← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38154

موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني

ياسر الحمداني

Полный текст (8 320 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

وَلَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّهُ مِنْ تمَامِ الفَائِدَةِ أَن أُلحِقَ بِهَذَا البَابِ بَعْضَ القَصَصِ الوَاقِعِيَّةِ لِلشُّبَّانِ التَّائِبِينَ لاَ سِيَّمَا المَشَاهِيرِ مِنهُمْ عَسَى اللهُ أَنْ يَهْدِيَ بهَا ٠٠ ﴿توبة شابين في المطار على يد أَحَدِ الدُّعَاة﴾ " ٠٠٠٠ على حضرات الركاب المسافرين على الرحلة رقم (٠٠٠٠٠) والمتوجهة إِلى (٠٠٠٠٠) سُرْعَةَ التوجه إِلى صالة المغادرة " ٠٠ دَوَّى هذا الصوت في جنبات المطار، وَكان أَحد الدعاة هناك جالسا في الصالةِ وقد حزم حقائبهُ وعزم على السفر إِلى بلاَد الله الواسعة مِن أَجْلِ الدعوة إِلى الله (** **) سَمِعَ هذا النداء فأحس بامتعاض في قلبه، لاَ سِيَّمَا وَأَنه يعلم لماذا يسافر أَكثر شَبَابِ المُسْلِمِينَ إِلى هَذِهِ البلاَدْ ٠٠!!

стр. 6442

وفجأةً لمح هذا الشيخ شابين في العشرين من عمرهما أو يزيد قليلاَ، وقد بدا من ظاهرهما ما يدل علىأنهما لاَ يريدان إِلاَّ المتعة الحرام من وَرَاءِ هَذَا السَّفَرْ ٠٠ " لاَ بد من إنقاذهما قبل فوات الأوان " ٠٠!! قالها الشيخ في نفسهِ وَقَدْ عزم على الذهاب إليهما وَنُصْحِهِمَا مَهْمَا كَلَّفَهُ ذَلِكْ؛ فوقف الشيطان لَهُ بِالمِرْصَادِ وقال لَهُ مالك ولهما ٠٠؟!! دعهما يمضيان في طريقهما وَغَدَاً سَيَتُوبَا إنهما لن يستجيبا لَكْ ٠٠!! ولكنَّ الشيخ كان قويَّ العزيمةِ شَدِيدَ الحُزْنِ وَالأَسَى عَلَيْهِمَا؛ فبصق في وجه الشيطانِ ومضى في طريقه لاَ يلوى على شيْء، وعند بوابةِ الخروج

стр. 6443

استوقف الشابين بعد أن ألقى عليهما التحيةَ وَقَالَ لهُمَا في أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغَا، وكان مما قاله لهما ما ظنكما لو حدث خَللٌ بِالطائرةِ ولقيتما ـ لاَ قدر الله ـ حتفَيْكما وأنتما على هذه النيَّةِ وَالأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمْ ٠٠؟!! ﴿قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِن أَرَادَ بِكُمْ سُوءً اأَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيَّاً وَلاَ نَصِيرَاً﴾ ﴿الأَحْزَاب/١٧﴾ بِأَيِّ وَجْهٍ سَتُقَابِلاَنِ رَبَّكُمَا يَوْمَ القِيَامَة ٠٠؟! فَفَاضَتْ عينا هذين الشابينِ مِنَ الدَّمْعِ ورق قلبُهما لموعظة الشيخ، وَمَزَّقَا تذاكر السفرِ وقالاَ يا شيخُ لقد كذبنا على أهلينا، وقلنا لهم إننا ذاهبان إِلى مَكَّةَ فكيفَ الخلاَصْ ٠٠؟! وماذا نقول لهمْ ٠٠؟!

стр. 6444

وكان مع الشيخ أحد طلاَبِهِ يُوَدِّعُهُ فقالَ لهُمَا اذهبا مع أخيكما هذا وسوف يتولى إصلاَحَ شأنَيْكُمَا، وَوَدَّعَهُمَا الشَّيْخُ وَانْطَلَقَ مَسْرُورَاً رِضَىً بمَا صَنَعْ، ومضى الشابان مع هَذَا الأَخِ وقد عزما على أن يبيتا عنده أسبوعاكاملاً يَتَعَلمَا فِيهِ أُمُورَ الدِّينِ وَبَعْدَ ذَلِكَ يعودا إِلى أَهْلَيْهِمَا، وفي تلك الليلةِ وَهُمَا في بَيْت ذلك الأَخِ ألقى أحد الدعاة كلمة مؤثرة زادت من حماسهما فَعزم هَذَانِ الشابان على الذهاب إِلى مكةَ لأداء العمرة حَتىَّ يَغْسِلاَ ذُنُوبَهُمَا، وهكذا أرادَ الشَّيْطَانُ بِهِمَا شيئاً وأراد الله بِهِمَا شيئاً آخرَ فكان ما أراده اللهُ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِه ٠٠!!

стр. 6445

وفي الصباحِ وبعدَمَا أدَّى الجميعُ صلاَة الفجرِ في جَمَاعَة: انطلق الثلاَثةُ صوبَ مكَّةَ البَلَدِ الحَرَامِ بعد أن أحرموا من الميقاتْ، وَفي الطريق كانت النهاية، وفي الطريق كانت الخاتمة: وقع لهم حادث مروعٌ ذهبوا ضَحِيَّتَهُ جميعا، فاختلطت دماؤهم الزكيَّةُ بحطام الزجاج المتناثرِ ولفظوا أنفاسهم وهم يرددونَ " لبيك اللهم لبيك، لبيك لاَ شريك لك لبيك " ٠٠!! كم كان بين موتهما وبين تمزيق تذاكرِ السَّفَرِ لتلك البلاَد المشبوهة ٠٠؟ إنها أيامٌ قَلاَئِلْ، ولكنَّ الله أراد لهما حُسْنَ الخَاتمَة، ولله الحكمة البالغة ٠ وَإِذَا خَلَوْتَ بِرِيبَةٍ في ظُلْمَةٍ وَالنَّفْسُ دَاعِيَةٌ إِلى العِصْيَان فَاسْتَحْيِ مِنْ نَظَرِ الإِلَهِ وَقلْ لهَا إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الظَّلاَمَ يَرَانيانِ

стр. 6446

واليوم ما أكثر المغترين بهذه الدنيا الفانية، والغافلين عن هَذَا اليوم الرهيب الَّذِي يفر المرء فيه من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، يوم لاَ ينفع مال ولاَ بنون، إِلاَّ من أتى الله بقلب سليم، فهل من عودة إِلى الله قبل فَوَاتِ الأَوَان ٠٠؟!! (العَائِدُونَ إِلى الله الجُزْءُ الثَّالِثْ بِتَصَرُّفْ لِلشِّيخْ / محمَّد عَبْد العَزِيزْ المُسْنَد) ﴿توبة شاب غافل بعد بِرُؤيَتِهِ مَصْرَعَ أخته المؤمنة﴾ يقول صاحب القصةِ كنت شابا غافلاَ عن الله، بعيدا عنه، غارقا في ظُلَمٍ مِنَ المعاصي بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض، فلما أَن أراد الله لي الهدايةَ قَدَّر لي حادثا أعادني إِلى رشدي وردَّني إِلى صوابي، وإليكم القصة:

стр. 6447

في يوم من الأيامِ وبعدَمَا قضينا أياما جميلة في نزهة عائلية إِلىمدينة الدمامْ، انطلقتُ بسيارتي عبر الطريقِ السريعِ بين الدمامِ والرياضِ ومعي أخواتي الثلاَث، وبدلاَ مِن أن أدعوَ اللهَ بدعاء السفر المأثورِ استفزني الشيطان بخيلِهِ وَرَجِلِه، وزين لي سماعَ لهو الحديث المحرم لأظل غافلاَ عن الله، لم أكن حينذاك أحرص علىسماع إذاعة القرآن الكريم أوالأشرطة الإسلاَمية النافعة للمشايخ والعلماء، لأن الحق والباطل لاَ يجتمعان في قلب وَاحِدٍ أَبَدَا ٠٠!!

стр. 6448

إحدى أخواتي كانت صالحةً مؤمنة ذاكرة للهِ حافظةً لحدوده، طلبت مني أن أسكت صوت الباطل، وأستمع إِلى صوت الحقّ، ولكن أَنَّى لي أن أستجيبَ وقد استحوذ عليَّ الشيطانُ وملك جوارحي وفؤادِي ٠٠؟! فأخذتني العزة بالإثم ورفضت طلبها وَشاركَتْني في ذلك أختاي الأخريان، وكررت أختي المؤمنة طلبها فازددت عنادا وإصراراً وأخذنا نسخر منها ونحتقرها، بل إِنيِّ قلت لها ساخرا: إِنْ لَمْ تَصْمُتي سَأنزلكِ على قارعة الطريق ٠٠!! فصمتتْ على مضضٍ وقد كرهتْ هذا العملَ بقلبها وأدت ما عليها، والله لاَ يكلف نفسا إِلاَّ وسعها ٠

стр. 6449

وفجأةً وبقدرٍ من الله مُسْبَقٍ انفجرت إحدى إِطَارَاتِ السيارة ونحن نسير بسرعة شديدةٍ فانحرفت السيارة عن الطريقِ وهوت في منحدر جانبيٍّ فانقلبت عدة مراتٍ حَتىَّ أصبحت رأسا على عقبْ، وأصبحنا في حالٍ لاَ يعلمها إِلاَّ الله، فاجتمع الناس حول السَّيَّارةِ المنكوبة وقام أهل المَعْرُوفِ بإخراجنا من بين الحطام والزجاج المتناثرِ لكن أَيْنَ أُخْتُنَا المُؤمِنَة ٠٠؟!!

стр. 6450

لقد خرجنا جميعا سالمين ـ اللهُمَّ إِلاَّ مِنْ بعض الإصابات البسيطة ـ إِلاَّ أختي المؤمنةِ الصابرة، أختي الطيبة، أَخْرَجُوهَا مَيْتَةً في مَنْظَرٍ يُقَطِّعُ الأَكْبَادَ وَيمَزِّقُ الفُؤادْ، نعم لقد مَاتَتْ، مَاتَتِ الَّتي كنا نستهزئ بها، اختارها الله مِنْ بَيْنِنَا، وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِينَا خَيْرَاً لاَخْتَارَ لَنَا أَنْ نمُوتَ عَلَى مَا مَاتَتْ عَلَيْه، وَلَكِنَّهُ أَخَّرَنَا لِنَتَّعِظَ وَنَعْمَلَ لهَذَا اليَوْمِ وَلمِثلِ هَذَا فَليَعْمَلِ العَامِلُون، وإني لأرجو أن تكون في عداد الشهداء الأبرار، وأسأل الله ﷻ أن يعليَ مكانتها في جنات النعيم ٠

стр. 6451

أما أنا فقد بكيْتُ على نفسي قبل أن أبكيَ على أختي مُرَّ البُكَاءِ وانكشف عن عَيْنيَّ الغطاءُ فأبصرت حقيقة نفسي وما كنت فيه من الغفلة والضياع، وَعلمت أن الله قد أراد بيَ خيراً إِذ كتب لي عمرا جديداً لأَبْدَأَ حياةً جديدة ملؤها الإيمانُ والعملُ الصالح ٠ أما أختي الحبيبة فَكُنْتُ كلما تذكرتها أذرف دموع الحزن والندم وأتساءل في نفسي: هل سيغفر الله لي ٠٠؟!! فأجد الجواب في كتاب الله (** **) في قوله تعالى : ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاَ تقنطوا من رحمة الله؛ إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ (الزُّمَرْ: ٥٣) (العَائِدُونَ إِلى الله الجُزْءُ الثَّالِثْ بِتَصَرُّفْ لِلشِّيخْ / محمَّد عَبْد العَزِيزْ المُسْنَد) ﴿توبة الممثل المغربي المشهور سعيد الزياني﴾

стр. 6452

في مكةَ أم القرى ـ شرفها اللهُ ـ وَفي جوار بيت الله الحرام، وفي العشر الأخيرة من رمضان، حدثنا الممثل سابقا وَالداعية حالياً الأخ / سعيد الزياني عن قصة رجوعه إِلى الله وهدايتهِ فقالْ: " نشأت في بيت مسلم، ولما بلغت سن المراهقة كنت أحلم ـ كما يحلم كل الشباب المراهقِ في مِثلِ سِني ـ بتحقيق شيئين: الشهرة، والمال؛ وَذَلِكَ أَنيِّ كنت أبحث عن السعادة وأسعى إِلى الحصول عليها بأية طريقة كانت ٠ التحقت في بداية الأمربالإذاعة المغربيَّةِ وشاركتُ في تقديم بعض الفقرات الَّتي تربط بين البرامج، ثم تقدمت فأصبحت أقدم البرامج ثمَّ اكتسبت خبرة في هذا المجال فَاتجهت إِلى التلفزيون وتدرجت فِيه حَتىَّ أصبحت مقدِّما من الدرجة الأولى ـ وهى أعلى درجة يحصل عليها مذيع أو مقدم

стр. 6453

ـ كَمَا أصبحت أقدم نشرات الأخبارِ والكثيرَ من برامج السهرةِ والمنوعاتْ، وبرامج الشباب، واشتهرت شهرة كبيرة لَم يسبقني إليها أحد، وأصبح اسْمي علىكل لسانٍ وصوتي في كل بيت، وعلى الرغم من هذه الشهرةِ إِلاَّ أنى كنت غير سعيد بهذا، كنت أشعر بضيق شديد في صدري؛ فقلت في نفسي لعلي أجد السعادة في الغناءِ وبالفعلْ: ساعدتني شهرتي في الإذاعة والتلفزيون أن أقدم من خلاَل أحد البرامج التلفزيونية أغنيةً قصيرة كانت هي البداية لدخولِي عالم الغناء ٠ ودخلت عالَم الغناءِ مِن أَوْسَعِ أَبْوَابِهِ وحققت فِيهِ شهرةً وَاسِعَة، ونزل إِلى الأسواق الآلاَف من الأشرطة الغنائية الَّتي عَلَيْهَا اسْمِي ٠

стр. 6454

وعلىالرغم من ذلك كله كنت أشعر بالتعاسة والشقاءِ وأحسُّ بالملل وضيق الصدرِ، وصدق الله ﷻ إذ يقول: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلاَم، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجاًكأنما يصعَّد في السماء﴾ ٠٠!! (الأَنعَامْ: ١٢٥) فقلت بنفسي إن السعداء هم الممثلون والممثلاَتْ؛ فأردت مُشاركَتَهم في تلك السعادة؛ فاتجهت إِلى التمثيلِ وأصبحت ممثلاَ من الدرجة الأولى، فكنت لاَ أمثل ألاَ أدوار البطولة في جميع الأعمال الَّتي أقدمها، والحقيقة وبِدون مبالغة أصبحت شخصا متميزا في بلدي: فلاَ أركب إِلاَّ أغلى السياراتِ وأفخمها، ولاَ ألبس إِلاَّ الملاَبس الثمينة، وَمكانتي الاَجتماعية أصبحت راقيةً جِدَّاً فأصدقائي هُمْ كبارالشخصيات من الأمراء وغيرهم، كنت أتنقل بين قصورِ الأُمَرَاءِ من قصر إِلى قصرٍ وتفتح لي الأبواب وكأني صاحب تلك القصورْ ٠٠!!

стр. 6455

ولكن على الرغم من ذلك كلهِ كنت أشعر بأني لم أصل بَعْدُ إِلى السعادةِ الَّتي أبحث عنها ٠ وفِي يوم من الأيامِ أجرى معي أحد الصحفِيين لقاء صحفِياً طويلاً وَأَنَا في أَوْجِ شُهْرَتي، وكان من بين الأسئلة الَّتي وجهها إليّ هذا السؤال: " الفنان سعيد الزياني: من المصادفات أن اسمك ينطبق على حياتك فاسمك سعيدٌ وأنت بحَقٍّ سَعِيدْ، ما تقول في ذلك " ٠٠؟ وكان الجوابْ: " في الحقيقة أن ما تعتقده ويعتقده كثير من الناس غير صحيح، فأنا لست سعيدا في حياتي، واسْمي في الحقيقةِ لاَ يزال ناقصا، فهو من ثلاَثةِ حُرُوفٍ فَقَطْ، وهي: (س، ع، ي: سعي) فَأنا ما زلت أسعى بحثَاً عن الحرف الأخيرْ ـ حرف الدالْ ـ ليكتمل اسْمي وتكتمل سعادتي، وإلى الآن لم أجدهُ وحين أجده سوف أخبركْ ٠٠!! وَأُكَرِّرُ وَأَقُولْ لَقد أُجْرِىَ هذا اللقاءُ معي وأنا في أَوْجِ شهرتي وثرائي ٠٠!!

стр. 6456

ومرت الأيام والشهورُ بَلْ والأعوامُ وَأَنَا عَلَى هَذَا الحَالْ، كان لي شقيق أَكْبَرُ هاجر إِلى بلجيكا وَكان إنسانا عاديا إِلاَّ أنه كان أكثر مني استقامةً وَالتزاماً، وهناك التقى ببعض الدعاة فتأثر بهِ وعاد إِلى اللهِ على يَدَيْه ٠ فكرت في القيام برحلة سياحية إِلى بلجيكا أزور فِيها أخي وَأواصل رحلتي بَعْدَ ذَلِكَ إِلى مختلفِ بلاَدِ العالَمْ ٠ سافرت إِلى بلجيكا والتقيت هناكَ بأخي، ولَكِنيِّ فوجئت بهيئته متغيرةً وحياته مختلفةً، والأهم من ذلكَ السعادة الَّتي كانت تشع في بيته وحياته، فَتأثرت بما رأيتْ كثيراً، إِضافة إِلى العلاَقات الوثيقة الَّتي تربط بينَهُ وبَيْنَ الشباب المسلم في تلك المدينة، قابلوني بالأحضانِ ورحبوا بي وَكَأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَني مِنْ سَنَوَاتْ، ووجهوا ليَ الدعوة لحضورمجالسهم واجتماعاتهم والتعرف عليهم بصورة قوية ٠

стр. 6457

أجبت الدعوةَ وكنت أشعر وأنا أجلس معهم بشعور غريبْ: كنت أشعر بسعادةٍ عظيمة تغمرني لم أشعر بها من قبل، ومع مرور الأيامِ قمت بمَدِّ إجازتي لكي تستمر هذه السعادة الَّتي طالما بحثت عنها ٠ كنت أشعر بالسعادة مع هؤلاَء الأَتقِيَاءِ تزداد يوما بعد يوم، والضيق والهم والشقاءُ الَّذِي كَانَ يُلاَزِمُني يتناقصُ يوما بعد يوم؛ حَتىَّ امتلأ صدري بنور الإيمانِ وعرفت الطريق إِلى الله الَّذِي كنت بَعِيدَاً عنه مع ما كنت أملكه من الشهرةِ وَالمالْ، وأدركت من تلك اللحظة أن السعادة الحَقِيقِيَّةَ ليست في ذلك المتاع الزائلْ، إنما هي في طاعة الله ﷻ لأَنَّهُ يَقُولْ: ... ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانواْ يعملون﴾ ٠٠٠ (النَّحْل: ٩٧)

стр. 6458

وَلِقَوْلِهِ : ... ﴿ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ (طه: ١٢٤) امتدَّت إِجازتي عِنْدَ أخي أكثر من سنتين، وَأَرسَلت خِطَابَاً إِلى ذَلِكَ الصحفِيِّ الَّذِي سألني عَنِ السَّعَادَةِ وَقُلتُ لَه:

стр. 6459

الأخ (٠٠٠٠٠) رئيس تحرير صحيفة (٠٠٠٠٠٠) السلاَم عليكم ورحْمة الله وبركاته، أَوَدُّ أَوَّلاً أن أذكِّرَكَ بالسؤال الَّذِي كُنْتَ قَدْ سألتني فِيه عن السعادة، وذلك في يوم (٠٠٠٠٠٠٠) المُوَافِقْ: (٠٠٠/ ٠٠٠/٠٠٠) وَأَجَبتكَ قَائِلاً: (٠٠٠٠٠٠٠) ووعدتك أن أخبرك متي ما وجدت حرف " الدال " والآن يسعدني ويشرفني أن أخبرك بأني قد عَثَرْتُ أَخِيرَاً عَلَى حرف الدال المتممِ لاَسمي، وَذَلِكَ في الدين وَالدعوةِ إِلى الله، وَأَصْبَحْت الآن سَعِيدَاً بحقّ، شاع الخبرُ بين الناسْ، وبدأ أعداء الدينِ والمنافقون يطلقون عليَّ الإشاعاتِ ويرمونني بالتهمْ: فمنهم من قالَ إن سعيداً قَدِ اختلَّ عقلهُ وصار مجنوناً، ومنهم من قالَ إنه أصبح عميلاً لأمريكا ٠٠!!

стр. 6460

إِلى غير ذلك من الإشاعات المغرضة، كنت أستمع إلَى هذه الإشاعاتِ فأتذكر دائما ما قوبل به الأنبياء والرسل في بَدْءِ الدَّعْوَةِ عَلَى مرِّ العصور والدهورِ وعلى رأسهم نبينا محمد ﷺ وصحابته الكرام ﵃ أجمعينَ فأزدادَ ثباتاً وإيماناً ويقيناً وأدعو الله دائماً بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَة: ﴿ربنا لاَ تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحْمة إنك أنت الوهاب﴾ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ (آلِ عِمْرَان: ٨) ثَبَّتَكَ اللهُ بِالقَوْلِ الثَّابِتِ يَا أَخِي، وَلَوْ كَانَ طَرِيقُ الجَنَّةِ مَفرُوشَاً بِالوُرُودِ لَسَلكَهُ النَّاسُ جَمِيعَاً، وَلكِنْ كُلُّهُ أَهْوَالٌ وَمُعَانَاةٌ وَدُمُوعْ، وَالفَائِزُ حَقّاً هُوَ مَنْ يَضْحَكُ في النِّهَايَة ٠٠!!

стр. 6461

وَلَكِنيِّ أَهِيبُ بِكَ وَبِأَمْثَالِكَ مِنَ المَوْهُوبِينَ وَالمُبْدِعِينَ الذِينَ حَقَّقُواْ شُهْرَةً وَاسِعَةً في مجَالِ الفِسْقِ وَالفُجُورِ خُمُولهُمْ وَخُمُودُهُمْ بَعْدَ التَّوْبَة: لِمَ لاَ تَكُونُ عَظِيمَاً في الدِّينِ كَمَا كُنْتَ عَظِيمَاً في الدُّنيَا، لِمَ لاَ تَكُونُ دَاعِيَةً مَشْهُورَاً كَالشِّيخْ / محَمَّدْ حَسَّان مَثَلاً، أَوِ الشِّيخْ / كِشْك، أَوْ عَالمَاً مَشْهُورَاً مِن عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ كَالدُّكتُورْ / زَغْلُولِ النَّجَّارِ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ فَقَطْ مِنْ جُنُودِ الأَمْرِيكَانِ المُعَسْكَرَةِ بِالسُّعُودِيَّةِ عَشْرَةُ آلاَفِ جُنْدِيّ، أَجْلاَهُمُ اللهُ كَمَا أَجْلَى قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ عَنِ الحُصُون ٠ ﴿توبة مفحط مشهور﴾

стр. 6462

يا شباب الإسلاَم: لن تجدوا السعادة في التفحيط ـ وَهُوَ كَمَا أَظُنُّهُ المَيْسِرُ أَوِ التَّدْخِين أَوْ مُعَاكَسَةُ الفَتَيَاتِ بِالسَّيَّارَاتْ ـ ولاَ في السفر والمخدراتْ، لن تجدوها إِلاَّ في الاَستقامةِ على دين الله " ٠٠!!

стр. 6463

هذا ما قاله المفحط المشهور سابقا/أبو خالد، بعد أنْ منّ الله عليه بالهدايةِ بعد رحلة طويلة مؤلمةٍ مليئة بالعجائب والمغامرات، يحدثنا عنها فِيقولْ: " أنا شاب نشأت في بيتٍ محافظ نوعاً ما، كنت متفوقا في دراستي، وفي بداية المرحلة الثانوية حاول مجموعة من الشباب الصالحِ ضمِّي إليهم أنا وصديقٍ لي خوفا علينا من رفقاء السوء، لَكِنْ نظرا لصغر سني وجهلي بما ينفعني رفضت الاَنضمام إليهمْ، وكنت أحاول التهرب منهم، ومن الطبيعي أن يتلقفني رفقاء السوءِ وما أكثرهم في هذا الزمان وفي كل زمان، ومما زاد الأمر خطورة أن والدي (عفا الله عنه) اشترى لي سيارة، وإنني بهذه المناسبة أذكّر الآباء وأولياء الأمور بأن يتقوا الله في أولاَدهم ولاَ يهيئوا لهم أسباب الفساد والاَنحراف وَعَلَى رَأسِهَا السيارة، لاَ سيما من كانوا في سن المراهقة، هذه نصيحة مجرب، المهمُّ تطورتِ الأمورُ واشترى لي

стр. 6464

أبي سيارةً جديدة، وازداد عدد الشلة " شلة المصالح " ورسبت سنتين متتاليتينِ في السنة الأولى من المرحلة الثانويةِ بسبب الهروب المستمر من المدرسة، وفي تلك السنة كانت ظاهرة التفحيط قد بلغت أوج قوتها وانتشارها فتعلمتُهَا على أيدي رفقاء السوء، وأنا حين أذكر التفحيط أذكر ما يجر إليه من مشكلاَت ومصائبَ كَالمخدراتِ وَالسَّرِقَةِ وَفواحش أُخْرَى، فكما أن الخمر أم الخبائثِ فالتفحيطُ أبوها ٠٠!!

стр. 6465

ولكن بحمد الله وفضله ثمَّ بفضل أبي وإِخواني الذين أَفاقواْ من سباتهم وانتبهوا لي حيث سارع أحد إخواني بنقلي إِلى مدرسةٍ أخرى فبدأتُ في اهْتِمَامِي بالدراسةِ وابتعدت كثيراً عَن الخبائث الَّتي تصاحب التفحيط كالمخدرات وغيرها، وإن كنت مُقِيمَاً على التفحيط ومعاصٍ أخرى أسأل اللهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيَّ مِنهَا، فَوَاصلت مسيرتي في التفحيط حَتىَّ أصبحت رمزا من رموزه المشهورين الذين يشار إليها بالبنان، وكثرحولي الأصدقاء والمحبون والمعجبون، حَتىَّ الأموال والسيارات كنت أستطيع أن أحصل عليها بكل يسر وسهولة عن طريق المعجبين ٠٠!!

стр. 6466

ولَكِنيِّ مع هذا كله لم أجد السعادة الَّتي كنت أبحث عنها، أبتسم وأضحك في نهاري وفِي الليل أبكي على حَالِي مَعَ اللهِ مُرَّ البُكَاء، كنت أشعرأن بداخلي مناديا يناديني وَيَقولُ هذه ليست رسالتك في الحياة، أَنْتَ لمْ تخْلَقْ لهَذَا، فإذا خرجت من المنزلِ أجد التشجيع والتبجيل والتعظيم فضلاَ عن تضليل الشيطان وكيده فأتجاهل ذلك المنادي الصارم، وإني اليوم أوجه هذا السؤال لكل شاب ملتزم: أين أنتم عنا وعن أمثالنا مِنَ الضَّائِعِين، لماذا تركتمونا نتخبط في هَذَا الزَّمَنِ العصيبْ ٠٠؟! ألاَ تزكون عَلَى هِدَايَتِكُمْ بِالنَّصِيحَةِ لَنَا٠٠؟!! ألاَ تشكرون نعمة الله عليكم فتهدون غيركم ٠٠؟!! أين أنتم من الشباب الضائعْ ٠٠؟!!

стр. 6467

والله لاَ أذكر أن أحداً من الصالحين جاء لمناصحتي وإنقاذي من الضلاَل والضياع الَّذِي كُنتُ فِيهِ إِلاَّ الرَّفِيقُ السَّابِقُ الَّذِي منّ الله عليه بالهداية، فحاول نصحي وهدايتي ٠٠!! المهم أَنيِّ واصلت دراستي باجتهادٍ وتخرجت من الثانوية بتقديرْ "جيد" مع إصراري على التفحيطِ حَتىَّ أن رجال المرور لما جاءوا يبحثون عني في المدرسة فُوجِئُواْ بِتعجُّبِ المديرِ وَقَوْلِهِ لهُمْ " إن هذا الطالب من أحسن الطلاَب خلقا وحضورا " ثمَّ انتقلت لِلمرحلة الجامعيةِ والتحقت بالجامعة، وكان قريب لي يدرس في أمريكا يضغط علي لإكمال دراستي هناك عنده فكنت أرفض بشدة، فما زال منادي الخير يناديني ويذكرني بالله ولكن موعد الهداية لم يحن بعد ٠

стр. 6468

اتسعت شهرتي كمفحطٍ حَتىَّ أَنَّ بعض الصحفِيين جاءني ليجري معي مقابلة صحفِية فرفضْت؛ لأني كنت أشعر في قرارة نفسي أَنيِّ أسير في طريقٍ خاطئ؛ لِم يجري معي مقابلة صحفِية ٠٠؟! هَلْ أَنَا مِنَ العُلَمَاء ٠٠؟! ... هل أنا من الدعاة الذين نذروا أنفسهم للهِ وجعلواْ دَعْوَتَهُمْ وقفاً له سبحانه ٠٠؟! هل أنا من المجاهدين في سبيله ٠٠؟! ... ماذا قدمت لديني وأمتي٠٠؟! ولكن هذا هُوَ حال الكثير من كتّابِنَا للأسف الشديدْ: إنهم يَترُكُونَ العُلَمَاءَ وَالعُظمَاءَ وَيجْرُونَ وَرَاءَ أَخْبَارِ السَّاقِطِينَ وَالسَّاقِطَاتِ وَيُرَوِّجُونَ بضاعتهم على حساب أوقات الناس وعقولهم ٠٠!!

стр. 6469

وتطور الأمرُ وأصبحت أملك سيارة خاصة للتفحيط، حصلت عليْهَا من أَحَدِ المعجبين وعَن طريق الحرامْ، ولاَ عَجَبَ فالتفحيط يجر إِلى أكبر من ذلك، وفي تلك الفترة الَّتي بلغتُ فِيها قمة الشهرةِ قدّرَ الله وتوفيَ صديق لي من كبار المفحطينَ بحادث سَيَّارَةٍ مُرَوِّعٍ فتبتُ إِلى اللهِ واستقمت أياما ثم عَادَت بَعْدَ ذَلِكَ رِيمَة إِلى عَادَتِهَا القَدِيمَة وكأن شيئا لم يكن ٠٠!! ثم إِنيِّ وجدت بَعْدَ ذَلِكَ " شلة " متطورة ومتحضرة: " شلة بانكوك ومانيلاَ " كما يّدعون، ثمَّ بدأت أسافر إِلى الخارجِ أطلب السعادة في أحضان المومساتِ وشرب المسكراتْ، ولكن القضية هيَ هيَ لَمْ تَتَغَيَّرْ: سكر وضحك بِالنهارْ، وهم وغم وحزن بِالليل، قال ﷻ : ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى (**)

стр. 6470

قَالَ رَبِّي لمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرَا (**) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسَى (**) وَكَذَلِكَ نجْزِي مَن أَسْرَفَ وَلمْ يُؤمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ (طه: ١٢٤: ١٢٧) وقد كنت في أيام الدراسة الجامعية تعرفت على شاب أصغر مني سنا، فكانت علاَقتنا تزداد يَوْمَاً بَعْدَ يَوْم، حَتىَّ أَنَّا أَصْبَحْنَا لاَ نستطيع أَنْ نَفترِقَ أكثر من أسبوعْ، ولم تكن وَلِلأَسَفِ تلك الصداقة للهِ وإنما كَانَتْ للتعاون على الإثم والعدوان، وَاتِّبَاعِ طَرِيقِ الشَّيْطَان، وَمع ذَلِكَ فَلَمْ تَكُ تخلو من بعض الخير ٠٠!!

стр. 6471

وفِي السنة الثالثة بدأ منادي الخير يقوى بِدَاخِلِي وتَذكرني بعض أصدقائي الذين منّ اللهُ عليهم بالهدايةِ فبدءوا يتعهدونني بالزيارة، ومن جهةٍ أخرى أشرق نورُ الإِيمَانِ في بيتنا فَهَذِهِ أختي بدأت طريقَهَا في الاَلتزامِ فبدأَتْ تنصحني وترغبني في الهداية، وَوَالله يا أحبة لقد كان المنادي يقوى بِدَاخِلِي وَأَخَذَتِ الظروفُ في التحسنِ وَلكنَّ موعد الهداية لم يحن بعد ٠٠!!

стр. 6472

وفي ذلك العام ذهبت بالأهل إِلى مكة في العشرِالأواخرِ مِنْ شهر رمضانَ ـ وَكُلّنَا يَعْرِفُ مَكَّةَ في مِثلِ هَذَا الوَقتِ مِنَ العَامْ ـ عشت حياة جديدة أقلعت فِيها عن كثير من المعاصي واستبدلت بالدخَّان السواكَ وبالأغاني القرآنَ وحافظت على صلاَة الفَجْرِ والقيامِ وَعَلَى الرفقة الطيبة، هذه هي السعادة الحقيقيةُ الَّتي كُنْتُ أبحث عنها طوالَ عمري: حياة نقية، طاهرة زكية، ما أحلاَها من لذةٍ عندما تشعرأنك تنتصرعلى نفسك الأمارة بالسوءِ وتدحض الشيطانَ وترضى الرحمن ٠٠!! قد تظنونها النهاية، لاَ واللهِ فما زال وَقتُ الهداية لم يحن بعد ٠

стр. 6473

عدت إِلى الرياض وأنا عازمٌ على السير في هَذَا الطريق، وكنت اللهَ في المسجد الحرامِ وأسأله أحد أمرين: إما أن يفتح على قلب صاحبي فِيصحبَني في هذا الطريقِ أو أنْ يفرق بيننا، وَبِالفِعْلِ كَأَنَّهُ (** **) استجاب لِدعائي: فبعد يوم واحدٍ من لقائي بصاحبي حدث بيننا خلاَفٌ وَافتَرقنَا، ولكن ويا للأسف: لَم أجدِ البديل من الرفقاء الصالحين ٠٠!!

стр. 6474

وأقبلتِ الإِمتحاناتُ وَبدأتُ المذاكرةَ وكنت محافظا على الصلاَة مقلعاً عن الكبائرِ مقيما على الصغائرِ فدعاني قريبي الَّذِي يدرس في أمريكا مرة ثانية للذهاب إليه في الصَّيفِ وتعلّم الإنجليزية هناك لصعوبتها عليّ في الجامعةِ فقلت في نفسي هذه فرصة سانحة لأبتعد عن الجو الَّذِي أعيش فِيهِ ثم أعود بعد ذَلِكَ وأسلكُ الطريقَ المسْتقيمْ، ولكن أبى الله (** **) إِلاَّ أن يتم أمره ومشيئته ـ وَمَا ظَلَمَنَا اللهُ وَلكِنَّا نحْنُ الظَّالمُون ـ ففِي يوم من أيام الاَختباراتِ دخلتُ قاعةَ الاَمتحان وقد نسيت في جيبي وَرَقَةً تتعلق بمادة الاَختبارْ، وبعد ساعة من الزمن لمحَ المراقب تلك الورقةَ فأدخل يده في جيبي وأخرجها وَسجّل عليّ محضرا بالغش ومن ثم حرماني من دخول الاَمتحان في الموادِّ المتبقية، عندها شعرت بالظلمِ وأظلمت الدنيا في عينيَّ وظننت أن ذلك شرٌّ لي ولكنَّ الله لاَ يقضي

стр. 6475

إِلاَّ خيراً وإن كان بالنسبة لنا قد يكون شرا، فالشر المحضُ لاَ ينسب إِلى الله أبدا ٠ خرجت من قاعة الاَمتحان غاضبا مهموماً وانطلقت أبحث عما يزيل عني ذلك الهمَّ فانهمكت في سماع الغناء ومشاهدة الأفلاَمِ والمبارياتِ وشربِ الدُّخَانِ فلم أزدد إِلاَّ هما على هم ٠٠!! كانت تلك الحادثةُ يومَ السَّبت، ورحلتي إِلى أمريكا يوم الأربعاء، وفي مساء يَوْمِ السبت جاء الفَرَجُ من اللهِ بَعْدَ طُولِ انْتِظَارْ، وتنزلت رحمتهُ عَلَى غَيرِ موعدٍ وَكَانَ اللِّقَاءْ: مع الطهر والنقاء، والاَستجابة الحقيقية لداعي الخَير: فبينما أنا أتناول طعام العشاء في أحد المطاعمِ إذ بداعي الخير يناديني مرة أخرى ولكن في هذه الليلةِ كَانَ يُنَادِيني بقوَّةٍ وَإِلحاحٍ وَيقول لي: " أتذهب إِلى بلاَد الكفار تجالس المومساتِ وتتعاطى المسكراتْ ٠٠؟!!

стр. 6476

كيف لو أتاكَ وأنتَ هُنَاكَ هادم اللذاتِ ومفرق الجماعاتْ ٠٠؟! أما آن لك أن تعودَ إِلى طريق الاَستقامة أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَعْمَلَ شَيْئَاً لِيَوْمِ القِيَامَة ٠٠؟! فخرجت من المطعم كالتائه الَّذِي يبحث عن أهله، وكَالأم الَّتي تبحث عن ولِيدها، وَكَالمريض الَّذِي يبحث عن الدَّوَاء، فَانطلقت بِسيارتي أهيم على وجهي من شارعٍ إِلى شارعٍ، وَفَتَحْتُ درج سيارتي فوجدت شريطا للشيخ محمد المحيسني كانَ قَدْ أَهْدَاهُ لي من قبلُ أحد الأصدقاءِ ـ جزاه الله عني خيرَاً ـ فاستمعت إِلى قراءةِ الشيخ وكان يقرأ بخشوعٍ ويبكى والناسُ وراءهُ يبكونَ فلم أتمالك نفسي من البكاءِ وَنزلت هذه الآيات على قلبي وكأني أسمعها لأول مرة ٠٠!!

стр. 6477

بكيت بكاء مراً، ثم أوقفت السَيَّارَةَ على جانب الطريقِ وأخرجت عُلبَةَ السجائرِ وأشرطةَ اللهو والباطلِ وأعدمتهَا بدون محاكمة، وعزمت على التوبة النصوحِ والاَستقامةِ على دين اللهِ، وأَن أكونَ داعيةَ خيرٍ بعد أن كنت داعيةَ شرٍّ وفسادْ ٠ عدت إِلى البيتِ فاستقبلني أبي وَقَدْ لاَحظ في وجهي نُورَاً وَتغيراً وخشوعاً فاحتضنني وضمَّني إِلى صدرِهِ بِشِدَّةٍ فبكيت بين يديهِ واعتذرت له عمَّا سببته له هو ووالدتي وإِخْوَتِي من مَتَاعِبَ ومشكلاَتْ؛ ففرحوا بتوبتي فرحا شديداً، وبعد التوبةِ كان من الطبيعيِّ أن يضاعفَ الشيطان جهودَه ويكلف أولياءه وَجُنودَهُ بالعمل من أجل إِضلاَلي وإِعادتي إِلى حَظِيرَتِه، ولكن الله ثبتني فواجهت تعنيف الشيطان من داخلي وهو يقول لِي لِم لَمْ تذهبْ يا غبيُّ إِلى الخارج حيث الحريةُ والاَنطلاَقُ ٠٠؟!

стр. 6478

ولَكِنيِّ كنت قد قطعت على نفسي خُطُوط الرجعة، فأول مكان ذهبت إليه بعد توبتي هو محل الحلاَقة حيث أزلت شعر رأسي بالكليةِ، حَتىَّ صديقي المُقَرَّبِ جاءني يذكرني بالأيام الماضية من حياتي ويرغبني فِيها فَلم أستجب لهُ وصبرت على الغَمِّ وَالهَمِّ الَّذِي أصابني في بداية الأمر حَتىَّ استحال ذلك وانقلبَ سُرُورَاً وطمأنينة وراحة بالْ، وصدق الإمام ابن القيمِ ﵀ حين قالَ إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائدِ من تركها لغير الله، أما من تركها مخلصا من قلبهِ لله فإنه لاَ يجد في تركها مشقةً إِلاَّ في أول وهلة، ليُمْتَحَنَ أصادق هو في تركها أم كاذبْ، فإنْ صبر على المشقةِ قليلاَ استحالت لذةً، وتعرفت على مجموعة من الشباب الأخيارِ، وتفضل الله عليَّ بمنَّةٍ أخرى لَمْ تخْطُرْ لِي عَلَى بَالْ: ألاَ وهي هداية صديقي العزيز على يدي ٠٠!!

стр. 6479

وازدَادَ إيماني ويقيني بالله وفي ختام حديثي أوجهها نصيحةً صادقة إِلى جميع الشبابِ فأقولُ يا شباب الإسلاَمْ: لن تجدوا السعادة في السفر، ولاَ في المخدراتِ والتخبط، لن تجدوها أو تشموا رائحتها إِلاَّ في الاَلتزام بِتَعَالِيمِ الإِسْلاَمِ وَخدمة دين اللهِ بِالأمر بالمعروف والنهي عن المنكرْ ٠ شَبَابَ الجِيلِ لِلإِسْلاَمِ عُودُواْ فَأَنْتُمْ رُوحُهُ وَبِكُمْ يَسُودُ وَأَنْتُمْ سِرُّ نَهْضَتِهِ قَدِيمَاً وَأَنْتُمْ فَجْرُهُ الزَّاهِي الجَدِيدُ أسأل اللهَ لي ولكم الثباتَ وصلى الله على نبينا محَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إِلى يَوْمِ الدِّين ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ (أبو خالد) (العَائِدُونَ إِلى الله الجُزْءُ الثَّالِثْ بِتَصَرُّفْ لِلشِّيخْ / محمَّد عَبْد العَزِيزْ المُسْنَد) ﴿بُشْرَى مِنْ رَسُولِ اللهِ إِلى الشَّبَابْ﴾

стр. 6480

أَخِي الكَرِيمْ: إِنَّ الدُّنيَا سَاعَة؛ فَاجْعَلهَا طَاعَة، وَالنَّفسُ طَمَّاعَة؛ فَعَلِّمْهَا القَنَاعَة، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ تمَنَّعَ في الدُّنيَا تمَتَّعَ في الآخِرَة، وَشِبْعٌ بَعْدَ جُوعْ: خَيْرٌ مِنْ جُوعٍ بَعْدَ شِبْع، وَاتَّقُواْ يَوْمَ يَنظُرُ الإنسَانُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيْتَني كُنتُ تُرَابَا ٠٠!! وَأَخِيرَاً أَيُّهَا الأَحْبَابْ: أَخْتِمُ هَذَا الكِتَاب: بِبُشْرَى مِنْ رَسُولِ ﷺ إِلى الشَّبَابْ، يَقولُ ﷺ :
следующие страницы →