← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38154

موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني

ياسر الحمداني

Полный текст (8 320 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

[انْظُرْ الخُطَبَ المِنْبَرِيَّة ٠ كِشْك: ١٧ // ١٠] [نَفَائِسُ اللَّطَائِف لِلدُّكتُور نَايِف ٠ طَبْعَةُ بَيرُوت ٠ المَكتَبَةُ العُمَرِيَّة ٠ ص: ٩ ـ ١٠] [نَفَائِسُ اللَّطَائِف لِلدُّكتُور نَايِف ٠ طَبْعَةُ بَيرُوت ٠ المَكتَبَةُ العُمَرِيَّة ٠ ص: ١١١] اصْبِرْ عَلَى كَيْدِ الحَسُودِ فَإِنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُه فَالنَّارُ تَأكُلُ بَعْضَهَا إِنْ لَمْ تجِدْ مَا تَأكُلُه وَأَغيَظُ مَنْ نَادَاكَ مَنْ لاَ تجِيبُهُ شَكَا أَحَدُ أَصْحَابِ المَطَاعِمِ لِفَضِيلَةِ الشّيخ كِشك [﵀] أَنَّ الزَّبَائِنَ يَأكُلُونَ وَلاَ يَدْفَعُونَ الحِسَاب، قَالَ الشَّيْخُ وَلِمَ ٠٠!؟ قَالَ لأَنِّي وَضَعْتُ لاَفِتَةً مَكتُوبٌ عَلَيْهَا: " إِنمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله " ٠٠!!

стр. 7982

فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ احْمِلْ هَذِهِ اللاَفِتَةِ وَضَعْ مَكَانهَا لاَفِتَةً مَكتُوبٌ عَلَيْهَا: " ادْفَعْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَن "٠٠!! بِالمَسْرَحِيَّة: أَنَا ادِّيتْ لأَهْلِي خَلفِيَّة؛ يَا تَرَى هَتْفَرَّحْهُمْ بِيَّا وَلاَ هَتْفَرَّحْهُمْ فِيَّا " ٠٠!؟ لاَ تَحْرِمَنِّيَ يَا عَمِّي مِنِ امْرَأَةٍ عَيْني تَقَرُّ بِهَا في الخَلْقِ وَالخُلُقِ أَنْسَى بِهَا مُرَّ مَا قَدْ مَرَّ مِنْ محَنٍ وَيَكْتَسِي العُودُ بَعْدَ الجَدْبِ بِالوَرَقِ أَبْكِي إِذَا غَضِبَتْ حَتىَّ إِذَا رَضِيَتْ بَكَيْتُ بَعْدَ الرِّضَا خَوْفَاً مِنَ الغَضَبِ قيل لأَرابيٍّ فِي احْتِضَارِه بمنْ توصي بامْرَأَتِكَ ـ وكانت قد تزوجت أَربعةَ قبله ـ فقال إِلَى الخامس الأَشقى (عَلَيهِ لعنةُ الله) ٠٠!! وَقيلَ لآخَرَ مَاتَ اليَومَ طبَّالٌ وَزَمَّارٌ ومغنٍّ فقال لاَ شك أَنَّ في جهنمَ فرحْ ٠٠!!

стр. 7983

وَكَأَنَّهُ يَقُولُ بِذَلِكَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئسَ المَصِير ٠٠!! ﴿يَاسِر الحَمَدَاني ـ مِصْر﴾ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:

стр. 7984

" لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إِلاَّ ثَلاَثَة: عِيسَى ابْنُ مَرْيم، وَصَاحِبُ جُرَيْج، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلاً عَابِدَاً، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ يَا جُرَيْج، فَقَالَ يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلاَتي ٠٠؟! فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ يَا جُرَيْج، فَقَالَ يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلاَتي ٠٠؟! فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ يَا جُرَيْج، فَقَالَ أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلاَتي ٠٠؟!

стр. 7985

فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ فَقَالَت: اللهُمَّ لاَ تمِتْهُ حَتى يَنْظُرَ إِلى وُجُوهِ المُومِسَات؛ فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجَاً وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بحُسْنِهَا فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ؛ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيَاً كَانَ يَأْوِي إِلى صَوْمَعَتِهِ ـ أَيْ صَوْمَعَةِ جُرَيْجٍ ـ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ؛ فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُواْ صَوْمَعَتَهُ وَجَعَلُواْ يَضْرِبُونَهُ؛ فَقَالَ مَا شَأْنُكُمْ ٠٠؟! قَالُواْ زَنَيْتَ بهَذِهِ البَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فَقَالَ أَيْنَ الصَّبيُّ ٠٠؟

стр. 7986

فَجَاءواْ بِهِ، فَقَالَ ـ أَيْ جُرَيْج: دَعُوني حَتى أُصَلِّيَ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبيَّ، فَطَعَنَ في بَطْنِهِ وَقَال: يَا غُلاَمُ مَن أَبُوك ٠٠؟

стр. 7987

قَالَ فُلاَنٌ الرَّاعِي؛ فَأَقْبَلُواْ عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ وَقَالُواْ: نَبْني لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَب، قَالَ لاَ، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ فَفَعَلُواْ، وَبَيْنَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ مِن أُمِّه، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ ـ أَيْ هَيْئَةٍ ـ حَسَنَة؛ فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللهُمَّ اجْعَلِ ابْني مِثْلَ هَذَا، فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْه، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَال: اللهُمَّ لاَ تَجْعَلْني مِثْلَه، ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِع " ٠٠ قَالَ ـ أَيْ أَبُو هُرَيْرَة: فَكَأَني أَنْظُرُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يحْكِي ارْتِضَاعَهُ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ في فَمِه، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا، قَالَ ﷺ : ((

стр. 7988

وَمَرُّواْ بجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونهَا وَيَقُولُون: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ، وَهِيَ تَقُول: حَسْبيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ؛ فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْني مِثْلَهَا، فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَال: اللهُمَّ اجْعَلْني مِثْلَهَا، فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الحَدِيثَ ـ أَيِ الأُمُّ وَوَلَدُهَا ـ فَقَالَتْ: حَلْقَى ـ أَيْ أَوْجَعَ اللهُ حَلقَكَ؛ مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ فَقُلْتُ: اللهُمَّ اجْعَلِ ابْني مِثْلَهُ فَقُلْتَ: اللهُمَّ لاَ تَجْعَلْني مِثْلَه، وَمَرُّواْ بِهَذِهِ الأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا، وَيَقُولُونَ زَنَيْتِ، سَرَقْتِ؛ فَقُلْتُ: اللهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْني مِثْلَهَا، فَقُلْتَ: اللهُمَّ اجْعَلْني مِثْلَهَا ٠٠؟!!

стр. 7989

قَالَ ـ أَيِ الغُلاَم: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارَاً فَقُلْتُ: اللهُمَّ لاَ تَجْعَلْني مِثْلَهُ، وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا زَنَيْتِ وَلَمْ تَزْنِ، وَسَرَقْتِ وَلَمْ تَسْرِقْ؛ فَقُلْتُ اللهُمَّ اجْعَلْني مِثْلَهَا " ٠ البُخَارِيُّ بِنَحْوِهِ في كِتَابِ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاء بَابِ قَوْلِ اللهِ : ﴿وَاذْكُرْ في الكِتَابِ مَرْيمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِن أَهْلِهَا مَكَانَاً شَرْقِيَّاً﴾ ﴿مَرْيم/١٦﴾ حَدِيثٌ رَقْم: (٣٤٣٦)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ بِنَصِّهِ في كِتَابِ البِرِّ وَالصِّلَةِ وَالآدَاب، بَابٍ تَقْدِيمِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلاَةِ وَغَيرِهَا ٠ حَدِيثٌ رَقْم: (٢٥٥٠) ٠ وَصِيَّتي

стр. 7990

هِجْرَةُ الرَّسُولِ دُرُوسٌ وَعِبر: ================= تَبَارَكَ مَنْ لَهُ الحَمْدُ عَلَى الدَّوَام، تَبَارَكَ مَنْ لاَ يَغْفَلُ وَلاَ يَنَام، لَهُ الحَمْدُ في الأُولى وَالآخِرَة، وَلَهُ الحَمدُ دَائِمَاً وَأَبَدَا، سُبْحَانَه سُبحَانَه، لَهُ العِزَّةُ وَالجَبَرُوت، وَلَهُ المُلكُ وَالمَلَكُوت، يحْبي وَيمِيتُ وَهْوَ حَيٌّ لاَ يمُوت، يُسَبِّحُ بحَمْدِهِ كُلُّ مَنْ في الأَرْضِ وَالسَّمَاوَات، بَدْءَاً مِنَ الذّرَّاتِ وَحَتى المجَرَّات ٠٠!! إِلهِي لكَ الحَمْدُ الَّذِي أَنتَ أَهْلهُ * علَى نِعَمٍ مَا كُنتُ قطُّ لهَا أَهْلاَ إِذَا زِدْتُّ عِصْياناً تزِدْني تَفضُّلاَ * كَأَنِّيَ بِالعِصْيَان أَسْتوْجِبُ الفَضْلاَ نُسِيءُ إِلَيْهِ وَيحْسِنُ إِلَيْنَا؛ فَمَا قَطَعَ إِحْسَانَهُ وَلاَ نحْنُ اسْتَحْيَيْنَا ٠٠!! اللهُمَّ خُذْ بِأَيْدِينَا؛ حَتى نُرْضِيَكَ كَمَا تُرْضِينَا ٠٠!!

стр. 7991

أَنْتَ الَّذِي أَرْشَدْتَني مِنْ بَعْدِ مَا * في الأَرْضِ كُنتُ أَتِيهُ كَالحَيرَانِ وَزَرَعْتَ لي بَينَ القُلُوبِ محَبَّةً * حَتى أَحَبَّتْ يَاسِرَ الحَمَدَاني وَنَشَرْتَ لي في العَالمِينَ محَاسِنَاً * وَسَتَرْتَ عَن أَبْصَارِهِمْ عِصْيَاني وَاللهِ لَوْ عَلِمُواْ بمَا كَسَبَتْ يَدِي * لأَبَى السَّلاَمَ عَلَيَّ مَنْ يَلقَاني يَا رَبِّ سَاعِدْنِي عَلَى نَفسِي بِمَا * تَرْضَى وَسَاعِدْنِي عَلَى الشَّيْطَانِ ********** إِلهِي لَقَدْ أَحْسَنتَ رَغْمَ إِسَاءَتي * إلَيكَ فَلَمْ يَنهَضْ بِإِحْسَانِكَ الشُّكرُ فَمَنْ كانَ مُعْتَذِرَاً إِلَيْكَ بحُجَّةٍ * فَعُذرِيَ إِقْرَارِي بأَنْ لَيْسَ لي عُذرُ ﴿﴿﴿﴿﴿﴿﴿

стр. 7992

وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَه، وَأَشْهَدُ أَنَّ محَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُه، أَرْسَلَه اللهُ هَادِيَاً وَمُبَشِّرَاً وَنَذِيرَا، وَدَاعِيَاً إِلى اللهُ بِإِذنِهِ وَسِرَاجَاً مُنِيرَا، اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيهِ وَعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِ تَسلِيمَاً كَثِيرَا ٠٠ أَنْتَ الذِي لَمَّا رُفِعْتَ إِلى السَّمَا * بِكَ قَدْ سَمَتْ وَتَزَيَّنَتْ لِلقَاكَا أَنْتَ الذِي مِنْ نُورِكَ البَدْرُ اكْتَسَى * وَالشَّمْسُ قِنْدِيلٌ أَمَامَ ضِيَاكَا نَادَيْتَ أَشْجَارَاً أَتَتْكَ مُطِيعَةً * وَشَكَا الْبَعِيرُ إِلَيْكَ حِينَ رَآكَا وَالمَاءُ فَاضَ بِرَاحَتَيْكَ وَسَبَّحَتْ * صُمُّ الحَصَى للهِ فِي يمْنَاكَا وَالجِذْعُ حَنَّ إِلَيْكَ حِينَ تَرَكتَهُ * وَعَلَى سِوَاهُ أُوقِفَتْ قَدَمَاكَا

стр. 7993

مَاذَا يَقُولُ المَادِحُونَ وَمَا عَسَى * أَنْ يجْمَعَ الكُتَّابُ مِنْ مَعْنَاكَا صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ يَا عَلَمَ الهُدَى * مَا اشْتَاقَ مُشْتَاقٌ إِلىَ رُؤْيَاكَا اللهمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا محَمَّدٍ عَدَدَ أَورَاقِ الشَّجَر، وَعَدَدَ حَبَّاتِ المَطَر، وَعَدَدَ مَا خَلَقتَ مِنَ البَشَر٠ ثمَّ أَمَّا بَعْد فَسَوْفَ أَتَنَاوَلُ في هَذَا البَحْثِ جَانِبَاً مِن حَيَاةِ صَاحِبِ السِّيرَةِ العَطِرَة، أَلاَ وَهُوَ حَادِثُ الهِجْرَة، وَمَا يَتَخَلَّلُهَا مِنَ العِظَةِ وَالعِبرَة ٠ هَذَا ٠٠ مَعَ مُرَاعَاةِ عَدَمِ التَّطْوِيل، وَعَلَى اللهُ قَصْدُ السَّبِيل، عَلَيْهِ تَوَكَّلنَا وَهُوَ نِعْمَ الوَكِيل ٠ ﴿البَاحِث / يَاسِر أَحْمَد محْمُود ٠ الشَّهِير بِيَاسِرٍ الحَمَدَاني﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ــ الهِجْرَةُ لُغَةً

стр. 7994

يُقَالُ الهِجْرَةُ وَالهُجْرَة: وَهِيَ مُفَارَقَةُ الوَطَن، وَالخُرُوجُ مِن أَرْضٍ لأَرْض، وَالسَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَاب ٠ [٢٧٧٩]ـ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ؛ يمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ؛ فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلى أَهْلِهِ " ٠٠!! [الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ٠ في مَوْسُوعَةِ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقمَي: ٢٧٧٩، ٣٥٥٤]

стр. 7995

فَهِيَ لَفْظَةٌ مُرْتَبِطَةٌ بِالمَشَقَّةِ فَمِنهَا الهَجْرُ وَالهِجْرَانُ وَمَا فِيهِمَا مِنَ المَشَقَّةِ وَالحَنِين، وَالمَهْجُورُ وَمَا يُلاَقِيهِ وَيُعَانِيهِ مِنَ الأَنِين، وَمِنهَا وَمِنهَا التَّهْجِيرُ أَيِ الخُرُوجُ بِالهَجِير، الهَجِيرُ أَوِ الهَاجِرَة: أَيْ مُنْتَصَفِ النَّهَار، عِنْدَ بَدْءِ تَنَحِّي الظِّلِّ مِنْ تحْتِ الشَّيْء؛ وَمِنهُ قَوْلُ جَابِر: " كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ " ٠٠!! [الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ في مَوْسُوعَةِ صَخْرٍ بِرَقم: ٥٣٢] فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبهِمْ

стр. 7996

وَيحْلُو لي أَن أُرَدِّدَ في مِثْلِ هَذَا المَقَامِ الكَرِيم: أَبْيَاتَاً لِشَاعِرِنَا العَظِيم / هَاشِم الرِّفَاعِي، قَالهَا في مُنَاسَبَةِ الاَحْتِفَالِ بِالعَامِ الهِجْرِيِّ الجَدِيدِ، في فَترَةٍ سَادَ فِيهَا الظُّلْمُ وَالاَسْتِبْدَاد؛ فَأَنْشَدَ وَأَجَادَ الإِنْشَاد: عِيدٌ عَلَى الوَادِي أَتَى مخْتَالاَ * يحْكِي الرَّبِيعَ بَشَاشَةً وَجَمَالاَ إِنَّا لَنَذْكُرُ بِالمُحَرَّمِ فِتيَةً * بِكِفَاحِهِمْ ضَرَبُواْ لَنَا الأَمْثَالاَ خَرَجُواْ لِيَثرِبَ هَارِبِينَ بِدِينِهِمْ * قَدْ فَارَقُواْ أَصْحَابهُمْ وَالآلاَ وَلِنُصْرَةِ الحَقِّ الذِي خَرَجُواْ لَهِ * بَذَلُواْ النُّفُوسَ وَقَدَّمُواْ الأَمْوَالاَ وَمَنِ ابْتَغَى الإِصْلاَحَ في دُنيَا الوَرَى * رَكِبَ الشَّدَائِدَ وَامْتَطَى الأَهْوَلاَ

стр. 7997

كَمْ مَرَّ بِالوَادِي حَكِيمٌ ضَائِعٌ * يَبْكِي عُلاَهُ وَيَشْتَكِي الإِذْلاَلاَ فَالنِّيلُ عَبْدٌ وَالكِنَانَةُ في أَسَىً * وَالشَّعْبُ يَشْكُو الجُوعَ وَالإِقْلاَلاَ مَا أَنْتَ إِلاَ عِيدُ كُلِّ مُعَذَّبٍ * في الأَرْضِ قَدْ ذَاقَ الضَّنى أَشْكَالاَ أَمْسَى وَأَصْبِحَ في القُيُودِ مُكَبَّلاً * وَقَدِ ارْتَدَى مِنْ بُؤْسِهِ سِرْبَالاَ أَحْدَاثُ الهِجْرَة

стр. 7998

لَمَّا ازْدَادَ إِيذَاءُ المُؤْمِنِينَ في مَكَّةَ وَرَأَواْ أَنهُمْ قَدْ أُحِيطَ بهِمْ وَضَاقَ بهِمْ ذَرْعَاً بَدَأُواْ في الهِجْرَة، وَكَانَتْ هِجْرَتهُمْ بَادِئَ بَدْءٍ إِلى الحَبَشَة، حَتى بَدَأَتِ المُبَشِّرَاتُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَنَّ اللهَ جَاعِلٌ لَهُ مُتَنَفَّسَاً في أَرْضِ يَثرِب؛ فَطَفِقَتْ جُمُوعُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في شَدِّ الرِّحَالِ إِلَيْهَا لَمَّا رَأَوْهَا قَدْ حَسُنَتْ مُسْتَقَرَّاً وَمُقَامَا ٠ إِنهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدَا قال ابْنُ إِسْحَاقَ بِاخْتِصَار:

стр. 7999

" لَمَّا رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا ـ يَعْني المَدِينَة ـ وأصابوا منهم منعة؛ فَحَذَروا خروج رسول الله ﷺ إليهم وعرفوا أنهم قد أُجمِعَ لحربهم؛ فاجتمعوا له في دار الندوة، وهي دار قصي بن كلاَب التي كانت قريش لاَ تقضي أمرا إلاَ فيها، يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه، غدوا في اليوم الذي اتعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الرحمة، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بتلة ـ أَيْ عَبَاءةٌ مُوَشَّاة ـ فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ ٠٠؟

стр. 8000

قال شيخ من أهل نجد، سَمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لاَ يعدمكم منه رأيا ونصحا، قالوا أجل فادخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريشٍ فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم؛ فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا؛ فأجمعوا فيه رأيا ٠٠؟ فتشاوروا ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرا والنابغة وَمن مَضَى منهم من هَذَا المَوتِ حَتى يصيبَه مَا أَصَابهم، فقال الشيخ النجدي لاَ والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليُخْرِجَنَّ أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم ثُمَّ يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ٠٠ ما هذا لكم برأيٍ فانظروا في غيره ٠٠

стр. 8001

فتشاوروا ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلاَدنا؛ إِذَن والله ما نبالي أين ذهب ولاَ حيث وقع إِذَن، وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وَأُلفَتَنَا كما كانت؛ فقال الشيخ النجدي لاَ والله ما هذا لكم برأي؛ أَلَم تَرَوا حسنَ حَديثه وَحَلاَوَةَ مَنطقه وَغَلَبَته عَلَى قلوب الرجَال بمَا يَأتي به؛ وَالله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حيٍّ من العرب فيغلِب عليهِم بِذلِك مِن قولِهِ وحدِيثِهِ حتى يتابعوه عليه ثُمَّ يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلاَدكم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد، فقال أبو جهل بن هشام والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا وما هو يا أبا الحكم ٠٠؟

стр. 8002

قال أرى أن يُنفَذَ من كل قَبيلَة فَتى شَابا جليدا نسيبا وسيطا فينا ـ أَيْ حَسِيبَاً شَرِيفَاً ـ ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها حصول رجل واحدٍ فيقتُلُوهُ فنستريحُ منهُ؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دَمُهُ في القبائل جميعا فلم يقدر بنُو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقلِ ـ أَيْ بِالدِّيَةِ ـ فَعَقَلنَاهُ لهم ٠٠ فقال الشيخ النَّجدي القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لاَ رأي غيرَه، فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له " ٠٠!! [السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ٥ ـ ٩/ ٣] وَفَاءُ الأَنْبِيَاء ٠٠ حَتى مَعَ الأَعْدَاء

стр. 8003

فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال لاَ تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب نم على فراشي وتسج ببردي هذا الحضرميِّ الأخضر؛ فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذلك إذا نام، وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ أَنهُمْ لَمَّا اجتمعوا له وفيهم أبو جهل بن هشام قال وهم على بابه ـ أَيْ يُعَرِّضُ المَلعُونُ بِرَسُولِ اللهِ قَائِلاً ـ إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم منْ بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجِنان الأردن، وإن لَمْ تفعلوا كان ذبحٌ ثم بعثتم من بعد موتكم ثم جُعِلَتْ لكم نارٌ تحرقون فيها، وخرج

стр. 8004

عليهم رسول الله ﷺ فأخذ حفنة من تراب في يده ثُم قال أنا أقول ذلك، أنت أحدهم، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلاَ يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هؤلاَء الآيات: " يَسِ، وَالقُرْآنِ الحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، تَنزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ، لِتُنْذِرَ قَوْمَاً مَّا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ، لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون، إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلى الأذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ، وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدَّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدَّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُون " ٠٠!! ﴿يَسِ/١ ـ ٩﴾

стр. 8005

حتى فرغ رسول الله ﷺ من هؤلاَء الآيات وَلَمْ يبق منهم رجل إلاَ قد وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال ما تنتظرون ها هنا ٠٠؟ قالوا محمدا، قال خيبكم الله؛ قد والله خرج عليكم محمدٌ ثم ما ترك منكم رجلاَ إلاَ وقد وضع على رأسه تراباً وانطلق لحاجته؛ أفما ترون ما بكم ٠٠!؟ فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليَّا على فِرَاشِهِ مُسَجِّيَاً ـ أَيْ مُغَطَّىً ـ ببرد رسول الله ﷺ فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائماً عليه برده؛ فلم يبرحوا كذلك ـ أَيْ ظَنُّواْ أَنَّ ذَلِكَ الآتيَ مِنْ شِيعَتِهِ وَيُرِيدُ تَضْلِيلَهُمْ فَكَذَّبُوه ـ حتى أصبحوا فقام عليٌّ ﵁ عنِ الفِرَاشِ فقالُواْ والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا " ٠٠!!

стр. 8006

حَدِيثُ الهِجْرَةِ في البُخَارِي [٠٠٠] عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلاَ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ ـ أَيِ الإِسْلاَمَ ـ وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ؛ إِلاَ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَرَفيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُليَ المُسْلِمُون؛ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرَاً نحْوَ أَرْضِ الحَبَشَة، حَتى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَاد ـ مَوْضِعَاً أَسْفَلَ مَكَّةَ في طَرِيقِ الحَبَشَة ـ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ وَهُوَ سَيِّدُ القَارَةِ ـ اسْمُ قَبِيلَةِ ابْنِ الدُّغُنَّة ـ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْر ٠٠؟

стр. 8007

فَقَالَ أَبُو بَكْر: أَخْرَجَني قَوْمِي؛ فَأُرِيدُ أَن أَسِيحَ في الأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَة: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَج؛ إِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُوم، وَتَصِلُ الرَّحِم، وَتحْمِلُ الكَلّ ـ أَيِ العِبْءَ الثَّقِيل ـ وَتَقْرِي الضَّيْف، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقّ؛ فَأَنَا لَكَ جَارٌ ٠٠ ارْجِعْ وَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِك، فَرَجَعَ وَارْتَحَلَ مَعَهُ ابْنُ الدَّغِنَة، فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً في أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلاَ يُخْرَج؛ أَتُخْرِجُونَ رَجُلاً يَكْسِبُ المَعْدُومَ وَيَصِلُ الرَّحِم، وَيحْمِلُ الكَلَّ وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ ٠٠!؟

стр. 8008

فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيْشٌ بجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ وَقَالُواْ لاَبْنِ الدَّغِنَة: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ في دَارِه، فَلْيُصَلِّ فِيهَا وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ وَلاَ يُؤْذِينَا بِذَلِكَ وَلاَ يَسْتَعْلِنْ بِه؛ فَإِنَّا نخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءنَا وَأَبْنَاءنَا، فَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبي بَكْر، فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ في دَارِهِ، وَلاَ يَسْتَعْلِنُ بِصَلاَتِهِ وَلاَ يَقْرَأُ في غَيْرِ دَارِه، ثُمَّ بَدَا لأَبي بَكْرٍ ـ أَيْ رَأَى غَيرَ ذَلِكَ ـ فَابْتَنى مَسْجِدَاً بِفِنَاءِ دَارِهِ وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآن، فَيَنْقَذِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ ـ أَيْ يَنْدَفِعُونَ إِلَيْهِ ـ وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْه، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً:

стр. 8009

لاَ يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ القُرْآن؛ وَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِين؛ فَأَرْسَلُواْ إِلى ابْنِ الدَّغِنَة، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُواْ: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ بجِوَارِك، عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِه، فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنى مَسْجِدَاً بِفِنَاءِ دَارِه، فَأَعْلَنَ بِالصَّلاَةِ وَالقِرَاءةِ فِيه؛ وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءنَا وَأَبْنَاءنَا فَانْهَهُ، فَإِن أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِهِ فَعَل، وَإِن أَبى إِلاَ أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَك؛ فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبي بَكْرٍ الاَسْتِعْلاَن، فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلى أَبي بَكْرٍ فَقَال: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي

стр. 8010

عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْه؛ فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ تُرْجِعَ إِليَّ ذِمَّتي؛ فَإِني لاَ أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أَني أُخْفِرْتُ في رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْر: فَإِني أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ وَأَرْضَى بجِوَارِ اللهِ ، وَالنَّبيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بمَكَّة، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ لِلْمُسْلِمِين: " إِني أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نخْلٍ بَينَ لاَبَتَينِ: وَهُمَا الحَرَّتَان " ٠٠

стр. 8011

ـ أَيْ بُقْعَتَانِ كَبِيرَتَانِ ذَوَاتَا حِجَارَةٍ سُود ـ فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَة، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ إِلى المَدِينَة، وَتجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ المَدِينَة، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " عَلَى رِسْلِكَ؛ فَإِني أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لي " ٠٠ ـ أَيْ أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لي فَأَصْحَبَكَ مَعِي ـ فَقَالَ أَبُو بَكْر: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبي أَنْتَ ٠٠!؟

стр. 8012

قَالَ نَعَمْ، فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُر: وَهُوَ الخَبَط ـ أَيْ نَوْعٌ مِنَ الشَّجَر ـ أَرْبَعَةَ أَشْهُر، فَبَيْنَمَا نحْنُ يَوْمَاً جُلُوسٌ في بَيْتِ أَبي بَكْرٍ في نحْرِ الظَّهِيرَةِ ـ أَيْ في وَسْطِهَا ـ قَالَ قَائِلٌ لأَبي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللهِ مُتَقَنِّعَاً ـ أَيْ مُتَلَثِّمَاً ـ في سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْر: فِدَاءٌ لَهُ أَبي وَأُمِّي، وَاللهِ مَا جَاءَ بِهِ في هَذِهِ السَّاعَةِ إِلاَ أَمْر، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَه، فَدَخَلَ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ لأَبي بَكْرٍ: " أَخْرِجْ مَن عِنْدَك " ٠٠ فَقَالَ

стр. 8013

أَبُو بَكْر: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ ﷺ : " فَإِني قَدْ أُذِنَ لي في الخُرُوج " ٠٠ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّحَابَةَ ـ أَيِ الصُّحْبَةَ ـ بِأَبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَعَمْ " ٠٠ قَالَ أَبُو بَكْر: فَخُذْ بِأَبي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَى رَاحِلَتيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بِالثَّمَن " ٠٠ قَالَتْ عَائِشَة: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الجِهَاز ـ أَيْ أَسْرَعَ الجِهَاز ـ وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً ـ أَيْ زَادَ المُسَافِرِ ـ في جِرَاب، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الجِرَاب؛ فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْن ٠

стр. 8014

ثمَّ لحِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ في جَبَلِ ثَوْر، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبي بَكْرٍ وَهُوَ غُلاَمٌ شَابّ، ثَقِفٌ لَقِن ـ أَيْ ذَكِيٌّ حَاذِق ـ فَيُدْلِجُ مِن عِنْدِهِمَا بِسَحَر، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بمَكَّةَ كَبَائِتٍ ـ أَيْ بَيْنَهُمْ ـ فَلاَ يَسْمَعُ أَمْرَاً يُكْتَادَانِ بِهِ ـ أَيْ يَكِيدَانِهِ ـ إِلاَ وَعَاهُ حَتى يَأْتِيَهُمَا بخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يخْتَلِطُ الظَّلاَم، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَة، مَوْلى أَبي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ ـ أَيْ غَنَمَاتٍ يَقُومُ بِرَعْيِهَا مَقَابِلَ الاَنْتِفَاعِ بِأَلْبَانهَا ـ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاء، فَيَبِيتَانِ ـ أَيْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 8015

وَأَبُو بَكْر ـ في رِسْلٍ: وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا، حَتى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَس، يَفْعَلُ ذَلِكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالي الثَّلاَث، وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ بَني الدِّيَل ـ اسْمُ قَبِيلَةٍ ـ وَهُوَ مِنْ بَني عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، هَادِيَا خِرِّيتَاً، وَالخِرِّيتُ المَاهِرُ بِالهِدَايَة ـ أَيْ بِإِرْشَادِ السَّالِكِين ـ قَدْ غَمَسَ حِلْفَاً في آلِ العَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيّ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْش، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا،

стр. 8016

وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا ـ أَيْ بمُقَابِلِ رَاحِلَتَيْهِمَا ـ صُبْحَ ثَلاَث، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيل، فَأَخَذَ بهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِل " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٣٩٠٥ / فَتْح]

стр. 8017

عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: " جَاءنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْش، يجْعَلُونَ في رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ في مجْلِسٍ مِنْ مجَالِسِ قَوْمِي بَني مُدْلِج؛ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتى قَامَ عَلَيْنَا وَنحْنُ جُلُوس، فَقَالَ يَا سُرَاقَة: إِني قَدْ رَأَيْتُ آنِفَاً أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ أُرَاهَا محَمَّدَاً وَأَصْحَابَه، قَالَ سُرَاقَة: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ لَيْسُواْ بهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلاَنَاً وَفُلاَنَاً انْطَلَقُواْ بِأَعْيُنِنَا ـ أَيْ ضَلَّلَهُ ـ ثمَّ لَبِثْتُ في المجْلِسِ سَاعَةً ثُمَّ قُمْت، فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ جَارِيَتي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ ـ أَيْ

стр. 8018

تَنْتَظِرَني بهَا ـ وَأَخَذْتُ رُمحِي فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ البَيْت، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ ـ أَيْ يَرْشُقُهُ في الأَرْضِ ثمَّ يَأْخُذُهُ ـ حَتى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا ـ أَيِ أَسْرَعْتُ بهَا ـ تُقَرِّبُ بي حَتى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلى كِنَانَتي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلاَم ـ أَيْ شَيْئَاً كَالقُرْعَةِ كَانُواْ في الجَاهِلِيَّة يَسْتَخِيرُونَ بِهِ الأَصْنَام ـ فَاسْتَقْسَمْتُ بهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لاَ ٠٠؟

стр. 8019

فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ ـ أَيْ لاَ أَضُرُّهُمْ ـ فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَعَصَيْتُ الأَزْلاَمَ تُقَرِّبُ بي، حَتى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ لاَ يَلْتَفِتُ وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الاَلتِفَات؛ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي في الأَرْض، حَتى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْن، فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثمَّ زَجَرْتُهَا فَنهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً؛ إِذَا لأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِعٌ في السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَان ـ أَيْ يَنْبَعِثُ مِنْ مَغْرِزِ قَدَمَيْهَا الأَمَامِيَّتَين ـ فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلاَمِ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَه ـ أَيْ لاَ أَضُرُّهُمْ ـ فَنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ فَوَقَفُواْ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ في نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ

стр. 8020

الحَبْسِ عَنْهُمْ؛ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُواْ فِيكَ الدِّيَة، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالمَتَاعَ فَلَمْ يَرْزَآني ـ أَيْ لَمْ يُكَلِّفَاني شَيْئَاً ـ وَلَمْ يَسْأَلاَني، إِلاَّ أَنْ قَال: " أَخْفِ عَنَّا " فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لي كِتَابَ أَمْن، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ في رُقْعَةٍ مِن أَدِيم ـ أَيْ مِنْ جِلْد ـ ثمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَقِيَ الزُّبَيْرَ في رَكْبٍ مِنَ المُسْلِمِين، كَانُواْ تُجَّارَاً قَافِلِينَ مِنَ الشَّام، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى
следующие страницы →