Полный текст (1 178 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فَكُلُكُمْ وكُلَنَا مَسْئوْلُ ... عَمَّا رَعَيْنَاهُ وَمَا نَقُوْلُ
مَنْ لَمْ يَجدْ طَوْلاً إلى السَّياسَةْ ... أخَّرَهُ العَجْزُ عن الرِيَاسَةْ
أَحْسِنْ إلى العَالِم يَحمَدُوْكَا ... وعُمَّهُمْ بالعَدْلِ يَنْصَحُوكَا
فَعَدْلُ سَلْطَانِ الوَرَى يَقِيْهِ ... أعْظَمَ ما يَخْشَى ويَتَقِيْهِ
لا تَسْتَعِنْ بأَصْغَرِ العُمَّالِ ... عَلى تَرَقِّيِ أكْبَرِ الأعْمَالِ
فَمَنْ عَدا وزِيُرهُ فما عَدَلْ ... ومَنْ طَغَى مُشيرُهُ فَقَدْ جَهِلْ ...
شَرُّ الأنامِ نَاصرُ الظَّلُومِ ... وشَرٌّ مِنْهُ خَاذلُ المظْلُومِ
الظُلْمُ حَقًا سَالبٌ لِلنَّعَمِ ... والبَغْيُ أيْضَا جَالبٌ لِلنِّقَمِ
ظُلْمُ الضَّعِيفِ يَا بنُي لؤمُ ... وصُحْبَةُ الجاهِلِ أيْضًا شُؤْمُ
وقِيْلَ إنَّ صُحْبة الأشْرَارِ ... تُوْرِثُ سُوْءَ الظَّنِ بالأخْيَارِ
يَجْنِي الرَّدَى مَن يَغْرِسُ العِدْوَانَا ... وصَارَ كُلُّ رِبْحِهِ خُسرْانَا
أَقْرَبُ شَيْءٍ صَرْعَةُ الظَّلُومِ ... وأنْفَذُ النَّبْلِ دُعَا المَظْلُومِ
نِعْمَ شَفْيعُ المُذْنبِ اعْتِذَارُهُ ... وبِئْسَ مَا عَوَّضَهُ إصْرَارُهُ
خُذْ الأمُورَ كُلَّها بالجِدِّ ... فالأمرُ جَدٌ لا هَوَاكَ المُرْدِي
خَيْرُ دَلْيلِ الْمَرْءِ الأمَانَةْ ... بَيْنَ الوَرَى وَتَرْكُهُ الخِيَانَةْ
مَنِ امْتَطَى أمْرًا بِلا تَدْبِيْرِ ... صَيَّرَهُ الجَهْلُ إلى تَذْميْرِ
مَنْ صَانَ أُخْرَاهُ بدُنْيَاهُ سَلِمْ ... ومَن وَقَى دُنْيَاهُ بالدِيْنِ نَدِمْ
مَنْ أخَّرَ الطَّعَامَ والمَنَامَا ... لُذَّ وطَابَ سَالِمَا ما دَامَا
مَنْ أكْثَرَ المِزَاحَ قَلَّتْ هَيْبتُهْ ... ومَنْ جَنَى الوَقَارَ عَزَّتْ قِيْمَتُهْ
مَن سَالَم النَّاسَ جَنَى السَّلامَةْ ... ومَن تَعدَّى أحْرَزَ النَّدامَةْ
مَنْ نَامَ عَن نُصْرَةِ أوْلِيَائِهْ ... نَبَّهَهُ العُدْوَانُ مِن أَعْدَائِهْ
مَنْ اهْتَدَى بالحقِ حَيْثُما ذَهَبْ ... مَالَ إليهِ الخَلْقُ طُرًّا وَغَلَبْ
مَنْ رَفَضَ الدُنْيَا أَتَتْهُ الآخِرَةْ ... في حُلَّةٍ مِن الأمَانِ فَاخِرَةْ
وقيلَ مَن قَلَّتْ لَهُ فَضَائِلُهْ ... فَقَدْ ضَعُفَتْ بَيْنَ الوَرَى وسَائِلُهْ
стр. 247
ومَن تَراهُ أحْكَمَ التَّجَارُبَا ... فَازَ بِهَا وَحَمِدَ العَوَاقِبَا
مَنْ عَاشَرَ النَّاسَ بِنَوْعِ الْمَكْرِ ... كافهُ كُلُّ مِنْهُمُ بالغَدْرِ
مَن لا تُطِيْقُ حَرْبَهُ فَسَالِمِ ... تَعِشْ قَرِيَرَ العَينِ غَيْرَ نادِمِ
مَنْ لَمْ يُبَالِ كَانَتْ الدُنْيَا لِمَنْ ... فَهْوَ عَظَيِمُ القَدْرِ سِرًا وعَلَنْ
مَنْ بَانَ عنه فَرْعُهُ وأصْلُه ... أوْشَكَ أنْ يَنْعَاهُ حَقًا أهْلُهُ
مَنْ غَلَبَ الشَّهْوةَ فَهْوَ عَاقِلٌ ... ومَن دَعَتْه فأَجَابَ جَاهِلُ
مَنْ ظَلَّ يَوْمًا كَاتِمًا لِسِرَّهِ ... أَصْبَحَ مِنْهُ حَامِدًا لأمْرِهِ
خيرُ زَمَانِكَ الذِي سَلِمْتَا ... مِن شَرِهِ لُطْفًا وما اقْتَرَفْتَا
خَيْرُ النَّدَى وأَفْضَلُ المعْرُوْفِ ... فِيمَا يُرَى إغَاثُةُ الملْهُوْفِ ...
لا تَثْبُتُ النَّعْمَاءُ بالجُحُوْدِ ... والشُكْرُ حَقكا ثَمنْ المزِيْدِ
مَنْ غَلَبتْهُ شَهْوَةُ الطَّعَامِ ... سُلَّ عَلَيْهِ صَارِمُ الأسْقَامِ
تَعْصِي الإِلهَ وتُطِيعُ الشَّهْوةَ ... هَذا دَليلٌ قاطِعٌ بالقَسْوةْ
مَِنْ هَمُّهُ أمْعَاؤُهُ وفَرْجُهْ ... وتَاهَ في شَهْوتِهِ لا تَرْجُهْ
أَجْمَلُ شَيءٍ بالغِنَى القَنَاعَةْ ... فُعُدَّها مِن أشْرَفِ البضَاعَةْ
وهْيَ تَسُوقُ قَاصِدِيْهَا لِلْوَرَعْ ... فاعْمَلْ بما عَلِمْتَهُ ولا تَدَعْ
واليأسُ مِمَّا في يَدِي الأنَامِ ... مَنْزِلَةُ الأخْيَارِ والكِرَامِ
واعْلَمْ بأنَّ عَمَلَ الأَبْطَالِ ... كَسْبُ الحَلالِ لِذَوي العِيَالِ
فإنكّ المسئُولُ عَنهُمْ فاجْتَهِدْ ... ولَيْسَ يُغْنِي عَنْكَ مِنْهُمُ أَحَدْ
مِن عَادَةِ الكِرامِ بَذْلُ الجُودِ ... وسُنَّةُ اللِئَامِ في الجُحُوْدِ
لا تَدْنُ مِمَّنْ يَدْنُ بالخِلاَبَةْ ... ولا تَبِنْ كِبْرًا وسُدَّ بَابَهْ
لا رَأْيَ لِلْمُعْجَبِ تِيْهًا فاعْلَمِ ... ولا لِذِي كِبْرٍ صَدِيقٌ فافْهَمِ
المَطْلُ بُخْلٌ أقَبحُ المُطْلَيْنِ ... واليأسُ منه أحَدُ النُّجْحَيْنِ
والبُخْلُ دَاءٌ ودَواؤُهُ السَّخَا ... فافْهَمْ فَفيْهِ العزُّ حَقًا والعُلاَ
стр. 248
والحِرْصُ دَاعِي الخَلْقِ لِلْحِرْمَانِ ... ثُمَّ يُؤُْولُ بِجَنَى الخُسْرَانِ
ما وُرِّثَ الأبناءُ خَيْرًا مِن أَدَبْ ... فإنَّهُ يَهْدِي إلىَ أسْنى الرُّتَبْ
لاسَّيِمَا إنْ كَانَ بان في الصِِّغرِ ... كما رَوَيْنَاهُ كَنَقْشٍ في الحَجَرِ
مَنْ امْتَطَى جَوَادَ رَيْعَانِ العَجَلْ ... أدْرَكَهُ كَمِيْنُ آفاتِ الزَّلَلْ
من كان ذا عجزٍ عن الإحسانِ ... أثقلُ ما كان على الإِنسان
مَنْ رَكِبَ الجَهْلَ كَبَتْ مَطَّيِتُهْ ... وضَلَّ أيْضَا ثم دَامَتْ حَسَرَتُهْ
وصَارَ أيْضَا عِبْرَةً لِلْعَاقِلِ ... لأنَّهُ مِن أقْبَحِ الرَّذَائِلِ
إنْ كُنْتَ مِمَّنْ يَرْتَجِى الجِنَانَا ... لا تُطْلقَنَّ الطَّرْفَ واللَّسَانَا
أوْ رُمْتَ تَجْنِي زَهْرَ خَيْرى أمْركَا ... لاَ تَأْتِ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَا
أوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَرْتَجِى السَّلامَةْ ... في هَذِهِ الدُنيا وفي القِيَامَةْ
فلا تَقُلْ هُجْرًا وإنْ غَضَبْتَا ... والكْبِرَ والشُّحَ فَبُتَّ بَتَّا
إنْ فَوَّقَتْ مَصَائِبُ نِبَالهَا ... فاشْكُرْ مُثَابًا مَنْ كَفَى أَمْثَالهَا
وإنْ أَرَدْتَ أنْ تَصُونَ عرِضَا ... فلا تَقُلْ سُوْءًا يَعُوْدُ قَرْضَا ...
إنْ كُنْتَ تَخْتَارُ الجِنَان دارًا ... لا تنظرَّ للورى استضغارا
وكُنْ أخَا لِلْكَهْلِ مِنْهُمْ وأبَا ... لِذَوْيِهِ في السِّنِ شَاءَ أوْأبىَ
وابنًا لِشَيْخٍ قَدْ تَغَشَّاه الكِبَرَا ... وفاقَ بالنُفُوسِ عن قَوْس العِدَا
آو اليتيمَ وارْحَمِ الضَّعِيْفَا ... وارْفُقْ بمَمْلُوكِكَ أنْ تَحِيفَا
وبالنِاءِ هُنَّ كالغَوَانِي ... فاجْنَحْ إلى الخَيراتِ غَيْرَ وَانِي
واعْمَلْ بما في سُوْرَةِ الإِسْرَاءِ ... مِن الوَصَايَا الغُرِّ بحمد رَاءِ
وصِلْ ذَواتِ الرَّحِمِ السَّائِلَةْ ... عن قَطْعِهَا يَومَ القُلُوب ذاهِلَهْ
والجَارَ أكْرِمْهُ فَقَدْ وَصِّانَا ... بِهِ النبيُ المُصْطَفَى مَوْلانَا
واحْذَرْ بُنىَّ غِيْبَةَ الأنَامِ ... لَفْظًا وتَعْرِيْضًا مَدَى الأيَّامِ
والهَمْزَ واللَّمْزَ مَعَ النَّميْمَةْ ... فإنَّها ذَخَائِرُ ذَمِيْمَهْ
стр. 249
شَرُ الأُمُورِ العُجْبُ فاجْتَنْبهُ ... والبُخْلَ مَا حَيِيْتَ صُدَّ عَنْهُ
فالكِبْرُ داءٌ قَاتِلُ الرِّجَالِ ... دَوَاؤُهُ تَوَاضِعُ الأبْطَالِ
لا دَاءَ أدْوَىَ مَرَضًا مِن الحُمُقْ ... ولا دَوَاءَ مِثْلَ تَحْسَيْنِ الخُلُقْ
والحقدُ دَاءٌ لِلْقُلُوبِ، والحَسَدْ ... رَأْسُ العُيُوبِ فاجْتَنِبْهُ واقْتَصِدْ
والبَغْيُ صَاحِ يَصْرعُ الرِجَالاَ ... ويُقْصِرُ الأعْمَارَ والآجَالاَ
والمَنُّ أيْضًا يَهْدِمُ الصَّنِيْعَهْ ... فعَدِّ عَنْهُ لا تُرَى مُذِيْعَهْ
والْمَكْرُ والنُكْثُ مَعَ الخِدَاعِ ... مَطِيُّةُ الطُّغَامِ والرَّعَاعِ
ربَّ غَرامٍ جَلَبتْهُ لَحْظَهْ ... وَرُبَّ حَرْبٍ أجَّجَتْهُ لَفْظَةْ
وَرُبَّ مَأْمُوْلٍ تَرَى مُنْهُ الضَّرَرْ ... وَرُبَّ مَحْذُوْرٍ يَسُرُّ مِن حَذَرْ
وقِيْلَ أيْضَا إنَّ خُلْفَ الوَعْدِ ... في أَكْثَرِ الأمْثَالِ خُلْقُ الوَغْدِ
لا حَذَرَ مِنْ قَدَرٍ بِدَافِعِ ... ولا أسىً مِن فَائِتٍ بِنَافِعِ
وقِيْلَ مَا أضْمَرْتَ بالجَنَانِ ... يَظْهَرُ في الوَجْهِ وفي اللَّسَانِ
لا تُطِلِ الشَّكْوَى فِفيْهِ التَّلَفُ ... والشُكْرُ للهِ الغَنِيِّ شَرَفُ
لا يُفَسِدُ دِيْنَ الوَرَى إلاَّ الطَّمَعْ ... حَقًا ولا يُصْلِحُهُ إلاَّ الوَرَعْ
لا تَحْمِلَنْكَ كَثْرَةُ الإِنْعَامِ ... عَلَى ارْتِكَابِ سَيِّءِ الآثَامِ
ولا تَقُلْ سُوْءًا تَزٍلْ القَدَمَا ... وتُوْرِثْ الطَعْنَ وتُبْدِِ النَّدَمَا
لا تَقَرَبَّن مِن وَدَائِعِ البَرِيّهْ ... ولا الوَكَالاتِ ولا الوَصِيَّةْ ...
فإنَّهُنَّ سَبَبُ البَلاَيَا ... ومَعْدِنُ الآفَاتِ والرَّزَايَا
لا تَشْتَغِلْ إذا حُبِيْتَ النِعَمَا ... بِسُكْرِهَا عن شُكْرِهَا فَتَنْدَمَا
لا تَتَّبعْ مَسَاويءَ الإِخْوَانِ ... رَعْيَ الذُبَابِ فَاسِدَ الأبْدَانِ
لا خَيْرَ فِيْمَنْ يَحْقِرُ الضَعِيْفَا ... كِبْرًا ولا مَنْ يَحْسُدُ الشَّريْفَا
لا تَسْتَقِلَّ الخَيْرَ فالحِرْمَانُ ... أقَلُّ مِنْهُ أيُّها الإِنسَانُ
لا تَجْزِعَنْ فَقدْ جَرَى المقْدُوْرُ ... بِكُلِّ ما جَاءَتْ بِهِ الدُهُورُ
стр. 250
لا تَتَخَطَّى فُرَصَ الزَّمَانِ ... إنَّ التَّوَانِي سَبَبُ الحِرْمَانِ
أَنْفَاسُكُمْ خُطَاكُمُ إلىَ الأجَلْ ... وخَادِعُ الأعْمَالِ تَقْدِيْمُ الأمَلْ
أَمْرُكَ بالمَعْرُوْفِ مِن أعْلَى الرُّتَبِ ... ونَهْيْكَ المُنْكَرَ مِن أقْوَى السَّبَبِ
الوَلَدُ البَرُّ يَزْيدُ في الشَّرِفِ ... والوَلَدُ السُوْءُ يَشِيْنُ بالسَّلَفِ
الرِفْقُ يُدْنِي المرءَ لِلصَّلاحِ ... وهْوَ لِقَاحُ سُرْعَةِ النَّجَاحِ
إسَاءَةُ المُحْسِنِ مَنْعُ البِرِّ ... وتُحْفَةُ المِسُيءِ كَفُّ الشَّرِ
تَنَاسَ مِن إخْوانِكَ المسَاوِيَا ... يَدُمْ لَكَ الوِدَادُ مِنْهُمْ صَافِيَا
وأَوْلِهِمْ مِن فِعْلِكَ الجَمِيْلاَ ... وَدَعْ مُثَابًا قِيلَهُمْ والقِيلاَ
وكُلُ مَنْ أبْدَى إليكَ الفَاقَهْ ... صُنْ عَن مُحَيَّاهُ الذِي أرَاقَهْ
بَسْطُ الوُجُوهِ أحَدُ البَذْلَيْنِ ... وأعْظَمُ الْهَمَّيْنِ هَمُّ الدَّيْنِ
وإنْ حَفَضتَ الصَّوْتَ ما اسْتَطَعْتَا ... ثم غضَضْتَ الطَّرْفَ أنْتَ أنْتَا
للهِ فِي كُلِّ بَلاءٍ نِعْمَهْ ... لا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أنْ يَذُمَّهْ
تَمْحِيصُ ذَنْبٍٍ وَثَوَابٌ إنْ صَبَرْ ... وَيْقَظةٌ مِن غَفْلةٍ لِمَنْ نَظَرْ
وَتَوْبةٌ يُحْدِثُهَا وصَدَقَةْ ... وَوَعْظُهُ هَدِيَّةٌ مُوَفَّقَةْ
وَفي قَضَاءِ اللهِ ثُمَّ في القَدَرِ ... مِن بَعْدَ هَذا عِبْرةٌ لِلْمُعْتَبِرِ
أعْمَارُكُم صَحَائِفُ الآجَالِ ... فَجَلِّدُوْهَا أنْفَسَ الأعْمَالِ
عَلَيْكَ بالصِّدْقِ ولَوْ أضَرَّكَا ... ولا تُعيِّرْ هَالِكًا فَتَهْلِكَا
صَبْرُ الفَتَى عَلى ألِيْمِ كَسْبِهِ ... أسْهَلُ مِن حَاجَتِهِ لِصَحْبِهِ
فالصَّبْرُ سَيْفٌ لا يَكَادُ يَنْبُوْ ... والقَنْعُ نجمٌ لا تَرَاهُ يَخْبُوْ
جَرْحُ اليَدِيْن عِنْدَ أهْلِ الهِمَمِ ... أهْوَنُ مِن جُرْحِ اللِّسَانِ فافْهَمِ
خَيْرُ قَرِيْنِ المرءِ حُسْنُ الخُلُقِ ... يُدْنِي الفَتَى مِن كُلِّ أمْرٍ صَائِبِ ...
الحُرُ عبدٌ ما تَرَاهُ طَامِعَا ... والعَبْدُ حُرُّ ما تَرَاهُ قَانِعَا
أغْنَى الغِنَى لِلْمَرءِ حُسْنُ العقلِ ... والفَقْرُ كُلُّ الفَقْرِ ذُلُّ الجَهْلِ
стр. 251
إيَّاكَ أنْ تَخْدَعَكَ الأمَانِي ... فإنَّها قَاتِلَةُ الإِنْسانِ
واحْذَرْ لُزُوْمَ سَوْفَ مَا اسْتَطَعْتَا ... فإنَّهُ سَيْفٌ عَسَى وَحَتَّى
سَارِعْ إلى الخَيرِ تُلاَقِ رَشَدَا ... وكُنْ مِن الشَرِّ أشَدَّ بُعْدَا
وإن صَحِبْتُ المَلِكَ المُعَظَّمَا ... فاحْذَرْ رُجُوعَ الشَّهْدِ منه عَلْقَمَا
وانْصَحْهُ والوَرَى مَعًا بالرِفْقِ ... والْبَسْ لَهُمْ دُرْعَيْ تُقًى وصِدْقِ
آخِ الذِي يَسُدُ مِنْكَ الخَلَّةْ ... ويَسْتُرُ الزَّلَّةَ بَعْدَ الزَّلَةْ
ومَنْ أقَالَ عَثْرةً ومَنْ رَفَقْ ... وكَظَمَ الغَيْظَ إذَا اشْتَدَّ الحُنُقْ
فَهْوَ الذِي قَدْ تَمَّ عَقْلاً وكَمُلْ ... ومَن إذا قَالَ مَقَالاً قَدْ فَعَلْ
فاشْدُدْ يَدَيْكَ يا بُنيَّ ... تَحْظَ بِعِزٍّ دَائِمٍ سَنِيْ
إيَّاكَ أنْ تُهْمِلَ طَرَفَ الطَّرْفِ ... فإنَّه يِسْمُوْ لِكُلِّ حَتْفِ
إذا تُسِي إلى أحِيْكَ فاعْتَذِرْ ... وإنْ أَسَاءَ يَا بُنَيِّ فاغْتَفِرْ
فالعُذْرُ يَقْضِي بِكَمَالِ العَقْلِ ... والعَفْوُ بُرْهَانٌ لِكُلِّ فَضْلِ
وجَانِب الخَلْقَ بِغَيْرِ مَقْتِ ... والْبَسْ لَهُم يا صَاحِ دِرْعَ الصَّمْتِ
إذَا الْتَوَتْ مَكَارِهٌ فَنَمْ لَهَا ... وقُلْ عَسَاهَا تَنْجِلِي وعَلَّهَا
عَسَى الذِي أصْبَحْتُ فيه مِن حَرَجْ ... يُعْقِبُهُ اللهُ تَعَالَى بالفَرَجْ
هَذَا الذِي جَادَتْ بِهِ القَرْيحَةْ ... فاحْذُ عَلَيهِ واقْبَلَ النَّصِيْحَةْ
وإنْ رَأْتْ عَيْنَاكَ عَيْبًا صُنْهُ ... تَفضُلاً مِنْكَ وصُدَّ عَنْهُ
فَتَسْألُ اللهَ تَعَالَى عَفْوَا ... يُتْبِعُهُ في كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَا
وصَلِّ يَا رَبِّ عَلَى خَيْرِ الوَرَى ... مَا صَدَّحَتْ قَمْرِيَّةٌ عَلَى الذُرَا
والآلِ والأزْوَاجِ والأصْحَابِ ... والتَابِعِيْنِ مِن أُوْلِي الألْبَابِ
انْتَهَى
آخر:
إِنِّي أرِقتُ، وَذِكْرُ المَوتِ أَرَّقَني ... وَقُلتُ لِلْدَّمْعِ: أَسْعِدْنِي فَأَسْعَدَنِي
يَا مَنْ يَمُوتُ، فَلَمْ يَحزَنْ لِمِيْتَتِهِ ... وَمَنْ يَمُوتُ فَمَا أَوْلاهُ بِالحزَنِ
تَبْغِي النَّجاةَ مِنَ الأَحْدَاثِ مُحْتَرسًا ... وَإِنَّما أَنْتَ وَالعِلاتُ في قَرَنِ ...
стр. 252
يَا صَاحبَ الرُّوحِ ذِي الأَنْفَاسِ في البدن ... بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْلِ مُرْتَهَنِ
لَقَلَّمَا يَتَخَطَّاكَ اخْتَلافُهُمَا ... حَتى يُفَرِّقَ بَيْن الرُّوحِ وَالبَدَنِ
طِيبُ الحَيَاةِ لمن خَفَّت مَؤونَتُهُ ... وَلَمْ تَطِبْ لِذَوِي الأَثْقَالِ وَالمُؤنِ
لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ مَضَى إِلا تَوَهُّمُهُ ... كَأنَّ من قد قَضَى بِالأَمْسِ لم يَكُنِ
وَإِنَّمَا المَرْءُ في الدُّنْيَا بِسَاعَتِهِ ... سَائِلْ بِذَلِكَ أَهْلَ العِلْمِ وَالزَّمنِ
مَا أَوْضَحَ الأَمْرَ للمُلْقي بِعِبرتِهِ ... بَينَ التَّفَكر وَالتَّجريبِ وَالفطَنِ
أَلَسْتَ يَا ذَا تَرَى الدُّنْيَا مُوَلِيَّةً ... فَمَا يَغُرَّكُ فِيْهَا مِنْ هَنٍ وَهَنِ
لأَعْجَبَنَّ وَأَنَّى يَنْقَضِي عَجَبِي ... النَّاس في غَفلَةٍ وَالمَوْتُ في سَننِ
وَظَاعِنٍ من بَياضِ الرَّيْطِ كُسْوَتُهِ ... مُطَيَّبٍ لِلْمَنَايَا غَيْرَ مُدَّهَنِ
غَادَرْتُهُ بَعْدَ تَشَييعهِ مُنْجَدلاً ... في قرب دَارٍ وفي بُعْدٍ عن الوَطَنِ
لا يَسْتَطِيْعُ انْتِقَاصًا في مَحَلَّتِهِ ... من القَبِيْح وَلا يَزْدادُ في الحُسنِ
الحمدُ لله شُكْرًا، مَا أَرَى سَكَنًا ... يَلْوي بِبُحْبُوحَة الموتَى على سَكَنِ
مَا بَالُ قَوْمٍ وَقَدْ صَحّتْ عُقولُهم ... فِيْمَا ادْعَوْا يَشْتَرَوْنَ الغَيَّ بِالثَّمَنِ
لَتَجْذبُنِي يَدُ الدُّنْيا، بِقُوتِهَا ... إلى المَنَايَا وَإِنْ نَازَعْتُهُا رَسَني
وأي يومٍ لِمَنْ وَافَي مَنِيَّتَهُ ... يومٌ تَبَيَّنُ فيه صُورَةُ الغَبَنِ
لله دُنْيَا أُنَاسٍ دَائِبِيْنَ لَهَا ... قَد أرْتِعُوا في رِياضِ الغَيِّ وَالفتَنِ
كَسَائِمَاتٍ رَوَاع تَبْتَغي سَمَنًا ... وَحَتْفُها لَو دَرَتْ في ذَلِكَ السِّمَنِ
انْتَهَى
آخر:
مَنْ كَانَ يُوْحِشُهُ تَبْدِيْلُ مَنْزِلِه ... وَأَنْ يُبَدِّلَ مِنْهَا مَنْزِلاً حَسَنًا
مَاذَا يَقُولُ إِذَا ضَمَّتْ جَوَانِبَهَا ... عَلَيْهِ وَاجْتَمَعَتْ مِن هَاهُنَا وَهُنَا
مَاذَا يَقُوْلُ إِذَا أَمْسَى بِحُفْرَتِهِ ... فَرْدًا وَقَد فَارَقَ الأهْلِيْنَ وَالسَّكَنَا
هُنَاكَ يَعْلَمُ قَدْرَ الوَحْشَتَيْنِ وَمَا ... يَلْقَاهُ مَن بَاتَ بِالَّلْذَاتِ مُرْتَهِنًا
يَا غَفْلَةً وَرِمَاحُ الْمَوْتِ شَارِعَةٌ ... وَالشَّيْبُ أَلْقَى بِرَأْسِي نَحْوَه الرَّسَنَا
стр. 253
وَلَمْ أُعِدَّ مَكَانًا لِلَّنِزَالِ وَلا ... أَعْدَدْتُ زَادًا وَلَكِنْ غِرَّةُ ومُنَا
إَنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ تَوالَى جُوْدُهُ أَبَدًا ... وَيَعْفُ مَن عَفْوُهُ مِن طَالِبِيْهِ دَنَا
فَيَا إِلَهِي وَمُزْنُ الْجُودِ وَاكِفَهٌ ... سَحًا فَتُمْطِرُنَا الإِفْضَالُ وَالْمِنَنَا ...
آنِسْ هُنَالِكَ يَا رَحْمَنُ وَحْشَتَنَا ... وَالْطُفْ بِنَا وَتَرَفَّقْ عِنْدَ ذَاكَ بِنَا
نَحْنُ العُصَاةُ وَأَنْتَ اللهُ مَلْجَؤُنَا ... وَأَنْتَ مَقْصَدُنَا الأَسْنَى وَمَطْلَبُنَا
فَكُنْ لَنَا عِنْدَ بَأْسَاهَا وَشِدَّتَها ... أَوْلَى فَمَنْ ذَا الَّذِي فِيْهَا يَكُوُن لَنَا
انْتَهَى
آخر:
إِذَا شِئْتَ أَن تَحْيا سَعيْدًا مَدَى العُمْرِ ... وَتَسْكُنَ بَعْدَ المَوْتِ في رَوْضَةِ القَبْرِ
وَتُبْعَثَ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّوْرِ آمنًا ... مِنْ الخَوفِ وَالتَّهْدِيْدِ وَالطُّرْدِ والخُسْرِ
وَتُعْرَضَ مَرْفُوعًا كَرِيْمًا مُبَجَّلاً ... تُبَشِّرُكَ الأمْلاَكُ بالفَوْزِ وَالأَجْرِ
وَترْجَحَ عِنْدَ الوَزْنِ أَعْمَالُكَ التِيْ ... تُسَرُّ بِهَا في مَوْقِفِ الحَشْرِ وَالنَّشْرِ
وَتَمْضِيْ عَلى مَتْنِ الصِّرَاطِ كَبَارِقٍ ... وَتَشْرَبَ مِنْ حَوْضِ النَّبي المُصْطَفَى الطُّهْرِ
وَتَخْلُدَ في أَعْلى الجِنَانِ مُنَعَّمًا ... حَظيًّا بقُرْب الوَاحِدِ الأَحَدِِ الوِِتْرِ
عَلَيْكَ بِتَوْحِيْدِ الإِلهِ فَإنَّهُ ... إذَا تَمَّ فَازَ العَبْدُ بالقُرْبِ والأجْرِ
стр. 254
وخُذْ مِنْ عُلُومِ الدِّيْن حَظًّا مُوَفرًا ... فَبِالعِلْمِ تَسْمُوا في الحَيَاةِ وفي الحَشْرِ
وَوَاظِبْ عَلى دَرْسِ القُرْآنِ فَإنَّ في ... تِلاَوَتِهِ الأَرْبَاحُ والشَّرْحُ لِلصَّدْرِ
أَلا إنَّهُ البَحْرُ المُحِيْطُ وَغيْرُهُ ... مِنْ الكُتْبِ أَنْهَارٌ تُمَدُّ مِنْ البَحْرِ
تَدَبَّرْ مَعَانِِيهِ وَرَتِّلْهُ خَاشعًا ... تَفُوزُ مِنْ الأسْرَارِ بالكَنزِْ والذُّخْرِ
وَكُنْ رَاهبًا عِندَ الوِعِيدِ وَرَاغبًا ... إذا ما تَلَوْتَ الوَعْدَ في غَايَةِ البِشْرِ
بَعِيْدًا عن المَنْهِيّ مُجْتَنبًا لَهُ ... حَريْصًا على المأمُورِ في العُسْرِ واليُسْرِ
وَإنْ رُمْتَ أَنْ تَحْظَي بِقَلْبِ مُنَوَّرٍ ... نَقِِىٍّ مِنْ الأَغيَارِ فاعْكُف عَلى الذِّكْرِ
وَوَاظبْ عَلَيْهِ في الظلامِ وفي الضِّيَا ... وفي كَلِّ حَالٍ بِاللسَانِ وفي السِّرِّ
وَصَفِّ مِنْ الأَكْدَارِ سِرَّكَ إنهُ ... إذَا مَا صَفَا أَوْلاكَ مَعْنىً مِنْ الفِِكْرِ
وَبِالجدِّ والصَّبْرِ الجَمِِيْلِ تَحِلُّ في ... فَسِيْحِ العُلى فاسْتوْصِ بالجِدِّ وَالصَّبْرِ
стр. 255
وَكُنْ شَاكرًا لله قَلْبًا وَقَالبًا ... عَلى فَضْلِهِ إنَّ المَزِيْدَ مَعَ الشُّكْرِ
تَوَكَّلْ عَلى مَوْلاَكَ وَارْضَ بِحُكْمِهِ ... وَكُنْ مُخْلصًا لله في السِّرِِّ والجَهْرِ
قنُوعًا بِمَا أَعْطَاكَ مُسْتَغْنِيًّا بهِ ... لَهُ حَامدًا في حَالَيْ العُسْر وَاليُسْرِ
وَكُنْ باذلاً للْفَضْلِ سَمْحًا وَلاَ تَخَفْ ... مِنْ اللهِ إِقْتَارًا ولا تَخْشَ مِنْ فَقْرِ
وَإيَّاكَ والدُّنْيَا فإنَّ حَلاَلهَا ... حِسَابٌ وفي مَحْظُوْرِهَا الهَتْكُ لِلسِّرِّ ...
وَلاَ تَكُ عَيّابًا وَلاَ تكُ حَاسدًا ... وَلاَ تَكُ ذا غِشّ وَلاَ تَكُ ذا غَدْرِ
وَلاَ تطْلُبنَّ الجَاهَ يا صَاحِ إنَّهُ ... شَهِيٌّ وفيْه السُّمُّ مِنْ حَيْثُ لا تَدْرِيْ
وَإيَّاكَ وَالأطْمَاعَ إِنَّ قَريْنَها ... ذَلِيْلٌ خَسِيْسُ القَصْدِ مُتَّضعُ القَدْرِ
وَإنْ رُمْتَ أَمْرًا فاسْأَلِ اللهَ إنَّهُ ... هُوَ المُفْضِلُ الوَهَّابُ لِلْخَيْرِ وَالوَفْرِ
وَأُوْصِيْكَ بِالخَمْسِ التِي هُنَّ يا أخِيْ ... عِمَادٌ لدِيْنِ الله وَاسطَةُ الأَمْرِ
وَحَافظْ عَلَيْهَا بِالجماعَةِ دَائمًا ... وَوَاظبْ عليْهَا في العِشَاءِ وفي الفَجْرِ
стр. 256
وَقُمْ في ظَلاَمِ اللَّيْلِ لله قانتًا ... وَصَلِّ لَهُ وَاخْتِمْ صَلاَتَكَ بالوِتْرِ
وَكُنْ تَائبًا مِنْ كُلِّ ذَنْبِ أَتَيْتَهُ ... وَمُسْتَغْفِرًا في كُلِّ حِيْنٍ مِنْ الوِزْرِ
عَسَى المُفْضِلُ المَوْلَى الكَرِيْمُ بِمَنِّهِ ... يَجُودُ على ذَنْبِ المُسِيئِينَ بِالغَفْرِ
فَإحْسَانُهُ عَمَّ الأنَامَ وُجُوْدُه ... عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍٍ وَإِفْضَالُهِ يَجْرِيْ
وَصَلِّ عَلى خَيْر البَريَّةِ كُلِّهَا ... مُحَمَّدٍ المَبْعُوثِ بالبِشْرِ وَالنُّذْرِ
انْتَهَى
قال الناظم ﵀:
وكُنْ بَيْنَ خَوْفٍ والرَّجَا عَاملاً لِمَا ... تَخَافُ وَلا تَقْنَطْ وُثُوقًا بِمَوْعِدِ
تَذَكَّرْ ذُنوبًا قَدْ مَضَيْنَ وَتُبْ لَهَا ... وَتُبْ مُطْلقًا مَعْ فَقْدِ عِلْمِ التَّعَمُّدِ
وبادِرْ مَتَابًا قَبْلَ يُغْلَقُ بَابُه ... وَتُطوَى عَلَى الأَعْمَالِ صُحْفُ التزَوُّدِ
فحِيْنَئِذٍ لا يَنْفَعُ المَرْءَ تَوْبَةٌ ... إِذَا عايَنَ الأَمْلاكَ أو غَرْغَرْ الصَّدِي
وَلا تَجْعَلِ الآمَالَ حِصْنًا فَإِنَّها ... سَرَابٌ يَغُرُّ الغافلَ الجاهلَ الصَّدِي
стр. 257
فَبَيْنَا هُوْ مُغْتَرًا يُفَاجِئُهُ الرَّدَى ... فَيُصْبحُ نَدمانًا يَعَضُّ على اليَدِ
وَتَوْبَةُ حقِّ اللهِ يَسْتَغْفرُ الفَتى ... وَيَندمُ يَنوي لا يَعودُ إلى الرَّدِي
وإنْ كانَ مِمَّا يُوجِبُ الحدَّ ظاهِرًا ... فسَتْرُكَ أَوْلَى مِنْ مُقِرٍّ لِيُحْدَدِ
وإن تابَ مِنْ غَصْبٍ فيُشرَطُ رَدُهُ ... وَمَعْ عَجْزِهِ يَنْوِي مَتَى وَاتَ يَرْدُدِ
وَمِنْ حَدِّ قَذْفٍ أو قِصاصٍ مَتَابُهُ ... بتَمْكِيْنِهِ مِنْ نَفْسِهِ مَعَ مَا ابتُدِي
وَتَحْلِيْلُ مَظْلُومٍ مَتَابٌ لِنَادِمٍ ... تَدَارُكُ عُدوانِ اللِسَانِ أَو اليَدِ
انْتَهَى
وَقَالَ ابن القيم ﵀ يَصِفُ الدُّنْيَا:
لَكِنَّ ذَا الإيْمَانِ يَعْلَمُ أنَّ ها ... ذَا كالضَّلالِ وَكُلُّ هَذَا فَانِ
كَخَيَالِ طَيْفٍ مَا اسْتَتَمَّ زِيَارَةً ... إِلاَّ وَصُبْحُ رَحِيْلِهِ بِأذَانِ
وَسَحَابَةٍ طَلَعَتْ بِيَوْمٍ صَائِفٍ ... فَالظِّلُّ مَنْسُوخٌ بِقُرْبِ زَمَانِ
وَكَزَهْرَةٍ وَافَى الرَّبِيْعُ بِحُسْنِهَا ... أَوْ لاَمِعَاً فَكِلاَهُمَا أَخَوَانِ
стр. 258
أَوْ كَالسِّرَابِ يَلُوْحُ لِلظَّمْآنِ في ... وَسَطَ الهَجِيْرِ بِمُسْتَوَى القِيْعَانِ
أَوْ كَالأَمَانِيْ طَابَ مِنْهَا ذِكْرُهَا ... بالقَوْلِ وَاسْتِحْضَارُهَا بِجنَانِ
وَهِيَ الغَرُوْرُ رُؤُوسُ أَمْوَالِ المَفَا ... لَيْسِ الأولِي اتَّجَرُوا بِلاَ أَثْمَانِ
أَوْ كَالطَّعَامِ يَلَذُّ عِنْدَ مَسَاغِهِ ... لَكِنَّ عُقْبَاهُ كَمَا تَجِدَانِ
هَذَا هُوَ المَثَلُ الذِيْ ضَرَبَ الرَّسُو ... لُ لَهَا وَذَا في غَايَةِ التِّبْيَانِ
وَإِذَا أَرَدْتَ تَرَى حَقِيْقَتَهَا فَخذْ ... مِنْهُ مِثَالاً وَاحِدَاً ذَا شَانِ
أَدْخِلْ بِجَهْدِكَ أَصْبُعًا فيْ الْيَمِّ وانْـ ... ـظُرْ مَا تَعَلَّقَهُ إِذًا بعَيَانِ
هَذَا هُوَ الدُّنْيَا كَذَا قَالَ الرَّسو ... لُ مُمَثِّلاً وَالحَقّ ذُوْ تِبْيَانِ
وَكَذَاكَ مَثَّلَهَا بِظِلِّ الدَّوْحِ في ... وَقْتِ الحَرُوْرِ لِقَائِلِ الرُّكْبَانِ
هَذَا وَلَوْ عَدَلَتْ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ... عِنْدَ الإِلَهِ الحَقِّ في المِيْزَانِ
لَمْ يَسْقِ مِنْهَا كَافِرًا مِنْ شَرْبَةٍ ... مَاءٍ وَكَانَ الحَقُّ بِالحِرْمَانِ
стр. 259
تَاللهِ مَا عَقَل امْرُؤٌ قَدْ بَاعَ مَا ... يَبْقَى بِمَا هُوَ مُضْمَحِلِّ فَانِ
هَذَا وَيُفْتِى ثُمَّ يَقْضِي حَاكِمًا ... بالحَجْرِ مِنْ سَفَهٍ لِذَا الإِنْسَان
إِذْ بَاعَ شَيْئًا قَدْرُهُ فَوْقَ الذِيْ ... يَعتَاضُهُ مِنْ هَذِهِ الأثْمَانِ
فَمَنِ السَّفِيْهُ حَقِيْقَةً إِنْ كُنْتَ ذَا ... عَقْلٍ وَأَيْنَ العَقْلُ لِسَّكْرَانِ
وَاللهِ لَوْ أَنَّ القُلُوْبَ شَهدْنَ مِنْ مِـ ... ـنَّا كَانَ شَأْنٌ غَيْرُ هَذَا الشَّانِ
نَفَسٌ مِنْ الأَنْفَاسِ هَذَا العَيْش إِنْ ... قِسْنَاهُ بالعَيْشِ الطَّويْل الثَّانيْ
يَا خِسَّةَ الشُّرَكَاء مَعْ عَدَمِ الوَفَا ... ءِ وَطُوْلَ جَفْوَتِهَا مِن الهِِجْرَانِ
هَلْ فِيْكِ مُعْتَبَرٌ فَيَسْلُو عَاشِقٌ ... بِمَصَارِعِ العُشَّاقِ كُلَّ زَمَانِ
لَكِنْ عَلى تِلْكَ العُيُونِ غِشَاوَةٌ ... وَعَلى القُلُوْبِ أكِنَّةُ النِّسْيَانِ
وَأَخُوْ البَصَائِرِ حَاضِرٌ مُتَيَقِّظٌ ... مُتَفَرِّدٌ عَنْ زُمْرَةِ العُمْيَانِ ...
يَسْمُو إلى ذَاكَ الرَّفِيْقِ الأرْفَعِ ألْأ ... عْلَى وَخَلَّى اللِّعِبَ لِلْصِّبْيَانِ
стр. 260
وَالنَّاسُ كُلُّهُم فَصِبْيَانٌ وَإنْ ... بَلَغُوا سِوَى الأفْرَادِ وَالوِحْدَانِ
وَإِذَا رَأَى مَا يَشْتَهِيْه يَقُولُ مَوْ ... عِدْكِ الجِنَانُ وَجَدِّ في الأَثْمَانِ
وإِذا أَبَتْ إِلاَّ الجِمَاحَ أعَاضَهَا ... بالعِلْمِ بَعْدَ حَقَائِقِ الإِيْمَانِ
ويَرَى مِن الخُسرانِ بَيْعَ الدَّائمِ الْـ ... ـباقِي بِهِ ياذِلَّةَ الخُسْرَانِ
وَيَرَى مَضَارِعَ أَهْلِهَا مِنْ حَوْلِهِ ... وَقُلُوْبُهُمْ كَمَراجِلِ النِّيْرَانِ
حَسَرَاتُهَا هُنَّ الوَقُوْدُ فَإِنْ خَبَتْ ... زَادَتْ سَعِيْرًا بِالوُقُوْدِ الثَّانِيْ
جَاؤُا فُرَادَى مِثْلَ مَا خُلِقُوْا بِلاَ ... مَالٍ وَلاَ أهْلٍ وَلاَ إِخْوَانِ
مَا مَعْهُمُو شَيءٌ سِوَى الأَعْمَالِ فَهْـ ... ـيَ مَتَاجِرٌ لِلنَّارِ أَوْ لِجِنَانِ
تَسْعَى بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ شَوْقًا إلى الدَّ ... دَارَيْنِ سَوْقَ الخَيْلِ بِالرُّكْبَانِ
صَبَرُوا قَلِيْلاً فَاسْتَرَاحُوا دَائِمًا ... يَا عِزَّةَ التَّوْفِيْقِ لِلإنْسَانِ
حَمَدُوا التُّقَى عِنْدَ المَمَاتِ كَذَا السُّرَى ... عِنْدَ الصَّبَاحِ فَحَبَّذَا الحَمْدانِ
стр. 261
وخَدَتْ بِهِمْ عَزَمَاتُهُمْ نَحْوَ العُلَى ... وَسَرَوْا فَمَا نَزَلُوا إِلى نُعْمَانِ
بَاعُوا الذِيْ يَفْنَى مِنْ الخَزَفِ الخَسِيْـ ... ـسِ بَدَائِمٍ مِنْ خَالِصِ العِقْيَانِ
رُفِعَتْ لَهُمْ في السَّيْرِ أعْلاَمُ السَّعَا ... كَتَسَابُقِ الفُرْسَانِ يَوْمَ رِهَانِ
وَأَخُوْ الهُوَيْنَا فِيْ الدِّيَارِ مُخَلَّفٌ ... مَعْ شَكْلِهِ يَا خَيْبَةَ الكَسْلاَنِ
انْتَهَى
آخر:
قَوْمٌ مَضَوْا كَانَتِ الدُّنْيَا بهم نُزَهًا ... والدَّهْرُ كالعِيدِ وَالأوْقَاتُ أَوْقَاتُ
عَدْلٌ وَأَمْنٌ وإِحْسَانُ وَبَذْلُ نَدَى ... وَخَفْضُ عَيشٍ نُقَضِّيْهِ وَأَوقَاتُ
مَاتُوا وَعِشْنَا فهُم عَاشُوا بِمَوْتِهمُ ... وَنَحْنُ في صُوَرِ الأَحْيَاءِ أَمْوَاتُ
للهِ دَرُّ زَمَانٍ نَحنُ فيهِ فَقَدْ ... أَوْدَى بِنَا وَعَرَتْنَا فِيْهِ نَكْبَاتُ
جَوْرٌ وَخَوْفٌ وَذُلُ مَالَهُ أَمَدٌ ... وَعِيْشَةٌ كُلُّهَا هَمٌّ وَآفَاتُ
وَقَدْ بُلِيْنَا بِقَوْمٍ لا خَلاَقَ لَهُمْ ... إلى مُدَارَاتِهم تَدْعُو الضَّرُوْرَاتُ
стр. 262
مَا فِيْهَمُ مِنْ كَرِيْمٍ يُرْتَجَى لِنَدىِّ ... كَلاَّ وَلا لَهُم ذِكْرٌ إذَا مَاتُوا
لا الدِّيْنُ يُوْجَدُ فِيْهم لاَ وَلاَ لَهُمُوْا ... مِن المُرُوْءَةِ مَا تَسْمُوْ بِهِ الذَّاتُ
وَالصَّبْرُ قَدْ عَزَّ وَالآَمالُ تُطْمِعُنَا ... وَالعُمْرُ يَمْضِيْ فَتَارَاتٌ وَتَارَاتُ ...
وَالمَوْتُ أَهْونُ مِمَّا نَحْنُ فِيْهِ فقَدْ ... زَالَتْ مِنْ النَّاسِ وَاللهِ المُرُوآتُ
انْتَهَى
آخر:
إِنَّ القَنَاعَةْ كَنْزٌ لَيْسَ بالفَانِيْ ... فَاغْنَمْ أٌُخَيَّ هُدِيْتَ عَيْشَهَا الفَانِ
وَعِشْ قَنُوعًا بلا حِرْصٍ وَلاَ طَمَعٍ ... تَعِشْ حَمِيْدًا رَفِيْعَ القَدْرِ وَالشَّانِ
لَيْسَ الغَنِيُّ كَثِيْرَ المَالِ يَخْزُنَهُ ... لِحَادِثِ الدَّهْرِ أَوْ لِلْوَارِثِ الشَّانِيْ
يُجَمِّعُ المَالَ مِنْ حِلٍّ وَمِنْ شُبَهٍ ... وَلَيْسَ يُنْفِقُ في بِرٍّ وَإِحْسَانٍ
يَشْقَى بِأَمْوَالِهِ قَبْلَ المَمَاتِ كَمَا ... يِشْقَى بِهَا بَعْدَه في عُمْرِهِ الثَّانِيْ
إِنَّ الغَنِّيَ غَنِيُّ النَّفْسِ قَانِعُهَا ... مُوَفَّرُ الحَظِّ مِنْ زُهْدٍ وَإِيْمَانِ
بَرٌّ كَرِيْمٌ سَخِيُّ النَّفْسِ يُنْفِقُ مَا ... حَوَتْ يَدَاهُ مِن الدُّنْيَا بِإِيْقَانِ
стр. 263
مُنَوَّرُ القَلْبِ يَخْشَى اللهَ يَعْبُدُهُ ... وَيَتَّقِيْهِ بِإسْرَارٍ وَإعْلاَنِ
مُوَفَّقٌ رَاسِخٌ في العِلْمِ مُتَّبِعٌ ... أَثَرَ الرَّسُولِ بإخْلاَصٍ وَإحْسَانِ
انْتَهَى
آخر:
يَا بَاغِيَ الإِحْسَانِ يَطْلُبُ رَبَّهُ ... لِيَفَوزَ منه بِغَايَةِ الآمَالِ
انْظُرْ إِلَى هَدْيَ الصَّحَابَةِ والذي ... كانُوا عليه في الزَّمانِ الخَالِ
واسْلُكْ طَرِيْقَ القَوْمِ أينَ تَيَمَمُوا ... خُذْ يَمْنَةً فالدَّربُ ذاتُ شَمَالِ
تَاللهِ مَا اخْتَارُوا لأنْفُسِهِمْ سِوَى ... سُبْلَ الهُدَى في القَوْل والأَفْعَالِ
دَرَجُوا عَلَى نَهْجِ الرَّسُولِ وَهَدْيِهِ ... وَبِهِ اقْتَدَوْا في سَائِرِ الأَحْوَالِ
نِعْمَ الرِّفِيْقُ لِطَالِبٍ يَبْغِي الهُدَى ... فَمَآلُهُ في الحَشْرِ خَيْرُ مَآلِ
القَانِتِيْنَ المُخْبِتِيْنَ لِرَبِّهمْ ... النَاطِقِيْنَ بأَصْدَقِ الأَقْوَالِ
التَّارِكْيْنَ لِكُلِّ فِعْلٍ سَيِءٍ ... وَالعَامِلِيْنَ بأحْسَنِ الأعَمْالِ
أهْوَاءُهُمْ تَبَعٌ لِدِيْنِ نَبِيِّهِمْ ... وسِوَاهُم بالضِّدِ مِن ذِي الحَالِ
ما شَابَهُمْ في دِيْنِهِم نَقْصٌ وَلاَ ... في قَوْلِهِمْ شَطْحُ الجَهُول الغَالِ
стр. 264
عَمِلُوا بِمَا عَلِمُوا وَلَمْ يَتَكَلَفُوا ... فَلِذَاكَ مَا شَابُوا الهُدى بَضلاَلِ
وسِوَاهُمُ بالضِّدِ في أَحْوَالِهِمْ ... تَرَكُوا الهُدَى وَدَعَوا إلَى الإِضْلاَلِ
فَهُمْ الأَدِلَةً للحيارى مَنْ يَسِرْ ... بِهُدَاهُمُ لَم يَخْشَ مِن إضْلاَلِ ...
وهُمُ النُّجُومُ هِدَايَةً وإضَاءَةً ... وعُلُوَ مَنْزِلَةٍ وَبُعْدَ مَنَالِ
يَمُشُوْنَ بَيْنَ الناسِ هَوْنَاً نُطْقُهُمْ ... بالحَقِّ لا بِجَهَالَةِ الجُهَّالِ
حِلْمَاً وَعِلْمَاً مَعْ تُقىَّ وَتَواضِعٍ ... وَنَصِيْحَةٍ مَعْ رُتْبَةِ الإِفْضَالِ
يُحْيُونَ لَيْلَهُم بِطَاعَةِ رَبِهِمْ ... بِتِلاَوَةٍ وَتَضَرُّعٍ وَسُؤالِ
وَعُيُونُهُم تَجْرِيْ بِفَيْضِ دُمُوْعِهِمْ ... مِثْلَ انْهِمَالِ الوابِلِ الهَلاَّلِ
في اللَّيْلِ رُهْبَانٌ وعِنْدَ جِهَادِهِمْ ... لِعَدُوِّهِمْ مِن أشْجَعِ الأبْطَالِ
وإذَا بَدَا عَلَمُ الرِّهَانِ رَأيْتَهُمْ ... يَتَسَابَقُونَ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ
بِوُجُوْهِهِمْ أَثَرُ السُّجُودِ لِرَبِّهِمْ ... وَبِهَا أشِعّةُ نُورِهِ المُتَلاَلِ
стр. 265
وَلَقَدْ أَبَانَ لَكَ الكِتَابُ صِفَاتِهِمْ ... فِي سُوْرَةِ الفَتْحِ المُبْينِ العَالِ
وبِرَابِعِ السَّبْعِ الطِّوَالِ صِفَاتُهُمْ ... قَوْمٌ يُحِبُهُمْ ذَوُوْا إدْلاَلِ
وَبَرَاءَةٍ والحَشْرِ فِيهَا وَصْفُهُمْ ... وبِهَلْ أَتَى وبِسُورَةِ الأَنْفَالِ
انْتَهَى
آخر:
رَأَيْتُكَ فِيْمَا يُخْطِيءُ النَّاسُ تَنْظُرُ ... ورأسُك مِن مَاءِ الخَطِيْئَةِ يَقْطُرُ
تَوَارَي بِجُدْرَانِ البُيوتِ عن الوَرَى ... وأنت بِعَيْنِ الله لَوْ كُنْتَ تَشْعُرُ
وَتَخْشَى عُيُونَ النَّاسِ أَنْ يَنْظُرُوْا بِهَا ... ولم تَخْشَ عَيْنَ اللهِ وَاللهُ يَنْظُرُ
وَكَمْ مِن قَبِيْحٍ قَدْ كَفَى اللهُ شَرَّهُ ... أَلاَ إنهُ يَعْفُو القَبِيْحَ وَيَسْتُرُ
إِلَى كمْ تَعَامَى عَنْ أُمورٍ مِنْ الهُدَى ... وَأَنْتَ إذَا مَرَّ الهَوى بِكَ تُبْصِرُ
إِذَا مَا دَعَاكَ الرُّشْدُ أحْجَمْتَ دُوْنَهُ ... وَأَنْتَ إِلَى مَا قَادَكَ الغَيُّ تَبْدُوُ
وَلَيْسَ يَقُومُ الشُّكْرُ مِنْكَ بِنِعْمَةٍ ... ولكن عَلَيْكَ الشُّكرُ إنْ كُنْتَ تَشْكُرُ
وَمَا كُلُّ مَا لَمْ تَأْتِ إِلاَّ كَمَا مَضَى ... مِن اللَّهْوِ في اللذَّاتِ إِنْ كُنْتَ تَذْكُرُ
стр. 266
وَمَا هِيَ إِلا تَرْحَةٌ بَعْدَ فَرْحَةٍ ... كَذَلِكَ شُرْبُ الدَّهْرِ يَصْفُو وَيَكْدُرُ
كَأَنَّ الفَتَى المُغْتَرَّ لم يَدْرِ أَنَّهُ ... تَرُوحُ عليهِ الحَادِثَاتُ وَتُبْكِرُ
أَجِدكَ أَمَّا كُنْتَ وَالْلَّهْوُ غَالِبٌ ... عَلَيْكَ وَأَمَّا السَّهْوُ مِنْكَ فَيَكْثُرُ
انْتَهَى
وَقَالَ ابْنُ القَيِّمْ:
يَا مُطْلِقَ الطَّرْفِ المُعَذَّبِ بالأُولَى ... جُرِّدْنَ عَنْ حُسْنٍ وَعَنْ إحْسَانِ ...
لاَ تَسْبِيَنَّكَ صُوْرَةُ مَنْ تَحْتَها الد ... دَّاءُ الدَّفِيْنُ تَبُوْءُ بِالخُسْرَانِ
قَبُحَتْ خَلاَئِقُهَا وَقُبِّحَ فِعْلُهَا ... شَيْطَانَةٌ فِي صُوْرَةِ الإِنْسَانِ
تَنْقَادُ للأنْذَالِ وَالأرذالِ هُمْ ... أكْفَاؤُهَا مِنْ دُوْنِ ذِيْ الأحْسَانِ
مَا ثَمَّ مِنْ دِيْنٍ وَلاَ عَقْلٍ وَلاَ ... خُلُقٍ وَلاَ خَوْفٍ مِنْ الرَّحْمَنِ
وَجَمَالُهَا زُوْرٌ وَمَصْنُوعٌ فَإِنْ ... تَرَكَتْهُ لَمْ تَطْمَحْ لَهَا العَيْنَانِ
طُبِعَتْ عَلَى تَرْكِ الحِفَاظِ فَمَا لَها ... بِوَفَاءِ حَقِّ الزَّوْجِ قَطُّ يَدَانِ
стр. 267
إنْ قَصَّرَ السَّاعِيْ عَلَيْهَا سَاعَةً ... قَالَتْ وَهَلْ أوْلَيْتَ مِنْ إحْسَانِ
أَوْرَامَ تَقْوِيْمًا لَهَا اسْتَعْصَتْ وَلَمْ ... تَقْبَلْ سِوَى التَّعْوِيْجِ وَالنُّقْصَانِ
أَفْكَارُهَا فِي المَكْرِ وَالكَيْدِ الذي ... قَدْ حَارَ فِيْهِ فِكْرَةُ الإنْسَانِ
فَجَمَالُهَا قِشْرٌ رَقِيْقٌ تَحْتَهُ ... مَا شِئْتَ مِنْ عَيْبٍ وَمِنْ نُقْصَانِ
نَقْدٌ رَدِيءٌ فَوْقَهُ مِنْ فِضَّةٍ ... شَيْءٌ يُظنُّ بِهِ مِنْ الأَثْمَانِ
فَالنَّاقِدُوْنَ يَرَوْنَ مَاذَا تَحْتَهُ ... وَالنَّاسُ أكْثَرُهُمْ مِنْ العِمْيَانِ
أَمَّا جَمِيلاتُ الوُجُوهِ فَخَائِنَا ... تٌ بُعُولَهُنَّ وَهُنَّ لِلإَخْدَانِ
وَالحَافِظَاتُ الغَيْبِ مِنْهُنَّ الَتِي ... قَدْ أَصْبَحَتْ فَرْدًا مِنْ النِّسْوَانِ
انْتَهَى
وقال:
يَا خَاطِبَ الحُورِ الحِسَانِ وَطَالبًا ... لِوِصَالِهنْ بِجَنَّةِ الحَيَوانِ
لَو كُنْتَ تَدْرِي مَن خَطَبْتَ وَمَن طَلَبـ ... ـتَ بَذَلْتَ ما تَحْوِي مِنَ الأَثْمَانِ
أَوْ كُنْتَ تَدْرِي أَيْنَ مَسْكَنُهَا جَعَلْـ ... ـتَ السَّعْيَ مِنْكَ لَهَا عَلَى الأَجْفانِ
стр. 268
وَلَقَدْ وَصَفْتُ طَرِيْقَ مَسْكَنِهَا فإنْ ... رُمْتَ الوِصَالَ فلا تَكُنْ بالوَانِي
أَسْرِعْ وَحُثَّ السَيْرَ جَهْدَكَ إنَّمَا ... مَسْرَاكَ هَذَا سَاعَةً لِزَمانِ
فاعْشِقْ وَحَدِّثْ بالوِصَالِ النَّفْسَ وَابْـ ... ـذُِلْ مَهْرَهَا مَا دُمْتَ ذا إمْكَانِ
واجْعَلْ صِيَامَكَ قَبْلَ لُقْيَاهَا وَيَوْ ... مَ الوَصْلِ يَوْمَ الفِطْرِ مِن رَمَضَانِ
واجْعَلْ نُعُوتَ جَمَالِهَا الحَادِي وسِرْ ... تَلْقَى المَخَاوْفَ وَهِيَ ذَاتُ أَمَانِ
لاَ يُلْهِيَنَّكَ مَنْزلٌ لَعِبَتْ بِهِ ... أيْدِي البِلاَ مِنْ سَالِفِ الأَزْمَانِ
فَلَقَد تَرَحَّلَ عَنه كُلُّ مُسَرَّةٍ ... وَتَبَدَلَتْ بالهَمِّ والأَحْزَانِ
سِجْنٌ يَضِيْقُ بِصَاحِبِ الإِيمانِ لا ... كِنْ جَنةُ المَأْوَى لِذِي الكُفْرانِ ...
سُكَّانُها أَهْلُ الجَهَالَةِ والبَطَا ... لَةِ والسَّفَاهَةِ أَنْجَسُ السُّكَانِ
وَأَلَذُهُم عَيْشًا فَأَجْهَلُهمُ بِحَـ ... ـقِ اللهِ ثم حَقَائِقِ القُرآنِ
стр. 269
عَمَرتْ بِهِم هَذِي الدِيارُ وَأَقْفَرَتْ ... مِنهم رُبُوعُ العِلْمِ والإيمان
قَد آثَرُوا الدُنْيا ولَذَةَ عَيْشِهَا الْـ ... ـفَانِي على الجناتِ والرِضوانِ
صَحِبُوا الأمانِيَ وابْتُلُوا بحُظُوظِهِم ... وَرَضُوْا بكُل مَذَلَّةٍ وَهَوانِ
كَدْحًا وَكَدًا لا يُفَتَّرُ عَنْهُم ... ما فيه مِن غَمٍّ ومِن أَحْزَانِ
والله لَو شَاهَدتَ هَاتِيْكَ الصُدُو ... رِ رَأَيْتَهَا كَمَراجِلِ النِيْرَانِ
وَوَقُودُهَا الشَّهَواتُ والحَسَراتُ والآ ... لامُ لا تَخْبُو مَدَى الأزْمَانِ
أبْدَانُهم أَجْدَاثُ هَاتِيْكَ النُفُو ... سِ اللاءِ قَد قُبِرتْ مَعَ الأَبْدَانِ
أَرْوَاحُهُمْ في وَحْشَةٍ وَجُسُوْمُهُم ... في كَدْحِهَا لا في رِضَا الرحمنِ
هَرَبُوا مِن الرِّقِ الذي خُلِقُوا لَهُ ... فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ والشَّيْطَانِ
لا تَرْضَ ما اخْتَارُوا هُمُ لِنُفُوسِهِم ... فَقدِ ارْتَضُوا بالذِلِ والحِرمانِ
стр. 270
لَوْ سَاوَتِ الدنيا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ... لم يَسْقِ منها الربُّ ذَا الكُفْرَانِ
لَكِنَّهَا واللهِ أحْقَرُ عِنْدَهُ ... مِن ذَا الجَناحِ القَاصِرِ الطَّيَرَانِ
ولقد تَوَلَتْ بَعدُ عن أصْحَابِهِا ... فالسَّعْدُ منها حَلَّ بالدَّبَرانِ
لا يُرتجى منها الوَفَاءُ لِصَبِهَا ... أَيْنَ الوَفَا مِن غَادِرِ خَوَّانِ
طُبِعَتْ عَلى كَدْرِ فَكَيفَ يَنَالُهَا ... صَفوٌ أَهَذَا قَطُ في إمكانِ
يا عاشِقَ الدُنْيا تَأهَّبْ لِلَّذِي ... قَد نَالَه العُشَاقُ كُلَّ زَمَانِ
أَوْ مَا سَمِعْتَ بَل رَأَيْتَ مَصَارِع الْـ ... ـعُشَّاق مِن شِيْبٍ ومِن شُبَّانِ
انْتَهَى
آخر:
لِيَبْكِ رسولَ اللهِ مَن كان بَاكِيَا ... ولا تنْسَ قَبرًا بالمدينةِ ثَاوِيَا
جَزَى اللهُ عنَّا كُلَّ خيرٍ محمدًا ... فقد كان مَهْدِيًا دَلِيْلاً وَهَادِيَا
وَلَنْ تسْرِيَ الذِكْرى بمَا هُو أهلُهُ ... إِذا كُنْتَ لِلْبَرِّ المُطَهَّرِ نَاسِيَا
أتَنْسَى رَسُولَ اللهِ أَفضلَ مَن مَشَى ... وآثارُهُ بالمُسْجِدَيْنِ كَمَا هِيَا
стр. 271
وكان أَبَرَّ الناسِ بالناسِ كُلِّهم ... وَأَكْرَمَهُم بَيْتًا وشعبْاً وَوَادِيَا
تَكَدَّرَ مِن بَعدِ النبيِ مُحَمَّدٍ ... عليهِ سلامُ اللهِ مَا كَانَ صَافِيَا ...
فَكَم مِن مَنَارٍ كَانَ أَوضَحَهُ لَنَا ... ومِن عَلَمٍ أَمْسَى وأَصْبَحَ عَافِيَا
رَكَنَا إِلى الدُنْيَا الدَّنِيَّةِ بَعْدَهُ ... وكَشَّفِتِ الأَطْمَاعُ مِنَّا المَسَاوِيَا
وَإِنَّا لَنُرْمَى كُلَّ يَومٍ بعَبْرَةٍ ... نَراها فَمَا نَزْدَادُ إِلاَّ تَمَادِيَا
نُسَر بِدَارٍ أَوْرَثَتْنَا تَضَاغُنَا ... عَليهَا وَدَارٍ أَوْرَثَتْنَا تَعَادِيَا
إِذَا المَرْءُ لم يَلْبَسْ لِبَاسًا مِن التُقَى ... تَقَلَّبَ عُرْيانًا وإِنْ كَانَ كَاسِيَا
أَخِيْ كُنْ عَلى يَأْسٍ مِن الناسِ كُلِّهم ... جَميعًا وكُنْ مَا عِشْتَ للهِ رَاجِيَا
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَكْفِيْ عِبَادَهُ ... فَحَسْبُ عِبَادِ اللهِ باللهِ كَافِيَا
وكَمْ مِن هَنَاتٍ مَا عَلَيْكَ لَمَستَهَا ... من الناس يومًا أَوْ لَمسْتَ الأَفَاعِيَا
أَخِي قَد أَبَى بُخْلِي وَبُخْلُكَ أَنْ يُرَى ... لِذِي فَاقَةٍ مِنِي ومِنْكَ مُوَاسِيَا
стр. 272
كِلاَنَا بَطِيْنٌ جَنْبُهُ ظَاهِرُ الكِسى ... وفي الناسِ مَن يُمْسِي وَيُصْبِحُ طَاوِيَا
كَأَنَّا خُلِقْنَا لِلْبَقَاءِ وَأَيُنَا ... وإنْ مُدَّتِ الدُنْيَا لَهُ لَيْسَ فَانِيَا
أَبَى الموتُ إِلاَ أنْ يَكُونَ لِمَنْ ثَوى ... مَن الخَلقِ طُرًا حَيُثُمَا كَانَ لاَقِيَا
حَسَمْتَ المُنَى يا مَوْتُ حَسْمًا مُبرِّحًا ... وَعَلَمْتَ يَا مَوْتُ البُكَاءَ البَواكِيَا
وَمَزَّقْتَنَا يا مَوْتُ كُلَّ مُمَزَقٍ ... وعَرَّفْتَنَا يَا مَوتُ مَنْكَ الدَوَاهِيَا
أَلاَ يَا طَوِيلَ السُّهْوِ أَصْبَحْتَ سَاهِيًا ... وَأَصْبَحتَ مُغْترًا وَأَصْبَحْتَ لاَهِيَا
أَفِي كُلِّ يَومٍ نَحْنُ نَلْقَى جَنَازَةً ... وفي كُلِّ يَومٍ نَحْنُ نَسْمَع نَاعِيَا
وفي كُلِّ يَومٍ مِنْكَ نَرْثِي لِمُعْوِلٍ ... وفي كل يَومٍ نحنُ نُسْعِدُ بَاكِيَا
أَلاَ أَيُهَا البَانِي لِغَيْرِ بَلاَغِهِ ... أَلاَ لِخَرَابِ الدهرِ أَصْبَحْتَ بَانِيَا
أَلا لِزَوَالِ العُمْرِ أَصْبَحْتَ جَامِعًا ... وَأَصبَحْتَ مُخْتَالاً فَخُورًا مُبَاهيَا
كَأَنَّكَ قَد وَلَيْتَ عن كُلِّ مَا تَرَى ... وخَلَّفْتَ مَن خَلَّفْتَهُ عَنْكَ سَالِيَا
انْتَهَى
стр. 273
آخر:
يا مَن يَطُوفُ بكَعْبَةٍ الحُسْنِ التي ... حُفَّتْ بِذَاكَ الحِجْرِ والأَرْكَانِ
وَيَظَلُ يَسْعَى دَائِمًا بَيْنَ الصَّفَا ... وَمُحَسِّرٌ مَسْعَاهُ لاَ العَلَمَانِ
وَيَرُوْمُ قُرْبَانَ الوِصَالِ عَلى مِنَى ... والخَيفُ يُحْجِبُه عن القُرْبَانِ
فَلِذَا تَراهُ مُحْرمًا أَبَدًا وَمَو ... ضِعُ حِلِّهِ مِنْهُ فَلَيْسَ بِدَآنِي
يَبْغِي التَّمَتُعَ مُفْردًا عن حِبِّهِ ... مُتَجَرِّدًا يَبْغِي شَفِيْعَ قِرَانِ ...
فَيَظَلُّ بالجَمَراتِ يَرْمِي قَلْبَهُ ... هَذِي مَنَاسِكُهُ وَكُل زَمَانِ
والناسُ قَد قَضَّوْا مَناسِكَهم وَقَدْ ... حَثُّوا رَكائِبَهم إلى الأَوْطَانِ
وَخَدَتْ بهِم هِمَمٌ لَهُمْ وَعَزَائِمٌ ... نَحْوَ المَنَازِلَ أَوَّلَ الأَزْمَانِ
رُفِعَتْ لَهُمْ في السّيْرِ أَعْلاَمُ الوصَا ... لِ فَشَمَّرُوْا يَا خَيْبَةَ الكَسْلاَنِ
وَرَأَوا عَلى بُعْدٍ خِيَامَاً مُشْرِفَا ... تٍ مُشْرِقَاتِ النُّوْرِ والبُرْهَانِ
стр. 274
فَتَيَمَمُوا تِلْكَ الخِيَامَ فآنَسُوا ... فِيهِنَّ أقْمَارًا بِلاَ نُقْصَانِ
مِن قَاصِراتِ الطَّرْفِ لا تَبْغِي سِوَى ... مُحْبُوبِها مِن سَائِر الشُبَّانِ
قَصَرَتْ عَليهِ طَرْفَهَا مِن حُسْنِهِ ... والطَرَفُ في ذَا الوَجْهِ لِلنَّسْوَانِ
أَوْ أَنَّهَا قَصَرَتْ عَليهِ طَرْفَهُ ... مِن حُسْنِهَا فالطَّرْفُ لِلذُكْرانِ
والأَولُ المَعْهُودُ مِن وَضْعِ الخِطَا ... بِ فلا تَحُدْ عَن ظاهِرِ القُرْآنِ
وَلَرُبَّمَا دَلَّتْ إشَارَتُه عَلَى الثَّـ ... ـانِي فَتِلْكَ إشَارَةٌ لِمَعَانِي
هَذَا وَلَيْسَ القَاصِراتُ كَمَنْ غَدَتْ ... مَقْصُورةً فَهُمَا إذًا صِنْفَانِ
يَا مُطْلِقَ الطَّرْفِ المُعَذَّبِ في الألَى ... جُرِّدْنَ عَنْ حُسْنٍ وَعَنْ إحْسَانِ
لاَ تَسْبِيَنَّكَ صُوْرَةُ مَنْ تَحْتَها الد ... دَّاءُ الدَّفِيْنُ تَبُوْءُ بِالخُسْرَانِ
قَبُحَتْ خَلاَئِقُهَا وَقُبِّحَ فِعْلُهَا ... شَيْطَانَةٌ فِي صُوْرَةِ الإِنْسَانِ
стр. 275
تَنْقَادُ للأنْذَالِ وَالأرذالِ هُمْ ... أكْفَاؤُهَا مِنْ دُوْنِ ذِي الأحْسَانِ
مَا ثَمَّ مِنْ دِيْنٍ وَلاَ عَقْلٍ وَلاَ ... خُلُقٍ وَلاَ خَوْفٍ مِنْ الرَّحْمَنِ
وَجَمَالُهَا زُوْرٌ وَمَصْنُوعٌ فَإِنْ ... تَرَكَتْهُ لَمْ تَطْمَحْ لَهَا العَيْنَانِ
طُبِعَتْ عَلَى تَرْكِ الحِفَاظِ فَمَا لَها ... بِوَفَاءِ حَقِّ الزَّوْجِ قَطُّ يَدَانِ
إنْ قَصَّرَ السَّاعِيْ عَلَيْهَا سَاعَةً ... قَالَتْ وَهَلْ أوْلَيْتَ مِنْ إحْسَانِ
أَوْ رَامَ تَقْوِيْمًا لَهَا اسْتَعْصَتْ وَلَمْ ... تَقْبَلْ سِوَى التَّعْوِيْجِ وَالنُّقْصَانِ
أَفْكَارُهَا فِي المَكْرِ وَالكَيْدِ الذي ... قَدْ حَارَ فِيْهِ فِكْرَةُ الإنْسَانِ
فَجَمَالُهَا قِشْرٌ رَقِيْقٌ تَحْتَهُ ... مَا شِئْتَ مِنْ عَيْبٍ وَمِنْ نُقْصَانِ
نَقْدٌ رَدِيءٌ فَوْقَهُ مِنْ فِضَّةٍ ... شَيْءٌ يُظنُّ بِهِ مِنْ الأَثْمَانِ
فَالنَّاقِدُوْنَ يَرَوْنَ مَاذَا تَحْتَهُ ... وَالنَّاسُ أكْثَرُهُمْ مِنْ العِمْيَانِ
стр. 276
أَمَّا جَمِيْلاتً الوُجُوهِ فَخَائِنَا ... تٌ بُعُولَهُنَّ وَهُنَّ لِلإَخْدَانِ
وَالحَافِظَاتُ الغَيْبِ مِنْهُنَّ الَتِي ... قَدْ أَصْبَحَتْ فَرْدًا مِنْ النِّسْوَانِ ...
فانْظُرْ مَصَارِعَ مَن يَلِيْكَ وَمَن خَلاَ ... مِن قَبْلُ مِن شِِيْبٍ ومِن شُبَّانِ
وارْغَبْ بِعَقْلِكَ أن تَبِيْعَ الغَالِي الْـ ... بَاقِي بذَا الأدْنَى الذِي هُو فَانِي
إِنْ كَانَ قَدْ أَعْيَاكَ خُودٌ مِثْلَ مَا ... تَبْغِي وَلَم تَظْفَرُ إلَى ذَا الآنِ
فاخْطُبٌ مِن الرحمن خُوْدًا ثُمَّ قَدْ ... دِمْ مَهْرَهَا مَا دُمْتَ ذَا إِمْكَانِ
ذَاكَ النِكاحُ عَلَيْكَ أَيْسَرُ إن يَكُنْ ... لَكَ نِسْبَةٌ لِلْعِلْمِ والإِيْمَانِ
واللهِ لم تُخْرَجْ إلى الدُنْيَا لِلَّذْ ... دَةِ عَيْشِهَا أَوْ لِلْحُطَامِ الفَانِي
لَكِنْ خَرَجْتَ لِكَيْ تُعِِدَّ الزَاد لِلْـ ... أُخْرَى فَجِئْتَ بِأَقْبَحِ الخُسْرَانِ
أَهْمَلْتَ جَمْعَ الزَّادِ حَتَّى فَاتَ بَلْ ... فَاتَ الذِيْ أَلْهَاكَ عَن ذَا الشَّان
انْتَهَى
стр. 277
آخر:
تَذَكَّرْ وَلاَ تَنْسَ الْمِعَادَ وَلا تَكُنْ ... كَأَنَّكَ مُخْلَى لِلمَلاعِبِ مُمْرَجُ
وَلاَ تَنْسَ إِذْ أَنْتَ المُوَلْوَلُ حَوْلَهُ ... ونَفْسُكَ مِن بَيْنَ الْجَوَانِحُ تَخْرُجُ
وَلاَ تَنْسَ إِذْ أَنْتَ الْمُسَجَّى بِثَوْبِهِ ... وَإِذْ أَنْتَ فِي كَرْبِ السِّيَاقِ تُحَشْرجُ
وَلاَ تَنْسَ إِذْ أَنْتَ الْمُعَزَّى قَرِيْبُهُ ... وَإِذْ أَنْتَ فِي بِيْضٍ مِن الرَّيْطِ مُدْرَجُ
وَلاَ تَنْسَ إِذْ يَهْدِيْكَ قَوْمٌ إِلَى الثَّرَى ... إِذْا مَا هَدَوْكَاهُ انْثَنَوا لَمْ يُعَرِّجُوا
وَلاَ تَنْسَ إِذْ قَبْرٌ وإِذْ مِن تُرَابِه ... عَلَيْكَ بِه رَدْمٌ وَلِبْنٌ مُشَرَّجُ
وَلاَ تَنْسَ إِذْ تُكْسَى غَدًا مِنْهُ وَحْشَةً ... مَجَالِسُ فِيْهِنَّ العَنَاكِبُ تَنْسِجُ
وَلاَ بُدَّ مِنْ بَيْتِ انقطاعٍ وَوَحْدَةٍ ... وَإنْ سَرَّكَ البَيْتُ العَتِيْقُ الْمُدَبَّجُ
أَلاَ رُبَّ ذِيْ طِمْرٍ غَدًا فِي كَرَامَةٍ ... وَمَلْكٍ بِتِيْجَانِ الْهَوَانِ مُتَوَّجُ
لَعَمْرُكَ مَا الدَّنْيَا بِدَارِ إِقَامَةٍ ... وَإنْ زَخْرَفَ الغَاوُوْنَ فِيْهَا وَزَبْرَجُوا
انْتَهَى
آخر:
إِنْ كُنْتَ تَطْمَعُ في الحَيَاةِ فَهاتِ ... كَمْ مِن أَبٍ لَكَ صَارَ في الأَمْوَاتِ
стр. 278
مَا أَقْرَبُ الشَّيءَ الجَدِيْدَ مِن البِلَى ... يَومًا وَأَسْرعَ كُلَّ مَا هُوَ آتِ
اللَّيْلُ يَعْمَلُ وَالنَّهَارُ وَنَحْنُ عَـ ... ـمَّا يَعْمَلانِ بأغْفَلِ الغَفَلاَتِ
يا ذَا الذِي اتَّخَذَ الزَّمَانَ مَطِيَّةً ... وخُطَا الزَّمَانِ كَثِيْرَةُ العَثََراتِ
مَاذَا تَقُولُ وَلَيْسَ عِنْدَكَ حُجَّةٌ ... لَوْ قَدْ أَتَاكَ مُنْغِّصُ اللَّذَاتِ ...
أَوْ مَا تَقُولُ إذا سُئِلْتَ فَلَمْ تُجِبْ ... وإِذا دُعِيْتَ وَأَنْتَ في الغَمَرَاتِ
أَوْ مَا تَقُولُ إِذَا حَلَلْتَ مَحَلَّةً ... لَيْسَ الثِّقَاتُ لأَهْلِهَا بِثِقَاتِ
أَوَ مَا تَقُوْلُ وَلَيْسَ حُكْمُكَ نَافِذَاً ... فِيْمَا تُخَلِّفُهُ مِن التَّرِكَاتِ
مَا مَنْ أَحَبَّ رِضَاكَ عَنْكَ بِخَارِجٍ ... حَتَّى تَقَطَّعَ نَفْسُهُ حَسَراتِ
زُرْتُ القُبُورَ قُبُورَ أَهْلِ المُلْكِ في الدُ ... نْيَا وَأَهْلِ الرَّتْعِ في الشَّهَوَاتِ
كَانُوا مُلُوْكَ مَآكِلٍ وَمَشَارِبٍ ... وَمَلابِسْ وَرَوَائِحٍ عَطِرَاتِ
стр. 279
فَإِذَا بِأَجْسَادٍ عَرَيْنَ مِن الكِسَا ... وَبِأَوْجُهٍ في التُّرْبِ مُنْعَفِرَاتِ
لَمْ تُبْقِ مِنْهَا الأرْضُ غَيْرَ جَمَاجِمٍ ... بِيْضٍ تَلُوْحُ وَأَعْظُمٌٍ نَخِرَاتِ
إِنَّ المقَابِرَ مَا عَلِمْتَ لَمَنْظِرٌ ... يَهْدِي الشَّجَا وَيُهَيِّجُ العَيبَرَاتِ
سُبْحَانَ مَنْ قَهَرَ العِبَادَ بقُدْرَةٍ ... بارِي السُّكُونِ وَنَاشِر الحَرَكَاتِ
انْتَهَى
آخر:
عَسَى توْبَةٌ تُمْحَى بِهَا كُلُّ زَلَّةِ ... وَتَغْسِلُ أَدْرَانَ القُلُوبِ المَرِيْضَةِ
أَجدكَ مَا الدُنْيَا وَمَاذَا نَعِيْمُهَا ... وَهَلْ هِيَ إِلاَّ دَارُ بُؤْسٍ وَحَسْرَةِ
ولم أَرَى فِيْهَا مَا يَرُوْقَ بَلَى بِهَا ... تُرِيْقُ دَمَ الأَعْمَارِ أَسْيَاقُ غَفَلَةِ
إِذَا أَدْرَكِتَ فَيْهَا مَسَّرةَ سَاعَةٍ ... أَتَتْكَ إِسَاءَاتٌ تُنِسِيْكَ بالَّتِي
وَإِنْ عَطَفَتَ فالعَطْفُ عَطْفَ تَوَهُمٍ ... فإيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَ مِنْهَا بعَطْفَةِ
رَأَيْنَا أُنَاسًا قَدْ أَنَاخَتْ بِسَوْحِهِم ... وَقَالَتْ خُذُوا مِن زَهْرَتِي كُلَّ مُنْيَةِ
فَغَرَّتْهُمُ حَتَّى اسْتَبَاحُوا حَرِيْمَهَا ... وَحَطُّوا بِهَا الأَثقَالَ مِن كُلِّ شَهْوَةِ
стр. 280
فَمَا هِيَ إِلاَّ أَنْ أَرَتْهُمْ نَعِيْمَهَا ... وَمَدَّدُوْا أَعْنَاقًا إِلى كُلِّ لَذَّةِ
أَتَتْهُم فأجْلَتْ عَنهُمُ كُلَّ شَهْوةٍ ... أَرادُوا وَأَخْلَتْ مِنْهُم كُلَّ غُرْفَةِ
فَصَارُوا أَحَادِيْثًا لِكُلِّ مُحَادِثٍ ... وَهُمْ سَمَرُ السُّمَارِ في كُلِّ سَمْرَةِ
وَلِلْعَيْنِ كَانُوا قُرَّةً ثُمَّ أَصْبَحُوْا ... وَهُمْ عِبْرةٌ تَجْري بِهَا كُلُ عَبْرَةِ
تَبَدَّلَ مِنها كُلُ شَيءٍ بضِدِّهِ ... فإيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ فِيْهَا بِرُتْبَةِ
فَصِِحَّتُها والعِزُ والمَالُ بَعْدَهَا ... سَقَامٌ وذِلٌ وافْتِقَارٌ بِقِلَّةِ
أَرَى هَذِهِ الأَعمارَ أَحْلامَ نائمٍ ... وَلَذَتَهَا طَيْفًا أَلَمَّ بمُقْلَتِي
أَلَسْتَ تَرى الأَتْرَابُ قَدْ رَحَلُوا إِلَى ... تُرابٍ وَحَلَّوْا في مَنَازِلِ وَحْشَةِ ...
مُقِيمِينَ فِيَمَا يَنْظُرونَ مَتَى مَتَى ... تَرُوْحُ إِليْهِم في عَشِيٍّ وَبُكْرَةِ
وَتُقْبِلُ في جَيْشٍ قُصَارَى مَرَامِهم ... نُزُولُكَ فَرْدًا حُفْرةً أَيَّ حُفْرَةِ
وَيَحْثُو عَلَيْكَ التُرْبَ كُلُ مُشَيِّعٍ ... ثَلاثَاً وَهَذَا مِن فِعَالِ الأَحِبَةِ
стр. 281
فَتَنْزِلُ دَاراً لا أَنِيْسَ بهَا وَلاَ ... خَلِيلَ بها تُفْضِي إِليهِ بخُلَّتِي
سَوَى رَحْمَةِ الرَّحْمنِ يَا خَيْرَ رَاحِم ... أَسَأْنَا فَقَابِلْنَا بِعَفْوٍ وَرَحْمَةِ
وَصَلِّى عَلَى المُخْتَارِ والآلِ إِنَّهَا ... لِحُسْنِ خِتَامِ في نِظَامِ القَصِيْدَةِ
انْتَهَى
غيره:
لَيْسَ الحَوادِثُ غَيرَ أَعْمَالِ امْرِيءٍ ... يُجْزَى بهَا مِن خَيرِهِ أوْ شَرِّه
فإِذا أًصِبْتَ بما أُصِيْتَ فلا تَقُلْ ... أُوذِيتُ مِن زِيْدِ الزَّمانِ وعَمْرِهِ
وأَثْبُتْ فكَمْ أَمْرٍ أَمَضَّكَ عُسَرُهُ ... ليلا فبَشَّرَك الصبَّاحُ بيُسْرِهِ
ولَكَمْ علَى نَاسٍ أَتَىَ فَرَجُ الفَتَى ... مِن سِرِّ غَيْبٍ لا يَمُرُّ بِفكْرِهِ
فاضْرَعْ إلى الله الكريم ولا تَسِلْ ... بَشَرًا فَلَيْسَ سِوَاهُ كَاشِفَ ضُرِّه
واعْجَبْ لنَظْمِىَ والهُمُومُ شَواغِلٌ ... يُلْهِينَ عَن نظمِ الكلامِ ونَثْرِهِ
انْتَهَى
آخَرُ:
إلَهِي لا تُعَذَبَنْي، فَإِنِّي ... مُقِرٌّ بالذّي قَدْ كانَ مِنِّي
وَمَا لِيْ حِيْلَةٌ، إلاَّ رَجائي، ... وَعَفْوُكَ، إنْ عَفَوْتَ، وَحُسْنُ ظَنيِّ
فكَمْ مِنْ زَلّةٍ لِي في البَرايَا، ... وَأَنْتَ عَليَّ ذُوْ فَضْلٍ، وَمَنِّ
стр. 282
إذا فَكّرْتُ في نَدَمِي عَلَيها، ... عَضَضْتُ أنامِلي، وَقَرَعْتُ سِنِّي
يَظُنُّ النّاسُ بِي خَيْرًا، وَإِنِّيْ ... لَشَرُّ النّاسِ، إنْ لم تَعْفُ عَني
أُجَنُّ بِزَهْرَةِ الدّنْيَا جُنُونًا، ... وَأُفِنْي العُمْرَ فيها بالتَّمَني
وَبَيْنَ يَدَيَّ مُحْتَبَسٌ ثَقِيْلٌ، ... كأنِّي قد دُعِيْتُ لَهُ، كَأنِّي
وَلَوْ أَنِّي صَدَقْتُ الزُّهْدَ فيها، ... قَلَبْتُ لأهْلِهَا ظَهْرَ المِجَنِّ
انْتَهَى
قَالَ ابنُ القَيم ﵀:
وَالجَنَّةُ اسْمُ الجنسِ وهْيَ كَثِيْرَةٌ ... جِدَا ولكَنْ أَصْلُها نَوعَانِ ...
ذَهَبِيَّتَانِ بِكُلِ مَا حَوتَاهُ مِنْ ... حُلْيٍ وَآنِيَةٍ وَمِن بُنْيَانِ
وَكَذَاكَ أيْضًا فِضَّةٌ ثِنْتَانِ مِنْ ... حُلْيٍ وَبُنْيَانِ وَكُلِِّ أَوانِ
لَكِنَّ دارَ الخُلْدِ والمَأْوَى وَعَدْ ... نٍ والسلامِ إضَافَةٌ لِمَعانِ
أَوْصَافُها اسْتَدعَتْ إَضَافَتَها إِلَيْهَا ... مِدْحَةً مَعَ غَايَةَ التِبْيَانِ
لَكنَّمَا الفِرْدَوس أَعْلاَهَا وَأَوْ ... سَطُهَا مَسَاكِنُ صَفْوَةِ الرحمنِ
أَعْلاَهُ مَنْزِلَةً لأَعْلَى الخَلْقِ مَنْـ ... ـزِلةً هُو المَبْعُوثُ بالقُرْآنِ
وَهِيَ الوَسِيْلَةُ وَهِيَ أَعْلَى رُتْبَةً ... خَلُصَتْ لَه فَضْلاً مِن الرحمنِ
стр. 283
ولقد أتَى في سُوْرَةِ الرحمنِ ... تَفْصِيْلُ الجِنَان مُفَصَّلاً بِبَيَانِ
هِي أَرْبَع ثِنْتَانِ فَاضِلَتَانِ وَ ... يَلِيْهِمَا ثِنْتَانِ مَفْضُولانِ
فالأَوْلَيَانِ الفُضْلَيَانِ لأَوْجُهٍ ... عَشْرٍ وَيَعْسُرُ نَظْمُهَا بِوِزَانِ
وإِذا تَأَمَّلْتَ السِّيَاقَ وَجَدْتَهَا ... فِيْه تَلُوحُ لِمَنْ لَهُ عَيْنَانِ
سُبحانَ مَنْ غَرَسَتْ يَدَاهُ جَنَّةَ ... الفَرْدَوسِ عِنْدَ تَكَامُلِ البُنْيَانِ
وَيَدَاهُ أيضًا أتْقَنَتْ لِبِنَائِهَا ... فَتَبَارَكَ الرحمنُ أَعْظَمُ بَانِي
لَمَّا قَضَى رَبُ العِبَادِ الغَرْسَ قَا ... لَ تَكَلَمِيْ فَتكَلَّمَتْ بِبَيَانِ
قَد أَفْلَحَ العبدُ الذي هُوَ مُؤْمِنٌ ... مَاذَا ادَّخَرْتَ لَهُ مِن الإحسانِ
انْتَهَى
آخر:
أذَلّ الحِرْصُ والطّمَعُ الرِّقابَا ، ... وقَد يَعفُو الكَريمُ، إذا اسْتَرَابَا
إذا اتَّضَحَ الصّوابُ، فلا تَدَعْهُ، ... فإنّكَ قَلّمَا ذُقتَ الصَّوابَا
وَجَدْتَ لَهُ على اللَّهَواتِ بَرْدًا، ... كَبَرْدِ الماءِ حِيْنَ صَفَا وطابَا
ولَيس بحاكِمٍ مَنْ لا يُبَالي، ... أأخطَأ في الحُكُومَةِ أَمْ أصابَا
وإنَ لِكُلِّ تَلْخِيْصٍ لَوَجْهًا، ... وإنّ لِكُلِّ ذِي عَمَلٍ حٍسَابَا
وإنَّ لِكُلِّ مُطّلَعٍ لَحَدَاً، ... وإنّ لِكُلّ ذِي أجَلٍ كِتابَا
стр. 284
وكُلُّ سَلامَةٍ تَعِدُ المَنَايَا، ... وكُلُّ عِمارَةٍ تَعِدُ الخَرابَا
وكُلُّ مُمَلَّكٍ سَيَصِير يَوْمًا، ... وما مَلَكَتْ يَداهُ مَعًا تُرابَا
أبَتْ طَرَفَاتُ كُلِّ قَريرِ عَين ... بَها، إلاّ اضْطِرابًا وانْقِلابَا
كَأَنَّ مَحَاسِنَ الدّنْيا سَرابٌ، ... وأيُّ يَدٍ تَنَاوَلتِ السرَّابَا ...
وإنْ يَكُ مُنْيَةٌ عَجِلِتْ بِشَيءٍ ... تُشَرُّ به، فإِنَّ لَهَا السرَّابَا
فَيا عَجَبَا تَمُوتُ، وأَنتَ تَبْني، ... وتَتَّحِذ المَصانِعَ والقِبَابَا
أَرَاكَ، وكُلَّمَا فَتَّحْتَ بَابًا ... مِنَ الدّنْيا، فَتَحْتَ عَلَيْكَ نَابَا
ألمْ تَرَ أنّ غُدْوَةَ كُلِّ يَوْمٍ، ... تَزيْدُكَ، مِن مَنِيَّتِكَ، اقْترَاباَ
وحُقّ لِمُوْقِنٍ بالمَوْتِ أَنْ لاَ ... يُسَوِّغَهُ الطّعامَ، ولا الشّرَابَا
يُدَبِّرُ ما تَرَى مَلِكٌ عَزيْزٌ، ... بِهِ شَهِدَتْ حَوادِثُهُ وغَابَا
أَلَيْسَ اللهُ في كُلٍ قَرِيْبًا؟ ... بَلَى! مِن حَيثُ ما نُوُدِي أَجَابَا
ولم تَرَ سَائِلاً للهِ أَكْدَى، ... ولمْ تَرَ رَاجِيًا للهِ خَابَا
رَأَيْتَ الرُّوْحَ جَدْبَ العَيشِ لَمَّا ... عَرفتَ العَيشَ مَخْضًا، واحْتِلابَا
ولَسْتَ بِغَالِبِ الشَّهَوَاتِ، حَتَّى ... تُعدِّ لَهُنَّ صَبْرًا واحْتِسَابَا
فكُلُّ مُصيبَةٍ عَظُمَتْ وجَلّتْ ... تَحِفّ، إذا رَجوْتَ لَها ثَوَابًا
كَبِرْنَا أَيُّهَا الأَتْرَابُ، حتى ... كأنا لم نكُنْ حِيْنًا شَبَابَا
وكُنَّا كالغُصُونِ، إذا تَشَنّتْ ... مِنَ الرّيحانِ مُونِعَةً واسْتِلابَا
ألاَ ما لِلكُهُولِ ولِلتّصابِي، ... إذا ما اغْتَرَّ مُكْتهَلٌ تَصَابَى
فَزِعْتُ إلى خِضابِ الشّيِبِ مِنّى ... وإنَّ نُصَولَهُ فَضَحَ الخِضَابَا
انْتَهَى
آخر:
لَيْتَ شِعْري سَاكَن القَبرِ المشِيْدْ ... هَلْ وَجَدْتَ اليومَ فيهِ مِن مَزيْدْ
وَهَل البَاطنُ فيهِ مثْلُ مَا ... هُوَ في الظَاهرِ تَزْوِيْقًا وَشِيْدْ
стр. 285
وَهَل المضْجَعُ فيْهِ لَيِّنٌ ... أَوْ سَعِيْرٌ مالَهَا فيه خُمُوْدْ
وَهَل الأَرْكانُ فيه بالتُّقَى ... نَيَّراتٌ أوْ بأَعْمَالكَ السُوْدْ
لَيْتَ شعْرِيْ سَاكِن القَبْرِ المُشَيْدْ ... أَشَقىٌ أَنْتَ فيه أَمْ سَعِيْدْ
أقَريْبٌ أنْتَ من رَحْمَةِ مَنْ ... وَسِعَ العَالمَ إِحسَانًا وُجُوْدْ
أم بَعيْدٌ أنْتَ مِنْهَا فَلَقَدْ ... طُرِقَتْ دَارُكَ بَالوَيْل البَعِيْدْ
وَلَقَدْ حَلَّ بِأرْجَائِكَ مَا ... ضَاقَ عَنْهُ كُلُّ مَا في ذَا الْوُجُوْدْ
أيُّهَا الغَافلُ مِثْلِيْ وإلىَ ... كَمْ تَعَامَي وتَلَوْي وَتَحِيْدْ
ادْنُ فَاقْرَأْ فَوْقَ رَأَسِيْ أَحْرُفًا ... خَرَجَتْ وَيْحَكَ مِنْ قَلْبٍ عَمِيْدْ ...
صَرَعَتْهُ فِكْرَةٌ صَادقَةٌ ... وهُمُوْمٌ كَلَّمَا تَمْضِيْ تَعُوْدْ
وَنَدَاماتٌ لأيَّامٍ مَضَتْ ... هُوَ مِنْهَا في قِيَامٍ وَقُعُوْدْ
وغَدًا تَرْجِعُ مِثْلِيْ فاتُّعِظْ ... بيْ وإِلاَّ فَامْضِ وأعْمَلْ مَا تُرِيْدْ
قَدْ نَصَحْنَاكَ فإن لَمْ تَرَهُ ... سَيَراهُ بَصَرُ مِنْكَ حَدِيْدْ
انْتَهَى
قال بعضهم:
وَعَبْدُ الهَوَى يَمْتَازُ مِن عَبْدِ رَبِّهِ ... لَدَى شَهْوةٍ أَوْ عِنْدَ صَدْمنِ بَلِيَّةِ
بِكِيْرِ البَلاَ يَبْدُوْ مِن التِّبْرِ حُسْنُهُ ... وَيَبْدُو نُحَاسُ النَّحْسِ فِي كُلِّ مِحْنَةِ
خَلاَ مِنْ حُلَى قَوْمِ كِرَامٍ تَدَرَّعُوا ... دُرُوْعَ الرِّضَا والصَّبْرِ في كُلِّ شدَّةِ
وَلاَقَوْا طِعَانَ النَّفْسِ فِي مَعْرَكِ الهَوَى ... وَرَاحُوْا وَقَدْ أرْوَوْا مَوَاضِي الأَسِنَّةِ
وَسَاقُوْا جِيَادَ الجِدِّ عِنْدَ اشْتِيَاقِهِمْ ... وَأَرْخَوْا لَهَا نَحْوَ العُلاَ لِلأَعِنَّةِ
следующие страницы →