Полный текст (1 178 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
فالحَقُّ وَصْفُ الرَّبِ وهْو صِرَاطُهُ ... الْهَادِي إليهِ لِصَاحِب الإيمانِ
وهو الصَّراطُ عليهِ رَبُّ العرشِ أيْـ ... ـضًا وذَا قد جَاءَ في القُرآنِ
والحَقُ مُنْصُورٌ وَمُمْتَحَنٌ فَلاَ ... تَعْجَبْ فَهَذِي سُنَّةُ الرحمنِ
وبذَاكَ يَظْهَرُ حُزْبُهُ مِن حِرْبِهِ ... ولأجْلِ ذَاكَ الناسُ طَائِفَتَانِ
ولأَجْل ذَاكَ الحَرْبُ بَيْنَ الرسِْل ... والْكَفارِ مُذْ قَامَ الوَرَى سِجْلانِ
لكِنَّمَا العُقْبَى لأَهْل الحَقِ إنْ ... فاتَتْ هُنَا كَانَتْ لَدَى الدَّيَانِ
واجْعَلْ لِقَلْبِكَ هِجْرَتَيْنِ وَلاَ تَنْم ... فَهُمَا عَلَى كُلِّ امْرئ فَرْضَانِ
فالهِجْرةُ الأَولَى إلَى الرَّحْمنِ بالـ ... إخْلاصِ في سِرٍّ وفي إعْلانِ ...
فالقَصْدُ وجهُ اللهِ بالأَقْوَالِ والـ ... أَعْمَالِ والطَّاعَاتِ والشُّكْرَانِ
فَبِذَاكَ يَنْجُو العَبْدُ مِنْ إشْرَاكِهِ ... ويَصِيْرُ حَقًا عَابِدَ الرَّحْمَنِ
والهجْرةُ الأُخْرَى إِلَى المَبْعُوثِ ... بالحَقِ المُبِيْنِ وَوَاضِحَ البُرهَانِ
فَيَدُوْرُ مَعْ قَوْلِ الرَّسُوْلِ وَفِعْلِهِ ... نَفْيًا وإثْبَاتًا بِلاَ رَوَغَانِ
وَيُحَكِّمُ الوَحْيَ المُبِيْنَ عَلَى الَّذِي ... قَالَ الشُيُوْخُ فَعِنْدَهُ حَكَمَانِ
стр. 352
لا يَحْكُمَانِ ببَاطِل أَبَدًا وكُـ ... ـلُّ العَدْلِ قَدْ جَاءَتْ به الحَكَمَانِ
وَهُمُا كتابُ اللهِ أعْدَلُ حَاكِمٍ ... فيه الشِّفَا وَهِدَايَةُ الحَيْرَانِ
وَالحَاكِمُ الثَّانِيْ كَلاَمُ رَسُوْلِهِ ... مَا ثَمَّ عُيْرُهُمَا لِذِي إيْمَانِ
فإذَا دَعَوْكَ لِغَيْرِ حُكْمِهِمَا فَلاَ ... سَمْعًا لِدَاعِي الكُفْرِ والعَصْيَانِ
قُلْ لاَ كَرَامَةَ لا وَلاَ نُعْمَاً وَلاَ ... طَوْعًا لمِنْ يَدعُوْ إِلى الطَّغْيَانِ
وإِذَا دُعِيْتَ إِلَى الرَّسُوْلِ فَقُلْ لَهُمْ ... سَمْعًا وَطَوْعًا لَسْتُ ذَا عِصْيَانِ
وَإِذَا تَكَاثَرَتِ الخُصْوْمُ وَصَيَّحُوْا ... فاثْبُتْ فَصَيْحَتُهُمْ كَمِثْلِ دُخَانِ
يَرْقَى إلَى الأَوْجِ الرَّفِيْعِ وَبَعْدَهُ ... يَهْوِيْ إِلَى قَعْرِ الحَضِيْضِ الدَّانِي
هَذَا وإنَّ قِتَالَ حِزْبِ اللهِ بالـ ... أعمَالِ لا بكتائِبِ الشُجْعَانِ
واللهِ مَا فَتَحُوا البِلاَدَ بكَثْرَةٍ ... أَنّي وَأَعْدَاهُمْ بِلاَ حُسْبَانِ
وَكَذَاكَ مَا فَتَحُوا القُلُوبَ بِهَذِهِ الـ ... آراءِ بَلْ بالعِلْمِ والإيْمَانِ
وَشَجَاعَةُ الفُرْسَانِ نَفْسُ الزُهْدِ في ... نَفْسٍ وذَا مُحْذُوْرُ كُلِّ جَبَانِ
стр. 353
وشَجَاعَةُ الحُكَّامِ والعُلَمَاءِ زُهْدٌ ... في الثَّنَا مِن كُلِّ ذي بُطْلاَنِ
فإذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِقَلْبٍ صَادِقٍ ... شُدَّتْ رَكَائِبُهُ إلَى الرَّحْمَنِ
واقْصِدْ إلَى الأَقْرَانِ لاَ أَطْرَافِهَا ... فالعِزُّ تَحْتَ مَقَاتِلِ الأَقْرَانِ
واسْمَعْ نَصِيْحَةَ مَنْ لَهُ خَبَرٌ بِمَا ... عِنْدَ الوَرَى مِنْ كَثْرَةِ الجَوَلاَنِ
مَا عِنْدَهُمْ واللهِ خَيْرٌ غَيْرُ مَا ... أَخَذوْهُ عَمَّنْ جَاءَ بالقُرْآنِ
والْكُلُّ بَعْدُ فَبدْعَةٌ أَوْ فَرِيَةٌ ... أَوْ بَحْثُ تَشْكيْكٍ وَرَأْيُ فُلاَنِ
فاصْدَعْ بأَمْرِ اللهِ لا تَخْشَ الوَرَى ... في اللهِ واخْشَاهُ تفُزْ بأَمَانِ
واهْجُرْ وَلَو كُلَّ الوَرَى في ذَاتِهِ ... لا في هَوَاكَ وَنَخْوَةِ الشَّيْطَانِ
واصْبِرْ بغَيْرِ تَسَخُّطٍ وشَكَايَةٍ ... واصْفَحْ بِغَيْرِ عِتَابِ مَن هُوَ جَانِ
واهْجُرهُم الهَجْرَ الجَمِيْلَ بلاَ أَذَى ... إنْ لَمْ يكُنْ بُدُّ مِن الْهِجْرَانِ ...
وانْظُرْ إِلَى الأَقْدَارِ جَارِيَةً بمَا ... قَدْ شَاءَ مِن غَيٍّ ومِن إيّمَانِ
стр. 354
واجْعَلْ لِقَلْبِكَ مُقْلَتَيْنِ كِلاَهُمَا ... بالحَقّ في ذَا الخَلْقِ نَاظِرَتَانِ
فانْظُرْ بعَيْنِ الحُكْمِ وارْحَمْهُمْ بِهَا ... إذْ لا تُرَدُّ مَشِيْئةُ الدَّيَان
وانْظُرْ بعَيْنِ الأمْر واحْمِلْهُمْ عَلَى ... أَحْكَامِهِ فَهُمَا إِذًا نَظَرَانِ
واجْعَلْ لِوَجْهِكَ مُقْلَتَيْنِ كِلاَهُمَا ... مِنْ خَشْيَةِ الرَّحْمَنِ بَاكِيَتَانِ
لَوْ شَاءَ رَبُّكَ كُنْتَ أَيْضًا مَثْلَهُمْ ... فالقَلْبُ بَيْنَ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ
واحْذَرْ كَمَائِنَ نَفْسِكَ اللاَّتِي مَتَى ... خَرَجَتْ عَلَيْكَ كُسِرْتَ كَسْرَ مُهَانِ
وإِذَا انْتَصَرْتَ لَهَا فَأَنْتَ كَمَنْ بَغَى ... طَفْيَ الدَّخَانِ بَمَوْقَدِ النِّيْرَانِ
واللهُ أَخْبَرَ وَهْو أَصْدَقُ قَائِلٍ ... أَنْ سَوْفَ يَنْصُرُ عَبْدَهُ بأَمَانِ
مَنْ يَعْمَلِ السوءَى سَيُجْزَي مِثْلَهَا ... أوْ يَعْمَل الحُسَنَى يَفُزْ بِجِنَانِ
هَذِيْ وَصِيَّةُ نَاصِحٍ وَلِنَفْسِهِ ... وَصَّى وَبَعْدُ لِسَائِرِ الإِخْوَانِ
انْتَهَى
стр. 355
آخر:
أَتَأَمَلُ في الدُنْيَا تَجِدُ وَتَعْمُرُ ... وأنْتَ غَدًا فِيْهَا تَمُوتُ وتُقْبَرُ
تُلَقِّحُ آمَالاً وتَرْجُوْ نِتَاجِهَا ... وَعُمْرُكَ مِمَّا قَدْ تُرَجِِّيْهِ أَقْصَرُ
تَحُومُ عَلَى إدْرَاكِ مَا قَدْ كُفِيْتهُ ... وتُقْبِلُ في الآمَالِ فيهَا وتُدْبِرُ
وَهذَا صَبَاحُ اليَومِ يَنْعَاكَ ضَوْؤُهُ ... وَلَيْلَتُهُ تَنْعَاكَ إِنْ كُنْتَ تَشْعُرُ
ورِزْقُكَ لا يَعْدُوْكَ إِمَّا مُعَجَّلٌ ... على حَالَةٍ يَومًا وإِمَّا مُؤَخَّرُ
فَلاَ تَأْمَنَ الدُنْيَا وإنْ هِيَ أَقْبَلَتْ ... عَلَيْكَ فَمَا زَالَتْ تَخُونُ وَتَغْدِرُ
فَمَا تَمَّ فِيها الصَّفْوُ يَوْمَاً لأَهْلِهِ ... ولا الرَّنْقُ إِلاَّ رَيْثَمَا يَتَغَيَّرُ
وَمَا لاَحَ نَجْمٌ لاَ وَلاَ ذَرَّ شَارِقٌ ... عَلَى الخَلْقِ إلاَّ حَبْلُ عُمْرِكَ يَقْصُرُ
تَطَّهَّرْ وأَلْحِقْ ذَنْبَكَ اليَوْمَ تَوْبَةً ... لَعَلَّكَ مِنْهَا إِنْ تَطَهَّرْتَ تَطْهَرُ
وَشَمِّرْ فَقَدْ أَبْدَى لَكَ المَوْتُ وَجْهَهُ ... وَلَيْسَ يَنَالُ الفَوْزَ إلاَّ المُشَمِّرُ
فَهَذِيْ اللَّيَالِي مُؤْذِنَاتُكَ بِالبِلَى ... تَرُوْحُ وأَيَّامٌ كَذَلِكَ تُبْكِرُ
стр. 356
وأَخْلِصْ لِدِيْنِ اللهِ صَدْرَاً ونِيَّةً ... فإنَّ الَّذِيْ تُخْفِيْهِ يَوْمَاً سَيَظْهَرُ
تَذَكَّرْ وَفَكِّرْ بِالَّذِي أَنْتَ صَائِرٌ ... إِلَيْهِ غَدَاً إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يُفَكِّرُ
فَلاَ بُدَّ يَومًا أَنْ تَصِيْرَ لِحُفْرَةٍ ... بأثْنَائِهَا تُطْوَى إلى يَومِ تُنْشَرُ
انْتَهَى
آخر:
لَقَدْ دَرَجَ الأسْلاَفُ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ ... وَهِمَّتُهم نَيْلُ المكَارِمِ وَالفَضْلِ
وَقَدْ رَفَضُوا الدُّنْيَا الغَرُورَ وَمَا سَعَوا ... لهَا وَالذِيْ يَأْتي يُبَادَرُ بِالبَذْلِ
فَقِيْرُهُمْ حُرٌ وَذُوْ المَالِ مُنْفِقٌ ... رَجَاءَ ثَوَابِ اللهِ في صَالِحِ السُّبْلِ
لِبَاسُهُم التَّقْوَى وَسِيْمَاهُم الحَيَا ... وَقَصْدُهُمُ الرَّحْمَنُ في القَوْلِ وَالفَعْلِ
مَقَالُهُم صِدْقٌ وَأَفْعَالُهُم هُدىً ... وَأَسْرَارُهُم مُنْزُوعَةُ الغِشِّ وَالغِلِّ
خُضُوْعٌ لِمَوْلاَهُمْ مُثُوْلٌ لِوَجْهِهِ ... قُنُوتٌ لَهُ سُبْحَانَهُ جَلَّ عَنْ مِثْلِ
انْتَهَى
آخر:
أيا نَفْسُ لِلْمَعْنَى الأجَلِّ تَطَلَّبِي ... وكُفِّى عن الدارِ الَّتي قدْ تَقَضَّتِ
стр. 357
فَكَمْ أَبْعَدَتْ إِلْفًا وكمْ كدَّرَتْ صَفًا ... وكَمْ جدَّدَتْ من تَرْحَةٍ بَعْدَ فَرْحَة
فَلَوْ جُعِلَتْ صَفْوًا شُغِلْتُ بِحُبها ... وَلَمْ يَكُ فَرْقٌ بَيْنَ دُنْيا وجَنَّةِ
لَعُمْرُكَ مَا الدنيا بِدَارِ أَخِي حِجَا ... فَيَلْهُو بها عن دَارِ فَوْزٍ وجَنَّةِ
عن المَوْطِنَ الأسْنَى عن القُرْبِ واللِّقا ... عن العَيْشِ كُلِّ العَيْشِ عند الأحِبَّةِ
فَوالله لو ظُلْمةُ الذّنْبِ لم يَطِبْ ... لَكَ العَيْشُ حَتَّى تَلْتَحِقْ بالأحِبَّةِ
انْتَهَى
آخر:
أيَا ابْنَ آدَمَ والآلاَءُ سَابِغَةٌ ... ومُزْنَةُ الجُوْدِ لاَ تَنْفَكُّ عَن دِيَمِ
هَلْ أَنْتَ ذَاكِرُ مَا أُولِيْتَ مِنْ حَسَنٍ ... وشاكِرٌ كُلَّ مَا خُوِّلْتَ مِنْ نِعَمِ
بَرَاكَ بَارِيءُ هَذا الخَلْقِ من عَدَمٍ ... بَحْتٍ ولَوْلاَهُ لَمْ تَخْرُجْ مِن العَدَمِ
أَنْشَاكَ مِنْ حَمَأ ولاَ حَرَاكَ بِهِ ... فَجِئْتَ مُنْتصِبِاً تَمْشِيْ عَلَى قَدَمِ
مُكَمَّل الأدَوَاتِ آيَةً عَجَبَاً ... مُوَفَّرَ العَقْلِ مَن حَظٍ ومِن فهِمِ
تَرَى وتَسْمَعُ كُلاًّ قَدْ حُبِيْتَ بِهِ ... فَضْلاً وتَنْطِقُ بالتَّبْيِيْنِ والكَلِمِ
هَدَاكَ بالعِلْمِ سُبْلَ الصَّالِحِيْنَ لَهُ ... وكُنْتَ مِن غَمَرَاتِ الجَهْلِ في ظُلَمِ
مَاذَا عَلَيْكَ لَهُ مِن نِعْمَةٍ غَمَرَتْ ... كُلَّ الجِهَاتِ ولم تَبْرَحْ ولم تَرِمِ
غَرَّاءُ كالشمسِ قَدْ ألْقَتْ أَشِعَّتهَا ... حَتَى لَيُبْصِرهَا عَلَيْكَ كُلُّ عَمِي ...
فاشكر ولَسْتَ مُطِيْقًا شُكَرهَا أَبَدَا ... ولَوْ جَهِدْتَ فَسدِّدْ وَيْكَ والتَزِمِ
رِزْقٌ وَأَمْنٌ وإيْمَانٌ وَعَافَيِةٌ ... مَتَى تَقُوم بشُكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ
انْتَهَى
стр. 358
آخر:
حَمَدْتُ الّذي أغْنَى وَأَقْنَى وَعَلَّمَا ... وَصَيَّرَ شُكْرَ العَبْدِ لِلخَيْرِ سُلَّمَا
وأُهدِي صَلاَةً تَسْتَمِرَّ عَلَى الرّضَا ... وَأَصْحَابِهِ والآل جَمْعَاً مُسَلَّمَا
أَعَادَ لَنَا في الْوَحْي والسَّنَنِ الَّتِي ... أَتَانَا بِهَا نَحْوَ الرَّشَادِ وعَلَّمَا
أَزَالَ بِهَا الأَغْلاَف عَنْ قَلْبِ حَائِرٍ ... وَفَتَّحَ آذانًا أُصِمَّتْ وَأَحْكَمَا
فيا أَيُّهَا البَاغِي استنَارَةَ عَقْلِهِ ... تَدَبَّرْ كِلاَ الوَحْيَينِ وانْقَدْ وَسَلِّمَا
فَعُنْوانُ إسْعَادِ الفَتَى في حَيَاتِهِ ... مَعَ اللهِ إقبالاً عليهِ مُعَظِّمَا
وَفَاقِدُ ذَا لا شَكَّ قَدْ مَاتَ قَلْبُهُ ... أَو اعْتَلَّ بالأمْراضِ كالرِّينِ والعَمَا
وآيةً سُقْمٍ في الجَوَارِحِ مَنْعُهَا ... مَنَافِعَهَا أو نَقْصُ ذَلكَ مِثْلَمَا
وَصِحتُها تَدرِي بِإتْيَان نَفْعِهَا ... كنُطْقِ وَبَطْشٍ وَالتَّصَرُّفِ والنَّمَا
وَعَيْنُ امْتِرِاضِ القَلبِ فقدُ الذي لَهُ ... أُرِيْدَ مِن الأخْلاصِ والحُبِّ فاعْلَمَا
وَمَعْرِفَةٌ والشَّوْقُ إِليه إنابَةً ... بِإيْثَارِه دُونَ المَحبَّاتِ فَاحْكمَا
стр. 359
وَمُوثِرُ مَحْبُوبٍ سِوَى اللهِ قَلْبُهُ ... مَرِيْضٌ على جُرْفٍ مِنَ المَوْتِ والعَمَى
وَأَعْظَمُ مُحْذُورٍ خَفَى مَوْتُ قَلْبِهِ ... عَلَيْهِ لِشُغْلِ عَنْ دَوَاهُ بِصَدِمَا
وآيَةُ ذَا هُونُ القَبَائحِ عِنْدَهُ ... وَلَوْلاَهُ أَضْحى نَادِمًا مُتَألِّمَا
فَجَامِعُ أمْراضٍ القلوبِ اتَّباعُهَا ... هَواهَا فخَالِفَها تَصِحَّ وَتَسْلَمَا
وَمِن شُؤْمِهِ تَرْكُ اغتِدَاءٍ بِنَافِعٍ ... وَتَرْكُ الدَّوا الشَافِي وَعَجْزُ كِلاَهُمَا
إِذا صَحّ قَلبُ العَبْدِ بَانَ ارتِحَالُهُ ... إِلى دَارِهِ الأخْرَى فَرَاحَ مُسَلّما
وَمِنْ ذاكَ إحْسَاسُ المُحِبّ لِقَلْبِهِ ... بِضَرْبٍ وَتَحْرِيْكٍ إلى اللهِ دَائِمَا
إلى أَنْ يُهَنَّا بِالإنَابَةِ مُخْبِتًا ... فَيَسْكُنُ في ذَا مُطْمَئِنًا مُنَعَّمَا
وَمِنْها دَوَامُ الذِكْر في كُلِّ حَالَةٍ ... يَرى الأُنسَ بالطّاعَات للهِ مَغْنَمَا
وَيَصْحَبُ حُرَّا دَلَّهُ في طَرِيْقِهِ ... وكان مُعِيْنَا ناصحًا مُتِيَمِّمَا
وَمنها إِذَا مَا فَاتَه الوِرْدُ مَرَّةً ... تَرَاهُ كَئِيْبًا نَادِمًا مُتَأَلِّمَا
стр. 360
وَمِنْهَا اشْتِياقُ القَلْبِ في وَقْت خِدْمَةٍ ... إِليْهَا كَمُشَتَدٍّ به الجُوعُ والظَّمَا ...
وَمِنْهَا ذَهَابُ الهَمِّ وَقْتَ صَلاَتِهِ ... بِدُنْيَاهُ مُرتَاحَا بِها مُتَنَعِّمَا
وَيَشْتَدُّ عَنْهَا بَعدَهُ لِخُروُجِهِ ... وَقَدْ زَالَ عنهُ الهَّمُ والغَمُّ فاسْتمَا
فَأكْرِمْ بِهِ قَلْبًا سَلِيْمًا مُقَرَّبًا ... إلى اللهِ قَدْ أضْحَى مُحِبًّا مُتَيَّمَا
وَمِنْهَا اجْتِمَاعُ الهَمِّ منهُ بِرّبِّهِ ... بِمَرضَاتِهِ يَسْعَى سَرِيعًا مُعَظِّمَا
وَمِنْهَا اهْتِمَامٌ يُثْمِرُ الحِرْصَ رَغْبَةً ... بِتَصْحِيْحِ أَعْمَالٍ يَكُونُ مُتَمِّمَا
بِإِخْلاَصِ قَصْدٍ وَالنَّصِيْحَةِ مُحْسِنًا ... وَتَقْيِيْدِهِ بالاتِّبَاعِ مُلازِمَا
وَيَشْهَدُ مَعْ ذا مِنَّةَ اللهِ عِنْدَهُ ... وَتَقْصِيْرَهُ في حَقِّ مَوْلاَهُ دَائِمَا
فسِتٌ بهَا القَلْبُ السَليمُ ارْتِدَاؤهُ ... وَيَنْجُو بِهَا مِنْ آفَةِ الموتِ والعَمَى
فَيَارَبِّ وَفِّقْنَا إلى مَا نَقُولُهُ ... فَمَازِلْتَ يَاذَا الطَّوْلِ بَرًّا ومُنْعِمَا
فَإِنِي وَإنْ بَلَغْتُ قَولَ مُحَقِّقٍ ... أُقِرُّ بِتَقْصِيرِيْ وَجَهْلِي لَعَلَّمَا
стр. 361
وَلَما أَتَى مِثْلِي إلى الجَوِّ خَالِيًا ... مِنَ العِلمِ أَضْحَى مُعْلِنَاً مُتَكّلِّمَا
كَغَابِ خَلا مِنْ أُسْدِهِ فَتَواثَبَتْ ... ثَعَالِبُ مَا كَانَتْ تَطَا فِي فِنَا الحِمَى
فيَا سَامِعَ النَّجْوَى وَيَا عَالِمَ الخَفَا ... سَأُلْتُكَ غُفْرَانَاً يكونُ مَعَمِّمَا
فَأَجْرَأَنِي أَلاَّ اضْطِرَارٌ رَأَيْتُهُ ... تَخَوُّفْتُ كَوْنِي إنْ تَوقَّفْتُ كَاتِمَا
فأْبَدَيْتُ مِن جُرَّاهُ مُزْجَي بِضاعَتي ... وَأَمَّلْتُ عَفْوًا مِن إلهي وَمَرْحَمَا
فَمَا خَابَ عَبْدٌ يَسْتَجِيرُ بِرَبِّهِ ... أَلَحَّ وَأَمْسَى طَاهِرَ القَلْبِ مُسْلِمَا
وَصَلَّوا عَلَى خَيْر الآنامِ محمدٍ ... كَذا الآلِ والأصحاب مَا دَامَتْ السَّمَا
انْتَهَى
آخر:
عُرىَ الأعمارِ يَعْلُوها انْفِصَامُ ... وأمْرُ الله ما منه اعْتِصَامُ
سَواءٌ في الثَّرَى مَلِكٌ وعَبْدٌ ... ثَوى النَّعمانُ حَيثُ ثَوى عِصَامُ
أَعِدَّ لِمَوقِفِ العَرْضِ احْتِجَاجًا ... لَعلَّكَ لَيسَ يَقْطَعُكَ الخِصَامُ
ولا يَعْظُمْ سَوَى التَّفْريطِ خَطْبٌ ... عَليكَ فإِنَّهُ الخَطْبُ العُظَامُ
أبنْ ليْ هَلْ تُبَارِزُ أَمْ تُوَلِّي ... إِذا شَرِكَتْ بِكَ الحَرْبُ العُقامُ
ولم تَعْرِفْ وَقَد فَجِئ انْتِقالٌ ... أَغَفْرٌ لِلذُّنُوبِ أَمِ انتِقَامُ
تَوقَّ مِن السِّفار على اغْترَارٍ ... فَلَيْسَ لِساكِني الدُّنيا مُقامُ
стр. 362
وإِنّ الموتَ للأَتْقَى شِفَاءٌ ... كَمَا أنّ الحَيَاةَ لَهُ سَقَامُ ...
حَذارِ حَذَارِ إِنكَ في بِحَارٍ ... مِن الدُّنْيَا طَمَتْ فَلَهَا التِطَامُ
وتَعْلَمُ أَنَّهَا تُرْدِي يَقِينًا ... ومِنَّا في غَوَارِبِها اقْتِحَامُ
وإِنَّ من العَجَائِبِ أنْ أَمَرَّتْ ... مَوارِدُهَا وإنْ كَثُرَ الزِّحَامُ
انْتَهَى
آخر:
إلى مَتَى يَا عَيْنُ هَذَا الرُّقادُ ... أَمَا آنَ أنْ تَكْتَحِلِيْ بِالسُّهَادِ
تَنَبَّهِيْ مِنْ رَقْدَةٍ وَانْظُرِيْ ... مَا فَاتَ مِنْ خَيرٍ عَلَى ذِي الرُّقَادِ
يَا أَيُّهَا الغَافِلُ في نَوْمِهِ ... قُمْ لِتَرى لُطْفَ الكَرِيمِ الجَوَادِ
مَوْلاَكَ يَدْعُوكَ إلى بَابِهِ ... وَأنتَ في النَّومِ شَبْيهُ الجَمَادِ
وَيَبْسُطُ الكَفَّينِ هَلْ تَائِبٌ ... مِنْ ذَنْبِهِ هَلْ مَنْ لَهُ مِنْ مُرَادِ
وَأَنْتَ مِنْ جَنْبٍ إلى جَانِب ... تَدُورُ فِي الفُرْشِ وَلِيْنِ المِهَادِ
يَدْعُوْكَ مَوْلاكَ إلى قُرْبهِ ... وَأنتَ تَختَارُ الجَفَا والبِعَادِ
كَمْ هَكَذا التَّسْوِيْفُ في غَفْلَةٍ ... لَيْسَ عَلى العُمْرِ العَزِيْزِ اعْتِمَادِ
لَقَدْ مَضَى لَيْلُ الصِّبَا مُسْرِعًا ... وَنَيْرُ صُبحِ الشَّيْبِ فَوْقَ الفُؤَادِ
стр. 363
أَفِقْ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ ... رَحْمَتُهُ عَمَّتْ جَمِيْعَ العِبَادِ
انْتَهَى
آخر:
ألاَ اِرْعِوَاءَ لِمَنْ كَانَتْ إِقَامَتُهُ ... عِنْدَ الَمَذاييْعِ والتِّلْفَازِ والطَّرَبِ
مُضَيِّعَاً فِيْهَا عُمُرًا مَا لَهُ عِوَضٌ ... إِذا تَصرَّمَ وَقْتٌ مِنْهُ لَمْ يَؤُبِ
أَيَحْسِبُ الْعُمْرَ مَرْدُودَاً تَصَرّمُهُ ... هَيْهَاتَ أنْ يَرْجِعَ الماضِيِ مِنَ الْحُقُبِ
أَمْ يَحْسَبُ العُمْرَ مَا وَلَّتْ أوَائِلُهُ ... يُنَالُ بَعْدَ ذَهَابِ الْعُمْرِ بِالذَّهَبِ
فَبَادِرِ الْعُمْرَ قَبْلَ الفَوْتِ مُغْتَنِمًا ... مَا دُمْتَ حَيَّاً فإِنَّ الموتَ في الطَّلَبِ
وَأحْرِصْ وبَادِرْ إِذَا مَا أُمكَنَتْ فُرَصٌ ... في كَسْبِ مَا تُحْمَدَنْ عُقْبَاهُ عَنْ رَغَبِ
مِنْ نَفَعِ ذِي فَاقَةٍ أَوْ غَوْثِ ذِي لَهَفٍ ... أَوْ فِعْلِ بِرِّ وإِصْلاَحٍ لِذِي شَغَبِ
فَالْعُمْرُ مُنْصَرِمٌ والوَقتُ مُغْتَنَمٌ ... والدَّهْرُ ذُو غِيرٍ فاجْهَدْ بِهِ تُصِبِ
فاعْمَلْ بِقَوْلِي وَلاَ تَجْنَحْ إلى فَدَمٍ ... مُخَادِع مُدَّعٍ لِلْعِلْمِ والأدَبِ
стр. 364
يَرَى السَّعادَةَ في كَسْبِ الحُطَامِ وَلَوْ ... حَوَاهُ مَعَ نَصَبٍ مِنْ سُوءِ مُكْتَسَبِ ...
فَالرَّأيُ ما قُلْتُهُ فاعْمَلْ بهِ عَجِلاً ... وَلاَ تُصِخْ نَحْوَ فَدْمٍ غَيْرٍ ذِي حَدَبِ
فَغَفْلَةُ الْمُرْءَ مَعَ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ ... عَنْ واضحٍ بَيِّنٍ مِنْ أَعْجَب العَجَبِ
انْتَهَى
آخر:
للهِ دَرُّ رِجَالٍ وَاصَلُوا السَّهَرا ... وَاسْتَعْذَبُوا الوَجْدَ وَالتَّبْرِيْحَ وَالفِكَرا
فُهُمْ نُجُومُ الْهَدَي وَاللَّيْلُ يَعْرِفُهُم ... إِذْا نَظَرْتَهُمُو هُمْ سَادَةٌ بُرَرَا
كُلُّ غَدَا وَقتهُ بِالذِّكْرِ مُشْتَغِلا ... عَمَّا سِوَاهُ وَللَّذَاتِ قَدْ هَجَرَا
يُمْسي وَيُصْبِحُ فِي وَجْدٍ وَفي قَلَقٍ ... مِمَّا جَنَاهُ مِن العِصيان مُنْذَعِرَا
يَقُولُ يَا سَيِّدِي قَدْ جِئْتُ مُعْتَرِفًا ... بِالذَّنْبِ فَاغْفِرْهُ لِي يِا خَيْر مِن غَفَرَا
حَمَلْتُ ذَنْبَا عَظِيْمًا لاَ أَطِيْقُ لَهُ ... وَلَمْ أَطِعْ سَيِّدِي فِي كُلِّ مَا أَمَرَا
عَصَيْتُهُ وَهْوَ يُرخي سِتْرَهُ كَرَمًا ... يَا طَالَما قَدْ عَفَا عَنِّي وَقَدْ سَتَرا
وَطَالَمَا كَانَ لِي فِي كُلِّ نَائِبَةٍ ... إِذا اسْتَغَثْتُ بِهِ مِنْ كُرْبةٍ نَصَرا
стр. 365
وَإنَّنِي تَائِبٌ مِمَّا جَنَيْتُ وَقَدْ ... وَافَيْتُ بَابَكَ يَا مَوْلاَيَ مُعْتَذرًا
لَعَلَّ تَقْبَلُ عُذْرِي ثم تَجْبُرُنِي ... يَوْمَ الحِسَابِ إِذْا قُدَّمْتُ مُنْكَسِرا
وَقَدْ أَتَيْتُ بَذُل رَاجِيًا كَرَمًا ... إِلَيْكَ يَا سَيِّدِي قَدْ جِئْتُ مُفْتَقِرَا
ثم الصلاة على المختارِ سَيِّدِنَا ... عِدادَ ما غَابَ مِن نَجْمٍ وما ظَهَرَا
انْتَهَى
آخر:
ألاَ يَا غَوَانِي مَنْ أرادت سَعَادَةً ... وتُوقَي عَذَابًا بالسِّنَا صَارَ مُحْدِقَا
فَأَكْثَرُ أَهْلُ النارِ هُنَّ حَقِيْقَةً ... رَوَيْنَا حَدِيْثًا فِيْهِ صِدْقًا مُصَدَّقَا
تُخَلِي التَّبِاهِي تُبْدلُ اللَّهْوَ بالبُكَا ... وتبْذُلُ كُلَّ الجَهْدِ بالزُّهْدِ والتُّقَى
وتَعْتَاضُ عَنْ لِينٍ بِدُنْيًا خُشُوْنَةً ... وعن يَابِسٍ في الدِّيْنِ أَخضَرَ مُوْرِقَا
رَعَى اللهُ نِسْوَانًا تَبِيْتُ قَوَانِتًا ... ويُصْبِحُ مِنْهَا القَلْبُ بالخَوْفِ مُحْرِقَا
تَظَلُّ عنِ المَرْعَى الخَصِيْب صَوَائِمًا ... ويُمْسِيْ سَمِيْنُ البَطْنِ بالظَّهْرِ مُلْصَقَا
تَرَى بَيْنَ عَيْنٍ والسُّهَادِ تَوَاصُلاً ... وَبَيْنَ الكَرَى والعَبْنِ مِنْهَا تَفَرُّقَا
стр. 366
وَبَيْنَ مِعَاءٍ والغِذَاءِ تَقَاطُعًا ... وبَيْنَ خُلُوفِ المِسْكِ والثَّغْر مُلْتَقَى
تَرَى نَاحِلاتٍ قَارِئاتٍ مَصَاحِفًا ... وَلُؤْلُؤُ بَحْرِ الدُّرِّ في الْوَرْدِ مُشْرِقَا ...
فَدَتْها مِن الآفاتِ كُلُّ نُفُوسِ مَنْ ... يُخَالِفُهَا فِي الوِصْفِ غَرْبًا وَمَشْرِقَا
خَلِيْليَّ إنَّ المَوْتَ لا شَكَّ نَازِلٌ ... وبَيْنَ الأَحِبَّا لا يَزَالُ مُفَرِّقَا
فَجُدَّا لِدَارٍ لا يَزْوُل نَعِيْمُهَا ... بِهَا الحُسْنُ واللَّذاتُ والمُلْكُ والبَقَا
ولُقْيَا حِسَانٍ نَاعِمَاتٍ مُنَعَّمٌ ... بِهِنَّ سَعِيْدٌ سَعْدَ ذَلِكَ مَنْ لَقَا
كَوَاعِبَ أَتْرَابٍ زَهَتْ فِي خِيَامِهَا ... بِظِلِّ نَعِيْمٍ قَطُّ مَا مَسَّهَا شَقَا
كَدُرٍّ ويَاقُوتٍ وبَيْضِ نَعَامةٍ ... كَسَاهَا الْبَهَا والنُّوْرُ والحُسْنُ رَوْنَقَا
تُغَنِّي بِمَا لَمْ تَسْمَع الخَلْقُ مِثْلَهُ
" ... وَقَدْ حَبَّرَتْ صَوْتًا رَخِيْمًا مُشَوِّقَا
غِنَاهُنَّ نَحْنُ الخَالِدَاتُ فَقَطُّ مَا ... نَبِيْدُ وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلاَ شَقَا
ولا سَخَطٌ والرَّاضِيَاتُ بِنَا الْمُنَى ... فَطُوبِي لِمَنْ كُنَّا لَهُ مِن أُولِي التُّقَى
انْتَهَى
стр. 367
قال ابنُ القَيِّمِ ﵀ في شأن أهل الجنة وما أُعِدَّ لهم من الكَرَامة:
أَوَ مَا سَمِعْتَ بِشَأْنِهِم يَومَ المزيـ ... ـدِ وأنَّه شانٌ عَظِيْمُ الشَّانِ
هوَ يَوْمُ جَمْعَتِنَا وَيَومُ زِيَارَةِ ... الرَّحمانِ وَقْتَ صَلاَتِنَا وَأَذَانِ
والسَّابقونَ إلى الصَّلاةِ هُمُ الأُلَى ... فازُوْا بذَاكَ السَّبْقِ بالإِحسانِ
سَبْقٌ بَسَبْقٍ والمُؤَخَّرُ هَا هُنَا ... مُتَأَخّرٌ في ذَلِكَ المَيْدَانِ
والأَقْرَبُونَ إِلَى الإِمَامِ فَهُمْ أُولُو ... الزُلْفَي هُنَاكَ فَهَا هُنَا قُرْبَانِ
قُربٌ بِقُربٍ والمبُاعَدُ مِثْلُهُ ... بُعْدٌ بِبُعْدٍ حِكْمَةُ الدَّيَانِ
ولَهُم مَنَابِرُ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرجَدٍ ... ومَنَابرُ اليَاقُوتِ والعِقْيَانِ
هَذَا وأَدْنَاهُمْ ومَا فِيْهِمْ دَنِي ... مَن فَوْقَ ذاكَ المِسْكِ كالكُثبانِ
مَا عِنْدَهُمْ أَهْلُ المَنَابِرِ فَوْقَهُم ... مِمَّا يَرَونَ بِهمْ مِنَ الإِحسانِ
فَيَرَوْنَ ربَّهُمُ تَعالى جَهْرَةً ... نَظَرَ العِيَانِ كَما يُرَى القَمَرانِ
ويُحَاضرُ الرحمنُ وَاحِدَهُم مُحَا ... ضَرةَ الحَبيْب يقوُلُ يا ابنَ فُلانِ
стр. 368
هَل تَذكُرُ اليومَ الذي قَدْ كُنْتَ فيـ ... ـهِ مُبَارِزًا بالذنب والعِصيانِ
فيقولُ ربِّ أَمَا مَنَنْتَ بغَفْرَةٍ ... قِدْمِاً فإنَّكَ واسعُ الغُفْرانِ
فَيُجِيْبُه الرحمنُّ مَغْفِرَتِي الَّتِيِ ... قد أَوصَلَتْكَ إِلى المَحَلِ الدَّانِي
انْتَهَى
آخر:
إِلى اللهِ أُهْدِي مِدْحَتِيْ وَثَنَائِيَا ... وَقَوْلاً رَصِيْنًا لا يَنِي الدَّهْرَ بَاقِيَا
إلى المَلِكِ الأَعْلَى الذِي ليس فَوْقَهُ ... إلهٌ ولا رَبٌ يَكُوْنُ مَدَانِيا
أَلا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِيَّاكَ والرَّدَى ... فَإِنَّكَ لاَ تَخْفىَ مِن اللهِ خَافِيَا
وَإِيَّاكَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ غَيْرَهُ ... فَإِنَّ سَبِيْلَ الرُّشْدِ أَصْبَحَ بَادِيَا
إلى أَنْ قَالَ:
وَأَنْتَ الذِي مِنْ فَضْلِ مَنٍّ وَرَحْمَةٍ ... بَعَثْتَ إِلى موسى رسُولا مُنَادِيَا
стр. 369
فَقُلْتَ لَهُ فَاذْهَبْ وَهَارُونَ فَادْعُوَا ... إلى اللهِ فِرْعَوْنَ الذي كَانَ طَاغِيَا
وَقُوْلاَ لَهُ أَأَنْتَ سَوَّيْتَ هَذِهِ ... بِلاَ وَتَدٍ حَتَّى اطَمَأَنَّتْ كَمَا هِيَا
وَقُوْلاَ لَهُ أَأَنْتَ رفعتَ هَذه ... بلا عَمَدٍ ارفقْ إذًا تَكُ بَانِيَا
وَقُوْلاَ لَهُ أَأَنَتْ سَوَّيْتَ وَسْطَهَا ... مُنِيْرًا إِذَا مَا جَنَّهُ اللَّيْلُ هَادِيَا
وَقُوْلاَ لَهُ مَنْ يُرْسِلُ الشَّمْسَ غُدْوَةً ... فَيصْبحُ مَا مَسَّتْ مِنْ الأَرْضِ ضَاحِيَا
وَقُوْلاَ لَهُ مَنْ يُنْبِتُ الحَبَّ في الثَّرَى ... فَيُصْبِحُ مِنهُ البَقْلُ يَهْتَزُّ رَابِيَا
وَيُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّهُ فَي رُؤُسِه ... فَفِيْ ذَاكَ آيَاتٌ لِمنْ كَانَ وَاعِيا
وَأَنْتَ بِفَضْلٍ مِنْكَ نَجَّيْتَ يُوْنُسَا ... وَقَدْ بَاتَ في بَطْنٍ لِحُوْتٍ لَيَالِيَا
اللهم إنَّا نَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ في الأَمْرِ، وَالعَزِيْمَةَ عَلَى الرُّشْدِ وَنَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَنَسْأَلُكَ أنْ تَغْفِرَ لَنَا وَلَوَالِدَيْنَا وَلِجَمْيعِ المُسْلِمْينَ برَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمدٍ وعلى آلهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِين.
стр. 370
آخر:
خُلِقْنَا لأَحْدَاثِ الليَالِي فَرائِسَا ... تَزَفُّ إِلى الأَجْدَاثِ مِنَّا عَرائِسَا
تُجَهِّز مِنَّا لِلْقُبُورِ عَسَاكِرًا ... وَتُرْدِفُ أَعْوَادُ المَنَايَا فَوَارِسَا
إِذا أَمَلٌ أَرْخَى لَنَا مِنْ عَنَانِهِ ... غَدا أَجَلٌ عَمَّا نُحَاوِلُ حَابِسَا
أَرَى الغُصْنَ لَمَّا اجْتُثَّ وَهْوَ بِمَائِهِ ... رَطِيْبًا وَمَا إِنْ أَصْبَحَ الغُصْنُ يَابِسَا
نَشِيدُ قُصُورًا لِلْخُلُودِ سَفَاهَةً ... وَنَصْبِرُ ما شِئْنَا فُتُورًا دَوَارِسَا
وقد نَعَتِ الدُّنْيَا إِلينَا نُفُوسَنا ... بِمَنْ مَاتَ مِنَّا لَوْ أَصَابَتْ أَكَايِسَا
لَقَد ضَرَبَتْ كِسْرَى المُلُوكِ وَتُبَّعًا ... وَقَيْصَرُ أَمْثَالاً فَلَم نَرَ قَائِسَا ...
نَرَى ما نَرَى مِنْهَا جِهَارًا وَقَدْ غَدَا ... هَوَاهَا عَلَى نُوْرِ البَصِيرةِ طَامِسَا
وقد فَضَح الدنيا لَنَا الموتُ وَاعِظًا ... وَهَيْهَاتَ مَا نَزْدَادُ إِلا تَقَاعُسَا
انْتَهَى
آخر:
غفلتُ وليس الموتُ في غفلةٍ عنِّي ... وما أَحَدٌ يَجْني عَليَّ كَما أَجنْي
стр. 371
أُشَيِّدُ بُنَيَانِي وأَعْلَمُ أَنَّنِي ... أَزُولُ، لِمَنْ شيّدتُه ولِمَنْ أبْنِي
كَفَانِيَ بالموتِ المُنغِّص وَاعِظًا ... بِما أَبْصَرَتْ عَيني وما سَمِعتْ أُذْنِي
وكم للمنايا مِن فُنُونٍ كثيرة ... تُمِيتُ وقد وطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى فَنِّ
ولو طرقَتْ ما اسْتأذَنَتْ مَن يُحبني ... كما أَفْقَدَتْنِي مَن أُحِبُّ بلا إذْنِ
وقد كُنْتُ أفِدي نَاظِريه مِن القذَى ... فَغَطَّيْتُ ما قد كُنْتُ أفِديهِ بالعَيْنِ
سَتَسْجُنُنيِ يا ربِّ في القبر بُرْهَةً ... فلا تَجعلِ النيرانِ مِن بَعدِهِ سِجْنِي
وَلي عندَ رَبِي سَيِئاتٌ كَثيرةٌ ... ولكنني عَبدٌ به حَسَنُ الظَّنِّ
انْتَهَى
آخر:
وَإنِّيْ امْرُؤٌ بِالطَّبْعِ أُلْغِيْ مَطَامِعِيْ ... وَأزْجُرُ نَفْسِيْ طَابِعًا لاَ تَطَبُّعَا
وَعِنْدِيْ غِنَى نَفْسٍ وَفَضْلُ قَنَاعَةٍِ ... وَلَسْتُ كَمَنْ إنْ ضَاقَ ذَرْعًا تَضَرَّعَا
وَإنْ مَدَّ نَحْوَ الزَّادِ قَوْمٌ أَكُفَّهَا ... تَأَخَّرْتُ بَاعًا إنْ دَنَا القَوْمُ أَصْبُعَا
وَمُذْ كَانَتْ الدُّنْيَا لَدَىَّ دَنِيْئَةً ... تَعَرَّضْتُ لِلإْعْرَاضِ عَنْهَا تَرَفُّعَا
стр. 372
وَذَاكَ لِعِلْمِيْ إِنَّمَا اللهُ رَازِقٌ ... فَمَنْ غَيْرُهُ أَرْجُو وَأَخْشَى وأُجَزَعَا
فَلاَ الضَّعْفُ يُقَصِي الرِّزْقَ إنْ كَانَ دَانِيًا ... وَلاَ الحَوْلُ يُدْنِيْهِ إذَا مَا تَجَزَّعَا
فَلاَ تَبْطِرَنْ إنْ نِلْتَ مِنْ دَهْرِكَ الغِنَى ... وَكُنْ شَامِخًا بِالأَنْفِ إنْ كُنْتَ مُدْقِعًا
فَقَدْرُ الفَتَى مَا حَازَهُ وَأَفَادَهُ ... مِنْ العِلْمِ لاَ مَالٌ حَوَاهُ وَجَمَّعَا
فَكُنْ عَالِمًا في النَّاسِ أَوْ مُتَعَلِّمًا ... وَإنْ فَاتَكَ القٍسْمَانِ أَصْغِ لِتَسْمَعَا
وَلاَ تَكُ لِلأَقْسَامِ مَا اسْتَطَعْتَ رَابِعَا ... فتُدْرَأَ عَنْ ورْدِ النَّجَاةِ وَتُدْفَعَا
انْتَهَى
* * *
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
هَذَا وَنَصْرُ الدِّيْنِ فَرْضٌ لاَزِمٌ ... لا لِلْكِفَايَةِ بَلْ عَلَى الأَعْيَانِ
بِيَدٍ وإمَّا باللِّسَانِ فإِنْ عَجزْ ... تَ فَبِالتَّوَجُّهِ والدُّعَا بِجَنَانِ
مَا بَعْدَ ذَا واللهِ للإِيمانِ حَبَّةُ ... خَرْدَلٍ يَا نَاصِرَ الإِيمانِ
بِحَيَاةِ وَجْهِكَ خَيْرِ مَسْئُولٍ بِهِ ... وَبِِنُوْرِ وَجْهِكَ يَا عَظِيْمَ الشَّانِ
وَبِحَقِ نِعْمَتِكَ الَّتِيْ أَوْلَيْتَهَا ... مِن غَيْرِ مَا عِوَضٍ ولا أَثْمَانِ
стр. 373
وبحَقِ رَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ جَمْيعَ ... الخَلقِ مُحْسِنَهُم كَذاك الجانِي
وبحقِ أسْمَاءٍ لَكَ الحُسْنَى مَعَاً ... فِيْهَا نُعُوتُ المَدْحِ لِلرَّحْمنِ
وبحَقِ حَمْدِكَ وهُوَ حَمْدٌ وَاسعَ الْـ ... أكْوَانِ بلْ أَضْعَافٌ ذِي الأَكْوَانِ
وبأَنَّكَ اللهُ الإِلهُ الحَقُّ مَعْبُوْدُ ... الوَرَى مُتَقَدِّسٌ عَنْ ثَانِ
بَلْ كُلُ مَعْبُودٍ سِوَاكَ فَبَاطِلٌ ... مِن دُوْنِ عَرْشِكَ لِلثَّرَى التَّحْتَانِي
وبِكَ المَعَاذُ ولا مَلاَذَ سِوَاكَ أنْـ ... ـتَ غِيَاثُ كُلِ مُلَدِّدٍ لَهْفَانِ
مَنْ ذَاكَ لِلْمُضْطَرِ يَسْمَعُهُ سِوَا ... كَ يُجِيْبُ دَعْوَتَهُ مَعَ العِصْيَانِ
إنَّا تَوَجَّهْنَا إِليْكَ لِحَاجَةٍ ... تُرْضِيْكَ طَالِبُهَا أَحَقُّ مُعَانِ
فاجْعَلْ قَضَاهَا بَعْضَ أَنْعُمِكَ الَّتِي ... سَبَغَتْ عَلَيْنَا مِنْكَ كُلِّ زَمَانِ
انْصُرْ كِتَابَكَ والرَّسُولَ وَدِيْنَكَ الـ ... ـعَالِي الذي أَنْزَلْت بالبُرْهَانِ
واخْتَرْتَهُ دِيْنًا لِنَفْسِكَ واصْطَفَيْـ ... ـتَ مُقِيْمَهُ مِن أمَّةِ الإِنسانِ
وَرَضِيْتَهُ دِيْنًا لِمَنْ تَرَضَاهُ مِن ... هَذَا الوَرَى هُو قَيِّمُ الأَدْيَانِ
وَأَقِرَّ عَيْنَ رَسُوْلِكَ المَبْعُوثِ بالدِّ ... ينِ الحَنِيْفِ بنَصْرِهِ المُتَدَانِ
стр. 374
وانْصُرْ به النَّصْرَ العَزِيْزَ كَمِثْلِ مَا ... قَدْ كُنْتَ تَنْصُرُهُ بِكُلِ زَمَانِ
يا رَبُّ وانْصُرْ خَيْرَ حِزْبِيْنَا عَلى ... حِزْبِ الضَّلالِ وَعَسْكَرِ الشَّيْطَانِ
يَا رَبُّ وَاجْعَلْ شَرَّ حِزْبَيْنَا فِدًا ... لِخيارِهِم وَلِعَسْكَرِ القُرْآنِ
يَا ربُّ واجْعَلْ حِزْبَكَ المَنْصُوْرَ ... أَهْلَ تَرَاحُمٍ وَنَواصُلٍ وَتَدَانِ
يَا رَبُّ وَاحْمهُمُ مِن البِدَعِ التي ... قدْ أُحْدَثَتْ في الدِّينِ كُلَّ زَمَانِ
يَا رَبُّ جَنِّبْهُم طَرَائِقهَا التي ... تُفْضِي بِسَالِكِهَا إلى النِّيْرَانِ
يَا رَبُّ واهْدِهِمُ بِنُوْرِ الوَحْي كَيْ ... يَصِلُوا إلَيْكَ فَيَظْفَرُوا بِجِنَانِ ...
يَا رَبُّ كُنْ لَهُمْ وَلِيًا نَاصِرًا ... واحْفَظهُمُ مِنْ فِتْنَةِ الفَتَّانِ
وانْصُرْهُمُ يا رَبُّ بالحقِّ الَّذِي ... أَنْزَلْتَه يا مُنْزِلَ القُرآنِ
يَا رَبُّ إنَّهُمُ هُمُ الغُرَبَاءُ قَدْ ... لَجَؤُوا إِلَيْكَ وَأَنْتَ ذُوْ الإِحْسَانِ
يَا رَبُّ قَدْ عَادُوا لأَجْلِكَ كُلَّ هَـ ... ـذا الخَلْقِ إلا صَادِقَ الإِيمانِ
стр. 375
قَدْ فَارَقُوْهُم فِيْكَ أَحْوَجَ ما هُمُ ... دُنْيَاً إلَيْهِم في رَضَا الرَّحمنِ
وَرَضُوا وَلاَيَتَكَ الَّتِيْ مَنْ نَالَهَا ... نَالَ الأَمَانَ وَنَالَ كُلَّ أَمَانِ
وَرَضُوا بِوَحْيِكَ مِنْ سِوَاهُ وَمَا ارْتَضَوْا ... بِسوَاهُ مِنْ آرَاءِ ذِي الهَذَيَانِ
يا رَبُّ ثَبِّتْهُمْ على الإِيْمانِ ... واجْعَلْهُمُ هَدَاةَ التَّائِهِ الحَيْرانِ
وانْصُرْ عَلَى حِزْبِ النَّفَاةِ عَسَاكِرَ الـ ... إِثْبَاتِ أَهْلَ الحَقِّ والعِرْفَانِ
وَأَقِمْ لأَهْلِ السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ الْـ ... أَنْصَارَ وانْصُرْهُمُ بِكُلِّ زَمَانِ
واجْعَلْهُمُ لِلْمُتَّقِيْنَ أَئِمَّةً ... وارْزُقْهُمُ صَبْرًا مَعَ الإِيْقَانِ
تَهْدِيَ بِأَمْرِكَ لاَ بِمَا قَدْ أَحْدَثُوا ... وَدَعَوْا إليهِ النَّاسَ بالعُدْوانِ
وأَعِزَّهُمْ بالحَقِّ وانْصُرْهُمْ بِهِ ... نِصْرًا عَزِيْزًا أَنْتَ ذُوْ السُّلْطانِ
واغْفِرْ ذُنُوبَهُمُ وَأَصْلِحْ شَأْنَهُمْ ... فَلأَنْتَ أَهْلُ العَفْوِ والغُفْرَانِ
وَلَكَ المَحَامِدُ كُلُّها حَمْدًا كَمَا ... يُرْضِيْكَ لاَ يَفْنَى عَلَى الأَزْمَانِ
стр. 376
مِلءَ السَّمواتِ العُلَى والأَرْضِ والْـ ... مَوْجُودِ بَعْدُ وَمُنْتَهى الإِمْكانِ
مِمَّا تَشَاءُ وَرَاءَ ذَلِكَ كُلِّهِ ... حَمْدًا بِغَيْر نِهَايَةٍ بِزَمَانِ
انْتَهَى
آخر:
أَسِيْرُ الخَطَايَا عِنْدَ بَابِكَ وَاقِفُ ... بِهِ وَجَلٌ مِمَّا بِهِ أَنْتَ عَارِفُ
يَخَافُ ذُنُوبًا لَمْ يَغِبْ عَنْكَ غَيْبُهَا ... وَيَرْجُوْكَ فِيْهَا فَهْوَ رَاجٍ وَخَائِفُ
فَمَنْ ذَا الذِيْ يُرْجَى سِوَاكَ وَيُتَّقَى ... وَمَا لَكَ في فَصْلِ القَضَاءِ مُخَالِفُ
فَيَا سَيِّدِيْ لا تُخْزِنِيْ في صَحِيفَتى ... إِذَا نُشِرَتْ يَوْمَ الحِسَابِ الصَّحَائِفُ
وَكُنْ مُؤْنِسِيْ في ظُلْمَةِ القَبْرِ عِنْدَمَا ... يَصَدُّ ذُوُو القُرْبَى وَيجْفُو المُؤَآلِفُ
لَئِنْ ضَاقَ عَنّيْ عَفْوُكَ الوَاسِعُ الذِي ... أُرَجِيَ لأَسْرَافِيْ فَإنِّي لَتَالِفُ
انْتَهَى
آخر:
خُزَّانُ وَحْي اللهِ لَمْ يُرَ غَيْرُهُم ... أَهْلاً لِحِفْظَ كَلامِهِ المُخْتَارِ
لَكِنْ عَلَيْهمِ أَنْ يَقُومُوْا بالذِي ... فيهِ مِن المَشْرُوْع لَلأَبْرَار
صِدْقٌ وإِخْلاَصٌ وحُسْنُ عِبَادَةٍ ... وقِيَامُ لَيْلٍ مَعْ صِيَامِ نهارِ
وتَوَرُّعٍ وتَزَهُّدٍ وتَعَفُفٍ ... وتَشَبُّهٍ بخلائِقِ الأَخْيَارِ
وديَانَةٍ وصِيَانَة وأَمَانَةٍ ... وتَجَنُّبٍ لِخَلائِقِ الأَشْرارِ
وأَدَاءِ فَرْضٍ واجْتِنَاب مَحَارِمٍ ... وإِدَامَةٍ لِلْحَمْدِ والأَذْكارِ
стр. 377
يا حَامِل القُرآنِ إنْ تَّكُ هَكَذا ... فَلَكَ الهَنَاءُ بفوْزِ عُقْبَى الدَّارِ
وَمَتى أَضَعْتَ حُدُوْدَهُ لم تَنْتَفِعْ ... بحُرُوْفِهِ وسَكَنْتَ دَارَ بَوَارِ
اللَّهُمَّ أعْطنا مِن الخير فوقَ مَا نَرْجوهُ، وأصْرف عَنا مِن السوءٍ فوقَ مَا نَحْذر، فإنك تَمحُو مَا تَشَاء وَتَثْبت وعندك أُم الكِتاب. ...
اللَّهُمَّ واجعلنَا ممَّن يأخُذ الكِتاب باليمين، واجعلنَا يَوم الفزع الأكبرِ آمنين، وأَوصلنَا بِرَحْمَتِكَ وَكَرَمِكَ إلى جَناتِ النعيم، واغْفِر لَنَا وَلَوَالِدَيْنَا ولَجميع المسلمين، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَم الرَّاحِمين، وصلى الله على محمدٍ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أَجْمعين.
آخر:
يا جامعَ المالِ إن العُمَر مُنْصَرِمٌ ... فابخلْ بمالكَ مَهْمَا شِئْتَ أو فَجُدِ
ويا عزيزًا يَخِيطُ العُجْبُ ناظرَهُ ... أذْكُرْ هَوَانَكَ تَحْتَ التُربِ واتّئِدِ
قالوا تَرَقى فُلانُ اليومَ مَنْزِلةً ... فَقُلْتُ يُنزلُهُ عنها لِقَاءُ غَدِ
كَمْ وَاثِقٍ باللياليِ مَدَّ رَاحَتَهُ ... إلى المَرَامِ فَنَادَاهُ الحِمامُ قَدِ
وباسطٍ يَدَهُ حُكْمًا ومَقْدِرَةً ... وَوَارِدُ الموتِ أدْنَى مِن فمٍ لِيدَ
كم غَيَّرَ الدهرُ مِن دَارُ وسَاكِنِها ... لا عن عَمِيدِ ثنى بَطْشًا ولا عُمَدِ
стр. 378
زَالَ الذِي كَانَ لِلْعَلْيَا بهِ سَنَدٌ ... وزَالَتِ الدَّارُ بالعَلْيَاءِ فالسَّندِ
تباركَ الله كَمْ تَلْقَى مَصَائِدَها ... هَذِي النُجومُ على الدَانِينَ والبُعَدِ
تَجرِي النُجُومُ بِتَقْرِيِبِ الحِمامَ لَنَا ... وهُنَّ مِن قُرْبِهِ منها على أمَدِ
لا بُدَّ أَنْ يَغْمِسَ المِقْدَارُ مُدْيَتَهُ ... في لَبَّةِ الجَدْيِ منها أَوْ حَشَا الأسَدِ
عَجِبْتُ مِن آمِلٍ طُولَ البقاءِ وقدْ ... أخْنَى عليه الذي أخْنَى على لُبَدِ ...
يَجُرّ خَيْطُ الدُجَى والفَجْرِ أَنْفُسَنَا ... لِلترْبِ ما لا يَجُرُّ الحَبْلُ مِن مَسَدِ
هذِي عَجَائِبُ تَثْنيِ النفسَ حَائِرةً ... وَتُقْعِدُ العقلَ مِن عَيٍّ على ضَمَدِ
مالي أسَرٌ بِيَومٍ نِلْتُ لَذَتَهُ ... وقد ذَوَىَ مَعَهُ جُزْءٌ مِن الجَسَدِ
لاُّتْرَكَنَّ فريدًا في التُراب غَدًا ... ولو تَكَثَّرَ ما بَينَ الوَرى عَدَدي
ما نافِعي سَعَةٌ فغي العيشِ أو حَرَجٌ ... إن لم تَسعْني رُحْمى الواحِدِ الصَّمد
انْتَهَى
آخر:
زِيادةُ المرءِ في دُنياهُ نقصانُ ... ورْبحُهُ غير مَحْضِ الخيرِ خُسْرِانُ
وكُلُ وجْدَانِ حَظٍ لا ثباتَ لَهُ ... فإن مَعْناهُ في التَّحْقِيقِ فِقْدَانُ
стр. 379
يا عامرًا لخِرابِ الدهرِ مُجْتَهدًا ... بالله هَلْ لَخِرابِ الدهرِ عُمْرانُ
ويا حَرِيصًا على الأمْوالِ تَجْمَعُهَا ... أنَسَيْتَ أنَّ سُروُرَ المالِ أَحْزانُ
زَعِ الفؤادَ عن الدنيا وزُخْرُفها ... فَصَفْوُهَا كَدَرٌ والوَصْلُ هُجْرَانُ
وأرعِ سَمْعَكَ أمثالاً أَفَصِلُّها ... كما يُفَصَّلُ ياقوتَّ ومَرْجَانَ
أحْسِن إلى الناسِ تَستَعْبِدْ قُلوبَهُمُ ... فَطالمَا إسْتَعْبَدَ الإنسانَ إحسانُ
يا خادمَ الجسمِ كم تَسْعَى لِخِدْمَتِهِ ... أَتَطْلُبُ الربحَ مِمَّا فِيه خُسرانُ
أقْبِلْ على النفسِ واستكْمِلْ فَضَائِلَهَا ... فأنْتَ بالنفسِ لا بالجسمِ إنسانُ
وإنْ أسَاءَ مُسِيء فَلْيَكُنْ لَكَ فِي ... عُروضِ زَلَّتِهِ عَفْوَّ وغُفرانُ
وكن على الدهرِ مِعوانًا لِذِي أملِ ... يَرجُو نَدَاكَ فإنَّ الحرَّ مِعوانُ
واشدُدْ يَدَيْكَ بحبلِ اللهِ مُعْتَصِمًا ... فإنهُ الركنُ إن خَانَتْكَ أركَانُ
مَن يَتق الله يُحمَد في عَواقِبهِ ... ويَكْفِهِ شَرَّ مَن عَزُوا ومَن هَانُوا
مَن استعَانَ بغيرِ اللهِ في طلبٍ ... فإنّ ناصِرَهُ عَجْزٌ وخُذْلانُ
مَن كان لِلْخَيرِ مَنَّاعًا فليسَ لَهُ ... على الحقيقةِ إخوانٌ وأخْدَانُ
مَن جَادَ بالمالِ مَالَ الناسُ قَاطِبةً ... إليهِ والمالُ لِلإنسانِ فَتَّانُ
مَن سَالَم الناسَ يَسْلَم مِن غَوَائِلهِمْ ... وعاشَ وهو قَرِيْرُ العَينِ جَذْلانَ
من كان لِلْعقلِ سُلطانَّ عليه غَداَ ... وما على نفسِهِ لِلْحِرْصِ سُلْطَانُ
مَن مَدَّ طَرفًا بفَرطِ الجَهلِ نَحْوَ هَوَىً ... أغَضَى على الحقِ يومًا وهو خَزْيَانُ
مَن استشارَ صُروفَ الدهرِ قَامَ لَهُ ... على حقيقةِ طبعِ الدهرِ بُرْهَانُ ...
مَن يِزْرعِ الشرَ يُحْصُد في عواقِبهِ ... نَدَامةً ولِحَصْدِ الزَّرْعِ إبَّانُ
مَن استنام إلى الأشرارِ نَامَ وفي ... قَمْيصِهِ مِنْهُمُو صِلَّ وثُعْبَانُ
كُنْ رَيّقَ البِشرِ إنَّ الحرَّ هِمَّتُهُ ... صَحْيفَةٌ وعليها البشرُ عُنوانُ
ورافقِ الرفقَ في كُلِ الأمُور فَلَمْ ... يِنْدَمُ رِفيقٌ ولم يَذْمُمْهُ إنسانُ
ولا يَغُرنْكَ حَظٌ جَرَّهُ خَرَقٌ ... فالخَرْقُ هَدْمٌ ورِفْقُ المرءِ بُنْيَانُ
أحْسِنْ إذا كَانَ إمكانٌ وَمَقْدِرَةٌ ... فلن يدُوْمَ علىَ الإِحسانِ إمكانُ
стр. 380
فالروضُ يزْدِانُ بالأنوار فَاغِمُهُ ... والحُر بالعدلِ والإِحسانِ يُزْدَانُ
صُنْ حُرَّ وَجْهِكَ لا تَهْتِكْ غَلاَلَتَهُ ... فَكُلُ حُرٍ لِحُرِّ الوَجْهِ صَوَّانُ
دَعِ التكاسُلَ في الخيراتِ تَطْلُبُهَا ... فَليسَ يَسْعَدُ بالخيراتِ كَسْلاَنُ
لا ظلَّ لِلمَرْء يَعْرَى مِن نُهىً وَتُقَىً ... وإن أظَلََّلتْهُ أوراقٌ وأفْنَانُ
والناسُ أعوانُ مَن وَالَتْهُ دَوْلَتُهُ ... وهُمْ عَلَيهِ إذا عَادَتْهُ أَعْوَانُ
سَحْبَانُ مِن غيرِ مالٍ باقِلٌ حَصرٌ ... وباقِلٌ في ثَرَاءِ المالِ سَحْبِانُ
لا تُوْدِعِ الِسّرَ وَشَّاءً بهِ مَذِلاً ... فَمَا رَعَى غَنَمًا في الدَّوِ سِرْحَانُ
لا تَحسَبِ الناسَ طبعًا واحدًا فَلَهُمْ ... غَرَائِزُ لستَ تُحْصِيْهنَّ ألْوَانُ
ما كُلُ مَاءِ كَصَدَّاءٍ لِوارِدِهِ ... نَعَمْ ولا كُلُ نَبْتٍ فهو سَعْدَانُ
لا تَخْدِشَنَّ بِمطْلٍ وَجْهَ عَارِفَةٍ ... فالِبرُّ يَخْدِشُهُ مَطْلٌ ولَيَّانُ
لا تَسْتَشِرْ غَيْرَ نَدْبٍ حَازِمٍ يِقِظٍ ... قد اسْتَوىَ عِندَهُ سِرٌ وإعْلاَنُ
فَللتَدابِيرِ فُرسانٌ إذا رَكَضُوا ... فيها أبَرُّوا كما لِلْحَرْبِ فُرْسَانُ
وللأُمُوْرِ مَوَاقِيْتٌ مُقَدَّرة ... وكُلُ أمرٍ لِهَ حَدٌ وَمِيْزَانُ
فلا تكَنْ عَجِلاً في الأمر تَطْلبُهُ ... فليسَ يُحْمَدُ قَبْلَ النُّضْجِ بُحْرانُ
كَفَى مِن العيش ما قَدْ سَدَّ مِن عَوَزٍ ... فَفِيْهِ لِلْحُرٍ قُنْيَان وغُنْيِانُ
وذُو القَناعةِ راضِ مِن مَعْيِشَتهِ ... وصَاحبُ الحِرْصِ إن أثْرىَ فَغَضْبَانُ
حَسْبُ الفَتَى عَقْلُه خِلاً يُعَاشِرُهُ ... إذا تَحَامَاهُ إخْوانٌ وخِلانُ
هُمَا رَضِيْعَا لِبانٍ حِكْمَةٌ وتُقَى ... وسَاكِنَا وَطُنٍ مَالٌ وطُغْيَانُ
إذا نَبَا بِكريمٍ مَوْطِنٌ فَلَهُ ... ورَاءَهُ في بَسيْطِ الأرضِ أوْطَانُ
يا ظالمًا فِرحًا بالعِزِ سَاعَدَهُ ... إنْ كُنْتَ في سِنَةٍ الدهرُ يَقْظانُ
ما اسْتِمْرأ الظُلُمَ لو أَنْصَفْتَ آكِلُهُ ... وَهَلْ يَلَذُّ مَذَاقُ المرءِ خُطْبَانُ ...
يا أيُها العالِمُ المرضُي سِيْرَتُهُ ... أبْشِرْ فأنْتَ بِغيرِ الماءٍ رَيَّانُ
ويا أخا الجهلِ لو أصبحتِ في لُجَجَ ... فَأنْتَ ما بَيْنَهَا لا شَكِّ ظمْآنُ
لا تَحسْبِنَّ سُروُرًا دائمًا أبَدًا ... مَن سَرَّهُ زَمَن سَآءتْهُ أزْمَانُ
стр. 381
يا رافلاً في الشباب الوَجْفِ مُنْتَشيًا ... مِن كأسِهِ هَلْ أصابَ الرُّشْدَ نُشْوَانُ
لا تَغْتَرِرْ بِشَبابٍ زَائِل خَضِلٍ ... فَكَمْ تقَدّمْ قِبْلَ الشّيْبَ شُبُّانُ
ويا أخا الشيبِ لو ناصَحْتَ نفسَكَ لمْ ... يَكُنْ لِمثْلِكِ في الإسْرافِ إمْعَانُ
هَبِ الشبيبةَ تُبْلى عُذْرَ صَاحِبها ... ما عُذْرُ أشَيْبَ يَسْتَهْويِهِ شَيطانُ
كُلُ الذُنُوبِ فِإنَّ اللهَ يَغْفُرهَا ... إنَّ شَيَّعَ المرِءَ إخلاصٌ وإيمانُ
وكُلُ كَسْرٍ فإنَّ الله يَجْبَرُهُ ... وما لِكَسْرِ قَنَاةِ الدِينِ جُبْرانُ
انْتَهَى
قال الإمام الشافعي ﵀:
خَبَتْ نَارُ نَفْسِي باشْتِعَالِ مَفَارِقِي ... وَأَظْلَمَ لَيْلِي إِذْ أَضَاءَ شِهَابُهَا
أَيَا بُوْمَةً قَدْ عَشَّشَتْ فَوْقَ هَامَتي ... عَلَى الرَّغْمِ مِنّي حِيْنَ طَارَ غُرَابُهَا
رَأَيْتِ خَرَابَ العُمْرِ مِنّي فَزُرْتِنِي ... وَمَأْوَاكِ مِنْ كلِ الدِّيَارِ خَرَابُهَا
أَأَنْعَم عَيْشًا بَعْدَ مَا حَلَّ عَارِضِي ... طَلاَئِعُ شَيْبٍ لَيْسَ يُغْنِي خِضَابُهَا
إِذَا اصْفَرَ لَوْنُ المَرْءِ وابْيَضَّ شَعُرُهُ ... تَنَغَّصَ مِنْ أَيَامِهِ مُسْتَطَابُهَا
وَعِزَةُ عُمْرِ المَرْءِ قَبْلَ مَشِيْبهِ ... وَقَدْ فَنِيَتْ نَفسٌ تَوَلّى شَبَابُهَا
فَدَعْ عَنْكَ سَوْآتِ الأمورِ فإِنَّهَا ... حَرَامٌ على نَفْسِ التَّقِيي ارْتِكابُهَا
وَأَدِّ زَكاةَ الجَاهِ واعْلَمْ بِأَنَّهَا ... كَمِثْلِ زَكَاةِ المَالِ تَمَّ نِصابُهَا
стр. 382
وَأَحْسِنْ إلى الأَحْرارِ تَمْلكْ رِقابَهُمْ ... فَخَيْرُ تِجَارَاتِ الرِّجَالِ اكْتِسَابُها
وَلاَ تَمْشِيَن في مَنْكِبِ الأَرْضِ فَاخِرًا ... فَعَمَّا قَليلٍ يَحْتَوِيْكَ تُرَابُهَا
وَمَنْ يَذُقِ الدُّنْيَا فإني طَعمتُهَا ... وَسِيْقَ إِليْنَا عَذْبُهَا وَعَذَابُهَا
فَلم أَرَهَا إِلاَّ غُرُورًا وَبَاطِلاً ... كَمَا لاَحَ في ظَهْرِ الفَلاةِ سَرَابُهَا
ومَا هِيَ إلاَّ جِيْفَةٌ مُسْتَحِيْلَةٌ ... عَلَيْهَا كِلاَبٌ هَمُّهُنَّ اجْتِذَابُهَا
فإنْ تَجْتَنِبْها كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِهَا ... وإنْ تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلاَبُهَا
إذا انْسَدَ بابٌ عَنْكَ مِنْ دُونِ حَاجَةٍ ... فَدَعْهَا لأُخْرَى يَنْفَتِحْ لَكَ بَابُهَا
فإنَّ قُرَابَ البَطْنِ يَكْفِيكَ مِلؤُهُ ... وَيَكْفِيكَ سَوآتِ الأُمُورِ اجْتِنَابُها ...
فَطُوبى لِنَفْسٍ أَوْطَنَتْ قَعْرَ بَيْتِها ... مُغَلَقَةَ الأبوابِ مُرْخَىً حِجَابُهَا
فَيَارَبِّ هَبْ لِي تَوْبةً قَبْلَ مَهْلَكٍ ... أُبَادِرُهَا مِنْ قَبْلِ إِغْلاقِ بَابِهَا
انْتَهَى
стр. 383
وقال الشيخ سليمان بن سحمان ﵀:
أَلاَ قُلْ لأَهلِ الجهلِ مِن كُل مَن طَغى ... على قَلِبهِِ رَيْنٌ مِن الرَّيْبِ والعَمَى
لَعَمْرِي لقد أَخْطَاتُمُوا إِذْ سَلَكْتُمُ ... طَرِيقَةَ جَهْلٍ غَيُّهَا قَد تَجَهَّمَا
أَيَحْسَبُ أَهْلُ الجَهْلِ لَمَّا تَعَسُّفُوا ... وجَاءُوا مِن العُدوانِ أَمْرًا مُحَرَّمَا
بِأَنَّ حِمىَ التَّوْحِيدِ لَيسَ بِرَبْعِهِ ... ولا حِصْنِهِ مَنْ يَحْمِهِ أَنْ يُهَدَّمَا
وظَنَّوا سَفَاهًا أَنْ خَلَا فَتَواثَبَتْ ... ثَعَالِبُ مَا كَانَتْ تَطَا في فِنَا الحِمَى
أَيَحْسَبُ أَعْمَى القَلْبِ أَنَّ حُمَاتَهُ ... غُفَاةٌ فَمَا كَانُوا غُفَاةً وَنُوَّمَا
فإن كَانَ فَدْمٌ جَاهِلٌ ذُو غَبَاوَةٍ ... رَأَى سَفَهًا مِن رَأْيِهِ أَنْ تَكَلَّمَا
بِقَولٍ مِن الجَهْلِ المُركَّبِ خَالَهُ ... صَوابًا وقَد قَالَ المَقَالَ المُذَمَّمَا
سَنَكْشفُ بالبرُهانِ غَيْهَبَ جَهْلِهِ ... وَيَعْلَمُ حَقًا أَنَّه قَدْ تَوَهَّمَا
ونُظْهِرُ مِن عَوْرَاتِهِ كُلَّ كَامِنٍ ... لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ جَاءَ إِفْكًا ومَأْثَمَا
رُوَيْدًا فأَهْلُ الحَقِ وَيْحَكَ في الحِمىَ ... وقَدْ فَوَّقُوْا نَحْوَ المُعَادِيْنَ أَسْهُمَا
стр. 384
وتِلْكَ مِن الآياتِ والسُّنَنِ الَّتيِ ... هِيَ النُورُ إِنْ جَنَّ الظَّلاَمُ وأَجْهَمَا
فَيِا مَنْ رَأَى نَهْجَ الضَّلاَلةِ نَيِّرٍا ... ومَهْيَعَ أَهْلِ الحَقَّ والدِيْنِ مُظْلِمَا
لَعَمْرِي لَقَدْ أَخْطَأتَ رُشْدَكَ فاتَّئِدْ ... ورَاجِعْ لِما قَدْ كَانَ أَقْوَى وأَقْوَمَا
مِن المَنْهَجِ الأَسْنَى الذِي ضَاءَ نُورُهُ ... ودَعْ طُرُقًا تُفْضِي إِلى الكُفْرِ والعَمَى
وملةَ إبراهيمَ فاسْلُكْ طَرِيْقَهَا ... وعَادِ الذي عَأدَهُ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمَا
وَوَالِ الذِي وَالىَ وإِيَّاكَ أَنْ تَكُنْ ... سَفِيْهًا فَتُحْظَى بالهَوَانِ وتَنْدَمَا
أَفِي الدِينِ يَا هَذَا مُسَاكَنَةُ العِدَا ... بِدَارِ بِهَا الكُفْرُ ادْلَهَمَّ وأَجْهَمَا
وأَنْتَ بِدَارِ الكُفْرِ لَسْتَ بمُظْهِرٍ ... لِدِيْنِكَ بَيْنَ الناسِ جَهْرًا ومُعْلِمَا
بِأَيِّ كِتابٍ أَمْ بإِيَّةِ آيةٍ ... أَخَذْتَ عَلَى هَذَا دَلِيلاً مُسَلَّمَا
وإِنَّ الذِي لا يُظْهِرُ الدِينَ جَهْرَةً ... أَبَحْتَ لَهُ هَذَا المَقَامَ المُحَرَّمَا
إِذَا صَامَ أَوْ صَلَّى وقَدْ كَانَ مُبْغِضًا ... وبالقَلْب قَدْ عَادَى ذَوِى الكُفْرِ والعَمَى
стр. 385
ثَكَلَتْكَ هَلْ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ مَرَّةً ... بمِلَّةِ إِبْراهِيمَ أَوْ كُنْتَ مُعْدِمَا ...
فَفِي التِرمِذِي أنَّ النبيَ مُحَمَّدًا ... بَريءٌ مِن المَرْءِ الذِي كَانَ مُسْلِمَا
يُقِيْمُ بِدَارِ أَظْهَرَ الكُفْرَ أَهْلُهَا ... فَيَاوَيْحَ مَن قَد كَانَ أَعْمَى وأَبْكَمَا
أَمَا جَاءَ آياتٌ تَدُلُ بِأَنَّهُ ... إِذا لَمْ يُهَاجِرُ مُسْتَطِيْعٌ فإِنَّمَا
جَهَنَّمُ مَأْوَاهُ وسَاءَتْ مَصِيْرَهُ ... سِوى عَاجزٍ مُسْتَضْعَفٍ كَانَ مُعْدِمَا
فَهَلْ عِندُكُمْ عِلْمٌ وبُرهَانُ حُجَّةٍ ... فَحَيًا هَلا هَاتُوا الجَوابَ المُحَتَّمَا
ولَن تَستَطِيعُوا أَنْ تَجِيئُوا بحُجَّةٍ ... لِتَدْفَعَ نَصًا ثَابِتًا جَاءَ مُحْكَمَا
وَلِكِنَّمَا الأَهواءُ تَهْوي بأَهْلِهَا ... فَوَيْلٌ لِمنْ أَلْوَتْ بِهِ مَا تألَما
أَلاَ فَأَفَيْقُوا وارْجِعُوا وَتَنَدَّمُوا ... وفِيئُوا فإِن الرُشْدَ أَوْلَى مِن العَمَى
وظَنيِ بأن الحُبَّ للهِ وَالْوَلا ... عَليهِ تَوَلَّى عَنْكُمُو بَلْ تَصَرَّمَا
وحُبَّكُم الدُنْيَا وإيثَار جَمْعِهَا ... على الدِين أَضْحَى أَمْرُهُ قَدْ تَحَكَّمَا
стр. 386
لِذَلِكَ دَاهَنْتُم وَوَالَيْتُمُ الذِي ... بأَوضَارِ أَهْلِ الكُفْرِ قَدْ صَارَ مُظْلِمَا
وَجَوَّزْتُمُو مِن جَهْلِكُمْ لِمُسَافِرٍ ... إِقَامِتَه بَيْنَ الغُواةِ تَحَكُّمَا
بَغَيرِ دَليلٍ قَاطِعٍ بَلْ بِجَهْلِكُمْ ... وتَلْبِيْسِ أَفَّاكٍ أَرَادَ التَّهَكُّمَا
وقد قُلْتُمو في الشَّيخِ مَن شَاعَ فَضْلُهُ ... وأَنْجَدَ في كُلِّ الفُنُونِ وَأتْهَمَا
إِمامِ الهُدَى عَبْدِ اللطيفِ أَخِي التُّقَى ... فَقُلْتُمْ مِن العُدْوانِ قَولاً مُحَرَّمَا
مَقَالَةَ فَدْمٍ جَاهِلٍ مُتَكَلِّفٍ ... يَرَى أَنَّهُ كُفْوٌ فَقَال مِن العَمَى
يُنَفِرُ بَلْ قَدْ قُلْتُمُو مِن غَبَائِكُمْ ... يُشَدِّدُ أَوْ قُلْتُمْ أَشَدَّ وأَعْظَمَا
ولَيْسَ يَضُرُّ السُحْبَ في الجَوٍ نابِحٌ ... وهَلْ كَانَ إِلا بالإغَاثَةِ قَدْ هَمَى
فَيَدعْوُ لَهُ مَن كَانَ يَحْيا بِصَوْبِهِ ... ويُنِْجِيه مَن كَانَ أَعْمَى وأَبْكَمَا
أَيُنْسَبُ لَلَتنْفِيْرِ وَهْوَ الذِي لَهُ ... رَسَائِل لم يَعْلَمْ بِهَا مَن تَوَهَّمَا
يُؤنِّبُ فيها مَن رَأَى منه غِلْظةً ... ويَأْمُرُ أَنْ يَدْعُو بِلِيْنِ ويَحْلُمَا
стр. 387
ويُنْسَبُ لِلتَّشْدِيدِ إِذ كَانَ قَد حَمَى ... حِمَى المِلَّةِ السَّمْحَاءِ أَنْ لا تَهَدَّمَا
وغَارَ عَلَيها مِن أُنٌّاسٍ تَرَخَّصُوا ... وقَدْ جَهِلُوا الأَمرَ الخَطِيْرَ المُحَرَّمَا
فَلَوْ كُنْتُمُو أَعْلَى وأَفْضَلَ رُتْبَةً ... وأَزْكَى وأَتْقَى أَوْ أَجَلَّ وأَعْلَمَا
يُشَارُ إِليكُم بالأَصَابِعِ أَوْ لَكُمْ ... مِن العِلمِ ما فُقْتُمْ بِهِ مَن تَقَدَّمَا
لَكُنَّا عَذَرْنَاكُمْ وقُلْنَا أَئِمَّةً ... جَهَابِذَةً أَحَرْىَ وأَدْرَى وأَفْهَمَا
ولَكَّنكُمْ مِن سَائِر الناس مَالكْم ... مِن العِلم مَا فُقْتُمِ بِه مَنْ تَعَلَّمَا ...
ومِن أصْغَرِ الطُلاَبِ لِلْعِلْمِ بَلْ لَكُمْ ... مَزِّيةُ جَهْلِ غَيُّهَا قَدْ تَجَهَّمَا
لِذَلِكَ أَقْدَمْتُمْ لِفَتْحِ وَسَاِئِلٍ ... وقَدْ سَدَّهَا مَن كَانَ باللهِ أَعْلَمَا
ثَكِلْتُكُمُو هَلْ حَدَّثَتْكُمْ نُفُوسُكُمْ ... بِخَرقِ سِيَاجِ الدِينِ عُدْوًا وَمَأثَمَا
وإنَّ الحُمَاةَ الناصرينَ لِرَبِّهمْ ... ولِلدِينِ قَدْ مَاتُوا فَمَنْ شَاءَ أَقْدَمَا
على ما يَشَا مِن كُلِّ أَمْرٍ مُحَرَّمٍ ... ولَيسَ لَهُ مِن وَازِعٍ أَنْ تَكَلَّمَا
стр. 388
وإن حِمَى التَّوْحِيْدِ أَقْفَرَ رَسْمُهُ
" ... فَقُلْتُم وَلَم تَخْشَوا عِتَابًا ومَنْقَمَا
فَنَحْنْ إذًا والحَمْدُ للهِ لَمَ نَزَلْ ... عَلَى ثَغْرةِ المَرمَى قُعُودًا وجُثَّمَا
أَلا فاقْبَلُوا مِنَّا النَّصِيْحَةَ واحْذَرُوْا ... وفِيْئُوا إِلى الأَمرِ الذِي كان أَسْلَمَا
وإِلا فإنَّا لا نُوافِقُ مَنْ جَفَا ... وَيَسْعَى بأَنْ يُوْطَى الحِمَى أَوْ يُهَدَّمَا
كَمَا أَنَّنَا لا نَرتَضِي جَوْرَ مَن غَلاَ ... وزَادَ على المشروعِ إِفكًا ومأثَمَا
ويا مُوثِر الدُنيَا على الدين إِنَّمَا ... عَلَى قَلِبْكَ الرَّانُ الذِي قَدْ تَحَكَّمَا
وعَادَيْتَ بَلْ وَاليْتَ فِيها ولمْ تَخَفْ ... عَواقِبَ مَا تَجْنِي ومَا كَانَ أَعْظَمَا
أَغَرَّتْكَ دُنْيَاكَ الدَّنِيَّةُ رَاضِيًا ... بزَهْرَتِهَا حَتَّى أَبَحْتَ المُحَرَّمَا
تَروُقُ لَكَ الدُنْيَا ولذاتُ أهْلِهَا ... كأَن لَمْ تَصِرْ يَوْمًا إِلى القَبْرِ مُعْدِمَا
خَلِيًا مِن المالِ الذِي قَدْ جَمَعْتَهُ ... وفارَقْتَ أَحْبَابًا وقَدْ صِرتْ أَعْظُمَا
ولَمَّا تُقَدِّمْ مَا يُنَجِيْكَ فِي غَدٍ ... مِن الدين ما قَدْ كانَ أَهْدَى وأَسْلَمَا
стр. 389
وذلكَ أَنْ تَأْتِي بدِينِ مُحَمَّدٍ ... ومِلّةِ إبراهيمَ إِن كُنْت مُسْلِمَا
تُوالِي على هَذَا وتَرْجُو بِحْبِّهِمْ ... رِضَا الملكِ العَلاَّمِ إِذ كَانَ أَعْظَمَا
وتُبْغِضُ مَن عَادَى وتَرجْوُ بِبُغْضِهِمْ ... مِن اللهِ إِحسانًا وجُودًا ومَغْنَمَا
فهذا الذِي نَرضَى لِكُلِّ مُوَحِّدً ... ونَكْرَهُ أَسَبابًا تُرِدْهُ جَهَنِّمَا
وصل إلهي ما تأَلق بَارِقٌ ... على المُصْطَفى مَن كَان باللهِ أَعْلَمَا
وآلٍ وأَصحابٍ ومَن كان تابِعًا ... وتابعهم مَا دَامتِ الأَرضُ والسَّمَا
انْتَهَى
آخر:
اللهُ أَعْظَمَ مِمَّا جَالَ في الفِكَر ... وَحُكْمُهُ في البَرَايَا حُكْمُ مُقْتَدِرِ
مَوْلَىً عَظِيْمٌ حَكِيْمٌ وَاحِدٌ صَمَدٌ ... حَيُّ قَدير مُرِيد فَاطِرُ الفِطَرِ
يَا رَبُّ يَا سَامِعَ الأَصْواتِ صَلِّ عَلَى ... رَسُولِكَ المُجْتَبَى مِنْ أَطْهَرِ الْبَشَرِ ...
وَآلِهَ والصِّحَابِ الْمُقْتَدِيْنَ بِهِ ... أَهْل التُّقَى وَالوَفَا وَالنُّصْحِ لِلْبَشَرِ
أَشْكُو إِلَيْكَ أُمُورًا أَنْتَ تَعْلَمُهَا ... فُتورَ عَزْمِي وَمَا فَرَّطْتُ في عُمُرِي
стр. 390
وَفَرْطَ مَيْلِي إلى الدّنْيَا وَقَدْ حَسَرَتْ ... عَنْ سَاعِد الَغدْرِ في الآصَالِ وَالْبُكَرِ
يَا ربَّ زِدْنِيَ تَوْفِيْقَاً وَمَعْرِفَةً ... وحُسْنَ عَاقِبَةٍ في الوِرْدِ وَالصَّدَرِ
قَدْ أصْبَحَ الْخَلْقُ في خَوْضٍ وفي ذُعُرٍ ... وَزوْرِ لَهْوٍ وَهُمْ في أَعْظَمِ الخَطَرِ
وَلِلْقِيَامَةِ أَشْرَاطٌ وَقَدْ ظَهَرَتْ ... بَعْضُ الْعَلاَمَاتِ وَالْبَاقِي عَلَى الأَثَرِ
قَلَّ الْوَفَاءُ فلا عهْدٌ وَلاَ ذِمَمُ ... واسْتَحْكَمَ الجَهْلُ في الْبَادِيْنَ وَالْحَضَرِ
دَعَوْا لأَدْيَانِهِمْ بالبَخْسِ مِنَ سُحْتٍ ... وأظْهَرُوا الفِسْقَ والعُدْوَانَ بالأَشَرِ
وجَاهَرُوا بالْمَعَاصِي وارْتَضَوا بِدَعًا ... عَمّتْ فَصَاحِبُها يَمْشِي بِلاَ حَذَرِ
وَطَالِبُ الْحَقّ بَيْنَ النّاسِ مُسْتَتِرٌ ... وَصَاحِبُ الإِفْكِ فِيْهِم غَيْرُ مُسْتَتِرِ
والْوَزْنُ بالْوَيْلِ والأَهْوَاءِ مُعْتَبَرٌ ... وَالْوزْنُ بالْحَقّ فِيْهِمِ غَيْرُ مُعْتَبَرِ
وَقَدْ بَدَاَ النَّقْضُ بالإِسْلاَمِ مُشْتَهرًا ... وبُدِّلَتْ صَفْوَةُ الْخَيْرَاتِ بِالْكَدَرِ
فَسَوْفَ يَخْرُجُ دَجّالُ الضَلاَلَةِ في ... هَرْجٍ وَقَحْطٍ كَمَا قد جَاءَ في الْخَبَرِ
следующие страницы →