← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38155

مجموعة القصائد الزهديات

عبد العزيز السلمان

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

كَمُعْتَقِدِ أَنْ لَيْسَ حَقا وَوَاجِبًا ... عَلَيه اتِّباعُ المُصْطَفَى خَيْرِ مُرْشِدِ فَمَنْ يَعْتَقِدْ هَذَا الضَّلاَلَ وأنَّهُ ... يَسَعْهُ خُرُوْجٌ عَن شَرِيْعَةِ أَحْمَدِ كَمَا كَانَ هَذَا في شَرِيْعَةِ مَن خَلاَ ... كَصَاحِبِ مُوْسَى حَيْثُ لَمْ يَتَقَيَّدِ هُوَ الخَضِرُ المُقْصُوصُ في (الكهفِ) ذِكْرُهُ ... وَمُوْسَى كِلِيْمِ اللهِ فافْهَمْ لِمَقْصَدِ ... وَهَذَا اعْتِقَادٌ لِلْمَلاحِدَة الأولي ... مَشَايِخِ أَهْلِ الاتّحَادِ المُفَنَّدِ كَنَحْوِ ابنِ سِيْنَا وابنِ سَبْعَيْنَ والذي ... يُسَمَّى ابْنَ رُشْدٍ والحَفِيْدِ المُلَدَّدِ وَشَيْخِ كَبِيْرٍ في الضَلاَلِة صَاحِبُ الْـ ... ـفُصُوصِ وَمَن ضَاهَاهُمُ في التَّمَرُّدِ وَعَاشِرُهَا الإِعْرَاضُ عن دِيْنِ رَبِّنَا ... فَلا يَتَعَلَّمهُ فَلَيْسَ بِمُهْتَدِ وَمَن لَمْ يَكُنْ يَومًا مِن الدَّهْرِ عَامِلاً ... بِهِ فَهُوَ في كُفْرَانِهِ ذُوْ تَعَمُّدِ وَلاَ فَرْقَ في هَذِي النَواقِضِ كُلِّها ... إِذا رُمْتَ أَنْ تَنْجُوْ وَلِلْحَقِّ تَهْتَدِ هُنَالِكَ بَيْنَ الهَزْلِ والجِدِّ فاعْلَمَنْ ... ولا رَاهب منهم لِخَوْفِ التَّهَدُّدِ

стр. 317

سِوَى المُكْرَهِ المَضْهُودِ إنْ كَانَ قَدَ أَتَى ... هُنَالِكَ بالشَّرْطِ الأَطِيدِ المُؤَكَّدِ وَحَاذِرْ هَدَاكَ الله مِن كُلِّ نَاقضٍ ... سِوَاهَا، وَجَانِبْهَا جَمِيْعًا لِتَهْتَدِ وَكُنْ بَاذِلاً لِلْجِدِّ والجُهْدِ طَالِبًا ... وَسَلْ رَبَّكَ التَّثْبِيْتَ أَيَّ مُوَحِّدِ وإِيَّاهُ فارْغَبْ في الهِدَايَةِ لِلْهُدَى ... لَعَلَّكَ أَنْ تَنْجُو مِن النارِ في غَدِ وَصَلِ إلهِي مَا تَأَلَّقَ بَارِقٌ ... وما وَخَدَتْ قُودٌ بِمَوْرٍ مُعَبَّدِ تَؤُمُّ إلى البَيْتِ العَتِيْقِ وَمَا سَرَى ... نَسِيْمُ الصَّبَا أَو شَاقَ صَوْتُ المُغَرِّدِ وَمَا لاَحَ نَجْمٌ في دُجَى اللَّيْلِ طَافِحٌ ... وما انْهَلَّ صَوْبٌ في عَوَالٍ وَوُهَّدِ على السِّيِدِ المَعْصُومِ أَفْضَلَ مُرْسَلٍ ... وأكَرَم خَلْقِ اللهِ طُرًا وَأَجْوَدِ وآلٍ وَأَصْحَابٍ وَمَن كَانَ تَابِعًا ... صَلاةً دَوَامًا في الرَّوَاحِ وفي الغَدِ انْتَهَى آخر: يَا مَنْ يُتَابِعُ سَيّدَ الثَّقَلانِ ... كُنْ لِلْمُهَيْمِنِ صَادِقَ الإِيْمَانِ وَاعْلَمْ بأنَّ الله خَالِقُكَ الذِي ... سَوَّاكَ لم يَحْتَجْ إلى إِنْسَانِ

стр. 318

خَلَقَ البَرِيَّةَ كُلَّهَا مِن أَجْلِ أَنْ ... تَدَعْوُهُ بِالإخْلاصِ وَالإذْعَانِ قَدْ أَرْسَلَ الآياتِ مِنْهُ مُخَوِّفًا ... لِعَبَادِه كَي يُخلِصَ الثَّقَلانِ وَأَبَانَ لِلإنْسَانِ كُلَّ طَرِيْقَةٍ ... كَي لا يَكُونَ لَهُ اعْتِذَارٌ ثَانِي ثُم اقْتَضَى أَمْرًا وَنَهْيًا عَلَّهَا ... تَتَمَيَزُ التَّقْوَى عَن العِصْيَانِ وَوُلِدْتَ مَفْطُورًا بِفِطْرتَكِ التِي ... لَيْسَتْ سِوَى التَّصْدِيْقِ والإِيْمَانِ وَبُلِيْتَ بالتَّكْلِيْف أَنْتَ مُخَيَّر ... وَأَمَامَك النَّجْدَانِ مُفْتَتَحَانِ فَعَمِلْتَ مَا تَهْوَى وَأَنْتَ مُرَاقَبٌ ... مَا كُنْتَ مَحْجُوبًا عَن الدَّيَّانِ ... ثُم انْقَضَى العُمْرُ الذِي تَهْنَا بِهِ ... وَبَدَأْتَ فِي ضَعْفٍ وَفي نُقْصَانِ وَدَنَا الفِرَاقُ ولاتَ حِيْنَ تَهْرُّب ... أَيْنَ المَفَرُّ من القَضَاءِ الدَّانِي وَالْتَفَّ صَحْبُكَ يَرْقُبُوْنَ بِحَسْرةٍ ... مَاذَا تَكُونُ عَوَاقِبُ الحَدَثَانِ واسْتَلَّ رُوْحَكَ وَالقُلُوبُ تَقَطَّعَتْ ... حُزنًا وَألْقَتْ دَمْعَهَا العَيْنَانِ

стр. 319

فَاجتَاح أَهْلَ الدَّارِ حُزْنٌ بَالِغٌ ... وَاجْتَاحَ مِن حَضَرُوا مِن الجِيْرَانِ فالبِنْتُ عَبْرَى لِلْفِرَاقِ كَئِيْبَة ... وَالدَّمْعُ يَمْلأ سَاحَةَ الأَجْفَانِ والزَّوْجُ ثكْلَى والصِّغَارُ تَجَمعُوا ... يَتَطَّلَعُوْنَ تَطَلُعَ الحَيْرَانِ والابنُ يَدْأبُ في جَهَازِكَ كَاتِمًا ... شَيْئًا مِن الأَحْزَانِ وَالأَشْجَانِ وَسَرَى الحَدِيْثُ وَقَدْ تَسَاءَلْ بَعْضُهُم ... أَوْ مَا سَمِعْتُم عَنْ وَفَاةِ فُلانِ قَالُوا سَمِعْنَا والوَفَاةُ سَبِيْلُنَا ... غَيْرُ المُهَيْمِنِ كُلُّ شَيءٍ فَانِي وَأَتَى الحَدِيْثُ لِوَارِثِيْكَ فَأَسْرَعُوا ... مِن كُلِّ صَوْبٍ لِلْحُطَامِ الفَانِي وَأَتَى المُغَسِّلُ والمُكَفِّنُ قَدْ أَتَى ... لِيُجَلِلُوكَ بِحُلِّةِ الأَكْفَانِ وَيُجَرِّدُوْكَ مِن الثِّيَابِ وَيَنْزَعُوْا ... عَنْكَ الحَرِيْرَ وَحُلَّةَ الكتَّانِ وَتَعُودُ فَرْدًا لَسْتَ حَامِلَ حَاجَةٍ ... مِن هَذِه الدُّنْيَا سِوَى الأَكْفَانِ وَأَتى الحَدِيْثُ لِوَارِثِيْكَ فَأَسْرَعُوا ... فَأَتُوا بِنَعْشٍ وَاهِن العِيْدَانِ

стр. 320

صَلُّوا عَلَيْكَ وَأَرْكَبُوكَ بِمَرْكَبٍ ... فَوْقَ الظُّهُورِ يُحَفُّ بِالأَحْزَانِ حَتَّى إِلى القَبْرِ الذِي لَكَ جَهَّزُوا ... وَضَعُوكَ عِنْدَ شَفِيْرِهِ بِحَنَانِ وَدَنَا الأَقَارِبُ يَرْفَعُونَكَ بَيْنَهُم ... لِلَّحدِ كَي تُمْسِي مَع الدِّيْدَانِ وَسَكَنَت لَحْدًا قَدْ يَضِيْقُ لِضِيْقِهِ ... صَدْرُ الحَلِيمِ وَصَابِرُ الحَيَّوانِ وَسَمِعَت قَرْعَ نِعَالِهِم من بَعْدِ مَا ... وَضَعُوكَ في البَيْتِ الصَّغِيْرِ الثَّانِي فِيهِ الظَّلامُ كَذا السُّكُونُ مُخَيَّمٌ ... وَالرُّوْحُ رُدَّ وَجَاءَكَ المَلَكَانِ وَهُنَا الحَقِيْقَةُ وَالمُحَقِقُ قَدْ أَتَى ... هَذَا مَقَامُ النَّصْرِ وَالخُذْلانِ إِنْ كُنْتَ في الدُّنْيَا لِرَبِّكَ مُخْلِصًا ... تَدْعُوْهُ بِالتَّوحِيْدِ والإِيْمَانِ فَتَظَلُّ تَرْفُلُ في النَّعِيْمِ مُرَفهًا ... بِفَسِيْحِ قَبْرٍ طَاهِرِ الأَرْكَانِ وَلَكَ الرَّفِيْقُ عَن الفِرَاقَ مُسَلِيًّا ... يُغْنِي عن الأَحْبَابِ وَالأَخْدَانِ فُتِحَتْ عَلَيْكَ مِن الجِنَانِ نَوَافِذ ... تَأْتِيْكَ بِالأَنْوَارِ وَالرَّيْحَانِ

стр. 321

وَتَظَل مُنْشَرِحَ الفُؤادِ مُنَعمًا ... حَتَّى يَقُومَ إلى القَضَا الثَّقَلانِ ... تَأْتِي الحِسَابَ وَقَدْ فَتَحَتْ صَحِيْفَةً ... بِالنُّورِ قَدْ كُتِبَتْ وَبِالرِّضْوَانِ وَتَرَى الخَلائِقَ خَائِفِيْنَ لِذَنْبِهِم ... وَتَسِيْرُ أَنْتَ بِعِزَّةٍ وَأَمَانِ وَيُظِلُّكَ اللهُ الكريمُ بِظِلِّهِ ... وَالنَّاسُ في عَرَقٍ إِلى الآذَانِ وَتَرَى الصِّرَاطَ وَلَيْسَ فِيهِ صُعُوبَةٌ ... كَالبَرَقِ تَعْبُرُ فِيهِ نَحْوَ جِنَانِ فَتَرى الجِنَانَ بِحُسْنِهَا وَجَمَالِهَا ... وَتَرَى القُصُورَ رَفِيْعَةَ البُنْيَانِ طِبْ في رَغِيْدِ العَيْشِ دُوْنَ مَشَقَّةٍ ... تُكْفِى مَشَقَّةُ سَالِفِ الأَزْمَانِ وَالبَسْ ثِيَابَ الخُلْدِ واشْرَبْ وَاغْتَسِلْ ... وَابْعِدْ عَن الأَكْدَارِ وَالأَحْزَانِ سِرْ وانْظُرِ الأَنْهَارَ واشْرَبْ مَاءَهَا ... مِن فَوْقِهَا الأَثْمَارِ في الأَفْنَانِ وَالشَّهْدُ جَارٍ في العُيُونِ مُطَهَّرٌ ... مَع خُمْرَةِ الفِرْدَوْسِ وَالأَلْبَانِ وَالزَّوْجُ حُورٌ في البُيُوتِ كَوَاعِبٌ ... بِيْضُ الوُجُوهِ خَوَامِصُ الأَبْدَانِ

стр. 322

أَبكار شِبْهِ الدّرِِّ في أَصْدَافِهِ ... وَاللؤُلُؤ المَكْنُونِ وَالمَرْجَانِ وَهُنَا مَقَرٌّ لا تَحَوُّلَ بَعْدَهُ ... فِيْهِ السُّرُورِ برؤيَةِ الرَّحمنِ أَمَّا إِذَا مَا كُنْتَ فِيْهَا مُجْرِمًا ... مُتَتَبِعًا لِطَرَائِقِ الشَّيْطَانِ ثَكِلَتْكَ أمُّكَ كَيْفَ تَحْتَمِلُ الأَذَى ... أَمْ كَيْفَ تَصْبِرُ في لَظَى النِّيْرَانِ فَإِذَا تَفَرَّقَ عَنْكَ صَحْبُكَ وانْثَنَى ... حُمَّالُ نَعْشكَ جَاءَكَ المَلَكَانِ جَاءَا مَرْهُوْبَيْنِ مِن عَيْنَيْهِمَا ... تَرمى بِأَشواظٍ مِنَ النِّيْرَانِ سَألاكَ عَن رَبٍّ قَدِيْرٍ خَالِقٍ ... وَعَن الذي قَد جَاءَ بِالقُرْآنِ فَتَقولُ لا أَدْرِي وَكُنْتَ مُصَدقًا ... أَقْوَالَ شِبْهِ مَقَالَةِ الثَّقَلانِ فَيُوبخِانِكَ بِالكَلام بِشِدَّةِ ... وَسَيْضَرِبَانِكَ ضَرْبِةَ السَّجَانِ فَتَصِيْح صَيْحَةَ آسِفٍ مُتَوَجِعٍ ... وَيَجِي الشُّجَاعُ وَذَاكَ هَوْلٌ ثَانِي وَيَجِي الرَّفِيْقُ فَيَا قَبَاحَة وَجْهِهِ ... فَكَأَنَّهُ مُتَمَردٌ مِن جَانِ وَتَقُوْلُ يَا وَيْلا أَمَا لي رَجْعَةٌ ... حَتَّى أَحلَّ بِسَاحَةِ الإِيْمَانِ لَو عُدْتَ للدنْيَا لَعُدْتَ لِمَا مَضَى ... في جَانِبِ التَّكْذِيْب والعِصْيَانِ وأنشد بَعْضُهم: مُرَادُكَ أنْ يَتِمَّ لَكَ المُرَادُ ... وَتَرْكُضُ في مَطَالِبِكَ الجِيَادُ وَتَمْضِي فِي أَوَامِرِكَ اللَّيَالِي ... فَلا يُعْصَى هَوَاكَ وَلا يَكَادُ لَقَدْ مَلَكَتْ مُضلاتُ الأَمَاني ... قِيَادَكَ فاغْتَدَيْتَ بِهَا تُقَادُ ... أَلَمْ تَسْمَعْ بِذِي أَمَلٍ بَعِيْدٍ ... وَآمَالُ الفَتَى منها بِعَادُ رَمَاهُ المَوتُ فَانْقَبَضَتْ إِلِيهِ ... أَمَانِيْهِ بِشَيءٍ لا يُرَادُ وَيَلْقَاهُ بإِثر المَوتِ يَوْمٌ ... تَمِيْدُ لِهَولِهِ السَّبْعُ الشِّدَادُ تُصَمُّ لِوَقْعِهِ الآذَانُ صَمًّا ... وَيَنْطِقُ مِنْ زَلازِلِهِ الجَمَادُ فَكَمْ سَالَتْ هُنَالِكَ مِنْ دُمُوعٍ ... يُغَيِّرهُنَّ مِن دَمِهِ الفُؤادُ

стр. 323

وكمْ شَاهَتْ هُنَالِكَ مِن وُجُوهٍ ... عَلى صَفَحَاتِها طُلِيَ الحِدَادُ ومَاذا الكَرْبِ يُشْبهُ ما عِهِدْنَا ... وأنَّى يُشْبِهُ البَحْرَ الثَّمَادُ وَمَا الأسْمَاءُ تُعْطِيْكَ اتِّفَاقًا ... عَلَى مَعْنًى يَتم لَكَ المُرَادُ ولَكِنْ رُبَّمَا كَانَ اشْتِبَاهٌ ... قَلِيْلٌ لا يُحَسُّ ولا يَكَادُ يُسَمَّى البَحْرُ ذُوْ الأهْوَالِ بَحْرًا ... وبَحْرًا مِثْلُهُ الفَرَسُ الجَوَادُ انْتَهَى آخر: لِمَنْ وَرْقَاءُ بِالوَادِي المَرِيْعِ ... تَشُبُّ بِهِ تَبِارِيْحُ الضُلُوعِ عَلَى فَيْنَانَةٍ خَضْراءَ يَصْفُوْ ... عَلَى أَعْطَافِهَا وَشي الرَّبِيْعِ تُرَدِِّدُ صَوْتَ بَاكِيَةٍ عَلَيها ... رَمَاهَا المَوتُ بِالأَهْلِ الجَمِيْعِ فَشَتَّتَ شَملَهَا وَأَدَالَ منه ... غَرَامًا عَاثَ في قَلْبٍ صَرِيْعِ عَجِبْتُ لَهَا تَكَلَّمُ وهي خَرِسَا ... وَتَبْكِي وَهْيَ جَامِدَةُ الدُّمُوْعِ فَهِمْتُ حَدِيْثَهَا وَفَهِْتُ أَنِّي ... مِن الخُسْران في أَمْرٍ شَنِيْعِ أَتَبْكِي تِلْكَ إنْ فَقَدَتْ أَنِيْسًا ... وَتَشْربُ منه بِالكَأْسِ الفَظِيْعِ وَها أَنَا لَسْتُ أَبْكِي فَقْد نَفْسِي ... وَتَضْيِيْعِ الحَياة مَعَ المُضِيْعِ وَلَوْ أَنِّي عَقَلْتُ اليَوْمَ أَمْرِي ... لأَرْسَلْتُ المَدامِعَ بِالنَّجِيْعِ أَلا يَا صَاحِ والشَّكْوَى ضُرُوْبٌ ... وَذِكْرُ المَوتِ يَذْهَبُ بِالهُجُوْعِ لَعَلَّكَ أَنْ تُعِيْرَ أَخَاكَ دَمْعًا ... فَمَا في مُقْلَتَيْهِ مِن الدُمُوعِ انْتَهَى آخر: هُوَ الموتُ فَاصْنَعْ كُلَّ مَا أَنْتَ صَانِعُ ... وَأَنْتَ لِكَأْسِ المَوتِ لابُدَّ جَارِعُ أَلاَ أَيهَا المَرْءُ المُخَادِعُ نَفْسَه ... رُوَيْدًا أَتَدْرِي مَن أَرَاكَ تُخَادِعُ ...

стр. 324

وَيَا جَامِعَ الدُّنْيَا لِغَيْرِ بَلاغِهِ ... سَتَتْرُكُها فانْظُرْ لِمَنْ أَنْتَ جَامِعُ فَكَمْ قَد رَأَيْتُ الجَامِعِيْنَ قَد اصْبَحَـ ... تْ لَهُم بَينَ أَطْبَاقِ التُّرَابِ مَضَاجِعُ لَوْ أَنَّ ذَوِي الأَبْصَارِ يَرْعَونَ كُلمَّا ... يَرَوْنَ لَمَا جَفَّتْ لِعَيْنٍ مَدَامِعُ طَغَى الناسُ مِن بَعْدِ النَّبِي مُحَمَّدٍ ... فَقَدْ دَرَسَتْ بَعْدَ النَّبي الشَّرَائِعُ وصارتْ بطونُ المُرْملاتِ خَمِيْصَةً ... وأيتامُها منهم طَرِيدٌ وجائِعُ وإِنَّ بُطُونَ المُكْثِرينَ كأنَّمَا ... يُنَقْنِقُ في أَجْوافِهِنَّ الضَّفادِعِ فَمَا يَعرفُ العَطْشَانَ مَِن طَالَ رَيُّهُ ... ولا يَعِرْفُ الشَّبْعَانُ مَن هُوَ جَائِعُ وَتَصْرِيفُ هذا الخلقِ للهِ وَحْدَهُ ... وَكُلٌّ إليه لا مَحَالَةَ رَاجِعُ وَللهِ فِي الدنيا أعاجِيْبُ جَمَّةٌ ... تَدلُّ عَلى تَدْبِيرِهُ وَبَدَائِعُ ولله أَسرارُ الأُمُورِ وَإِنْ جَرَتْ ... بِها ظاهِرًا بينَ العِبَادِ المَنَافِعُ ولله أَحكَامُ القضاءِ بِعِلْمِهِ ... أَلا فَهوَ مُعْطٍ مَا يَشَاءُ وَمَانِعُ

стр. 325

إِذَا ضَنَّ مَن ترَجُو عليكَ بِنَفْعِهِ ... فَدَعْهُ فإنَّ الرزقَ في الأرضِِ وَاسِعُ ومَن كانَتِ الدُّنيا مُنَاهُ وَهَمّهُ ... سَبَتْهُ المُنَى واسْتَعْبَدَتْهُ المَطَامِعُ وَمَن عَقَل اسْتَحْيَى وأكْرَمَ نَفْسَهُ ... وَمَن قَنِعَ اسْتَغْنَى فَهَلْ أَنْتَ قَانِعُ لِكُلِّ امْرِءٍ رَأيان رَأيٌ يَكُفُّهُ ... عن الشَّرِ أَحْيانًا وَرَأيٌّ يُنَازِعُ انْتَهَى قَالَ بَعْضُهُمْ يَرْثِي أَخًا لَهُ: يَا صَاحِبِيْ إِنَّ دَمْعِيْ اليَوْمَ مُنْهَمِلٌ ... عَلَى الخُدُوْدِ حَكَاهُ العَارِضُ الهَطِلُ وَفي الفُؤادِ وَفي الأَحْشَاءِ نَارُ أَسى ... إِذَا أَلَمَّ بَهَا التَّذْكَار تَشْتَعِلُ عَلى الأَحِبَّةِ والإخْوَانِ إذْ رَحَلُوْا ... إِلَى المقَابِرِ والألْحَادِ وانْتَقَلُوْا كُنَّا وَكَانُوْا وَكَانَ الشَّمْلُ مُجْتَمِعًا ... وَالدَّارُ آهِلَة وَالحبْلُ مُتَّصِلُ حَدَا بِهِمْ هَادِمُ اللَّذَّاتِ في عَجَلٍ ... فَلَمْ يُقٍيْمُوا وَعَنْ أَحْبَابِهِمْ شُغِلُوا وَلَمْ يَعُوْجُوا عَلى أَهْلٍ وَلاَ وَلَدٍ ... كَأَنَّهمْ لَمْ يَكُوْنُوا بَيْنَهمْ نَزَلُوْا إِنِّي لأَعْجِبُ لِلدُّنْيَا وَطَالِبِهَا ... وَلِلْحِرِيْصِ عَلَيْهَا عَقْلُهُ هَبَلُ وَغَافِل لَيْسَ بالمَغْفُولِ عَنْهُ وَإِنْ ... طَالَ المَدَى غَرَّهُ الإمْهَالُ وَالأَمَلُ نَاسٍ لِرِحْلَتِهِ نَاسٍ لِنُقْلَتِهِ ... إِلَى القُبُوْرِ التيْ تَعْيَا بِهَا الحِيَلُ فَيْهَا السؤال وَكَمْ هَوْلٍ وَكَمْ فِتَنٍ ... لِلْمُجْرِمِيْنَ الأُلَىَ عَنْ رَبِّهمْ غَفَلُوا ... وَفِي القُبُوْرِ نَعِيْمٌ لِلتَّقيّ كَمَا ... فِيْهَا العَذَابُ لِمَنْ في دِيْنِهِ دَخَلُ قُلْ لِلْحَزيْن الذِيْ يَبْكِيْ أَحِبَّتَهُ ... ابْكِ لِنَفْسِكَ إِنَّ الأَمْرَ مُقْتَبِلُ

стр. 326

فَسَوْفَ تَشْرَبُ بالكَأْسِ الذِيْ شَربُوا ... بِهَا إنْ يَكُنْ نَهلٌ مِنْهَا وَإِنْ عَلَلُ فَاغْنَمْ بَقِيَّةَ عُمْرِ مَرَّ أَكْثَرُهُ ... فَي غَيْر شَيءٍ فَمَهْلاً أَيُّهَا الرَّجُلُ انْتَهَى آخر: كرِهْتُ وَعَلاَّمِ الغُيوبِ حَيَاتِي ... وأصْبَحْتُ أَرْجُو أنْ تَحينَ وَفَاتي فَشَا السُوءُ إلا في القليل مِنَ الوَرَى ... وخاضُوا بِحارَ اللهْوِ والشَّهَواتِ وضَاعَتْ لَدَيْهِمْ حُرْمُة الدِّينِ واغْتَدَتْ ... نُفُوسُهُمُو في الفِسْقِ مُنْغَمِسَاتِ وقدْ فَسَدَتْ أَخْلاقُهُمْ وتَغَيَّرتْ ... وأضْحَتْ خِلالُ الخِزْيِ مُنْتَشِرَاتِ وَسَارَ الخَنَا فِيْهِمْ فلَسْتُ أرَى سِوَى ... كَتَائِبِ فُسَّاقٍ وجَمْعَ طغَاةِ فَمِنْهُمْ كَذُوْبٌ في الوِدَادِ مُخَادِعٌ ... أراهُ صَدِيقِي وهُوَ رأْسُ عُداتِي يُقابِلُنِي بالبِشْرِ واللطْفِ عِنْدَمَا ... يَرَانِي ويَدْعُو لِيْ بِطُولِ حَيَاتِي وإنْ غِبْتُ عنه سَبَّني وأَهَانَني ... وَعَدَّ عُيُوبي للوَرَى وَهَنَاتِي ومِنهُمْ شَقِيٌّ هَمُّهُ الفِسْقُ والزِنَا ... ولَوْ كانَ عُقْبَاهُ إلى الهَلَكَاتِ تُلاقِيهِ يَجْرِي خَلْفَ مُسْلِمَةٍ بِلاَ ... حَيَآءٍ ولا خَوْفٍ مِنَ اللَّعَنَاتِ

стр. 327

كَأنْ لَمْ يُفَكِّرْ أنَّ تِلْكَ كَأخْتِهِ ... فَيَغْمِزُهَا لِلْحَظِ والغَمَزَاتِ وَيُبْدِي لَهَا الإِعْجَابَ غِشًّا وَخِدْعةً ... ولمْ يَرْعَ حقَّ اللهِ في الحُرُمَاتِ وآخَرُ أَمْسَى لِلْعُقَارِ مُعَاقِرًا ... وأَصْبَحَ في خَبلٍ وفي سَكَرَاتِ تَرَاهُ إذَا مَا أَسْدَلَ الليلُ سِترَهُ ... عَلَيهِ وَوَافِى بَادِيَ الظلُمَاتِ يُدِيْرُ ابْنَةَ العُنْقُودِ بَينَ صِحَابِهِ ... ويَطْربُ بينَ الكأس والنَّغمَاتِ وَقَدْ أَغْفَلَ المِسْكِيْنُ ذِكْرَ مَمَاتِهِ ... وَما سَيُلاقِي مِنْ جَوَى النَّزَعَاتِ يتِيْهُ عَلَى كُلِّ العِبادِ بِعُجْبِهِ ... وَيَخْتَالُ كِبْرًا نَاسِيًا لِغَدَاةِ غَدَاةَ يُوارَى فِي التُّرابِ ويَغْتَدِي ... طَعامًا لَدُودِ القَبْرِ والحَِشَرَاتِ وآخَرُ مَغْرُورٌ بكَثْرَةِ مَالِهِ ... وما عِنْدَهُ فِي البَنْكِ مِنْ سَنَدَاتِ يُفاخِرُ خَلْقَ اللهِ بالْجَاهِ والغِنَى ... وبالْمَالِ لا بالفَضْلِ والْحَسَنَاتِ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ المالَ فَانٍ وأَنَّهُ ... يَزُولُ كَسُحبِ الصّيْفِ مُنْقَشِعَاتِ ...

стр. 328

وَذَا شَاهِدٌ بالزُّور إنْ يُسْتَعِنْ بِهِ ... أَخُو شِقْوةٍ يَشْهَدْ بِكُلِّ ثَبَاتِ ولَمْ أَدْرِ مَاذَا قَدْ أَعَدَّ لِموْقِفٍ ... بِهِ يَقِفُ العَاصِيْ بغَيْرِ حُمَاةِ وذَا آكِل مَالَ اليَتِيْمِ وَلَمْ يَدَعْ ... لَهُ عِنْدَ رَدِّ الحَقِّ غَيْرَ فُتَاتِ وفي بَطْنِهِ قَدْ أَدْخَلَ النّارَ عامِدًا ... وأصْبَحَ مَحْرُوْمًا مِنَ النَّفَحَاتِ وَذَلِكَ مُغْتابٌ وَهَذا مُنَافِقٌ ... لِحِطَّتِهِ قَدْ عُدَّ فِي النّكِرَاتِ وَهَذا يَغُشُّ الناسَ فِي البَيْعِ والشِرَا ... وأَرْبَاحُهُ مَنْزُوْعَةُ البَرَكَاتِ وَهَذَا حَوَى كُلَّ الخَنَا وَصِفَاتهُ ... مَعَ الخَلْقِ والخَلاَّقِ شَرُّ صِفَاتِ وكَمْ مُعْلِنٍ لِلْفِطْرِ والنّاسُ صُوَّم ... يُجَاهِرُ فِي الإفْطَارِ في الطُّرُقَاتِ وَلَيْسَ يُبَالِي بانْتِقَامِ إلهِهِ ... وَتَعْذِيْبِهِ لِلأَنْفُسِ النَّجِسَاتِ وَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ مُسْتَطِيْعٍ تَرَاهُ لاَ ... يُبَادِر بِحَجِّ البَيْتِ قَبْلَ فَوَاتِ فَيَسْعَى بِنَفْسٍ مِلْؤُها البِرُّ وَالتُّقَى ... لِتَلْبِيَةِ الرَّحْمَن في عَرَفَاتِ

стр. 329

وَلَمْ أَرَ إِلاَّ النَّزْرَ فِيْهِمْ مُسارِعًا ... لإِحْيَاءِ دِيْنِ اللهِ بِالصَّلَوَاتِ وما الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ إِلاَّ وَسَائلٌ ... عَلَى المُتّقي تَسْتَنْزِلُ الرَّحَمَاتِ وَتَنْهَى عَنْ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ الذي ... يَزُجُّ بِمَنْ يَأتِيْهِ في الكُرُبَاتِ وَيَنْدُرُ أَنْ أَلْقَى غَنِيًّا بمالِهِ ... يَجُودُ لِذِي جُوعٍ وَذَاتِ عُرَاةِ فَمَا ائْتَمَرُوا بالأمْرِ كَلاَّ وَلاَ انْتَهَوْا ... عَنْ النَّهْيِ حَتَّى سوَّدُوا الصَّفَحَاتِ وعاثُوا فَسادًا فِي البِلادِ فَأصْبَحُوا ... بعِصْيَانِهِمْ في أسْفَلِ الدَّرَجَاتِ خَلاَئِقُ يَأْبَاهَا الرَّشِيْدُ لِقُبْحِهَا ... وَلاَ يَرْتَضِيْهَا غَيْرُ أَحْمَقَ عَاتِي ويُنْكِرُها ذُوْ العَقْلِ والرَّأْيِ والحِجَا ... ويَخْجَلُ مِنْهَا صادقُ العَزَمَاتِ وَمَنْ يَتَّخِذْها مَنْهَجًا خَابَ سَعْيُهُ ... ولا يَقْتَنِيْ مِنْهَا سِوَى الحَسَرَاتِ إِذا جَاءَ وَقْتُ الصَّيْفِ شَدَّ رِحالَهُ ... إِلَى الغَرْبِ يَلْهُوْ والشَّبَابُ مُوَاتِي كأنَّ بَنِي الإِسْلاَمِ في عَصْرِنا غَدَوْا ... لِهَدْمِ عُلا الإِسْلامِ شَرَّ دُعاةِ

стр. 330

فَتُوبُوا عِبَادَ اللهِ للهِ وَارْجِعُوا ... إِلَيْهِ تَنَالُوا مُنْتَهَى الرَّغَبَاتِ وَلاَ تَقربُوا مَا لاَ يَحِلُّ وأَبْعِدُوا ... نُفُوسَكُمُو حَتَّى عن الشُّبُهَاتِ وأَدُّوا حُقوقَ اللهِ وارعَوْا حُدودَهُ ... كَمَا يَنْبَغِي في الجَهْرِ والخَلَواتِ وَلاَ تَهِنُوا يَومًا وَلاَ تَحْزَنُوا لِمَا ... يُصِيْبُكُمُو فِي الحَقِّ مِنْ عَقَبَاتِ تَفُوزُوا برِضْوانِ الإِلهِ ولُطْفِهِ ... ويُغدِقْ عَلَيْكم أنْعُمَاً وهِبَاتِ ... وَيَفْتَحْ لَكُمْ بَابَ القَبولِ ويَسْتَجِبْ ... إِذا مَا دَعَوْتُمْ صالِحَ الدَّعَوَاتِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ فِي النَّسْلِ قُرَّةَ أعْيْنٍ ... وَيَرْزُقَكُمُ مِنْ أطيَبِ الثَّمَرَاتِ ويُمْدِدْكُمُ بالنَّصْرِ حَتَّى إِذا طَغَى ... عَلَيْكُمْ عدُوٌّ رَدَّهُ بِشَتَاتِ فَمَا حَلَّ هَذَا الحَالُ إِلاَّ لِنَبْذِكُمْ ... تَعَالِيمَ دِينِ اللهِ نَبْذَ نَوَاةِ وَمَا سلَّطَ اللهُ العَدُوَّ عَلَيْكُمُ ... فَلَم يَبْقَ فِيْكُمْ غَيْرُ بعضِ رُفاتِ سِوَى بُعْدِكُمْ عَنْ دِينِهِ ولأنّكمْ ... قَنِعْتُمْ عَن الأعْمَالِ بالكلِمَاتِ انْتَهَى

стр. 331

هَذِهِ أَبْيَاتٌ مُخْتَارَةٌ مِن قَصِيْدَةِ لِبَعْضِ العُلَمَاءِ رَدًا عَلَى مَنْ قَالَ بالطَّبِيعَةِ وَاهًا لِدُنْيَا إِذَا مَا أَقْبَلَتْ قَتَلَتْ ... وشَوْطُ إِقْبَالِهَا فَوْتٌ وَإِدْبَارُ دَسَّتْ لَكَ السُّمَّ في حَلْوَى زَخَارِفِهَا ... وَزَيَّنَتْ لَكَ مَا عُقْبَاهُ أَضْرَارُ وعِشْتَ دَهْرًا مِنَ الأَعْوَامِ مُنْتَظِرًا ... في مَلْعَبٍ كُلُّهُ جُرْمٌ وإِصْرَارُ حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقْتُ المَقْتِ وَانْتَشَبَتْ ... يَا لاَهِيًا لِلْمَنَايَا فِيْكَ أَظْفَارُ خَابَتْ ظُنُوْنُكَ فِي دُنْيا مُخَادِعَةٍ ... أَلْوَتْ عِنَانَكَ عَمَّا كُنْتَ تَخْتَارُ يَا ذَا الوِجَاهَةِ والجَاهِ العَرِيْضِ لَقَدْ ... خَاَنَتْ عُهُوْدَكَ أَعْوَانٌ وَأَنْصَارُ أَلْقَوْكَ فِي حُفْرَةٍ هَالَتْكَ وَحْشَتُهَا ... كَأَنَّها مِخْدَعٌ يُغْلَى بِهِ القَارُ وَغَادَرُوْكَ وَمَا فِي الحيِّ مِن حَكَمٍ ... تشْكُو إِلَيْهِ وَمَا فِي الدَّارِ دَيَّارُ يَا رَاقِدًا وَمَضِيْقُ القَبْرِ مَضْجَعُهُ ... أَمَلَّكَ القِطْرُ أَمْ ضَاقَتْ بِكَ الدَّارُ

стр. 332

أَبعْدَ مَا فِي مَغَانِي الحَيِّ مِن سَعَةٍ ... تُغْنِي الضَّجِيْعَ عنِ الأمْيَالِ أَشْبَارُ خَلَوْتَ وَحْدَكَ لاَ خِلٌ وَلاَ خَدَمُ ... فَهَلْ تُنَاجِيْكَ بالإِصْلاَحِ أَفْكَارُ أَمْ أَنْتَ مِمَّنْ يَرَوْنَ المَوْتَ رَاحَتَهُمْ ... يَا حَبَّذَا الموْتِ لَوْلاَ الحَشْرُ والنَّارُ والقَبْرُ إِنْ لَمْ تَكُنْ فِيْهِ مُنَغِّصَةٌ ... حَاكْتْ زَوَايَاهُ رَوْضًا فِيْهِ أَزْهَارُ لَكِنَّهُ وَظَلاَمُ الزَّيْغِ يُوْحِشُهُ ... سِجْنٌ لَهُ مِنْ ذَوَاتِ النَّهْشِ عُمَّارُ فَهَلْ يُحَاكِي قُبُورَ القَوْمِ مَضْجَعُكُمْ ... أَمْ زَاحَمَتْكَ ظَلامَاتٌ وآصَارُ بِالأَمْسِ صَدْرًا أَخَا كِبْرٍ وَغَطْرَسَةٍ ... وَمَا سِوَى الصَّدْرِ نَهَّاؤٌ وَأَمَّارُ وَاليَوْمَ بَيْنَ هَوَامِ الأرْضِ مُضْطَجِعٌ ... في مَضْجَعٍ مَا بِهِ جَارٌ وَسُمَّارُ وَاهًا لِدُنْيَا إِذَا مَا أَقْبلَتْ قَتَلَتْ ... وشوْطُ إقْبَالِهَا فَوْتٌ وإِدْبَارُ ... تَمُرُّ بالمَرْءِ مَرَّ الطَّيْفِ بَاسِمَةً ... وخَلْفهَا مِن جُيُوْشِ الحُزْنِ جَرَّارُ إِذَا سَقَتْ كَأْسَ إِيْنَاسٍ أَخَا سَفَهٍ ... تَجَرَّعَ السُّمَّ مِنْهُ وَهُو مَخْتَارُ

стр. 333

وَمَا السُّمُوْمُ سِوَى لِذَاتِهَا وبِهَا ... كَمْ أَهْلَكَتْ أُمَمَاً فِي القَبْرِ قَدْ مَارُوْا تَزْهُو لأَهْلِ الهَوَى حَتَّى إِذَا ابْتَهَجُوْا ... جَاءَتْ بِمَا فيْهِ أرْزَاءٌ وَأَكْدَارُ يَا وَيْحَ مَنْ أَخَذَتْ يَوْمًا بمِخْنَقِهِ ... إِلى طَرِيْقٍ إِلَيْهَا يَنْتَهِي العَارُ ويَا نَدَامَةَ مَنْ لَمْ يَبْكِ إنْ ضَحِكَتْ ... فَضِحْكُها لِذَوِيْ اللَّذَاتِ إِنْذَارُ وَيَا خَسَارَةَ مَنْ أَنْسَتْهُ مَبْدَأَهُ ... ومُنْتَهَاهُ وَلَمْ يُوْقِظْهُ تَذْكَارُ كَالشَّابِِّ تُنْسِيْهِ عَصْرَ الشَّيْبِ غُرَّتُهُ ... حَتَّى إِذَا عَلِقَتْ بالأزْرِ أَوْزَارُ فَرَّ الشَّبَابُ وَظَلَّ الشَّيْبُ هَازِمَهُ ... إِنَّ الشَّبَابَ أَمَامَ الشَّيْبِ فَرَّارُ فَهَلْ لِذِي الجَاهِ أَنْ يَنْسَى مَنِيَّتَهُ ... والمَوْتُ فِي رَأْسِ رَبُّ الجَاهِ مِعْثَارُ وَكَمْ وَجِيْهٍ تَعَامَى عَنْ عَوَاقِبِهِ ... إِذْ هَابَهُ خَشْيَةً عَمْروٌ وَعَمَّارُ وَظَلَّ فِي زُخْرُفِ التَّضْلِيْلِ مُتَّجِرًا ... وَالنَّاسُ مِنْهُ بِسُوْقِ الزَّيْغِ تَمْتَارُ حَتَّى إِذَا مَا الرَّدَى لِلْمَوْت أضْجَعَهُ ... أضْحَى كأُضْحِيَةٍ مِنْ حَوْلِهَا دَارُوا

стр. 334

وَمَاتَ وَالخَوْفُ حَيٌّ بَيْنَ أَضْلُعهِ ... وَلِلمَخَازِيْ بِتِلْكَ الدَّارِ أَدْوَارُ أُفٍّ لِمُقْبِلَةٍ مَرَّتْ عَلَى عَجَلٍ ... كَأَنَّهَا الفَجْرُ لَمْ يُمِهلْهُ إِسْفَارُ كَأَنَّما أَنْتَ وَالدُّنْيَا وَمَا صَنَعَتْ ... أُلْعُوْبَةٌ بَاعَهَا الصِّبْيَانِ مِهْزَارُ أَلْهَتْهُمُو بُرْهَةً حَتَّى إِذَا تَلِفَتْ ... وَفَاتَهُم فِي المَسَا دُفٌّ وَمِزْمَارُ لَمْ يَلْبَثُوا فِي المَلاَهي غَيْرَ سَاعَتِهِمْ ... وَقَدْ دَهَتْهُمْ مُلِمَّاتٌ وأَكْدَارُ وَهَكَذَا كُلُّ حَالٍ لاَ بَقَاءَ لَهَا ... وَكُلُّنَا فِي الجَنَى لِلْمَوْتِ أَثْمَارُ وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ الأَيَّامُ مرْكَبَهُ ... فَكُلُّ أَوْقَاتِهِ ظَعْنٌ وَأَسْفَارُ تَبًّا لِدَارٍ أَرَتْنَا مِنْ مَلاَعِبِهَا ... عَجَائِبًا مَا أَتَاهَا الدَّهْر سَحَّارُ فَيَا أَخَا العِلْمِ لاَ يُنْجِيْكَ عِلْمُكَ إِنْ ... فَأتَتْكُ خَشْيَةُ رَبٍّ اسْمُهُ البَارُ وَيَا أَخَا المَالِ لاَ تَرْكَنْ لِكَثْرَتِهِ ... فَالمَالُ كَالمَاءِ كَرَّارٌ وَفَرَّارُ وَالجَاهُ ضَيْفٌ وَعُقْبَى الضَّيْفِ رِحْلَتُهُ ... وإِنْ دَعَتْهُ لِطُولِ المُكْثِ أَوْطَارُ

стр. 335

واضْرَعْ إلى اللهِ يَا مَنْ بَاتَ في سَعَةٍ ... مِنْ نِعْمَةِ اللهِ إِنَّ الدَّهْرَ دَوَّارُ ونِعْمَةُ اللهِ تأْتِي طَيَّ رَحْمَتِِهِ ... كَمَاطِرِ غَيْثُهُ الهَطَّالُ مِدْرَارُ لَكِنَّمَا الغَيُّ والطُّغْيَانُ يَنْقُصُهَا ... فَمَا تَهَنَّى بِهَا فِي الكَوْنِ كُفَّارُ ... وإِنْ تَقُلْ إِنَّ أَهْلَ البَغْيَ فِي نِعَمٍ ... فَرَكْبُهُمْ فِي طَرِيْقِ الغَمِّ سَيَّارُ والغَافِلُونَ لَهُمْ فِي القَبْرِ مُزْعِجَةٌ ... وَبَعْدَ فَصْل القَضَا عُقْبَاهُمُ النَّارُ انْتَهَى آخر: أخْلِ لِمَنْ ينْزِلُ ذَا المَنْزِلِ ... وارْحَلْ فَقَدْ آنَ أن تَرْحَلْ وارْحل بما قدْ كنتَ جمعتَهُ ... واحملْهُ إن خُلِّيتَ أن تحملْ هَيْهَاتَ لا تَخْرُجُ مِنْهُ بِشَيءٍ ... فافْعَلَنْ مَا شئِْتَ أنْ تَفْعَل واقْعُدْ مِن الغَيْضِ وإلاَّ فَقُمْ ... واطْلَعْ إلى الكواكَبِ أَوْ فَأنْزِلِ فَلَسْتَ بالخارِجِ إلاَّ بِمَا ... جِئْتَ فَسَلِّمْ ويْكَ واسْتَبْسِلْ وَخَلِّ هذي الأماني فما ... تُثْمِرُ إلا شَرَّ ما يُؤْكَلْ كَمْ مِن فَتًى طَوَّل آمالَِهُ ... فَقَصَّرَتْ دُنْيَاهُ ما طَوَّلْ فَجَاءَهُ الموتُ على غِرَّةٍ ... فَماتَ مِن قَبْلِ الذِي أَمَّلْ فيا إلهي الذِيْ جُوْدُهُ ... قَدْ غَمَرَ الآخِرَ وَالأَولْ رَحْمَاكَ يا رَحْمِنُ في فِتْيَةٍ ... لَيْسَ لَهُمْ دُوْنَكَ مِن مُؤمَّلْ قد حَجَبَتْهَا عَنْكَ آثَامُهَا ... وأنْزَلَتْهَا شَرَّ مَا مَنْزِلْ ولَيْسَ إلاَّ عَفْوُكَ المُرتَجَى ... فَدُلَّها مَاذا الذي تَعْمَل

стр. 336

اللهم إنَّكَ تَعْلَمُ سِرَّنَا وَعَلاَنِيَتَنَا، وتَسْمَعُ كَلاَمَنَا وَتَرى مَكَانَنَا، لاَ يخْفَى عَليكَ شْيءُ مِن أَمْرنَا، نَحْنُ البُؤَسَاءُ الفُقَراءُ إليكَ المستغيثونَ المستجيرونَ بِكَ نَسْأَلك أَنْ تُقَيِّضَ لِدِينَكَ مَنْ يَنْصُرُهُ ويُزيلُ مَا حَدَثَ مِن الَبِدَعِ والمُنْكَراتِ، ويُقِيْمُ عَلَمَ الجِهَادِ ويَقْمَعُ أَهْلَ الزَّيْغِ والكُفْرِ والعِنَادِ، ونَسْألُكَ أنْ تَغْفِرَ لنَا ولِوَالِديْنَا وجميعِ المسلمين برحْمَتِكَ يا أَرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. انْتَهَى * * * قال ابن القيم رحمه الله تعالى: يا قَومُ فَرْضُ الهِجْرَتَيْنِ بحَالِهِ ... واللهِ لم يُنْسَخْ إلى ذَا الآنِ فالهِجرةُ الأولَى إِلى الرحمَنِ بالْـ ... إِخْلاَصِ في سِرٍ وفي إعلانِ حتى يَكُونَ القَصْدُ وجهَ اللهِ بالْـ ... أقْوَالِ والأعمالِ والإيمانِ ويَكُونُ كُلُ الدينِ لِلرَّحمنِ ما ... لِسَوَاهُ شيء فيه مِن إنسان والحَبِ والبَغْضِ اللذَيْنِ هُمَا لكـ ... ـلِ ولايَةٍ وَعَدَاوةٍ أصْلان للهِ أيضًا هَكَذَا الإعْطَاءُ والسَّـ ... ـمع اللذانِ عَلَيْهِمَا يَقِفَانِ واللهِ هذا شطرُ دِينِ اللهِ والتَّـ ... ـحْكِيمِ لِلْمُخْتَارِ شَطْرٌ ثانِ والهجرةُ الأُخْرَى إلى المَبْعُوثِ بالْـ ... إسْلامِ والإِيمان والإِحسانِ أَتَرَوْن هَذي هِجْرَةَ الأَبْدَانِ لا ... واللهِ بَل هِيْ هِجْرَةٌ الإِيمانِ

стр. 337

قطعُ المَسَافَةِ بالقُلُوبِ إليهِ في ... دَرَكِ الأَصُولِ مَعَ الفُرُوْعِ وذانِ أبدًا إليهِ حُكْمُهَا لا غَيْرُهُ ... فالحُكْمُ مَا حَكَمَتْ به النَّصَانِ يا هجرةً طالَتْ مَسَافَتُهَا على ... مَنْ خُصَّ بالحِرمَانِ والخُذْلاَنِ يا هِجْرةً طَالَتْ مَسَافَتُهَا عَلَى ... كَسَلان مَنْخُوبِ الفُؤادِ جَبَانِ يا هِجْرَةً والعَبْدُ فوْقَ فِرَاشِهِ ... سَبَقَ السُّعاةَ لِمَنزلِ الرِّضْوَان سَارُوا أَحَثَّ السَيْرِ وهُوَ فَسَيْرُهُ ... سَيْرَ الدَّلِيْلِ ولَيْسَ بالذَّمِلانِ هَذَا وَتَنْظُرُهُ أَمَامَ الرَّكْبِ كَالْـ ... عَلَم العَظِيم يُشَافُ في القِيْعَانِ رُفِعَتْ لَهُ أعلامُ هَاتِيْكَ النُصُو ... صِ رُؤوسُها شَابَتْ مِن النِيْرانِ نارٌ هِيَ النُوْرُ المُبِيْنُ ولَمْ يَكُنْ ... لِيَراهُ إلا من لَه عَيْنَانِ مَكْحُولتَانِ بمِرْوَدِ الوَحْيَيْنِ لا ... بمَرَاودِ الآرَاءِ والهَذَيَانِ فلِذَاكَ شَمَّرَ نَحْوَهَا لَمْ يَلْتَفِتْ ... لا عن شَمَائِلِهِ ولا أيْمَانِ

стр. 338

يا قومُ لَو هَاجَرْتُمُو لَرَأَيْتُمُ ... أَعْلاَمَ طَيْبَةَ رُؤْيةً بعيانِ وَرَأَيْتُمُ ذاكَ اللِّوَاءَ وَتَحْتَهُ الرُّ ... سْلُ الكِرامُ وَعَسْكرُ الإِيمَانِ أصحابَ بَدْرٍ والأُلى قَدْ بَايَعُوْا ... أزكَى البَرِيَّةِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَكَذَا المُهَاجِرَةُ الأُلَى سَبَقُوا كَذَا الْـ ... أنْصَارُ أهْلُ الدارِ والإِيْمَانِ والتَّابِعُونَ لَهُم بِإِحْسَانٍ وَسَا ... لِكُ هَدْيِهِمْ أبدًا بكُلِ زَمَانِ ... لَكِنْ رَضِيْتُمْ بالأَمانِي وابْتُلِيـ ... ْتُم بالحظوظ ونَصْرَةِ الإخْوَانِ بَلْ غَرَّكُم ذَاكَ الغَرُوْرُ وسَوَّلَتْ ... لكمُ النُفُوسُ وَسَاوسَ الشيْطَانِ وَنَبَذْتُم غلَّ النُصُوصِ وَرَاءَكُمْ ... وقَنِعْتُمُ بقطارة الآذانِ وَتَرَكْتُمُ الوَحْيَيْنِ زُهْدَاً فِيْهِمَا ... وَرَغِبْتُمُ في رأْيِ كُلِّ فُلانِ وعَزَلْتُمُ النَّصَيْنِ عَمَّا وُلِيَّا ... لِلْحُكْم فيه عَزْلَ ذِي عُدْوَانِ

стр. 339

وَزَعَمْتُمُ أنَّ لَيْسَ يَحْكُم بَيْنَنَا ... إلا العُقُولُ ومَنْطِقُ اليَوْنَانِ حَتَّى إذا انْكَشَفَ الغِطَاءُ وَحُصِّلَتْ ... أعْمَالُ هذا الخَلْقِ بالمِيْزَانِ وإذا انْجَلَى هَذَا الغُبَارُ وَصَارَ مَيـ ... ـدَانُ السَّبَاقِ تَنَالُه العَيْنَانِ وبَدَتْ على تِلكَ الوُجُوهِ سِمَاتُهَا ... وسْم المَلِيْكِ القَادِرِ الدَّيَانِ مُبْيَضَّةً مِثْلَ الرِّياضِ بجنَّةٍ ... والسُوْدُ مِثْلَ الفَحْمِ لِلنّيْرَانِ فَهُنَاكَ يَعْلَمُ رَاكِبٌ ما تَحْتَهُ ... وهُنَاكَ يُقْرَعُ نَاجِذُ النَّدْمَانِ وهُنَاكَ تَعْلَم كُلُّ نَفْسٍ مَا الذِي ... معَهَا مِن الأَرباحِ والخُسْرَانِ وهُنَاكَ يَعْلَمُ مُؤْثِرُ الآراءِ والشَّـ ... طحاتِ والهَذَيَانِ والبُطْلانِ أيَّ البَضَائِعِ قَد أَضَاعَ وما الذي ... مِنْهَا تَعَوَّضَ في الزَمَانِ الفَانِ سُبْحَانَ رَبِ الخَلْقِ قَاسمِ فَضْلِهِ ... والعَدْلِ بَيْنَ الناسِ بالمِيْزَانِ لو شَاءَ كان النَاسُ شَيْئًا واحِدًا ... ما فِيْهمُ مِن تَائِهٍ حَيْرَانِ

стр. 340

لَكِنَّه سُبْحَانَه يَخْتَصُّ بالْفضلِ ... العَظيِمِ خُلاَصَة الإِنسانِ وسِوَاهُمُ لا يَصْلَحونَ لِصَالِحٍ ... كَالشَّوكِ فَهْوَ عِمَارَةُ النِيْرَانِ وعِمَارَةُ الجَنَاتِ هُمْ أهلُ الهُدَى ... اللهُ أكْبَرُ لَيْسَ يَسْتوِيَان فَسَلِ الهِدَايَةَ مَنْ أَزمَّة أَمْرِنَا ... بِيَدَيْهِ مَسْألةَ الذَلِيْلِ العَانِ وسَلِ العِيَاذِ من اثْنَتَيْنَ هُمَا اللتَا ... نِ بهُلْكِ هَذا الخلقِ كافِلَتَانِ شَرِ النُفُوسِ وسَيئ الأعْمَالِ مَا ... واللهِ أعظَمُ مِنْهُمَا شَرَّانِ وَلَقد أتَى هَذَا التعوُذُ مِنْهُمَا ... في خُطْبَةِ المَبْعُوثِ بالقُرانِ لو كَانَ يَدْرِيْ العَبْدُ أَنَّ مُصَابَهُ ... في هذِهِ الدنيا هُو الشَّرانِ جَعَلَ التَّعَوُذَ منهما دَيْدَانَهُ ... حَتَّى تَراهُ دَاخِلَ الأكْفَانِ انْتَهَى آخر: الدهْرُ يُعقب ما يَضَرُّ وينفع ... والصبر أحمدُ ما إليه يُرْجَعُ والمَرْءُ فيما منه كان مَصيرهُ ... حينَا، وليس عن المنية مَدْفع فاحذر مفَاجأة المَنُونِ فإنه ... لا يُلْتِجَى منها ولا يُسْتَشْفعُ أيْنَ الذين تجمَّعُوا وتَحَصَّنُوا ... وتوثَّقُوا وتجيَّشُوا وتمنَّعُوا

стр. 341

وتعَظَّمُوا وتحَشَّمُوا وتَجَبَّرْوا ... وتَكَبَّرُوا وتمَوَّلُوا وتَرفَّعُوا صاحَتْ بهم نُوَبُ الزمان فأسْرَعُوا ... وحَدَا بهم حَادِى البِلىَ فتقطَّعُوا ألَّا احْتَمَوْا عنه بعَضْبٍ بَاتِرٍ ... أو مانَعُوهُ بالذي قد جَمَّعُوا كانَتْ مَنَازِلُهم بِهِمْ مأنُوسَةً ... فَتفرَّقَتْ أوْصَالُهم وتَضَعْضَعُوا واسْتَوْطَنُوا الأجْدَاثَ بَعْدَ قُصُورهِم ... وسَفَتْ على الآثارِ ريحٌ زَعْزَعُ ماذا أعَدُّوا في الجواب لِمُنْكَرٍ ... أنْ غَرَّهُم فيه وماذَا يُصْنَعِ وجَدُوا الذي عَملُوا، فَوَجْهٌ أبْيَضٌ ... بجَمِيل طاعَتِهِ وَوَجْهٌ أسْفَعُ أبُنَيّ كُن مُتَمَسِّكًا بنَصِيْحَتي ... ما دُمْتَ حَيًا فالنصيحةُ تنفعُ واحْذَرْ مُجَاوَرةَ الحَسُودِ فإنَه ... بِخلافِ ما في نفسِهِ يَتَذَرَّعُ وعَلَيْكَ بالحقِّ الجميل فإنه ... مِن كُلَ شيءٍ يُقْتَنَى لكَ أنْفَعُ وتَجنَّب الدُنيا وكُن مُتَعَفِّفَّا ... فالحرُّ يَرْضَى بالقليل ويَفْنَعُ وخُذِ الكتابَ بقُوَّةٍ واعْمَلْ بما ... أمَرَ المهيمنُ فهو حقٌّ يُتْبَعُ واسْلُكْ سَبيلَ رَسُولِهِ في أمْرِهِ ... تَنْجُو به فهو الطَّريقُ المهْيَعُ واعْلَمْ بأنَّ الله لَيْسَ كمثْلِهِ ... شيءٌ، إليه مَصِيرُنَا والمرْجِعُ حَيٌّ قَدِيرٌ واحِدٌ مُتَنَزِّهٌ ... صمَدٌ تَذِلُّ له الرقابُ وتَخْضَعُ مُتَكلِّمٌ عَدْلٌ جَوَادٌ مُنْعِمٌ ... بالقِسْطِ يُعْطِي من يشاء ويَمْنَعُ ذُو العَرْش لا تخفى عليه سَريرَةٌ ... منَّا ويَعْلَمُ ما نَقُولُ ويَسْمَعُ في الحشر يَظْهَرُ لِلْعِباد بلُطْفِهِ ... كُلُّ يَذِلُّ لَهُ وَكُلٌّ يَضْرَعُ بالعَدْل يحكم في القيامةِ بِيْنَنَا ... ونَبِيُنَا فِينَا إليه يشفَعُ خَيْرُ البريَّةِ بَعْدَهُ صِدِّيقُه ... هو في الخِلافةِ سَابقٌ مُسْتَتبِعُ وكَذَلِكَ الفاروقُ أكْرَمُ صَاحِبٍ ... مِن بَعدِهِ حَبْرٌ جَوَادٌ سَلفَعُ ... ومُجَهِّز الجيش العظيم، ومن ثوَى ... مُسْتَسْلِمًا في الدار وهو يُبَضَّعُ

стр. 342

وحَسِيْبُهُ ونِسَيْبُهُ وصَفِيُّهُ ... وحُسَامُهُ ذاكَ البَطينُ الأنْزَعُ لَهُم المنَاقِبُ والمواهَبُ والعُلا ... وهُمُ الصَّواحِبُ والنجُومُ الطُّلعُ وهم الذين بهم يَفُوزُ مُحِبُّهُمْ ... يومَ المعَادِ وكُلُّ ذُخْرٍ يَنْفَعُ انْتَهَى قال ابنُ القيم ﵀: يا قاعِدًا سَارَتْ بِهِ أَنْفَاسُهُ ... سَيْرَ البَرِيْدِ وَلَيْسَ بالذَّمِلاَنِ حَتَّى مَتَى هَذَا الرُقَادُ وَقَدْ سَرَى ... وَفْدُ المَحَبّةِ مَعْ أُوْلِي الإِحْسَانِ وَحَدَتْ بِهِم عَزَمَاتُهُم نَحْوَ العُلَى ... لاَ حَادِيَ الرُكْبَانِ والأَضْعَانِ رَكِبُوْا العَزَائِمَ واعْتَلَوا بِظُهُورِهَا ... وَسَرَوْا فما حَنُّوْا إلى نُعْمَانِ سَارُوْا رُوَيْدًا ثُمِّ جَاءُوا أَوَّلاً ... سَيْرَ الدَّلِيْلِ يَؤُمُ بالرُكْبَانِ سَارُوْا بإثبَاتِ الصِّفَاتِ إِلَيْهِ لاَ التّـ ... ـعطِيْلِ وَالتَّحْرِيْفِ والنُكْرَانِ عَرَفُوهُ بالأَوْصَافِ فامْتَلأَتْ قُلُوْ ... بُهُمُ لَهُ بالحُبِ والإيْمَانِ فَتَطَايَرَتْ تلكَ القُلُوبُ إِلَيْهِ بالـ ... أشْواقِ إذ مُلِئَتْ مِن العِرْفَانِ

стр. 343

وَأَشَدُّهُم حُبَاً لَهُ أدْرَا هُمُوْ ... بِصِفَاتِهِ وَحَقائِقِ القُرآنِ فالحُبُّ يَتْبَعُ لِلشُّعُورِ بِحَسْبِهِ ... يَقوَى وَيَضْعُفُ ذَاكَ ذُوْ تِبْيَانِ وَلِذَاكَ كَانَ العَارِفُون صِفَاتِهِ ... أَحْبَابَهُ هُمْ أَهْلُ هَذَا الشَّانِ وَلِذَاكَ كَانَ العَالِمُونَ بِرَبِهِمْ ... أَحْبَابَه وَبِشِرْعَةِ الإِيْمَانِ وَلِذَاكَ كَانَ المُنْكِرُونَ لَهَا هُمُ الْـ ... أَعْدَاءُ حَقًا هُمْ أُولُو الشَّنَآن وَلِذَاكَ كَانَ الجَاهِلونَ بِذَا وَذَا ... بُغَضَاؤهُ حَقًا ذَوِيْ شَنَآنِ وَحَيَاةُ قَلْبِ المَرْءِ في شَيْئَين مَنْ ... يُرْزَقْهُمَا يَحْيَى مَدَى الأَزْمَانِ في هَذِهِ الدُنْيَا وفي الأخرَى يَكُوْ ... نُ الحَيَّ ذَا الرضْوَانِ والإِحْسَانِ ذِكْرِ الإِلَهِ وحُبِِّهِ مِن غَيْرِ إِشْـ ... ـرَاكِ بِهِ وَهُمَا فمُمْتَنِعَانِ مِن صَاحِبِ التعطيلِ حَقَّاً كَامتنا ... عِ الطائِر المَقْصُوصِ مِن طَيْرَانِ

стр. 344

أَيُحِبُهُ مَنْ كَانَ يُنْكِرُ وَصْفَهُ ... وَعُلُوَّهُ وَكَلاَمَهُ بِقُرانِ لاَ وَالذِي حَقًا عَلَى العَرْشِ اسْتَوى ... مُتَكَلِمًا بالوَحْيِ والفُرقَانِ اللهُ أَكْبَرُ ذَاكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْ ... تِيْهِ لِمَنْ يَرْضَى بلا حُسْبَانِ ... وَتَرى المُخَلَّفَ في الدِّيَارِ تَقُوْلُ ذَا ... إِحْدَى الأَثَافِي خُصَّ بالحِرْمَانِ اللهُ أَكْبَرُ ذَاكَ عَدْلُ اللهِ يَقْـ ... ـضِيْهِ على مَن شَاءَ مِن إنْسَانِ وَلَهُ عَلَى هَذَا وَهَذَا الحَمْدُ في الْـ ... أُوْلَى وفي الأخْرَى هُمَا حَمْدَانِ حَمْدٌ لِذَاتِ الرَّبِ ﷻ ... وكذاكَ حَمْدُ العَدْلِ والإِحْسَانِ يا مَن تَعُزُ عَلَيْهُمُ أَرْوَاحُهُمْ ... وَيَرَوْنَ غَبْنًا بَيْعَهَا بِهَوَانِ وَيَروْنَ خُسْرانًا مُبِيْنًا بَيْعَهَا ... في إِثرِ كُلِ قَبِيْحَةِ وَمُهَانِ وَيَرَوْنَ مَيْدَانَ التَّسَابُقِ بَارِزًا ... فَيُتَارِكُونَ تَقَحُّمَ المَيْدَانِ

стр. 345

وَيَرَوْنَ أَنْفَاسَ العِبَادِ عَلَيْهِمُ ... قَدْ أُحْصِيَتْ بالعَدِ والحُسْبَانِ وَيَرَوْنَ أَنَّ أَمَامَهُمْ يَوْمَ اللِّقَا ... للهِ مَسْأَلَتَانِ شَامِلَتَانِ ماذا عَبَدْتُمْ ثُمَّ ماذَا قَدْ أَجبْـ ... ـتُمْ مَن أَتَى بالحَقِ والبُرْهَانِ هاتُوا جَوابًا لِلسُّؤالِ وَهَيِئُوا ... أَيْضَاً صَوَابًا لِلْجَوابِ يُدَانِ وَتَيَقَنُوا أَنْ لَيْسَ يُنْجِيْكُمْ سِوَى ... تَجْرِيْدِكُم بِحَقَائِقِ الإِيْمَانِ تَجْرِيْدُكُم تَوْحِيْدَهُ سُبْحَانَه ... عن شِرْكَةِ الشَيطانِ والأَوْثَانِ وَكَذَاكَ تَجْرِيدُ اتِّباعِ رَسُولِهِ ... عن هَذِهِ الآراءِ والهَذَيانِ واللهِ مَا يُنْجِي الفَتَى مِنْ رَبِهِ ... شَيءٌ سِوَى هَذَا بلا رَوَغَانِ يَا رَبُّ جَرِّدْ عَبْدَكَ المِسْكِيْنَ رَا ... جِي الفَضْلَ مِنْكَ أضْعَفَ العُبْدَانِ لم تَنْسَهُ وَذَكَرْتُه فاجْعَلْهُ لاَ ... يَنْسَاك أنْتَ بَدَأْتَ بالإِحْسَانِ

стр. 346

وَبِهِ خَتَمْتَ فَكُنتَ أَوْلَى بالجَمِيْـ ... ـلِ وبالثَّنَاءِ مِنَ الجَهُولِ الجَانِي فالعَبْدُ لَيْسَ يَضِيْعُ بَيْنَ خَوَاتِمٍ ... وَفَواتِحِ من فَضْلِ ذِي العِرْفَانِ أَنْتَ العَلِيْمُ بِهِ وَقَدْ أَنْشَأْتَهُ ... مِنْ تُرْبَةٍ هِيَ أَضْعَفُ الأَرْكَانِ والضَّعْفُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْنَا مِن جَمِيْـ ... ـع جِهَاتِنا سِيمَا مِن الإِيمانِ يا رَبُّ مَعْذِرةً إِلَيْكَ فَلَمْ يَكُنْ ... قَصْدُ العِبَادِ رُكُوبَ ذَا العِصْيَانِ لَكِنْ نُفُوسٌ سَوَّلَتْهَا وَغَرَّهَا ... هَذَا العَدُوُّ لَهَا غُرُوْرَ أَمَانِ فَتَيَقَنْتْ يَا رَبُّ أَنَّكَ واسِعُ الـ ... ـغُفْرانِ ذُوْ فَضْلٍ وَذُو إحْسَانِ وَسَعَتْ إلى الأَبَوَيْنِ رَحْمَتُكَ الَّتِي ... وَسِعَتْهُمَا فعَلاَ بِكَ الأَبِوَانِ هَذَا ونَحْنُ بَنُوهُمَا وحَلُوْمُنَا ... في جَنْبِ حِلْمِهمِا لَدَى المِيْزَانِ جُزْءٌ يَسِيْرٌ والعَدُوُ فَوَاحِدٌ ... لَهُمَا وَأَعْدَانَا بلا حُسْبانِ ...

стр. 347

وَمَقَالُنَا ما قَالَه الأَبَوانِ قَبْـ ... ـلَ مَقَالَةِ العَبْدِ الظَّلُومِ الجَانِ نَحْنُ الأُلَى ظَلَمُوا وإنْ لَمْ تغفر الـ ... ـذَنْبَ العَظِيْمَ فَنَحْنُ ذُوْ خُسْرَانِ يَا رَبُّ فانْصُرْنَا على الشيطان ليـ ... ـسَ لَنَا بِهِ لَوْلاَ حِمَاكَ يَدَانِ انْتَهَى آخر: يَا مَنْ يَرُوْمُ الفَوزَ في الجَنْاتِ ... بِالمُشْتَهَى وَسَائِرِ اللَّذَاتِ انْهَضْ إِلى السَّجْدَاتِ فِي الأَسْحَارِ ... واحْرَصْ على الأَوْرَادِ وَالأَذْكَارِ واحذَرْ رِياءَ النَّاسِ فِي الطَّاعاتِ ... فِي سَائِرِ الأَحْوَالِ وَالأَوْقَاتِ واخْتَرْ مِن الأَصْحَابِ كلَّ مُرْشِدِ ... إِنَّ القَرِيْنَ بِالقَرِيْنِ يَقْتَدِي وصُحْبَةُ الأَشْرَارِ دَاءٌ وَعَمَى ... تَزِيْدُ في القَلْبِ السَّقِيْمَ السَّقَمَا فإِن تَبِعْت سُنَّةَ النَّبِي ... فاحْذَرْ قَرِيْنَ السُوءِ والدَّنِي واخْتَرْ مِن الزَّوْجَاتِ ذَاتَ الدِّيْنِ ... وكُنْ شُجَاعًا فِي حِمَى العَرِيْنِ وزَوِّدْ الأَوْلادَ بالآدابِ ... تَحْفَظْ قُلُوبَهُم مِن الأَوْصَابِ

стр. 348

وهَذِّبِ النُفُوسَ بالقُرْآنِ ... ولا تَدَعْهَا نُهْبَةَ الشَّيْطَانِ واحْرِصْ عَلَى مَا سَنَّه الرَّسُولُ ... فَهَو الهُدَى وَالحَقُّ إِذْ يَقُولُ دَعْ عَنْكَ ما يَقُولُه الضَّلاَّلُ ... فَفِيْهِ كُلُّ الخُسْرِ وَالوَبَالُ وأَصْدَقُ الحَدِيْثِ قَولُ رَبِّنَا ... وخَيْرُ هَدْي اللهِ عَن نَبِيِّنَا انْتَهَى وقال ابن القيم ﵀: يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ المُرِيْدُ نَجَاتَهُ ... اسْمَعَ مَقالَةَ نَاصِحٍ مِعْوَانِ كُنْ فِي أُمُورِك كُلِّهَا مُتَمَسِّكًا ... بالوَحْيِ لا بِزَخَارِفِ الهَذَيَانِ وانْصُرْ كِتَابَ اللهِ والسُنَنَ التيِ ... جَاءَتْ عن المَبْعُوْثِ بالقُرْآنِ واضْرِبْ بسَيْفِ الوَحْيِ كُلَّ مُعَطِّلٍ ... ضَربَ المُجَاهِدِ فَوقَ كُلِّ بَنَانِ واحْمِلْ بِعَزْمِ الصِدْقِ حَمْلَةَ مُخْلصٍ ... مُتَجَرِدٍ للهِ غَيْرَ جَبَانِ واثْبُتْ بِصَبْركَ تَحْتَ ألْوِيَةِ الهُدَى ... فإِذَا أُصِبْتَ فَفِيْ رِضَا الرَّحْمنِ

стр. 349

واجْعَلْ كِتَابَ اللهِ والسُّنَنَ التِي ... ثَبَتَتْ سَلاَحَكَ ثُمَّ صِحْ بِجَنَانِ مَن ذَا يُبَارِزُ فلْيُقَدِّمْ نَفْسَهُ ... أَوْ مَنْ يُسَابِقُ يَبْدُ فِي المَيْدَانِ ... واصْدَعْ بمَا قَالَ الرَّسُوْلُ ولاَ تَخَفْ ... مِن قِلَّةِ الأَنْصَارِ والأَعْوَانِ فاللهُ نَاصِرُ دِيْنِهِ وَكِتَابِهِ ... واللهَ كَافٍ عَبْدَهُ بأَمَانِ لاَ تَخْش مِنْ كَيْدِ الْعَدوِّ وَمَكْرِهِم ... فَقِتَالهُم بالكِذْبِ والبُهْتَانِ فَجُنودُ أتْبَاعِ الرَّسُوْلِ مَلاَئِكٌ ... وَجُنُودُهُم فَعَسَاكِرُ الشَيطَانِ شَتَانَ بَيْنَ العسْكَرِيْنِ فَمَنْ يَكُنْ ... مُتَحَيِّزًا فَلْيُنْظُرِ الفِئَتَانِ واثْبُتْ وَقَاتِلْ تَحْتَ رَايَاتِ الهُدَى ... واصْبِرْ فَنَصْرُ اللهِ رَبِّكَ دَانِ واذْكُرْ مُقَاتَلَهُمْ لِفُرْسَانِ الهَدَى ... للهِ دَرُّ مُقَاتِلِ الفُرْسَانِ وادْرَأْ بلَفْظِ النَّصِ في نَحْرِ العِدَى ... وارْجُمْهُمُ بِثَوَاقِبِ الشُّهبَان

стр. 350

لاَ تَخْشَ كَثْرَتَهُم فَهُمْ هَمَجُ الوَرَى ... وَذُبَابُه أَتَخَافُ مِن ذُبَّانِ واشْغَلْهُمُ عِنْدَ الجِدَالِ بِبَعْضِهِمْ ... بَعْضًا فَذَاكَ الحَزْمُ لِلْفُرْسَانِ وإِذَا هُمُو حَمَلُوا عَلَيْكَ فَلا تَكُنْ ... فَزِعًا لِحَمْلَتِهِمْ وَلاَ بِجَبَانِ واثْبُتْ وَلاَ تَحْمِلْ بلاَ جُنْدٍ فَمَا ... هَذَا بمَحْمُودٍ لَدَى الشُجْعَانِ فإِذَا رَأَيْتَ عِصَابَة الإِسْلاَمِ قَدْ ... وافَتْ عَسَاكِرَهَا مَعَ السُلْطَانِ فَهُنَاكَ فاخْتَرِقِ الصُفُوفَ ولا تَكُنْ ... بالعَاجزِ الوَانِى ولا الفَزْعَان وتعرَّ مِن ثوبَين مَنْ يلبسْهُمَا ... يلقَ الرَّدَى بمذَمَّةٍ وهَوَان ثوبٍ مِنَ الجَهْلِ المُرَكَّبِ فَوْقَهُ ... ثَوْبُ التَّعَصُّبِ بِئْسَتِ الثَّوْبَانِ وَتَحَلَّ بالإِنْصَافِ أَفْخَرَ حُلَّةٍ ... زِيْنَتْ بِهَا الأعْطَافُ والكَتِفَانِ واجْعَلْ شِعَارَكَ خَشْيَةَ الرَّحْمَنِ مَعْ ... نُصْحِ الرسول فَحَبَذَا الأَمْرَانِ وٍَتَمَسكَنَّ بحَبْلِهِ وبِوَحْيِهِ ... وَتَوَكَّلَنَّ حَقِيْقَةَ التُّكْلاَنِ

стр. 351

فالحَقُّ وَصْفُ الرَّبِ وهْو صِرَاطُهُ ... الْهَادِي إليهِ لِصَاحِب الإيمانِ وهو الصَّراطُ عليهِ رَبُّ العرشِ أيْـ ... ـضًا وذَا قد جَاءَ في القُرآنِ والحَقُ مُنْصُورٌ وَمُمْتَحَنٌ فَلاَ ... تَعْجَبْ فَهَذِي سُنَّةُ الرحمنِ وبذَاكَ يَظْهَرُ حُزْبُهُ مِن حِرْبِهِ ... ولأجْلِ ذَاكَ الناسُ طَائِفَتَانِ ولأَجْل ذَاكَ الحَرْبُ بَيْنَ الرسِْل ... والْكَفارِ مُذْ قَامَ الوَرَى سِجْلانِ لكِنَّمَا العُقْبَى لأَهْل الحَقِ إنْ ... فاتَتْ هُنَا كَانَتْ لَدَى الدَّيَانِ واجْعَلْ لِقَلْبِكَ هِجْرَتَيْنِ وَلاَ تَنْم ... فَهُمَا عَلَى كُلِّ امْرئ فَرْضَانِ فالهِجْرةُ الأَولَى إلَى الرَّحْمنِ بالـ ... إخْلاصِ في سِرٍّ وفي إعْلانِ ... فالقَصْدُ وجهُ اللهِ بالأَقْوَالِ والـ ... أَعْمَالِ والطَّاعَاتِ والشُّكْرَانِ فَبِذَاكَ يَنْجُو العَبْدُ مِنْ إشْرَاكِهِ ... ويَصِيْرُ حَقًا عَابِدَ الرَّحْمَنِ والهجْرةُ الأُخْرَى إِلَى المَبْعُوثِ ... بالحَقِ المُبِيْنِ وَوَاضِحَ البُرهَانِ فَيَدُوْرُ مَعْ قَوْلِ الرَّسُوْلِ وَفِعْلِهِ ... نَفْيًا وإثْبَاتًا بِلاَ رَوَغَانِ وَيُحَكِّمُ الوَحْيَ المُبِيْنَ عَلَى الَّذِي ... قَالَ الشُيُوْخُ فَعِنْدَهُ حَكَمَانِ

стр. 352

لا يَحْكُمَانِ ببَاطِل أَبَدًا وكُـ ... ـلُّ العَدْلِ قَدْ جَاءَتْ به الحَكَمَانِ وَهُمُا كتابُ اللهِ أعْدَلُ حَاكِمٍ ... فيه الشِّفَا وَهِدَايَةُ الحَيْرَانِ وَالحَاكِمُ الثَّانِيْ كَلاَمُ رَسُوْلِهِ ... مَا ثَمَّ عُيْرُهُمَا لِذِي إيْمَانِ فإذَا دَعَوْكَ لِغَيْرِ حُكْمِهِمَا فَلاَ ... سَمْعًا لِدَاعِي الكُفْرِ والعَصْيَانِ قُلْ لاَ كَرَامَةَ لا وَلاَ نُعْمَاً وَلاَ ... طَوْعًا لمِنْ يَدعُوْ إِلى الطَّغْيَانِ وإِذَا دُعِيْتَ إِلَى الرَّسُوْلِ فَقُلْ لَهُمْ ... سَمْعًا وَطَوْعًا لَسْتُ ذَا عِصْيَانِ وَإِذَا تَكَاثَرَتِ الخُصْوْمُ وَصَيَّحُوْا ... فاثْبُتْ فَصَيْحَتُهُمْ كَمِثْلِ دُخَانِ يَرْقَى إلَى الأَوْجِ الرَّفِيْعِ وَبَعْدَهُ ... يَهْوِيْ إِلَى قَعْرِ الحَضِيْضِ الدَّانِي هَذَا وإنَّ قِتَالَ حِزْبِ اللهِ بالـ ... أعمَالِ لا بكتائِبِ الشُجْعَانِ واللهِ مَا فَتَحُوا البِلاَدَ بكَثْرَةٍ ... أَنّي وَأَعْدَاهُمْ بِلاَ حُسْبَانِ وَكَذَاكَ مَا فَتَحُوا القُلُوبَ بِهَذِهِ الـ ... آراءِ بَلْ بالعِلْمِ والإيْمَانِ وَشَجَاعَةُ الفُرْسَانِ نَفْسُ الزُهْدِ في ... نَفْسٍ وذَا مُحْذُوْرُ كُلِّ جَبَانِ

стр. 353

وشَجَاعَةُ الحُكَّامِ والعُلَمَاءِ زُهْدٌ ... في الثَّنَا مِن كُلِّ ذي بُطْلاَنِ فإذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِقَلْبٍ صَادِقٍ ... شُدَّتْ رَكَائِبُهُ إلَى الرَّحْمَنِ واقْصِدْ إلَى الأَقْرَانِ لاَ أَطْرَافِهَا ... فالعِزُّ تَحْتَ مَقَاتِلِ الأَقْرَانِ واسْمَعْ نَصِيْحَةَ مَنْ لَهُ خَبَرٌ بِمَا ... عِنْدَ الوَرَى مِنْ كَثْرَةِ الجَوَلاَنِ مَا عِنْدَهُمْ واللهِ خَيْرٌ غَيْرُ مَا ... أَخَذوْهُ عَمَّنْ جَاءَ بالقُرْآنِ والْكُلُّ بَعْدُ فَبدْعَةٌ أَوْ فَرِيَةٌ ... أَوْ بَحْثُ تَشْكيْكٍ وَرَأْيُ فُلاَنِ فاصْدَعْ بأَمْرِ اللهِ لا تَخْشَ الوَرَى ... في اللهِ واخْشَاهُ تفُزْ بأَمَانِ واهْجُرْ وَلَو كُلَّ الوَرَى في ذَاتِهِ ... لا في هَوَاكَ وَنَخْوَةِ الشَّيْطَانِ واصْبِرْ بغَيْرِ تَسَخُّطٍ وشَكَايَةٍ ... واصْفَحْ بِغَيْرِ عِتَابِ مَن هُوَ جَانِ واهْجُرهُم الهَجْرَ الجَمِيْلَ بلاَ أَذَى ... إنْ لَمْ يكُنْ بُدُّ مِن الْهِجْرَانِ ... وانْظُرْ إِلَى الأَقْدَارِ جَارِيَةً بمَا ... قَدْ شَاءَ مِن غَيٍّ ومِن إيّمَانِ

стр. 354

واجْعَلْ لِقَلْبِكَ مُقْلَتَيْنِ كِلاَهُمَا ... بالحَقّ في ذَا الخَلْقِ نَاظِرَتَانِ فانْظُرْ بعَيْنِ الحُكْمِ وارْحَمْهُمْ بِهَا ... إذْ لا تُرَدُّ مَشِيْئةُ الدَّيَان وانْظُرْ بعَيْنِ الأمْر واحْمِلْهُمْ عَلَى ... أَحْكَامِهِ فَهُمَا إِذًا نَظَرَانِ واجْعَلْ لِوَجْهِكَ مُقْلَتَيْنِ كِلاَهُمَا ... مِنْ خَشْيَةِ الرَّحْمَنِ بَاكِيَتَانِ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ كُنْتَ أَيْضًا مَثْلَهُمْ ... فالقَلْبُ بَيْنَ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ واحْذَرْ كَمَائِنَ نَفْسِكَ اللاَّتِي مَتَى ... خَرَجَتْ عَلَيْكَ كُسِرْتَ كَسْرَ مُهَانِ وإِذَا انْتَصَرْتَ لَهَا فَأَنْتَ كَمَنْ بَغَى ... طَفْيَ الدَّخَانِ بَمَوْقَدِ النِّيْرَانِ واللهُ أَخْبَرَ وَهْو أَصْدَقُ قَائِلٍ ... أَنْ سَوْفَ يَنْصُرُ عَبْدَهُ بأَمَانِ مَنْ يَعْمَلِ السوءَى سَيُجْزَي مِثْلَهَا ... أوْ يَعْمَل الحُسَنَى يَفُزْ بِجِنَانِ هَذِيْ وَصِيَّةُ نَاصِحٍ وَلِنَفْسِهِ ... وَصَّى وَبَعْدُ لِسَائِرِ الإِخْوَانِ انْتَهَى

стр. 355

آخر: أَتَأَمَلُ في الدُنْيَا تَجِدُ وَتَعْمُرُ ... وأنْتَ غَدًا فِيْهَا تَمُوتُ وتُقْبَرُ تُلَقِّحُ آمَالاً وتَرْجُوْ نِتَاجِهَا ... وَعُمْرُكَ مِمَّا قَدْ تُرَجِِّيْهِ أَقْصَرُ تَحُومُ عَلَى إدْرَاكِ مَا قَدْ كُفِيْتهُ ... وتُقْبِلُ في الآمَالِ فيهَا وتُدْبِرُ وَهذَا صَبَاحُ اليَومِ يَنْعَاكَ ضَوْؤُهُ ... وَلَيْلَتُهُ تَنْعَاكَ إِنْ كُنْتَ تَشْعُرُ ورِزْقُكَ لا يَعْدُوْكَ إِمَّا مُعَجَّلٌ ... على حَالَةٍ يَومًا وإِمَّا مُؤَخَّرُ فَلاَ تَأْمَنَ الدُنْيَا وإنْ هِيَ أَقْبَلَتْ ... عَلَيْكَ فَمَا زَالَتْ تَخُونُ وَتَغْدِرُ فَمَا تَمَّ فِيها الصَّفْوُ يَوْمَاً لأَهْلِهِ ... ولا الرَّنْقُ إِلاَّ رَيْثَمَا يَتَغَيَّرُ وَمَا لاَحَ نَجْمٌ لاَ وَلاَ ذَرَّ شَارِقٌ ... عَلَى الخَلْقِ إلاَّ حَبْلُ عُمْرِكَ يَقْصُرُ تَطَّهَّرْ وأَلْحِقْ ذَنْبَكَ اليَوْمَ تَوْبَةً ... لَعَلَّكَ مِنْهَا إِنْ تَطَهَّرْتَ تَطْهَرُ وَشَمِّرْ فَقَدْ أَبْدَى لَكَ المَوْتُ وَجْهَهُ ... وَلَيْسَ يَنَالُ الفَوْزَ إلاَّ المُشَمِّرُ فَهَذِيْ اللَّيَالِي مُؤْذِنَاتُكَ بِالبِلَى ... تَرُوْحُ وأَيَّامٌ كَذَلِكَ تُبْكِرُ
следующие страницы →