابْنُ عَبْدِ رَبُّه في " العِقدُ الفَرِيد " طَبْعَةِ دَارِ الكُتُبِ العِلمِيَّة ٠ بَيرُوت ٠ ص: ١٦٥/ ٣] وَفَاةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيز ﵁ رُويَ أَنَّهُ لَمَّا ثَقُلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ دُعِيَ لَهُ الطَّبِيب، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ ﵁ قَال: أَرَى الرَّجُلَ قَدْ سُقِيَ سُمَّاً، وَلاَ آمَنُ عَلَيْهِ المَوْت، فَرَفَعَ عُمَرُ بَصَرَهُ وَقَال: " وَلاَ تَأْمَنُ المَوْتَ أَيْضَاً عَلَى مَنْ لَمْ يُسْقَ سُمَّاً " ٠ قَالَ لَهُ الطَّبِيب: هَلْ أَحْسَسْتَ بِذَلِكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين ٠٠؟

стр. 4720

قَالَ نَعَمْ، قَدْ عَرَفْتُ ذَلكَ حِينَ وَقَعَ في بَطْني، قَالَ لَهُ الطَّبِيب: فَتَعَالَجْ يَا أَمِير المُؤْمِنِينَ فَإِني أَخَاف أَنْ تَذْهَبَ نَفْسُك، قَالَ عُمَر: رَبي خَيرُ مَذْهُوبٍ إِلَيْه، وَاللهِ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ شِفَائِي عِنْدَ شَحْمَةِ أُذْني مَا رَفَعْتُ يَدِي إِلى أُذْني فَتَنَاوَلتُه، اللهُمَّ خِرْ لِعُمَرَ في لِقَائِك ـ أَيْ وَفِّقْهُ لِمَا تَرَاهُ خَيرَاً: حَيَاةً كَانَ أَوْ مَوْتَاً ـ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلاَّ أَيَّامَاً حَتىَّ مَات " ٠ [الإِحْيَاء ٠ دَارُ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ طَبْعَةُ الحَافِظِ العِرَاقِيّ ٠ وَفَاةُ الخُلَفَاء: ١٨٧٤] خَاتمَةُ الصَّالحِين وَقِيلَ لَمَّا حَضَرَتهُ الوَفَاةُ بَكَى، فَقِيلَ لَه: مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين ٠٠؟

стр. 4721

أَبْشِرْ؛ فَقَدْ أَحْيَا اللهُ بِكَ السُّنَّة، وَأَظْهَرَ بِكَ العَدْل، فَبَكَى عُمَرُ ثمَّ قَال: أَلَيْسَ أُوقَفُ فأُسْأَلُ عَن أَمْرِ هَذَا الخَلْق ٠٠؟! ثمَّ فَاضَتْ عَيْنَاه، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلاَّ يَسِيرَاً حَتىَّ مَات ٠٠!! وَلَمَّا قَرُبَ مَوْتُهُ ﵁ قَالَ أَجْلِسُوني، فَأَجْلَسُوهُ فَقَال: أَنَا الَّذِي أَمَرْتَني فَقَصَّرْت، ونهَيْتَني فَعَصَيْت، وَلَكنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْت، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَه فَأَحَدَّ البَصَر، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقَال: إِني لأَرَى خُضْرَةً مَا هُمْ بإِنْسٍ وَلاَ جِنّ، ثمَّ قُبِضَ ﵀ " ٠ [الإِحْيَاء ٠ طَبْعَةُ دَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ تحْقِيقُ الحَافِظِ العِرَاقِيّ ٠ بِكِتَابِ وَفَاةُ الخُلَفَاءِ بِاخْتِصَار: ١٨٧٤] اللهُ يَتَوَلىَّ الصَّالحِين

стр. 4722

وَقِيلَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ: " أَلاَ تَتْرُكُ لأَوْلاَدِكَ شَيْئَا ٠٠؟ فَقَالَ ﵁: إِنْ كَانُواْ صَالحِينَ فَاللهُ يَتَوَلى الصَّالحِين، وَإِنْ كَانُواْ غَيرَ ذَلِكَ فَلاَ أَترُكُ لهُمْ مَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى مَعْصِيَةِ الله " ٠٠!! [الإِمَامُ السُّيُوطِيُّ بِنَحْوِهِ في شَرْحِهِ لِسُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ عِنْدَ بِرَقْم: ٣٦٦٦] قَال جَرِير يُرْثِيه: حَمَلْتَ أَمْرَاً عَظِيمَاً فَاصْطَبرْتَ لَهُ * وَسِرْتَ فِيهِ بحُكْمِ اللهِ يَا عُمَرُ أَمْسَى بَنُوهُ وَقَدْ جَلَّتْ مُصِيبَتُهُمْ * مِثْلَ النُّجُومِ هَوَى مِنْ بَيْنِهَا القَمَرُ وَقَالَ آخَر: أَضَاءَ طَرِيقَ النَّاسِ بِالنُّورِ وَالهُدَى * وَفَاضَ عَلَى البَيْدَاءِ كَالغَيْثِ إِذ همَىمَا فَيَا لَيْتَهُ إِذْ مَاتَ قَدْ مَاتَ وَاحِدَاً * وَلَكِنَّهُ بُنيَانُ قَوْمٍ تهَدَّمَا

стр. 4723

لَعَمْرُكَ مَا وَارَى التُّرَابُ خِصَالَهُ * وَلَكِنَّهُ وَارَى تُرَابَاً وَأَعْظُمَا وَقَالَ فِيهِ أَشْجَعُ بْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ المُرِّيّ: كَأَنْ لَمْ يمُتْ حَيٌّ سِوَاكَ وَلَمْ تَقُمْ * عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ عَلَيْكَ النَّوَائِحُ لَئِن حَسُنَتْ فِيكَ المَرَاثِي وَذِكْرُهَا * لَقَدْ حَسُنَتْ مِنْ قَبْلُ فِيكَ المَدَائِحُ المَرْأَةُ الصَّالحَة وَمِنَ المَوَاقِفِ المُؤَثِّرَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﵁ هَذَا المَوْقِف:

стр. 4724

كَانَ ﵁ قَدْ خَيَّرَ زَوْجَتَهُ فَاطِمَةَ عِنْدَ تَوَلِّيهِ الخِلاَفَةَ وَقَالَ لهَا: إِمَّا الجَوَاهِرَ التي تجَهَّزْتِ بهَا وَإِمَّا عُمَر: وَكَانَ قَدْ جَهَّزَهَا أَبُوهَا بِقُرَابَةِ الثَّلاَثَةِ مَلاَيِينَ جُنَيْهٍ مِنَ المَاسِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالذَّهَبِ وَاليَاقُوتِ وَالمَرْجَان، فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا وَقَالَتْ: مَا أَنَا بِالَّتي تخْتَارُ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ شَيْئَاً قَلَّ أَوْ كَثُر ٠٠!! فَلَمَّا تُوُفيَ ﵁ وَسُوِّيَ التُّرَابُ عَلَيْهِ وَتَوَلى الخِلاَفَةَ بَعْدَهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ خَلَى بهَا ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ لَهَا: " أَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ قَدْ أَخَذَ حُلِيَّكِ كُلَّهُ وَوَضَعَهُ في بَيْتِ المَال؛ فَإِنْ شِئْتِ أَن أُعِيدَهُ إِلَيْكِ أَفْعَل " ٠٠؟ فَمَاذَا قَالَتِ السَّيِّدَةُ الرَّزِينَةُ العَاقِلَة ٠٠؟

стр. 4725

قَالَتْ: " مَاذَا تَقُولُ يَا يَزِيد " ٠٠؟ تُرِيدُ أَن آخُذَ شَيْئَاً وَضَعَهُ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ في بَيْتِ المَالِ بِيَدِه ٠٠؟ لاَ وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيرُه: لاَ أُرْضِيهِ حَيَّاً وَأُغْضِبُهُ مَيِّتَاً " ٠ [فَضِيلَةُ الشَّيْخ / عَبْدِ الحَمِيد كِشْك في " الخُطَبُ المِنْبَرِيَّةُ " بِتَصَرُّف ٠ ص: ١٣٤ ـ ١٣٥/ ٧]

стр. 4726

وَفَاةُ الخَلِيفَةِ هَارُونَ الرَّشِيد وَيحْكَى عَن هَارُونَ الرَّشِيدِ أَنَّهُ اشْتَرَى كَفَنَهُ بِيَدِهِ في حَيَاتِهِ، وَكَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَقُول: ﴿مَا أَغنى عَنى مَالِيَه ﴿٢٨﴾ هَلَكَ عَنى سُلطَانِيَه﴾ ﴿الحَاقَّة﴾ [وَالإِحْيَاء ٠ دَارُ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ طَبْعَةُ الحَافِظِ العِرَاقِيّ ٠ وَفَاةُ الخُلَفَاء: ١٨٧٥]

стр. 4727

وَفَاةُ الخَلِيفَةِ المَأْمُون كَانَ قَدْ فَرَشَ حِينَ حَضَرَتهُ الوَفَاةُ رَمَادَاً كَانَ يَضْطَجِعُ عَلَيهِ وَيقُول: " يَا مَنْ لاَ يَزُولُ مُلكُه: ارْحَمْ مَنْ زَالَ مُلكُه " ٠ [الإِحْيَاء ٠ دَارُ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ طَبْعَةُ الحَافِظِ العِرَاقِيّ ٠ وَفَاةُ الخُلَفَاء: ١٨٧٥]

стр. 4728

وَفَاةُ الخَلِيفَةِ الْوَاثِق قَالَ زُرْقَانُ بْنُ أَبي دُوَاد: " لَمَّا حَضَرَ الخَلِيفَةَ الْوَاثِقَ المَوْتُ رَدَّدَ هَذَا الْبَيْت: المَوْتُ فِيهِ جَمِيعُ الخَلْقِ مُشْتَرِكُ * لاَ سُوقَةٌ مِنهُمُ يَبْقَى وَلاَ مَلِكُ ثُمَّ جَعَلَ يَقُول: " يَا مَنْ لاَ يَزُولُ مُلْكُه؛ ارْحَمْ مَنْ قَدْ زَالَ مُلْكُه " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٣١٤/ ١٠]

стр. 4729

وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ محَمَّدٍ الْوَاثِقِيُّ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ عَن أَبِيهِ قَال: " كُنْتُ أُمَرِّضُ الْوَاثِق، فَلَحِقَتْهُ غَشْيَة، فَمَا شَكَكْنَا أَنَّهُ مَات، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْض: تَقَدَّمُواْ؛ فَمَا جَسَرَ أَحَدٌ سِوَاي، فَلَمَّا أَن أَرَدْتُ أَن أَضَعَ يَدِي عَلَى أَنْفِهِ فَتَّحَ عَيْنَيْه؛ فَرُعِبْتُ وَرَجَعْتُ إِلىَ الخَلْف، فَتَعَلَّقَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِي بِالْعَتَبَةِ فَعَثَرْت؛ فَانْدَقَّ سَيْفِي وَكَادَ أَنْ يَجْرَحَني، وَاسْتَدْعَيْتُ سَيْفَاً، فَرَجَعْتُ فَوَقَفْتُ سَاعَةً، فَتَلِفَ الرَّجُل؛ فَشَدَدْتُ لَحْيَيْهِ وَغَمَّضْتُهُ وَسَجَّيتُهُ [أَيْ فَرَبَطْتُ لَهُ وَسَبَّلْتُهُ وَغَطَّيْتُهُ]،

стр. 4730

وَأَخَذَ الْفَرَّاشُونَ مَا تَحْتَهُ لِيَرُدُّوهُ إِلىَ الخَزَائِن، وَتُرِكَ وَحْدَه؛ فَقَالَ ابْنُ أَبي دُوَاد: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَتَشَاغَلَ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ فَاحْفَظْهُ؛ فَرَدَدْتُ بَابَ الْغُرْفَةِ وَجَلَسْتُ عَلَى الْبَاب، فَأَحْسَسْتُ بَعْدَ سَاعَةٍ بحَرَكَةٍ أَفْزَعَتْني؛ فَدَخَلْتُ فَإِذَا بِجُرَذٍ قَدِ اسْتَلَّ عَينَ الْوَاثِقِ فَأَكَلَهَا، فَقُلْتُ: لاَ إِلَهَ إِلاََّ الله، هَذِهِ الْعَيْنُ الَّتي فَتَحَهَا مِنْ سَاعَةٍ فَانْدَقَّ سَيْفِي هَيْبَةً لَهَا " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٣١٤/ ١٠]
следующие страницы →