Полный текст (1 178 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
وإِنّ الحَقَّ أَبلجُ مُسْتَنِيْرٌ ... ويَعْلُو وَجْهَ صَاحبهِ الوَسَامُ
ومَنْصُورٌ ومَمْتَحَنٌ ولَكِنْ ... لَهُ العُقْبَى وليَس له انْعِدَامُ
وإنَّ البَاطِلَ المُردِي لَذَامُ ... وَيْعلُو وَجْهَ صَاحِبهِ الظَّلامُ
فلا يَغْرُرْكَ إذْ يَعْلُو ويَطْفُو ... فَلَيْسَ لِبَاطِلٍ أَبَدًا دَوَامُ
ولَيْسَ لِمَنْ سَعَى بالقِيْلِ يَومًا ... سُمُوٌ أَوْ لِبُغْتَيِهِ انْتِظَامُ
أَيَسمُو مَن سَعَى بِالقِيلِ حَاشَا ... وَكلاَّ أَن يَكُونَ لَهُم مَقَامُ
أَيَسْمُو مَن سَعىَ بالقِيلِ يَومًا ... بِقَومِ مَا أَتَى بِهمُو الحُطَامُ
ولكن يَطْلُبُونَ العِلْمَ لَمَّا ... لِهَذا الأَصلِ قَدْ تَركَ الأَنَامُ
وهَلْ يَا قَوْمُ غَيرَ الأَصل عِلْمٌ ... ولَوْلاَ الأَصْلُ ما انْكَشَفَ الظَّلامُ
وكُنَّا في غَيَاهِبِه حَيَارَى ... وفي الإِشْرَاكِ قَدْ وَقَعَ الفِئَامُ
فَأطلع شمسَ هذا الأَصلِ حبرٌ ... هو الشيخُ المعظَّمُ والإمامُ
فأَشرق نورُه فسما بنَجدٍ ... منارَ الحقِّ وانكشف القَتامُ
وأَطَّدَ رُكْنَ هذا الأَصل حتَّى ... رسَت منه المعالمُ والدّعامُ
فلما أَن تضَاءلَ ذَاكَ فِينا ... وعمَّ الجهلُ وانسدلَ الظلامُ
تَوخَّى نُورَه قَومٌ فجَاءُوا ... فَبَدَّدَ شمْلهم ووهى النظامُ
وإنَّ الحادثاتِ وإِن أَساءت ... لَيسْمُو مِن حَوَادِثها كِرَامُ
ويَرسُبُ حِينَ ما تَبْدُو فِئَامٌ ... مِن الأَقوام أَنْذالٌ لِئَامُ
وما أَدري ولكن لَيتَ شِعري ... أَأَيقاظٌ أُولئك أَم نيامُ
فما كلٌ بمعذورٍ ببغضٍ ... ولا كلٌ على بغضٍ يلامُ
ولا كُلٌ مَقَالَةٍ قُيِلَتْ صَوابٌ ... يَكُونُ لَهَا بِفِي الدهر ابتسامُ
стр. 1122
لقدْ رام الوشاةُ مَرَام سوءٍ ... ولكنَّ ذاكَ لَو عَلموهُ ذامُ
لَقدْ رَامُوا لأَهلِ الحقِّ خَسفًا ... وحَتى آلَ إِن قَعَدُوْا وقَامُ
ولكن بالنميمةِ وهو شومٌ ... على الساعين إذ شَغبوا وَلامُ
أُناسًا كان هَجْرُهُمُو صوَابًا ... على المشروعِ وهْوَ لَهمُ إِمامٌ
وما بدعٌ أَتوا بالهجرِ لكن ... عليه الناس والسلف الكرامُ
وكانَ الهجر كالتعزير حُكمًا ... وتأْديبًا لينزجر الأَنامُ!
عن الأَمرِ المُحرَّمِ والمَعاصي ... وهل إلا بذلكمو القوامُ
فعابَ عليهم الهجران قومٌ ... وقالوا إِنَّه أَمرٌ حَرامُ
ولولا ذاك ما قَعَدُوا وقامُ ... على أَن لا يكون لهم مُقَامُ
ولو كَانُوا يَرَون الهجرَ حقًا ... لَما رامُوا لَهم خسفًا وسامُ ...
وإن الذيمَ ما انتجعوه فيهم ... وهل فَوق الذي راموه ذَام
وقد خاضُوا لِلُجَّته عُبابًا ... وساروا نحو زاخرِه وعامُ
ومما قِيلَ في الإِخوانِ عَنهم ... كلامٌ ليس يحمله النظامُ
فقالوا فيهمُو زُورًا وحافوا ... وَمَا خافوا مَعَرِّته الفِدامُ
بأَن الهاجرين لِكُلِ عاصٍ ... وقاموا بِالعداوةِ واستقامُ
رَأوا رأيِ الخَوارجِ أَن هذا ... لِزُورٍ ما تَضَمَّنه الخِصَامُ
وما فاهوا به أَبدًا وهذا ... هو البهتانُ والإِفكُ الحَرامُ
وإِن تعجب لِما انتجعوهُ فِيهمْ ... مِن البَهْتٍ المُحَرمِ حِين قامُ
على الإِخوانِ إِذ عابوا أُنَاسا ... على تلك الجرائمِ قد أَقامُ
فإِنَّ أَشَدَّ بَلْ أَولى وأَحرى ... رُكُوبٌ للمَحَارِم حينَ لامُ
стр. 1123
على هَجْرِ العُصَاةِ ومَنْ تَرَدَّى ... بثَوب المنكراتِ وقدْ ألامُ
وإِن أَشدَّ من هذا لَسَعْيٌ ... بقطع معاشهم لَمَّا استقامُ
وقاموا بالعداوةِ حَسْبَ ما هُم ... يَرَوْنَ الهَجْرَ واجِبُه يُقامُ
وما بالذنبِ يكَفُر كُلُّ عاصٍ ... لَدَيْنَا أُيُّها القَومُ اللئامُ
ولكنَ مَن أتى بالكفرِ يَومًا ... وبالإِشراكِ يَعرفُه الأنامُ
فهذا قَولُنا وبه سَمَوْنَا ... وما بالبَهْتِ يَنْتَقِمُ الكِرامُ
فهذِي الحَالةِ الشنعاءِ منهم ... كم قَدْ حُرِّرَتْ وبها الخِصامُ
وهذِي حالةُ الإِخوانِ فاعلم ... حقيقةَ ما تضمَّنه النظامُ
فأَيُّ الحالتين يكونُ جرمًا ... ومن بالذيم يُعرف أَو يُلامُ
فوا غوثاه وا غوثاه ممَّن ... أَثاروا الشر فانسدلَ الظلامُ
فهذا الصنفُ ممَّن قال زورا ... على الإِخوان بلْ شغبوا ولامُ
وقد راموا مذلَّتَهم جهارًا ... وفي أَبعادهم قعدُوا وقامُ
وصنف لم يَرَوا ما قيلَ فيهم ... صوابًا بلْ رَأَوا ما قيل ذامُ
وأَمرًا باطلاَ لا شك فيه ... وواشوقاه لو دأَبوا ودَامُ
ولكن لم يَعادوهُم ووالوا ... لهذا الضرب فانعكسَ المرامُ
فهذا فيهمو بيتٌ قديمٌ ... به تشفى الحرارةُ والسقامُ
إذا صافا مُحبك من تعادى ... فقد عَاداك وانقطعَ الكلام ...
وصنفٌ ثالثٌ همج رعاعٌ ... هم الأَتباع والنُعم السّوام
فلا دينٌ ولا علمٌ وعقلٌ ... لديهم بل همُ القومُ الطغام
فهذا كان أَمرَ الناس فيما ... جرى فيه التهاجرُ والخصامُ
стр. 1124
وصلَّى الله ما حنَّتُ رعودٌ ... وماضَ البرق وانسجم الغمام
وما هبَّ النسيمُ ولاح نجمٌ ... بأُفق الجوّ أَو هتف الحمامُ
على المعصومِ مع صحبٍ وآل ... صلاةُ يستنير بها الختامُ
وقال الشيخ سليمان بن سحمان ﵀:
ألا فَذَرَاني من جهولٍ وغاشمٍ ... ومِن سَقَط الأَوباشِ شِبه البهائم
خفافيشُ أَعشاها من الحقِ شمسُه ... فهم بينَ مرتابٍ جهولٍ ولائمِ
وبين حسودٍ يعدُّ معرفةَ الهُدى ... لسالك نهجِ الحقِّ من كل حازمِ
فَدَعْهُم وما قالوا من الزّورِ والهوى ... ومن ترهاتِ قد أَتت بالعَظَائِم
فيا لائمًا من كان بالحقِّ مقتدٍ ... ومستمسكًا أَقصِرْ فَلَسْتَ بسالمِ
ولستَ على نهجٍ من الحقٍّ لاحبٍ ... تفوزُ به يوم اللقا والتخاصمِ
أَتنسبُ من أحيوا من السننِ التي ... أَميتِت وأَضحت دارساتِ المعالمِ
أُمورًا لها قد سَنَّ أَفضلُ خلقِه ... فعاب على إحيائها كلُّ آثم
إلى الفئةِ البُعدِ الخوارجِ إنَّ ذا ... لَمِن أَعظم البهتان بينَ العوالم
وما ذاكَ إِلا أَنهم قد تَمسكُوا ... بهَديِ النبي الأَبطحيّ ابن هاشِم
ولم يرتضُوا إِلا الحديثَ وأَهلَه ... لهم سندٌ في كل أَمرٍ ولازم
فيا حبذا نهجَ الحديثِ وإِنه ... لنعم طريقُ الأَعظمين الأَكارِم
كأَحمد ذي التقوى ومالك ذي النهى ... وكالشافعي وابن المدينِي وعاصِم
وكابنَ معينٍ والبخارِي ومسلمٍ ... وكلُّ إمامٍ في الحديثِ وعالم
أُولئك هم أَهل الداريةِ والهدى ... وهم قدوةُ السارِي لشأوى المكارمِ
стр. 1125
فإن كان منْ يَتْلُو أَو يقُفَّ طريقَهم ... بآثارهم يبغى الهُدى غير ظالمِ
خوارج فاشهدْ أَننا نحن هكذا ... وكلُّ إمام أَلمعيٍّ وحاكمِ
فإِن أَخطئوا يومًا وعابوا لمن على ... مذاهب أَشياخ هداة أَكارم
قد اجتهدوا في نصر سُنةِ أَحمدٍ ... وتبيين أَحكام الهدى للعوالم
فليس خُطَاهم بالإِعابة موجبًا ... لبهتَانِهم بالمُعْضلاتِ العظَائم ...
كما أَن من أَخطا من العلماءِ لا ... يُذمم إِذَا أَخطا وليس بآثم
بلى بل له أَجرٌ بحَسبِ اجتهاده ... فإن كنتَ لا تدِري فسلْ كلَّ عالم
وإِن كان هجران العصاةِ ومقْتهم ... وملَّة إبراهيم ذاتِ الدعائم
بحبٍ وبُغضِ والمعاداتِ والولا ... خروجٌ كفعلِ المارقين البهائم
فنشهدُكم بل نُشْهدُ الله أَننا ... بهذا ندين الله بينَ العَوالم
ونرجُو من الله الثباتَ على الهدى ... على ملَّةِ المعصومِ صَفْوَةِ آدم
كذلك أَنكرنا على كلِّ منْ يرى ... إقامته بين الغواةِ الغواشم
مباحًا له والنصُّ في ذاكَ واضح ... بتحريمها إذ قد أتى بالجرائم
وساكنِ عبادِ القبورِ تساهلاً ... بما كان يأْتى من عُضالِ المآثم
وتسفيهِ آراءٍ الهدَاةِ لنهيهم ... وتنفيرِهم عن من أَتى بالعظَائمِ
وإِنكارِهم جهرًا على من لأَرضِهم ... يُسافِرُ من عَاصٍ مُدِيم وآثم
إذا لم يكنْ للدِّين والحقِّ مَظهرًا ... وهذَا هو الحقُّ المبينُ لرائم
وذلك سدًّا للذريعةِ حيث لا ... بصاحبهَا تُفضِي لكفرٍ ملازمِ
فخَالَ سِفاهًا منْ تَقاصَرَ فهمُه ... وعَضَّ على الدنيا بأَنيابِ ظَالم
بأَنا نَرى رأْى الخَوَارِجِ أَنَّ ذا ... لجهلٍ صريحٍ من حَسودٍ ولائم
стр. 1126
فيا ليتَ شِعْرِي هَلْ له بمذَاهب ... الخوارج تحقيقٌ وإِدراكُ عَالِم
أَم الفدمُ لا يدري بمذهب مَنْ غَلا ... ولا مَنْ جَفا في الدين شِبه البهائم
فيحسب جهلاً أَن إِنكار مثل ذا ... يَئُول إلى تكفير أَهل الجرائم
فحاشا وكلاَّ ليس ذلك قِيلهم ... وليسَ لما قالوه يومًا بلازم
فهذا الذي كنا نَرى ونَحُبه ... لإِخواننا من عُربها والأَعاجِم
وإِنا على هذا على الكُره والرِضا ... على أَنف راضٍ منِ مُعادٍ ورَاغِمِ
فإِن كان حقًا فاقبلوا الحقِّ وارعووا ... وفيئوا فإِن الله أرحمُ راحِم
وإِلا فجيئوا بالدليل وأُبرزوا ... جوابًا صوابًا قاطعًا للتخاصم
وَصَلّ على خيرِ الأَنامِ محمَّدٍ ... وأَصحابهِ والآل أَهل المكارم
وقال رحمه الله تعالى:
يلوم أُناسٌ أَن نَظمتُ روايةً ... عن الثقة الشيخ الرَّفيع الدَّعائم
إِمامِ الهدى السامىِ إِلى رتبةِ العلا ... فحلَّ ذرى هَام السُّها والنعائم
وأَعني به البحرَ الخضمَ ابن حنبلٍ ... إِمامًا هُمَامًا عالمًا أَي عالِم
وصحَّحها واختارَها علمُ الهُدى ... وشمس المعاني المرتَضى في العَوالِم
وذاكَ هُو البحرُ ابن تيميةِ الرضي ... وشيخ الورى فليتئدْ كلُّ لائم
أَقرَّ له بالفضلِ والعلمِ والتُقى ... ذوو العلمِ من عُرب الورى والأَعاجم
فلو أَنَّ هذا اللائم اليوم حازم ... سليم الأَضحى قارعًا سنَّ نادم
ولكنه لا فقه فيما أظنُّه ... لديه ولا يَدرى اقتضاء التلازم
فإِن كان هذا اللَّومُ للشيخِ مَنْ غَدَتْ ... مآثرهُ معلومةً في العوَالم
стр. 1127
فخطبٌ جسيمٌ وهو ليس بواحِدٍ ... فكم لامه من جاهلٍ غير عالمِ
وما خِلتُ مَنْ يخْشى الإِله يَلومُهُ ... على أَنه إِن لام أَخنعُ لاَئم
على نَشْره العلمَ الشَّريفَ لأَهلِه ... وطُلابِه يا ويح باغٍ وظَالمِ
ومن لا يرى إلا التعصبَ مذهبًا ... فليس يَرى قولاً صوابًا بالحاكم
وليس أَخا التقليدِ يومًا بعالِم ... وإِن خاله الجهالُ أَفضلَ عالم
بإِجماع أَهل العِلم من كل عالمٍ ... وذلك كالأَعمى لدى كلُّ حازم
وإِن كان هذا اللومُ لي فهو جَاهلٌ ... فهلْ قلتُ من عندى مقالاً لناقمِ
وهل قلت إلا قولَ شيخِ محقِّقٍ ... فلستُ لأَقوالِ الهداةِ بكاتم
وإن لامني في نقلها واختيارها ... جَهول بأقوال الثقاة الأكارمِ
ولازَم لومي إذ نظمتُ اختياره ... حقيقته للشيخ بعد اللائم
إذ القولُ قولُ الشيخ أحمد ذي التقى ... وماذا عسى أَن قِيل ذا نظم ناظِم
وما الفرقُ بين النظمِ والنثرِ لو دَرى ... حقيقةَ ما يَهْذُو به كلُّ ناقِم
فإِن كان نظمًا فهو لا وجْه عِنْده ... لتعليقه في الرِّق يومًا لراقم
وإِن كان نثرًا كان ذلك جائزًا ... فسبحان من أَعطاه فهم التَلازم
وسبحان من أَعطاه في الفِرق بينما ... يعلِّقُ من نظمٍ ونثرٍ لراسم
فيا ليت شِعْرِي هَلْ رأَى الكتب الَّتي ... بهَامِشَها ما قالَه كلٌّ عالِم
وَقَدْ عَلمتُ تلك المقالاتِ كلَّها ... مسطرة في الكتب يومًا لرائمِ
ولكن أرادوا نقلها لهوامشَ ... ليعلمها الطَّلابُ من كلِّ حازم
فيتَّبعوا القوْلَ الصوابَ الذي له ... شواهدُ من نصِّ النبي ابن هَاشِم
عليه صلاةُ اللهِ ثم سلامُه ... مَدى الدهرِ ما انساح السحاب بساجم ...
стр. 1128
وأَصحابِه والآل مع كلِّ تابعٍ ... أُولئك هُمْ أَهل التُقى والمكارمِ
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
«فصل في تحميل أهل الاثبات للمعطلين شهادة
تؤدَّى عند رب العالمين»
يا أيها الباغي على اتباعه ... بالظلم والبهتان والعدوان
قد حملوك شهادة فاشهد بها ... إن كنت مقبولاً لدى الرحمن
واشهد عليهم أن سُئلت بأنهم ... قالوا إله العرش والأكوان
فوق السموات العلى حقا على الـ ... ـعرش استوى سبحان ذِي السلطان
والأمر ينزل منه ثم يسير في ... الأقطار سبحان العظيم الشان
وإليه يصعد ما يشاء بأمره ... من طيبات القول والشكران
وإليه قد صعد الرسول وقبله ... عيسى بن مريم كاسر الصلبان
وكذلك الأملاك تصعد دائمًا ... من هاهنا حقا على الديان
وكذاك روح العبد بعد مماتها ... ترقى إليه وهو ذو إيمانِ
واشهد عليهم أنه سبحانه ... متكلم بالوحي والقرآنِ
سمع الأمين كلامه منه وأدّ ... اه إلى المبعوث بالفرقانِ
هول قول ربِّ العالمين حقيقة ... لفظا ومعنى ليس يفترقانِ
واشهد عليهم أنه سبحانه ... قد كلم المولود من عمرانِ
سمع ابن عمران الرسول كلامه ... منه إليه مسمع الآذانِ
واشهِد عليهم أنهم قالوا بأ ... نَّ الله ناداه وناجاه بلا كتمانِ
واشهِد عليهم أنهم قالوا بأ ... نَّ اللهَ نادى قبله الأبوانِ
واشهد عليهم أنهم قالوا بأ ... نَّ الله يسمع صوته الثقلانِ
والله قال بنفسه لرسوله ... إني أنا الله العظيم الشأنِ
والله قال بنفسه لرسوله ... اذهب إلى فرعون ذِي الطغيانِ
والله قال بنفسه «حم» مع ... «طه» ومع «يس» قول بيانِ
واشهِد عليهم أنهم وصفوا الإله ... بكل ما قد جاء في القرآنِ
وبكلا ما قال الرسول حقيقة ... من غير تحريف ولا عدوانِ
واشهِد عليهم أنَّ قول نبيهم ... وكلامَ ربِّ العرش ذا التبيانِ ...
نصُّ يفيد لديهم علم اليقـ ... ـين إفادة المعلوم بالبرهانِ
стр. 1129
واشهد عليهم أنهم قد قابلوا ... التعطيل والتمثيل بالنكرانِ
أنَّ المعطل والممثل ما هما ... متيقنين عبادة الرحمنِ
ذا عابد المعدوم لا سبحانه ... أبدًا وهذا عابد الأوثانِ
واشهد عليهم أنهم قد أثبتوا الأ ... سماء والأوصاف للديَّانِ
وكذلك الحكام أحكام الصـ ... ـفات وهذه الأركان للإيمانِ
قالوا عليم وهو ذو علم ... ويعلم غاية الإسرار والإعلانِ
وكذا بصير وهو ذو بصر ... ويبصر كلَّ مرئيٍّ وذِي الأكوانِ
وكذا سميع وهو ذو سمع ... ويسمع كلّ مسموع من الأكوانِ
متكلم وله كلام وصفه ... ويكلِّم المخصوص بالرضوانِ
وهو القوي بقوة هي وصفه ... وعليك يقدر يا أخا السلطانِ
وهو المريد له الإرادة هكذا ... أبدًا يريد صنائع الإحسانِ
والوصف معنًى قائم بالذات ... والأسماء أعلام له بوزانِ
أسماؤه دلَّت على أوصافه ... مشتقَّة منها اشتقاق معانِ
وصفاته دلَّت على أسمائه ... والفعل مرتبط به الأمرانِ
والحكم نسبتها إلى متعلِّقا ... ت تقتضي آثارها ببيانِ
ولربما يعني به الإخبار عن ... آثارها يعني به أمرانِ
والفعل إعطاء الإرادة حُكمها ... مع قدرة الفعَّال والإمكانِ
فإذا انتفت أوصافه سبحانه ... فجميع هذا بيِّن البطلانِ
واشهد عليهم أنهم قالوا ... بهذا كله جهرًا بلا كتمانِ
واشهد عليهم أنهم بَراء من ... تأويل كلِّ محرِّفٍ شيطانِ
واشهد عليهم أنهم يتأولو ... ن حقيقة التأويل في القرآنِ
هم في الحقيقة أهل تأويل الذي ... يعني به لا قائل الهذيانِ
واشهد عليهم أن تأويلاتهم ... صرف عن المرجوح للرجحانِ
واشهد عليهم أنهم حَملوا النصو ... ص على الحقيقة لا المجاز الثاني
إلا إذا ما اضطرَّهم لمجازها ... المضطرُّ من حسٍّ ومن برهانِ
فهناك عصمتها إباحته بغير ... تجانف للإثم والعدوانِ ...
واشهد عليهم أنهم لا يكفّرو ... نكم بما قلتم من الكفرانِ
إذا أنتم أهل الجهالة عندهم ... لستم أولى كفر ولا إيمانِ
لا تعرفون حقيقة الكفران بل ... لا تعرفون حقيقة الإيمانِ
إلاَّ إذا عاندتم ورددتم ... قول الرسول لأجل قول فلانِ
стр. 1130
فهناك أنتم أكفر الثقلين من ... إنس وجن ساكني النيرانِ
واشهد عليهم أنهم قد أثبتوا ... إلاَّ قدار وإرادة من الرحمنِ
واشهد عليهم أنَّ حجة ربِّهم ... قامت عليهم وهو ذو غفرانِ
واشهد عليهم أنهم هم فاعلو ... ن حقيقة الطاعات والعصيانِ
والجبر عندهم محالٌ هكذا ... نفى القضاء فبئست الرايانِ
واشهد عليهم أنَّ إيمان الورى ... قول وفعل ثم عقد جنانِ
ويزيد بالطاعات قطعًا هكذا ... بالضدِّ يمسي وهو ذو نقصانِ
والله ما إيمان عاصينا كإيـ ... ـمان الأمين منزَّل القرآنِ
كلا ولا إيمان مؤمنًا كإيـ ... ـمان الرسول معلِّم الإيمانِ
واشهد عليهم أنهم لم يخلدوا ... أهل الكبائر في حميم آنِ
بل يخرجون بإذنه بشفاعة ... وبدونها المساكن بجنانِ
واشهد عليهم أن ربهم يُرَى ... يوم المعاد كما يُرى القمرانِ
واشهد عليهم أن أصحاب الرسو ... ل خيار خلق الله من إنسانِ
حاشا النبيِّين الكرام فإنهم ... خير البرية خيرة الرحمنِ
وخيارهم خلفاؤه من بعده ... وخيارهم حقًّا هما العُمَرانِ
والسابقون الأولون أحق بالتـ ... ـقديم ممن بعدهم ببيانِ
كل بحسب السبق أفضل رتبة ... مِن لاحقٍ والفضل للمنان
إِنَّ الشهيدَ حَياتُه مَنْصُوصَةَ ... لا بالقياس القائمِ الأركانِ
هذا مَع النَّهيِ المؤكَّدِ أَنَنا ... نَدْعُوه مَيْتًا ذَاكَ في القُرآنِ
ونِساؤُه حِلٌ لنا مِن بَعْدِهِ ... والمالُ مَقْسومُ على السَّهْمَانِ
هذَا وإِنَ الأرضَ تأكُلُ لَحْمهُ ... وسَباعُهَا مَعْ أُمَّةِ الدِيْدَانِ
لكنه مَعْ ذاكَ حَيٌّ فارِحٌ ... مُسْتبشرٌ بكرامة الرحمنِ
فالرسل أولى بالحياة لديه مع ... موت الجسوم وهذه الأبدانِ ...
وهي الطريَّة في التراب وأكلها ... فهو الحرام عليه بالبرهانِ
ولبعض أتباع الرسول يكون ذا ... أيضًا وقد وجدوه رأى عِيانِ
فانظر إلى قلب الدليل عليهم ... حرفًا بحرفٍ ظاهر التبيانِ
لكن رسول الله خصَّ نساؤه ... بخصيصةٍ عن سائر النسوانِ
خُيِّرن بين رسوله وسواه فاخـ ... ـترن الرسول لصحَّة الإيمانِ
شَكَر الإله لهنَّ ذاك وربنا ... سبحانه للعبد ذو شكرانِ
стр. 1131
قصر الرسول على أولئك رحمةً ... منه بهنَّ وشكر ذِي الإحسانِ
وكذاك أيضا قصرهنَّ عليه ... معلومٌ بلا شكٍّ ولا حسبانِ
زوجاته في هذه الدنيا وفي ... الأخرى يقينٌ واضح البرهانِ
فلذا حُرِّمن على سواه بعده ... إذ ذاك صون عن فراشٍ ثانِ
لكن أتين بعده شرعية ... فيها الحداد وملزم الأوطانِ
هذا ورؤيته الكليم مصلِّيًا ... في قبره أثرٌ عظيم الشانِ
في القلب منه حسيكة هل قاله ... فالحقُّ ما قد قال ذو البرهانِ
ولذاك أعرض في الصحيح محمد ... عنه على عمدٍ بلا نسيانِ
والدارقطني الإمام أعله ... برواية معلومة التبيانِ
أنسٌ يقول رأى الكليم مصليًا ... في قبره فاعجب لذا الفرقانِ
فرواه موقوفًا عليه وليس ... بالمرفوع وأشواقًا إلى العرفانِ
بين السياق إلى السياق تفاوتٌ ... لا تطرحه فما هما سيَّانِ
لكن تقلّد مسلِمًا وسواه ... ممَّن صحَّ هذا عنده ببيَانِ
فرواته الأثبات أعلام الهدى ... حفَّاظ هذا الدين في الأزمانِ
لكنَّ هذا ليس مختصًّا به ... والله ذو فضلٍ وذو إحسان
فروى ابن حبَّان الصدوق وغيره ... خبرًا صحيحًا عنده ذا شانِ
فيه صلاة العصر في قبره الذي ... قد مات وهو محقَّق الإيمانِ
ذ
فتمثل الشمس الذي قد كان ير ... عاها لأجل صلاة ذِي القربانِ
عند الغروب يخاف فوت صلاته ... فيقول للملكين هل تدعانِ
حتى أصلِّي العصر قبل فواتها ... قالا ستفعل ذاك بعد الآنِ
هذا مع الموت المحقَّق لا الذي ... حُكيت لنا بثبوته القولانِ ...
هذا وثابت البناني قد دعا الر ... حمن دعوة صادق الإيقانِ
أن لا يزال مصلِّيًا في قبره ... أن كان أعطى ذاك من إنسانِ
لكن رؤيته لموسى ليلة المعـ ... ـراج فوق جميع ذِي الأكوانِ
يرويه أصحاب الصحاح جميعهم ... والقطع موجبه بلا نكرانِ
ولذاك ظنَّ معارضًا لصلاته ... في قبره إذ ليس يجتمعانِ
وأُجيب عنه بأنه أُسرِي به ... ليراه ثَمَّ مشاهد بعِيانِ
فرآه ثَمَّ وفي الضريح وليس ذا ... يتناقض إذ أمكن الوقتانِ
هذا ورد نبينا التسليم مَن ... يأتي بتسليم مع الإحسان
стр. 1132
ما ذاك مختصًّا به أيضا كما ... قد قاله المبعوث بالقرآنِ
من زار قبر أخٍ له فأتى ... بتسليمٍ عليه وهو ذو إيمانِ
ردَّ الإله عليه حقًّا رُوحَه ... حتى يردَّ عليه ردَّ بيانِ
وحديث ذكر حياتهم بقبورهم ... لِما يصحُّ وظاهر النكرانِ
فانظر إلى الإسناد تعرف حاله ... إن كنت ذا علمٍ بهذا الشانِ
هذا ونحن نقول هم أحياء ... لكن عندنا كحياة ذِي الأبدانِ
والترب تحتهم وفوق رءوسهم ... وعن الشمائل ثم عن أيمانِ
مثل الذي قد قلتموه معاذنا ... بالله من إفكٍ ومن بهتانِ
بل عند ربهم تعالى مثل ما ... قد قال في الشهداء في القرآن
لكن حياتهم أجلُّ وحالهم ... أعلى وأكمل عند ذِي الإحسان
هذا وأمَّا عرض أعمال العبا ... د عليه فهو الحق ذو إمكانِ
وأتى به أثرٌ فإن صحَّ الحـ ... ـديث به فحقٌّ ليس ذا نكرانِ
لكنَّ هذا ليس مُختصًّا به ... أيضًا بآثار رُوين حسانِ
فعلى أبي الإنسان يَعرِض سعيه ... وعلى أقاربه مع الإخوانِ
ِ
إن كان سعيًا صالحًا فرحوا به ... واستبشروا يا لذَّة الفرحانِ
أو كان سعيًا سيئًا حزنوا وقا ... لوا ربِّ ارجعه إلى الإحسانِ
ولذا استعاذ من الصحابة من روى ... هذا الحديث عقيبه بلسانِ
يا رب أني عائد من خزية ... أخزَى بها عند القريب الداني
ذاك الشهيد المرتضى ابن رواحة ... المحبوب بالغفران والرضوانِ ...
لكن هذا ذو اختصاص والذي ... للمصطفى ما يعمل الثقلانِ
هذِي نهايات لأقدام الورى ... في ذا المقام الضنك صعب الشانِ
والحقُّ فيه ليس تحمله عقو ... ل بني الزمان لغلظة الأذهانِ
ولجعلهم بالرُّوح مع أحكامها ... وصفاتها للإلف بالأبدانِ
فارضِ الذي رَضِي الإله لهم به ... أتريد تنقض حكمة الدَّيانِ؟
هل في عقولهم بأنَّ الرُّوح في ... أعلى الرفيق مقيمة بجنانِ
وتُرَدُّ أوقات السلام عليه من ... أتباعه في سائر الأزمانِ
وكذاك أن زُرت القبور مُسلِّمًا ... رُدَّت لهم أرواحهم للآنِ
فهم يَرُدُّون السلام عليك لـ ... ـكن لستَ تسمعه بذِي الأُذُنانِ
هذا وأجواف الطيور الخضر ... مسكنها لدى الجنات والرضوانِ
стр. 1133
من ليس يحمل عقله هذا فلا ... تظلمه واعذرْه على النكرانِ
للروح شأن غير ذِي الأجسام لا ... تهمله شأنَ الرُّوح أعجب شانِ
وهو الذي حَار الورى فيه فلم ... يعرفه غير الفرد في الأزمانِ
هذا وأمرٌ فوق ذا لو قلته ... بادرت بالإنكار والعدوانِ
فلذاك أمسكت العنان ولو أرى ... ذاك الرفيق جريت في الميدانِ
هذا وقولي إنها مخلوقةٌ ... وحدوثها المعلوم بالبرهانِ
هذا وقولي إنها ليست كما ... قد قال أهل الإفك والبهتانِ
لا داخل فينا ولا هي خارجٌ ... عنَّا كما قالوه في الديانِ
والله لا الرحمن أثبتم ولا ... أرواحكم يا مدَّعي العرفانِ
عطلتم الأبدان من أرواحها ... والعرش عطَّلتم من الرحمنِ
وقال ﵀ ذاكرًا بعض صفات الله:
هو واحدٌ في وصفه وعلوِّه ... ما لِلْوَرَى رَبُّ سِوَاهُ ثانِ
وهو القديم فلم يَزَلْ بِصِفَاته ... مُتوَحّدًا بل دَائِمَ الإِحسانِ
والنَّقْصُ في أمْرينِ سَلْبُ كمالَه ... أو شركةُ بالواحِدِ الرحمنِ
إنَّ الكمال بكثرة الأوصاف لا ... في سلبها ذا واضح البرهان
ما النقص غير السلب حسبُ وكلُّ نقـ ... ـصٍ أصله سلب وهذا واضح التبيانِ
فالجهل سلب العلم وهو نقيصة ... والظلم سلب العدل والإحسانِ ...
متنقِص الرحمن سالب وصفه ... حقًّا تعالى الله عن نقصانِ
وكذا الثناء عليه ذِكر صفاته ... والحمد والتمجيد كلّ أوانِ
ولذاك أعلم خلقه أدراهم ... بصفاته من جاء بالقرآن
وله صفاتٌ ليس يُحصيها سِوَا ... هُ مِن مَلائكةِ ولا إنسانِ
ولذاك يُثنَى في القيامة ساجدًا ... لَمَّا يراه المصطفى بعيانِ
بثناء حمد لم يكن في هذه الدنيا ... ليحصيه مدى الأزمانِ
وثناؤه بصفاته لا بالسلو ... ب كما يقول العادم العرفانِ
والعقل دلَّ على انتهاء الكون ... أجمعه إلى ربٍّ عظيم الشانِ
وثبوت أوصاف الكمال لذاته ... لا يقتضى إبطال ذا البرهانِ
والكون يشهد أن خالقه تعا ... لى ذو الكمال ودائم السلطانِ
стр. 1134
وكذا يشهد أنه سبحانه ... فوق الوجود وفوق كلِّ مكانِ
وكذا يشهد أنه سبحانه ... المعبود لا شيء من الأكوانِ
وكذا يشهد أنه سبحانه ... ذو حكمةٍ في غاية الإتقانِ
وكذا يشهد أنه سبحانه ... ذو قدرة حيٌّ عليمٌ دائم الإحسانِ
وكذا يشهد أنه الفعال ... حقًّا كلَّ يوم ربنا في شانِ
وكذا يشهد أنه المختار في ... أفعاله حقًّا بلا نُكرانِ
وكذا يشهد أنه الحيُّ الذي ... ما للمات عليه من سلطانِ
وكذا يشهد أنه القيوم قا ... م بنفسه ومقيم ذِي الأكوانِ
وكذا يشهد أنه ذو رحمة ... وإرادة ومحبةٍ وحنانِ
وكذا يشهد أنه سبحانه ... متكلِّمٌ بالوحي والقرآنِ
وكذا يشهد أنه سبحانه ... الخلاَّق باعث هذه الأبدانِ
لا تجعلوه شاهدًا بالزور ... والتعطيل تلك شهادة البطلانِ
وإذا تأمَّلت الوجود رأيته ... إن لم تكن من زمرة العميانِ
بشهادة الإثبات حقًّا قائمًا ... لله لا بشهادة النكرانِ
وكذاك رُسل الله شاهدةٌ به ... أيضًا فسل عنهم عليم زمانِ
وكذاك كُتب الله شاهدة به ... أيضًا فهذا مُحكم القرآنِ
وكذلك الفِطَر التي ما غِيرت ... عن أصل خِلقتها بأمرٍ ثانِ ...
وكذا العقول المستنيرات التي ... فيها مصابيح الهدى الرباني
أترَون أنا تاركو ذا كَّله ... لشهادة الجهمي واليوناني
وقال ﵀:
إِن الذي نزل الأمين به على ... قلبِ الرسولِ الواضحِ البرهانِ
هوَ قولُ رِبي اللفظ والمعنى جمـ ... ـيعًا إِذ هما أخوان مصطحِبانِ
لا تقطعوا رَحِمًا تولَّى وَصْلَها ... الرحمنُ تَنْسلِخُوا مِن الإيمانِ
ولقد شفانا قولُ شاعرِنا الذي ... قال الصوابَ وَجَاءَ بالإحسانِ
إنَّ الذي هو في المصاحف مُثْبَت ... بأناملِ الأشياخِ والشُبانِ
هو قولُ ربي آيُهُ وحُرُوفُهُ ... ومِدَادُنا والرقُ مَخْلُوقانِ
والله أكبرَ مَن على العرش استوى ... لكِنهُ اسْتَولَى على الأكوانِ
والله أكبرُ ذو المعارج مَن إليه ... تَعْرُجُ الأملاكُ كُلَّ أَوانِ
واللهُ أكبرُ مَن يَخافُ جَلاله ... أمْلاكه من فوقِهمِ ببيانِ
واللهُ أكبرُ من غَدَا لسَرْيرِهِ ... أَطَّ بِهِ كالرَّحْلِ لِلرُكْبَانِ
стр. 1135
واللهُ أكبرُ مَن أتانا قولُهُ ... مِن عِندِهِ مِن فوق سِتِ ثمانِ
نَزَلَ الأَمِينُ به بأمْرِ اللهِ مِن ... رَبٍ علىِ العَرش اسْتوى الرحمنِ
واللهُ أكَبرُ قاهرٌ فَوقَ العَبا ... دِ فلا تَضَعْ فوقيَّةَ الرحمنِ
من كُل وَجْهٍ تِلكَ ثابِتَةٌ لَهُ ... لا تَهْضِمُوها يا أوُلى البُهْتَانِ
قَهْرًا وقد رأو استواءَ الذَاتِ فُوْ ... قَ العَرشِ بالبُرْهَانِ
فَبِذاتِه خَلَق السَّمَواتِ العُلى ... ثم استوى بالذات فافْهَمْ ذانِ
فَضميرُ فِعْلِ الاستواءِ يَعُوْدُ ... لِلذَّات التِي ذُكِرَتُ بلا فُرْقانِ
هُوَ رَبُنا هو خالِقٌ هو مُسْتوٍ ... بالذاتِ هذِي كُلها بِوزَانِ
والله أكبرُ ذُو العُلُوِّ المَطْلَقِ ... المَعْلُوم بالفِطَراتِ والإيْمانِ
فعُلُوُّهُ مِن كُلِّ وَجْهٍ ثابتٍ ... فالله أكَبرُ جَلَّ ذُو السُلْطانِ
واللهُ أكبرُ مَن رَقَّى فَوقَ الطِّبَا ... قِ رَسُولُه فَدَنا مِن الدَّيانِ
وإليهِ قَدْ صَعدِ الرسولُ حَقِيْقَةً ... لا تُنِكْرُوْا المعْرَاجَ بالبْهَتانَ
وَدَنا مِن الجَبارِ ﷻ ... ودَنَا إليْهِ الرَّبُ ذُو الإِحْسَانَ
واللهُ قد أَحْصَى الذي قَد قُلْتُمُ ... في ذَلكِ المعْراجِ بالميزانِ ...
قُلْتمُ خَيَالاً أوْ أَكَاذِيْبًا أو ... المِعْراجِ لم يَحْصُلْ إلى الرحمنِ
إذْ كَانَ ما فوقَ السَّمواتِ العُلى ... رَبٌّ إليْهِ مُنْتَهى الإنسان
واللهُ أكبرُ مَنْ أَشَارَ رَسُولُه ... حَقًا إليهِ بأَصْبُعٍ وَبَنَانِ
في مَجْمَعِ الحجِ العَظِيمِ بموقِفٍ ... دُوْنَ المُعَرَّفِ مَوْقِفِ الغُفْرَانِ
مَن قالَ مِنكم مَن أشار بأصْبُعٍ ... قُطِعَتْ فِعِنْدَ الله يَجْتَمَعانِ
واللهُ أكبرُ ظاهرٌ مَا فَوقَه ... شَيءٌ وشَأنُ الله أعْظَمُ شانِ
واللهُ أكبرُ عرشُهُ وَسِعَ السَّما ... والأَرضَ والكُرْسَيّ ذَا الأَركانِ
وكذلكَ الكُرْسِيُّ قَدْ وَسعَ الطِّبَا ... قَ السَّبعَ والأَرضينَ بالبُرْهَانِ
والربُ فوقَ العَرشِ والكرسي لا ... يَخفى عليهِ خَوَاطِرُ الإنسانِ
«فصل في مصارع النفاة والمعطلِّين بألسنة ...
أمراء الإثبات الموحدين»
وإذا أردت تَرى مصارع من خلا ... من أمة التعطيل والكفران
وتَراهم أسرى حقير شأنهم ... أيديهم غلت إلى الأذقان
وتراهم تحت الرماحِ دَرِيْئَةً ... ما فيهم مِن فارِسٍ طَعَّانِ
стр. 1136
وتراهم تحت السيوف تنوشهم ... مِن عن شمائلهم وعن أيمان
وتراهم انسلخوا من الوحيين ... والعقل الصحيح ومقتضى القرآن
وتراهم والله ضحكة ساخر ... ولطالما سخروا من الإيمان
قد أوحشت منهم ربوع زادها الـ ... ـجبار إيحاشًا مدى الأزمان
وخلت ديارهم وشتت شملهم ... ما فيهم رجلان مجتمعان
قد عطَّل الرحمن أفئدةً لهم ... مِن كل معرفة ومن إيمان
إذ عطلوا الرحمن مِن أوصافه ... والعرشَ أخلوه مِن الرحمن
بل عطَّلوه عن الكلام وعن صفا ... تِ كماله بالجهل والبُهتان
فاقرأ تصانيفَ الإمامِ حقيقة ... شيخ الوجود العالم الرباني
أعنى أبا العباس أحمد ذلك ... البحر المحيط بسائر الخلجان
واقرأ كتاب العقل والنقل الذي ... ما في الوجود له نظير ثان
وكذاك منهاج له في رده ... قول الروافض شيعة الشيطان
وكذاك أهل الاعتزال فإنه ... أرداهم في حفرة الجبان ...
وكذلك التأسيس أصبح نقضه ... أعجوبة للعالم الرباني
وكذاك أجوبة له مِصْرِيَّةُ ... في سِتِ أسفارٍ كُتْبنَ سِمانِ
وكذا جَوابٌ للنصارى فيه ما ... يشْفِي الصُدورَ وأنه سِفْرانِ
وكذاك شرحُ عقيدةِ للأصبها ... نيى شارح المحصولِ شرحَ بيان
فيها النُبُوَّاتُ التي إثباتُها ... في غاية التقرير والتبيانِ
والله لا ما ولَّى الكلام نظيره ... أبدًا وكُتبهم بكلِّ مكانِ
وكذا حدوث العالم العلويِّ ... والسفليِّ فيه في أتمِّ بيان
وكذا قواعد الاستقامة أنها ... سِفران فيما بيننا ضخمان
وقرأتُ أكثرها عليه فزادني ... والله في علم وفي إيمانِ
هذا ولو حدثتُ نفسي أنه ... قبلي يموتُ لكان هذا الشانِ
وكذاك توحيد الفلاسفة الأُلى ... توحيدهم هو غاية الكفران
سِفر لطيفٌ فيه نقض أصولهم ... بحقيقة المعقول والبرهان
وكذاك تسْعينيةٌ فيها لهُ ... رَدٌّ عَلى مَن قال بالنفساني
تِسعُونَ وَجْهًا بَينتْ بُطْلانَهُ ... أعْنِي كَلاَمَ النفسِ ذا الوِجدانِ
وكذا قواعدُهُ الكبار وأنها ... أوفى من المائتين في الحسبان
لم يتسع نظمي لها فأسوقها ... فأشرت بعض إشارة لبيان
стр. 1137
وكذا رسائله إلى البلدان ... والأطراف والأصحاب والإخوانِ
هي في الورى مبثوثة معلومة ... تُبتاع بالغالي من الأثمان
وكذا فتاواه فأخبرني الذي ... أضحى عليها دائمَ الطوفان
بلغ الذي ألفاه منها عدَّة ... الأيام من شهر بلا نقصانِ
سفر يقابل كلَّ يوم والذي ... قد فاتني منها بلا حسبان
هذا وليس يقصر التفسير عن ... عشر كبار ليس ذا نقصان
وكذا المفاريد التي في كلِّ ... مسألة فسفر واضح التبيان
ما بين عَشر أو تزيدُ بضعفها ... هي كالنجوم لسالكٍ حيران
وله المقامات الشهيرة في الورى ... قد قامها لله غيرُ جبان
نصر الإله ودينه وكتابه ... ورسوله بالسيف والبرهان
أبدى فضائحهم وبيَّن جهلهم ... وأرى تناقضهم بكلِّ زمان ...
وأصارهم والله تحت نعال ... أهل الحق بعد ملابس التيجانِ
وأصارهم تحت الحضيض وطالما ... كانوا هم الأعلام للبلدانِ
ومن العجائب أنه بسلاحهم ... أرادهم تحت الحضيض الداني
كانت نواصينا بأيديهم فما ... منالهم إلاَّ أسير عان
فغدت نواصيهم بأيدينا فلا ... يلقوننا الإنجيلَ أمان
وغدت ملوكهم مماليكا لأنْـ ... ـصارِ الرسول بمنَّةِ الرحمنِ
وأتَتْ جُنودُهمِ التي صالوا بها ... منقادةً لِعَساكَر الإيمانِ
يَدْري بهذا مَن له خَبَرٌ بما ... قَدْ قالهُ في ربِّه الفِئَتانِ
والقَدم يوحشنا وليس هناكم ... فحضُوره ومَغِيبُهُ سُيَانِ
آخر:
ألا بلغن عنى لِحَيٍ رسَالَةً ... تَعِيها رجالٌ أو نِسَاءُ صَوالَح
لِعالمهم أو طالبِ العِلمِ رائمٍ ... لإظهارِ دِينِ اللهِ فيهِ يناصِح
أقولُ لهُ: قُمْ وادعُ لِلدينِ دَعْوَةً ... تُجبْهَا عَوامٌ أو خَواصٌ جحَاجِح
ولا تَخْشَ في إظهار دِين مُحمد ... بقولة قال تأتسيه كناتح
ولا تَخْشَ تكذيبا وإنكار جاحد ... وهزءَ جهول ضلَّ والحق صابح
وغِيبة همَّاز وضغْنَ مُشاحِن ... يُسَاعِده من لِلْعَوائد "رَاكح"
ولَيْسَ لمَا تَبْني يَدُ الله هَادمٌ ... ولَيسَ لأمْر الله أن جاءَ ضَارح
стр. 1138
وَبَيِّنْ لهُمْ أنَّ العَوَائِدَ بَهْرَجتْ ... وسُتننا لاحَتْ عَليها لوائِح
ولَهْوُ الشبابِ اليوم قَدْ بَارَ سُوْقُهُ ... وقامَتْ عَلى سُوْق الصلاح المِدائِح
وأهلُ الدنا اليومَ انْزَوَى ظلُّ جَاهه ... وسُنَتْنَا قدْ ظللتُها الدوائح
وُمنكِرْ هذا الدين قَدْ خَفَ وَزْنُهَ ... وَمُظْهِرُهُ مِيْزَانُهُ اليوم رَاجح
وناصِره قدْ صَارَ في الناس عَالِيا ... ومُنْكرُهُ لِلْخاصِ والعَام دَانِح
وإِنَّ إلهَ العَرْش قَدْ مَن مِنَّةً ... عَلَينا ومَنْ يشْكُرْ فذلك رَابح
ومن كفَر الأنعامَ واتبع الهَوى ... فِفيِ بَدئِهِ بَلْهُ القيامة طائحُ
وذاكَ بأَنْ قَدْ بين الدين في امرئٍ ... لنا نَسبا نَعْلُو به ونُطَامِح
فإنْ نحْنَ أويْنَاهُ نَنْصًر قَوْلَهُ ... نفُزْ ونَحُزْ نعماه والكلُّ فالح
وأنْ قد أضَعْنَاه أفادَ بِغَيْرنا ... مَصَائب قوم عند قوم مصالح
ولو نَفَعَتْ قرُبَى فَقَطْ فِيْهِ مَا رَدَى ... أبو طالب عمْ النبي وتارح
وما ضَرَّ شَمْسًا أنْ نَفىَ العين ضوءها ... وما ضَرٌ حَوْضا أنْ أبتْهُ القَوامح
أطايب أَرْضِ تُخْرج النَبتْ رَائعًا ... بإذْنِ الإِلهِ إنْ أفاضَتْ دَوَائِح
ولو هَمَعَتْ دِيْمًا لَمَا أنْبَتَتْ وَلوَ ... بَسَابِسَ نَبت في الأراضي المَوَالِح
فَلا يَمْنَعُ الإرشادَ عُدْمُ قَبولهم ... فمدخلهم موْلاهم أنت فاتح
فإنكَ إنْ بَلَغْتَهمُ ضَاعَ عُذْرَهُمْ ... فَسَاقِيْهُم الموَلى فإنكَ جَادِح
مُطِيعٌ لِمَا قَدْ قالهُ سَيّدُ الوَرَى ... به «بَلِّغُوْا عَنَي» أتتْهُ صَحائِح
وأمرٌ بُمَعْرُوْفٍ ونَهْيٌ لمِنكر ... على شرطِهِ للناس بالحَق قَارح
وفهَمْهُمْو مَا يَلْزَم المَرْءَ عَقْدَهُ ... مِن الدين مما سهلته القرَائح
وغُسْلاً وضوءًا أَوْ صَلاةً زَكَاتُهُم ... وصوْمًا وبيْعا ثُم كيْفَ يُنَاكِح
وَوَاجبُهَا مسْنُونُها مستحبها ... ومَنْهِيَّهَا فالكل في الكُتْب وَاضُح
وعلم نِسَاء سترهنَّ بأن ترى ... على غير وجهِ والأكفِّ القواسح
وعِلْمُهُم والإحسانَ كَيْفَ يُراقِبوْ ... نَ مَوْلاهمو ذو جدِّهِمْ والصَمَادح
وكِيفَ تُراعَى نِيَّةٌ في جَمِيْعِهَا ... لِيَرْعَاهُ ذُوْ فَهمْ يَطيْعك لائح
وكَيفَ التَّخَلِّي عن صِفَاتٍ ذَميْمَةِ ... وكيفَ التحلِّيْ بالحميدةِ ناصح
стр. 1139
بِنَفْسِكَ فابْدأ حَائِدًا عن هوى الهوى ... لَدَى سَوْمِهَا ترْعَى وَإنكَ كابح
أَضَرُّ عَدُوٍّ مَن بدَاركَ سَاكنٌ ... مُطِيْعٌ لشيْطَانٍ وللدين قَابِح
سَلاَمةُ عَيْبِ النفس عَزت لِمَا لَها ... يَكونُ خِلالُ المُنْكراتِ المسَارِح
فلا تَسْتَطِيعُ التَّرْكَ عَن شَهواتِهَا ... ولَمْ تَحْتَملْ ذُلا كَذاك السَّبَادِح
لِجَاؤُكَ بالمولىَ وتُقْلِيْلُ مَطْعَم ... دَوَاءً لأَدْواءِ النُفْوس مُطَحْطِح
وبالأصْغَرَيْن احْفَظْ، وبالأجْوَفَيْنِ والْـ ... ـجَوَاسيْسِ صُنْ دَوْمًا تُطِعْكَ الجَوَارِح
تُبَاعٌ لِقُرْآنِ النَبيِّ وصَحْبِه ... وتابعهِم تِرْيَاقُ مَنْ هُوَ صَالح
عليه صلاةُ الله ثم عليهمُ ... كذاك سلام بالرياحِيْن فائح
وقال بعضُهمْ في سؤال الرحمن تعالى:
لا تَطْلُبَنْ مِن غَيرِ ربكِ حَاجَةً ... إنْ كُنْتَ بالرحمن ذَا إٍيمانِ
ومَن الذي يَسْتَبْدِلُ الضَعَفاءَ ... والفُقَراءَ والبُخَلاءَ بالرحمنِ
أو يَشتَرِيِ الظُلماتِ بالأنوارِ أو ... يَرضَى يَعُودُ بأخْسَرِ الخُسرانِ
فَوِّضْ إِلى المعبودِ أمَركَ كلَّه ... وافزعْ إلى المولى بِغيرِ تَواني
واقرَعْ إذا نَامَ الأنامُ وغَلَّقُوا ... أبوابَهُمْ بابَ النوالِ الهانِي
بابَ الذي بَسَط اليدَينِ بِلَيلِهِ ... ونهارِهِ لِتَداركِ العِصيانِ
ويَداهُ مَبْسُوطانِ للإحسانِ ما ... قُبَضَتْ يَدٌ خَوفًا مِن النُقْصَانِ
بابَ الذي إنْ لَم تَسَلْهُ فَضْلَهُ ... يَغْضَبْ فَكَيفَ يَردُّ بالحِرمانِ
بابَ المجيبِ إذا دَعاه مُرْتَجٍ ... لاَجٍ إليهِ ما لَه مِن ثاني
الواعدُ العبدَ الإِجابةَ إنْ دَعا ... في آيَتَيْ بُشْرى مِن القرآن
بابَ الذي نَبَّا الرسولُ بقُربِهِ ... لِيُبَشِّرَ الجهُلاَ مِن العُبْدانِ
بَابٌ إذا لم تَأْتِهِ مُتَذَلِلاً ... لم تُحْظَ بالإِيمانِ والغُفرانِ
وخَسرتَ في كلِ الأمورِ فَلَمْ تَفُزْ ... بِمُنًى وَعُدْتَ بِخَيْبَةٍ وهَوِانِ
بابَ الذي يُغْنِيْكَ عن زَيْدٍ وعن ... عَمروٍ وعن ثانٍ وعن أعْوانِ
بابَ الذي إنْ يُعْطِ كُلاًّ سُؤْلَهُ ... لم يُلْفَ مُنْتَقصًا مَدَى الأزمانِ
بابَ الذي لَوْ يَتَّقيه الخلقُ ما ... زَادوُه في مُلْكٍ ولا سُلطانِ
стр. 1140
فصل في بيان الاستغناء بالوحي المنزل
من السماء عن تقليد الرجال والآراء»
يا طالب الحق المبين ومؤثرا ... علم اليقين وصحة الإِيمان
اسمع مقالة ناصح خَبرَ الذي ... عند الورى مُذْ شَبَّ حتى الآن
ما زال مذ عقدت يداه أزاره ... قد شد ميزره إلى الرحمن
وتخلُّل الفترات لِلْعَزَامَاتِ ... أمر لازم لطبيعة الإِنسان
وتولد النقصان من فتراته ... أو ليس سائرنا بني النقصان
طاف المذاهب يبتغي نورًا ... ليهديه وينجيه من النيران
وكأنه قد طاف يبغي ظلمة ... الليل البهيم ومذهب الحيران
والليل لا يزداد إلى قوّة ... والصبح مقهور بذي السلطان
حتى بَدَتْ في سيره نار على ... طور المدينة مطلع الإيمان
فأتى ليقبسها فلم يمكنه مع ... تلك القيود منالها بأمان
لولا تداركه الإِله بلطفه ... ولى على العقبين ذا نكصان
لكن توقف خاضعًا متذللا ... مستشعر الإفلاس من أثمان ...
فأتاه جند حل عنه قيوده ... فامتدَّ حينئذ له الباعان
والله لولا أن تحل قيوده ... وتزول عنه ربقة الشيطان
كان الرقيُّ إلى الثريا مصعدًا ... من دون تلك النار في الإِمكان
فرأى بِتِلْكَ النار آطام المدينة ... كالخيام تشوفها العينان
ورأى على طرقاتها الأعلام قد ... نصبت لأجل السالك الحيران
ورأى هنالك كلَّ هاد مهتد ... يدعو إلى الإِيمان والإِيقان
فهناك هنَّأ نفسه متذكرًا ... ما قاله المشتاق منذ زمان
والمستهام على المحبة لم يزل ... حَاشَا لذكرا كم من النسيان
стр. 1141
لو قيل ما تهوى لقال مبادرًا ... أهوى زيارتكم على الأجفان
تالله إن سمح الزمان بقربكم ... وحللت منكم بالمحل الداني
لأعفِّرن الخدَّ شكرًا في الثرى ... ولأكحِّلنَّ بتربكم أجفاني
إن رمت تبصر ما ذكرتُ فغضَّ طر ... فًا عن سوى الآثار والقرآن
واترك رسوم الخلق لا تعبأ بها ... في السعد ما يغنيك عن دبران
حدق لقلبك في النصوص كمثل ما ... قد حدَّقوا في الرأي طول زمان
واكحل جفون القلب بالوحيين ... واحذر كحلهم يا كثرة العميان
فالله بيَّن فيهما طُرق الهدى ... لعباده في أحسن التبيان
لم يخرج الله الخلائق معهما ... لخيال فلتان ورأي فلان
فالوحي كاف للذي يعني به ... شاف لداء جهالة الإِنسان
وتفاوت العلماء في أفهامهم ... للوحي فوق تفاوت الأبدان
والجهل داء قاتل وشفاؤه ... أمران في التركيب متفقان
نصُّ من القرآن أو من سنة ... وطبيب ذاك العالم الرباني
والعلم أقسام ثلاث ما لها ... من رابع والحق ذو تبيان
علم بأوصاف الإِله وفعله ... وكذلك الأسماء للرحمن
والأمر والنهي الذي هو دينه ... وجزاؤه يوم المعاد الثاني
والكل في القرآن والسنن التي ... جاءت عن المبعوث بالفرقان
والله ما قال امرؤ متحذلق ... بسواهما إلا من الهذيان
إن قلتم تقريره فمقرَّر ... بأتمِّ تقرير من الرحمن ...
أو قلتم إيضاحه فمبين ... بأتم إيْضاح وخَيرِ بَيَانِ
أوْ قُلتُم إيجازه فهو الذي ... في غايةِ الإيجازِ والتبيانِ
أوْ قُلتُم مَعناهُ هَذا فاقصُدُوا ... مَعْنَى الخِطابِ بعينه وعيان
أوْ قُلتُم نَحْنُ التراجم فاقصدوا ... المعنى بلا شَططٍ ولا نقصان
стр. 1142
أوْ قُلتُم بِخِلافِهِ فكلامكم ... في غَاية الإنكار والبطلان
أوْ قُلتم قسنا عَليه نظيره ... فقياسكم نوعان مختلفان
نوع يخالف نصَّه فهو المحا ... ل وذاك عند الله ذو بطلانِ
وكلامنا فيه وليس كلامنا ... في غيره أعني القياس الثاني
ما لا يخالف نصه فالناس قد ... عملوا به في سائر الأزمان
لكنه عند الضرورة لا يصا ... ر إليه بعد ذا الفقدان
هذا جواب الشافعي لأحمد ... لله درك من إمام زمان
والله ما اضطر العباد إليه ... فيما بينهم من حادث بزمان
فإذا رأيت النص عنه ساكتا ... فسكوته عفو من الرحمن
وهو المباح إباحة العفو الذي ... ما فيه من حرج ولا نكران
فأضف إلى هذا عموم اللفظ ... والمعنى وحسن الفهم في القرآن
فهناك تصبح في غنى وكفاية ... عن كل ذي رأي وذي حسبان
ومقدرات الذهن لم يُضمن لنا ... تبيانها بالنصِّ والقرآن
وهي التي فيها اعتراك الرأي من ... تحت العجاج وجولة الأذهان
لكن هنا أَمْرانِ لو تمَّا لَما ... احتجنا إليه فحبذا الأمران
جمع النصوص وفهم معناها المرا ... د بلفظِها والفهم مَرتَبتَان
إحداهما مدلول ذاك اللفظ ... وضعًا أو لزومًا ثم هذا الثاني
فيه تفاوتت الفهوم تفاوتا ... لم ينضبط أبدًا له طرفان
فالشيء يلزمه لوازم جمة ... عند الخبير به وذي العرفان
فبقدر ذاك الخبر يحصى من لوا ... زمه وهذا واضح التبيان
ولذاك من عرف الكتاب حقيقة ... عرف الوجود جميعه ببيان
وكذاك يعرف جملة الشرع الذي ... يحتاجه الإنسان كلَّ زمان
علمًا بتفصيل وعلمًا مجملا ... تفصيله أيضًا بوحيٍ ثانِ ...
стр. 1143
وكلاهما وحيان قد ضمنا لنا ... أعلى العلوم بغاية التبيان
ولذاك يعرف من صفات الله ... والأفعال والأسماء ذي الإحسان
ما ليس يعرف من كتاب غيره ... أبدًا ولا ما قالت الثقلان
وكذاك يعرف من صفات البعث ... بالتفصيل والإجمال في القرآن
ما يجعل اليوم العظيم مشاهدًا ... بالقلب كالمَشْهُوْدِ رأي عيان
وكذاك يعرف من حقيقة نفسه ... وصفاتها بحقيقة العرفان
يعرف لوازمها ويعرف كونها ... مخلوقة مربوبة ببيان
وكذاك يعرف ما الذي فيها من ... الحاجات والأعدان والنقصان
وكذاك عرف ربه وصفاته ... أيضًا بلا مثل ولا نقصان
وهنا ثلاثة أوجه فافطن لها ... إن كنت ذا علم وذا عرفان
بالضد والأولى كذا بالامتناع ... لعلمنا بالنفس والرحمن
فالضد معرفة الإِله بضد ما ... في النفس من عيب ومن نقصان
وحقيقة الأولى ثبوت كماله ... إذ كان معطيه على الإحسان
«فصل في بيان شروط كفاية
النصين والاستغناء بالوحيين»
وكفاية النصين مشروط بتجـ ... ـريد التلقي عنهما لمعان
وكذاك مشروط بخلع قيودهم ... فقيودهم غلٌّ إلى الأذقان
وكذاك مشروط بهدم قواعد ... ما أنزلت ببيانها الوحيان
وكذاك مشروط بإقدام على ... الآراء أن عريت عن البرهان
بالردِّ والإبطال لا تعبا بها ... شيئا إذا ما فاتها النصَّان
لولا القواعد والقيود وهذه ... الآراء لاتسعت عرى الإِيمان
стр. 1144
لكنها والله ضيقةٍ العرى ... فاحتاجت الأيدي لذاك توان
وتعطلت من أجلها والله ... أعداد من النصين ذات بيان
وتضمنت تقييد مطلقها وإطلاق ... المقيد وهو ذو ميزان
وتضمنت تخصيص ما عمته ... والتعميم للمخصوص بالأعيان
وتضمنت تفريق ما جمعت ... وجمعا للذي وسمته بالفرقان
وتضمنت تضييق ما قد وسعتـ ... ـه وعكسه فلتنظر الأمران ...
وتضمنت تحليل ما قد حرَّمتـ ... ـه وعكسه فلتنظر النوعان
سكتت وكان سكوتها عفوا فلم ... تعف القواعد باتساع بطان
وتضمنت إهدار ما اعتبرت كذا ... بالعكس والأمران محذوران
وتضمنت أيضًا شروطًا لم تكن ... مشروطة شرعًا بلا برهان
وتضمنت أيضَا موانع لم تكن ... ممنوعة شرعًا بلا تبيان
إلا بأقيسةٍ وآراء وتقليد ... بلا علم أو استحسان
عمن أتت هذي القواعد من ... جميع الصحب والأتباع بالإحسان
ما أسسوا إلا اتباع نبيهم ... لا عقل فلتان ورأي فلان
بل أنكروا الآراء نصحًا منهم ... لله والداعي وللقرآن
أو ليس في خلف بها وتناقض ... ما دلَّ ذا لبٍّ وذا عرفان
والله لو كانت من الرحمن ما ... اختلفت ولا انتقضت مدى الأزمان
شبه تهافت كالزجاج تخالها ... حقًا وقد سقطت على صفوان
والله لا يرضى بها ذو همة ... علياء طالبة لهذا الشان
فمنالها والله في قلب الفتى ... وثباتها في منبت الإيمان
كالزرع ينبت حولها دغل ... فيمنعه النما فتراه ذا نقصان
وكذلك الإِيمان في قلب الفتى ... غرس من الرحمن في الإنسان
والنفس تنبت حوله الشهوات ... والشبهات وهي كثيرة الأفنان
стр. 1145
فَيَعُوْدُ ذَاكَ الغَرسُ يَبْسًا ذاوِيًا ... أوْ ناقِصَ الثَّمَراتِ كُلَّ أوَانِ
فتراه يحرث دائبًا ومغلّه ... نزر وَذَا من أعظم الخسران
والله لو نكش النبات وكان ذا ... بَصَرٍ لِذَاكَ الشوكِ والسَّعْدَانِ
لأَتى كأمثالِ الجِبالِ مَغَلُّهُ ... ولَكَانَ أضْعَافًا بلا حسبان
وقال رحمه الله تعالى:
يا من يريد ولاية الرحمن دو ... ن ولاية الشيطان والأوثان
فارِقْ جميعَ النَّاس في إشراكهم ... حتى تنال ولاية الرحمنِ
يكفيكَ مَن وسع الخلائق رحمة ... وكفاية ذو الفضل والإحسانِ
يكفيكَ مَن لم تخل من إحسانه ... في طرفة كَتَقَلُّبِ الأجفانِ
يكفيكَ رَبٌ لم تزل ألطافه ... تأتي إليك برحمة وحنانِ ...
يكفيكَ رَبٌ لم تزل في سِتْرِهِ ... ويَراكَ حينَ تَجيءُ بالعَصيانِ
يكفيكَ رَبٌ لم تزل في حِفْظِهِ ... وَوقَايةٍ منه مَدَى الأزمانِ
يكفيكَ رَبٌ لم تزل في فَضْلِهِ ... متَقَلبًا في السِّرِ والإِعلانِ
يَدعُوه أهلُ الأرضِ مَعْ أهل السما ... ء فكُلُ يومٍ رَبُنَا في شانِ
وهو الكفيلُ بكلِّ ما يَدْعُونَهُ ... لا يَعْتَرِي جَدْوَاهُ مِن نُقْصَانِ
فتوسطُ الشُفَعاءِ والشُركَاءِ ... والظهراءِ أمْرٌ بَيِّنُ البُطْلانِ
وَقَالَ ابْنُ القيّمِ ﵀ في صِفَةِ عُرَائِس أَهْلِ الجَنَّةِ وَحًسنِهنَّ وَجَمَالِهنّ وَوِصَالِهنَّ.
وَإْذَا بَدتَ فِي حُلَّةٍ مِن لُبْسِهَا ... وَتَمَايَلَتْ كَتَمَايُلِ النَّشْوَانِ
стр. 1146
تَهْتَزُّ كَالغْصَنِ الرَّطِيْبِ وَحَمْلُه ... وَرْدٌ وَتفَاحٌ عَلَى رُمَّانِ
وَتَبَخْتَرَتْ فِي مَشْيِهَا وَيَحقُ ذَا ... كَ لِمْثْلِهَا فِي جَنَّةِ الْحَيَوانِ
وَوَصَائِفٌ مِن خَلْفِهَا وَأَمَامِهَا ... وَعَلَى شَمَائِلهَا وَعَن أَيْمَانِ
كَالبَدْرِ لَيْلَةَ تِمِّهِ قَدْ حُفَّ فِي ... غَسَقِ الدُّجَى بِكَواكِبِ الْمِيزَانِ
فَلِسَانُهُ وَفُؤادُهُ والطَّرفُ فِي ... دَهَشٍ وَإِعْجَابٍ وَفِي سُبْحَانِ
فَالقَلبُ قَبْلَ زِفَافِهَا فِي عُرْسِهِ ... وَالعُرَسُ إثْرَ العُرْس مُتَّصِلانِ
حَتَّى إِذَا مَا وَاجَهَتْهُ تَقَابَلا ... أَرَأَيْتَ إِذْ يَتَقَابَلُ القَمَرَانِ
فَسلِ المُتَيَّم هَلْ يَحِلُ الصبرُ عَن ... ضَمٍ وَتَقْبِيلٍ وَعَن فُلْتَانِ
وَسَلِ المُتَيَّم أَينَ خَلَّفَ صَبْرَهُ ... فِي أَي وَادٍ أَمْ بِأيّ مَكَانِ
وَسَلِ المُتَيَّم كَيفَ حَالَتُه وَقَدْ ... مُلِئَتْ لَهُ الأُذْنَانِ وَالعَينَانِ
стр. 1147
مِن مَنِطقٍ رَقَّتْ حَوَاشِيهِ وَوَجْـ ... ـهٍ كَمْ بِهِ لِلشَّمْسِ مِن جَرَيَانِ
وَسَلِ المُتَيَّمَ كَيفَ عِيشَتَه إذًا ... وَهُمَا عَلَى فُرَشَيهِمَا خَلَوَانِ
يَتَسَاقَطَانِ لَئِآلئًا مَنْثُورَةً ... مِن بَينَ مَنْظُومٍ كَنَظْمِ جُمَانِ
وَسَلِ المُتَيَّم كَيفَ مَجْلِسُه مَعَ الْـ ... ـمَحْبُوب فِي رَوحٍ وَفِي رَيحَانِ
وَتَدورُ كَاسَات الرَّحِيقِ عَلَيهِمَا ... بأكُفٍ أَقْمارٍ مِن الولْدَانِ
يَتَنَازَعَانِ الكَأسَ هَذا مَرَّةَ ... وَالْخُودُ أُخْرَى ثُمَّ يَتَكِئَانِ
فَيَضُمُّهَا وَتَضُمُّهُ أَرَأَيتَ مَعْـ ... ـشُوقَينِ بَعدَ البُعْدِ يَلْتَقِيَانِ
غَابَ الرَّقِيبُ وَغَابَ كُلُّ مَنْكَدٍ ... وَهُمَا بِثَوبِ الوَصْلِ مُشْتَمِلانِ
أَتْرَاهُمَا ضَجرَينِ مِن ذَا العَيشِ لاَ ... وَحَياةِ رِبِّكَ مَا هُمَا ضَجرَان ...
وَيزَيدُ كُلُّ مِنْهُمَا حُبًا لِصَا ... حِبْهِ جَدِيدًا سَائر الأَزْمَانِ
стр. 1148
وَوَصَالُهُ يَكْسُوه حُبًّا بَعْدَهُ ... مُتَسَلْسِلاً لاَ يَنْتَهِي بِزَمَانِ
فَالوَصْلُ مَحْفُوفٌ بحُبٍ سَابِقٍ ... وَبِلاَحِقٍ وَكِلاَهُمَا صِنْوَانِ
فَرْقٌ لَطِيفٌ بَينَ ذَاك وَبَينَ ذَا ... يَدْرِيهِ ذُو شُغْلٍ بِهَذَا الشَّانِ
وَمَزِيدُهُم في كُلِّ وَقْتٍ حَاصِلٌ ... سُبْحانَ ذِي المَلكُوتِ والسُلْطَانِ
يا غَافلاً عَمَّا خُلِقْتَ لَهُ انْتَبِهْ ... جَدَّ الرَّحِيلُ وَلَستَ باليَقْظَانِ
سَارَ الرِفَاقُ وَخَلفُوكَ مَعَ الأُولى ... قَنعُوا بِذَا الحَظِ الخَسِيسِ الفَانِ
ورأَيتَ أَكْثَرَ مَنْ تَرَى مُتَخَلِّفًا ... فَتَبَعْتهُم فَرَضِيتَ بالحِرْمَانِ
لَكنْ أَتَيتَ بخُطَّتَي عَجْزٍ وَجَهْلٍ ... بَعْدَ ذا وَصحِبْتَ كُلَّ أمَانِ
مَنّتْكَ نَفْسُكَ باللحُوقِ مَعَ القُعُو ... دِ عَن المَسِيرِ وَرَاحَةِ الأبْدَانِ
وَلَسَوفَ تَعْلَمُ حِينَ يَنْكَشِفُ الغِطَا ... ماذا صَنَعْتَ وَكُنْتَ ذَا إِمْكَانِ
стр. 1149
قالَ ابْنُ القيّمِ ﵀:
وَلَقَدْ رَوَينَا أَنَّ شُغْلَهُم الذِي ... قَدْ جَاءَ في يس دُونَ بَيَانِ
شُغْلُ العرُوسِ بعِرسِهِ مِن بَعدِمَا ... عَبِثَتْ به الأشْوَاقُ طُولَ زَمَانِ
باللهِ لا تَسْأَلْهُ عَنْ أَشْغَالِهِ ... تِلكَ اللَّيالِي شَأنُه ذُو شَانِ
واضْرِبْ لَهُم مَثَلاً بصَبٍ غَابَ عن ... مَحْبُوبِهِ في شَاسِعِ البُلْدَانِ
والشَّوقُ يُزْعِجُهُ إِليهِ وَمَا لَهُ ... بلِقَائِهِ سَبَبٌ مِن الإِمْكَانِ
وَافَى إِليهِ بَعد طُولِ مَغِيبِهِ ... عنه وَصَارَ الوَصْلُ ذَا إِمْكَانِ
أَتَلُومُه أَنْ صَارَ ذا شُغْل بِهِ ... لا والذي أَعْطَى بلا حُسْبَانِ
يا ربُّ غَفْرًا قد طَغَتْ أَقْلاَمُنَا ... يا ربُّ مَعْذِرَةً مِن الطُغْيَانِ
واللهُ أَعْلَمُ وَصلى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعَينَ.
стр. 1150
وقَالَ ابْنُ القَيّم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى إلى آخِرِهِ:
أَوَ مَا سَمِعْتَ مُنَادِيَ الإِيمَانِ ... يُخْبرُ عن مُنَادِي جَنّةِ الحَيَوانِ
يا أهْلَها لَكُمُ لدَى الرحمن وَعْـ ... ـدُ هْوَ مُنْجِزُهُ لكُمْ بضَمَانِ
قالُوا أَمَا بَيَّضْتَ أَوجُهَنَا كَذَا ... أَعْمَالَنَا ثَقَّلْتَ في المِيزَانِ
وَكَذَاكَ قَدْ أَدْخَلْتَنَا الجَناتِ حِيـ ... ـن أَجَرْتَنَا مِنْ مَدْخَلِ النِيرانِ
فيقولُ عِنْدِي مَوعِدٌ قَدْ آنَ أنْ ... أُعْطِيكُمُوهُ بِرَحْمَتِي وَحَنَانِي
فَيَرونَهُ مِن بَعْدِ كَشْفِ حِجَابِهِ ... جَهْرًا رَوَى ذَا مُسْلِم بِبَيَانِ
وَلَقَدْ أَتَانَا في الصَّحِيحَينِ اللَّذيـ ... ـن هُمَا أَصَحُّ الكُتْبِ بَعدَ قُرآنِ
بِروَايَةِ الثِّقَةِ الصَّدُوقِ جَريرٍ الْـ ... ـبجَلِيِّ عَمَّن جَاء بالقُرْآنِ
ذ
أَنَّ العِبَادَ يَرونَهُ سُبْحَانَهُ ... رُؤْيا العِيَانَ كَمَا يُرَى القَمَرَانِ
فإنْ اسْتَطَعْتُمْ كُلَّ وَقْتٍ فاحْفَظُوا الْـ ... ـبَرْدَينِ ما عِشْتُم مَدَى الأزمانِ
стр. 1151
شَوقًا إليهِ وَلَذَةِ النَّظَرِ الذِي ... بجَلاَلِ وَجْهِ الربِ ذِي السُلْطَانِ
فالشَّوقُ لَذَةٌ رُوُحه في هَذِهِ الدُّ ... نْيَا وَيَومَ قِيَامَةِ الأبْدَانِ
تلْتَذُ بالنَّظَرِ الذي فَازَتْ بِهِ ... دُونَ الجَوارِح هَذِهِ العَينَانِ
واللهِ مَا في هَذِهِ الدُنْيَا أَلَذُّ ... مِن اشْتِيَاقِ العَبْدِ لِلرَّحْمَنِ
وكَذَاكَ رُؤْيَةُ وَجْهِهِ سُبْحَانَهُ ... هِيَ أَكْمَلُ اللَّذَاتِ لِلإِنْسَانِ
«فصل في كلام الرب ﷻ مع أهل الجنة»
أو ما علمت بأنه سبحانه ... حقًّا يكلم حِزبهِ بِجنان
فَيَقُولُ ﷻ هَلْ أنْتُمُو ... رَاضُونَ قالُوا نَحْنُ ذُو رِضْوَانِ
أم كَيفَ لا نرضى وقد أعطيتنا ... ما لم ينله قطُّ من إنسان
هل ثم شيء غير ذا فيكون ... أفضل منه نسأله من المنان
فيقول أفضل منه رضواني فلا ... يغشاكم سخط من الرحمن
ويذكر الرحمن واحدهم بما ... قد كان منه سالف الأزمان
منه إليه ليس ثم وساطة ... ما ذاك توبيخا من الرحمن
لكن يعرفه الذي قد ناله ... من فضله والعفو والإحسان
ويسلم الرحمن ﷻ ... حقًا عليهم وهو في القرآن ...
стр. 1152
وكذاك يسمعهم لذيذ خطابه ... سبحانه بتلاوة الفرقان
فكأنهم لم يسمعوا من قبل ذا ... هذا رواه الحافظ الطبراني
هذا سماع مطلق وسماعنا ... القرآن في الدنيا فنوع ثانِ
والله يسمع قوله بوساطة ... وبدونها نوعان معروفان
فسماع موسى لم يكن بوساطة ... وسماعنا بتوسط الإِنسان
من صيّر النوعين نوعًا واحدًا ... فمخالف للعقل والقرآن
ولقد رَوَى بَضْعٌ وَعشْرُونَ امْرُوءٌ ... مِن صَحْبِ أَحْمَدَ خِيرِة الرّحْمَنِ
أَخْبَارَ هَذَا البابِ عَمَّنْ قَد أَتَى ... بالوَحْيِ تَفْصِيلاً بلا كِتْمَانِ
وأَلَذُّ شَيءٍ لِلْقُلُوبِ فَهَذِهِ الْـ ... أَخبارُ مَعْ أَمْثَالِهَا هِيَ بَهْجَةً الإيمَانِ
واللهِ لَولا رُؤْيَةُ الرَّحْمَنِ في الْـ ... جَنَّاتٍ ما طَابَت لِذِي العِرْفَانِ
أَعْلَى النَّعِيمِ نَعِيمُ رُؤْيَةِ وَجْهِهِ ... وَخِطَابُه في جَنَّةِ الحَيَوانِ
وأَشدُ شَيءٍ في العَذَابِ حِجَابُهُ ... سُبْحانَه عن سَاكِنِي النِيرَانِ
وإِذَا رَآهُ المُؤْمِنُونَ نَسُوا الَّذِي ... هُمْ فِيه مِمَّا نَالَتِ العَينَانِ
стр. 1153
فإذا تَوَارَى عَنْهُم عَادُوا إِلَى ... لَذَّاتِهم مِن سَائِرِ الأَلْوَانِ
فَلَهُم نَعِيمٌ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ سِوَى ... هَذَا النَّعِيمِ فَحَبَذَا الأَمْرَانِ
أَو مَا سَمِعْتَ سُؤَالَ أَعْرفِ خَلْقِه ... بجَلاَلِهِ الُمَبْعُوثِ بالقُرْآنِ
«فصل في رؤية أهل الجنة ربهم ﵎
ونظرهم إلى وجهه الكريم»
ويرونه سبحانه من فوقهم ... نظر العيان كما يُرى القمران
هذا تواتر عن رسول الله لم ... ينكره إلاَّ فاسد الإِيمان
وأتى به القرآن تصريحا ... وتعريضا هما بسياقه نوعان
وهي الزيادة قد أتت في يونس ... تفسير من قد جاء بالقرآن
ورواه عنه مسلم بصحيحه ... يروي صهيب ذا بلا كتمان
وهو المزيد كذاك فسره أبو ... بكر هو الصديق ذو الإيقان
وعليه أصحاب الرسول وتابعو ... هم بعدهم تبعية الإحسان
ولقد أتى ذكر اللقاء لربنا الر ... حمن في سور من الفرقان
ولقاؤه إذ ذاك رؤيته حكى الإ ... جماع فيه جماعة ببيان
وعليه أصحاب الحديث جميعهم ... لغة وعرفًا ليس يختلفان
هذا ويكفي أنه سبحانه ... وصف الوجوه بنظرة بجنان
وأعاد أيضًا وصفها نظرًا وذا ... لا شكَّ يفهم رؤية بِعِيَان
وأتت أدَاةُ إليَّ لرفع الوهم مِن ... فكرٍ كذاك ترقب الإِنسان
стр. 1154
وإضافة لمحل رؤيتهم بذكر ... الوجه إذ قامَتْ به العينان
تالله ما هذا بفكرٍ وانتظا ... ر مغيب أو رؤيةٍ لجنان
ما في الجنان من انتظار مؤلم ... واللفظ يأباه لذي العرفان
لا تفسدوا لفظ الكتاب فليس ... فيه حيلة يا فرقة الروغان
ما فَوقَ ذا التصريح شيء ما الذي ... يأتي به من بعد ذا التبيان
لو قال أبين ما يقال لقلتم ... هو مجمل ما فيه من تبيان
ولقد أتى في سورة التطفيف أن ... القوم قد حجبوا عن الرحمن
فيدل بالمفهوم أن المؤمنين ... يرونه في جنة الحيوان
وبذا استدل الشافعي وأحمد ... وسواهما من عالمي الأزمان
وأتى بذا المفهوم تصريحًا بآ ... خرها فلا تخدع عن القرآن
وأتى بذاك مكذبًا للكافرين ... الساخرين بشيعة الرحمن
ضحكوا من الكفار يومئذ كما ... ضحكوا هم منهم على الإِيمان
وأثابهم نظرا إليه ضد ما ... قد قاله فيهم أولو الكفران
فلذاك فسرها الأئمة أنه ... نظر إلى الرب العظيم الشان
لله ذاك الفهم يؤتيه الذي ... هو أهله من جاد بالإحسان
وروى ابن ماجة مسندا عن جابر ... خبرًا وشاهده ففي القرآن
بينا هم في عيشهم وسرورهم ... ونعيمهم في لذة وتهان
وإذا بنور ساطع قد أشرقت ... منه الجنان قصيها والداني
رفعوا إليه رءوسهم فرأوه نور ... الرب لا يخفى على إنسان
стр. 1155
وإذا بربهم تعالى فوقهم ... قد جاء للتسليم بالإحسان
قال السلام عليكم فيرونه ... جهرًا تعالى الرب ذو السلطان
مصداق ذا يس قد ضمنته ... عند القول من رب بهم رحمن
من رد ذا فعلى رسول الله رد ... وسوف عند الله يلتقيان
في ذا الحديث علوُّه ومجيئه ... وكلامه حتى يرى بعيان
هذِي أصول الدين في مضمومه ... لا قول جهم صاحب البهتان
وكذا حديث أبي هريرة ذلك ... الخبر الطويل أتى به الشيخان
فيه تجلى الرب ﷻ ... ومجيئه وكلامه ببيان
وكذاك رؤيته وتكليم لمن ... يختاره من أمة الإنسان
فيه أصول الدين أجمعها فلا ... تخدعك عنه شيعة الشيطان
«فصل في تعيين أَنَّ اتباعَ السنةِ والقُرآنِ طريقةُ النجاةِ من النيرانِ»
يا مَن يُريدُ نَجَاتَهُ يومَ الحِسا ... ب مِن الجحيمِ ومِوقدِ النِيرانِ
اتبعْ رسَولَ اللهِ في الأقوالِ والأ ... عْمَالِ لا تخرجْ عن القُرآنِ
وخُذِ الصَّحَيحَينِ اللذين هُمَا ... لِعَقْدِ الدَّينِ والإِيمانِ واسِطتانِ
واقرأهُمَا بعدَ التجردِ مِن هوى ... وتَعَصُّبٍ وحمية الشيطان
واجعلهما حَكمًا ولا تَحكُم عَلى ... ما فيهما أصْلا بقَولِ فُلانِ
واجعلْ مَقَالتَه كبَعْضِ مَقَالةِ الأ ... شياخ تَنْصُرهَا بِكلِ أَوَانِ
وانْصُرْ مَقَالتَه كَنَصِركَ للذِي ... قَلَّدتَه مِن غَيرِ مَا بُرهَانِ
قَدِّرْ رسولَ اللهِ عَنْدَكَ وحْدهُ ... والقَولَ منه إليكَ ذُو تبْيانِ
ماذا تَرَى فَرْضًا عليكَ مُعَيَّنًا ... إنْ كُنْتَ ذا عَقلٍ وذَا إيمانِ
عَرْضَ الذي قالُوا على أقوالِهِ ... أو عَكْسُ ذاكّ فذانَكَ الأمْرانِ
هِي مَفْرَقُ الطُرقاتِ بينَ طَرِيقنَا ... وطريق أهْلِ الزيغِ والعُدوانِ
стр. 1156
قَدِّر مَقَالاتِ العبادِ جَميعِهم ... عَدَمًا ورَاجِعَ مَطْلَعَ الإِيمانِ
واجعَلْ جُلُوسَكَ بَينَ صَحْبِ مُحمدٍ ... وتَلَقَّ مَعْهُم عنه بالإحسانِ
وتَلَقَّ عَنهُم ما تَلَقَوهُ هُمُ ... عنه مِن الإِيمانِ والعِرفانِ
أَفَلَيسَ في هَذا بَلاَغُ مُسَافِرٍ ... يَبْغِي الإِلهَ وَجنَّةَ الحَيَوَانِ
لَولاَ التَّنَافُسُ بَينَ هَذا الخلق ما ... كَانَ التفرقُ قَطُ في الحُسَبَانِ
فالربُ رَبٌ واحدٌ وكتابُهُ ... حَقٌ وفَهْمُ الحقِ مِنْهُ دَانِ
ورَسُولهُ قدْ أوضَحَ الحَقَّ المبيـ ... ـنَ بِغايَةِ الإيضاحِ والتِّبيَانِ
ما ثَمَّ أوضحُ مِن عِبارَتهِ فَلاَ ... يَحَتَاجُ سَامِعُهَا إلى تَبْيَانِ
والنُصحُ منهُ فَوق كُلِّ نَصَيّحَةٍ ... والعِلْمُ مأخُوذُ عَن الرحمنِ
فلأيّ شِيءٍ يَعْدلُ الباغِي الهُدَى ... عن قَولِهِ لَولاَ عَمَى الخُذْلانِ
فالنقلُ عنه مصَدَّقٌ والقولُ مِن ... ذِي عِصْمَةٍ ما عِنْدَنَا قَولانِ
والعكسُ عندَ سِواهُ في الأَمَرَينِ يا ... مَن يَهتَدِي هَلْ يَستوِي النَّقْلان
تالله قد لاحَ الصباحُ لِمَنْ لهُ ... عَينَانِ نَحُو الفجرِ ناظرتانِ
وأَخُوُ العَمَايَةِ في عَمَايَتِهِ يَقُو ... لُ الليلُ بَعدُ أيَسْتَوِي الرَجُلانِ
تاللهِ قد رُفَعِتْ لَكَ الاعِلامُ إنْ ... كُنْتَ المُشَمِّرَ نِلْتَ دَارَ أمانِ
وإذا جَبُنْتَ وكُنْتَ كَسْلاَنًا فَمَا ... حُرِمَ الوصُوُلَ إليه غَيرُ جَبَانِ
فاقدِمْ وعِدْ بالوَصْلِ نَفْسَكَ واهج الْـ ... ـمقْطُوعَ مِنهُ قاطعَ الإِنْسانِ
عن نيلِ مَقْصَدِهِ فذاكَ عَدُوُهُ ... ولَو أنَّهُ منه القَرِيب الداني
«فصل في صِفة الجنة التي أعدها الله ذو الفضل
والمنة لأوليائه المتمسِّكين بالكتاب والسنة»
فاسْمَعْ إذن أوصَافَها وصِفَاتِ هَا ... تِيكَ المنازِلِ رَبَّةِ الإحسانِ
هِي جنةُ طابَتْ وطابَ نَعِيمُهَا ... فنعيمُهَا بَاقٍ ولَيسَ بِفَانِ
دارُ السلامِ وجَنَّةُ المأوىَ ومَنْزِلُ ... عَسْكَرِ الإِيمانِ والقُرآنِ
стр. 1157
فالدارُ دارُ سَلامةٍ وخِطابُهم ... فيها سَلاَمٌ واسمُ ذَي الغُفْرانِ
«فصل في عدد درجات الجنة وما بين كل درجتين»
دَرَجَاتَها مائةُ وما بَين اثْنَتَينِ ... فذاكَ في التحقيقِ لِلْحُسَبانِ
مِثلُ الذي بَينَ السماءِ وبَينَ هَـ ... ـذِي الأرض قُولُ الصَادِقِ البُرهانِ
لَكِنَّ عَالِيها هُوَ الفِرَدَوسُ مُسْـ ... ـقُوِفٌ بِعرش الخالِق الرحمنِ
وَسَطُ الجِنانِ وعُلْوها فلِذَاكَ كَا ... نَتْ قُبَّةً مِن أحْسنِ البُنْيانِ
مِنْهُ تَفَجَّرُ سائِرُ الأَنهارِ ... فالمَنْبُوعُ مِنه نازلٌ بِجِنانِ
«فصل في أبواب الجنة»
أَبوابُها حقٌ ثَمَانِيَةٌ أتَتْ ... في النص وهْيَ لِصَاحِبِ الإحسانِ
بابُ الجهاد وذَاكَ أعْلاَهَا وَبَا ... بُ الصَّومِ يُدْعَى البَابُ بِالرَّيانِ
ولِكُلِّ سَعْيٍ صَالحٍ بابٌ ورَبُّ ... السَّعي مِنهُ دَاخِلٌ بأَمَانِ
ولَسَوفَ يُدْعى المرءُ مِن أبوابها ... جَمْعًا إذ أَوفَى حُلَى الإِيمانِ
مِنهم أبُو بكرٍ هُوَ الصَّدِيقُ ذَا ... كَ خَليفَةُ المبعوثِ بالقُرآنِ ...
«فصل في مِقْدار ما بينَ البابِ والبابِ مِنها»
سَبْعُونَ عَامًا بَينَ كُلِّ اثنين ... منها قُدَّرَتْ بالعَدِ والحُسْبانِ
هَذا حَدِيثُ لَقِيطٍ المعروف ... بالخَبَر الطَويل وذا عظيم الشان
وعليه كُلُ جَلالةٍ ومَهَابةٍ ... ولكُم حَواهُ بَعْدُ مِن عِرفان
стр. 1158
«فصل في مِقْدارِ ما بَينَ مِصْراعَى البابِ الواحِد منها ...
لَكنَّ بينهما مَسيرةُ أربَعينَ رَواهُ حَبرُ الأمة الشيبانِي»
في مُسَنْدٍ بالرفعِ وهو لِمُسْلمٍ ... وَقْفٌ كَرفُوعٍ بِوَجْهٍ ثانِ
«فصل في مفتاح باب الجنة»
هذا وفَتْحُ البابِ لَيسَ بِمُمْكِنٍ ... إلاَّ بِمفتَاحٍ عَلَى أَسْنَانِ
مفتاحُه بشهادةِ الإخلاصِ ... والتَوحِيدِ تلكَ شَهَادةُ الإِيمانِ
أَسْنَانُه الأعْمَالُ وهْيَ شَرائِعُ ... الإِسْلامِ والمفتاحُ بالأَسْنانِ
لاَ تُلْغِيَنْ هَذا المِثَالَ فَكم بهِ ... مِن حَلِّ إشَكَالٍ لِذِي العِرفانِ
«فصل في مَنْشُورِ الجنة الذي يُوَقَّعُ بهِ لِصَاحِبِهَا»
هذا ومَن يَدْخُلْ فَلَيسَ بِدَاخِلٍ ... إلاَّ بِتوقِيعٍ مِنَ الرحمنِ
وكذاكَ يُكْتَبُ لِلْفَتَى لِدُخُولِهِ ... مِن قَبْل تَوقيعان مَشْهُورَانِ
إِحْدَاهُمَا بَعْدَ المَمَاتِ وعَرْضِ أرْ ... وَاحِ العِبَادِ بِه عَلَى الدَّيَانِ
فيقولُ رَبُّ العَرْشِ ﷻ ... لِلْكاتِبين وهُمْ أُولُو الدَّيوانِ
ذا الاسْمَ في الدِيوانِ يُكْتَبُ ... ذَاكَ ديوَانُ الجِنَانِ مُجاورَ المنانِ
دِيوانُ عِلّيينَ أَصْحَابِ القُرآ ... نِ وسُنَّةِ المبعُوثِ بالقُرآنِ
فإذا انْتَهَى لِلْجِسْرِ يَومَ الحشرِ ... يَعْطَىَ لِلدَّخُولِ إذَا كِتابًا ثانِ
عُنْوانُهُ هَذا كَتابٌ مِن عَزِيزِ ... رَحِمٍ لِفُلاَن ابْن فُلاَنِ
فَدَعُوهُ يُدَخْلُ جَنَّة المأْوى الَّتي ارْ ... تَفَعَتْ ولَكِنْ القُطُوفَ دَوَانِ
هَذا وقَدْ كُتِبَ اسْمُهُ مذ كَانَ في ... الأرْحَامِ قَبْلَ وِلاَدَةِ الإِنْسانِ
стр. 1159
بَلْ قَبْلَ ذلكَ وهْوَ وَقْتُ القَبْضَتَـ ... ـينِ كِلاَهُمَا لِلْعَدْلِ والإحِسانِ
سُبْحَان ذِي الجَبَرُوتِ والملكُوتِ ... والإجْلالِ والإكْرَامِ والسُّبْحانِ
واللهُ أكْبَرُ عَالِمُ الأسْرارِ ... والإِعْلامِ واللَّحظاتِ بالإجفانِ
والحمدُ لله السميع لِسَائِر ... الأصْواتِ مِن سِرِّ ومن إعْلانِ ...
وهُوُ الموحَّدُ والمسَبَّحُ والمُمَجَّدُ ... والحَمِيدُ ومُنَزِّلُ القُرآنِ
والأَمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ لَهُ ... سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ ذَا السُلْطانِ
«فصل في صفوف أهل الجنة»
هذا وإنَّ صُفُوفَهم عشرونَ مَعْ ... مائَةٍ وهَذِي الأُمَّةُ الثُلثُانِ
يَرْوِيهِ عَنه بُرَيدَةٌ إسْنادُهُ ... شَرْطُ الصَّحَيحِ بِمُسْنِدِ الشَّيَبانِي
ولَهُ شَواهدُ مِن حَدِيثِ أبي هُرَيرَةَ ... وابن مَسْعُودٍ وحبْرِ زَمَانِ
أعْنِي ابْنَ عَبَاسٍ وفِي إسْنَادِهِ ... رَجُلُ ضعِيفٌ غَير ذِي إِتْقَانِ
ولَقَدْ أتَانَا في الصحيحِ بأنَّهُمْ ... شَطْرٌ ومَا اللَّفْظَانِ مُخْتَلِفَانِ
إذْ قَالَ أرْجُو أنْ تَكُونوا شَطرهُمْ ... هَذا رَجَاءٌ مِنْهُ لِلرَّحْمَنِ
أَعطاهُ رَبُّ العَرْشِ مَا يَرْجُو وَزَا ... دَ مِن العَطَا أفْعَالُ ذِي الإحسانِ
«فصل في صفة أولِ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجنة»
هذا وأولُ زُمْرَةٍ فَوجُوهُهُمْ ... كَالبَدْرِ لَيلَ السّتِ بَعْدَ ثَمَانِ
السابقُونَ هُمُ وقَدْ كَانُوا هُنَا ... أَيْضًا أَولِي سَبْقٍ إِلىَ الإحْسَانِ
«فصل في صِفةِ الزُمْرَةِ الثانية»
والزُّمْرَةُ الأْخْرَى كأضْوءِ كوكَبٍ ... في الأُفق تَنْظُرُهُ بِهِ العَينَانِ
أمْشَاطُهم ذَهَبٌ ورَشحُهُمو فَمِـ ... ـسْكٌ خَالِصٌ يَا ذِلَّةَ الحِرْمَانِ
стр. 1160
«فصل في تَفَاضُل أَهْل الجنةِ في الدرجات العُلَى»
ويَرَى الذينَ بِذَيلِهَا مَنْ فَوقَهُم ... مِثْلَ الكَواكِبِ رُؤْيَةً بِعَيانِ
ما ذاكَ مُخْتَصًّا بَرُسْلِ اللهِ بَلْ ... لَهُمُ ولِلصّدِيقِ ذِي الإِيمَانِ
«فصل في ذَكرِ أعلَى أهل الجنة مَنْزِلَةً وأدْنَاهُمْ»
هَذَا وأعْلاَهُمْ فَنَاظَرُ رَبَّهُ ... في كُلِّ يَومٍ وقْتَهُ الطَّرَفَانِ
لَكِنَّ أدْنَاهُمْ وما فِيهمْ دَنِي ... إذْ لَيسَ في الجناتِ مِن نُقْصَانِ
فهو الذِي تَلْقَى مَسَافَة مُلِكْهِ ... بِسِنْينَنا ألفَانِ كَامِلَتَانِ
فَيَرَى بِهَا اقْصَاهُ حَقًا مِثْلَ رُؤْ ... يَتِهِ لأَدْنَاهُ القَرِيبِ الدَّانِيِ
أوَ مَا سَمِعْتَ بأنَّ آخَرَ أهْلِهَا ... يُعْطِيهِ رَبُّ العَرْشِ ذُو الغُفْرانِ
أضْعَافَ دُنْيانَا جَمِيعًا عَشْرَ ... أمْثَالٍ لَهَا سُبْحَانَ ذِي الإحسانِ ...
«فصل في ذكر سن أهل الجنة»
هذا وسًّنُهُم ثلاثٌ مَعْ ثَلاَ ... ثِينَ التي هِيَ قُوةٌ الشُبَّانِ
وصَغِيرُهُمْ وكَبِيرهُمْ في ذا عَلَى ... حَدٍّ سَوءا ما سِوَى الوِلْدَانِ
ولَقَدْ رَوى الخُضَريُ أَيضًا أنَّهُمْ ... أبْنَاءُ عَشرِ بَعْدَهَا عَشْرانِ
وكَلاهُمَا في التَّرمْذَيِّ ولَيسَ ذا ... بِتَنَاقُض بَلْ هَهُنَا أمْرَانِ
حَذْفُ الثِلاثِ ونيّفٌ بَعْدَ العُقُو ... دِ وَذِكْرِ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ سِيَّانِ
عنا اتِّساعٍ في الكَلامِ فَعِنْدَمَا ... يَاتُوا بتَحْرِيرٍ فَبِالمِيزَانِ
«فصل في طُول قَامَات أهل الجنةِ وعَرْضِهم»
والطُولُ طُولُ أبْيهمُ سِتُّونَ لَكِنْ ... عَرْضُهُم سَبْعُ بِلاَ نُقْصَانِ
الطُولُ صَحَّ بِغَيرِ شَكٍ في ... الصَحِيحَينِ اللذين هما لنَا شَمْسَانِ
следующие страницы →