← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38154

موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني

ياسر الحمداني

Полный текст (8 320 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: " جَاءَ رَجُلٌ إِلىَ النَّبيِّ ﷺ يَشْكُو جَارَه؛ فَقَالَ ﷺ : " اذْهَبْ فَاصْبِرْ " ٠ فَأَتَاهُ مَرَّتَينِ أَوْ ثَلاَثَاً؛ فَقَالَ ﷺ : " اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ في الطَّرِيق " ٠ فَطَرَحَ مَتَاعَهُ في الطَّرِيق؛ فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَه؛ فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِ وَفَعَلَ وَفَعَل؛ فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَه: ارْجِعْ؛ لاَ تَرَى مِنيِّ شَيْئَاً تَكْرَهُه " ٠ [قَالَ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُد: حَسَنٌ صَحِيح ٠ ح / ر: ٥١٥٣]

стр. 5217

وَعَن أَبي جُحَيْفَةَ ﵁ قَال: " جَاءَ رَجُلٌ إِلىَ النَّبيِّ ﷺ يَشْكُو جَارَه؛ فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ : " اطْرَحْ مَتَاعَكَ في الطَّرِيق " ٠ فَجَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ بِهِ فَيَلْعَنُونَهُ ـ أَيْ يَلْعَنُونَ ذَلِكَ الجَارَ الجَائِر ـ فَجَاءَ إِلى النَّبيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ الله؛ مَا لَقِيتُ مِنَ النَّاس ـ أَيْ مَا أَكْثَرَ مَا لَقِيتُ مِنَ النَّاس ـ قَالَ ﷺ : " وَمَا لَقِيتَهُ مِنهُمْ " ٠٠؟ قَالَ يَلْعَنُونَني؛ قَالَ ﷺ : " فَقَدْ لَعَنَكَ اللهُ قَبْلَ النَّاس " ٠ [قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِم]

стр. 5218

لَقَدْ لَقِيتُ في مِصْرَ عَذَابَاً مخْتَلِفَاً أَلْوَانُه، وَأًسْمِعْتُ مِنَ النَّاسِ أَذَىً كَثِيرَا؛ وَلِذَا كُنْتُ كَثِيرَاً مَا أُرَدِّدُ هَذَيْنِ البَيْتَين: حَتىَّ مَتى يَا رَبِّ أَبْقَى هَكَذَا * وَأَظَلُّ أَحْتَمِلُ الأَذَى مِنْ ذَا وَذَا قَوْمٌ لَوِ الشَّيْطَانُ أَبْصَرَ فِعْلَهُمْ * لاَحْتَاطَ خَوْفَاً مِنهُمُ وَتَعَوَّذَا ﴿يَاسِر الحَمَدَاني﴾

стр. 5219

المُصِيبَةُ في المَالِ وَالتِّجَارَة عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لاَ يَزَالُ البَلاَءُ بِالمُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ في جَسَدِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِه: حَتىَّ يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَة " [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِرَقْم: ٤٩٤، كَمَا صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٧٨٤٦]

стр. 5220

عَنْ لجْلاَجٍ العَامِرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ العَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِه؛ ابْتَلاَهُ اللهُ في جَسَدِه، أَوْ في مَالِه، أَوْ في وَلَدِه، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِك؛ حَتىَّ يُبَلِّغَهُ المَنْزِلَةَ الَّتي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ تَعَالى " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " برَقْم: ٣٠٩٠]

стр. 5221

عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَن أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ بِمَالِهِ أَوْ في نَفْسِه، فَكَتَمَهَا وَلَمْ يَشْكُهَا إِلىَ النَّاس؛ كَانَ حَقَّاً عَلَى اللهِ أَنْ يَغْفِرَ لَه " ٠ [وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع " ص: (٢٥٦/ ١٠)، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في " الأَوْسَطِ " بِرَقْم: ٦٥٧٠] وَقَالَ ثَابِت: أُصِيبَ عَبْدُ اللهِ بْن مُطَرِّف بمُصِيبَةٍ، فرَأَيْتُهُ أَحْسَنَ النَّاسِ عَزَاءً وَصَبرَاً؛ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَال: يَا أَبَا محَمَّد: أَتَأْمُرُني أَن أُرِيَ الشَّيطَانَ مِنْ نَفْسِي مَا يَسُرُّه ٠٠؟!

стр. 5222

وَاللهِ يَا أَبَا محَمَّد؛ لَوْ كَانَتْ ليَ الدُّنيَا كُلُّهَا، ثمَّ أَخَذَهَا اللهُ مِنيِّ، ثمَّ سَقَاني يَوْمَ القِيَامَةِ شَرْبَةَ مَاء؛ رَأَيْتُها ثمَنَاً لِتِلْكَ الشَّرْبَة " ٠ [ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِين " بِالبَابِ الخَامِسَ عَشَر] وَقَدْ قِيلَ في المَأْثُورَات: " مَنْ بَلَغَ غَايَةَ مَا يحِبّ؛ فَليَتَوَقَّعْ غَايَةَ مَا يَكرَه "!! أَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَصْعَدَ المَلاَئِكَةُ إِلى بَارِئِهَا فَتَقُولَ لَه: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرَاً نِعْمَ العَبْد؟ وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ مَعَك؛ أَلَيْسَ اللهُ مَعَ الصَّابِرِين ٠٠؟!

стр. 5223

كَانَ سَيِّدُنَا مُوسَى ﵇ يمُرُّ في طَرِيقِهِ بِعَبْدٍ صَالح، كَانَ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ وَجَدَهُ يُصَلِّي، فَمَرَّ بِهِ يَوْمَاً فَوَجَدَهُ مُمَزَّقَاً كُلَّ مُمَزَّق؛ فَقَالَ ﵇: يَا رَبّ؛ عَبْدُكَ فُلاَنٌ تَتْرُكُهُ يحْدُثُ لَهُ هَذَا وَأَنْتَ تَسْمَعُ وَتَرَى ٠٠؟! قَالَ ﷻ : يَا مُوسَى؛ إِنَّهُ طَلَبَ مَنزِلَةً مَا كَانَ لِيُدْرِكَهَا بِغَيرِ هَذَا ٠٠!! فَتَقَبَّلِ البَلاَءَ بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَكُلُّهُ تَكْفِيرٌ لِسَيِّئَاتِك ٠٠

стр. 5224

وَاصْنَعْ كَذَلِكَ الأَعْرَابيِّ الأَحْدَب، الَّذِي جِيءَ بِهِ لِيُجْلَد، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ المُؤمِنِين: وَاللهِ لأَضرِبَنَّكَ حَتىَّ يَزُولَ حَدَبُك ـ وَالحَدَبُ هُوَ انحِنَاءُ الظَّهْرِ وَتَقَوُّسُه ـ فَقَالَ لَهُ الأَعْرَابيّ: وَأَنَا وَاللهِ لأَصْبِرَنَّ صَبْرَ مَنْ يَرْجُو زَوَالَ حَدَبِه ٠ مُصِيبَةُ مَن أُكِلَ حَقُّه

стр. 5225

عَن خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ﵁ قَال: كُنْتُ قَيْنَاً في الجَاهِلِيَّةِ ـ أَيْ حَدَّادَاً ـ وَكَانَ لي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَرَاهِم؛ فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَال: لاَ أَقْضِيكَ حَتىَّ تَكْفُرَ بمُحَمَّد، فَقُلْتُ: لاَ وَاللهِ لاَ أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتىَّ يُمِيتَكَ اللهُ ثُمَّ يَبْعَثَك، قَالَ ـ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ مَا يَسْتَحِقّ: فَدَعْني حَتىَّ أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ فَأُوتَى مَالاً وَوَلَدَاً ثُمَّ أَقْضِيَك؛ فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدَاً ﴿٧٧﴾ أَطَّلَعَ الغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَا ﴿٧٨﴾ كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدَّا﴾ ﴿مَرْيم﴾

стр. 5226

[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٢٤٢٥ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٧٩٥ / عَبْد البَاقِي] قَالَ الأَحْنَفُ بْنُ قَيْس: " ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْتَصِفُونَ مِنْ ثَلاَثَة: حَلِيمٌ مِن أَحْمَق، وَبَرٌّ مِنْ فَاجِر، وَشَرِيفٌ مِنْ دَنيء " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: ٨٤٦٠] مُصِيبَةُ فَقْدِ الشَّيْء المَرْءُ يجْمَعُ وَالزَّمَانُ يُفَرِّقُ * وَيَظَلُّ يَرْقَعُ وَالخُطُوبُ تُمَزِّقُ ﴿صَالحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوس﴾ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ ﴿البَقَرَة/٢٨٤﴾

стр. 5227

وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءَاً يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿النِّسَاء/١٢٣﴾ ٠٠؟ فَقَالَتْ ﵂: مَا سَأَلَني عَنهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ فَقَالَ ﷺ : " هَذِهِ مُعَاتَبَةُ اللهِ العَبْدَ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنَ الحُمَّى وَالنَّكْبَة، حَتىَّ البِضَاعَةُ يَضَعُهَا في كُمِّ قَمِيصِهِ فَيَفْقِدُهَا فَيَفْزَعُ لَهَا؛ حَتىَّ إِنَّ العَبْدَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يخْرُجُ التِّبْرُ الأَحْمَرُ مِنَ الكِير " ٠ [ضَعَّفَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: (٢٩٩١)، رَوَاهُ أَحْمَد ٠ الكَنْز: ٨٦٤٧] سَمَاحَةُ الصَّالحِين

стр. 5228

فَلاَ تُضَيِّعْ وَقْتَكَ في البُكَاءِ عَلَى اللَّبَنِ المَسْكُوب؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَا انْكَسَرَ يمْكِنُ إِصْلاَحُه ٠٠!! يُرْوَى عَنْ بَعْضِ الصَّالحِينَ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمَاً وَفي كُمِّهِ صُرَّةٌ فَافْتَقَدَهَا، فَإِذَا هِيَ قَدْ أُخِذَتْ مِنْ كُمِّهِ فَقَال: بَارَكَ اللهُ لَهُ فِيهَا؛ لَعَلَّهُ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنيِّ ٠٠!! مِنْ نَوَادِرِ الشُّعَرَاءِ وَالأُدَبَاءِ في المَفْقُودَات مِن أَظْرَفِ مَا قِيلَ في المَفْقُودَاتِ قَوْلُ شَاعِرِنَا الْعَظِيم / محْمُود غُنِيم؛ في سَاعَةٍ فُقِدَتْ مِنهُ، فَاسْتَخْدَمَ التَّوْرِيَةَ قَائِلاً: يَا سَاعَةً مَا أَنْتِ أَوَّلَ سَاعَةٍ * ضَيَّعْتُهَا في أُولَيَاتِ حَيَاتي مَا دُمْتُ ضَيَّعْتُ السِّنِينَ فَمَا أَنَا * بِمُعَاتِبٍ نَفْسِي عَلَى السَّاعَاتِ ﴿محْمُود غُنَيْم﴾

стр. 5229

وَأَذْكُرُ أَنيِّ قَدْ ضَاعَتْ مِنيِّ مجْمُوعَةُ أَوْرَاقٍ مِنْ مُؤَلَّفَاتِي؛ فَكُنْتُ كُلَّمَا اشْتَدَّ إِلَيْهَا حَنِيني، وَأَعْيَاني الْبَحْثُ عَنهَا تَمَثَّلْتُ بِهَذِهِ الآيَةِ الْكَرِيمَة: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرَاً مِنْهَا إِنَّا إِلى رَبِّنَا رَاغِبُون﴾ ﴿القَلَم/٣٢﴾ فَإِذَا مَا طَرَقَني طَارِقٌ مِنَ الجَزَعِ فَيَئِسْتُ مِنْ رُجُوعِهَا؛ قُلْتُ لِنَفْسِي: لاَ تهْتَمِّي وَلاَ تحْزَني ٠٠ فَمَنْ سَرَّهُ أَلاَ يَرَى مَا يَسُوئُهُ * فَلاَ يَتَّخِذْ شَيْئَاً يخَافُ لَهُ فَقْدَا ﴿ابْنُ الرُّومِي﴾ وَلَمْ أَزَلْ عَلَى أَمَل ٠٠ لَعَلَّ يَدَ الأَيَّامِ تجْمَعُ بَيْنَنَا * وَتَرْحَمُ أَكْبَادَاً تَكَادُ تَذُوبُ ﴿محَمَّدٌ الأَسْمَر﴾

стр. 5230

وَكَثِيرَاً مَا كُنْتُ أَقُول: اللهُمَّ يَا مَنْ جَمَعْتَ بَينَ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ؛ اجْمَعْ بَيْني وَبَينَ مَا ضَاعَ مِنيِّ ٠ وَقَدْ يجْمَعُ اللهُ الشَّتِيتَينِ بَعْدَمَا * يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أَنْ لاَ تَلاَقِيَا ﴿قَيْسُ بْنُ المُلَوَّحِ الْعَامِرِيّ ٠ بِتَصَرُّف، بِاسْتِثْنَاءِ الْبَيْتِ الحَادِيَ عَشَرَ فَهُوَ لجَمِيل بُثَيْنَة﴾ وَهَذِهِ مُذَكِّرَاتٌ وَحَوَاشٍ كُنْتُ وَضَعْتُهَا عَلَى رِسَالَةِ قَطْرِ النَّدَى وَبَلِّ الصَّدَى لاَبْنِ هِشَام، جَاءَتْ إِلى بَيْتي بَعْضُ قُوَى الظُّلْمِ وَالطُّغْيَان، وَذَهَبُواْ بِهَا في خَبر كَان، وَكَأَنَّ سِيبَوَيْهِ وَابْنَ هِشَام؛ مِنَ المَطْلُوبِينَ أَوِ الهَارِبِينَ مِنَ الأَحْكَام ٠٠!!

стр. 5231

فَكُنْتُ أَتَعَجَّبُ لِهَذِهِ الْعُقُول؛ وَأَتَمَثَّلُ بِهَذَا الْبَيْتِ وَأَقُول: رُدُّواْ عَلَيَّ قَبِيحَاً عِنْدَكُمْ حَسَنَاً * عِنْدِي أَرَى مَا ازْدَرَيْتُمْ مِنهُ كُبَّارَا ﴿ابْنُ الرُّومِي﴾ ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَني بِهِمْ جَمِيعَا﴾ ﴿يُوسُف/٨٣﴾ ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِير﴾ ﴿الشُّورَى/٢٩﴾

стр. 5232

الحَمْدُ للهِ الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ ضَالَّتي عَن أَبي القَاسِمِ بْنِ حُبَيْشٍ قَال: لَقَدْ جَرَتْ في هَذِهِ الدَّار ـ وَأَشَارَ إِلى دَارٍ قَرِيبَة ـ قِصَّةٌ عَجِيبَة، قَال: " كَانَ يَسْكُنُ في هَذِهِ الدَّارِ رَجُلٌ مِن التُّجَّار، مِمَّنْ يُسَافِرُ إِلى الكُوفَةِ في تجَارَةِ الخَزّ ـ أَيِ الحَرِير ـ فَاتَّفَقَ أَنْ جَعَلَ جَمِيعَ مَا مَعَهُ مِنَ الخَزِّ في خُرْج ـ أَيْ في كِيسَينِ مُتَدَلِّيَينِ عَلَى ظَهْرِ حِمَار ـ وَسَارَ مَعَ القَافِلَة، فَلَمَّا نَزَلَتِ القَافِلَة؛ أَرَادَ إِنْزَالَ الخُرْجِ عَنِ الحِمَار،

стр. 5233

فَثَقُلَ عَلَيْه؛ فَأَمَرَ إِنْسَانَاً هُنَاكَ فَأَعَانَهُ عَلَى إِنْزَالِه، ثُمَّ جَلَسَ يَأْكُل، فَاسْتَدْعَى ذَلِكَ الإِنْسَانَ لِيَأْكُلَ مَعَه، فَسَأَلَهُ عَن أَمْرِه؛ فَأَخْبرَهُ أَنَّهُ مِن أَهْلِ الكُوفَة، وَأَنَّهُ خَرَجَ لحَاجَةٍ عَرَضَتْ لَهُ، بِغَيرِ زَادٍ وَلاَ نَفَقَة؛ فَقَالَ لَهُ الرَّجُل: أَنَاْ تَاجِرٌ مِنَ المَوْصِل، فَكُنْ رَفِيقِي؛ تَخْدُمُني وَآنَسُ بِكَ في طَرِيقِي، وَنَفَقَتُكَ وَمُؤْنَتُكَ عَلَيّ ٠٠؟

стр. 5234

فَقَالَ لَهُ الرَّجُل: وَأَنَا أَيْضَاً أَخْتَارُ صُحْبَتَك، وَأَرْغَبُ في مُرَافَقَتِك؛ فَسَارَ مَعَه في سَفَرِهِ وَخَدَمَهُ أَحْسَنَ خِدْمَة، إِلىَ أَنْ وَصَلاَ إِلىَ تِكْرِيت، فَنزَلَتِ القَافِلَةُ خَارِجَ المَدِينَة، وَدَخَلَ النَّاسُ إِلى قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، فَقَالَ التَّاجِرُ لِذَلِكَ الرَّجُل: احْفَظْ حَوَائِجَنَا حَتىَّ أَدْخُلَ المَدِينَةَ وَأَشْتَرِيَ مَا نحْتَاجُ إِلَيْه،

стр. 5235

ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَقَضَى جَمِيعَ حَوَائِجِه، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يجِدِ القَافِلَةَ وَلاَ الْغُلاَم؛ فَظَنَّ أَنَّ الْغُلاَمَ رَحَلَ مَعَ القَافِلَة؛ فَلَمْ يَزَلْ يَسِيرُ وَيُجِدُّ في السَّيرِ إِلى أَن أَدْرَكَ القَافِلَةَ بَعْدَ جَهْدٍ عَظِيم، فَسَأَلهُمْ عَنْ صَاحِبِهِ فَقَالُواْ: مَا رَأَيْنَاهُ وَلاَ جَاءَ مَعَنَا، وَلَكِنَّهُ رَحَلَ عَلَى أَثَرِكَ حِينَ أَطَلْتَ المَغِيب، فَظَنَنَّا أَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِذَلِك، فَكَرَّ الرَّجُلُ رَاجِعَاً إِلى تِكْرِيت، وَسَأَلَ عَنِ الرَّجُلِ فَلَمْ يجِدْ لَهُ أَثَرَاً، وَلاَ سَمِعَ لَهُ خَبرَاً، فَيَئِسَ مِنهُ وَرَجَعَ إِلىَ المَوْصِل ـ بَلَدِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ ـ مَسْلُوبَ المَال، وَصَلَهَا نهَارَاً فَقِيرَاً جَائِعَاً حَرَضَاً مِنْ شِدَّةِ الإِعْيَاء، فَاسْتَحَى أَنْ يَدْخُلَهَا نَهَارَاً فَيُشْمِتَ بِهِ

стр. 5236

الأَعْدَاء ٠٠ وَلَقَدْ تَمُرُّ عَلَى الفَتى نَكَبَاتُهُ * فَتَهُونُ غَيْرَ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ ﴿ابْنُ أَبي عُيَيْنَة﴾ فَاسْتَخْفَى إِلىَ اللَّيْلِ ثُمَّ عَادَ إِلىَ دَارِهِ في الدُّجَى؛ لِئَلاَّ يَسُوءَ الصَّدِيقَ أَوْ يَسُرَّ الْعِدَى ٠٠ فَطَرَقَ البَابَ فَقِيلَ مَن هَذَا ٠٠؟

стр. 5237

قَالَ فُلاَن ـ يَعْني نَفْسَه ـ فَأَظْهَرُواْ لَهُ سُرُورَاً عَظِيمَاً وَحَاجَةً إِلَيْه، وَقَالُواْ الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَاءَ بِكَ في هَذَا الوَقْت؛ فَإِنَّكَ أَخَذْتَ مَالَكَ مَعَكَ وَمَا تَرَكْتَ لَنَا نَفَقَةً كَافِيَة، وَأَطَلْتَ سَفَرَكَ وَاحْتَجْنَا إِلى مَالٍ فَلَمْ نجِدْ، وَقَدْ وَضَعَتِ امْرَأَتُكَ اللَّيْلَة، وَاللهِ مَا وَجَدْنَا مَا نَشْتَرِي بِهِ شَيْئَاً لِلنُّفَسَاء، فَأْتِنَا بِدَقِيقٍ وَدُهْنٍ نُسْرِجُ بِه، فَإِنَّهُ لاَ سِرَاجَ عِنْدَنَا، فَلَمَّا أَنْ سَمِعَ ذَلِكَ ازْدَادَ غَمَّا عَلَى غَمّ، وَكَرِهَ أَنْ يخْبرَهُمْ بحَالِهِ فَيُحْزِنهُمْ بِذَلِك، فَأَخَذَ وِعَاءً لِلدُّهْنِ وَوِعَاءً لِلدَّقِيق، وَخَرَجَ إِلى حَانُوتٍ أَمَامَ دَارِه، وَكَانَ فِيهِ رَجُلٌ يَبِيعُ الدَّقِيقَ وَالزَّيْتَ وَالعَسَل، وَكَانَ التَّاجِرُ قَدْ أَطْفَأَ

стр. 5238

سِرَاجَهُ وَأَغْلَقَ حَانُوتَهُ وَنَام، فَنَادَاهُ فَعَرَفَه، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَانَقَهُ وَحَمِدَ اللهَ عَلَى سَلاَمَتِه، فَقَالَ لَهُ افْتَحْ حَانُوتَكَ وَأَعْطِنَا مَا نحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ دَقِيقٍ وَعَسَلٍ وَدُهْن، فَنزَلَ البَائِعُ إِلى حَانُوتِهِ وَأَوْقَدَ المِصْبَاحَ وَوَقَفَ يَكِيلُ لَهُ مَا طَلَبَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ حَانَتْ مِنَ التَّاجِرِ التِفَاتَةٌ في الحَانُوت، فَرَأَى خُرْجَهُ الَّذِي هَرَبَ بِهِ خَادِمُه؛ فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أَنْ وَثَبَ إِلَيْهِ وَالتَزَمَهُ وَقَال: ادْفَعْ إِليَّ مَالي يَا عَدُوَّ الله، فَقَالَ لَهُ التَّاجِر: مَا هَذَا يَا فُلاَن ٠٠؟!

стр. 5239

قَالَ هَذَا خُرْجِي، هَرَبَ بِهِ خَادِمِي وَأَخَذَ حِمَارِي وَجَمِيعَ مَالي، فَقَالَ التَّاجِر: وَاللهِ مَا لي بِذَلِكَ مِن عِلْم، غَيرَ أَنَّ رَجُلاً قَدِمَ عَلَيَّ بَعْدَ العِشَاء؛ يَشْتَرِي مِنيِّ الْعَشَاء، وَأَعْطَاني هَذَا الخُرْجَ فَجَعَلْتُهُ في حَانُوتي وَدِيعَةً إِلى أَنْ يُصْبِح، وَالحِمَارُ في دَارِي وَالرَّجُلُ في المَسْجِدِ نَائِم، فَحَمَلاَ الخُرْجَ وَمَضَيَا إِلىَ الرَّجُل، فَإِذَا الرَّجُلُ نَائِمٌ في المَسْجِد، فَوَكَزَهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيُّ صَاحِبُ المَالِ بِرِجْلِهِ، فَقَامَ الرَّجُلُ فَزِعَاً، فقال لَهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيّ: أَيْنَ مَالي يَا خَائِن ٠٠؟ قَالَ هَا هُوَ في خُرْجِك، وَاللهِ مَا أَخَذْتُ مِنهُ خَرْدَلَة، قَالَ فَأَيْنَ الحِمَارُ وَآلَتُه ٠٠؟

стр. 5240

قَالَ هُوَ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي مَعَكَ، فَسَأَلَهُ التَّاجِرُ أَيْنَ كُنْت ٠٠؟!

стр. 5241

فَقَالَ الرَّجُل: قَدِ انْتَظَرْتُكَ طَوِيلاً فَلَمْ تَجِئْ، حَتىَّ هَمَّتِ القَافِلَةُ بِالمَسِير، فَاسْتَأْذَنْتُهُمْ أَن أَنْطَلِقَ في أَثَرِكَ فَلَمْ أَعْثُرْ عَلَيْك، ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا القَافِلَةُ قَدْ سَارَتْ؛ فَعُدْتُ أَدْرَاجِيَ حَتىَّ أُؤَدِّيَ الأَمَانَةَ إِلى أَهْلِ بَيْتِك، فَوَصَلْتُ إِلى المَوْصِلِ في ظُلْمَةِ اللَّيْل، فَقُلْتُ أَنَامُ في المَسْجِدِ إِلى الصُّبْحِ ثُمَّ أَمْضِي لأَهْلِ بَيْتِك ٠٠ فَعَفَا عَنهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيُّ وَخَلَّى سَبِيلَه، ثمَّ مَضَى بخُرْجِهِ إِلى دَارِهِ؛ فَوَجَدَ مَتَاعَهُ سَالِمَاً، فَوَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ وَأَخْبرَهُمْ بِقِصَّتِهِ؛ فَازْدَادُواْ سُرُورَاً وَفَرَحَاً، وَتَبرَّكُواْ بِذَلِكَ المَوْلُود، فَسُبْحَانَ مَنْ لاَ يَخِيبُ قَاصِدًه، وَلاَ يَنْسَى مَنْ يَعْبُدُه ٠٠!!

стр. 5242

[الأَبْشِيهِيُّ في كِتَابِ " المُسْتَطْرَفِ في كُلِّ فَنٍّ مُسْتَظْرَف " بِالبَابِ السَّابِعِ وَالخَمْسِين: بَابِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ بِتَصَرُّفٍ يَسِير] سُبْحَانَ مَنْ بَدَّلَ حُسْنَاً بَعْدَ سُوء حَكَى أَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ في كِتَابِهِ " سِرَاجِ المُلُوكِ " عَن أَحَدِ الصَّالحِينَ قَال:

стр. 5243

" كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى الشَّيْخِ أَبي حَفْصٍ جُزْءً امِنَ الحَدِيث، في حَانُوتِ رَجُلٍ عَطَّار، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ مَعَهُ في الحَانُوت؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الطَّوَّافِين، مِمَّنْ يَبِيعُ العِطْرَ في طَبَقٍ يحْمِلُهُ عَلَى يَدِه، فَدَفَعَ إِلَيْهِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ وَقَالَ لَه: أَعْطِني بهَا أَشْيَاءَ سَمَّاهَا لَهُ مِنَ العِطْر، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا فَأَخَذَهَا، ثُمَّ هَمَّ العَطَّارُ بِالقِيَامِ لِشَأْنِه؛ فَسَقَطَ الطَّبَقُ مِنْ يَدِهِ فَانْسَكَبَ جَمِيعُ مَا فِيه، فَبَكَى وَجَزِعَ حَتىَّ رَحِمْنَاه؛ فَقَالَ أَبُو حَفْصٍ لِصَاحِبِ الحَانُوت: لَعَلَّكَ تُعِينُهُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الأَشْيَاء ٠٠؟

стр. 5244

فَقَالَ سَمْعَاً وَطَاعَة، فَنزَلَ وَأَعْطَى الرَّجُلَ الطَّوَّافَ مَا قَدَرَ عَلَيْه، وَأَقْبَلَ الشَّيْخُ عَلَيْهِ يُصَبِّرُهُ وَيَقُولُ لَه: لاَ تَجْزَعْ، إِنَّ أَمْرَ الدُّنيَا أَيْسَرُ مِنْ ذَلِك، فَقَالَ الطَّوَّاف: أَيُّهَا الشَّيْخ؛

стр. 5245

لَيْسَ جَزَعِي لِضَيَاعِ مَا ضَاع، لَقَدْ عَلِمَ اللهُ ﷻ أَنيِّ كُنْتُ في القَافِلَةِ الفُلاَنِيَّة، فَضَاعَ لي هِمْيَانٌ فِيهِ أَرْبَعَةُ آلاَفِ دِينَار، وَمَعَهَا فُصُوصٌ قِيمَتُهَا كَذَلِكَ فَمَا جَزِعْت؛ حَيْثُ كَانَ لَدَيَّ مِنْ رَأْسِ المَالِ مَا يَصْلُحُ بِهِ حَالي، وَأُنْفِقُ مِنهُ عَلَى عِيَالي، وَلَكِنْ وُلِدَ لي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلَد، فَاحْتَجْنَا لأُمِّهِ مَا يُحْتَاجُ لِلنُّفَسَاء، وَلَمْ يَكُن عِنْدِي بَعْدَ ذَهَابِ تجَارَتي غَيرُ مِاْئَةِ دِرْهَم، فَخَشِيتُ أَن أَشْتَرِيَ بهَا حَاجَةَ النُّفَسَاءِ فَأَبْقَى بِلاَ رَأْسِ مَال، وَأَنَا قَدْ صِرْتُ شَيْخَاً كَبِيرَاً لاَ أَقْدِرُ عَلَى الكَسْب؛

стр. 5246

فَقُلْتُ في نَفْسِي: أَشْتَرِي بِهَا شَيْئَاً مِنَ العِطْر، فَأَطُوفُ بِهِ صَدْرَ النَّهَارِ عَسَى أَنْ يُرْبحَني اللهُ شَيْئَاً أَسُدُّ بِهِ حَاجَتي، وَأُنْفِقُ مِنهُ عَلَى زَوْجَتي، وَيَبْقَى رَأْسُ المَالِ كَمَا هُوَ، فَاشْتَرَيْتُ هَذَا العِطْر، فَحِينَ انْسَكَبَ الطَّبَقُ عَلِمْتُ أَنَّه لَمْ يَبْقَ لي إِلاَ الفِرَارُ مِنهُم؛ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَدَّى إِلى جَزَعِي، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الجُنْدِ جَالِسَاً إِلى جَانِبي يَسْمَعُ الحَدِيث، فَقَالَ لأَبي حَفْص: يَا سَيِّدِي، أُرِيدُ أَنْ تَأْتيَ بهَذَا الرَّجُلِ إِلى مَنزِلي، فَأَتَيْنَاهُ فَأَدْخَلَنَاهُ إِلى مَنزِلِه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الطَّوَّافِ وَقَالَ لَه: عَجِبْتُ مِنْ جَزَعِك ٠٠؟! فَأَعَادَ عَلَيْهِ القِصَّة، فَقَالَ لَهُ الجُنْدِيّ: وَكُنْتَ في تِلْكَ القَافِلَة ٠٠؟

стр. 5247

قَالَ نَعَمْ، وَكَانَ مَعِي فِيهَا فُلاَنٌ وَفُلاَن، فَعَلِمَ الجُنْدِيُّ صِحَّةَ قَوْلِهِ فَقَالَ لَهُ: وَمَا عَلاَمَةُ هِمْيَانِك؟ وَفي أَيِّ مَوْضِعٍ سَقَطَ مِنْك ٠٠؟ فَوَصَفَ لَهُ المَكَانَ وَالعَلاَمَة، فَقَالَ لَهُ الجُنْدِيّ: إِذَا رَأَيْتَهُ تَعْرِفُه ٠٠؟

стр. 5248

قَالَ نَعَمْ، فَأَخْرَجَ الجُنْدِيُّ لَهُ هِمْيَانَاً وَوَضَعَهُ بَينَ يَدَيْه، فَصَاحَ الشَّيْخُ حِينَ رَآهُ وَقَال: هَذَا هِمْيَاني وَاللهِ، وَعَلاَمَةُ صِحَّةِ قَوْلي؛ أَنَّ فِيهِ مِنَ الفُصُوصِ كَيْتَ وَكَيْت، فَفَتَحُواْ الهِمْيَانَ فَوَجَدُوهُ كَمَا ذَكَر، فَسَجَدَ الرَّجُلُ للهِ شُكْرَاً، ثمَّ قَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَ الجُنْدِيِّ وَشَكَرَهُ عَلَى أَمَانَتِه، وَعَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضَ المَالِ فَقَال: خُذْ مَالَكَ بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيه، فَقَالَ الطَّوَّاف: إِنَّ هَذِهِ الفُصُوصَ قِيمَتُهَا مِثْلُ الدَّنَانِيرِ وَأَكْثَر، فَخُذْهَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِذَلِك ٠٠؟

стр. 5249

فَقَالَ الجُنْدِيّ: مَا كُنْتُ لآخُذَ عَلَى أَمَانَتي أَجْرَاً، وَلَقَدْ تحَسَّسْتُ الأَخْبَار؛ رَجَاءَ أَن أَسْمَعَ مَنْ يُنْشُدُهَا فَلَمْ أَجِدْ، فَتَرَكْتُهَا كَمَا هِيَ حَتىَّ يَأْتيَ صَاحِبُهَا، وَهَا أَنْتَ ذَا قَدْ أَتَيْت، وَأَبى أَنْ يَأْخُذَ شَيْئَا، فَأَخَذَ الطَّوَّافُ هِمْيَانَهُ وَمَضَى، وَهُوَ في غَايَةِ السُّرُورِ وَالرِّضَى، فَسُبْحَانَ الله ٠٠ دَخَلَ الطَّوَّافُ وَهُوَ مِنَ الفُقَرَاءِ المَسَاكِين، وَخَرَجَ وَهُوَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ المَتْرَفِين "٠ [الأَبْشِيهِيُّ في كِتَابِ " المُسْتَطْرَف " بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف، البَابُ السَّابِعُ وَالخَمْسُون: بَابِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ] مُصِيبَةُ العَزْل

стр. 5250

مِن أَطْرَفِ مَا قِيلَ في الْعَزْلِ قَوْلُهُمْ في رَجُلٍ صَالحٍ كَانَ بَارَّاً بِالنَّاسِ قَاضِيَاً لحَوَائِجِهِمْ، فَعَزَلُوهُ وَجَاءُ واْ كَالعَادَةِ بِرَجُلِ سَوْء، فَنَدِمَ عَلَيْهِ أَحَدُ الأُدَبَاءِ الَّذِينَ كَانَ يحْسِنُ إِلَيْهِمْ فَقَال: رَاحَ الَّذِي كُنَّا نَعِيشُ بِفَضْلِهِ بَيْنَ الوَرَىرَ وَأَتَى الَّذِينَ حَيَاتُهُمْ وَوُجُودُهُمْ مِثْلُ الخَرَا مُصِيبَةُ رَفْضِ الشَّابِّ عِنْدَ التَّقَدُّمِ لخِطْبَةِ فَتَاة الحُبُّ أَعْظَمُ مَا يُبْلَى بِهِ الرَّجُلُ * وَالشِّعْرُ عَوْنٌ لِمَنْ ضَاقَتْ بِهِ الحِيَلُ ﴿الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ بِتَصَرُّف﴾

стр. 5251

عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَال: " تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ﵁ وَتَرَكَ ابْنَةً لَهُ مِن خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الأَوْقَصِ ﵂، وَأَوْصَى إِلى أَخِيهِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ ﵁، وَهُمَا خَالاَي، فَمَضَيْتُ إِلى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ ﵁ أَخْطُبُ ابْنَةَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ﵁؛ فَزَوَّجَنِيهَا، وَدَخَلَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَة ـ يَعْني إِلى أُمِّهَا ـ فَأَرْغَبَهَا في المَالِ فَحَطَّتْ إِلَيْه، وَحَطَّتِ الجَارِيَةُ إِلى هَوَى أُمِّهَا؛ فَأَبَيَا ـ أَيْ رَفَضَا خِطْبَتي ـ حَتىَّ ارْتَفَعَ أَمْرُهُمَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَقَالَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُون: يَا رَسُولَ الله؛ ابْنَةُ أَخِي أَوْصَى بِهَا إِلَيّ، فَزَوَّجْتُهَا ابْنَ عَمَّتِهَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵁، فَلَمْ أُقَصِّرْ بِهَا في الصَّلاَحِ وَلاَ في الكَفَاءة، وَلَكِنَّهَا امْرَأَة ـ أَيْ نَاقِصَةُ عَقْل ـ وَإِنَّمَا حَطَّتْ إِلى هَوَى أُمِّهَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هِيَ يَتِيمَةٌ وَلاَ تُنْكَحُ إِلاَّ بِإِذْنِهَا " ٠ فَانْتُزِعَتْ وَاللهِ مِنيِّ بَعْدَ أَنْ مَلَكْتُهَا، فَزَوَّجُوهَا المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَة " ٠ [صَحَّحَهُ أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٦١٣٦، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد، وَالحَاكِمُ بِاخْتِصَارٍ وَقَالَ فِيهِ الذَّهَبيّ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين]

стр. 5252

لَقَدْ سَعَيْتُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ لِلزَّوَاجِ مِنْ فَتَاةٍ أَحْبَبْتُهَا حُبَّاً جَمَّاً وَتَمَنَّيْتُهَا لِنَفْسِي؛ فَلَمْ يُقَدَّرْ لي ذَلِك، وَحِيلَ بَيْني وَبَينَ مَا أَتَمَنَّاه؛ وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي لاَ يُحْمَدُ عَلَى مَكْرُوهٍ سِوَاه ٠٠!! وَلأَنَّ مَنْ رَأَى بَلْوَى غَيرِهِ هَانَتْ عَلَيْهِ بَلْوَاه؛ قَرَّرْتُ أَخِيرَاً بَعْدَمَا تَرَدَّدْتُ كَثِيرَاً أَن أَذْكُرَ قِصَّتي؛ عَلَّهَا تُهَوِّنُ عَلَى مَنِ اسْتَبَدَّتْ بِهِ الأَحْزَان، وَأَفْضَى بِهِ الأَمْرُ إِلى الحِرْمَان؛ فَيَجِدَ فِيهَا السُّلْوَان: ـ أَمَّا البِنْتُ الأُولى: فَكَانَتْ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا السِّعْدَة، بِمَرْكَزِ فَاقُّوسٍ بمُحَافَظَةِ الشَّرْقِيَّة: تِلْكَ الفَتَاةُ تَرَبَّعَتْ عَلَى عَرْشِ قَلْبي، وَكُلَّمَا قُلْتُ أَنْسَاهَا تجَدَّدَتْ ذِكْرَاهَا ٠٠!!

стр. 5253

لاَ أَقُولُ أَنهَا كَانَتْ فَاتِنَة، إِلاَّ أَنِّي عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْتُ فَتَاةً مِثْلَهَا، لَمْ تُعْجِبْني أَوَّلَ مَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ بَدَأَ التَّحَوُّلُ حِينَمَا ذَهَبْتُ لِرُؤْيَتِهَا وَسَمِعْتُ كَلاَمَهَا، أَدَبٌ جَمّ، وَاتِّزَانٌ تَامّ، وَهُدُوءٌ لاَ نَظِيرَ لَهُ، فَهِمْتُ بِهَا وَأَحْبَبْتُهَا حُبَّاً شَدِيدَاً؛ وَلِذَا عِنْدَمَا بَلَغَني تَرَدُّدُ أَهْلِهَا بَعْدَ مُوَافَقَتِهَا حَزِنْتُ حُزْنَاً شَدِيدَاً، وَعِنْدَمَا قَالَ ليَ الصَّدِيقُ الوَسِيطُ لَدَيَّ أَجْمَلُ مِنهَا؛ قُلْتُ لَهُ: قَدْ يُوجَدُ أَجْمَلُ مِنهَا، أَمَّا أَكْثَرُ مِنهَا اتِّزَانَاً وَرَزَانَةً فَلاَ أَظُنّ، ثُمَّ انْتَهَى الأَمْرُ إِلى عَدَمِ مُوَافَقَتِهَا؛ فَقُلْتُ:

стр. 5254

﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرَاً مِنْهَا إِنَّا إِلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ ﴿القَلَم: ٣٢﴾ اللهُمَّ أْجُرْني خَيرَاً في مُصِيبَتي فِيهَا وَاخْلُفْ لي خَيرَاً مِنهَا ٠٠!! يَبْدُو أَنَّ الْوَقَارَ وَالاَتِّزَانَ لَيْسَا كُلَّ شَيْءٍ في الفَتَاة، وَأَنَّ رَزَانَةَ القَوْل؛ لاَ تَعْني حِكْمَةَ العَقْل، وَأَنَّ الأَهْلَ وَالأَصْل؛ يَلْعَبَانِ دَوْرَاً كَبِيرَاً في اخْتِيَارِ الفَتَاة ٠٠ ـ أَمَّا البِنْتُ الثَّانِيَة: فَكَانَتْ مِنْ " مُطُول " بمَرْكَزِ إِطْسَا محَافَظَةِ الفَيُّوم، أَحْبَبْتُهَا حُبَّاً جَمَّاً، وَلَمَّا عَلِمَتْ هِيَ أَنيِّ تَقَدَّمْتُ إِلى وَالِدِهَا وَرَفَض؛ سَاءهَا ذَلِكَ وَقَالَتْ: لِمَ رَدَّهُ أَبي ٠٠؟!

стр. 5255

وَحَاوَلْتُ مَرَّةً أُخْرَى دُونَ جَدْوَى، وَكَانَ السَّبَب: لَمْ تُعْجِبْهُ غُرْفَةُ النَّوْم؛ حَيْثُ اشْتَرَتْ لي وَالِدَتي غُرْفَةً مُسْتَعْمَلَةً فَأَصْلَحْتُهَا وَطَلَيْتُهَا طِلاَءً حَسَنَاً، وَلَمْ يَكُنْ بِاسْتِطَاعَتي شِرَاءُ غُرْفَةٍ جَدِيدَة؛ فَضَاعَتْ مِنيِّ وَتَزَوَّجَهَا غَيرِي ٠٠!! لَمْ يُخْطِئْ وَاللهِ سَمِيرٌ الْقَاضِي / الشَّاعِرُ المَشْهُور؛ عِنْدَمَا قَالَ مُنَدِّدَاً بِغَلاَءِ المُهُور: أُحِبُّ أَنَا لَيْلَى وَلَيْلَى تحِبُّني * وَلَكِن أَبُو لَيْلَى عَنِيدٌ وَمُفْتَرِ فَيَطْلُبُ مَهْرَاً لاَ سَبِيلَ لِدَفْعِهِ * وَيَقْصِمُ ظَهْرِي عِنْدَ ذِكْرِ المُؤَخَّرِ أَيَرْفُضُني عَمِّي لأَنِّي مُوَظَّفٌ * وَأُنْفِقُ أَمْوَالي عَلَى حُسْنِ مَظْهَرِي وَعَمِّيَ جَزَّارٌ وَيَمْلِكُ مَطْعَمَاً * وَيَأْكُلُ بُفْتِيكَاً وَيَأْكُلُ جَمْبرِيِ
следующие страницы →