← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38155

مجموعة القصائد الزهديات

عبد العزيز السلمان

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يُهلُّونَ بالبَيْدَاءِ: لَبَّيكَ رَبَّنَا ... لك المُلْكُ والحَمْدُ الذِي أَنْتَ تَعلَمُ دَعَاهُم فَلَبَّوهُ رِضىً وَمَحبَّةً ... فلما دَعَوْهُ كانَ أَقْرَبَ مِنْهُمُ تَراهُم على الإِنْضَاءِ شعثًا رُؤوسُهُم ... وغبرًا وهم فيها أَسَرُّ وأَنْعَمُ وَقَدْ فَارَقُوا الأَوْطَانَ والأَهْلَ رَغْبَةً ... ولم يَثْنِهِم لِذَاتُهُم والتَّنعُّمُ يَسِيرُونَ من أَقْطَارِهَا وَفِجَاجِهَا ... رِجالاً وَرُكبانًا، ولله أَسْلَمُوا ولما رَأَتْ أَبصَارُهُم بَيْتَهُ الذِي ... قُلُوبُ الوَرَى شَوقًا إليه تَضَرَّمُ كأنَّهُم لم يَنْصِبُوا قطُّ قَبْلَهُ ... لأن شَقاهُم قد تَرحَّلَ عنهُمُ فللهِ كمْ من عِبرةٍ مُهَرَاقَةٍ ... وأخرَى على آثَارِهَا تَتقدَّمُ وَقَدْ شَرِقَتْ عَينُ المُحِبِّ بِدَمْعِهَا ... فينظرُ من بَيْنِ الدُّمُوعِ، وَيُسْجِمُ إذا عَايَنَتْهُ العَينُ زَالَ ظَلامُهَا ... وَزَالَ عن القَلبِ الكَئِيْبِ التَّألُّمُ ولا يَعرِفُ الطَّرفُ المُعاينُ حُسنَهُ ... إلى أن يَعُودَ الطَّرفُ والشَّوقُ أعظَمُ

стр. 107

ولا عَجبٌ من ذَا فَحِيْنَ أَضَافَه ... إلى نفسهِ الرَّحمنُ، فهو المُعظَّمُ كَساهُ من الإِجلالِ أعظمَ حُلَّةٍ ... عليها طِرازٌ بالمَلاحَةِ مُعلَمُ فَمِنْ أَجْلِ ذَا كلُّ القُلُوبِ تُحِبُّهُ ... وَتَخْضَعْ إِجْلالاً له وَتُعَظِّمُ ورَاحُوا إلى التَّعريفِ يَرجُونَ رَحْمَةً ... وَمَغفرةً ممنْ يَجُودُ ويُكْرِمُ فَللهِ ذاكَ المَوقفُ الأعظمُ الذِي ... كَموقِفِ يوم العَرضِ بَلْ ذَاكَ أَعْظَمُ وَيَدنُو بِهِ الجَبَّارُ ﷻ ... يُباهِي بهم أَمْلاكَهُ فهو أَكْرَمُ يقولُ: عِبادِي قد أَتَونِي مَحَبَّةً ... وإنِّي بهم بَرٌّ أَجودُ، وَأَرحمُ فَأُشهِدُكُم أنِّي غَفَرتُ ذُنُوبَهُم ... وَأَعْطَيْتُهُم مَا أَملُوهُ وأَنْعَمُ فَبُشرَاكُم يا أَهلَ ذَا المَوقفِ الذِي ... بهِ يَغفرُ اللهَ الذُّنُوبَ، وَيرحمُ ومَا رُؤي الشَّيطانُ أغْيَظَ في الوَرَى ... وأحقرَ منهُ عندهَا، وهو الأَمُ ... وَذَاكَ لأمْرٍ قد رآهُ فَغَاظَهُ ... فأقبل يَحثُو التُّربَ غَيظًا، وَيلطِمُ

стр. 108

وَمَا عَاينَتْ عَينَاهُ من رَحْمَةٍ أَتَتْ ... وَمغفرةٍ من عند ذِي العَرشِ تُقسَمُ بَنَى ما بَنَى، حتى إذَا ظَنَّ أنَّهُ ... تَمَكَّنَ مِن بُنْيَانِهِ، فهوَ مُحْكَمُ أَتَى اللهُ بُنيَانًا له مِنْ أَسَاسِهِ ... فَخَرَّ عَلِيهِ سَاقطًا يَتَهَدَّمُ وَكَمْ قَدْرَ مَا يَعْلُو البِنَاءُ وَيَنْتَهِي ... إذا كَانَ يَبْنِيْهِ وذُو العَرشِ يَهدِمُ وَرَاحُوا إلى جَمعٍ فَبَاتُوا بِمَشْعَرِ الْـ ... حَرَامِِ وَصَلُّوا الفَجْرَ، ثم تَقدَّمُوا إلى الجَمْرَةِ الكُبرى يُريدُونَ رَميهَا ... لِوْقْتِِ صَلاةِِ العِِيْدِِ، ثُمَّ تَيَمَّمُوْا مَنَازِلهُمْ للنَّحرِ يَبغُونَ فضلَهُ ... وَإحْيَاءَ نُسكٍ من أَبِيْهِم يُعَظَّمُ فلو كان يُرضَي اللهُ نحرُ نُفُوسِهِم ... لَدَانُوا به طَوعًا، وللأمرِ سلَّمُوا كَمَا بَذَلُوا عِندَ الجِهَادِ نُحُورَهُم ... لأَعدَائِهِ حَتَّى جَرَى مِنْهُمُ الدَّمُ وَلكنَّهُم دَانُوا بوضعِ رُؤوْسِهِِمْ ... وذَلِكَ ذُلٌّ لِلْعَبِيْدِِ ومِيْسَمُ ولَمَّا تقضَّوا ذلكَ التَّفَثَ الّذِي ... عَلَيْهِمْ، وأَوْفُوْا نَذْرَهُم، ثُمَّ تَمَّمُوْا

стр. 109

دَعَاهُم إلى البَيْتِِ العَتِيْقِِ زِيَارَةً ... فَيَا مَرْحَبًا بِالزَّائِرِيْنَ وأَكْرِِمُ فَللَّهِ مَا أَبْهَى زِِيَارَتَهُمْ لَهُ!! ... وَقَدْ حُصِّلَت تِلْكَ الجَوَائِزُ تُقْسَمُ ولله إِفْضَالٌ هُنَاكَ ونَعْمَةٌ ... وبِرٌّ وإحْسَانٌ، وَجُوْدٌ ومَرْحَمُ وَعَادُوْا إلَى تِلْكَ المَنَازِِلِِ منْ مِنَى ... وَنَالُوا مُناهُم عندها، وتَنعَّمُوا أقامُوا بها يومًا ويومًا وثالثًا ... وأُذِّنَ فيهم بالرَّحيلِ وأعلِمُوا ورَاحُوْا إلى رَمْي الجَمارِ عَشِيَّةً ... شِعَارُهُمُ التَّكْبِيْرُ وَاللهُ مَعهُمُ فَلَوْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ مَوْقِِفَهُم بها ... وقد بَسطُوا تلكَ الأكُفَّ لِيُرحَمُوْا يُنَادُونَهُ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، إِنَّنَا ... عَبيْدُكَ لا نَدْعُو سوَاكَ، وتَعلَمُ وَهَا نَحْنُ نَرْجُوْ مِنْكَ مَا أَنْتَ أَهْلُهُ ... فَأنْتَ الّذِِي تُعْطِيْ الجَزيْلَ وتُنْعِمُ وَلَمَّا تَقَضَّوْا من مِنَى كُلَّ حَاجَةٍ ... وَسَالَتْ بهمْ تلْكَ البِِطَاحُ تَقَدَّمُوْا إِلى الكَعْبَةِ البَيْت الَحَرامِ عَشيَّةً ... وَطَافُوْا بهَا سبْعًا، وصَلُّوْا وَسَلَّمُوْا

стр. 110

ولما دَنَا التَّوْديْعُ مِنْهُمْ وأيْقَنُوْا ... بأنَّ التَّدانِي حَبلهُ مُتصرِّمُ وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ وَقْفَةٌ لِِمُوَدِّعٍ ... فَلِلَّهِ أَجْفَانٌ هُنَالِكَ تَسْجُمُ!! وللهِ أَكْبَادٌ هُنَالِكَ أُوْدِِعَ الْـ ... غَرَامُ بِهَا!! فالنَّارُ فِيْهَا تَضَرَّمُ وللهِ أنْفَاسٌ يَكَادُ بِِحَرِّهَا ... يَذُوْبُ المُحِبُّ المُسْتَهَامُ المُتَيَّمُ ... فَلَمْ تَرَ إلاَّ بَاهِتًا مُتحيِّرًا ... وآخَرَ يُبْدِِيْ شَجْوَهُ يَتَرَنَّمُ رَحَلْتُ، وأَشْواقِِي إِلَيْكُمْ مُقِِيْمَةٌ ... ونارُ الأَسَى مِنِّي تُشَبُّ وتُضرمُ أُوَدِّعُكُمْ وَالشَّوْقُ يَثْنِِي أَعِنَّتِيْ ... وَقَلْبِيَ أَمْسَى في حِمَاكَمْ مُخَيِّمُ هُنَالِكَ لا تَثْرِيْبَ يَوْمًا عَلَى امْرئ ... إذَا مَا بَدَا مِنْهُ الّذِيْ كَانَ يَكْتُمُ فَيَا سَائِقِيْنَ العِيْسَ، بالله رَبِّكُمْ ... قِفُوْا ليْ عَلَى تِلْكَ الرُّبُوْعِ وسَلِّمُوْا وَقُوْلُوا مُحِبٌّ قَادَهُ الشَّوقُ نَحْوَكُمْ ... قَضَى نَحْبَهُ فِيكُم تَعِيشُوْا وتَسْلَمُوْا قَضَى الله رَبُّ العَرْشِِ فِيْمََا قَضَى بِهِ ... بأنَّ الهَوَى يُعْمِي القُلُوْبَ ويُبْكِمُ

стр. 111

وحُبُّكُمْ أَصْلُ الهُدَى، ومَدَارُهُ ... عَلَيْهِ، وَفَوْزٌ لِلْمُحِبِّ، ومَغْنَمُ وَتَفْنَى عِظَامُ الصَّبِّ بَعْدَ مَمَاتِهِ ... وَأَشوَاقُهُ وقْفٌ عَلَيْهِ مُحَرَّمُ فَيَا أَيُّهَا القَلْبُ الذِي مَلَكَ الهَوَى ... أَزِمَّتَهُ، حَتَّى مَتَى ذَا التَّلوُّمُ؟! وَحَتَّامَ لا تَصْحُو وَقَدْ قَرُبَ المَدَى ... وَدنَت كُؤُوْسُ السَّيْرِ والنَّاسُ نُوَّمُ بَلَى، سَوْفَ تَصْحُو حِيْنَ يَنْكَشِفُ الغِطَا ... وَيَبْدُو لكَ الأَمْرُ الّذِي أَنْتَ تَكْتُمُ وَيَا مُوْقِدًا نَارًا لِغَيْركَ ضَوْؤُهَا ... وَحَرُّ لَظَاهَا بَيْنَ جَنْبَيْكَ يُضْرَمُ أَهَذَا جَنَي العِِلْمِ الذي قَدْ رَضِيْتَهُ ... لِنَفْسِكَ في الدَّارِينْ: جَاهٌ وَدِرْهَمُ؟! وَهَذا هُوَ الرِّبحُ الذي قَدْ كَسَبْتَهُ؟! ... لَعمْرُكَ لا ربْحٌ، وَلاَ الأصْلُ يَسْلَمُ!! بَخِلْتَ بِشَيْءٍٍ لاَ يَضُرُّكَ بَِذْلُهُِ ... وجُدْتَ بِشَيْءٍٍ مِثْلُهُ لاَ يُقَوَّمُ بَخِلْتَ بذَا الحَظِّ الخَسِيْسِ دناءَةً ... وجُدْتَ بِدَارِ الخُلْدِ لَوْ كُنْتَ تَفْهَمُ وَبِعْتَ نَعِيْمًا لاَ انْقِضَاءَ لَهُ وَلاَ ... نَظيْرَ بِبَخْسٍٍ عَن قَلِيلٍٍ سَيُعْدَمُ

стр. 112

فَهلَّا عَكَسْتَ الأمْرَ إنْ كُنْتَ حَازمًا ... ولَكِنْ أَضَعْتَ الحَزْمَ لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ وَتَهْدِمُ مَا تَبْنِيْ بِكَفِّكَ جَاهِدًا ... فأَنْتَ مَدَى الأيّامِِ تَبْنِي وَتَهْدِمُ وعِنْدَ مُرَادِ الله تَفْنَى كَمَيِّتٍ ... وعِنْدَ مُرادِ النَّفْس تُسْدِيْ وتُلْحِمُ وعنْدَ خِلاَفِ الأمْرِ تَحْتَجُّ بالقَضَا ... ظَهِيْرًا عَلَى الرَّحْمنِ، للْجَبْرِ تَزْعُمُ تُنَزِّهُ مِنْكَ النَّفْسَ عنْ سُوْءِ فِعْلِهَا ... وَتَعْتِبُ أقْدَارَ الإِلهِ وَتَظْلِمُ تَحُلُّ أُمُوْرًا أَحْكَمَ الشَّرْعُ عَقْدَهَا ... وَتقْصُدُ مَا قَدْ حَلَّهُ الشَّرْعُ تُبْرِمُ وتَفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الرَّسُولِ خِلاَفَ مَا ... أَرَادَ لأَنَّ الْقَلْبَ مِنْكَ مُعَجَّمُ مُطيْعٌ لدَاعِي الغَيِّ عَاصٍ لرُشْدِهِ ... إِلى ربِّه يَوْمًا يُرَدُّ ويَعْلَمُ مُضِيِّعٌ لأمْرِ الله قد غَشَّ نَفْسَهُ ... مُهيْنٌ لَهَا أنَّى يُحبُّ ويُكْرَمُ ... بَطيءٌ عَنْ الطَّاعَاتِ أَسْرَعُ للْخَنَا ... مِنَ السَّيْلِ في مَجْرَاهُ لا يَتَقَسَّمُ وَتَزْعُمُ مَعْ هَذَا بأنَّكَ عَارِفٌ ... كَذَبْتَ يَقِيْنًا بِالّذِي أَنْتَ تَزْعُمُ

стр. 113

وَمَا أَنْتَ إِلا جَاهِلٌ ثُمَّ ظَالِمٌ ... وأَنَّكَ بَيْنَ الجَاهِليْنَ مُقَدَّمُ إذَا كَانَ هَذَا نُصْحُ عَبْدٍ لِنَفْسِهِ ... فَمَنْ ذَا الّذِي مِنْهُ الهُدَى يُتَعَلَّمُ؟! وفِي مِثْلِ هَذَا الحَالِ قَدْ قَالَ مَنْ مَضَى ... وأَحْسَنَ فِيْمَا قَالَهُ المُتَكَلِّمُ «فَإنْ كُنْتَ لاَ تَدْرِيْ فَتلْكَ مُصيْبَةٌ ... وإنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالمُصِيْبَةُ أَعْظَمُ» وَلَو تُبْصِرُ الدُّنْيَا وَرَاءَ سُتُورِها ... رَأَيْتَ خَيالاً فِي مَنَامٍ سَيُصْرَمُ كَحُلْمٍ بِطَيْفٍ زَارَ فِي النَّوْمِ وانْقَضَى الْـ ... مَنَامُ وَرَاحَ الطَّيْفُ، والصَّبُّ مُغْرَمُ وَظِلٍّ أَرَتْهُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا ... سَيَقْلُصُ فِي وَقْتِ الزَّوَالِ، ويَفْصِمُ وَمُزْنَةِ صَيْفٍ طَابَ مِنْهَا مَقيْلُهَا ... فَوَلَّتْ سَريْعًا، والحُرُوْرُ تَضَرَّمُ ومَطْعَمُِ ضَيْفٍ لَذَّ مِنْهُ مَسَاغُهُ ... وَبَعْدَ قَلِيْلٍ حَالُهُ تِِلْكَ تُعْلَمُ كَذَا هَذِهِ الدُّنْيَا كأَحْلاَمِ نَائمٍ ... وَمِنْ بَعْدهَا دَارُ البَقَاءِ سَتَقْدَمُ فَجُزْهَا مَمَرًّا لاَ مَقَرًا وَكُنْ بِهَا ... غَرِيْبًا تَعِِشْ فِيْهَا حَمِيْدًا، وتَسْلَمُ

стр. 114

أو ابْن سَبِيْلٍ قَالَ في ظِلِّ دَوْحَةٍ ... وَرَاحَ، وَخَلَّى ظِلَّهَا يَتَقَسَّمُ أَخَا سَفَرٍ لا يَسْتَقِرُّ قَرَارُهُ ... إلَى أَنْ يَرَى أَوْطَانَهُ ويُسَلِّمُ فَيَا عَجَبًا!! كَمْ مَصْرَعٌ وعَظَتْ به ... بَنِيْهَا!! ولَكِنْ عَنْ مَصَارِعِهَا عَمُوْا سَقَتْهُمْ كُؤُوْسَ الحُبِّ حَتَّى إذا نَشَوْا ... سَقَتَهُمْ كُؤُوْسَ السُّمِّ والقَوْمُ نُوَّمُ وأعْجَبُ مَا في العَبْدِ رُؤْيَةُ هَذِهِ الْـ ... عَظَائمِ والمَغْرُوْرُ فيْهَا مُتيَّمُ وَمَا ذَاكَ إِلاَّ أَنَّ خَمْرَةَ حُبِّهَا ... لَتَسْلبُ عَقْلَ المَرْءِ مِنْهُ وتَصْلِمُ وأَعْجَبُ من ذَا أنَّ أحبَابَهَا الأُلى ... تُهينُ وللأعْدَا تُرَاعِي وتُكْرمُ وَذلكَ بُرْهَانٌ عَلَى أنَّ قَدْرَهَا ... جَنَاحُ بَعُوضٍ أَوْ أَدَقُّ وأَلأَمُ وحَسْبُكَ مَا قَالَ الرَّسُولُ مُمَثِّلاً ... لَهَا، وَلِدَارِ الخُلْدِ والحَقُّ يُفْهَمُ كَمَا يُدْلِي الإِنْسَانُ في اليَمِّ أَصْبُعًا ... ويَنْزعُهَا مِنْهُ فَمَا ذَاكَ يَغْنَمُ أَلاَ لَيْتَ شعْرِيْ هَلْ أَبِيْتَنَّ لَيْلَةً ... عَلَى حَذَرٍ مِنْهَا، وأَمْرِي مُبْرَمُ

стр. 115

وَهَلْ أَرِدَنَّ مَاءَ الحَيَاةِ وَأَرْتَوِيْ ... عَلَى ظَمَأٍ من حَوْضهِِ، وَهْوَ مُفْعَمُ وَهَلْ تَبدُوَنْ أعْلاَمُهَا بَعْدَمَا سَفَتْ ... عَلَى رَبْعِهَا تلْكَ السَّوافِي فَتُعْلَمُ وَهَلْ أَفْرِشَنْ خَدِّي ثَرَى عَتَبَاتِهِم ... خُضُوعًا لهُم كيمَا يَرقُّوْا ويَرحَمُوْا ... وَهَلْ أَرْمِيَنْ نَفْسِيْ طَريْحًا ببَابِهِمْ ... وَطَيْرُ مَنَايَا الحُبِّ فَوْقِيَ تُحَوِّمُ فَيَا أَسَفِيْ، تَفْنَى الحَيَاةُ وتَنْقَضِيْ ... وذَا العُتْبُ بَاقٍ مَا بَقِيْتُمْ وعِشْتُمُ فَمَا منْكُمُ بُدٌّ وَلاَ عَنْكُمُ غِنَى ... وَمَا ليْ منْ صَبْرٍ فَأَسْلُوَا عَنْكُمُ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَغْضَبْ سِوَاكُم فَلاَ إذًا ... إذا كُنْتُمُ عَنْ عَبْدِكُمْ قَدْ رَضيْتُمُ وَعُقْبَى اصْطِبَارِيْ في هَواكُمْ حَمِيْدَةٌ ... وَلكنَّهَا عَنْكُمْ عِقَابٌ ومَأثَمُ وَمَا أَنَا بالشَّاكِي لِمِا تَرْتَضُوْنَهُ ... وَلكنَّنيْ أَرْضَى به وَأُسَلِّمُ وحَسْبيْ انْتِسَابِيْ منْ بَعيْدٍ إليْكُمُ ... أَلاَ إنَّهُ حَظٌّ عَظيْمٌ مَفَخَّمُ إذَا قِيْلَ: هَذَا عَبْدُهُم وَمُحبُّهُم ... تَهَلَّلَ بشْرًا وَجْهُهُ يَتَبَسَّمُ

стр. 116

وَهَا هُوَ قَدْ أَبْدَى الضَّرَاعَةَ سَائلاً ... لكُمْ بلسَانِ الحَالِ والقَالِ مُعْلِمُ أحبَّتَهُ عَطْفًا عَلَيْه فَإنَّهُ ... لَِمُظْمى وإنَّ المَوْردَ العَذْبَ أَنْتُمُ فَيَا سَاهيًا في غَمْرَةِ الجَهْلِ والهَوَى ... صَريْع الأمَانيْ عَنْ قَريْبٍ سَتَنْدَمُ أَفِقْ قَدْ دَنَا الوَقْتُ الذي لَيْسَ بَعْدَهُ ... سِوَى جَنَّةٍ، أو حَرِّ نَارٍ تَضَرَّمُ وبالسُّنَّةِ الغَرَّاءِ كُنْ متَمَسِّكًا ... هي العُرْوَةُ الوُثْقَى الَّتي لَيْسَ تُفْصَمُ تَمَسَّكْ بِهَا مَسْكَ البَخِيْلِ بِمَالِهِ ... وعُضَّ عَلَيْهَا بالنَّوَاجذِ تَسْلَمُ وَدَعْ عَنْكَ مَا قَدْ أَحْدَثَ النَّاسُ بَعْدَهَا ... فَمَرْتَعُ هَاتيْكَ الحَوَادثِ أَوْخَمُ وهَيِئ جَوَابًا عنْدَمَا تَسْمَعُ النِّدَا ... منَ اللهِ يَوْمَ العَرْضِ مَاذَا أَجَبْتُمُ بِهِ رُسُلِي لَمَّا أَتَوْكُمْ فَمَنْ يَكُنْ ... أَجَابَ سِوَاهُمْ سَوْفَ يُخْزَى ويَنْدَمُ وخُذْ مِنْ تُقَى الرَّحْمنِ أعْظَمَ جُنَّةٍ ... ليَوْمٍ به تَبْدُوْ عيَانًا جَهَنَّمُ وَيُنْصَبُ ذَاكَ الجِسْرُ مِنْ فَوْقِ مَتْنِهَا ... فَهَاوٍ، ومَخْدُوْشٌٍ، ونَاجٍ مُسَلَّمُ

стр. 117

وَيأْتِي إلهُ العَالميْنَ لِوَعْدِه ... فَيَفْصِلُ مَا بَيْنَ العِبَادِ ويَحْكُمُ وَيَأخُذُ لِلمَظْلُومِ ربُّكَ حَقَّهُ ... فَيَا بُؤْسَ عَبْدٍ للْخَلائقِ يَظْلِمُ!! وَيُنْشَرُ دِيْوَانُ الحِسَابِ وتُوْضَعُ الْـ ... مَوَازِيْنُ بالقِسْطِِ الّذِي لَيْسَ يَظْلِمُ فَلاَ مُجْرمٌ يَخْشَى ظَلامَةَ ذَرَّةٍ ... ولا مُحْسنٌ مِنْ أجْرهِ ذَاكَ يُهْضَمُ وتَشْهَدُ أعْضَاءُ الْمُسِيءِِ بِمَا جَنَى ... كَذَاكَ عَلَى فيْهِ المُهَيْمنُ يَخْتمُ فَيَا لَيْتَ شِعْرِيْ!! كَيْفَ حَالُكَ عنْدَمَا ... تَطَايَرُ كُتْبُ العَالَمِيْنَ وَتُقْسَمُ؟! أَتَأْخُذُ بِاليُمْنَى كِتَابَكَ أَمْ تَكُنْ ... بِالأُخْرَى وَرَاءَ الظَّهْرِ منْكَ تَسَلَّمُ وَتَقْرَأ فِيْهَ كُلَّ شَيْءٍٍ عَمِلْتَهُ ... فَيُشْرقُ منْكَ الوَجْهُ، أَوْ هُوَ يُظْلِِمُ ... تَقُولُ: كِتَابِي فَاقْرؤوهُ فَإنَّهُ ... يُبَشِّرُ بِالفَوْزِ العَظيْمِ، ويُعْلِمُ وَإنْ تَكُن الأُخْرَى فَإنَّكَ قَائِلٌ: ... أَلا لَيْتَنِي لَمْ أُوْتَهُ فَهْوَ مُغْرَمُ فَبَادِرْ إِذًا مَا دَامَ في العُمْرِ فُسْحَةٌ ... وَعَدْلُكَ مقبُوْلٌ، وصَرْفُكَ قَيِّمُ

стр. 118

وجُد، وَسَارِعْ، واغْتَنِمْ زَمَنَ الصِّبَا ... فَفِيْ زَمَنِ الإمْكَانِ تَسْعَى، وَتَغْنَمُ وَسِرْ مُسْرِعًا، فالسَّيْلُ خَلْفَكَ مُسْرِعٌ ... وَهَيْهَاتَ مَا مِنْهُ مَفَرٌّ وَمَهْزَمُ «فَهُنَّ المَنَايَا أَيُّ وَادٍ نَزَلْتَهُ ... عَلَيْهَا القُدُومُ أَوْ عَلَيْكَ سَتَقْدَمُ» وَمَا ذَاكَ إلا غَيْرةٌ أن يَنَالَهَا ... سِوَى كُفْئهَا والرَّبُّ بالخَلْقِ أَعْلَمُ وإنْ حُجبَتْ عَنَّا بكُلِّ كَريْهَةٍ ... وَحُفَّتْ بِمَا يُؤْذِي النُّفُوسَ ويَؤْلمُ فلله مَا فِي حَشْوِهَا من مَسَرَّةٍ ... وأصْنَافِ لَذَّاتِ بِهَا يُتَنَعَّمُ!! وللهِ بَرْدُ العَيْشِ بَيْنَ خِيَامِهَا ... وَرَوْضَاتِهَا والثَّغْرُ فِي الرَّوْضِ يَبْسِمُ فلله وَادِيْهَا الّذي هُوَ مَوْعدُ الْـ ... مَزيْدِ لوَفْدِ الحُبِّ لَوْ كُنْتَ منْهُمُ بِذَيَّالِكَ الوَاديْ يَهيْمُ صَبَابةً ... مُحبٌّ يَرَى أَنَّ الصَّبَابَةَ مَغْنَمُ! ولله أفْرَاحُ المُحبِّيْنَ عنْدَمَا ... يُخَاطبُهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ويُسَلِّمُ وللهِ أَبْصَارٌ تَرَى اللهَ جَهْرةً ... فَلاَ الضَّيْمُ يَغْشَاهَا وَلاَ هيَ تَسْأَمُ

стр. 119

فَيَا نَظْرَةً أَهْدَتْ إلَى الوَجْهِ نَضْرَةً ... أَمِنْ بَعْدهَا يَسْلُو المُحبُّ المُتَيَّمُ؟ ولله كَمْ مِنْ خِيْرةٍ لَوْ تَبَسَّمَتْ ... أَضَاءَ لَهَا نُوْرٌ مِنْ الفَجْرِ أَعْظَمُ فَيَا لَذَّةَ الأبْصَارِ إن هيَ أَقْبَلَتْ ... ويا لَذَّةَ الأَسْمَاعِ حِيْنَ تَكَلَّمُ وَيَا خَجْلةَ الغُصْنِ الرَّطيْبِ إذا انثَنَت ... وَيَا خَجْلَةَ البَحْرَينِ حينَ تَبسَّمُ فإِنْ كُنْتَ ذَا قَلْبٍ عَلِيْلٍ بحُبِّها ... فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ وَصْلُهَا لَكَ مَرْهَمُ وَلاَ سِيَّمَا فِي لَثْمِهَا عنْدَ ضَمِّهَا ... وَقَدْ صَارَ مِنْهَا تَحْتَ جِيْدِكَ مِعْصَمُ يَرَاهَا إِذَا أَبْدَتْ لَهُ حُسْنَ وَجْهِهَا ... يَلَذُّ بِهَا قَبْلَ الوصَالِ ويَنْعَمُ تَفَكَّهُ مِنْهَا العَيْنُ عِنْدَ اجْتِلائِهَا ... فَوَاكِهَ شَتَّى طَلْعُهَا لَيْسَ يُعْدِمُ عَناقِدُ مِنْ كَرْمٍ وَتُفَّاحُ جَنَّةٍ ... وَرُمانُ أغْصَانٍ بِهَا القَلْبُ مُغْرَمُ ولِلْوَرْدِ مَا قَدْ أُلْبِسَتْهُ خُدُوْدُهَا ... وللْخَمْرِ مَا قَدْ ضَمَّهُ الرِّيْقُ والْفَمُ تَقََسَّمَ مِنْهَا الحُسْنُ في جَمْعِ وَاحِدٍ ... فَيَا عَجَبًا مِنْ وَاحدٍ يَتَقَسَّمُ

стр. 120

تُذَكِّرُ بالرَّحْمنِ مَنْ هُوَ نَاظِرٌ ... فَيَنْطِقُ بالتَّسْبيْحِ لاَ يَتَلَعْثَمُ لَهَا فِرَقٌ شَتَّى مِنَ الحُسْنِ أجْمَعَتْ ... بجُمْلْتِهَا أن السُلُوَّ مَحَرَّمُ ... إذَا قَابَلَتْ جَيْشَ الهُمُوْمِ بوَجْهِهَا ... تَوَلَّى عَلَى أعْقَابهِ الَجْيشُ يُهْزَمُ فَيَا خَاطبَ الحَسْنَاءِ إنْ كُنْتَ رَاغبًا ... فَهَذا زَمَانُ المَهْرِ فَهْوَ المُقَدَّمُ وَلَمَّا جَرَى مَاءُ الشَّبَابِ بغُصْنِهَا ... تَيَقَّنَ حَقًّا أنَّهُ لَيْسَ يَهْرَمُ وَكُنْ مُبغضًا للْخَائنَاتِ لحُبِّهَا ... لتَحْظَى بِهَا مِنْ دُوْنِهِنَّ وتَنْعَمُ وكُنْ أيِّمًا مِمَّا سِوَاهَا فَإنَّهَا ... لِمِثْلِكَ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ تَأَيَّمُ وَصُمْ يَوْمَكَ الأدْنَى لَعَلَّكَ فِي غَدٍ ... تَفُوْزُ بِعيْدِ الفِطْرِ والنَّاسُ صُوَّمُ وأَقْدَمْ وَلاَ تقْنَعْ بعَيْشٍ مُنَغَّصٍ ... فَمَا فَازَ بِاللَّذَاتِ مَنْ لَيْسَ يُقْدِمُ وإنْ ضَاقَتْ الدُّنْيَا عَلَيْكَ بأسْرِهَا ... وَلَمْ يَكُ فِيْهَا مَنْزلٌ لَكَ يُعْلَمُ فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإنَّهَا ... مَنَازلُكَ الأُوْلَى، وفِيْهَا المُخَيَّمُ

стр. 121

ولَكنَّنَا سَبْيُ العَدُو فَهَلْ تَرَى ... نُرَدُّ إلى أَوطَانِنَا ونُسَلِّمُ وَقَدْ زَعَمُوْا أنَّ الغَريْبَ إذا نأى ... وَشَطَّتْ به أَوْطَانُهُ فَهْوَ مُغْرَمُ وَأَيُّ اغْترَابٍ فَوْقَ غُرْبَتِنَا الَّتِي ... لَهَا أَضْحَتْ الأَعْدَاءُ فِيْنَا تَحكَّمُ وَحَيِّ عَلَى رَوْضَاتِهَا وخِيَامِهَا ... وَحَيِّ عَلَى عَيْشٍ بِهَا لَيْسَ يُسْأَمُ وَحَيِّ عَلَى السُّوْقِ الذِي يَلْتَقي بهِ الْـ ... مُحبُّونَ، ذَاكَ السُّوقُ للقَوْمِ يُعْلَمُ فَمَا شِئْتَ خُذْ مِنْهُ بِلا ثَمَنٍ لَهُ ... فَقَدْ أَسْلَفَ الُّتجارُ فِيْهِ وأَسْلَمُوا وَحَيِّ عَلَى يَوْمِ المَزيْدِ فإنَّهُ ... لِمَوْعِدِ أَهْلِ الحُبِّ حيْنَ يُكَرَّمُوْا وَحَيِّ عَلَى وَادٍ هُنَالكَ أَفْيَحٍ ... وَتُرْبَتُهُ من أَذْفَرِ المِسْكِ أَعْظَمُ مَنَابرُ مِنْ نُوْرٍ هُنَاكَ وَفِضَّةٍ ... ومِنْ خَالصِ العقْيَانِ لا تَتفَصَّمُ وَمِنْ حَوْلِهَا كُثْبَانُ مِسْكٍ مَقَاعِدُ ... لِمَنْ دُوْنَهُم هَذَا العَطَاءُ المُفَخَّمُ يَرُوْنَ بهِ الرَّحْمنَ ﷻ ... كَرُؤْيَةِ بَدْر التِّم لا يُتَوَهَّمُ

стр. 122

كَذَا الشَّمْسُ صَحْوًا لَيْسَ مِنْ دُوْنِ أُفْقِهَا ... سَِحَابٌ ولا غَيْمٌ هُنَاك يُغَيِّمُ فَبَيْنَا هُمُ في عَيْشهِمْ وسُرُوْرِهِمْ ... وَأَرْزَاقُِهُِمْ تَجْرِي عَلَيْهِمْ وَتُقْسَمُ إِذَا هُمْ بِنُوْرٍ سَاطِعٍ قَدْ بَدَا لَهُمْ ... وَقَدْ رَفَعُوا أَبْصَارَهُمْ فإذَا هُمُ بِرَبِّهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ قَائِلٌ لَهُمْ: ... سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، طِبْتُمُ ونَعِمْتُمُ سَلامٌ عَلَيْكُمْ، يَسْمَعُونَ جَمِيْعُهُمْ ... بِآذَانِهِم تَسْلِيْمَهُ إِذْ يُسَلِّمُ يَقُولُ: سَلُوْنِي مَا اشْتَهَيْتُمْ فَكُلُّ ما ... تُرِيْدُوْنَ عِنْدِي، إِنِّنِي أَنَا أَرْحَمُ فَقَالُوا جَمِيْعًا: نَحْنُ نَسْأَلُكَ الرِّضَى ... فَأَنْتَ الذِي تُوْلِيْ الجَمِيْلَ وَتَرْحَمُ ... فَيُعْطيْهمُ هَذَا، وَيُشْهِدُ جَمْعَهُمْ ... عَلَيْهِ تَعَالَى الله، فَاللهُ أَكرَمُ فَبِاللهِ مَا عُذْرُ امْرئٍ هُوَ مُؤمنٌ ... بِهَذَا، وَلاَ يَسعَى لَهُ وَيُقَدِّمُ؟! وَلكنَّمَا التَّوفِيْقُ بالله إنَّهُ ... يخُصُّ به مَنْ شَاءَ فَضْلاً وَيُنْعِمُ فَيَا بَائِعًا غَالٍ ببَخْسٍ مُعَجَّلٍ ... كَأنَّكَ لا تَدرِيْ، بَلَى سَوْفَ تَعْلَمُ

стр. 123

فَقَدِّمْ، فَدَتْكَ النَّفْسُ نَفْسَكَ إنَّها ... هِيَ الثَّمَنُ المَبْذُوْلُ حِيْنَ تُسَلَّمُ وَخُضْ غَمَراتِ المَوْتِ وَارْقَ مَعَارجَ الْـ ... مَحَبَّةٍ في مَرْضَاتِهمْ تَتسَنَّمُ وَسَلِّمْ لَهُمْ مَا عَاقَدُوْكَ عَلَيْهِِ إِنْ ... تُرِدْ مِنْهُمُ أَنْ يَبْذِلُوا وَيُسَلِّمُوا فَمَا ظَفِرَتْ بالوَصْلِ نَفْسٌ مَهِيْنَةٌ ... وَلا فَازَ عَبْدٌ بِالبَطَالَةِ يَنْعَمُ وَإِنْ تَكُ قد عَاقَتْكَ سُعْدَى فَقَلبُكَ ال ... مُعنى رَهِيْنٌ في يَدَيْهَا مُسَلَّمُ وَقد سَاعَدَتْ بالْوَصْلِ غَيْرَكَ فالهَوَى ... لَهَا مِنْكَ، والواشِيْ بِهَا يَتَنَعَّمُ فَدَعْهَا، وَسَل النَّفْسَ عَنْهَا بجَنَّةٍ ... مِنَ العِلْمِ في رَوْضَاتِهَا الحَقُّ يَبْسمُ وَقَدْ ذُلِّلَت مِنْهَا القُطُوفُ فَمَن يُردْ ... جَنَاهَا ينلهُ كَيْفَ شَاءَ ويَطْعَمُ وَقَدْ فُتحَتْ أبوابُهَا وَتزَيَّنَتْ ... لِخُطَّابِهَا، فالحُسْنُ فِيْهَا مُقَسَّمُ وَقَدْ طَابَ مِنْهَا نَزْلُهَا وَنَزِيْلُهَا ... فَطُوبِى لِمَنْ حلُّوْا بِهَا وَتَنعَّمُوْا أَقَامَ عَلَى أَبْوَابِِهَا دَاعِي الهُدى ... هَلمُّوْا إلى دَارِ السَّعَادَةِ تَغْنَمُوْا

стр. 124

وَقَدْ غَرَسَ الرَّحْمنُ فِيْهَا غرَاسَةً ... من النَّاسِ، والرَّحْمنُ بالخَلْقِ أَعْلَمُ وَمَنْ يَغْرِسِ الرَّحْمنُ فيْهَا فِإِنَّهُ ... سَعِيْدٌ وَإلاَّ فالشَّقاءُ مُحَتَّمُ انَتَهى آخر: نَمْضِي عَلَى سُبُلٍ كَانُوا لَهَا سَلَكُوا ... أَسْلافُنَا وَهُمْ لِلْدِّيْن قَدْ شَادُوْا لَنا بِهِمْ أُسْوَةٌ إِذْ هُمْ أَئِمَّتُنَا ... وَنَحْنُ لِلْقَوْمِ أَبْنَاءٌ وَأَحْفَادُ وَالصَّبْرُ يَا نَفْسُ خَيْرٌ كَلُّهُ وَلَهُ ... عَوَاقِبٌ كُلُّهَا نُجْح وَإِمْدَادُ فَاصْبِرْ هُدِيْتَ فَإنَّ المَوْتَ مُشْتَرَكٌ ... بَينَ الأَنَامِ وإنْ طَاوَلْنَ آمَاد وَالنَّاسُ في غَفَلاتٍ عَنْ مَصَارِعِهِمْ ... كَأَنَهُمْ وَهُمْ الأَيْقَاظُ رُقَّادُ دُنْيا تَغُرُّ وَعَيْشٌ كُلُّهُ كَدَرٌ ... لَوْلا النُّفُوسُ التِي لِلْوَهْمِ تَنْقَادُ كُنَّا عَدَدنَا لِهَذَا المَوْتِ عُدّتَهُ ... قَبْلَ الوَفَاةِ وَأَنْ تُحْفَرْنَ أَلْحَادُ فَالدَّارُ مِنْ بَعْدِ هَذِي الدَّارِ آخِرَةٌ ... تَبْقَى دَوَامًا بِهَا حَشْرٌ وَمِيْعَادُ ... وَجَنَّةٌ أُزْلِفَتْ لِلْمُتَّقِيْنَ وَأهْـ ... ـلُ الحَقِّ وَالصَّبْرِ أَبْدَالٌ وَأَوْتَادُ

стр. 125

فَاعْمَلْ لنَفْسُكَ مِنْ قَبْلِ المَمَاتِ وَلا ... تَعْجَلْ وَتَكْسَلْ فَإِنَّ المَرْءَ جَهَّادُ لا يَنْفَعُ العَبْدَ إِلا مَا يُقَدِّمُهُ ... فَبَادِرِ الفَواتَ وَاصْطَدْ قَبْلَ تُصْطَادُ وَالمَوْتُ لِلْمُؤْمِنِ الأَوَّابِ تُحْفَتُهُ ... وَفِيْهِ كُلُّ الذِي يَبْغِي وَيَرْتَادُ لِقَا الكَرِيمِ تَعَالَى مَجْدُهُ وَسَمَا ... مَعَ النَّعِيم الذيْ مَا فِيْهِ أَنْكَادُ فَضْلٌ مِنَ اللهِ إِحْسَانٌ وَمَرْحَمَةٌ ... فَالفَضْلُ لله كَالآزَالِ آبَادُ فَالظَّنُ بالله مَوْلانَا وَسَيِّدنَا ... ظنٌّ جَمِيْلٌ مَعَ الأَنفَاسِِ يَزْدَادُ نَرْجُوْهُ يَرْحمُنَا نَرجُوْهُ يَسْتُرُنَا ... فَمِنْه لِلْكُلِّ إمْدَادٌ وَإيْجَادُ نَدْعُوْهُ نَسْألُهُ عَفْوًا وَمَغْفرَةً ... مَعْ حُسْنِ خَاتِمَةٍ فَالعُمْرُ نَفَّادُ وَقَدْ رَضِيْنَا قَضَاءَ الله كَيْفَ قَضَى ... وَاللُّطْفَ نَرْجُو وحُسْنُ الصَّبْرِ إِرْشَادُ انْتَهى آخَرُ: وَمَا النَّاسُ إلاَ رَاحِلُوْنَ وَبَيْنَهُمْ ... رِجَالٌ ثَوَت آثَارُهُمْ كَالمَعَالِمِ

стр. 126

بِعِزَّةِ بَأْسٍ وَاطِّلاعِ بَصِيْرَةٍ ... وَهِزَّة نَفْسٍ واتّسَاعِ مَرَاحِمِ خُظُوْظُ كَمَالٍ أَظْهَرَتْ مِنْ عَجَائِبٍ ... بِمِرْآةِ شَخْصٍ مَا اخْتَفَى في العَوَالمِ وَمَا يَسْتَطِيْعُ الْمَرْءُ يَخْتَصُّ نَفْسَهُ ... أَلاَ إِنَّمَا التَّخْصِيْصُ قِسْمَةُ رَاحِمِ وَقَدْ يُفْسِدُ الحُرَّ الكَريْمَ جَلِيْسُهُ ... وَتَضْعُفُ بالإِيْهَامِ قُوَّةُ حَازِمِ وَلَيْسَ بِحَيٍّ سَالِكٌ في خَسَائِسٍ ... وَلَيْسَ بِمَيْتٍ هَالِكٌ فِيْ مَكَارِمِ إذَا لَجَّ لُؤْمٌ مِنْ سَفِيْهٍ لِرَاشِدٍ ... تَوَهّمّ رَشْدًا في سَفَاهَة لاَئِمٍ عَجِبْتُ مِنْ الإِنْسَانِ يَعْجَبُ وَهُوَ فيْ ... نَقَائِصِ أَحْوَالٍ قَسِيْمَ السَّوَائِمِ يَرى جَوْهَرَ النَّفْسِ الطَّلِيْقَ فَيَزْدَهِي ... وَيَذْهَلُ عَنْ أعْرَاضِ جِسْمٍ لَوَازِمِ دُيُونُ اظْطِرَارٍ تُقْضى كُلَّ سَاعَةٍ ... فَتُقْتَرَضُ الأعْمَارُ بَيْنَ المَغَارِمِ وَكُلُّ فَمَغْرُوْرٌ بِحُبّ حَيَاته ... وَيُغْزيْهِ بالأَدْنَى خَفَاءُ الخَوَاتِمِ وَجَمَّاعُ مَالٍ لاَ انْتِفَاعَ لَهُ بِهِ ... كَمَا مَصَّ مَشْرُوْطَاً زُجَاج الْمَحَاجِمِ

стр. 127

فَلِلّهِ سَاعٍ في مَنَاهِجِ طَاعَةٍ ... لإِيْلاَفِ عَدْلٍ أوْ لإِيْلاَفِ ظَالِمِ انَتْهَى آخَرُ: يَا طَالِبًا رَاحَةً مِنْ دَهْرِهِ عَبَثًا ... أَقْصِرْ فَمَا الدَّهْرُ إِلَّا بِالْهُمُومِ مُلِي كَمْ مَنْظَرٍ زَائِقٍ أَفْنَتْ جَمَالَتُهُ ... يَدُ الْمَنُونِ وَأَعْيَتْهُ عَنِ الْحِيَلِ وَكَمْ هُمَامٍ وَكَمْ قَرْمٍ وَكَمْ مَلِكٍ ... تَحْتَ التُّرَابِ وَكَمْ شَهْمٍ وَكَمْ بَطَلِ وَكَمْ إِمَامٍ إِلَيْهِ تَنْتَهِي دُوَلٌ ... قَدْ صَارَ بِالْمَوْتِ مَعْزُولًا عَنِ الدُّوَلِ وَكَمْ عَزِيزٍ أَذَلَّتْهُ الْمَنُونُ وَمَا ... أَنْ صَدَّهَا عَنْهُ مِنْ مَالٍ وَلَا خَوَلِ يَا عَارِفًا دَهْرَهُ يَكْفِيكَ مَعْرِفَةً ... وَإِنْ جَهِلْتَ تَصَارِيفَ الزَّمَانِ سَلِ هَلْ فِي زَمَانِكَ أَوْ مَنْ قَبْلَهُ سَمِعَتْ ... أُذُنَاكَ أَنْ ابْنَ أُنْثَى غَيْرُ مُنْتَقِلِ وَهَلْ رَأَيْتَ أُنَاسًا قَدْ عَلَوْا وَغَلَوْا ... فِي الْفَضْلِ زَادُوا بِمَا نَالُوا عَنِ الْأَجَلِ أَوْ هَلْ نَسِيتَ "لِدُوا لِلْمَوتِ" أَوْ عَمِيَتْ ... عَيْنَاكَ عَنْ وَاضِعٍ نَعْشًا وَمُحْتَمِلِ وَهَلْ رَعَى الْمَوْتُ ذَا عِزٍّ لِعِزَّتِهِ ... أَوْ هَلْ خَلَا أَحَدٌ دَهْرًا بِلَا خَلَلِ

стр. 128

الْمَوْتُ بَابٌ وَكُلُّ النَّاسِ دَاخِلُهُ ... لَكِنَّ ذَا الْفَضْلِ مَحْمُولٌ عَلَى عَجَلِ وَلَيْسَ فَقْدُ إِمَامٍ عَالِمٍ عَلَمٍ ... كَفَقْدِ مَنْ لَيْسَ ذَا عِلْمٍ وَلَا عَمَلِ وَلَيْسَ مَوْتُ الَّذِي مَاتَتْ لَهُ أُمَمٌ ... كَمَوْتِ شَخْصٍ مِنَ الْأَوْغَادِ وَالسّفَلِ انْتَهَى آخَرُ: اكْدَحْ لِنَفْسكَ قَبْلَ المَوْتَِ في مَهلٍ ... وَلا تَكُنْ جَاهِلاً في الحَقِ مُرْتابًا إِنْ المَنِيَّة مَورُودٌ مَنَاهِلُها ... لاَبُدَّ مِنْهَا وَلَو عُمِّرتَ أَحْقابًا وَفي اللَّيَالِي وفي الأَيَّامِ تَجْربةٌ ... يَزْدادُ فِيْهَا أَولُوا الأَلبَابِ أَلبابًا بَعْدَ الشَّبَابِ يَصِير الصّلْبُ مُنْحَنيًا ... وَالشَّعرُ بَعْدَ سَوادٍ كَانَ قَدْ شَابَا يُفْنِي النُفُوسَ وَلا يُبْقِي عَلَى أَحَدٍ ... لَيلٌ سَريعٌ وَشَمْسٌ كَرُّها دَابَا لِمُسْتَقرٍ وَمِيقَاتٍ مُقَدَّرِةٍ ... حَتَّى يَعُودَ شُهودُ النَّاسِ غُِيَّابَا وَمَن تعَاقِرهُ الأَيَّامُ تُبْدِلُهُ ... بالجارِ جَارًا وَبِالأَصْحَابِ أَصْحَابَا

стр. 129

خَلَّوا بُروَجًا وَأَوْطَانًا مُشَيَّدةً ... وَمُؤْنِسِينَ وَأَصْهَارًا وَأَنْسَابَا فَيَالَهُ سَفَرًا بُعْدًا وَمُغْتَربَا ... كُسِيْتَ مِنْهُ لِطُولِ النَّأْي أَثْوَابَا بِمُوحِشٍ ضَيِّقٍ نَاءٍ مَحَلّتُهُ ... وَلََيْسَ مَن حَلَّهُ مِن غَيْبَةٍ آبَا ... كَمْ مِن مَهِيْبٍ عَظِيْمِ المُلْكِ مُتَّخِذٍ ... دُونَ السُّرادِقِ حُرَّاسًا وَحُجَّابَا وأَضْحَى ذَليلاً صَغِيرَ الشَّأنِ مُنْفَرِدا ... وَمَا يُرَى عِنْدَهُ في القَبْرِ بَوَّابَا وَقَبْلكَ النَّاسُ قَدْ عَاشُوا وَقَدْ هَلَكوا ... أصْبَحْتَ مِمَّا ستَلْقَى النَفْسُ هرَّابَا اكدَحْ لنَفْسِكَ مِن دارِ تُزَايِلُهَا ... ولا تَكُنْ لِلَّذِيْ يُؤْذِيكَ طَلاَّبَا انْتَهَى آخَرُ: أَيَا لِلْمَنَايَا وَيْحَهَا مَا أَجَدَّهَا ... كَأَنَّك يَوْمًا قَدْ توردت وردها ويا لِلْمَنَايَا مَالَهَا مِن إِقَالَةٍ ... إِذَا بَلَغَتْ مِنْ مُدَّةٍ الْحَيِّ حَدَّهَا أَلاَ يَا أَخَانَا إِنْ لِلمَوتِ طَلْعَةً ... وَإِنَّكَ مُذْ صَوِّرْتَ تَقْصُدُ قَصْدَهَا

стр. 130

وَلِلمَرء عِنْدَ الْمَوْتِ كَرْبٌ وَغُصَّةٌ ... إِذَا مَرَّتِ السَّاعَاتُ قَرَّبْنَ بُعْدَهَا سَتُسلِمُكَ السَّاعَاتُ فِي بَعْضِ مَرِّهَا ... إِلَى سَاعَةٍ لاَ سَاعَةٌ لَكْ بَعْدَهَا وَتَحْتَ الثَّرَى مِنِّيْ وَمِنْكَ وَدَائِعٌ ... قَرِيْبَةُ عَهْدٍ إِنْ تَذَكَّرْتَ عَهْدَهَا مَدَدْتَ الْمُنَى طُوْلا وَعَرْضًا وَإنَّهَا ... لتَدْعُوكَ أَنْ تَهْدَأ وَأنْ لاَ تَمدَّهَا وَمَالَتْ بِكَ الدُّنْيَا إِلَى اللَّهْوِ وَالصِّبَا ... وَمَنْ مَالَتْ الدُّنْيَا بِهِ كَانَ عَبْدَهَا إِذَا مَا صَدَقْتَ النَّفْسَ أَكْثَرْتَ ذَمَّهَا ... وَأَكْثَرْتَ شَكْوَاهَا وَأَقْلَلْتَ حَمدَهَا بِنَفْسِكَ قَبْلَ النَّاسِ فَاَعِن فَإِنَّهَا ... تَمُوتُ إِذَا مَاتَتْ وَتُبْعَثُ وَحْدَهَا وَمَا كُلُّ مَا خُوِّلْتَ إِلاَ وَدِيْعَةٌ ... وَلَنْ تَذْهَبِ الأَيَّامُ حَتَّى تَرُدَّهَا إِذَا أَذْكَرَتْكَ النَّفْسُ دُنْيَا دَنِيَةً ... فَلا تَنْسَ رَوْضَاتِ الْجِنَانِ وَخُلْدَهَا أَلَسْتَ تَرَى الدُّنْيَا وَتَنْغَيِص عَيْشِهَا ... وَإِتْعَابِهَا لِلمُكْثِرِين وَكَدَّهَا وَأَدْنَى بَنِي الدُّنْيَا إِلَى الغَيِّ وَالعَمَى ... لِمَنْ يَبْتَغِيْ مِنْهَا سَنَاهَا وَمَجْدَهَا

стр. 131

هَوَى النَّفْسِ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَنْ تَغُوْلُهَا ... كَمَا غَالَتِ الدُّنْيَا أَبَاهَا وَجَدَّهَا انْتَهَى آخَرُ: أَلَمْ تَر أنَّ المرءَ يَِحْبسُ مَالَهُ ... وَوارثُه فِيْهِ غَدًا يَتَمَتَّعُ كَأَنَّ الحُمَاة المُشْفِقْينَ عَلَيْكَ قَدْ ... غَدَوا بكَ أَوْ رَاحُوا رَوَاحًا فَأَسْرَعُوا وما هُوَ إِلا النَّعْشُ لَوْ أَتَوا بِهِ ... تقَلَّ فَتُلْقَى فوْقَهُ ثُم تُرْفَعُ وَمَا هُوَ إلا حَادِث بَعْدَ حَادثٍ ... عَلَيْكَ فَمِنْ أَيِّ الحَوَادِثِ تَجْزِعُ ... وَمَا هُوَ إِلا المَوْتُ يَأتِي لِوَقْتِهِ ... فَمَالكَ في تَأخِيْرهِ عَنْكَ مَدْفَعُ أَلا وإذا وُدِّعْتَ تَوْدِيْعَ هَالِكٍ ... فَآخِرُ يَوْمٍ مِنْكَ يَوْمٌ تُوَدَّعُ أَلا وَكَمَا شَيَّعْتَ يَوْمًا جَنَائِز ... فَأَنْتَ كَمَا شَيَّعْتَهُم سَتُشَيَّعُ رَأَيْتُكَ في الدُنْيَا عَلَى ثِقَةٍ بِهَا ... وَإِنَّكَ في الدُنْيَا لأَنْتَ المُرَوَّعُ وَصَفْتَ التُّقَى وَصْفًا كَأَنَّكَ ذُو تُقَى ... وَرِيْحُ الخَطَايَا مِنْ ثِيَابِكَ تَسْطَعُ وَلَمْ تُعْنَ بِالأَمْرِ الذي هُوَ وَاقِعُ ... وَكُلُّ امْرئٍ يَعْنَى بِمَا يَتَوَقَّعُ

стр. 132

وَإِنَّكَ للْمَنْقُوصِ في كُلِّ حَالةٍ ... وَكلُّ بَني الدُّنْيَا عَلَى النَّقْصِ يُطْبَعُ وَمَا زِلْتُ أَرْمي كُلَّ يَوْمٍ بِعْبِرَةٍ ... تَكادُ لَهَا صُمُّ الجِبَالِ تَصَدَّعُ فَمَا بَالُ عَيْنِي لا تَجُوْدُ بِمَائِهَا ... وَمَا بَالُ قَلْبِي لا يَرِقُّ وَيَخْشَعُ تَبَارَكَ مَنْ لا يَمْلِكُ المُلْكَ غَيْرُهُ ... مَتَى تَنْقَضي حَاجَاتُ مَنْ لَيْسَ يَقْنَعُ وَأَيُّ امْرِءٍ في غَايَةٍ لَيْسَ نَفْسُهُ ... إِلى غَايَةٍ أُخْرَى سِوَاهَا تَطَلَّعُ وَبَعُْض بَنِي الدُّنْيَا لِبَعْضٍ ذَرِيْعَةٌ ... َوَكُلٌّ بِكُل قَلَّمَا يَتَمَتَّعُ يُحِبُّ السَّعِيْدُ العَدْلَ عِنْدَ احْتِجَاجِهِ ... َوَيَبْغِي الشَّقِيُّ البَغْيَ والبَغْيُ يَصْرَعُ انْتَهَى آخر: خَفِّضْ هُمُومَكَ فَالحَيَاةُ غَرُوْرُ ... وَرَحَي المَنُونِ عَلَى الأَنَامِ تَدُورُ وَالمَرْءُ في دَارِ الفَنَاءِ مُكَلَّفٌ ... لا مُهْمَلٌ فيها وَلا مَعْذُورُ والنَّاسُ في الدُّنْيَا كَظِلٍ زَائلٍ ... كُلٌّ إِلَى حُكمِ الفَنَاءِ يَصِيْرُ فَالنَّكْسُ وَالمَلِكُ المُتَوَّجُ وَاحدٌ ... لا آمرٌ يَبْقَى وَلا مَأمُورُ

стр. 133

عَجَبًا لِمَنْ تَرَكَ التَّذكُّرَ وَانْثَنَى ... في الأَمْرِ وَهُوَ بِعَيْشِهِ مَغْرُوْرُ وإِذَا القَضَاءُ جَرَى بَِأَمْرٍ نَافذٍ ... غَلِطَ الطَّبِيْبُ وَََأخْطَأَ التَّدبِيْرُ إِنْ لُمْتُ صَرفَ الدَّهْرِ فِيهِ أَجَابَنِيْ ... أَبَتِ النُّهَى أن يُعْتَبَ المَقْدُورُ أو قُلْتُ لهُ أينَ المُؤَيَّدُ قَالَ لِِيْ ... أينَ المُظفَّرُ قَبْلُ وَالمنْصُورُ أم أين كِسْرَى أَزْدَشِيْرُ وَقَيْصَرٌ ... والهُرْمُزَانُ وَقَبْلَهُم سَابُوْرُ أَيْنَ ابْنُ دَاوُدَ سُلَيْمَانُ الذِيْ ... كَانَتْ بِجَحْفَلِهِ الجِبَالُ تَمُوْرُ والرِّيْحُ تَجْرِي حَيْثُ شَاءَ بِأَمْرِه ... مُنْقَادَةً وَبه البِسَاطُ يَسِيْرُ فَتَكَتْ بِهِمْ أَيْدِيْ المَنُونِ وَلَمْ تَزَلْ ... خَيْلُ المنُونِ عَلى الأَنامِ تُغِيْرُ ... لَوْ كَانَ يَخْلُدُ بِالفَضَائِل مَاجدٌ ... مَا ضَمَّتِ الرُّسُلَ الكِرَامِ قُبُوْرُ كُلٌّ يَصِيْرُ إِلَى البِلَى فَأَجَبْتُهُ ... إِنَي لأَعْلَمُ وَاللَّبِيْبُ خَبِيْرُ

стр. 134

أَنَّ الحَيَاةَ وَإِنْ حَرِصْتَ غَرُوْرُ وَرَأيْتُ كُلاًّ ما يُعَلِّلُ نَفْسَهُ ... بِتَعِلَّةٍ وَإِلى الفَنَاءِ يَصِيْرُ انْتَهَى آخر: نَادَتْ بِوَشْك رَحْيْلكَ الأيَّامُ ... أَفَلَسْتَ تَسْمَعُ أَمْ بِكَ اسْتِصْمَامُ وَمَضَى أَمَامَك مَِنْ رَأَيْتَ وَأنْتَ لِلْـ ... بَاقِيْنَ حَتَّى يَلْحَقُوكَ إِمَامُ مَالِيْ أَرَاكَ كَأَنَّ عَيْنَكَ لا تَرَى ... عبرًا تَمُرُّ كَأنَّهنَّ سِهَامُ تَأْتِي الخُطُوبُ وَأَنْتَ مُنْتَبِهُ لَهَا ... فَإِذَا مَضَتْ فَكَأنَّهَا أَحْلامُ قَدْ وَدَّعَتْكَ مِنَ الصِّبَا نَزَوَاتُهُ ... فَاجْهَدْ فَمَالَكَ بَعدَهُنَّ مَقَامُ وَارْضَ المَشِيْبَ من الشَّبابِ خَلِيْفَةً ... فَكِلاهُمَا لكَ خِلْفَةٌ وَنِظَامُ وَكِلاهُما حُجَجٌ عَلَيْكَ قَوِيَّةٌ ... وَكِلاهُمَا نِعَمٌ عَلَيْكَ جِسَامُ وَلَقَدْ غَنيْتَ مِن الشَّبابِ بِغِبْطَةٍ ... وَلَقَدْ كَسَاكَ وَقَارهُ الإسْلامُ أَهلاً وَسهلاً بِالمَشِيْبِ مُؤَدِبًا ... وَعَلَى الشَّبابِ تَحِيَّةٌ وَسلامُ

стр. 135

مَا زُخْرُفُ الدُّنْيَا وَزُبْرُجُ أَهْلِهَا ... إِلا غُرُورٌ كُلُّهُ وَحُطَامُ وَلَرُبَّ ذِي فُرُشٍ مُمَهَّدَةٍ لَهُ ... أَمْسَى عَلَيهِ مِن التُرابِ رُكَامُ وَلَكَمْ رَأَيْتُ مَحَلَّةٍ أَقْوت وَكَمْ ... جَدَثٍ رَأَيْتُ تَلُوحُ فِيهِ عِظَامُ والموتُ يَعْمَلُ وَالعُيونُ قَرِيْرَةٌ ... تَلْهُو وَتَعْبَثُ بِالمُنَى وَتَنَامُ فَالحَمدُ لله الذي هُو دَائمٌ ... أَبدًا وَليسَ لِمَا سِوَاهُ دَوَامُ وَالحَمدُ لله الذِي لِجَلالِهِ ... وَلِحِلْمِهِ تَتَصَاغَرُ الأَْحلامُ والحَمدُ لله الذِي هوَ لَمْ يَزَلْ ... لا تَسْتَقْلُّ بِعِلْمِهِ الأَوْهَامُ سُبحانَهُ مَلِكٌ تَعَالَى جَدُّهُ ... وَلِوَجْهِهِ الإِجْلالُ وَالإكرامُ انْتَهَى وقال ابن القيم: فَاسْمَعْ صِفَاتِ عَرَائِس الْجَنَّاتِ ثُمَّ ... اخْتَر لنَفْسِكَ يَا أَخَا العِرْفَانِ حُوْرٌ حِسَانٌ قَدْ كَمَلْنَ خَلائِقًا ... وَمَحَاسِنًا مِنْ أَجْمَلِ النّسْوَانِ ... حَتَّى يَحَارُ الطَّرْفِ فِي الْحُسْنِ الَّذِي ... قَدْ ألْبِسَتْ فَالطَّرْفُ كَالْحَيْرَانِ وَيَقولُ لَمَّا أَنْ يُشَاهِدَ حُسْنَهَا ... سُبْحَان مُعْطِي الْحُسْنِ وَالإِحْسَانِ

стр. 136

وَالطَّرْفُ يَشْرَبُ مِن كِؤوسِ جَمَالِهَا ... فَتَراهُ مِثْلَ الشَّارِب النَّشْوَانِ كَمُلَتْ خَلاَئِقُهَا وأَكْمِلَ حُسْنُهَا ... كالبَدْرِ لَيلَ السِّتِ بَعْدَ ثَمَانِ والشَّمْسُ تَجْرِيْ في مَحَاسِنِ وَجهِهَا ... والليلُ تَحتَ ذوائِبِ الأغْصَانِ فَتَرَاهُ يَعْجَبُ وَهُوَ مَوْضِعُ ذَاكَ مِن ... لِيلٍ وَشَمْسٍ كَيفَ يَجْتَمِعَانِ فَيَقُولُ سُبْحَانَ الذِيْ ذَا صُنْعُه ... سُبْحَانَ مُتْقِنِ صَنْعَةَ الإنسانِ وَكِلاَهُمَا مِرْآةُ صَاحِبِهِ إذا ... مَا شَاءَ يُبْصِر وَجْهَهُ يَرَيَانِ فَيَرَى مَحَاسِنَ وَجْهِهِ في وَجْهِهَا ... وَتَرَى مَحَاسِنَهَا به بِعَيْنَانِ حُمْر الخُدُوْدِ ثُغُورُهُنَّ لآليِءٌ ... سُودُ العُيُونِ فَوَاتِرُ الأجْفَانِ والبَدْرُ يَبْدُو حِينَ يَبْسُمُ ثَغْرُهَا ... فَيُضِيءُ سَقْف القَصْر بالجُدْرَان وَلَقَدْ رَوَيْنَا أنَّ بَرْقًا ساطِعِاً ... يَبْدُوْ فَيَسْألُ عنه مَن بِجِنَانِ فَيُقَالُ هَذَا ضَوْءُ ثَغْرٍ ضَاحِكٍ ... في الجنةِ العُلْيَا كَمَا تَريَانِ لله لاثِمُ ذَلِكَ الثَّغْر الذي ... في لَثْمِهِ إدْرَاكُ كُلِ أَمَانِ رَيَانَةُ الأعْطَافِ مِن مَاءِ الشَّبَا ... بِ فَغُصْنِهَا بالماءِ ذُو جَرَيَانِ لما جَرَى مَاءُ الشبابِ بغُصْنِهَا ... حَمَلَ الثِمَارَ كَثِيْرَةَ الألْوَانِ فَالوَرْدُ والتُّفَاحُ والرُّمَانُ فِي ... غُصْنٍ تَعَالَى غَارِسُ البُسْتَانِ وَالقَدُّ مِنْهَا كَالقَضِيبِ اللدن في ... حُسْنِ القوام كأَوْسَطِ القُضْبَانِ إلى أن قال ﵀: وَإْذَا بَدت فِي حُلَّةٍ مِنْ لُبْسِهَا ... وَتَمَايَلَتْ كَتَمَايُلِ النَّشْوَانِ تَهْتَزُّ كَالغُصْنِ الرَّطِيْبِ وَحَمْلُه ... وَرْدٌ وَتفَاحٌ عَلَى رُمَّانِ وَتَبَخْتَرَتْ فِي مَشْيِهَا وَيَحقُ ذَا ... كَ لِمْثْلِهَا فِي جَنَّةِ الْحَيَوانِ وَوَصَائِفٌ مِن خَلْفِهَا وَأَمَامِهَا ... وَعَلَى شَمَائِلهَا وَعَن أَيْمَانِ كَالبَدْرِ لَيْلَةَ تِمِّهِ قَدْ حُفَّ فِي ... غَسَقِ الدُّجَى بِكَواكِبِ الْمِيزَانِ

стр. 137

فَلِسَانُهُ وَفُؤادُهُ والطَّرفُ فِي ... دَهَشٍ وَإِعْجَابٍ وَفِي سُبْحَانِ فَالقَلبُ قَبْلَ زِفَافِهَا فِي عُرْسِهِ ... وَالعُرَسُ إثْرَ العُرْس مُتَّصِلانِ حَتَّى إِذَا مَا وَاجَهَتْهُ تَقَابَلا ... أَرَأَيْتَ إِذْ يَتَقَابَلُ القَمَرَانِ ... فَسلِ الْمُتيَّمَ أَيْنَ خَلَّفَ صَبْرَهُ ... فِي أَيِّ وَادٍ أَمْ بِأيّ مَكَانِ وَسَلِ الْمُتَيَّم كَيْفَ حَالَتُه وَقَدْ ... مُلِئَتْ لَهُ الأُذنَانِ وَالعَيْنَانِ مِن مَنِْطِقٍ رَقَّتْ حَوَاشِيْهِ وَوَجْـ ... ـه كَمْ بِهِ لِلشَّمْسِ مِن جَرَيَانِ وَسَل الْمُتَيَّمَ كَيْفَ عِيْشَتَه إذًا ... وَهُمَا عَلَى فُرَشَيْهِمَا خَلَوَانِ يَتَسَاقَطَانِ لَآلئًا مَنْثُورَةً ... مِن بَيْنَ مَنْظُومٍ كَنَظْمِ جُمَانِ وَسَلِ الْمُتَيَّم كَيْفَ مَجْلِسُه مَعَ الْـ ... مَحْبُوب فِي رَوْحٍ وَفِي رَيْحَانِ وَتَدورُ كَاسَات الرَّحِيْقِ عَلَيْهِمَا ... بأكُفٍ أَقْمارٍ مِن الولْدَانِ يَتَنَازَعَانِ الكَأسَ هَذا مَرَّةً ... وَالْخُودُ أُخْرَى ثُمَّ يَتَكِئَانِ فَيَضُمُّهَا وَتَضُمُّهُ أَرَأَيْتَ مَعْـ ... شُوْقَيْنِ بَعدَ البُعْدِ يَلْتَقِيَانِ غَابَ الرَّقِيْبُ وَغَابَ كُلُّ مَنْكِّدٍ ... وَهُمَا بِثَوْبِ الوَصْلِ مُشْتَمِلانِ أَتْرَاهُمَا ضَجرَيْنِ مِن ذَا العَيْشِ لاَ ... وَحَياةِ رِبِّكَ مَا هُمَا ضَجرَان وَيزَيْدُ كُلٌّ مِنْهُمَا حُبًا لِصَا ... حِبْهِ جَدِيْدًا سَائر الأَزْمَانِ وَوَصَالُهُ يَكْسُوه حُبًّا بَعْدَهُ ... مُتَسَلْسِلاً لاَ يَنْتَهِي بِزَمَانِ فَالوَصْلُ مَحْفُوْفٌ بحُبٍٍّ سَابِقٍ ... وَبِلاَحِقٍ وَكِلاَهُمَا صِنْوَانِ فَرْقٌ لَطِيْفٌ بَيْنَ ذَاك وَبَيْنَ ذَا ... يَدْرِيْهِ ذُوْ شُغْلٍ بهَذَا الشَّانِ وَمَزِيْدُهُم في كُلِّ وَقْتٍ حَاصِلٌ ... سُبْحانَ ذِي المَلكُوَتِ والسُلْطَانِ يا غَافلاً عَمَّا خُلِقْتَ لَهُ انْتَبِهْ ... جَدَّ الرَّحِيْلُ وَلَستَ باليَقْظَانِ سَارَ الرفَاقُ وَخَلفُوكَ مَعَ الأولى ... قَنعُوا بِذَا الحَظِ الخَسِيْسِ الفَانِ وَرَأيْتَ أكْثَرَ مَنْ تَرَى مُتَخَلِّفَاً ... فَتَبَيعهُم فَرَضِيْتَ بالحِرْمَانِ

стр. 138

لَكنْ أتَيْتَ بخُطَّتَيْ عَجْزٍ وَجَهْـ ... ـلٍ بَعْدَ ذا وَصحِبْتَ كُلَّ أمَانِ مَنّتْكَ نَفْسُكَ باللحُوقِ مَعَ القُعُو ... دِ عَن المَسِيْر وَرَاحَةِ الأبدَانِ انَتَهَى آخر: بِاللهِ مَا عُذْرُ امْرِءٍٍ هُو مُؤْمِنٌ ... حَقَّا بِهَذَا لَيْسَ بِاليَقْظَانِ بَلْ قَلْبُهُ في رَقْدَة فإذا اسْتَفا ... قَ فَلُبْسُهُ هُو حُلَّةُ الكَسْلانِ تَاللهِ لَوْ شَاقتْكَ جَنَّاتُ النَّعِيْمِ ... طَلَبْتَهِا بِنَفائِسِ الأَثْمَانِ وَسَعَيْتَ جُهْدَكَ في وِصَالِ نَواعِمِ ... وَكَواعِبٍ بِيْضِ الوُجُوهِ حِسَانِ ... جُلَيَتْ عَلَيْكَ عَرائسٌ وَاللهِ لَوْ ... تُجْلَى على صَخْرٍ مِنَ الصُّوَّانِ رَقَّتْ حَواشِِيْهِ وَعَادَ لِوقتِهِ ... يَنْهَالُ مِثْلَ نَقَى مِن الكُثْبَانِ لَكِنَّ قَلْبَك في القَسَاوَةِ جَازَ حَدْدَ ... الصَّخْْرِ والحَصْبَاءِ في أَشْجَانِ لَوْ هَزَّكَ الشَّوقُ المُقيمُ وَكُنْتَ ذَا ... حِسٍّ لما اسْتَبْدَلْتَ بِالأَدْوَانِ أَوْ صَادَفَتْ مِنْكَ الصَّفاتُ حَياةَ قَلْـ ... ـبٍ كُنْتَ ذَا طَلَبٍ بِهَذَا الشَّأنِ

стр. 139

حُورٌ تُزَفُّ إِلى ضَرِيْرٍ مُقَعَدٍ ... يَا مِحْنَةِ الحَسْنَاءِ بِالعُمْيَانِ شَمْسٌ لِعِنينٍ تَزَفُّ إِليهِ مَا ... ذَا حِيْلَةُ العَنين في الغَشَيَانِ يَا سِلعَةَ الرحمن لَسْتِ رَخِيْصَةً ... بَلْ أَنْتِ غَاليةٌ عَلَى الكَسْلانِ يَا سِلْعَةَ الرَّحمن لَيْسَ يَنَالًُهَا ... بِالأَلْفِ إلا واحدٌ لا اثْنَانِ يَا سِلعَةَ الرَّحمن مَاذَا كَفُوْهَا ... إِلا أَوُلُوا التَّقْوى مَعَ الإِيْمَانِ يَا سِلعةَ الرَّحمن سُوقُكِ كاسِدٌ ... بين الأَرَاذَلِ سَفْلَةِ الحَيوانِِ يَا سِلْْعَةَ الرحمن أَيْنَ المُشْتَرِي ... فَلَقَدْ عُرِضتِ بَأيْسرِ الأَثْمانِ يَا سِلْعَةَ الرَّحمن هَلْ مِنْ خَاطِبٍ ... فَالمَهْرُ قَبْلَ الموتِ ذُو إِمْكَانِ يَا سِلْعَةَ الرحمن كَيْفَ تَصبُّر الـ ... خُطَّاب عَنْك وَهم ذَوُو إِيْمَانِ يَا سِلْعَةَ الرَّحمنِ لَولا أَنَّهَا ... حُجِبَتْ بِكُل مَكَارِهِ الإِنْسَانِ مَا كَانَ عَنْهَا قَطُّ مِنْ مُتَخِلفٍ ... وَتَعَطَّلتْ دَارُ الجَزاءِ الثَّانِي

стр. 140

لَكِنَّهَا حُجِبَتْ بِكُلِّ كَرِيْهَةٍ ... لِيَصُدُّ عَنْهَا المُبْطِلُ المُتَوانِي وَتَنَالُهَا الهِِمَمُ التِّي تَسْمُو إِلى ... رَبّ العُلَى بِمَشِيْئَةِ الرَّحمنِ انْتَهَى آخَرُ: هَذِهِ قَصِيْدَةً بَلِيْغَةٌ جِدَّاً وَهِيَ زُهْدِيَّةٌ وَعَظِيَّةٌ ألْق لَهَا سَمعك. سِهَامُ المَنَايَا في الوَرَى لَيْسَ تُمْنَعُ ... فَكُلُّ لَهُ يَوْمًا وَإِنْ عَاشَ مَصْرَعُ وَكُلُّ وَإِنْ طَالَ المَدَى سَوْفَ يَنْتِهِي ... إِلى قَعْر لَحْدٍ في ثَرَى مِنْهُ يُوْدَعُ فَقُلْ لِلَّذِي قَدْ عَاشَ بَعْدَ قَرِيْنِهِ ... إِلى مِثْلِهَا عَمَّا قَلِيْلٍ سَتُدْفَعُ فَكُلُّ ابْنِ أُنْثَى سَوْفَ يُفْضِي إِلى الرَّدَى ... وَيَرْفَعُهُ بَعْدَ الأَرائِكِ شَرْجَعُ وَيُدْرِكُهُ يَوْمًا وَإِنْ عَاشَ بُرْهَةً ... قَضَاءٌ تَسَاوَي فِيْهِ عَوْدٌ وَمُرْضَعُ فَلا يَفْرَحَنْ يَوْمًا بِطُولِ حَيَاتِهِ ... لَبِيْبٌ فَمَا في عَيْشِهِ المَرْءُ مَطْمَعُ ... فَمَا العَيْشُ إِلا مِثْلُ لَمْحَةِ بَارِقٍ ... وَمَا المَوْتُ إِلا مِثْلُ مَا العَيْن تَهْجعُ وَمَا النَّاسُ إِلا كَالنَّبَاتِ فَيَابِسٌ ... هَشِيْمٌ وَغَضُّ إِثرَ مَا بَادَ يَطْلَعُ فَتَبًا لِدَارٍ مَا تَزَالُ تَعُلُّنَا ... أَفَاوِيْقَ كَأْسٍ مُرَّةً لَيْس تُقْنِعُ

стр. 141

سَحَابُ أَمَانِيْهَا جَهَامُّ وَبَرْقُهَا ... إِذَا شِيْمَ بَرْقٌ خَلَّبٌ لَيْسَ يَهْمَعُ تَغُرُّ بَنِيْهَا بالمُنَى فَتَقُودُهُمْ ... إِلى قَعْرِ مَهْوَاةٍ بِهَا المَرْءُ يُوْضَعُ فَكَمْ أَهْلَكَتْ في حُبَّها مِنْ مُتَيَّمٍ ... وَلَمْ يَحْظَ مِنْهَا بِالمُنَى فَيُمَتَّعُ تُمَنِّيْهِ بالآمَالِ في نَيْل وَصْلِهَا ... وَعَنْ غَيَّهِ في حُبِّهَا لَيْسَ يَنْزِعُ أَضَاعَ بِهَا عُمْرًا لَهُ لَيْسَ رَاجِعًا ... وَلَمْ يَنَلِ الأَمْرَ الذِي يُتَوقَّعُ فَصَارَ لَهَا عَبْدًا لِجَمْعٍ حُطَامِهَا ... وَلَمْ يَهْنَ فِيها بِالذِي كَانَ يَجْمَعُ وَلَوْ كَانَ ذَا عَقْلٍ لأغْنَتْهُ بُلْغَةٌ ... مِنَ العَيْشِ في الدَّنْيَا وَلَم يَكُ يَجْشَعُ إِلى أَنْ تُوَافِيْهِ المَنِيَّةُ وَهُوَ بالْ ... قَنَاعَةٍ فِيْهَا آمِنًا لا يُرِوَّعُ مَصَائِبُهَا عَمَّتْ فَلَيْسَ بِمُفْلَتٍ ... شُجَاعٌ وَلا ذُو ذِلّةٍ لَيْسَ يَدْفَعُ وَلا سَابِحٌ في قَعْرِ بَحْرٍ وَطَائِرٌ ... يُدَوِّمُ في بوْحِ الفَضَاءِ وَيَنْزِعُ وَلا ذُو امْتِنَاعٍ في بُرُوجٍ مُشِيْدَةٍ ... لَهَا في ذُرَى جَو السَّمَاءِ تَرَفُّعُ

стр. 142

أَصَارَتْهُ مِنْ بَعْدِ الحَيَاةِ بِوَهْدَةٍ ... لَهُ مِنْ ثَرَاهَا آخِرَ الدَّهْرِ مَضْجَعُ تَسَاوَى بِهَا مَنْ حَلَّ تَحْتَ صَعِيْدِهَا ... عَلَى قُرْبِ عَهْدٍ بِالمَمَاتِ وَتُبَّعُ فَسِيَّانِ ذُو فَقْرٍ بِهَا وَذَووا الغِنَى ... وَذُوْ لَكَنْ عِنْدَ المَقَالِ وَمِصْقَعُ وَمَنْ لَمْ يَخَفْ عِنْدَ النَّوَائِب حَتْفَهُ ... وَذُوْ جُبُنٍ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ يُسْرِعُ وَذُوْ جَشَعٍ يَسْطُو بِنَابٍ وَمَخْلَبٍ ... وَكُلُّ بُغَاثٍ ذَلَّةً لَيْسَ يَمْنَعُ وَمَنْ مَلَكَ الآفَاقَ بَأْسًا وَشِدَّةً ... وَمَنْ كَانَ مِنْهَا بِالضَّرُوْرَةِ يَقْنَعُ وَلَوْ كَشَفَ الأَجْدَاثَ مُعْتَبِرًا لَهُمْ ... لِيَنْظُرَ آثَارَ البِلَى كَيْفَ يَصْنَعُ لِشَاهَدَ أَحْدَاقًا تَسِيْل وَأَوْجُهًا ... مُعَفَّرَةً في التُّرْبِ شُوهًا تُفَزعُ غَدَتْ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى مُكْفَهِرَّةً ... عَبُوْسًا وَقَدْ كَانَتْ مِنَ البِشْرِ تَلْمَعُ فَلَمْ يُعْرَفِ المَوْلَى مِنَ العَبْدِ فِيْهِم ... وَلا خَامِلاً مِنَ نَابِهٍ يَتَرَفَّعُ وَأَنَّى لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ بَعْدَمَا ... تَبَيَّنَ مِنْهُم مَا لَهُ العَيْنُ تَدْمَعُ رَأَى مَا يَسُوءُ الطَّرْفَ مِنْهُم وَطَالَمَا ... رَأَي مَا يَسُرُّ النَّاظِرِيْنَ وَيُمْتِعُ رَأَى أَعْظُمًا لا َتْسَتطِيْعُ تَمَاسُكًا ... تَهَافَتَ مِنْ أَوْصَالِهَا وَتَقَطَّعُ ...

стр. 143

مُجَرَّدَةً مِنْ لَحْمِهَا فَهِي عِبْرَةٌ ... لِذِي فِكْرَةٍ فِيْمَا لَهُ يَتَوقَّعُ تَخَوَّنَها مَرُّ الليَالِي فَأصْبَحَتْ ... أَنَابِيْبَ مِنْ أَجْوَافِهَا الرِّيْحُ تُسْمَعُ إلى حَالَةٍ مُسْوَدَّةٍ وَجَمَاجِمٍ ... مُطَأْطَأَةٍ مِنْ ذِلَّةٍ لَيْس تُرْفَعُ أُزِيْلَتْ عَنِ الأَعْنَاقِ فَهِي نَوَاكِسٌ ... عَلَى التُّرْبِ مِنْ بَعد الوَسَائِدِ تُوْضَعُ عَلاهَا ظَلامٌ لِلْبِلَى وَلَطَالَمَا ... غَدَا نُورُهَا في حِنْدِسِ الظُّلْمِ يَلْمَعُ كَأَن لَمْ يَكُنْ يَوْمًا عَلا مَفْرِقًا لها ... نَفَائِسُ تِيْجَانٍ وُدُرٍ مُرَصَّعُ تَبَاعَدَ عَنْهُمْ وَحْشَةًَ كُلُّ وَامِقٍ ... وَعَافَهُمْ الأَهْلُونَ وَالنَّاسُ أَجْمَعُ وَقَاطَعَهُمْ مَنْ كَانَ حَالَ حَيَاتِهِ ... بِوَصْلِهِمُ وَجْدا بِهِمْ لَيْسَ يَطْمَعُ يُبَكِّيْهِمْ الأَعْدَاءُ مِنْ سُوءِ حَالِهِمْ ... وَيَرْحَمُهُمْ مَنْ كَانَ ضِدًا وَيَجْزَعُ فَقُلْ لِلذِي قَدْ غَرَّهُ طُوْلُ عُمْرِهِ ... وَمَا قَدْ حَوَاهُ مِنْ زَخَارِفَ تَخْدَعُ أَفِقْ وَانْظُرِ الدُّنْيَا بِعَيْنٍ بَصِيْرَةٍ ... تَجِدْ كُلَّ مَا فِيْهَا وَدَائِعَ تَرْجِعُ

стр. 144

فَأَينَ المُلُوكُ الصَّيْدُ قِدْمًا وَمَنْ حَوَى ... مِنَ الأَرْضِ مَا كَانَتْ بِهِ الشَّمْسُ تَطْلَعُ حَوَاهُ صَرِيحٌ مِنْ فَضَاءِ بَسِيْطِهَا ... يُقَصِّرُ عَنْ جُثْمَانِهِ حِيْنَ يُذْرَعُ فَكَمْ مَلِكٍ أَضْحَى بِهَا ذَا مَذَلَّةٍ ... وَقَدْ كَانَ حَيًّا لِلْمَهَابَةِ يُتْبَعُ يَقُودُ عَلَى الخَيْل العِتَاقِ فَوَارِسًا ... يَسُدُّ بِهَا رَحْبَ الفَيَافِي وَيُتْرِعُ فَأَصْبَحَ مِنْ بَعْدِ التَّنَعُّمِ فِي ثَرَى ... تُوارِي عِظَامًا مِنْهُ بَهْمَاءُ بَلْقَعُ بَعِيْدًا عَلَى قُرْبِ المَزَارِ إِيَابُهُ ... فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى القِيَامَةَ مَرْجِعُ غَرِيْبًا عَنِ الأَحْبَابِ وَالأَهْلِ ثَاوِيًا ... بَأَقْصَى فَلاةٍ خَرْقُهُ لَيْسَ يُرْقَعُ تُلِحُّ عَلَيْهِ السَّافِيَاتُ بِمَنْزِلٍ ... جَدِيْبٍ وَقَدْ كَانَتْ بِهِ الأَرْضُ تُمْرِعُ رَهِيْنًا بِهِ لا يَمْلِكُ الدَّهْرَ رَجْعَةً ... وَلا يَسْتَطِيْعَنَّ الكَلامَ فَيُسْمَعُ تَوَسَّدَ فِيْهِ التُّرْبَ مِنْ بَعْدِ مَا اغْتَدَى ... زَمَانًا عَلَى فُرُشٍ مِنَ الخَزِّ يُرْفَعُ كَذَلِكَ حُكْمُ اللهِ في الخَلْقِ لَنْ تَرَى ... مِنَ النَّاسِ حَيًّا شَمْلُهُ لَيْسَ يَصْدَعُ انْتَهَى

стр. 145

آخر: ناظم الفقه ابن عبد القوي وَلاَ بَأْسَ شَرْعاً أَنْ يَطِبَّكَ مُسْلِمٌ ... وشَكْوَى الذي تَلْقَى وبالحَمْدِ فابْتَدِي وَتَرْكُ الدَّوا أَوْلَى وَفْعْلُكَ جَائِزُ ... ولم تَتَيَقَنْ فِيْهِ حُرْمَةَ مُفْرَدِ وَرَجِّحْ عَلَى الْخَوْفِ الرَّجَا عِنْدَ يَأْسِه ... وَلَاقِ بِحُسْنِ الظَّنِّ رَبَّك تسعد ... وَتُشْرَعُ لِلْمَرْضَى الْعِيَادَةُ فَأْتِهِمْ ... تَخُضْ رَحْمَةً تَغْمُرْ مَجَالِسَ عُوَّدِ فَسَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ مَلَائِكَةِ الرِّضَا ... تُصَلِّي عَلَى مَنْ عَادَ ممسِي إلَى الْغَدِ وَإِنْ عَادَهُ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ وَاصَلَتْ ... عَلَيْهِ إلَى اللَّيْلِ الصَّلَاةَ فَأَسْنِدْ فَمِنْهُمْ مُغِبًّا عُدْ وخَفِّفْ وَمِنْهُمْ الـ ... ذِي يُؤْثِرُ التَّطْوِيلَ مِنْ مُتَوَدِّدٍ فَفَكِّرْ وَرَاعِ فِي الْعِيَادَةِ حَالَ مَنْ ... تَعُودُ وَلَا تُكْثِرْ سُؤَالًا تنكد وَذَكِّرْ لِمَنْ تَأْتِي وَقَوِّ فُوآدَُ ... وَمُرْهُ بِأَنْ يُوْصِي إِذَا خِفْتَ وَارْشُدِ وَنَدِّ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ لِسَانَهُ ... وَلاَقّنْهُ عِنْدَ الْمَوْتِ قَوْلَ الْمُوَحِّدِ وَلاَ تُضْجِرَنْ بَلْ إِنْ تَكَلَّمَ بَعْدَهُ ... فَعَاوِدْ بِلَفْظٍ وَاسْأَلْ اللُّطْفَ وَاجْهِدِ
следующие страницы →