Полный текст (1 178 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
أحمدُ الهادِي الشفيعُ المرتَضَى ... في البَرايَا سَيّدُ الرُسْلِ الكِرَامْ
فَعَليه الله صَلَّى كُلَّمَا ... هَلَّ وَبْلٌ مِن رَفِيعَاتِ الغَمامْ
آخر:
يَا سَائلاً عن حَمِيدِ الهَدْي والسنُنِ ... اُطْلُبْ هُدِيتَ عُلُومَ الفقهِ والسُّنَنِ
وعَقْدَ قَلْبِكَ فاشْدُدْهُ على ثَلَجٍ ... لاَ تَطْوِيَنْهُ عَلَى شَكٍّ ولا دَخَنِ
واسْلُكْ سَبْيل الأُلَى حَازُوا نُهًى وتُقَى ... كَانُوا فَبَانُوا حِسَانَ السِّرِ والعَلَنِ
هُمُ الأَئِمَّةُ والأقْطَابُ مَا انْخَدَعُوا ... وَلاَ شَرَوا دِينَهُمْ بالبَخْسِ والغَبَنِ
أصْحَابُ خَيرِ الوَرَى أحْبَارُ مِلَّتِهِ ... خَيرُ القُرُونِ نُجُوِمُ الدَّهْرِ والزَّمَنِ
وتَابِعُوهُم عَلَى الهَدْيِ القَوِيمِ هُمُ ... أهْلُ التُّقَى والهُدَى والعِلْمِ والفِطَنِ
آخر:
وَيحَكْ تَنَبَّهْ لِنَفْسِكْ ... وَاعْمَلْ لِيَومِ الوَعِيدْ
فالموتُ يأتِيكَ بَغْتَهْ ... ولَيسَ عَنْهُ مَحِيدْ
إنْ كُنْتَ يَا صَاحِ نَائِمْ ... فاذْكُرْ بَيتَكَ الجَدِيدْ
فيه تَسْكُنْ أنْتَ وَحْدَكْ ... مَمْنُوعٌ عَمَّا تُرِيدْ
مِقْدارُهُ مِتْرٌ عَرْضًا ... في ثَلاثٍ لا تَزِيدْ
وصِرْتَ وَحْدَكْ في لَحْدِكْ ... مُفْلِسٌ غَرِيبٌ وَحِيدْ
وَالدُّود يَرْتَعْ في جِسْمِكْ ... يَأْكُلْ منْهُ ما يُرِيدْ
تَبْقَى فِيهِ مُتَحَيِّرْ ... عَمَّا يِرُيدْ بَعِيدْ
أهْلُ القُبُورِ تَمَنَّوا ... مَا أنْتَ فِيهِ تُجِيدْ
وَلَسْتَ تَدرْي مِن هُو ... مِنْهُمْ شَقِيٌّ أو سَعِيدْ ...
стр. 1052
فَدَعْ دُمُوعَكَ تَجْرِي ... إنَّ الحِسَابَ شَدِيدْ
كُلُّ القُلُوبِ قَدْ لاَنَتْ ... إلاَّ قَلْبَكْ كَالحَدِيدْ
نَسْيِتَ يَومَ التَّلاَقي ... إذِ القَلْبُ في الوَرِيدْ
نَسِيتَ يَومَ المَجْيءِ ... مَعَ السَّائِقِ والشَّهِيدْ
قُلْ لِي بِرَبِّكَ مَاذَا ... تَرَى حَالَةَ العَبِيدْ
إذَا جِيءَ بِجَهَنَّمْ ... أمَامَ كُلِّ شَهِيدْ
وقد جَاءَتْ تَشْهُقْ غَيظًا ... عَلَى الكَافِرِ العَنِيدْ
ورآهَا كُلُّ مُجْرِمْ ... ولا عَنْهَا مِن مَحِيدْ
يَومَ المَمَرِّ حُفَاةً ... عَلَى الصِرَاطِ المَدِيدْ
وَهُنَاك تَتَذكَّرْ ... قَولَ النَّاصِحِ الرَّشِيدْ
لأنَّ الحَالَة قَدْ فاتَتْ ... عَلَى المُشْرِكِ العَنِيدْ
ولَو مِلْءُ الأرضِ يَبْذِلْ ... مِن التَّالِدْ والجَدِيدْ
فَلَنْ يُقْبَلْ ذَاكَ مِنْهُ ... لِفَوتِ الأمْرِ لأكَيدْ
وَلَنْ يَنْجُو سِوَى شَخْصٍ ... أطَاعَ الرَّبَّ الحَمِيدْ
وقال آخر:
شبابٌ تَولَّى ما إليهِ سَبِيلُ ... وشَيبٌ تَبدَّى لَيسَ منهُ مُقْيِلُ
فَهَذَا كَلَيلِ الوَصْلِ لَونًا ومُدَّةً ... وذَا كَنَهارِ الهَجْرِ فهْو طَوِيلُ
فأَطْيَبُ عَيشِ المرءِ عَصْرُ شَبَابِهِ ... ومِنْ سَعْدِه لَو مَاتَ حِينَ يَزُولُ
فلا تحْسَبَنَّ العمرَ بَعْدَ شَبِيبَةٍ ... فَكُلُّ حَياةٍ بَعْدَ ذَاكَ فُضُولُ
إذَا الشيخُ أثْرَى فهْو أفقرُ مُعْدِمٍ ... وإن صَحَّ بَعدَ الشَّيبِ فهْو عَلِيلُ
بَكَى النَّاسُ أيامَ الشَّبيبةِ قَبْلَنَا ... بُكَاءً أطالُوا فيه وهْو قَلِيلُ
стр. 1053
وقال في المعنى:
أَسَفِي على زَمَنِ الشباب الزَّائِلِ ... أَسَفٌ أُدِيمُ عليه عَضَّ أنَامِلي
وَلَّى فَلاَ طَمَعٌ بعَطْفَةِ هَاجِرٍ ... مِنهُ ولا أمَلٌ لأَوبَةِ رَاحِلِ
هَذَا عَلَى أنَّ العَفافَ وهِمَّتي ... لَمْ يُظْفِرَ حَظِّي لَدَيهِ بِطَائِلِ
وقال في الوعظ:
كُنْ من الدنيا على وَجَلِ ... وتَوَقَّعْ بَغْتةَ الأَجَلْ
فَعُقُولُ النَّاسِ لاهِيَةٌ ... في الهَوى والكَسْبِ والأملْ
يَجْرعُ الإِنسانُ لَذَّتَها ... وهْيَ مِثْلُ السُّمِّ في العَسَلْ
أنءتَ مِن دُنياكَ في شُلُلٍ ... والمَنَايا فِيكَ في شُغُلْ
كُلُّ ما فيها يَزُولُ فلا ... فَرْقَ بَينَ الهَمِّ والجَذَلْ
يَا مَرِيضًا لم يَجِدْ ألَمَا ... أنْتَ لَو تَدْرِي أبُو العِللْ
يَا بَصِيرًا لَيسَ يُبصِرُ مَا ... فيهِ مِن عَيبٍ ومِن زَلَلْ
لَو أرَاكَ العَقْلُ أيسَرَهُ ... كِدْتَ أنْ تَفْنَى مِن الخَجَلْ
لِلْهُدَى نُورٌ يَدلُّ عَلَى ... آخرِ الأَشْيَاءِ بالأُوَلْ
فابتدِرْ مَا سَوفَ تَذْكُره ... نادِمًا مَا دُمْتَ في مَهَلْ
لَيسَ يُجْدِي القَولُ مَنْفَعَةً ... حِينَ تُبِديهِ بِلاَ عَمَلْ
وإذا مَا الفَهْمُ عَازَكَ لَمْ ... تَنْتَفِعْ بالوَعْظِ والعَذَلْ
وقال في المعنى:
إذَا دَانَتْ لَكَ الدُّوَل ... ففَكِّرْ كَيفَ تَنْتَقِلُ
فلو سَمَحَتْ بِهَا الأّيا ... مُ لَمْ يَسْمح بِهَا الأَجَلُ
стр. 1054
فلا يَغُرُرْ بِكَ التَّسوِيـ ... ـفُ والآمَالُ والعِلَلُ
فإنَّكَ إنْ تَجِدْ أَمَلاً ... تَجِدَّدَ بَعْدَهُ أَمَلُ
فَمَا يُرْوِيكَ مِن دُنيا ... كَ لاَ عَلٌّ ولا نَهَلُ
وإنَّكَ كُلُّ مَا جَمَّعْـ ... ـت يَبْقَى حِينَ تَرْتَحِلُ
فَمَا لَكَ مِنه فِيمَا بَعْـ ... ـدُ إلاَّ الإِثْمُ والزَّللُ
وبَطْشةُ فابِضِ الأرْوا ... حِ لَيسَ لأَخْذِهَا مَهَلُ
عَجِبْتُ لآمِنِ سَاهٍ ... لَهُ بِحَياتِهِ جَذَلُ
وجَيشُ الموتِ يَطْلُبُه ... وقد ضَاقَتْ بهِ السُّبُلُ
ومَا في قَصْدِهِ شَكٌ ... ولا يَدْرِي مَتَى يَصِلُ
وسِيّانِ الجَبَانُ لَديـ ... ـهِ عِنْدَ البَطْشِ والبَطَلُ
وقال:
إذَا شَرُفتْ نَفْسُ الفتى عافتِ الذُّلاّ ... ولو كابَدَتْ مِن فَرْطِ ضِيقَتِهَا غُلاَّ
ولَو حاز مُلْكَ الأرضِ والعَيشَ خَالِدًا ... بِذِلَّةِ يَومٍ وَاحِدٍ تَرَكُ الكُلاّ
لَهُ سَيفُ صَبْرِ مُغْمَدٌ في قَنَاعَةٍ ... إذَا ثَارَ جَيشٌ مِن مَطامِعِهِ سُلاَّ
ذكر من رثى النبي ﷺ
قال أبو بكر الصدّيق يرثي رسول الله ﷺ :
يا عَينِ فَابْكي ولا تَسْأمي ... وَحُقّ البُكاءُ عَلى السّيدِ!
عَلى خَيرِ خلْقِ الله عِنْدَ البَلا ... ءِ أمْسَى يُغَيَّبُ في المُلْحَدِ
فَصَلّى المَلِيكُ وَلِيُّ العِبَادِ ... وَرَبّ البِلادِ عَلى أحْمَدِ
فَكَيفَ الحَيَاةُ لِفَقْدِ الحَبِيب ... وَزَينِ المَعَاشِرِ في المَشْهَدِ؟
فَلَيتَ المماتَ لَنَأ كُلِّنا ... وكُنَا جَميعًا مَعَ المُهْتَدِي!
стр. 1055
وقال أبوُ بكر الصّدَيق أيضًا:
لَمَّا رَأيتُ نَبِيّنَا مُتجَدِّلاً ... ضَاقَتْ عَلَيّ بِعَرْضِهِنّ الدُّورٌ
وارْتَعْتَ رَوعةَ مُسَتهامٍ وَالِهٍ ... والعَظءمَ مَنّش وَاهِنٌ مَكْسُورُ
أَعَتِيقُ وَيحَكَّ إنْ حِبَّكَ قَدْ ثَوَىَ ... وَبَقِيتَ مُنفَرِدًا وأَنْتَ حَسِيرُ
يا لَيتني مِن قبْلِ مَهْلَكِ صَاحِبِي ... غُيَبْتُ فِي جَدَثٍ عَليَّ صُخُورُّ
فَلتَحْدُثَن بَدائِعٌ مِن بَعْدِهِ ... تَعْيَا بِهِنّ جَوَانِحٌ وَصًدُورُ
وقال أبوٌ بكر أيضًا:
باتَتْ تَأوّبُني هُمُومٌ حُشدٌ ... مِثْلُ الصُّخُورِ فأَمْستْ هَدَّتِ الجَسَدا
يا لَيتَني حَيثُ نُبئْتُ الغَدَاةَ بِهِ ... قالُوا الرسولُ قد أمسَى مَيِّتًا فُقِدَا
لَيتَ القِيامَةَ قامَتْ بعدَ مَهْلَكِهِ ... وَلا نَرَى بَعدَهُ مَالاً ولاَ وَلَدًا!
وَالله أُثْني عَلى شيءٍ فُجِعْتُ بِهِ ... مِنَ البَريةِ حتى أُدْخُلَ اللَّحَدَا
كَمْ لِيَ بَعْدَكَ مِن هَمٍّ يُنَصّبُني ... إذا تَذكّرتُ أنّي لاَ أرَاكَ بَدا!
كان الصَفَاءَ في الأخلاقِ قد عُلِمُوا ... وفي العَفافِ فَلَمْ نَعْدِلْ بهِ أَحَدَا
نَفْسِي فِداؤُكَ مِن مَيتٍ وَمِن بَدَنٍ ... مَا أَطْيَبَ الذِّكرَ والأخلاقَ والجَسَدَا!
قال وقال عبدُ الله بن أنيس يرثي النبي ﷺ :
تَطَاوَلَ لَيلِي واعْتَرَتْني القَوَارِعُ ... وَخَطْبٌ جَلِيلٌ لِلْبَلِيَةِ جَامِعُ!
غَدَاةَ نَعَى النّاعي إلَينَا مَحَمدًا ... وتِلْكَ الَّتِي تَسْتكُّ منْها المسَامِعُ
فلَو رَدَ مَيتًا قَتْلُ نَفْسِي قَتَلْتُهَا! ... وَلكِنَّهُ لا يَدْفَعُ الموتَ دَافِعُ
فآليتُ لاَ أُثنِي عَلىَ هُلْكِ هَالِكٍ ... مِن الناسِ، مَا أَوفَى ثَبيرٌ وفَارِعُ
ولَكِنّني بَاكٍ عَلَيهِ وَمُتْبِعٌ ... مُصِيبتَهُ. إنّي إلى اللهِ رَاجِعُ!
стр. 1056
وَقَدْ قَبَضَ اللهُ النّبييّنَ قَبْلَهُ ... وَعَادٌ أصِيبَتْ بالرُّزَى والتبابِعُ
فيَا ليتَ شعْريّ مَن يَقُومُ بأَمْرِنا؟ ... وَهَلْ في قُرَيشٍ مِن إمَامٍ يُنازَعُ؟
ثَلاثَةُ رَهْطٍ مِنْ قُرَيشٍ هُمُ هُمُ ... أَزِمّةُ هَذَا الأَمْرِ، واللهُ صَانِعُ
عَلِيٌّ أَوِ الصِّدّيقُ أَو عُمَرٌ لَها، ... وَلَيسَ لَهَا بَعْدَ الثلاثةِ رَابعُ!
فَإنْ قَالَ مِنّا قَائِلٌ غَيرَ هَذِهِ ... أبَينَا، وَقُلْنَا: اللهُ رَاءٍ وَسامعُ
فَيَا لقُرَيشٍ! قَلَدُوا الأَمْرَ بَعْضَهم ... فَإنّ صَحيحَ القَولِ لِلنّاسِ نافِعُ
وَلا تُبْطِئُوا عَنْها فَوَاقًا فَإنّهَا ... إِذَا قُطِعَتْ لَمْ يُمْنَ فيهَا المَطَامِعُ
عن خالد بن يزيد عن سعيد، يعني ابن أبي هلال، أن حسان بن ثابت قال وهو يرثي رسول الله ﷺ :
والله مَا حَمَلَتْ أنْثَى ولا وَضَعَتْ ... مِثْلَ النّبيّ رَسُولِ الأمّةِ الهَادي
أَمْسَى نِسّاؤُك عَطّلنَ البيوتَ، فمَا ... يَضربنَ خلْفَ قَفَا سِتْرٍ بأَوتْادِ
مِثلَ الرّوَاهبِ يَلْبَسْنَ المُسُوحَ، وقد ... أَيقَن بالبُؤسِ بَعْدَ النِّعْمَةِ البادِي!
وقال حسان بن ثابت أيضًا يرثي رسول الله، ﷺ :
آلَيتُ حِلْفَةَ بَرٍّ غَيرَ ذِي دَخَلٍ ... مِنّي، ألِيَّةَ حَقٍّ غَيرَ إفْنَادِ!
باللهِ ما حَمَلَتْ أنْثى وَلاَ وَضَعَتْ ... مِثْلَ النبيّ، نَبِيّ الرّحْمةِ الهَادِي
وَلا مَشَى فَوق ظَهْرِ الأرْضِ مِن أحَدٍ ... أوفَى بِذِمّةِ جَارٍ أَو بِمِيعَادِ
مَن الّذِي كانَ نُورًا يُسْتَضاءُ بهِ ... مُبَارَكَ الأَمْرِ ذَا حَزمٍ وإرْشَادِ
مُصَدِّقًا لِلنَّبِيِّينَ الأُلَى سَلَفُوا ... وأَبْذَلَ النّاسِ لِلْمَعْروفِ لِلْجَادِي
خِيَرَ البَرِيّةِ إنِّي كُنْتُ في نَهَرٍ ... جَارٍ، فأصْبحتُ مِثْلَ المُفْرَد الصّادِي!
وقال حسانُ يَرثيه، ﷺ :
مَا بالُ عَينِكَ لا تَنَامُ! كأنّما ... كُحِلتْ مآقِيها بكُلحلِ الأرْمَدِ؟
جَزَعًا على المَهْدِي أَصْبَحَ ثَاوِيًا ... يَا خَيرَ مَن وَطئَ الحَصَى لا تُبْعَدِ
стр. 1057
يَا وَيحَ أَنْصَارِ النبيّ وَرَهْطِهِ! ... بَعدَ المغَيَّبِ في سَوَاءِ المُلْحَدِ
جَنْبِي يَقِيكَ التّرْبَ لَهْفِي ليَتْنَي ... كُنْتُ المُغيِّبَ في الضَّرِيحِ المُلْحَد!
يا بِكْرَ آمِنَةَ المُبارَكَ ذِكْرُهُ ... وَلَدَتْهُ مُحْصَنَةٌ بسَعدِ الأَسْعُدِ
نُورًا أَضَاءَ عَلى البَرِيّةِ كُلِّهَا، ... مَنْ يُهْدَ لِلنُّورِ المُبارَكِ يَهتَدِي
أأقِيمُ بَعْدَكَ بالمدِينَةِ بَينَهُمْ ... يَا لَهْفَ نَفِسي لَيتَني لَمْ أولَدِ
بأبي وأُمِي مَنْ شَهِدْتُ وَفَاتَهُ ... في يَومِ الإثنَينِ النبيّ المهتْدَي
فَظَلِلْتُ بَعْدَ وَفَاتِهِ مُتَلَدِّدًا ... يَا لَيتَني صُبّحْتُ سُمَّ الأَسْوَدِ
أَو حَلَّ أمرُ اللهِ فِينَا عَاجِلاً ... في رَوحَةٍ مِنْ يومِنَا أَو مِن غَدِ
فَتَفُوم سَاعَتُنَا فَنَلْقى سيّدًا ... مَحْضًا مَضَارِبُهُ كَريمَ المحْتِدِ
يا رَبِّ! فَاجْمَعْنَا مَعًا وَنَبِيَّنَا ... في جَنَةٍ تُفقئ عَيُونَ الحُسَّدِ
في جَنّةِ الفِرْدَوسِ واكْتُبها لَنا ... يا ذَا الجَلالِ وذا العُلا وَالسُّؤْدَدِ
وَاللهِ أَسْمَعُ مَا حَيِيتُ بهالِكٍ ... إلاَّ بَكَيتُ عَلى النبيّ مُحَمّدِ
ضَاقَتْ بالأنْصارِ البِلادُ فأصبحُوا ... سُودًا وُجُوهُهُمُ كَلَونِ الإثْمِدِ
وَلَقَدْ وَلَدْنَاهُ وَفِينَا قَبْرُهُ ... وَفُضُولُ نِعمَتِهِ بَنا لا تُجْحَدِ
وَاللهُ أَهْدَاهُ لَنَا وهَدَى بِهِ ... أنْصَارَهُ في كُلِّ سَاعَةٍ مَسْهَدِ
صَلَى الإلَهُ وَمَنْ يَحُفُّ بعَرْشِهِ ... والطّيَبُونَ عَلى المُبَارَكِ أحْمَدِ!
وقال حسانُ بنُ ثابت يَرثِي النبي: ﷺ :
يَا عَينِ جُودِي بدَمْعٍ مِنْكِ إسْبالِ ! ... وَلا تَمَلِّنّ مِنْ سَحٍّ وإعْوَالِ!
لا يَنْفَدَنّ لِيَ بعد اليَومِ دَمْعُكُمَا ... إنّي مُصَابٌ وإنّي لَسْتُ بالسَّالِي
فَإِنَّ مَنْعَكُما مِنْ يَعْدِ بَذْلِكُمَا ... إِيَّايَ مِثْلُ الذِي قَدْ غُرَّ بالآلِ!
لَكِنْ أَفِيضِي على صَدْرِي بأرْبَعَةٍ ... إنَّ الجوَانِحَ فِيها هَاجِسٌ صَالِي
стр. 1058
سَحَ الشَّعيبِ وماءِ الغَرْبِ يَمْنَحُهُ ... سَاقٍ يُحَمَلُهُ سَاقٍ بإذْلالِ
حَامي الحقِيقَةِ نَسألُ الوَدْيِقَةِ فَكَّـ ... ـاكُ العُنَاةِ، كَرِيمٌ مَاجِدٌ عَالِ!
عَلى رَسُولِ لَنَا مَحضٌ ضَريبَتُهُ ... سَمْحِ الجليقَةِ، عَفٍّ غَيرِ مِجْهالِ!
كَشَافِ مَكرُمَةٍ، مِطْعَامِ مَسغَبَةٍ ... وَهّابِ عَانِيَةٍ وَجْنَاءَ شِمْلالِ!
عَفٍّ مَكَاسِبُهُ، جَزْلٍ مَوَاهِبُهُ، ... خَير البَرِيّةِ سَمْحٍ غَيرِ نَكَالِ!
وَاري الزنادِ وقوّادِ الجِيَاد إلى ... يومِ الطْرَادِ، إذا شَبَتْ بأجْذالِ
وَلا أزكي عَلى الرحمنِ ذا بَشَرٍ، ... لكِنْ عِلْمَكَ عنْدَ الوَاحِدِ العالي!
إني أرى الدَهْرَ والأيّامَ يَفْجَعُني ... بالصّالحينَ، وأبْقَى نَاعِم البَالِ!
يا عَينٍ فابكي رَسولَ الله إِذْ ذُكرَتْ ... ذَاتُ الإلَهِ، فنعْمَ القائدُ الوَالي!
وقال كَعبُ بنُ مالك يَرثِي رسولَ الله ﷺ :
يَا عَينِ فَابكي بدَمْعٍ ذَرَى ... لِخَيرِ البّرِيّةِ وَالمُصْطَفَى!
وَبَكِّي الرّسُولَ! وحُق البُكاءُ ... عَلَيهِ، لَدى الحرْبِ عنْدَ اللّقَا!
عَلى خَيرِ مَنْ حَمَلَتْ نَاقَةٌ ... وَأتْقَى البَرِيّةِ عِنْدَ التَّقَى
عَلى سَيدٍ مَاجِدٍ جَحْفَلٍ، ... وَخَيرِ الأنَامِ وخَيرِ اللهَا!
لَهُ حَسَبٌ فَوقَ كُل الأنَا ... مِ منْ هاشمٍ ذلكَ المرْتَجَى
نُخَصّ بما كَانَ من فَضْلِهِ، ... وكَانَ سِرَاجًا لنَا في الدّجَي!
وكَانَ بَشِيرًا لَنَا مُنْذِرًا، ... وَنُورًا لَنَا ضَوءُهُ قدْ أضَا
فأنْقَذَنَا اللهُ في نُورِهِ، ... ونَجّى برَحْمَتِهِ من لَظَى!
وقالتْ أرْوَى بنْت عبد المطلب أيضًا:
ألا يا رَسولَ الله كُنْتَ حَبَيبَنَا ... وكُنْتَ بِنا بَرًّا ولمْ تَكُ جافِيَا!
وكُنْتَ بِنَا بَرًا رءوفًا وَرَاحِمًا ... ليبَكِ عليكَ اليومَ مَن كان باكِيا!
لَعَمْرُكَ مَا أبكي النبيّ لِموتِهِ! ... ولكِنْ لِهَرْجٍ كان بَعدَكَ آتيَا
стр. 1059
كَأنّ عَلى قَلبي لِذِكْرِ مُحَمّدٍ، ... ومَأ خِفتُ مِن بعدِ النبيّ المَكاوِيا
أفاطِمَ صَلىَ اللهُ، رَبّ مُحَمّدٍ، ... عَلى جَدَثٍ أَمْسَى بيَثرِبَ ثَاوِيا!
أبَا حَسَنٍ فَارَقْتَهُ وتَرَكْتَهُ ... فَبَكِّ بحُزْنٍ آخرَ الدّهرِ شَاجِيَا!
فِدًى لِرَسُولِ اللهِ أُمّي وَخَالَتي ... وَعَمّي وَنَفْسي قُصْرَةً ثمّ خَاليا
صَبَرْتَ وَبَلَّغْتَ الرّسالَةَ صَادِقًا ... وقُمْتَ صَليبَ الدينِ أبْلَجَ صَافيا!
فَلَو أن رَبّ النّاسِ أبقَاكَ بَينَنَا ... سَعِدْنَا، ولكنْ أمرُنا كان ماضِيا!
عَلَيكَ منَ اللهِ السّلامُ تَحِيّةً، ... وَأُدخِلْتَ جنّاتٍ من العدنِ رَاضِيا!
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب:
يا عَينِ جودي، ما بقِيتِ، بعَبرَةٍ ... سَحًّا على خَيرِ البَرِيّةِ أحْمَدِ
يا عَينِ فاحتَفلي وَسُحّي وَاسْجُمي ... وَابكي عَلى نُورِ البلادِ مُحَمّدِ!
أنّى، لَكِ الوَيلاتُّ! مثلُ مُحَمّدٍ ... في كل نائِبَةٍ تَنُوبُ وَمَشهَدِ؟
فابكي المبارَكَ والموفَّقَ ذا التّقَى، ... حَامي الحقيقيةِ ذا الرّشادِ المرْشِدِ
مَنْ ذا يَفُكَ عَنِ المغَلِّلِ غُلَّهُ ... بَعدَ المغَيَّبِ في الضّريحِ الملحَدِ؟
أمْ مَنْ لكلّ مُدَفَّعٍ ذي حاجَةٍ ... وَمُسَلْسَلٍ يَشكو الحديدَ مُقَيَّدِ؟ ...
أمْ مَنْ لوَحْيِ اللهِ يُتْرَكُ بَينَنَا ... في كلّ مُمْسى لَيلَةٍ أو في غَدِ؟
فَعَلَيكَ رَحْمةً رَبّنَا وَسَلامُهُ، ... يا ذا الفَوَاضِلِ وَالنّدَى وَالسِّودَدِ
هَلاّ فَدَاكَ الموتَ كُلُّ مُلَعَّنٍ ... شَكْسٍ خلائقُهُ لَئِيمِ المَحْتِدِ؟
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب أيضًا:
أعَينَيَّ جُودا بالدّموعِ السّوَاجِمِ ... عَلى المصْطَفَى بالنّورِ من آل هاشمِ
عَلى المُصْطفَى بالحق والنّورِ والهُدى ... وبَالرّشْدِ بَعدَ المندَباتِ العَظائمِ
стр. 1060
وَسُحَّا عليهِ وَابكيِا، ما بَكَيتُما، ... عَلى المرْتَضى للمُحْكَماتِ العزَائم
على المرْتضى للبرّ والعَدْلِ والتّقَى، ... وَللدّينِ والإسْلامِ بعدَ المظَالِم
على الطّاهرِ الميمونِ ذي الحلمِ والنّدى ... وذِي الفَضْلِ وَالدّاعي لخيرِ التراحمُ
أعَينَيّ ماذا، بَعدَما قد فُجِعْتُمَا ... بهِ، تَبكيَانِ الدّهرَ من وُلدِ آدمِ
فَجُودا بسَجْلٍ وانْدُبا كلّ شارِقٍ ... رَبيعَ اليَتَامَى في السّنينَ البَوَازِمِ
وقالت صفية بنت عبد المطلب أيضًا:
أعَينَي جْودا بدَمّعٍ سَجَمْ ... يُبادِرُ غَرْبًا بِمَا مَنْهَدِمْ
أعَينَيّ فاسْحَنْفِرَا وَاسْكُبَا ... بِوَجْدٍ وَحُزْنٍ شَدِيدِ الألَمْ
عَلى مَن اصْطَفَاهُ رَبِّ العِبَادِ ... وَرَبّ السَمَاءِ وَبَارِي النّسَمْ
عَلى المُرْتَضَى لِلْهُدَى وَالتّقَى ... وَلِلرَشْدِ وَالنورِ بَعْدَ الظُّلَمْ
عَلى الطّاهِرِ المُرْسَلِ المُجْتَبَى ... رَسُولٍ تَخَيّرَهُ ذُو الكَرَمْ
وقالت صفية بنت عبد المطلب أيضًا:
أرِقْتُ فَبِتُّ لَيلي كالسّلِيبِ ... لِوَجْدٍ في الجَوَانِحِ ذي دَبِيبِ!
فَشَيبّني، ومَا شَابَتْ لِدّاتي، ... فَأمْسَى الرأس مِنّي كَالعَسِيبِ
لِفَقْدِ المُصْطَفَى بالنّورِ حَقًّا، ... رَسُولِ اللهِ، ما لَكَ مِنْ ضَرِيبِ
كَرِيمِ الخيِمِ أرْوَعَ مَضْرَحِيٍّ ... طَوِيلِ البَاعِ مَنْتَجَبٍ نَجيبِ!
ثِمَالِ المُعْدَمِينَ وَكُلِّ جَارٍ ... وَمَأوَى كُلِّ مَضْطَهَدٍ غَرِيبِ
فَإما تُمْسِ في جَدَثٍ مُقيمًا ... فَقِدْمًا عِشتَ ذا كَرَمٍ وَطيبِ!
وَكُنْتَ مُوَفَّقًا في كُلِّ أمْرٍ ... وَفيما نَابَ منْ حَدَثِ الخُطُوبِ
стр. 1061
وقالت صفية بنت عبد المطلب:
عَينِ جُودِي بدّمْعَةٍ تَسْكَابِ ... للنبي المَطَهَّرِ الأوَابِ
وانْدُبي المُصْطَفَى فَعُمّي وَخُصّي ... بدُمُوعٍ غَزِيرَةِ الأسرَابِ
عينِ مَنْ تَنْدُبينَ بَعْدَ نَبِيٍّ ... خَصّه اللهُ رَبَنّا بالكِتَابِ
فَاتِحٍ خَاتِمٍ رَحيمٍ رَءوفٍ، ... صَادِقِ القِيلِ طَيَبِ الأثْوَابِ
مُشْفِقٍ نَاصِحٍ شَفِيقٍ عَلَينَا ... رَحْمَةٍ من إلَهِنَا الوَهْابِ
رَحْمَةُ اللهِ وَالسّلامُ عَلَيهِ ... وَجَزَاهُ المَليكُ حُسْنَ الثَوَابِ!
وقالت صفية بنت عبد المطلب أيضًا:
آبَ لَيلي عَلَيّ بالتّسْهَادِ ... وَجَفَا الجَنْبَ غَيرُ وَطْءِ الوِسَادِ
وَاعْتَرَتْني الهُمُومُ جِدًّا بوَهْنٍ ... لأمُورٍ، نَزَلْنَ حَقًّا، شِدَادِ
رَحْمَةً كَانَ للبَرِيّةِ طُرًّا ... فَهَدَى مَنْ أطَاَعُه للسّدَادِ
طَيّبُ العُودِ وَالضّريبَةِ وَالشّـ ... ـيمِ مَحْضُ الأنْسَابِ وَارِي الزّنَادِ
أبْلَجٌ صَادِقُ السّجيةِ عَفٌّ ... صَادِقُ الوَعْدِ مُنْتَهَى الرُّوّادِ!
عَاشَ مَا عَاشَ في البَرِيّةِ بَرًّا ... وَلَقَدْ كَانَ نُهْبَهَ المُرْتَادِ
ثُمّ وَلّى عَنّا فَقيدًا حَميدًا ... فَجَزَاهُ الجِنَانَ رَبُّ العِبَادِ!
وقالت هند بنت الحارث بن عبد المطلب ترثي رسول الله، ﷺ :
يا عينِ جودي بدمعٍ منكِ وَابتَدرِي ! ... كَمَـ تَنَزّلَ مَاءُ الغَيثِ فَانتَعَبَا
أو فيضُ غَرْبٍ على عاديّةٍ طُوِيَتْ ... في جَدْوَلٍ خَرِقٍ بالماءِ قدْ سَرِبَا
لَقَدْ أتَتْني منِ الأنباء مُعْضِلَةٌ ... أنّ ابنَ آمِنَةَ المأمُونَ قدْ ذَهَبَا
стр. 1062
أن المبَارَكَ وَالمَيمونَ في جَدَثٍ ... قد ألْحَفُوهُ تُرَابَ الأرْضِ وَالحدَبا
ألَيسَ أوسَطَحكُم بَيتًا وَأكرَمَكُمْ ... خَالاً وَعَمًّا كَرِيمًا لَيسَ مؤتَشَبَا
قال: وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف أخت مِسْطح بن اثاثة تَرْثي النبيّ، ﷺ :
أشَابَ ذُؤَابَتي وَأذَلّ رُكْني ... بُكاؤُكِ، فاطِمَ، الميتَ الفقيدا
فَأعْطيتَ العَطاءَ فلَمْ تُكَدِّرْ ... وَأَخْدَمْتَ الوَلائدَ وَالعَبيدَا
وَإنّك خَيرُ مَنْ رَكِبَ المطَايَا ... وَأكْرَمُهُمْ إذا نُسِبُوا جُدُودا!
رَسُولُ اللهِ فَارَقَنَا، وَكُنّا ... نُرَجّي أنْ يَكُونَ لَنَا خُلُودَا
أفَاطِمَّ فَاصْبرِي فَلَقَدْ أصَابَتْ ... رَزِيئَتُكِ التّهَائِمَ وَالنُّجُودَا
وَأهْلَ البرّ وَالأبْحَارِ طُرًّا، ... فَلَمْ تُخْطئْ مُصَيبَتُهُ وَحيدًا ...
وقالت هند بنت أثاثة أيضًا:
ألا يَا عَينِ بَكِّي لاَ تَمَلِّي ، ... فَقَدْ بَكَرَ النّعيُّ بِمَنْ هَوِيتُ
وَقَدْ بَكَرَ النّعيُّ بَخَيرِ شَخْصٍ، ... رَسُولِ اللهِ حَقًّا مَا حَيِيتُ
وَلَو عِشْنَا، وَنَحْن نَرَاكَ فِينَا ... وَأمرُ اللهِ يَتركُ، مَا بَكَيتُ
فَقَدْ بَكَرَ النّعيُّ بذَاكَ عَمْدًا ... فَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَةُ مَنْ نُعيتُ
وَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبتَهُ وَجَلّتْ ... وكُلَّ الجهْدِ بَعْدَكَ قدْ لَقيت
إلى رَبّ البرِيّةِ ذَاكَ نَشْكُوا ... فإنّ اللهَ يَعْلَم مَا أُتِيت
أفَاطِمُ إنّه قد هُدّ رُكْني ... وَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَةُ من رُزِيتُ
وقالت هند بنت اثاثة أيضًا:
قَدْ كَانَ بَعْدَكَ أنباءٌ وهَنبَثَةٌ ... لَو كُنْتَ شاهدَها لم تَكثرِ الخُطَبُ
إنّأ فَقَدْنَاكَ فَقْدَ الأرْضِ وَابلَها ... فاحتلْ لقَومكَ وَاشهدهمْ ولا تغبِ
стр. 1063
قَدْ كنتَ بدرًا ونورًا يُستَضاءُ بهِ ... عَلَيَكَ تُنزَلُ من ذي العزّةِ الكتبُ
وكَانَ جبريلُ بالآياتِ يَحْضُرُنا ... فغابَ عَنّا وكلُّ الغَيبِ مُحْتَجِبُ
فَقَدْ رُزِئْتُ أبًا سَهْلاً خَليقَتُهُ ... مَحْضَ الضّرِيبَةِ والأعراق والنسبِ
وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفيل ترثي رسول الله ﷺ :
أمْسَتْ مراكِبُهُ أوحَشَتْ ، ... وَقَدْ كانَ يَرْكَبُها زَينُهَا
وأمْسَتْ تُبَكي عَلى سَيّدٍ ... تُرَدّدُ عَبْرَتَهَا عَينُهَا
وَأمْسَتْ نِساؤكَ ما تَسْتَفِيقُ ... مِنَ الحُزْنِ يَعْتَادُها دَينُها
وَأمْسَتْ شَوَاحِبَ مِثْلَ النَّصَا ... لِ قَدْ عُطّلَتْ وكَبَا لَونُهَا!
يُعالِجْنَ حُزْنًا بَعيِدَ الذّهابِ، ... وَفي الصّدْرِ مُكْتَنِعٌ حَينُهَا
يُضَرِّبْنَ بالكّفَ حُرّ الوُجُوهِ ... عَلى مِثْلِهِ جَادَها شُونُهَا
هُو الفَاضِلُ السّيَدُ المُصْطَفَى ... عَلى الحَقّ مُجْتَمِعٌ دِينُهَا
فكَيف حَياتيَ بَعْدَ الرّسُولِ ... وَقَدْ حَانَ مِنْ مِيتَةٍ حَينُهَا؟
وقالت أم أيمن ترثي النبي، ﷺ :
عَينِ جُودي! فَإنّ بَذْلَكِ لِلدّمْـ ... ـعِ شِفَاءٌ، فَأكْثِري مِنَ البُكاءِ
حِينَ قالوا: الرّسُولُ أمْسى فَقيدًا ... مَيّتًا، كانَ ذاكَ كُلّ البَلاءِ!
وَابْكيِا خَيرَ مَنْ رُزِئْناهُ في بالدّنْـ ... ـيَا وَمَنْ خَصّهُ بِوَحْي السّمَاءِ
بِدُمُوعٍ غَزِيرَةٍ مِنْكِ حَتّى ... يَقْضِيَ اللهُ فِيكِ خَيرَ القَضَاءِ
فَلَقَدْ كَانَ ما عَلِمتُ وَصُولاً ... وَلَقَدْ جَاءَ رَحْمَةً بالضّيَاءِ!
وَلَقَدْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ نُورًا ... وَسِرَاجًا يُضِيءُ في الظِّلْمَاءِ
طَيّبَ العُودِ وَالضّرِيبةِ وَالمَعْـ ... ـدِنِ وَالخِيمِ خَاتَمَ الأنبياءِ
стр. 1064
القَصِيدَةُ الزَّينَبِيَّة
ضرَمَتْ حِبَالَكَ بَعد وصلك زينبُ ... والدَّهر فيه تصرُّمٌ وتقلُّبُ
واستنفرتْ لَمّا رأتك وطالما ... كانت تحن إلى لقاك وترهبُ
فدع الصبا فلقد عداك زمانه ... وازهدْ فعمرك منه ولَّى الأطيب
ذهب الشباب فما له من عودةٍ ... وأتى المشيب فأين منهُ المهربُ
ضيف ألم إليك لم تحفل به ... فترى له أسفًا ودمعًا يُسكَبُ
دع عنك ما قد فات في زمن الصِّبا ... واذكُر ذُنُوبَكَ وابكها يا مُذنِبُ
واخش مُناقشة الحساب فإنَّهُ ... لا بُد يُحصَى ما جنيتَ ويكتبُ
لم يَنْسَهُ الملكانِ حين نسيتهُ ... بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعبُ
والروحُ فيكَ وديعةً أُودعِتَها ... سترُدُّها بالرغم منك وتُسلبُ
وغُرور دُنياك التي تسعى لها ... دارٌ حقيقتُها متاعٌ يذهبُ
والليل فاعلم والنهار كلاهما ... أنفاسنا فيها تُعدُّ وتُحسبُ
وجميعُ ما حصلته وجمعته ... حقًّا يقينًا بعد موتك يُنهَبُ
تبًا لدار لا يدومُ نعيمها ... ومشيدها عما قليلَ يَخْرَبُ
فاسمع هُديتَ نصائحًا أولاكها ... بَرُّ نصوح عاقل متأدبُ
صحب الزمان وأهله مستبصرًا ... ورأى الأمور بما تئوب وتعقبُ
أهدى النصيحة فاتَّعظ بمقالِهِ ... فهو التقيُّ اللَّوذَعِيُّ الأدرب
لا تأمن الدهرَ الصروفَ فإنَّه ... لا زال قِدْمًا للرجال يُهذْبُ
وكذلك الأيان في غصَّاتِها ... مضضٌ يذِلُّ له الأعزُّ الأنجبُ
فعليك تقوَى اللهِ فالزمها تَفزْ ... إنَّ التقيَّ هو البَهيُّ الأهيبُ
стр. 1065
واعمل لطاعته تَنلْ منه الرضا ... إنَّ المطيعَ لربِه لمقرَّبُ
فاقنع ففي بعض القناعة راحةٌ ... واليأس مما فات فهو المطلبُ
وإذا طمعت كُسيت ثوب مذلةٍ ... فلقد كُسي ثوب المذلة أشعبُ
وألقِ عدوَّك بالتحية لا تكن ... منه زمانك خائفًا تترقَّبُ
واحذره يومًا إنْ أتى لك باسمًا ... فالليث يبدو نابه إذ يغضبُ
إنَّ الحقودَ وإنْ تقادم عهده ... فالحقدُ باقٍ في الصدورِ مُغيٍّبُ
وإذا الصديق رأيته متعلقًا ... فهو العدو وحقه يتجنَّبُ
لا خير في ود امرئ متملقٍ ... حلو اللسان وقلبه يتلهَّبُ
يلقاك يحلف إنَّه بك واثقٌ ... وإذا توارى عنك فهو العقربُ
يعطيك من طرف اللِّسان حلاوةً ... ويروغ منك كما يروغ الثعلبُ
واختر قرينك واصطفيه تفاخرًا ... إن القرين إلى المقارن يُنسَبُ
إنَّ الغنيَّ من الرجال مكرم ... وتراه يُرجى ما لديه ويُرهَبُ
ويُبشُّ بالترحيب عند قدومهِ ... ويُقام عند سلامهِ ويُقَرَّبُ
والفقر شين للرجال فإنهُ ... يُزْرَى به الشهمُ الأديبُ الأنسبُ
واخفض جناحك للأقارب كلَّهمْ ... بتذلل واسمح لهم إنْ أذنبوا
ودع الكذوب فلا يكن لك صاحبًا ... إنَّ الكذُوبَ لبئس خِلاُّ يُصْحَبُ
وذر الحسودَ ولو صفا لك مرةً ... أبعدْه عن رؤياك لا يُستَجلَبُ
وزنِ الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارةً في كل نادٍ تَخْطُبُ
واحفظ لسانك واحترز من لفظه ... فالمرء يسلم باللسانِ ويَعطِبُ
والسرَّ فاكتمْه ولا تنطق به ... فهو الأسير لديك إذ لا يُنشَبُ
واحرص على حفظ القلوب من الأذى ... فرجوعها بعد التنافر يَصعُبُ
إنَّ القلوبَ إذا تنافرَ وُدها ... شِبْهُ الزُّجاجة كسرُها لا يُشْعَبُ
وكذاك سر المرء إنْ لم يطوِهِ ... نشرته ألسنة تزيد وتكذبُ
стр. 1066
لا تحرِصَنْ فالحِرصُ ليس بزائدٍ ... في الرزق بل يُشْقِي الحَريص ويُتعِبُ
ويظلُّ ملهوفًا يروم تحيلاً ... والرزق ليس بحيلةٍ يُسَتجْلَبُ
كم عاجزٍ في النَّاسِ يُؤتى رزقه ... رغدًا ويُحرمَ كيِّسٌ ويَخَيِّبُ
أدِّ الأمانة والخيانة فاجتنِبْ ... واعدل ولا تظلم يطيبُ المكسَبُ
وإذا بليتَ بنكبةٍ فاصبِرْ لها ... من ذا رأيتَ مُسلَّمًا لا يُنكَبُ
وإذا أصابك في زمانك شدَّةٌ ... وأصابَك الخطبُ الكرِيهُ الأصعَبُ
فادعُ لربك إنه أدنى لِمنْ ... يدعوه من حبل الوريد وأقربُ ...
كنْ ما استطعت عن الأنام بمعزل ... إنَّ الكثير من الورى لا يُصحبُ
واجعل جليسك سيدًا تحظى به ... حَبرٌ لبيبٌ عاقلٌ متأدبُ
واحذر من المظلوم سهمًا صائبًا ... واعلم بأنَّ دعاءَهُ لا يُحْجَبُ
وإذا رأيتَ الرزقَ ضاق ببلدةٍ ... وخشيتَ فيها أنْ يَضيق المكسبُ
فارحل فأرض الله واسعة الفضا ... طولاً وعرضًا شرقها والمغربُ
* * *
стр. 1067
نظم الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، ﵀
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله لا يحصى له عددُ ... ولا يحيط به الأقلام والمِددُ
حَمْدًا لِرَبِي كَثِيرًا دَائِمًا أبَدًا ... في السِر والجَهْرِ في الدارَينِ مُسْتَرَدُ
مِلْءَ السمواتِ والأَرْضِينَ أجْمَعِهَا ... ومِلْءَ مَا شَاءَ بَعْدُ الواحِدُ الصَّمَدُ
ثم الصلاةُ على خيرِ الأنامِ رَسُو ... لِ الله أحَمْدَ مَعْ صَحْبٍ بِهِ سَعدُوا
وأَهْلِ بَيتٍ النَبِي والآلِ قاطِبَةً ... والتَابِعْينَ الأُلَى لِلدِّينِ هُمْ عَضُدُ
والرُسْلِ أَجْمَعِهِمْ والتَابِعِينَ لهُمْ ... مِن دُوَنِ أَنْ يَعْدِلُوا عَمَّا إِليهِ هُدُوا
أَزْكَى صَلاةٍ مَعَ التَسْلِيمِ دَائِمَةٍ ... مَا إنْ لَهَا أَبَدًا حَدٌ ولا أَمَدُ
وبَعْدُ ذِي فِي أُصُولِ الدِينِ «جَوهَرة ... فَرِيدَةٌ» بِسَنَا التَوحِيرِ تَتَقِدُ
بِشَرْحِ كُلِ عُرَى الإسلامِ كَافِلَةٌ ... ونَقْضِ كُلِ الذِي أَعْدَاؤُهُ عَقَدُوا
وَمَا أُبَرِئُ نَفْسِي مِن لَوَازِمِهَا ... وأَحْمَدُ اللهَ مِنْهُ العَونُ والرّشَدُ
واللهَ أَسْأَلُ مِنْهُ رَحْمَةً وهُدَى ... فَضْلاً ومَا لِي إلاَّ اللهُ مُسْتَنَدُ
стр. 1068
مقدمة
في بَرَاءَةِ المتبعين من جراءة المبدعين وافترات المبتدعين
إِنِّي بَرَاءٌ مِن الأَهْوَا ومَا وَلَدَتْ ... وَوَالدِيهَا الحَيَارَى سَاءَ مَا وَلَدُوا
واللهِ لَسْتُ بجَهْمِيٍ أَخَا جَدَلٍ ... يَقُولُ فِي اللهِ قَولاً غَيرَ مَا يَرِدُ
يكذِّبون بأسماء الإِله وأو ... صاف له بل لِذَات الله قد جحدوا
كلا ولست لربِّي من مشبِّهة ... إذ من يشبهه معبوده جسد
ولا بمعتزليٍّ أو أخا جبر ... في السيئات على الأقدار ينتقدُ
كلا ولست بشيعي أخا دغل ... في قلبه لصحاب المصطفى حقدُ
كلا ولا ناصبي ضدَّ ذلك بل ... حبُّ الصحابة ثم الآل نعتقدُ
وما أرسطو ولا الطوسي أئمَّتنا ... ولا ابن سبعين ذاك الكاذب الفندُ
ولا ابن سينا وفارابيه قدوتنا ... ولا الذي لنصوص الشر يستندُ
مؤسس الزيغ والإلحاد حيث يرى ... كل الخلائق بالباري قد اتحدُوا ...
معبوده كلُّ شيء في الوجود بدا ... الكلب والقرد والخنزير والأسدُ
ولا الطرائق والأهواء والبدع الـ ... ـضلال ممن على الوحيين ينتقدُ
ولا نُحكم في النص العقول ولا ... نتائج المنطق الممحوق تعتمدُ
لكن لنا نصُّ آيات العقول وَمَا ... عن الرسول رُوي الإِثبات معتمدُ
لنا نصوص الصحيحين اللذين لها ... أهل الوفاق وأهل الخلف قد شهدوا
والأربع السُنن الغر التي اشتهرت ... كلٌّ إلى المصطفى يعلو له سندُ
كذا الموطَّا مع المستخرجات لنا ... كذا المسانيد للمحتج مستندُ
مستمسكين بها مستسلمين لها ... عنها تذبُّ الهوى إنا لها عضدُ
ولا نصيخ لعصري يفوه بما ... يناقض الشرع أو إياه يعتقدُ
стр. 1069
يرى الطبيعة في الأشيا مؤثرة ... أين الطبيعة يا مخذول إذ وجدوا
وما مجلاتهم وردى ولا صدري ... وما لمعتنقيها في الفلاح يدُ
إذ يدخلون بها عاداتهم وسجا ... ياهم وحكم طواغيت لهم طردوا
محسنين لها كيما تروج على ... عمي البصائر ممن فاته الرشدُ
من أحلَّ ذلك قد أضحى زنادقة ... كثيرهم لسبيل الغي قد قصدوا
يرون أن تبرز الأنثى بزينتها ... وبيعها البضع تأجيلاً وتنتقدُ
من أجل ذلك بالإِفرنج قد شغفوا ... بهم تزيوا وفي زي التقى زهدوا
وبالعوائد منهم كلها اتصفوا ... وفطرة الله تغييرًا لها اعتمدوا
على صحائفهم يا صاح قد عكفوا ... ولو تلوت كتاب الله ما سجدوا
وعن تدبُّر حُكم الشرع قد صرفوا ... وفي المجلات كل الذوق قد وجدوا
وللشوارب أعفوا واللحى نتفوا ... تشبهًا ومجاراة وما اتأدوا
قالوا رقيَّا فقلنا للحضيض نعم ... تفضونَ منه إلى سجّين مؤتصدُ
ثقافة مِن سماج ساء ما ألفوا ... حضارة من مروج هم لها عمدوا
عصرية عصرت خبثًا فحاصلها ... سم نقيع ويا أغمار فازدردوا
موت وسمَّوه تجديد الحياة فيا ... ليت الدعاة لها في الرمس قد لحدوا
دعاة سوء إلى السوأى تشابهت الـ ... ـقلوب منهم وفي الإضلال قد جهدوا
ما بين مستعلن منهم ومستتر! ... ومستبد ومن بالغير محتشدُ
لهم إلى دركات الشر أهويةٌ ... لكن إلى درجات الخير ما صعدوا ...
وفي الضلالات والأهوا لهم شبه ... وعن سبيل الهدي والحقِّ قد بلدوا
صمٌّ ولم سمعوا بكمٌ ولو نطقوا ... عميٌ ولو نظروا بهت بما شهدوا
عموا عن الحق صموا عن تدبُّره ... عن قوله خرسوا في غيهم سمدوا
كأنهم إذ ترى خشب مسندة ... وتحسب القوم أيقاظًا وقد رقدوا
باعوا بها الدين طوعًا عن تراض وما ... بالوا بذا حيث عند الله قد كسدوا
стр. 1070
يا غربة الدين والمستمسكين به ... كقابض الجمر صبرًا وهو يتقدُ
المقبلين عليه عند غربته ... والمصلحين إذا ما غيرهم فسدوا
إن أعرض الناس عن تبيانه نطقوا ... به وإن أحجموا عن نصره نهدوا
هذا وقد آن نظم العقد معتصمًا ... بالله حسبي عليه جلَّ أعتمدُ
أبواب أمور الدين
والذين قول بقلب واللسان وأعمـ ... ـال بقلب وبالأركان معتمدُ
يزداد بالذِّكر والطاعات ثم له ... بالذنب والغفلة النقصان مطردُ
وأهله فيه مفضول وفاضله ... منهم ظلوم وسبَّاق ومقتصدُ
وهاك ما سأل الرُّوح الأمين رسو ... لَ الله عن شرحه والصحب قد شهدوا
فكان ذاك الجواب الدِّين أجمعه ... فافهمه عقدًا صفا ما شابهُ عقدُ
باب الإيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته
بالله نؤمن فرد واحد أحد ... ولم يلد لا ولم يولد هو الصمدُ
ولا إله ولا رب سواه ولم ... يكن له كفوًا من خلقه أحدُ
حي سميع بصير جل مقتدر ... عدل حكيم عليم قاهر صمدُ
هو العلي هو الأعلى هو المتعا ... لي كل معنى علوّ الله نعتقدُ
قهرًا وقدرًا وذاتًا جلَّ خالقنا ... ما حلّ فينا ولا بالخلق متحِدُ
في سبع آيٍ من القرآن صرح بـ «اسـ ... ـتوى على العرش» ربي فهو منفردُ
ولفظ فوق أتى مع اقتران بمن ... ودونها لمريد الحق مستندُ
وفي السماء اتلها في الملك وانسجه ... وكم حديثًا بما يعلو به السندُ
وتعرج الرُّوح والأملاك صاعدةً ... أما إلى ربهم نحو العلى صعدوا
وهكذا يصعد المقبول من عملٍ ... من العباد لمن إياه قد عبدوا
стр. 1071
كذا عروج رسول الله حين سرى ... قل لي إلى من له قد كان مصطعدُ ...
وحين خُطبته في جمعٍ حُجته ... أشار رأسٌ له نحو العُلى ويدُ
أليس يشهد ربُّ العرش جلَّ على ... تبليغه ثم أهل الجمع قد شهدوا
وسُنَّ رفع المصلِّي في تشهده ... سبابة لعلو الله يعتقدُ
وكل داع إلى من رافع يده ... إلا إلى من يجي من عنده المددُ
وكم لهذا براهينا مؤيدة ... وحين يسمعها الجهمي يرتعدُ
ونحن نثبت ما الوحيان تثبته ... من أنَّ ذا العرش فوق العرش منفردُ
يدنو كما شاء ممَّن شا ويفعل ما ... يشا ولا كيف في وصفٍ له يَرِدُ
مستيقنين بما دلَّت عليه ومِن ... ثلاثة الأوجه أعلم ذكرها يردُ
دلَّت على ذات مولانا مطابقة ... به تليق بها الرحمن منفردُ
كذا تضمَّنت المشتقَّ من صفة ... نحو العليم بعلمٍ ثم تطردُ
كذلك استلزمت باقي الصفات كما ... للقدرة استلزم الرحمن والصمدُ
وكل ما جاء في الوحيين من صفة ... لله نثبتها والنص نعتمِدُ
صفات ذات وأفعال نمرُّ ولا ... نقول كيف ولا ننفي كمن جحدوا
لكن على ما بمولانا يليق كما ... أراده وعناه الله نعتقدُ
وفي الشهادة علم القلب مشترط ... يقينه أنقد قبول ليس يفتقدُ
إخلاصك الصدق فيها مع محبتها ... كذا الولا والبرا فيها لها عُمَدُ
فيه تُوالي أولي التقوى وتنصرهم ... وكلُّ أعدائه إنا لهم لعدو
стр. 1072
فصل
والشرك جعلك ندا للإِله ولم ... يشارك الله في تخليقنا أحدُ
تدعوه ترجوه تخشاه وتقصده ... لدفع شر ومنه الخير ترتفدُ
وعلمه بك مع سَمعِ الدعاء وقد ... رةٍ وسلطان غيب فيه تعتقدُ
مثل الألي بدا الأموات قد هتفوا ... يرجون نجدتهم من بعد ما لُحدوا
وكم نذروا وقربانًا لهم سرقوا ... ظلمًا ومن أنفَس المنقوش كم نقدوا
وكم قِبابًا عليها زخرفت ولها ... أعلى النسيج كساء ليس يفتقدُ
فهم يلوذون في دفع الشرور بها ... كما لها في قضا الحاجات قد قصدوا
ويصرفون لها كل العبادة دو ... ن الله جهرًا وللتوحيد قد جحدوا
إن لم تكن هذه الأفعال يا علما ... شركًا فما الشرك قولوا لي أو ابتعدوا ...
إن لم تكن هذه شركًا فليس على ... وجه البسيطة شرط قط ينتقدُ
باب الإيمان بالملائكة
وبالملائكة الرسل الكرام عبا ... د الله نؤمن خابوا من لهم عبدوا
من دون ربي تعالى والتباب لمن ... كانوا له ولهم والمرسلين عدو
بل هم عباد كرام يعملون بأمـ ... ـر الله ليس له ندٌّ ولا ولدُ
منهم أمينٌ لِوَحْيِ الله يبلغه ... لرسله وهو جبريل به يغدُ
وللرياح وقَطر والسحاب فمـ ... ـكيال بذاك إليه الكَيل والعددُ
стр. 1073
كذلك بالصُّور إسرافيل وُكِّل وهـ ... ـو الآن منتظر أن يأذن الصمدُ
وحاملو العرش مع من حولهم ذكروا ... وزائرو بيته المعمور ما افتقدوا
والحافظون عينًا الكاتبون لِما ... نسعى وفي الحشر إذ يؤتى بهم شهدوا
وآخرون بحفظ العبد قد وُكِلوا ... حتى إذا جاءه المقدور لم يفدوا
والموت وكل حقًا بالوفاة لرُو ... ح العبد قيضًا إذا منها خلا الجسدُ
ومنكرٌ ونكير وكِّلا بسؤا ... ل العبد في القبر عمَّا كان يعتقدُ
كذاك رضوان في أعوانه خزنوا ... لجنة الخلد يشري من بها وعدوا
كذا زبانية النيران يقدمهم ... في شأنها مالك بالغيظ يتقدُ
وآخرون فسيَّاحون حيث أتوا ... مجالس الذكر حفُّوا من بها قعدوا
وغيرهم من جنود ليس يعلمها ... إلا العليم الخبير الواحد الأحدُ
باب الإيمان بكُتب الله المنزلة
وكتبه بالهدى والحق منزلة ... نورًا وذكرى وبشرى للذين هُدوا
ثم القرآن كلامُ الله ليس كما ... قال الذين على الإِلحاد قد مردوا
جعدٌ وجُهْم وبِشر ثم شيعتهم ... إلاَّ فبُعدًا لهم بُعدًا وقد بعدوا
تكلَّم الله رب العالمين به ... قولاً وأنزله وحيًا به الرشد
نتلوه نسمعه نراه نكتبه ... خطًّا ونحفظهً بالقلب نعتقدُ
وكلُّ أفعالنا مخلوقة وكذا ... آلاتنا الرق والأقلام والمددُ
стр. 1074
وليس مخلوقًا القرآن حيث تُلي ... أو خُط فهو كلام الله مستردُ
والواقفون فشر نِحلة وكذا ... لفظية ساء ما راحوا وما قصدوا ...
باب الإيمان بالرسل ﵈
والرسل حق بلا تفريق بينهم ... وكلهم للصراط المستقيم هُدوا
وبالخوارق والإعجاز أيدهم ... ربي على الحق ما خانوا وما فندوا
وفضَّل الله بعض المرسلين على ... بعض بما يشاء في الدنيا وما وُعدوا
من ذاك أعطى لإبراهيم خلَّته ... كذا لأحمد لم يشركهما أحد
وكلم الله موسى دون واسطة ... حقًا وخطَّ له التوراة فاعتمدوا
وكان عيسى بإذن الله يبرئ من ... عِلاَّت سوء ويُحيي الميت قد فُقدوا
والكل في دعوة التوحيد ما اختلفوا ... أمَّا الفروع ففيها النسخ قد تجدُ
إلاَّ شريعتنا الغرا فليس لها ... من ناسخ ما رسَى في أرضه أحدُ
إذا كان أحمد ختم المرسلين فمَن ... مِن بعده رام وحيًا كاذبٌ فندُ
وكان بعثته للخلق قاطبة ... كان النبيون أحياء لها قصدوا
باب الإيمان باليوم الآخر
واليوم الآخر حقٌّ ثم ساعته ... بمنتهى علمها الرحمن منفردُ
والموت حقٌّ ومن جاءت منيته ... بأي حتف فبالمقدور مفتقدُ
ما أن له عنه من مستأخر أبدًا ... كلا ولا عنه من مستقدم يجدُ
كل إلا أجل يجري على قدر ... ما لامرئ عن قضاء الله ملتحدُ
стр. 1075
وفتنة القبر حقٌّ والعذاب به ... لكافر ونعيم للألي سعدوا
وللقيامة آيات إذا وجبت ... فليس من توبة تجدي وتلتحِدُ
من ذاك أن تستبين الشمسُ طالعةً ... من حيث مغربها والخلق قد شهدوا
كذاك دابة للأرض تكلمهم ... جهرًا وتُفرِّق بالتمييز من تجدُ
نزول عيسى لدجال فيقتله ... وفتح سد عباد ما لهم عددُ
كذا الدخان وريح وهي مرسلة ... لقبض أنفس من للدين يعتقدُ
وغيرها من أمور في الكتاب جرت ... ذكرى وصحَّ بها في السنة السندُ
والنفخ في الصور حقٌّ أولاً فزع ... فصعقة فقيام بعدما رقدوا
والوزن بالقسط والأعمال محضرة ... في الصحف تنشر والأشهاد قد شهدوا
والجسر ما بين ظهراني الجحيم كما ... في النص إن أحد إلا لها قد يَرِدُ
يجوزه الناس بالأعمال تحملهم ... عليهم ليس القوى ذو العدِّ والعُدَدُ ...
كالبرق والطرف أو مرِّ الرياح وكالـ ... ـجياد أو كركاب النوق تنشردُ
وذاك يعدو وذا يمشي عليه وذا ... زحفًا وذا كبَّ في نار به تقدُ
والنار حقٌّ وجنات النعيم ولا ... تقول نفنى ولا ذا الآن تُفتقدُ
هذي لأعدائه قد أُرصدت أبدًا ... وذي لأحبابه والكلُّ قد خلدوا
وحوض أحمد قد أعطاه خالقه ... غوثًا لأمته في الحشر إذا تَرِدُ
والرسل تحت لواء الحمد تحشر إذ ... ذاك اللوا لختام الرسل ينعقدُ
كذا المقام له المحمود حيث به ... في شأنه كلُّ أهل الجمع إذ وفدوا
وفي عصاة أولي التوحيد يخرجهم ... من الجحيم ويدريهم بما سجدوا
стр. 1076
وبعده يشفع الأملاك والشهدا ... والأنبياء وأتباع لهم سعدوا
فيخرجونهمو فحمًا قد امتحشوا ... من الجحيم قد اسودّوا وقد خمدوا
فيطرحون بنهر يَنبُتون به ... نبتَ الحبوب بسيل جاءَ يطَّرِدُ
ثم الشفاعة ملكٌ للإِله ولا ... شريك جلَّ له في ملكه أحدُ
فليس يشفع إلاَّ من يشاء وفي ... من شاء حين يشاء الواحد الصمدُ
ويخرج الله أقوامًا برحمته ... بلا شفاعة لا يُحصَى لهم عددُ
وليس يخلد في نار الجحيم سوى ... من كان بالكفر عن مولاه يبتعدُ
يا عظم ما ركبوا يا سوء ما نكبوا ... عن ربهم حجبوا من فضله بعدوا
باب الإيمان بالنظر إلى الله في الدار الآخرة
والمؤمنون يرون الله خالقهم ... يوم اللقا وعده الصدق الذي وعدوا
يرونه في مقام الحشر حين ينا ... ديهم ليتبع الأقوام ما عبدوا
فيتبع المجرم الأنداد تقدمهم ... إلى جهنم وردا ساء ما وردوا
والمؤمنون لمولاهم قد انتظروا ... إذا تجلى لهم سبحانه سجدوا
إلا المنافق يبقى ظهره طبقًا ... إذ في الحياة إذا قيل اسجدوا مردوا
كذا لزيادة في يوم المزيد إذا ... على النجائب للرحمن قد وفدوا
فالأنبياء كذا الصديق والشهدا ... على منابر نور في العلا قعدوا
стр. 1077
وغيرهم من أولي التقوى مجالسهم ... كثبان مسك ألاَّ يا نَعمت المهدُ
من فوقهم أشرف الرحمن جلَّ ونا ... داهم سلام عليكم كلهم شهدوا
يرونه جهرةً لا يمترون كما ... للشمس صحوا يرى من ما به رَمدُ ...
هناك يذهل كل عن نعيمهمو ... بذا النعيم فيا نُعمى لهم حَمِدوا
وذا لهم أبدًا في كلِّ جمعتهم ... بشرى وطوبى لمن في وفدهم يفدُ
باب الإيمان بالقدر خيره وشره
كذلك بالقدر المقدور نؤمن مِن ... خير وشر وذا في ديننا عُمدُ
ولا منافاة بين الشرع والقدر الـ ... ـمحتوم لكن أولو الأهواء قد مردوا
فإنَّ الإيمان بالأقدار مرتبط ... بالشرع ذا دون هذا ليس ينعقدُ
إياه نعبد إذعانًا لشرعته ... بالنهي منزجرين الأمر نعتمدُ
ونستعين على كلِّ الأمور به ... إذ كُلُّها قدرٌ من عنده ترِدُ
أحاط علمًا بها ربي وقدَّرها ... دقًّا وجلا ومن يشقى ومن سعدوا
من قبل إيجادها حقًا وسطرها ... في اللوح جفَّت بها الأقلام والمددُ
كيفية وزمان والمكان فلا ... يعدو امرؤ ما قضاه الواحد الصمدُ
بقول «كُن» ما يشا أمضى بقدرته ... بالخلق والأمر رب العرش منفردُ
وقدرة العبد حقًّا مع مشيئته ... لكن لما شاء منه الله نعتقدُ
إذا كان ذاتًا وفعلاً كلُّه عدم ... إلا إذا جاءه من ربه المددُ
من يهده الله فهو المهتدى وكذا ... من شاء إضلالَه أنَّى له الرشدُ
مجمل أركان الإسلام
هذا وقد بني الإسلام فادر على ... خمس دعائم فاحفظ إنها العمدُ
هي الشهادة فاعلم والصلاة مع الـ ... ـزكاة والصوم ثم الحج فاعتمدوا
стр. 1078
وذروة الدين أعلاها الجهاد حمى ... لحقه ولأهل الكفر مضطهدُ
جامع وصف الإحسان
هذا والإحسان في سرٍ وفي علن ... أصل ومعتاد عن خير الورى يردُ
إن تعبد الله باستحضار رؤيته ... إياك ثم كمن إياه قد شهدوا
باب
نواقض الإسلام، أعاذنا الله منها
وليس يخرج من الإسلام داخله ... إلا بإنكار ما فيه به يردُ
أما المعاصي التي من دون ذاك فلا ... تكفير إلا لمن للحل يعتقدُ
والكفر إن كان عن جهل الكفور فتكـ ... ـذيب ككفر قريش حينما مردوا ...
أو كان عن علمه فهو الجحود ككفـ ... ـار اليهود الألي بالمصطفى جحدوا
أو بالإِباء مع الإقرار فهو عِنا ... د كالرحيم إذ الأملاك قد سجدوا
أو أبطن الكفر بالإسلام مستترًا ... فهو النفاق فهذي أربع تَردُ
стр. 1079
مقابلات لقول القلب مع عمل ... مسه وقول لسان معه ينعقدُ
كذا لسائر أعمال الجوارح فاعـ ... ـلم أربع قابلتها فاستوى العددُ
باب شرك دون شرك وكفر دون كفر ...
وظلم دون ظلم وفسوق دون فسوق ونفاق دون نفاق
والشرك قد جاء منه أصغر وهو الـ ... ـرياء ممن سوى الرحمن ما عبدوا
كمن يصلي لربي ثم زينتها ... لما يرى أن إليه قاعد أحدُ
كذلك الحلف بالمخلوق من وثن ... كذا الأمانة والآباء والولدُ
وبالشهادة فالساهي يكفر كي ... يقر في القلب معناها ويرتصدُ
ونحو لولا فلان كان كيت وما ... شاء الإله وشئت الكل منتقَدُ
وهكذا كلُّ لفظ فيه تسوية ... بالله جلَّ ولكن ليس يعتقدُ
ولانتفاء التساوي جاز «ثم» مكا ... ن الواو نصًا وأهل العلم ما انتقدوا
والكفر والظلم فاعلم والفسوق كذا ... النفاق كل على نوعين قد يردُ
فالكفر بالله معلوم وسمي بالـ ... ـكفر القتال الذي الإسلام يعتمدُ
والظلم للشرك وصف ثم أطلق في ... تظالم الخلق منه الغشُّ والحسدُ
والفسق في وصف إبليس اللعين أتى ... وقاذف ما عن الإسلام يبتعدُ
كذا النفاق أتى في الكفر أقبحه ... وجاء في وصف ذي خلف لما يعدُ
стр. 1080
أو خاصموا فجروا أو عاهدوا غدروا ... والخائنين ومن إن حدَّثوا فندوا
باب معنى النصوص ...
التي فيها نفي الإيمان عن مرتكب بعض المعاصي
وحيث ما نفي الإيمان في أثر ... عمن عصى من التوحيد قد عقدوا
فالمستحل أو المقصود فارقه ... إيمانه حالة العصيان يصطعدُ
أو المراد به نفي الكمال وعن ... تفسيرها بعض أهل العلم قد قصدوا
تكون أرهب أما أن نكفره ... فقد رددنا على القرآن إذ نجدُ ...
أن أثبت الله للجاني الأخوة والإ ... يمان ما قال فيه كافر وعدو
باب التوبة وشروطها
وتقبل التوبة - اعلم - قبل حشرجة الـ ... ـصدور من كل ذنب ناله أحدُ
شروطها يا أخي الإِقلاع مع ندم ... ولا يعود له بل عنه يبتعدُ
وإن يكن فيه حق الآدمي فتحـ ... ـلُّ حيث أمكن وليعرض له القُوَدُ
باب حكم السحر والكهانة ...
والتنجيم والتطير والاستسقاء بالأنواء والعين
والسحر حق وقوعًا باطل عملاً ... فمنه حِرز ومنه النفث والعقدُ
وحُكمه الكفر في نصِّ الكتاب أتى ... وحُدَّ فاعله بالسيف يحتصدُ
ثم الكهانة كفرٌ والتطير والـ ... ـتنجيم والنوء ممَّن فيه يعتقدُ
والعين حقٌّ وبالمقدور ثورتها ... وليغتسل عائن منها لمن يجدُ
стр. 1081
باب ...
حكم الرقي والتعاليق
ثم الرقي إن تكن بالوحي دون تصـ ... ـرف ولا صرف قلب ليس ينتقدُ
وللصحابة خلف في تعليق آ ... يات الكتاب ووردٌ للنبي يَردُ
والمنع أولى فأمَّا ما عداه فلا ... خلاف في منعه إذ فيه مستندُ
باب الخلاف ومحبة الصحابة ...
وأهل البيت ﵃
ثم الخليفة من بعد النبي هو الـ ... ـصديق أسعد من بالمصطفى سعدوا
وبعده عمر الفاروق ذاك أبو ... حفص له الضد والأعوان قد شهدوا
كذاك عثمان ذو النورين ثالثهم ... يظلمه باء أهل البغي إذ قصدوا
كذا عليٌّ أبو السبطين رابعهم ... بالحقِّ معتضد للكفر مضطهدُ
فهؤلاء بلا شكٍّ خلافتهم ... بمقتضى النص والإِجماعِ منعقدُ
وأهل بيت النبي والصحب قاطبةً ... عنهم نذبُّ وحب القوم نعتقدُ
والحق في فتنة بين الصحاب جرت ... هو السكوت وأن الكلَّ مجتهدُ
والنصر أن أبا السبطين كان هو الـ ... ـمحقُّ من رد هذا قوله فندُ ...
стр. 1082
تبًا لرافضه سحقًا لناصية ... قُبحًا لمارقةٍ ضلُّوا وما رشدوا
باب ...
وجوب طاعة أولي الأمر
ثم الأئمَّة في المعروف طاعتهم ... مفروضة وفِي العهد الذي عقدوا
ولا يجوز خروج بالسلاح عليـ ... ـهم ما أقاموا على السمحاء واقتصدوا
أما إذا أظهروا الكفر البواح فقا ... تلوا أئمَّة كفر حيثما وجدوا
باب وجوب النصيحة في الدين ...
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ثم النصيحة قل فرض بكل معا ... نيها هي الدين فاعلم إذ هي العمدُ
لله والرسل والقرآن ثم ولا ... ة الأمر ثم عموم المسلمين هدوا
والأمر بالعرف مع علم به ولعفو ... خذ وأعرض عن الجهال يتَّئدوا
كذلك النهي عن نكر ومورده ... قول فسخطًا إذا لم تستطعه يدُ
стр. 1083
باب ...
الشرع وأصول الفقه
والشرع ما أذن الله العظيم به ... من الكتاب وآثار النبي تردُ
مما رَوى العدل محفوظًا ومتصلاً ... عن مثله صحَّ مرفوعًا به السندُ
والقول والفعل والتقرير حيث أتى ... عن الرسول فللتشريع يُعتمدُ
إلا إذا جاء برهان يُخصِّصه ... المصطفى أو بشخص فيه ينفردُ
والأصل في الأمر فاعلم للوجوب فلا ... يصل للمندوب إذ لا صارف يردُ
والنهي للحظر إذ لا نص يصرفه ... إلى الكراهة هذا الحق يُعَتقدُ
ومستوى الطرفين أدع المباح فلا ... يلام في فعله أو تركه أحدُ
وما به يُنتفى حكم فمانعه ... وعكسه سبب يدريه مجتهدُ
والشرط ما رُتب الإِجزا وصحته ... عليه أو نفي حكم حين يفتقدُ
ونافذ وبه اعتدَّ الصحيح كما ... نقيضه باطلٌ ليست له عمدُ
ثم الوسيلة تعطي حكم غايتها ... فرضًا وندبًا وحظرًا عنه يبتعدُ
والرخصة الإِذن في أصل لمعذرة ... وضدها عزمة بالأصل تنعقدُ ...
والأصل أن نصوص الشرع محكمةٍ ... إلا إذا جا بنقل الأصل مستندُ
وأيُّ نص أتى مثل يعارضه ... وأمكن الجمع فهو الحقُّ يعتمدُ
وحيث لا ودريت الآخر اقضِ به ... نسخًا لحكم الذي من قبله يَرِدُ
أولاً فرجِّح متى تبدو قرائن تر ... جيح عليها احتوى مَتن أو السندُ
والمطلق أحمل على فحوى مقيدِه ... وخصَّ ما عمَّ بالتخصيص إذ تجدُ
والحظر قدم على داعي إباحته ... كذا على النفي فالإِثبات معتضدُ
هكذا الصريح على المفهوم فاقضِ به ... وهكذا فاعتبر إن أنت منتقدُ
وأيُّ فرع أنت في الأصل علَّته ... أو كان أولى بها فالحكم يطَّردُ
стр. 1084
ولا تقدم أقاويل الرجال على ... نصِّ الشريعة كالغالين إذ جحدوا
ولا تقلِّد وكن في الحق متبعًا ... إن اتباعك فالتعلُّم هو الرشدُ
إذ الأئمة بالتقليد ما أذنوا ... لكن نرد المورد العذب الذي وردوا
ولتستعن بمفهوم القوم إن لهم ... بصائر كم بها ينحل متعقَّدُ
وأعلم الأمة الصحب الألي حضروا ... مواقع الشرع والتنزيل قد شهدوا
أدرى الأنام بتفسير الكتاب وأفـ ... ـعال الرسول وأقوالٍ له تردُ
إجماعهم حجة قطعًا وخلفهمو ... لم يعده الحق فليعلمه مجتهدُ
اردد أقاويلهم نحو النصوص فما ... يوافق النصَّ فهو الحق معتضدُ
ما لم تجد فيه نصًّا قدم الخلفا ... إذ هم بنص رسول الله قد رشدوا
فالتابعون بإحسانٍ فتابعهم ... من الأئمَّة للحقِّ المبين هدوا
كالسبعة الأنجم الزهر الذين يرى ... إجماعهم مالك كالنص يعتمدُ
وابن المبارك والبصري هو الحسن الـ ... ـمرضي حقًا وحمَّادًا همو حمدوا
كذاك سفيان مع سفيان ثم فتى الأ ... وزاع فاعلم ومن أقرانهم عددُ
ثم الأئمَّة نعمان ومالكهم ... والشافعي أحمد في ديننًا عمدُ
وغيرهم من أولي التقوى الذين لهم ... بصائر بضياء الوحي تتَّقدُ
أولئك القوم يحيا القلب إن ذُكروا ... ويذكر الله إن ذكرهمو تردُ
أئمَّة النقل والتفسير ليس لهم ... سوى الكتاب ونصُّ المصطفى سندُ
أحبار ملَّته أنصار سنَّته ... لا يعدلون بها ما قاله أحدُ
أعلامها نشروا أحكامها نصروا ... أعداءها كسروا نقالها نقدوا ...
هم الرجوم لسراق الحديث كما ... لكلِّ مسترق شهب السما رصدُ
بدور تم سوى أن البدور لها ... غيبوبة أبدًا والنقص مطردُ
وهم مدى الدهر ما زالت مآثرهم ... في جدَّةٍ وانجلاء منذما وسدوا
أولئك الملأ الغرُّ الألى ملئا الـ ... أقطار علمًا وغير النص ما اعتقدوا
стр. 1085
كلٌّ له قدم في الدين راسخةٌ ... وكلهم في بيان الحقِّ مجتهدُ
فإن أصاب له أجران قد كملا ... والأجر مع خِطئه والعفو متعدُ
والحق ليس بفرد قط منحصرًا ... إلاَّ الرسول هو المعصوم لا أحدُ
صلَّى عليه إله العرش فاطره ... مُسلمًا ما بأقلام جرى المددُ
والآل والصحب ثم التابعين لهم ... والحمد لله لا يُحصَى له عددُ
* * *
وقال الشيخ سليمان بن سحمان ﵀:
ألا قُلِ لِذِي جَهْلٍ تَهوَّرْ في الرَّدَى ... وأظْهَرَ مَكْنُونًا مِن الغَيِّ لا يُجْدِي
وفَاهَ بتَزْوِيرٍ وإِفكٍ ومُنْكَرٍ ... وظُلْمٍ وعُدوانٍ على العالمِ المَهِدي
وزوَّرَ نَظْمًا للأَميرِ مُحَمَّدٍ ... وحَاشَاهُ مِن إفكِ المزَوِّرِ ذِيْ الجَحْدِ
لَعَمْرِي لَقد أَخطأْتَ رُشْدَكَ فاتَّئِد ... فلستَ على نهجٍ مِن الحقِ مُسْتَبْدِ
وقد صحَّ أَنَّ النَّظم هذا مقول ... تقوّله هذا الغبيُّ على عمد
وما كان هذا النظمُ منظومَ عالم ... نقيٍّ تقيِّ الهدى للورى يَهدى
ولكنَّه جهلٌ صريح مركَّبٌ ... ومنشئه عن منهج الرُّشد في بعد
وهأَنذا أُبدى مخازيه جهرةً ... وأَنقُضُ ما يُبديه بالحقِّ والرُّشد
لتعلم أَنَّ الفَدم هذا مزوِّرٌ ... وأَنَّ الَّذي أَبداه من جهله المردي
يُخالف ما قال الأَميرُ محمَّدٌ ... وقرَّر في التطهير تقرير ذي نقد
فأَزرى به من حيث يحسِب أَنَّه ... أَشاد له بيتًا رفيعًا من المجد
فَجاءَ على تزويره بدلائِلَ ... تعود على ما قال بالرَّدَّ والهدِّ
стр. 1086
إذا صحّ ما قلنا لديك فقولهُ ... رجعت عن النَّظم الذي قلت في النجدي
رجوعٌ عن الحقِّ الَّذي هو ذاكر ... عن السلف الماضين من كل ذي رُشد
إلى الغيّ من كفرٍ وشرك وبدعة ... إلى غير ذا من كل أَفعال ذي الطرد
فلو صحَّ هذا وهو لا شكَّ باطلٌ ... وزورٌ وبهتانٌ من النَّاظم المبدي
لكان لعمَرى ضحكةً ومناقضًا ... لما قال في منظومه عن ذوى الجَحْد
فدونك ما أَبدى عن المدح والثنا ... وما قال في ذم المخالف والضد
قفى واسألي عن عالمٍ حلَّ ساحها ... به يَهتدي من ضَلَّ عن منهج الرُّشد
محمدٍ الهادي لسُنَّة أَحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حَبذا المهدي
لقد أَنكرت كلُّ الطوائف قولهُ ... بلا صَدرٍ في العلم منهم ولا ورْد
وما كلُّ قولٍ بالقبول مقابَلٌ ... ولا كلُّ قولٍ واجِبُ الطرد والرَّد
سوى ما أتَى عن ربِّنا ورسوله ... فذلك قولٌ جل يا ذا عن الندِّ
وأما أقاويلُ الرِّجال فإِنَّها ... تدور على قدر الأَدلَّة في النَّقد
لقد سرني ما جاءَني من طريقه ... وكنتُ أَرى هذي الطريقةَ لي وحدي ...
وقد جاءَت الأَخبارُ عنه بأَنَّه ... يُعيد لنا الشَّرع الشريف بما يبدي
وينشر جهرًا ما طوى كلُّ جاهلٍ ... ومبتدعٍ منه فَوَافَقَ ما عندي
ويعمُرُ أَركانَ الشريعة هادمًا ... مشاهدَ ضلَّ النَّاسُ فيها عن الرُّشد
أَعادوا بها معنى سُواع ومثلِه ... يغوثَ ووُدٍّ بئس ذلك من وُدّ
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطرُّ بالصَّمد الفرد
وكم عقروا في ساحها من عقيرة ... أُهلت لغير الله جهرًا على عمد
وكم طائف حول القبور مقبِّلٍ ... ومستلم الأَركان منهن باليد
стр. 1087
فهذا هو المعروفُ من حال شيخنا ... ودعوته للحقِّ بالحقِّ والرُّشد
فسار مسيرَ الشمس في كبد السما ... وطبَّق من غرب البلاد إلى الهند
ولم تَبقَ أَرض ليس فيها مجدِّدٌ ... علَى إِثره يقفو ويهدي ويستهدي
فقل للَّذي أَبدى خزايةَ جَهْله ... وأَبرز منظومًا خليًا من الرُّشد
أَعد نظرًا فيما توهَّمتَ حسنَهُ ... فإنك لم تنطق بحقٍّ ولا رشد
ودعنا من القول المزوَّر والهَذَا ... ومن إفكك الواهي ومن جَهلِك المردي
فقدْ وافقَ الشيخُ الإِمامَ محمَّدًا ... وصحَّ له عَنه خلاف الَّذي تُبدي
فَظَنَّ به خَيرًا وقد كان أَهلَه ... وكان على حقِّ وبالحقِّ يستهدي
وقد جاءَهم من أَرضه متهوِّكٌ ... جهول يسمى مِرْبَدا وهو ذو جَحْد
ففاه ببهتان وإِفك مزوَّرٍ ... وكان عن التحقيق والحقِّ في بُعد
وقد كان ذا جهل وليس بعالم ... وقد أَنكر التوحيد للواحد الفرد
وظنَّ طريق الرُّشد غيَّا بزعمه ... وقد أَلف المأْفونُ كُفْرانَهُ المردي
فأَشرقه نور الهدى حين ما بدا ... وقرَّ إلَى صنعا وفاه بما يبدي
فما غرَّهم من جهله وافترائه ... زخارفُ ما أَبداه ذو الزَّور والحقد
إلى أَن تولى ذلك العصرُ وانقضى ... وجاءَ أُناس بعدهم من ذوى الطَّرد
فساغ لديهم زخرفُ القول وارتضوا ... من الظلم والعدوان أقوال ذي الجحد
وقد زعم المأْفون أَن رسائلا ... أَتاهم بها فيها التجاوزُ للحدِّ
يكفر فيها الشيخُ من كان مُسلما ... وفي زعمه كلُّ الأَنام على عمد
ولفَّق في تكفيرهم كلَّ حجّة ... تراها كبيت العنكبوتِ لدى النقد
стр. 1088
وذا فرية لا يمتري فيه عاقلٌ ... على أَنَّه زورٌ من القَول مستبدِ ...
وقد كان في الإعراض سترٌ لجهله ... ولكنه أَبدى مخازيه عن قصد
لِيخْدع مأْفونًا ومن كان جاهلا ... وليس على نهج من الحقِّ والرُّشد
فما كفَّر الشيخُ الإِمامُ محمَّدٌ ... جميع الورى حاشاه من قول ذي الطَّرد
ولا قال في تلك الرسائل كلها ... بتكفير أهل الأَرض من كلِّ مستهد
ولكنما تكفيره لمن اعتدى ... وحاد عن التوحيد بالجعل للنّد
فيدعو سوى المعبود ﷻ ... ويرجوه بل يخشاه كالمنعم المسدي
وينسِك للأموات بل يستغيثهم ... ويندُب من لا يملك النفع للعبد
وذلك إِشراك به لاتخاذه ... مع الله مألوهًا شريكًا بما يبدي
من الحبِّ والتعظيم والخوف والرجا ... ومن كل مطلوب من الله بالقصد
فإن كان عبادُ القبور لديكمو ... هم المسلمين المؤمنين ذوي الرُّشد
وهم كلُّ أَهل الأَرض والكل مُسلم ... وما مِنْهمو مِنْ كافرٍ جاعلِ النِّد
وما قد تُلي من آية في ضلالهم ... ومن سُنةٍ للمصطفى خيرِ من يهْدى
ملفقةٌ ليست لديكم بحجة ... وتلك كبيت العنكبوت لدى النقد
فما فوق هذا من ضلال وفريةٍ ... يجيء بها أهلُ العناد ذوو الطَّرد
وقد أَنكرت كلُّ الطوائف قولَه ... بلا صَدَرٍ في الحقِّ منهم ولا وِرْد
كما قاله أَعني الأَمير محمّدًا ... وقد كان ذا علم عليما بما يُبدي
وقالوا كما قد قلتموه تحكما ... وهنْطًا وخرْطًا لا يُفيد ولا يُجدي
تجرَّا على تكفير كل موحدٍ ... مصلٍّ مزك لا يحول عن العهد
ثَكلْتُكَ هل هذا كلامُ محقَّق ... كعالم صنعا ذي الدِّرايةِ والنقد
стр. 1089
فجرتُم وجُرتم بالأَكاذيب والهذا ... ووضع مُحالات على العالم المهدي
كقولك في منظوم مَيْنك فريةً ... عليه بما تبديه من جهلكَ المُردي
وقد جاءَنا عن ربِّنا في براءَةٍ ... براءَتُهم من كلِّ كفرٍ ومن جَحد
فإِخواننا سماهم الله فاستمع ... لقول الإِله الواحد الصَّمد الفرد
أَقول تأَمَّل لا أبا لك نصَّها ... تجدْ منهلا عذبًا أَلذّ من الشهد
ففيها البيان المستنيرُ ضياؤه ... لمنْ كان ذا قلبٍ شهيدٍ وذا رُشد
ولكنَّ أَهل الزَّيغ في غَمراتِهم ... وفي غيهم لا يرعوون لمن يهدي
وآذانُهم صمٌّ عن الحقِّ والهدى ... وأبصارهم عن رؤية الحقِّ كالرُّمد ...
أليست لمن تابوا من الكفر والرَّدى ... ولم يشركوا شيئا بمعبودِنا الفرد
وصلُّوا وزكوا واستقاموا على الهدى ... فهم إخوةٌ في الدِّين من غير ما ردِّ
فأَين الدّليلُ المستفادُ بأنهم ... إذا لم يتوبوا لم يكونُوا ذوي جَحْدِ
فما كفَّر الشيخُ الإِمامُ محمَّدٌ ... سوى من دعا الأَموات من ساكن اللحد
ومن لم يَتُبْ من كُفره وضلاله ... وإِشراكه بالسيَّد الصَّمد الفَرد
وأَجرى دماهُم طاعةً وتقربًا ... إلى الله في قتلِ الملاحدةِ اللُّد
فما كلُّ من صلَّى وزكَّى موحّدًا ... فأَبْدِ دليلا غير ذا فهو لا يُجدي
ودعنا من التمويه فالحقٌّ واضح ... وليس به لَبْسٌ لدى كلِّ مستهدي
أَلا فأَرُونا يا ذوي الغيِّ والهوى ... كلامًا سوى هذي الأَكاذيب مستبدي
وجيئوا بتطهير اعتقادٍ لسيد ... إمامٍ محقٍّ ذي الدراية والنقد
فَقَابل ما قلتم بما في كتابه ... وما قاله في الاحتجاج على الضدِّ
لَكي تعلموا أَنَّ الأَمير محمَّدًا ... بريءٌ من المنظوم والشرح والردِّ
стр. 1090
وتستيقنوا أنَّ الأَكاذيب هذه ... ملفقةٌ لفَّقتموها على عمد
ويعلم أَهلُ العلم بالله أَنكم ... بذلتم على تلفيقها غايةَ الجُهد
لكي تطمسوا أَعلام سنَّة أَحمد ... بتزوير أَفَّاك جهول وذي حقد
وقولك في منظوم ميْنك ضلَّةٌ ... ولبسٌ وتمويهٌ على الأَعين الرُّمد
وقد قال خَيْرُ المرسلين «نَهَيْتُ عن» ... فما باله لم ينتهِ الرَّجل النَّجدي
أَقول نعم هذي الأَحاديث كلُّها ... مدونة مرويةٌ عن ذوي النقد
وليس بها والحمد لله حُجةٌ ... على ترك مرتدٍّ عن الدِّين ذي جحد
فمنصوصها في ترك من أَظهر الهدى ... وباطنُه في الاعتقاد على الضدِّ
فدلَّت على تركٍ لمن كان مُظهرا ... من الدِّين أَركانا فَتَدْرأ عن حدِّ
فيجري له حكمُ الظواهر جهرةً ... وباطنُ ما يخفي إلى الواحد الفرد
فإِن أَظهر الكفر الَّذي هو مبطنٌ ... فليس له من عاصمٍ موجب يُجْدِي
وليس على الإِطلاق ما أَنت مطلقٌ ... ففي ذاك تفصيلُ يبِينُ لذي الرُّشد
فقد همَّ خيرُ المرسلين محمدٌ ... بإحراق من صلى وذاك على عمد
لأَنهمو لم يحضروا في جماعة ... وقد فُرضت عينا على كلِّ مستهدي
ولولا الذَّراري والنِّساءُ معلَّلا ... لأَحرقهم فيها فباءُوا بما يردي ...
وما كان هم المصطفى بضلالةٍ ... ولا باطلٍ لكن بحقٍّ وعن رشد
وقد قتل الفاروق من ليس راضيًا ... بحكم النبيِّ المصطفى كامل المجدِ
ولم ينههُ المعصومُ عن قتل مثله ... ولا عابه في قتله ثَمَّ عن عمد
كما برئَ المعصومُ من قَتْلِ خالدٍ ... جذيمةَ لمَّا أَخطئوا باذلي الجهد
следующие страницы →