Полный текст (1 178 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
طُوْبَى لِعَبْدٍ أَطَاعَ الله خَالِقَهُ ... وَقَامَ جُنْحَ الدُّجَى بالدَّمْعِ مُنْسَجِمِ
ظَهْرِيْ ثَقِيْلٌ بِذَنبي آهِ واأسَفِي ... يَومَ اللقَا إِذْ الأَقْدَامُ في زِحَمِ
أَرْجُوكَ يَا ذَا العُلا كَرْبي تُفْرِّجُهُ ... واشْفِ بِفَضْلِكَ لِي بَلْوَايَ مَعْ سَقَمِ
غَفَلْتُ عَنْ ذِكْرِ مَعْبُوْدِي وَطَاعَتِهِ ... وقَدْ مَشَيْت إِلى العِصْيَانِ في هَمِمِ
فَاغْفِرْ ذُنُوبِي وَكُنْ يَا رَبِّ مُنْقِذَنَا ... مِن الشَّدَائِد وَالأَهْوَالِ وَالتُّهَمِ
قد أَثْقَلَتْنِي ذُنُوبٌ مَا لهَا أَحَدٌ ... سِوَاكَ يَا غَافِرَ الزَّلاتِ واللِّمَمِ
كُنْ مُنْجِدِيْ يَا إِلهي واعْفُ عَنْ ذَلَلي ... وَتُبْ عَليَّ مِن الآثامِ واللَّمَمِ
لاَحَ المَشِيْبُ وَوَلىَّ العُمْرُ فِي لَعِبٍ ... وصِرْتُ مِن كَثْرةِ الأَوْزَارِ في نَدَمِ
مَضَى زَمَانِي وَمَا قَدَّمْتُ مِن عَمَلٍ ... يا خَجْلَتِي مِن إِلهي بارِيَ النَّسَمِ
نَامَتْ عُيُوني وأهْلُ الخَيرِ قَدْ سَهِرُوْا ... أَجْفَانُهُمْ في ظَلامِ اللَّيلِ لَمْ تَنَمِ
قَامُوا إلى ذِكْرِ مَوْلاهُم فَقَرِّبَهُمْ ... وخَصَّهُم بالرِّضَا وَالفَضْلِ وَالكَرَمِ ...
ولَيْسَ لِي غَيْرُ رَبِّ الخَلْقِ مِنْ سَنَدٍ ... أرْجُوْهُ يُوْلِيْني بالغُفْرانِ وَالكَرَمِ
لاَ أَرْتَجي أَحَدًا يَوْمَ الزِحَامِ سِوى ... رَبِّ البَرَّيةِ مَوْلى الفَضْلِ والكَرِمِ
ثم الصلاةُ عَلَى المُخْتَارِ مِنْ مُضَرٍ ... مُحَمَّدٍ المُصْطَفى المَخْصُوص بِالكَرَمِ
انْتَهَى
هذه منظومة وعظية:
خَلِ ادَّكَارَ الأَرْبُعِ ... والمَعْهَدِ المُرْتَبِعِ
والظَّاعِنِ المُوَدَّعِ ... وعَدِّ عَنهُ وَدَعِ
واندُبْ زَمَانًا سَلَفَا ... سَوَّدَتَ فِيهِ الصُّحُفَا
ولَمْ تَزَلْ مُعْتَكِفَا ... على القِبَيْحِ الشَّنِعِ
كَمْ لَيْلَةٍ أَوْدَعْتَهَا ... مآثِمًا أَبْدَعَتْهَا
لِشَهْوةٍ أَطَعْتَهَا ... في مَرْقِدٍ ومَضْجَعِ
стр. 562
وكَمْ خُطًى حَثَثْتَهَا ... في خِزْنَةٍ أَحْدَثْتَها
وتَوْبَةٍ نَكَثْتَها ... لِمَلْعَبٍ وَمَرْتَعِ
وكَمْ تَجَرَّأْتَ عَلَى ... رَبِّ السَّماواتِ العُلىَ
ولم تُرَاقِبْهُ وَلاَ ... صَدَقْتَ فِيْمَا تَدَّعِيْ
وكَم غَمَطتِ بِرَّهُ ... وكَمْ أَمِنْتَ مَكْرَهُ
وكَم نَبَذْتَ أَمْرَهُ ... نَبْذَ الحذَا المُرَقَّعِ
وكَمْ رَكَضْتَ في اللَّعِبْ ... وفُهْتَ عَمْدًا بالكَذِبْ
ولم تُراع مَا يَجِبْ ... مِن عَهْدِهِ المُتَبَّعِ
فالْبَسْ شَعَار النَّدَمِ ... واسْكُبْ شآبيْبَ الدَّمِ
قَبْلَ زَوَالِ القَدمِ ... وقَبْلَ سُوءِ المَصْرَعِ
واخْضَعْ خْضُوُعَ المُعْتَرفْ ... ولُذْ مَلاَذَ المُقْتَرفْ
واعْصِ هَوَاكَ وانْحَرَفْ ... عَنهُ انْحرَافَ المُقْلِعِ
إِلاَمَ تَسْهُو وَتَنِى ... ومُعْظَمُ العُمْرِ فَنِى
فِيمَا يَضُرُّ المُقْتَنِى ... ولَسْتَ بالمُرْتَدِعِ
أَما تَرى الشَّيْبَ وَخَطْ ... وخَطَّ في الرأسِ خُطَطْ
ومَن يَلِحْ وخْطَ الشَّمَطْ ... بِفَوْدِهِ فَقَدْ نُعِي
وَيْحَكِ يا نَفْسُ احْرَصِي ... على ارْتِيَادِ المَخْلَصِ
وطَاوِعِى وأخْلِصِى ... واسْتَمِعِى النُّصْحَ وَعِي
واعَتِبريِ بمَنْ مَضَى ... مِن القُرونِ وانْقَضَى
واخْشَيْ مُفَاجَأَةَ القَضَا ... وحَاذِرِي أَنْ تُخْدَعِي
وانْتِهَجِي سُبْلَ الهُدَى ... وادَّكِرِيْ وَشْك الرَّدَى
آهًا لَهُ بَيْتُ البِلَى ... والمَنْزلِ الفَقْر الخَلاَ
стр. 563
ومَوْرِدِ السَّفْرِ الأُولَى ... واللاَّحِقِ المَُتَبَّعِ
بَيْتٌ يُرىَ مَن أُودِعَهْ ... قد ضَمَّهُ واسْتَوْدَعَهْ
بَعْدَ الفَضَاءِ والسَّعَةْ ... قَيْدَ ثَلاثِ أَذْرُعِ
لا فَرْقَ أَنْ يَحلَّهُ ... دَاهِيَةٌ أَوْ أَبْلَهُ
أَوْ مُعْسِرٌ أَوْ مَنْ لَهُ ... مُلْكٌ كَمُلْكِ تُبَّعِ
وبَعدَهُ العَرْضُ الذِي ... يَحْوِي الحَيِيَّ وَالبذِى
والمُبْتَدِي والمُحْتَذِي ... ومَنْ رَعَى ومَن رُعِي
فيَا مَفَازَ المُتِقَّى ... ورِبْحَ عَبْدٍ قَدْ وُقِي
سُوءَ الحِسَابِ المُوِبقِ ... وهَوْلَ يَومِ المَفْزَعِ
ويا خَسَارَ مَنْ بَغَى ... ومَن تَعَدَّى وطَغَى
وشَبَّ نِيْرانَ الوَغَى ... لِمَطْعَمِ أَوْ مَطْمَعِ
يا مَن عَليهِ المُتَّكَلْ ... قَد زَادَ مَا بي مِن وَجَلْ
لِمَا اجْتَرمْتُ مِن زَلَلْ ... فِي عُمْرِيِ المُضَيَّعِ
فاغْفِرْ لِعَبْدٍ مُجْتَرِمْ ... وارْحَمْ بُكَاهُ المُنْسْجِمْ
فأنتَ أَوْلَى مَن رَحِمْ ... وخَيْرَ مَدْعُوٍّ دُعِي
انْتَهَى
آخر:
كأني بِنفْسِي وهْيَ في السَّكَرِاتِ ... تُعَالجُ أنْ ترْقَي إلى اللَّهَوَاتِ
وقَدْ زُمَّ رَحْلي واسْتَقَلَّتْ رَكائبِي ... وَقَدْ آذَنَتْني بالرحِيْلِ حُدَاتِي
إِلَى مَنْزل فيه عَذابٌ وَرَحْمُةٌ ... وَكَمْ فِيهِ مِن زَجْرٍ لنَا وعِظَاتِ
ومْنْ أَعْيُنٍ سَالَتْ عَلَى وَجَنَاتِهَا ... ومِنْ أوجُهٍ في التُربِ مُنْعَفِرَاتِ
ومِن وَارِدٍ فيه عَلَى مَا يَسُرُّهُ ... ومِن وَارِدٍ فيه عَلَى الحَسَرَاتِ
ومِن عَاثرٍ ما أنْ يُقَالَ لَهُ لَعَا ... على مَا عَهِدْنا قَبْلُ في العَثَرَاتِ
стр. 564
ومِن مَلكٍ كانَ السُّروْرُ مِهَادُهُ ... مَعَ الآنَسِاتِ الخُرَّدِ الخَفِراتِ
غَدَا لا يَذُودُ الدُّودُ عَن حُرِّ وجْهِهِ ... وكان يَذُوْدُ الأُسْدَ في الأَجَماتِ
وعُوَّضَ أُنْسًا مِن ضِبَاءِ كِنَاسِهِ ... وَأرَامِهِ بالرُّقْشِ والحَشَرَاتِ
وصارَ بِبَطْنِ الأرضِ يَلْتَحفُ الثَّرى ... وكان يَجُرُّ الوَشْيَ وَالحَبَراتِ
وَلَمْ تُغْنِهِ أَنَصَارُهُ وجُنُودُهُ ... ولم تَحْمِهِ بِالبيضِ والأسَلاَتِ
وَمِمَّا شَجَانِي والشُجُوْنُ كَثِيْرَة ... ذُنُوبٌ عِظَامٌ أَسْبَلَتْ عَبَراتِ
وَأَقَلَقَنِي أنِّي أمُوْتُ مُفرِّطًا ... عَلَى أَنِّنِيْ خَلَّفْتُ بَعْدُ لَدَاتِي
وَأغْفَلْتُ أمْرِي بَعدهُم مُتثَبِطًا ... فَيَا عَجَبًا مِنِّي ومِن غَفَلاتِي
إِلَى الله أشَكُوْ جَهْلَ نَفْسِي فإنَّها ... تَمِيْلُ إلى الرَّاحَاتِ والشَّهَوَاتِ
ويا رُبَّ خِلٍّ كُنْتُ ذَا صِلَةٍ لَهُ ... يَرَى أنَّ دَفْنِي من أَجَلِّ صلاتِي
وَكُنْتُ لَهُ أُنْسًا وشَمْسًا مُنْيرَةً ... فَأَفْرَدَنِي في وَحْشَةِ الظُلُماتِ
سَأضْرِبُ فُسْطَادِي على عَسْكَرِ البِلَى ... وأُرْكُزُ فِيْهِ للنُّزُلِ قَنَاتِي
وَأرْكَبُ ظَهْرًا لاَ يَؤُوْبُ بِرَاكِبٍ ... ولا يُمْتَطَى إلاَّ إلىَ الهَلَكَاتِ
ولَيْسَ يُرَى إلاَّ بِسَاحَة ظَاعِنٍ ... إلى مَصْرَعِ الفَرْحاتِ والنَّزَحَاتِ
يُسَيِّرُ أدْنَى النَّاسِ سَيْرًا كَسَيْرِهِ ... بِأَرْفَعِ مَنْعِيّ مَن السَّرَوَاتِ
فطَورًا تَراهُ يَحْمِلُ الشُمَّ وَالرُّبَا ... وطَوْرًا تراهُ يَحْمِلُ الحَصَيَاتِ
وَرُبَّ حَصَاةٍ قَدْرُهَا فَوْقَ يَذْبُلٍ ... كَمقْبُوْلِ ما يُرْمَيَ مِن الجَمَراتِ
وكُلُّ صَغِيْر كانَ للهِ خَالِصًا ... يُرَبِّى على ما جَاءَ في الصَّدَقَاتِ
وكُلُ كَبِيْرٍ لاِ يَكُوْنُ لِوَجْهِهِ ... فَمِثْلُ رَمَادٍ طَارَ في الهَبَوَاتِ
ولَكِنَّهُ يُرْجَى لِمَنْ مَاتَ محْسِنًا ... ويُخْشَى عَلَى مَنْ مَاتَ في غَمَراتِ
وَمَا اليَوْمُ يَمْتَازُ التَّفَاضُل بَيْنَهُم ... ولكِنْ غَدًا يَمْتَازُ في الدَّرَجَاتِ
إذَا رُوِّعَ الخَاطِيٍ وَطَارَ فُؤآدُهُ ... وَأَفْرخَ رَوْعُ البِّرِ في الغُرُفَاتِ
وما يَعْرِفُ الإنْسانُ أيْنَ وَفَاتُهُ ... أفَي البَرِّ أمْ في البَحْرِ أمْ بِفَلاَةِ
стр. 565
فَيا إخْوَتي مَهْمَا شَهِدتُمْ جَنَازَتي ... فقُومُوْا لِربِيْ وأسْألُوْهُ نَجَاتِي
وجُدُّوْا اْبِتَهالاً في الدُعَاءِ واخْلِصُوْا ... لَعَلَّ إلهي يَقْبَلُ الدَّعَواتِ
وقُولُوا جَمِيْلاً إن عَلِمتُم خِلاَفَهُ ... وأَغْضُوْا عَلَى ما كانَ مِن هَفَوَاتِي
ولا تَصفُوني بالذِيْ أنا أهْلُهُ ... فَأَشْقَى وَحَلُّوني بِخَيْرِ صِفَاتِي
ولا تَتَنَاسَوْني فَقدْمًا ذَكَرْتكمُ ... وَوَاصَلْتكُم بالبرِّ طُوْلَ حَيَاتِي
وبالرَّغْمِ فارَقْتُ الأحِبَّةَ مِنْكُمُ ... وَلَمَّا تُفَارِقِني بِكُمْ زَفرَاتِي
وإنْ كُنْتُ مَيْتًا بَيْنَ أيَدِيْكُمُ لَقًا ... فَرُوْحِيَ حَيٌّ سَامِعٌ لِنُعَاتِي
أناجِيْكُم حيًا وإنْ كُنْتُ صَامِتًا ... أَلاَ كُلُكُم يَوْمًا إلىَّ سَيَاتِي
ولَيْسَ يَقُوُم الجِسْمُ إلا بِرُوْحِه ... هُوَ القُطْبُ والأعْضَاءُ كالأَدَوَاتِ
ولا بُدَّ يَوْمًا أنْ يَحُوْرَ بِعَيْنِهِ ... لِيُجْزَى على الطَّاعَاتِ والتَّبَعَاتِ
وإلاَّ أكُنْ أهْلاً لِفَضْل ورحمةٍ ... فَرَبِي أهْلُ الفَضْلِ والرَّحَمَاتِ
فما زِلْتُ أرْجُو عَفْوَهُ وجِنَانَهُ ... وَأَحْمَدُه في اليُسْرِ والأَزِمَاتِ
وأسْجُدُ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَذَلُّلاً ... وأَعْبُدُهُ في الجَهْرِ والخَلَوَاتِ
ولَسْتُ بِمُمْتَنٍ عليه بِطَاعتِي ... لَهُ المنُّ في التَّيْسْيْرِ للحَسَنَاتِ
اللَّّهُمَّ انْهَجْ بِنَا مَنَاهِجَ المُفْلِحِين، وألْبِسْنَا خِلَعَ الإِيْمَانِ واليَقَيْن، وَخْصَّنَا مِنْكَ بالتَّوفِيْقِ المُبين، وَوَفّقْنَا لِقْولِ الحَقِ واتْبِاعِهِ وخلّصْنَا مِنَ البَاطِل وابْتِدَاعِهِ، وَكُنْ لَنَا مُؤَيَّدا وَلاَ تَجْعَل لِفَاجِرِ عَلَيْنَا يَدَا، وَاجْعَلْ لَنَا عَيْشًا رَغَدا، وَلاَ تُشْمِتْ بِنَا عَدوَّاً وَلاَ حَاسِدًا، وارْزُقْنَا عِلْمَاً نَافِعًا وَعَمَلاً مُتَقَبَّلا، وَفَهْمَاً ذَكِيًّا صَفِيّا وَشِفَاً مِنْ كُلّ دَاء، واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَميعِ المُسْلَمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الراحمين وصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصِحْبِهِ أجْمَعِيْنَ.
стр. 566
آخر:
مَا دَارُ دُنْيا لِلْمُقِيمِ بِدَارِ ... وبِها النُفوسُ فَريْسَةُ الأقْدارِ
مَا بَيْنَ لَيلٍ عاكفٍ ونَهارِهِ ... نَفَسَانِ مُرتَشِفَانِ للأَعْمَارِ
طُولُ الحياةِ إذا مَضَى َكَقصِيْرهَا ... واليُسْرُ للإنْسَانِ كالإِعْسَارِ
والعَيشُ يَعْقِبُ بالمرارَةِ حُلْوَهُ ... والصَّفْوُ فِيه مُخَلَّفُ الأكْدَارِ
وكأنما تَقْضِي بُنَيَّات الرَّدَى ... لِفَنَائِنَا وَطَرًا مِن الأَوْطَارِ
والمَرْءُ كَالطَّيْفِ المُطيفِ وعُمْرُهُ ... كَالنَّوم بَيْنَ الفَجْرِ والأَسْحَارِ
خَطْبٌ تَضَاءَلَتَ الخَطُوُبُ لِهَوْلِهِ ... أَخْطَارُهُ تَعْلُو عَلَى الأَخْطَارِ
نُلْقِي الصَّوارِمَ والرمَاحَ لِهَولِهِ ... ونَلَوْذُ مِن حَرْبٍ إلى اسْتِشْعَارِ
إنَّ الذين بَنَوا مَشيدًا وانْثنوا ... يَسْعَونَ سَعْيَ الفاتِكِ الجَبَّارِ ...
سْلُبوا النَّضَارَةَ والنَّعِيْمَ فأَصْبَحُوا ... مُتَوَسِّدِيْنَ وَسَائِدَ الأحْجَارِ
تَركُوا دِيارَهُمُ علَى أَعْدَاهِمُ ... وتَوسَّدُوا مَدَرًا بِغَير دِثَارِ
خَلَطَ الحِمَامُ قَويَّهمُ بِضَعْيفِهم ... وَغَنيَّهمُ سَاوَى بِذِي الإِقْتَارِ
والخَوْفُ يُعْجِلُنا عَلىَ آثارِهِم ... لا بُدَّ مِن صُبْحٍ المُجِدِّ السَّارِي
وتَعَاقُبِ المَلَوَيْن فِينَا ناثِرٌ ... بأكَرِّ مَا نَظَمَا مِن الأَعْمارِ
انْتَهَى
آخر:
قِفْ بِالقُبُورِ بِأَكْبَادٍ مُصَدَّعَةً ... وَدَمْعَةٍ مِن سَوَادِ القَلْبِ تَنْبَعِثُ
وَسَلْ بِها عن أُنَاسٍ طَالَمَا رَشَفُوا ... ثَغْرَ النَّعِيمِ وَمَا فِي ظِلِّهِ مَكَثُوا
مَاذَا لَقُوا فِي خَبَايَاهَا وَمَا قَدِمُوا ... عَلَيْهِ فِيهَا وَمَا مِنْ أَجْلِهِ ارْتَبَثُوا
وعَن مَحَاسِنِهِمْ أَنْ كَانَ غَيَّرَهَا ... طُولُ الْمُقَامِ بِبَطْنِ الْأَرْضِ وَاللَّبَثُ
وَمَا لَهُمْ حَشَرَاتُ الْأَرْضِ تَنْهَشُهُمْ ... نَهْشًا تَزُولُ لَهُ الْأَعْضَاءُ وَالنَّجَثُ
وَتِلْكُمُ الْفَتَيَاتُ إِذْ طُرِحْنَ بِهَا ... هَلْ كَاَن فِيهِنَّ ذَا التَّغْيِيرُ وَالشَّعثُ
стр. 567
فإنْ يُجِبْكَ عَلَى لَِأَيٍِ مُجِيبْهُمُو ... وَلَنْ يُجِيبَ وَأَنَّى يَنْطِقُ الْجَدَثُ
فانْظُرْ مَكَانَكَ فِي أَفْنَاءِ سَاحَتِهِمْ ... فَإنَّهُ الْجِدُّ لَا هَزْلٌ وَلَا عَبَثُ
انْتَهَى
آخر:
إِني بُلِيتُ بِأَرْبعٍ مَا سُلِّطُوا ... إِلاَّ لأَجْلِ شَقَاوَتي وَعَنَائِي
إِبْلِيْس والدُنْيَا ونَفْسِي وَالهَوَى ... كيفَ الخََلاصُ وكُلُّهُم أَعْدَائِي
إبْلِيْس يَسْلُكُ في طَرِيق مَهَالِكي ... والنَّفْسُ تَأْمُرُني بِكُلِّ بَلائِي
وأرَى الهَوَى تَدْعو إليه خَوَاطِري ... في ظُلْمَة الشُبُهَاتِ وَالآراءِ
وزَخَارِفُ الدُنيا تَقُولُ أما تَرَى ... حُسْنِيْ وفَخْرَ ملاَبِسِي وَبَهَائِي
انْتَهَى
آخر:
ألا أيَّهُا اللاَّهِي وَقَدْ شَابَ رَأْسُهُ ... أَلَمَّا يَزعْكَ الشَّيْبُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ
أَتَصْبُو وَقَدْ نَاهَزْتَ خَمْسينَ حِجَّةً ... كَأَنَّكَ غِرٌ أو كَأَنَّكَ يَافِعُ
حَذَارِ مِن الآفَاتِ لا تَأَمَنَّنها ... فَتَخْدَعُكَ الآفاتُ وَهِي خَوَادعُ
أَتَأَمَنُ خَيْلا لا تَزَالُ مُغيرةً ... لَهَا كُل يَوْمٍ في أُنَاسٍ وَقَائِعُ
стр. 568
وَتَأملُ طُولَ العُمْرِ عندَ نَفَادِهِ ... وَبِالرأسِ وَسْمٌ لِلْمَنيَّةِ لامِعُ
انْتَهَى
وَيقُول الآخرُ:
فلا تَجْزَعَنْ لِلْبَيْنِ كل جَمَاعَةٍ ... وَرَبِّكَ مَكْتُوْبٌ عَلَيْهَا التَّفَرُّقُ
وَخُذْ بالتَّعَزِّي كُلَّ مَا أَنْتَ لاَبِسٌ ... جَدِيْدًا عَلَى الأيَّامِ يَبْلَى وَيَخْلَقُ
فَصَبْرُ الفَتَى عَمَّا تَوَلَّى فَفَاتَهُ ... مِنْ الأمْرِ أَوْلَى بالسَّدَادِ وَأَوْفَقُ
وَإِنَّكَ بالاشْفَاقِ لا تَدْفَعُ الرَّدَى ... وَلاَ الخَيْرُ مَجْلُوبٌ فَمَا لَكَ تُشْفِقُ
كَأَنْ لَمْ يَرُعْكَ الدَّهْرُ أَوْ أَنْتَ آمِنٌ ... لأَحْدَاثِهِ فِيْمَا يُغَادِي وَيَطْرُقُ
انْتَهَى
مقتطفات للاعتبار والاتعاظ والاستشهاد
آخر:
يَشْتاق كُلُ غَرِيْبٍ عند غرْبتِهِ ... ويَذْكُرُ الأهَلَ والجيْرانَ والسَّكَنا
ولَيَسَ لِي وَطَنٌ أمْسَيْتُ أذْكُرُهُ ... إلاَّ المَقَابِرَ إذْ كَانَتْ لَهُمُ وَطَنَا
انْتَهَى
آخر:
أشتَاقُ أهْلِي وَأوْطَانِي وقَدْ مُلِكَتْ ... دُوْني وأفْنَى الرَّدَى أهْلِي وأحْبَابِي
فأسْتَرِيْحُ إلى رُؤْيَا القُبُوْر فَفِي ... أمْثَالِهَا حَلَّ إخْوانِي وأَتْرَابِي
ولَسْتُ أحْيَا حَيَاةً أَسْتَلِذُ بِها ... مِنْ بَعدهِم ولِحَاقُ القَوْمِ أَوْلَى بِي
انْتَهَى
стр. 569
آخر:
خَلَتْ دُوْرُهُم مِنْهُمْ وَأقْوَتْ عِرَاصُهُمْ ... وَسَاقَهُمُ نَحْوَ الْمَنَايَا المَقَادِرُ
وَخَلَّوْا عَنْ الدُّنْيَا وَمَا جَمَعُوا لَهَا ... وَضَمَّهُم تَحْتَ التُرابِ الحَفَائِرُ
انْتَهَى
آخر:
وَفي ذِكْرِ هَوْلِ المَوْتِ وَالقَبْرِ والْبِلَى ... عَنُّ اللَّهْوِ وَاللَّذَاتِ لِلْمَرْءِ زَاجِرُ
أَبَعْدَ اقْتِرَابِ الأَرْبعِيْنَ تَرَبُّصٌ ... وَشَيْبُ قَذالٍ مُنْذِرٌ للأَكَابِرِ
كَأَنَّكَ مَعْنيٌّ بِمَا هُوَ ضَائِرُ ... لِنَفْسِكَ عَمْدًا أَوْ عَنْ الرُّشْدِ حَائِرُ
انْتَهَى
آخر:
وَلم تَتَزَوَّدْ لِلرَّحِيْل وَقَدْ دَنَا ... وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ وَشِيْكٍ مُسَافِرُ
فَيَا لَهْفَ نَفْسِيْ كَمْ أُسَوِّفُ تَوْبَتِي ... وعُمْرِي فَانٍ والرَّدَى لِيَ نَاظِرُ
وَكُلُ الذي أَسْلَفْتُ في الصُحْفِ مُثْبَت ... يُجَازِي عَلَيْهِ عَادِلُ الحُكْمِ قَادِرُ
انْتَهَى
آخر:
لهفي على عُمُري الذي ضَيَّعْتُهُ ... في كل ما أَرْضى وَيُسْخطُ مَالِكي ...
وَيْلِيْ إذا عَنَتِ الوُجُوهُ لِرَبَّهَا ... ودُعِيْتُ مَغْلُولاً بوجْهٍ حَالِكَ
وَرَقيبُ أَعْمَالي يُنَادِي قائِلاً ... يا عَبْدَ سُو أَنْتَ أوَّلُ هَالِكَ
لم يَبْقَ مِن بَعدِ الغِوايةِ مَنْزِلٌ ... إلاَّ الجحيمُ وسوءُ صُحْبَةِ مَالِكَ
انْتَهَى
آخر:
تُخَرِّبُ مَعْمُوْرًا وَتَعْمُرُ فَانِيا ... فَلا ذاكَ مَوْفُوْرٌ ولا ذَاكَ عَامِرُ
وَهَلْ لَكَ إِنْ وَافَاكَ حَتْفُكَ بَغْتَةً ... وَلَم تَكْتَسِبْ خَيْرًا لَدَى اللهِ عَاذِرُ
أَتَرْضَى بِأَنْ تَفْنَى الحَيَاةُ وَتَنْقَضِي ... وَدِينُكَ مَنْقُوصٌ وَمَالِكَ وَافِرُ
انْتَهَى
آخرُ:
كم ضَاحكِ والمَنَايَا فَوْقَ هَامَتِهِ ... لَوْ كَانَ يَعْلَمِ غَيْبًا مَاتَ مِنْ كَمَدِ
стр. 570
مَنْ كَانَ لَمْ يُؤْتَ عِلْمًا فِي بَقَاءِ غَدٍ ... مَاذَا تَفَكُرُهُ في رِزْقِ بَعْد غَدِ
انْتَهَى
آخر:
فامْهَدْ لنَفْسِك والأقلامُ جَارَيةٌ ... والتَّوْبُ مُقْتَبَلٌ فالله قد وَعَدا
انْتَهَى
آخر:
يُفْنِي البَخِيْل بِجَمْعِ المَالِ مُدَّتَهُ ... وِلِلْحَوادِثِ وَالوُرَّاثِ مَا يَدَعُ
كَدُوْدَةِ القَزِّ مَا تَبْنِِيْهِ يَهْدِمُهَا ... وَغَيْرُهَا بِالذي تَبْنِيْهِ يَنْتَفِعُ
انْتَهَى
آخر:
وذِيْ حِرْصٍ تَرَاهُ يَلِمُّ وَفْرًا ... لِوَارِثِهِ وَيَدْفَعُ عَن حِمَاُه
كَكَلْبِ الصَّيْدِ يُمْسِكُ وهْوَ طَاوٍ ... فَرِيسَتَهُ لِيَأكُلَهَا سِوَاهُ
انْتَهَى
آخر:
يا لَهْفَ قلبي على مالٍ أفَرِّقُهُ ... على المقِلِّيْنَ مِن أهل المُرُوءات
إنَّ اعْتِذَارِي إلى مَن جَاء يَطْلُبني ... ما لَيسَ عندي لَمِنْ إحْدِى المُصِيْبَاتِ ...
آخر:
قُلْ لِيْ بِرَبِّكَ مَاذَا يَنْفَعُ المَالُ ... إِنْ لم يُزَيِّنْهُ إِحْسَانٌ وَإفْضَالُ
المالُ كَالمَاءِ إنْ تُحْبَسْ سَوَاقِيه ... يَأْسَنْ وإنْ يَجْرِ يَعْذُبْ مِنْهُ سِلْسَالُ
تَحْيَا على الْمَاءِ أغْرْاسُ الرِّيَاضِ كَمَا ... تَحْيَا على المَالِ أَرْوَاحٌ وَآمالُ
إنَّ الثَّرَاءَ إِذَا حِيلَتْ مَوَارِدُهُ ... دُوْنَ الفَقِيْرِ فَخَيرٌ منهُ إقْلاَلُ
стр. 571
آخر:
تَمُرُّ لِدَاتِي واحِدًا بَعْدَ واحِدِ ... وأَعْلَمُ أَنِي بَعْدَهُمُ غَيْرُ خالِدِ
وأَحْمِلُ مَوْتَاهُمْ وأَشْهَدُ دَفْنَهُمْ ... كأَنِّي بَعِيدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ شَاهِدِ
فها أَنَا في عِلْمِيِ بِهِم وَجَهَالِتي ... كَمُستَيْقِظٍ يَرنُو بِمُقلَةِ رَاقِدٍ!
انْتَهَى
آخر:
يا آمنَ الأقدارِ بَادِرْ صَرْفَها ... واعْلَمْ بأَنَّ الطَّالِبِينَ حثَاثُ
خُذْ مِن تُراثِكَ مَا استطعت فإنِمَّا ... شُركَاؤُك الأَيَّامُ والوُرَّاثُ
ما لِي إِلى الدُّنْيا الغَرُورَةِ حَاجَة ... فليُخُزَ ساحرُ كَيدِها النَّفَّاثُ
انْتَهَى
آخر:
والمرءُ يُبْلَيِْه فِي الدنيا ويَخْلقُهُ ... حِرْصٌ طَوِيْلٌ وعُمْرُ فيهِ تَقْصِيْرُ
يُطَوِّقُ النحْرِ بِالآمالِ كَاذِبَةً ... ولَهْذَمُ الموتِ دُوْنَ الطَّوْق مَطْرُوْرُ
جَذْلاَنَ يَبْسِمُ فِي أَشْراكِ مِيتَتِهِ ... إن أَفْلَتَ النَّابُ أرْدَتْهُ الأَظَافِيْرُ
انْتَهَى
آخر:
«أُؤَمِّلُ أَنْ أَحُيَا وَفي كُلِّ سَاعَةٍ ... تَمُرُّ بِيَ المَوْتَى تُهُزُّ نُعُوشُها»
«وهَلْ أَنَا إلاَّ مِثْلَهم غَيْرَ أنَّ لِي ... بَقَايا ليَالٍ في الزمَانِ أَعِيْشُهَا»
آخر:
يا أيُّهَا البَانِي الناسِي مَنِيَّتهُ ... لا تأمَنَنَّ فإنَّ الموتَ مَكتُوبُ
على الخلائِقَ إن سُرُّوا وإن حَزنُوا ... فالموتُ حَتْفٌ لِذِي الآمالِ مَنْصُوبُ
لا تَبْنِيَنَّ دَيارًا لَسْتَ تَسْكنُها ... ورَاجِعِ النُسْكَ كَيْمَا يُغْفَر الحُوبُ ...
стр. 572
آخر:
نَسِيْرُ إلى الآجَالِ في كُلِّ لَحْظَةٍ ... وَأيامُنَا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ
وَقَال الآخَرُ:
وَمَا نَفَسٌ إِلاَّ يُبَاعِدُ مَوْلِدَاً ... وَيُدْنِي المَنَايَا لِلنُّفُوسِ فَتَقْرُبُ
انْتَهَى
آخر:
سِتٌّ بُلِيْتُ بِهَا والمُسْتَعاَذُ بِهِ ... مِن شَرِّهَا مِنْ إليهِ الخَلْقُ تَبْتَهِلُ
نَفْسِي وإبليسُ والدُنْيا التي فَتَنَتْ ... مَنْ قَبْلَنَا وَالهَوَى والحِرْصُ والأمَلُ
إنْ لم تَكُنْ لَكَ يا مَوْلاَيَ واقِيَةٌ ... مِن شَرِّهَا فَلَقَدْ أعْيَتْ بِنَا الحِيَلُ
انْتَهَى
آخر:
تَصْفُو الحَيَاةُ لِجَاهِلِ أَوْ غَافِلٍ ... عَمَّا مَضَى مِنْها وَمَا يُتَوقَّعُ
وَلِمَنْ يُغَالِطُ في الحَقَائِقِ نَفْسَهُ ... وَيَسُومُهَا طَلَبُ المُحَالِ فَتَطْمَعُ
انْتَهَى
آخر:
ضيَّعْتَ وَقْتَكَ فانقضَى في غَفْلَةٍ ... وطَوَيْتَ في طَلَبِ الخَوادِعِ أدْهُرا
أَفهِمْتَ عن هذا الزمانِ جَوَابَه ... فَلَقَدْ أبانَ لَكَ العِظَاتِ وكَرَّرَا
стр. 573
عايَنْتَ مَا مَلأَ الصُدُورَ مَخَافَةً ... وكَفَاكَ مَا عايَنْتَهُ مَن أخْبَرا
انْتَهَى
آخر:
لاَ تَغتَرَّ بِشَبَابٍ نَاعِمٍ خَطِلٍ ... فكمْ تَقَدَّمَ قَبْلَ الشِّيْبِ شُبَّانُ
انْتَهَى
آخر:
أَتَبْنِي بِنَاءَ الخَالِدين وإِنَّمَا ... مَقَامُكَ فيها لَوْ عَرَفْتَ قَلِيْلُ
لَقَدْ كَانَ في ظِلِّ الأرَاكِ كِفَايَةٌ ... لِمَنْ كَانَ يَوْمَاً يَقْتَفِيْهِ رَحِيْلُ
انْتَهَى
آخر:
تَبنِي المنازِلَ أعمارٌ مُهَدَّمَةٌ ... مِن الزمانِ بأنفاسٍ وَسَاعَاتِ
انْتَهَى
آخر:
إذا اكْتَسَبِ المالَ الفَتَى مِن وُجُوْهِهِ ... وأحْسَنَ تَدبِيرًا لَهُ حِيْنَ يَجْمَعُ
ومَيَّزَ في إنْفَاقِهِ بَينَ مُصِلحٍ ... مَعِيْشَتَهُ فِيمَا يَضُرُ وَيَنْفَعُ
وأَرْضَى به أَهْلَ الحُقُوقِ ولم يُضِعْ ... بهِ الذٌخْرَ زَادًا لِلَّتي هِيَ أَنْفَعُ
فَذَاكَ الفَتَى لا جَامِعَ المالِ ذاخِرًا ... لأولادِ سُوءٍ حَيْثُ حَلّوُا وأَوْضَعُوْا
انْتَهَى
آخر:
إِلى كَمْ ذا التراخي والتمادِي ... وحادي الموت بِالأرْوَاحِ حَادِي
فلو كُنّا جَمَادًا لاَتَّعَظْنَا ... ولَكِنا أَشدُّ مِن الجَمَادِ
стр. 574
تُناديِنا المَنِيَّةُ كُلَّ وقتٍ ... وَمَا نُصْغَي إلى قَولِ المُنَادَي
وأنفاسُ النفوسِ إلى انْتِقَاصٍ ... ولكِن الذُنُوبَ إِلَى ازْدِيَادِ
إذا ما الزرعُ قَارَنَه إصْفِرَارُ ... فليسَ دَواؤُهُ غيرَ الحَصَادِ
كَأَنَّكَ بِالمشِيْب وقد تَبَدَّي ... وبالأُخرى مُنَادِيْهَا يُنَادِي
انْتَهَى
آخر:
أَبَدًا تُفهِّمُنَا الخُطُوبُ كُرُوْرَهَا ... ونَعُودُ فِي عَمَهٍ كَمَنْ لاَ يَفْهَمُ
تَلْقَى مَسَامِعَنا العِظَاتُ كَأَنَّمَا ... فِي الظِلِّ يَرْقُمُ وَعْظَهُ مِن يَرْقُمُ
وصَحَائِفُ الأَيَّامِ نَحْنُ سُطُورُهَا ... يُقْرَا الأَخِيرُ وَيدْرج المُتَقَدِّمُ
لَحَدٌ على لَحَدٍ يُهَالُ ضَرِيْحُهُ ... وبأعْظُمِ رِمَمٌ عليها أعْظَمُ
مَن ذَا تَوفَّاهُ المنُونُ وقَبْلَنَا ... عَادٌ أَطاحَهُمُ الحِمَامُ وَجُرْهُم
والتُّبَعَانِ تَلاحَقَا ومُحَرِّقٌ ... والمْنِذرَانِ وَمَالِكٌ ومُتَمِّمُ
اللهم أنا نسألُكَ مِن النعمة أتَمَّهَا، ومِن العِصْمَة عن المعاصي دَوَاَمَها، ومِن رَحْمَتِكَ شمُوْلَهَا، ومِن العافية حُصُولَهَا، ومِن العَيْشِ أرْغَدَه، ومِن العُمْر أسْعَدَهُ، ومِن الإِحسانِ أتَمَّهُ، ومِن الإِنعام أعَمَّهُ، ومِن الفَضْلِ أعْذَبَه، ومِن اللَّطْفِ أقْرَبَه، ونسألك أن تغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
آخر:
لا تَحْسِدَنَّ غَنِيًا في تنعُمِهِ ... قد يَكثُر المالُ مَقْرُوْنًا بِهِ الكَدَرُ
تَصْفُو العُيونُ إذا قَلَّتْ مَوَارِدُهَا ... والمَاءُ عِنْدَ ازْدِيَادِ النِّيلِ يَعْتَكِرُ
стр. 575
أُوْلئِكَ قَوْمٌ حَسَّنَ اللهُ فِعْلَهُمُ ... وَأَوْرَثَهُم مِنْ حُسْنِ فِعْلِهِمُ الْخُلُدَا
* * *
مَا ضَر مَنْ كَانَ الفِرْدَوْسُ مَسْكَنَهُ ... مَاذا تَحَمَّلَ مِن بُؤْسٍ وَإِقْتَارِ
تَرَاهُ يَمْشِيْ كَئِيبًا خَائِفًا وَجلاً ... إِلَى المَسَاجِدِ يَسْعَى بَيْنَ أَطْمَارِ
وَمِمَّا يُنْسَبُ إلى الشَّافِعِيّ:
يَا لَهْفَ قَلْبِيْ عَلى شَيْئَيْنِ لَوْ جُمعَا ... عِنْدِيْ لَكُنْتُ إِذًا مِنْ أَسْعَدِ البَشَرِ
كَفَافِ عَيْشٍ يَقِيْنِي شَرَّ مَسْأَلَةٍ ... وَخِدْمَةِ العِلْمِ حَتَّى يَنْتَهِيْ عُمُرِيْ
انْتَهَى
وقال الشيخ سليمان بن سحمان ﵀:
يا عينُ فابِكِي عَلَى الإِخوانِ لَوْ بِدَمِ ... وابْكِِي ولا تَسْأمِي يا عَينُ وانْسَجِمِ
واْبكِي لِمُجْتَمَعٍ مِنْهم عَلَى طَلَبٍ ... لِلْعِلمِ بُدِّد مِنْهُ كُلُ مُنْتَظِمِ
سَعَى بِهِمْ وَوَشى قَوْمٌ ذَوُو ضَغَنٍ ... وذُوُو شِقَاقٍ وتَفْرِيقٍ لِمُلْتِئِمِ
فانْبَتَّ مِن حَبْلِهمْ مَا كَانَ مُتَّصِلاً ... وانْحَلَّ مِنْهُ لَعَمْرِي كُلُ مَنْبَرِمِ
واللهِ مَا لَهُمُو ذَنْبٌ بِهِ نُقِمُوا ... إلاَّ لِهِجْرَانِ ذِيْ الإجْرَامِ والتُّهَمِ
ومِلَّةٍ سَلُكُوهَما لِلْخَلِيْلِ عَفَا ... بُعْدُ المَشايِخِ مِنها الرَّسْمُ فَهْوَ عَمِ
اللهُ أكْبَرُ إنْ كَانَتْ لمعْضِلةً ... وحَادثًا فَادحًا في الدَّين ذَا عِظَمِ
واللهُ أكْبَرُ إنْ كَانَتْ لَدَاهِيَةً ... شَنْعَاءَ كَمْ أوْبَقَتْ واللهِ مِنْ أُمَمِ
стр. 576
فَقُلْ لِبَاهِتِهِمْ ظُلْمًا وشَانِئِهِمْ ... بُشْرَاكَ بُشْرَاكَ بالخُسرانِ والنَّدمِ
للهِ دَرُهُمُو مِن عُصْبَةٍ سَلَكُوا ... لِلْعلْمِ مَهْيَعَ صِدْقٍ غَيْرَ مُتَّهَمِ
جَاؤوا إلى طَلَبِ التَّوحِيْدِ لَيْسَ لَهُمْ ... فِي غَيْرِهِ مِن إرَادَاتٍ ولا هِمَمِ
جَاؤوا لِكَي يَفْقَهُوا في الأصل حَيُثُ عَفَتْ ... مِنْهُ الرُّسُومُ وأضْحَى دَارِسَ العَلَمِ
فَغَارَ قَوْمٌ فَدَامٌ مِن سَفَاهَتِهِمْ ... لمَّا رأوْهُمْ إلَى ذِي الأصْلِ ذُو هِمَمِ
مَا آثَرُوهُ مِنَ الأصْلِ الأصيلِ ومَا ... قَامُوا بِهِ مِن مُعَاداتٍ لِذِي التُهَمِ
ومِن مُوالاتِ مَن كَانَتْ عِنَايَتُهُمْ ... بالأصْلِ ثابتَةُ الأقدام والقَدَمِ
لَيْسُوا يَرَوْنَ أخَا الَّتْعليْمِ فِيْهِ وَفِي ... رَسَائِل الشيخ ذَا عِلْمِ ولا حكمِ
والعِلْمُ عِنْدَهُمُو مَا قَالَهُ الفُقَهَا ... وَحبَّذَا هُوَ بَعْدَ الأصلِ حَيْثُ نمُى
تَالله إنْ كَانَ ذَا ذَنْبًا لَقَدْ هَزلَتْ ... واخْلَولَقَ العِلْمُ فِيما بَيْنَنَا وعَمِ
وَاعِفتاهُ وَوَاغَوْاثَاهُ واحَزَنَا ... إنْ شَاعَ ذلكَ بَيْنَ العُرْبِ والعَجَمِ
وإنْ يَكُنْ شَغَبَ الوَاشُونَ وانْتَصَرُوا ... بالقِيلِ فِيهم وبالتحرِيفِ لِلْكَلِمِ
فَهِذِه سُنَّةٌ لَيْسَتَ بِمُحْدَثَةٍ ... كَانَتْ لِمَنْ قَبْلَهُم في سَالِفِ الأُمَمِ
تَبًا لهم مِن وُشَاةٍ مَا لَهُم قَدَمٌ ... في العِلْمِ رَاسِخَةٌ واللهِ أوْ قِدَمِ
لَكِنهُم شُغِفُوْا بالجَاهِ بَلْ فُتِنُوْا ... بالقِيْلِ والقَالِ فِعْلَ الآفِكِ الأثِمِ
تَبًا لَهُم مِن سُعَاةٍ حَاسِدِينَ لَقَدْ ... جَاؤوا بِقِيلٍ لَعَمْرِي شِيْبَ بالأضمِ
تَبًا لَهُم مِن سُعَاةٍ إنَّهُم لَهُمُو ... أحَقُّ بالذَّمِ مَخْفُوفُونَ لِلْكَلِمِ
يَا قَوْمُ واللهِ تكْفِيْرُ الذينَ عَصَوْا ... حَاشَا وكَلاَّ فَما هَذَا بِمُلْتَزَمِ
كَلاَّ ولاَ لاَزِمُ الهِجْرَانِ عِنْدهُمُو ... تَصْلِيكُمُ فارْعَوُوْا عن وَصْمَةِ الوَذَمِ
فإنْ يَكُنْ لازمًا فأْتُوا بِحُجِّتِكُمْ ... وأنْصتُوا لِجَوابٍ غَيْر مُنْفَصِمِ
وإنَّمَا الهَجْرُ كالتَّعزِير عِندهُمُو ... لِكَي يَفِيؤُوا ذَوُو الإِجْرَامِ بالنَّدَمِ
والحَمدُ لله حَمْدًا لا انْحِصَارَ لَهُ ... ذِي المْنِّ والفَضْلِ والإِحسانِ والنِعَمِ
ثُمَّ الصَّلاةُ مَعَ التَّسِلْيمِ مَا نَشَأَتْ ... بِيْضٌ يَعَالِيْلُ وانْهلَّتْ بِمُنْسَجِمِ
стр. 577
عَلَى النَّبِي الأمِيْنِ المُصْطَفَى شَرَفًا ... أوْفي الأنامِ عَلَى الإِطلاقِ بالذِمَمِ
والآلِ والصحبِ ثم التابِعينَ لَهُمْ ... أهْلِ الفَضَائلِ في الإِسلامِ والقدمِ
الإقامة بدار الكفر
للشيخ سليمان بن سحمان
سُؤآلٌ فَهَلْ مُفْتٍ مِن القومِ يَنْظِمُ ... جَوابًا عَلى هذا السؤالِ ويَرْقُم
بما شاء من نَثْرٍ ونَظْمٍ مُنضَّدٍ ... يُبَيِّنُ مَا وَجْهُ الدَّلِيلِ ويُفْهِمُ
ولِكنْ بقَالَ اللهُ جَلَّ ثَناؤُهُ ... ومَا قَالَه الزاكِي النبيُّ المُكَرَّمُ
أهْل جَائزٌ في الدِين أن يَمْكُثَ الفَتَى ... بِدارٍ بها الكفارُ حلُّوا وَخَيَّمُوْا
وأحْكَامُهم تُجْرِي علَى مَنْ بِسَفْحِهَا ... وما مِنْهُمُو مَن يُستَهَانُ ويُهْضَمُ
وقَدْ أوْجَبَ اللهُ العظيمُ على الفَتَى ... يُهَاجِرُ عن أرْضِ بِها الكُفْرُ مُظْلِمُ
سِوى مَنْ لَهُ اسْتَثْنَى الإِلهُ لِضَعْفِهِ ... وحِيْلَته أوْ لَيْسَ بالسُبْلِ يَعْلمُ
فبالله مَا حُكْمُ المُقِيْم بِدَارِهِمْ ... ومَا صِفَة الإِظهارِ لِلدِّيْنِ فِيهِمُ
أملَّةَ إبْراهيمَ حقًا أبِنْ لَنَا ... بِتَوضِيْحِ مَعْنَاهَا الذِي هُوَ أقُوْمُ
فهذا مَحَطُ الرَّحْلِ إنْ كُنْتَ مُقْدِمًا ... ومَدْحَضَةُ الأقدامِ إنْ كُنْتَ تُقْدِمُ
أمِ المرءُ يَكْفِيْهِ الصلاةُ وصَوْمُهُ ... وإظْهَارُهُ في الصَحَّبِ أنِّي لمُسِلُم
وأبْغِضُ أهْلَ الكُفرِ لَكِنْ أخَافُهُمْ ... فَلَستُ أُرِيهِمْ ما يُسيءُ ويُؤْلِمُ
ولَيْسَ بِشَرْطِ أُنْ أصَرِّحَ عِنْدهُم ... بِتكفيرِهِمْ جَهْرًا ولا أَتَكَلَّمُ
وكَيْفَ وأموالي لَدَيْهِمْ وعنْدَهُمْ ... مَعَاشِي وأوْطَانِي فَكيْفَ التَّقَدُّمُ
إذَا لَمْ أُوافِقْهُم وَرَبِيَ عَالِمٌ ... بِمَا يَنْطَوِي قَلْبِي عَليه ويَكُتمُ
مِن الحُبِ للإسلامِ والدِينِ والهُدَى ... وبُغْضِي لأَهلِ الكُفْرِ واللهُ يَعْلمُ
فإن كَانَ هذا الحُبُّ والبُغْضُ كَافيًا ... ولَوْ لَمْ يصرحْ بالعَدَاوَةِ فِيْهِمُو
стр. 578
فَمَا وَجْهُ هَذَا مِن كِتَابٍ وسُنةٍ ... أِجِيْبُوْا عَلى هذا السُؤالِ وأَفْهِمُوا
وقال آخر: يَذُمُّ الدُنْيَا
أُفٍّ لَهَا دُنْيَا فلا تَسْتَقِرَّ ... وعَيشُها بالطَّبْعِ مُرٌّ كَدِرْ
جَمِيلةُ المَنْظِرِ لَكِنَّها ... أقْبَحُ شَيءٍ عِنْدَ مَنْ يَخْتَبِرْ
قَدْ وَحِلَ العَالِمُ في سِجْنَها ... فَكُلُ جِنْسٍ تَحْتَ بُؤسِ وضُرّ
فَقِيْرُهَا يَطْلُبُ نَيلَ الغِنَى ... وذُو الغِنَى يَجمعُ كَيْ يَدَّخِرْ
فَذَاكَ لِلإِمْلاقِ فِي حَسْرةٍ ... وذَاكَ خَوفَ الفقرِ تَحْتَ الْحَذَرْ ...
والزاهُد العابدُ في كُلْفةٍ ... مِن شَعَثِ الصَّوم وطُولِ السَّهَرْ
وخوفِ مَا يَلْقاهُ مِن رَبِهِ ... في آخِرِ الأمْرِ إذَا مَا حُشِرْ
وهَمُّهُ في القُوتِ مِن حِلِّهِ ... صَعْبٌ شَدِيدٌ مُسْتَحِيلٌ عَسِرْ
والفاسِقُ المُذْنِبُ في وَصْمَةٍ ... مُسَفَّهُ الرَّأْيِ قَبِيْحُ الأثَرْ
لَيْسَ بِمأْمُونٍ وَلاَ آمنِ ... مُذَمَّمٍ في قَوْمِهِ مُحْتَقَرْ
مُنْخَفِضُ الرُتْبِة بَيْنَ الوَرَى ... يَفْتَخِرُ النَّاسُ ولا يَفْتَخِرْ
والحُوْتُ والطَّيْر ووَحْشُ الفَلاَ ... في كُلَفٍ مِن ورْدها والصَّدَرْ
فالوَحْشُ لا يأمَنُ مِن قَانِصٍ ... أَوْ حَابِلٍ أَوْ أسَدٍ مُحْتَضِرْ
أوْ جَارِحٍ يُدِرِكُهَا بَغْتةً ... في الجَوِ لا يضرِبُ إلاَّ كَسَرْ
والطيرُ في الأقْفاصِ سَجْنًا لَهَا ... تَنوحُ فيه نَوْحَ صَبٍّ أُسِرْ
والمَلِكُ الأعْظَمُ في خُطَّةٍ ... مِن شِدَّةِ الأمْرِ وطُوْلِ السَّهَرْ
وخوفِهِ مِن مَلِكٍ غَادِرٍ ... إذَا رَأىَ الفُرْصَةَ فيه غَدَرْ
إمَّا بسُمٍّ أوْ سِلاحٍ، فلا ... يأمَنُ حَالَيْ سَفَرٍ أوْ حَضَر
يَستشعِر الخِيْفةَ مِن مَلْبسٍ ... أوْ مَطْعَمٍ أوْ مَشْرَبٍ أوْ خَضِرْ
فالنَّاسُ في أمْنِ بِهِ، وهْوَ فِي ... تَوَهُّمِ الخوفِ فَلاَ يَنْحَصِرْ
стр. 579
والحوتُ في اللُّجِّ عَلَى بُعْدِه ... مِن مَلْمَسِ الكَفِّ ولَمْحِ البَصَرْ
يُدْلِي لَهُ الصَّيَادُ خِيطَانَهُ ... والطَّعْمُ فيْهَا فَوقَ عُقْفِ الإِبَر
حَتَّى إذَا أوْقَعَهُ جَرَّه ... جَرَّ عَنِيْفٍ جَار لَمَّا قَدَر
والبَعْضُ مِنْهَا آكِلٌ بَعْضَهُ ... فَمَا جَفا يأكُلُ مَا قَدْ صَغُر
مَصَائِبٌ جَلَّتّ وَلكِنَّنِي ... أوْرَدْتُ مِنْهَا نُبذةَ المُخْتَصِر
تَقْدِيرُ مِن لا حُكْمَ إلاَّ لَهُ ... في كُلِّ مَا يأتِي وفيما يَذَرْ
حَذَّرتُكَ الدنيا فلا تَحْتَقِرْ ... نَصِيْحَتي عِنْدَكَ نِصْفُ الخَبرَ
وقال:
ما أبْعَدَ الأشياءَ مما يَسُرّ ... فِعلا وأدْناها إلى ما يَضُرّ
فالخير في النادر إلمامُهُ ... والشرُّ ليلا ونهارًا يَكُر
والداءُ فيما لَذَّ أوْ ما حَلاَ ... والنفعُ في كل كريهٍ ومُر
أوَّلَ مَا تَشْربُ يأتِي القَذى ... فَاكَ وتَبغِي صَرْفهُ لا يَمُر ...
حَتَّى إذَا حَاوَلْتَ إخْراجَه ... بِصَبِّ بَعْضِ الماءِ وَلَّى وفَرّ
كأنه يَقْصِدُ ذَاكَ الذِي ... يَفْعَلُ مُخْتَارًا لِكَيْدٍ وشَرّ
وقال آخر:
يا نَفسُ مَا عيشُك بالدائبِ ... فَقصِّرِي من أملٍ خَائبِ
وَيْكِ أمَا يكفيك أن تُبصِري ... جَنَائزا تَنُقل بالراتب
بالطفلِ والبالغِ والمُتبدِي ... شبابَه والكَهْلِ والشائب
من والدٍ أو ولد أو أخٍ ... أو من غريبٍ عنكِ أو صاحِب
فهل تَبَقَّى لك من حُجّةٍ ... إلا غرور الأمل الكاذب
أمَا عجيبٌ أنّ ذا كلَّه ... موفر في شره الكاسب
стр. 580
لو لم يكن شيء سوى الموتِ كا ... ن الزهدُ في الدنيا من الواجب
أو لم يكن موتُ لكانتْ همـ ... ـومُ الدهرِ تَنْفِي رغبةَ الراغب
فكيفَ والإِنسانُ من بعدِه ... مُناقَشْ من عالمٍ حاسِب
قد أنْذَرَ الوعظُ وأسْماعُنَا ... عن كلِّ ما يذكُر في جانب
آخر:
ومن عاش في الدنيا طويلا تَكررتْ ... عَليه مَسَراتٌ لَهَا وفَجائِعُ
لَعَمْرُكَ مَا سَاوَىَ البَقَاءُ أقلَّ مَا ... يُكَابِدُهُ فيها الفَتَى ويُصارِعُ
حَلا فهْوَ مِثْلُ الشهدِ في فَمِ ذائقٍ ... يَلَذُّ، وفي أثْنَائِهِ السُمُّ نَاقِعُ
يُسَرُّ امْرؤ بالكَسْبِ وهْوَ مُحقِّقٌ ... بأنَّ الذي يَحْوِي مَعَ الموتِ ضائِعُ
ويَحتالُ في دَفْعِ المَخوفِ وعُمْرُهُ ... تُمزِّقهُ سَاعاتُهُ وهْوَ وادِعُ
ويأمنُ حَمَلاتِ المنايا وعِنْدَهُ ... لآبائهِ مِن بَطْشِهنَّ مَصَارِعُ
تَغُولُ الملُوكَ الصِّيدَ قَسْرًا، ودُونَها ... عِتاقُ المَذاكِي والرِّمَاحُ الشَّوَارِعُ
حَياةُ الوَرَى سِجنٌ فِسيّانَ مُطْلَقٌ ... لَديها ومَن ضَاقَتْ عَليه الجَوامِعُ
وللنفسِ في تِلك القَناعةِ راحةٌ ... وعِزٌ ولَكِنْ لَيْسَ في النَّاسِ قانِعُ
ومَن كَانَتِ الآمالُ أقواتَ نَفْسِه ... تَطاولَ منها أكْلُهُ وهْو جَائِعُ
لَقَدْ نَطَقَتْ فينا الليالِي فأفْصحَتْ ... بِوَعْظٍ لَوْ انَّ الوَعْظَ لِلْمَرءِ نافِعُ
ولَكِنْ إذَا مَا صُمَّ قَلْبٌ فقلَّما ... تُفيدُ - وإنْ طالَ الكَلامُ - المَسامِعُ
ومن نَكَدِ الأيامِ فرقة مَوْطِنٍ ... نأى فنأى عنه الصديقُ المُطَاوِعُ
ولا سَيَّما أرْضٌ كأرْضِي، وأسْرة ... كَقَومِي وَعْيشٌ مِثْلُ عَيشىَ يانِعُ
ثلاثٌ إذَا عَدَّدْتُها لَمْ يكن لَهَا ... على صحةِ التقسيم في الفَصْلِ رَابعُ
سُرُوْرٌ ولذاتٌ صَفَتْ مِن كَبَائرٍ ... نَهتْها النُّهَى عن قُرْبِنا والشَّرائِعُ
خَلتْ هذه الآثارُ مِني ومَا خَلَتْ ... لَهَا مِن جَنَانِي في السُّوَيْدَا مَوَاضِعُ
стр. 581
فيا أهلَ وُدِّى، هل لمن بانَ عنكمُ ... إلى عَوْدةٍ في مِثْلِ مَا كَانَ شَافِعُ
فَلِي بعدَكم شوقٌ أثار تأسُّفا ... يًصغِّر عندي كلَّ مَا أنَا صَانِعُ
فما بكثيرٍ قَرْعُ سِنِّى لأَجْلِهِ ... ولا بِعظِيمٍ أنْ تُعَضَّ الأصابعُ
عليكم سلامٌ تَقْتَفِيه سَلاَمَةٌ ... لَهُ تَبَعٌ أمْيَالُهَا وطَلائِعُ
سلامٌ كأنفاسِ الرِّياضِ تَفَتَّحَتْ ... مِن النَّوْرِ في أبْرَادِهِنَّ وَشَائِعُ
وقال ابن القيم ﵀ في جوَاب المُثِيْبِ لِصِفاتِ الله إذَا سَأَلَه اللهُ تعالى يَوْمَ القِيَامَة:
والآخرون أتوْا بما قد قاله ... من غير تحريف ولا كتمان
قالوا تلقينا عقيدتنا عن الـ ... ـوحيين بالأخبار والقرآن
فالحكم ما حكما به لا رأى أهـ ... ـل الاختلاف وظن ذي الحسبان
آراؤهم أحداث هذا الدين نا ... قضة لأصل طهارة الإيمان
آراؤهم ريح المقاعد أين تلـ ... ـك الريح من روْح ومن ريحان
قالوا وأنت رقيبنا وشهيدنا ... من فوق عرشك يا عظيم الشان
إنا أبيْنا أن ندين ببدعة ... وضلالة أَوْ إفْكِ ذي بهتان
لكن بما قد قلته أو قاله ... من قد أتانا عنك بالفرقان
وكذاك فارقناهمُ حين احتيا ... ج الناس للأنصار والأعوان
كيلا نصير مصيرهم في يومنا ... هذا ونطمع منك بالغفران
فمن الذي منا أحق بأمنة ... فاختر لنفسك يا أخا العرفان
لا بد أن نلقاه نحن وأنتمُ ... في موقف العرض العظيم الشان
وهناك يسألنا جميعًا ربنا ... ولديه قطعًا نحن مختصمان
فنقول قلت كذا وقال نبينا ... أيضًا كذا فإمامنا الوحيان
فافعل بنا ما أنت أهل بعد ذا ... نحن العبيد وأنت ذو الإحسان
أفتقدرون على جواب مثل ذا ... أم تعدلون على جواب ثان
стр. 582
ما فيه قال الله قال رسوله ... بل فيه قلنا مثل قول فلان
وهو الذي أدَّت إليه عقولنا ... لما وزنَّا الوحي بالميزان
أن كان ذلكم الجواب مخلَّصا ... فامضوا عليه يا ذوي العرفان
تالله ما بعد البيان لمنصف ... إلا العناد ومركب الخذلان
* * *
(فصل في تحميل أهل الإثبات للمعطلين شهادة
تؤدى عند رب العالمين)
وقال ﵀:
يا أيها الباغي على أتباعه ... بالظلم والبهتان والعدوان
قد حملوك شهادة فاشهد بها ... إن كنت مقبولا لدى الرحمن
واشهد عليهم أن سئلت بأنهم ... قالوا إله العرش والأكوان
فوق السموات العلى حقًا على العر ... ش استوى سبحان ذي السلطان
والأمر ينزل منه ثم يسير في الـ ... أقطار سبحان العظيم الشان
وإليه يصعد ما يشاء بأمره ... من طيبات القول والشكران
وإليه قد صعد الرسول وقبله ... عيسى بن مريم كاسر الصلبان
وكذلك الأملاك تصعد دائما ... من ههنا حقًا إلى الديان
وكذاك روح العبد بعد مماتها ... ترقى إليه وهو ذو إيمان
واشهد عليهم أنه سبحانه ... متكلم بالوحي والقرآن
سمع الأمين كلامه منه وأدَّ ... اه إلى المبعوث بالفرقان
هو قول رب العالمين حقيقة ... لفظًا ومعنى ليس يفترقان
واشهد عليهم أنه سبحانه ... قد كلم المولود من عمران
سمع ابن عمران الرسول كلامه ... منه إليه مسمع الآذان
стр. 583
واشهد عليهم أنهم قالوا بأ ... ن الله ناداه وناجاه بلا كتمان
واشْهَدْ عليهم أنهم قالوا بأ ... ن الله نادى قبله الأبوان
واشهد عليهم أنهم قالوا بأ ... ن الله يسمع صوته الثقلان
والله قال بنفسه لرسوله ... إني أنا الله العظيم الشان
والله قال بنفسه لرسوله ... اذهب إلى فرعون ذي الطغيان
والله قال بنفسه حم معْ ... طه ومع يس قول بيان
واشهد عليهم أنهم وصفوا الإلـ ... ـه بكل ما قد جاء في القرآن
وبكل ما قال الرسول حقيقة ... من غير تحريف ولا عدوان
واشهد عليهم أن قول نبيهم ... وكلام رب العرش ذا التبيان ...
نص يفيد لَدَيْهِمُو علم اليقيـ ... ـن إفادة المعلوم بالبرهان
واشهد عليهم أنهم قد قابلوا التـ ... ـعطيل والتمثيل بالنكران
إن المعطل والممثل ما هما ... متيقنيْن عبادة الرحمن
ذا عابد المعدوم لا سبحانه ... أبدًا وهذا عابد الأوثان
واشهد عليهم أنهم قد أثبتوا ... الأسماء والأوصاف للديان
وكذلك الأحكام أحكام الصـ ... ـفات وهذه الأركان للإيمان
قالوا عليم وهْو ذو علم ... ويعلم غاية الأسرار والإعلان
وكذا بصير وهْو ذو بصر ويبـ ... ـصركلَّ مرئِي وذِي الأكوان
وكذا سميع وهْو ذو سمع ويسـ ... ـمع كل مسموع مِن الأكوان
متكلمٌ وله كلامٌ وصْفُهُ ... ويكلم المخصوصَ بالرضوان
وهو القويُ بقوةٍ هيَ وصْفُهُ ... وعليكَ يقدر يا أخا السلطان
وهو المريد له الإرادة هكذا ... أبدًا يريد صَنَائِعَ الإِحسان
والوصُف مَعْنىً قائم بالذات والـ ... أسماء أعلامٌ له بِوزانِ
أسماؤه دلت على أوصافه ... مشتقة منها اشتقَاقَ معان
стр. 584
وصفاته دَلَّتْ على أسمائِهِ ... والفِعل مَرْتَبطٌ به الأمران
والحكم نسبتها إلى متعلقَا ... تٍ تَقْتَضِي آثارها ببيان
ولربما يعني به الأخبار عن ... آثارها يعني به أمران
والفعل إعطاء الإرادة حكمها ... مع قدرة الفعال والإمكان
فإذا انتفت أوصافه سبحانه ... فجميع هذا بيِّن البطلان
واشهد عليهم أنهم قالوا ... بهذا كله جهرًا بلا كتمان
واشهد عليهم أنهم بُرءَاءُ من ... تأويل كل محرف شيطان
واشهد عليهم أنهم يتأوَلو ... ن حقيقة التأويل في القرآن
واشهد عليهم أن تأويلاتهم ... صرف عن المرجوح للرجحان
واشهد عليهم أنهم حملوا النصو ... ص على الحقيقة لا المجاز الثاني
إلا إذا ما اضطرهم لمجازها المضـ ... ـطر من حسن ومن برهان
فهناك عصمتها إباحته بغيـ ... ـر تجانف للإثم والعدوان
واشهد عليهم أنهم لا يكفرو ... نكم بما قلتم من الكفران ...
إذ أنتمُ أهل الجهالة عندهم ... لستم أُولِي كفر ولا إيمان
لا تعرفون حقيقة الكفران بل ... لا تعرفون حقيقة الإيمان
إلا إذَا عاندتمُ ورددتمُ ... قول الرسول لأجل قول فلان
فهناك أنتم أكفر الثَّقَلَيْنِ من ... إنس وجن ساكني النيران
واشهد عليهم أنهم قد أثبتوا الـ ... أقدار واردة من الرحمن
واشهد عليهم أن حجة ربهم ... قامت عليهم وهْو ذو غفران
واشهد عليهم أنهم هم فاعلو ... ن حقيقة الطاعات والعصيان
والجبر عندهم محال هكذا ... نفي القضاء فبئست الرايان
واشهد عليهم أن إيمان الورى ... قول وفعل ثم عقد جَنان
стр. 585
والله ما إيمان عاصينا كإيـ ... ـمان الأمين منزل القرآن
كلا ولا إيمان مؤمننا كإيـ ... ـمان الرسول معلم الإيمان
واشهد عليهم أنهم لم يخلدوا ... أهل الكبائر في حَمِيمٍ آن
بل يخرجون بإذنه بشفاعة ... وبدونها لمساكن بجنان
واشهد عليهم أن ربهمُ يُرى ... يوم المعاد كما يُرى القمران
واشهد عليهم أن أصحاب الرسو ... ل خيار خلق الله من إنسان
حاشا النبيين الكرام فإنهم ... خير البرية خيرة الرحمن
وخيارهم خلفاؤه من بعده ... وخيارهم حقًا هما العمران
والسابقون الأولون أحق ... بالتقديم ممن بعدهم ببيان
كل بحسب السبق أفضل رتبة ... من لاحق والفضل للمنان
* * *
(فصل في عهود المثبتين مع رب العالمين)
يا ناصر الإِسلام والسنن التي ... جاءت عن المبعوث بالفرقان
يا من هو الحق المبين وقوله ... ولقاؤه ورسوله ببيان
اشرح لدينك صدر كل موحد ... شرحًا ينال به ذرى الإيمان
واجعله مؤتمًا بوحيك لا بما ... قد قاله ذو الافك والبهتان
وانصر به حزب الهدى واكبت بِهِ ... حزب الضلال وشيعة الشيطان
وانعش به من قصده إحْيَاءَهُ ... واعصمه من كيد امرئ فتان
واضرب بحقك عنق أهل الزيغ والتـ ... ـبديل والتكذيب والطغيان
فوحق نعمتك التي أوليتني ... وجعلت قلبي واعي القرآن
وكَتَبْتَ في قلبي متابعة الهدى ... فقرأت فيه أسطر الإِيمان
ونشلتني من حب أصحاب الهوى ... بحبائل من محكم الفرقان
стр. 586
وجعلت شربي المنهل العذب الذي ... هو رأس ماء الوارد الظمآن
وعصمتني من شرب سفل الماء تحـ ... ـت نجاسة الآراء والأذهان
وحفظتني مما ابتليت به الألى ... حكموا عليك بشرعة البهتان
نبذوا كتابك من وراء ظهورهم ... وتمسكوا بزخارف الهذيان
وأريتني البدع المضلة كيف ... يلقيها مزخرفة إلى الإنسان
شيطانه فيظل ينقشها له ... نقش المشبه صورة بدهان
فيظنها المغرور حقًا وهي في التـ ... ـحقيق مثل الآل في القيعان
لأجاهدن عداك ما أبقيتني ... ولأجعلن قتالهم ديداني
ولأفضحنهم على روس المَلاَ ... ولأفرينَّ أديمهم بلساني
ولأكشفن سرائرا خفيت على ... ضعفاء خلقك منهم بيان
ولأتبعنهمُ إلى حيث انتهو ... حتى يقال أبعد عَبَّادَانِ
ولأرجمنهم بأعلام الهدى ... رجم المريد بِثَاقِبِ الشهبانِ
ولأقعدن لهم مراصد كيدهم ... ولأحصرنهُمُ بكل مَكَانِ
ولأجعلن لحومهم ودماءهم ... في يوم نصرك أعظم القربان
ولأحملن عليهمُ بعساكر ... ليست تفر إذا التقى الزحفان ...
بعساكر الوحيين والفطرات والـ ... ـمعقول والمنقول بالإحسان
حتى يبين لمن له عقل من الـ ... أوْلى بحكم العقل والبرهان
ولأنصحن الله ثم رسوله ... وكتابه وشرائع الإيمانِ
إن شَاءَ ربي ذا يكون بحوله ... إنْ لَم يشأ فالأمرُ لِلرَّحمنِ
تمَّ هذَا الجُزْءُ الأول بِعَوْنِ الله وَتَوْفِيْقِهِ، وَنسْألُ اللهُ الحَيَّ القَيَّوْمَ العَلِيَّ العَظِيْمَ ذا الجَلاَلِ والإِكْرَامِ، الوَاحِدَ الأَحَدَ الفَرْدَ الصَّمَد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كفوًا أَحَد - أنْ يُعِزَّ الإسْلاَمَ والمُسْلِمِيْنَ، وأنْ يَخْذُلَ الكَفَرَةَ والمُشْرِكِيْنَ
стр. 587
وأَعْوَانَهُمْ وأنْ يُصْلِحَ من في صلاحه صَلاحٌ للإِسْلامِ والمُسْلِمِيْنَ، وَيُهْلِكَ منْ في هلاَكِهِ عز وصلاح للإِسْلامِ والمُسْلِمِيْنَ، وَأَنْ يَلُمَّ شَعَث المُسْلِمِيْنَ وَيَجْمَعَ شَمْلَهُمْ وَيُوَحِّدَ كَلِمَتَهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ بِلادَهُمْ، ويُصْلِحَ أولادَهُمْ، وَيَشْفِي مَرْضَاهُمْ، وَيُعَافِي مُبْتَلاَهُمْ، وَيَرْحَمَ مَوْتَاهُمْ، وَيَأخُذَ بِأَيْدِيْنَا إلى كُلِّ خَير، وَيَعْصِمَنَا وأيَّاهم مِنْ كُلِّ شَرٍّ، وَيَحْفَظنا وإيَّاهم مِن كُلِّ ضُرٍ، وأن يَغْفِرَ لنا ولوالدينا وجميع المسلمين بِرَحْمَتِهِ إنَّه أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وصلى الله على محمد وعلى آله وَصَحْبِهِ أجمعين.
والله المسؤول أن يجعل عملنا هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به نفعًا عامًا إنه سميع قريب مجيب على كل شيء قدير.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
стр. 588
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهَ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ، ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَسْتَهْدِيه، ونَتُوبُ إليه، ونَعُوذُ بِهِ مِن شُرورِِ أَنْفُسِنَا وسَيِئاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَه، ومَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أنَّ لا إلهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ.
وأشْهدُ أنَّ مُحَمدًا عَبدُهُ وَرَسُولُه الدَّاعِي إلى التوحيد، الساعيَ بالنًّصْحِ لِلْقرِيبِ والبَعِيد، المُحَذِّرَ لِلْعُصَاةِ مِن نارٍ تَلَظَّى بِدَوَامِ الوَقِيد، المُبَشِّرَ لِلْمؤْمِنِينَ بِدَارٍ لا يَنْفَذُ نَعِيمُهَا ولا يَبِيد، صَلَّى الله عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ، صَلاَةً لا تَزَالُ عَلَى كَرِّ الجَدِيدَيْنِ في تَجْدِيدٍ، وسَلِّم تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
وَبَعْد .. فَبِمَا أَنِّي رَأيتُ إقْبَالَ كَثِيرٍ من النَّاسِ عَلَى القَصَائِدِ الَّتِي فِي كُتُبِنَا فَعَزَمْتُ عَلَى جَمعِ مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا مِمَّا يَحْتوِي عَلَى حِكَمٍ وَأَحْكَامٍ ومَوَاعِظَ وَفَوَائِدَ وَآدَابٍ وَأَخْلاقٍ فَاضِلاتٍ، وَقَصَصٍ فيها عِبَر، وَتَزْهِيدٍ فيما يَفْنَى وتَرغيبٍ فِيمَا يَبْقَى وَتَرْهِيبٍ مِمَّا يَضُرُّ عَاجِلاً وَآجلاً.
وعَزَمْتُ عَلَى طَبْعِهَا وَقَفًا للهِ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَعَادَتِنَا في كُتْبِنَا، رَاجِيًا مِنَ اللهِ تَعَالَى أنْ تَكونَ سَبَبًا مُبَاركًا لِحَثِ النَّاسِ عَلَى التَّمَسُكِ بِكِتَابِ اللهِ والعَمَلِ بِهِ وَالإكْثَارِ مِنْ تِلاوَتِهِ وتَدَبُّرِهِ وَدَعْوَةِ النَّاسِ إلَيْهِ وَالتَّمَسُّكِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالعَمَلِ بِهَا وَدَعْوَةِ النَّاسِ إلَيْهَا.
وتَصْحِيحِ العَقِيدَةِ الَّتِي هِيَ أَسَاسُ كُلِّ عَمَلٍ وَالتَّذْكِيرِ بِاليَّومِ الآخِر.
والتَحذيرِ من الإنهماكِ في الدنيا والإخلادِ إليها وزينتِهَا والإنغماسِ في شهواتِها وملاذِها والتزودِ في العملِ الصالحِ وصيانةِ الوقتِ .. وسَمَّيتُهَا «مَجْمُوعَةَ القَصائِدِ الزُّهْدِيَّة».
стр. 589
ومَن أرادَ طباعتَهُ وقفًا لوجهِ اللهِ تَعَالَى لا يُرِيدُ بِهِ عَرَضًا مِن الدنيا فقَد أُذِنَ له وجزَاه اللهُ عني وعَن المسلمينَ خَيرًا. وصلَّى اللهُ عَلَى مُحمدٍ وآلهِ وصحبهِ وسلَّم.
عبد العزيز بن محمد السلمان
стр. 590
قالَ الشيخُ إسحاقُ بنُ عبدُ الرحمنِ آل الشيخِ ﵀
الحَمْدُ للهِ اللّطِيفِ الهادِي ... إِلَى سُلُوكِ مَنْهَجِ الرّشادِ
مِنَ خَصَّهُ بِفَضْلِهِ فَقَامَا ... بحَقِّهِ وشَكَرَ الإِنْعَامَا
أحْمَدُهُ ... حَمِدًا كَثِيرًا طَيِّبًا تَوَالَى
كَمَا يُحِبُّ وكَمَا يُرْضِيهِ ... لَهُ الثّنَا والمَجْدُ لا أُحْصِيهِ
عَرَفْنَا مِن فَضْلِهِ الإِسْلاَمَا ... لَوْلاَهُ كُنَّا نُشْبِهُ الأَنْعَامَا
شَهِدْتُ بالصَّدْقِ اليَقِينِ أَنْ لاَ ... إِلهَ إلاَّ اللهُ رَبًّا وَجَلا
وإنَّهُ قَدْ أَنْزَلَ الفَرْقَانَا ... عَلَى النَّبيِّ العَرَبِيِّ تِبْيَانَا
فأَرْشَدَ الخَلْقَ لِهَذا الدِينِ ... بِسَيفِهِ وشَرْعِهِ المُبِينِ
صَلَّى عَلَيهِ اللهُ ثُمَّ سَلَّمَا ... مَعْ آلهِ والصحْبِ مَا غَيثٌ همَا
وبَعْدُ فالعِلْمُ بأَصْلِ الدِّينِ ... حَتْمٌ عَلَينَا لازِمُ التَّبْيِينِ
لأنَّهُ سَفِينَةُ الوُصُولِ ... إلَى بُلُوغِ غَايَةِ المَأْمُولِ
وهَذِهِ أُرْجُوزَةٌ نَظَمْتُهَا ... في مُدِّةٍ مِن غُرْبَتِي أَقَمْتُهَا
فِي بَلْدَةٍ مَعْدُومَةِ الأَنِيسِ ... جَعَلْتُ فِيهَا كُتُبِي جَلِيسِي
بَيَّنْتُ أَنْواعًا مِن العِبَادَهْ ... إخْلاَصُهَا حَقِيقَةُ الشَّهَادَهْ
ورَدُّ إفْكِ مَن إلينَا نَسَبَا ... عَظَائِمًا فِيهَا عَلَينَا كَذِبَا
مُسْتَغْفِرًا ذَنْبِي وأَرْجُو رَبِّي ... قَبُولَهَا والصّفْحَ فَهْوَ حَسْبِي
فَهُوَ الَّذِي يُرْجَى تَعَالَى لا سِوَى ... بِهِ ألُوذُ مِن مُضِلاَّتِ الهَوَى
وأَرْتَجِي لِي مِنْهُ حُسْنَ الخَاتِمَهْ ... وعِصْمَتِي عَنْ شَرِّ نَفْسِي الأثِمَهْ
والمُسْلِمينَ والقَرِيبِ والوَلَدْ ... فَهُوَ الذِي يُعْطِي المُرِيدَ مَا قَصَدْ
стр. 591
بيانُ توحِيدِ العَبُودَية ...
الذي دَعَتْ إليه الرُسُل
إذَا أَرَدْتَ أَصْلَ كُلِّ أَصْلِ ... والحِكْمَةَ الكُبْرَىِ لِبَعْثِ الرُسْلِ
فإنَّهُ عبَادَةُ الإِلهِ ... وتَرْكُ مَا يُدْعَى مِن الأَشْبَاهِ ...
مِن دُونِ مَوْلانَا المَلِيكِ البَاقِي ... مُوْلِي الجَمِيلِ الخَالِقِ الرَّازَاقِ
قَدْ شَهِدَ اللهُ العظيمُ المَاجِدُ ... بِأنَّهُ الإِلهُ نِعْمَ الشَّاهِدُ
وخَلْقُهُ أَمْلاَكُهُمْ والعُلَمَا ... أَشْهَدَهُمْ فَشَهِدُوا إذْ أَلْهَمَا
فَخَابَ عَبْدٌ جَعَلَ المَخْلُوقَا ... نِدًا لَهُ وأَبْطَلَ الحُقُوقَا
اللهُ رَبَّانَا وأَسْدَى النِّعْمَهْ ... لِنُخْلِصَ التِّوْحِيدَ هَذِي الحِكْمَهْ
فَمَا لَبِثْنَا أَنْ دَعَا المُضْطَرُّ ... مَنْ لَيسَ ذَا نَفْعِ ولا يَضُرُّ
دَسِيسَةٌ فيهِمْ مِن اللّعِينِ ... يُوحِي بِهَا فِي الناسِ كُلَّ حِينِ
فصل ...
في بيان ضَلال من يُنادي الأموَات والغَائبين
وَدَعْوةُ الأَمْوَاتِ تُبْطِلُ العَمَلْ ... وتَسْلَخُ الإِيمانَ خَابَ مَنْ فَعَلْ
شَبَّهْتُ مَن يَدْعُو دَفِينًا فِي الثَّرَى ... بِطَالِبِ العُرْيَانِ سِتْرًا مَنْ عَرَا
وصَرْفُ حَقِّ اللهِ لِلْمِخُلوقِ ... ظُلْمٌ عَظِيمٌ جَاءَ في المَنْطُوقِ
لَو قَدَّرَ الإِلهَ حَقَّ القَدْرِ ... مَا قَالَ يا مَعْرُوفُ أَوْ يَا الْبَدْوِي
وإنْ نَصَحَتَ قَائِلاً لا تُشْرِكْ ... بِخَالِقِكْ وبَاعِثِكْ لِحَشْرِكْ
لَقَالَ أَنْتَ المُلْحِدُ الوَهَّابِي ... أَنْتَ الجَهُولُ مُنْكِرُ الأَسْبَابِ
جَحَدْتَ قَدْرَ سَيِّدِي الجِيلانِيُ ... والعَيدَرُوسِ المُسْتَغَاثُ الثَّانِي
والبَدَوي وَسَيِّدِي الرِفَاعِي ... مَحَطُّ رَحْلِ المُسْتَجِيرِ الدَّاعِي
стр. 592
وهُمُ أُنَاسٌ كُوشِفُوا فأشْرَفُوا ... عَلَى الغُيُوبِ فَلهُمْ تصَرّفُ
أَقُولُ دَعْوًى كُلَّهُا - ضَلاَلُ ... وقَوْلَةً مَصُنُوَعَةً - مُحَالُ
سَفَاسِطٌ يَصْبُو إليهَا الفَاسِقُ ... يَمُجُّهَا السُّنِيُّ ذَاكَ الحَاذِقُ
هَلْ كَانَ أَمْرُ الكَوْنِ بِالتَّناوُبِ ... أَمْ دَفْعَةٌ أَمْ حَصَصًا في الغَالِبِ
فصل ...
في حَقِّ الأَوْلِياءِ الشّرعِي
وَالأَوْلِيَاءُ حَقُّهُمْ مَحَبَّتِي ... لاَ جَعْلُهُمْ جَهْلاً بِهَذِي الرُّتْبَةِ
وَاللهِ مَا قَالَ الوَليُّ ادْعُونِي ... وَإنْ دَهَاكُمْ مَا دَهَى نَادُونِي
في غُنْيَةِ الجَيلِيِّ رَدُّ الشِّرْكِ ... فارْجِعْ إِليهَا لاَ تَكُنْ فِي شَكِّ ...
حَتَّى العَجِينِ مِلْحَهُ سُؤالُهُ ... نَصُّوهُ قَالُوا تَرْكُهُ أَولَى لَهُ
قَدْ خَرَجُوا مِن عُهْدَةِ البَيَانِ ... لَكِنَّكُمْ مِن جُمْلَةِ العُمْيَانِ
حَاشَاهُمُوا أنْ يَسْمَعُوا القُرْآنا ... وَيَرْتَضُوا أَنْ تَسْلُكُوا طُغْيَانَا
لاَ يَعْلَمُ الْمَاضِي ومَا يَصِيرُ ... إلاَّ العَلِيمُ القَادِرُ البَصِيرُ
وإنْ تَقُلْ هُمْ سَبَبٌ في النَّفْعِ ... فَبِالبَلاغِ لاَ كَزَعْمِ البِدْعِي
ما السَّببُ العَادِيُّ مِن ذَا البَابِ ... فارْجِعْ تَرَى دَلاَئِلَ الصَّوابِ
كَمْ سَبَبٌ يَفْعَلُهُ الإِنسانُ ... هُو هُلْكُهُ يَسْخَطُهُ الدَّيَانُ
مُسَلَّمُ الثُبُوتِ هَذا عِنْدَهُمْ ... لَكنِّهُمْ لاَ يَعْرفُونَ رُشْدَهُمْ
يَاءُ النِدَا الطَّلِبَيِّ إلَى العَلِي ... قَدْ وُجِّهَتْ مَا وُجِّهْتُ إلى الوَلِي
إنْ قُلْتَ رَبِّي خَالِقُ الأَفْعَالِ ... قُلْنَا نَعمَ يَنْهَى عَنِ الأَمْثَالِ
قَدْ خَلَقَ الأَفْعَالَ مِنَّا وقَضَى ... مَا خَلْقُهَا مُسْتَلْزِمٌ مِنْهُ الرضَا
أَرَادَهَا إرَادةً كَونِيَّهْ ... لَكِنَّهُ يَرْضَى لَنَا الشَّرْعِيَّهْ
стр. 593
حَاشَا وكَلا أَنْ يُحِبَّ المَعْصِيَهْ ... بَلْ شَاءهَا لِحِكْمَةٍ مَقْتَضْيِهْ
إنْ جَادَلُوا بِمَا رَمَيتَ ظَنُّوا ... نُهُوضَها لِغَارَةٍ أَشَنُّوا
قُلْ خَلَقَ الحَكِيمُ فِعْلَ العَاصِي ... فلا تَلُمْ مُرْتَكِبَ المَعَاصِي
نَسْألكُم هلِ النِّكَاحُ عَادِي ... والأكْلُ والشُربُ إذَنْ لِلصَّادِي
لأَنَّ هَذا فِي عُمُومِ القَاعِدَهْ ... مِن جَهْلِكُمْ لَمْ تَفْهَمُوا مَفَاسِدَهْ
فالاعْتِزَالُ وطَرِيقُ المُجْبِرَهْ ... مَا عَنْهُمَا بٌدُّ لَكُمْ مَا المَعْذِرَهْ
فَوَاصِلُ المُعْتَزِلِيُّ قَدْ قَالاَ ... مَا الشَّرُ خَلْقُ رَبِنَا تَعَالَى
بِضِدِّهِ الجَبْرِيُ قَالَ العَاصِي ... مُمْتَثِلٌ مُحَقِّقُ الإِخْلاصِ
لَكِنَّمَا السُّنِيُّ طَوعُ الشَّرْعِ ... وَلَمْ يَزَلْ يَسْعَى بِبَذْلِ الوُسْعِ
قَدْ عَبِدَ المَولَى بِفِعْلِ الأَمْرِ ... مُخَالِفًا لِلْقَدَرِيِّ والجَبْرِي
يَقُولُ: لِي كَسْبٌ ولَكِنْ خَالِقِي ... خَلاَّقُهُ رِبْحِي وإثْمي لاَحقِي
مُفَادُ كُتْبِ اللهِ هَذَا والرُسُلْ ... مَا نَفْعُهُمْ إنْ كَانَ تَحْصِيلُ حَصَلْ
* * *
فَصْل ...
فِي إيضَاحِ ما مَرَّ مِن إطْلاَقِ الأَسْبَابِ في نَقْصِ أَصْلِهِم
وَعِنْدَنَا الأسَبابُ مِنْهَا مَا حُمِدْ ... فَفِعْلُهُ كَيسٌ إذَا لَمْ تَعْتَمِدْ
وبَعْضُهَا عَنهُ النَّبِيِّ يَنْهَى ... فابْحَثْ عَنِ المَطْلُوبِ تَدْرِي الكُنْهَا
والاحْتِجَاجُ مُطْلَقًّا بالقَدَرِ ... مَعْ تَرْكِكَ الأَسْبَابِ رَأْسُ المُنْكَرِ
فَفِي الحَدِيثِ أحَرَصْ عَلَى مَا يَنْفُعُكُ ... وَاحْذَرْ تَقُلْ لَولاَ فَعَنْهَا يَمْنَعُكْ
قَالَ الرَّسُولُ لِلصَّحَابَةِ اعْمَلُوا ... فَكُلُّكُمْ يَلْقَى وَلا تَتَّكِلُوا
فَارْجِعْ إلَى رَدِّ التَّقِي الْهَادِي ... مَقَالَهُمْ تَجِدْهُ يُرْوِي الصَّادِي
سَرَّحْتُ طَرْفِي بُرْهَةً فِي غَرَرِهْ ... لَكِنَّ نَظْمِي قَاصِرٌ عَنْ أَكْثَرِهْ
стр. 594
فصل
والدِين هُوَ الإِسلامُ عِنْدَ اللهِ ... مَنْ يَتَّبِعْ سِوَاهُ فَهْوَ اللاَّهِي
فأسْلِمِ الوَجْهَ لِمَنْ أحَياكَا ... وَانقَدْ لَهُ تَلْقَ غَدًا مُنَاكَا
لا تَحْسَبِ الإِيمانَ فِعْلَ القَلْبِ ... مِن دُونِ أَعْمَالٍ نَشَتْ عَنْ حُبِّ
فَيُطْلَقُ الإِسلامُ في مَوَاضِعْ ... وَيُقْصَدُ العَمُوُمُ عِنْدَ السَّامِعْ
وَيُقْرَنَانِ مِثْلَ قَولِ (آمَنُوا ... وعَمِلُوا) والحُكْمُ فِيهِ بَايِنُ
هُمَا سَوَاءٌ عنْدَ أهْلِ الحِفْظِ ... والخُلْفُ مِن بَابِ النَزِاعِ اللَّفْظِي
وعِنْدَهُم إسْلاَمُكَ الحَقِيقِي ... مُرَادِفُ الإِيمَانِ بالتَّحِقِيقِ
إذْ جَزْؤُهُ الأَعمَالُ عِنْدَ السَّلَفِ ... خِلافُ قَولِ المُرْجِئِ المُنْحَرِفِ
وكَونُهُ جُزْءًا لَهُ إِذَا انْتَفَى ... يَنْتَفِي الإِيمانُ هَذَا في خَفَى
والسَّلَفُ المُاضُونَ عَنْهُ سَكَتُوا ... وإنَّمَا الأَخْلاَفُ عَنْهُ نَكَثُوا
وعِلْمُ مِثْلِي قَاصِرٌ عن جَزْمِي ... أَرْجُو إلهِي أَنْ يُقَوِّي فَهْمِي
فكَانَ إسْلاَمٌ مِن التَّسْلِيمِ ... بالظاهرِ اسْتَدْعَى إلى التَّقْسِيمِ
يَشْتَرِكُ النِّفَاقُ والإِيمَانُ ... فِي أصْلِهِ فَلَزِمَ البَيَانُ
أمَّا نِفَاقُ العَمَلِ المُخَفّفِ ... فإِنَّ إيمَانًا بِهِ لا يَنْتَفِي
قُلْ فَاسِقٌ بِفِعْلِهِ الكَبِيرَهْ ... وَمُؤْمِنٌ بِحُسْنِ بَعْضِ السْيَرَهْ
فَظَاهِرٌ الأَعْمَالِ قُلْ إسْلاَمُ ... خَوفَ اشْتَرِاكٍ قَالَهُ الأعْلاَمُ ...
لأنَ في حَدْيِثِ عَبْدِ القَيسِ ... مَعْنًى صَرِيحٍ عِنْدَ أَهْلِ الكَيْسِ
فَاعْتَبِرَنَّ الأَصْلَ إنْ قَرَنْتَا ... ظَهْرًا وَبَطْنًا مِثْلَ مَا عَلِمْتَا
ومَا أَتىَ «لا يَزِني وهْوَ مُؤْمِنُ» ... أَي كَامِلٌ لَمْ يَنْفِهِ المُؤْتَمنُ
يُوَضِّحُهْ «وإنْ زَنَى وإِنْ سَرَقْ» ... فاحْذَرْ تُضَاهِي فِي الضِّلالِ مَنْ مَرَق
وقالَ قَومٌ يَلْزَمُ التَّغَايُرُ ... قَالُوا لأَنَّ فِيهِ نَصٌ ظَاهِرُ
стр. 595
فَفِي صَحْيحِ مُسْلمٍ «أَوَ مُسْلِمُ»؟ ... كَرَّرَهَا النَّبِيُ عَلَّ نَفْهَمُ
(قالتِ الأَعْرابُ) ظنُوهَا لَهُمْ ... نَصَّا يُفِيدُ الفَرْقَ دَعْ إشْكَالَهُمْ
من أَجْلِ ذَا قَدْ قَالَ بالعُمُومِ ... وبالخُصُوصِ حَافِظُ العُلُومِ
نُدْوَةُ الزَّاكِي تَقِيُّ الدِينْ ... لِيجَمَعَ النُصُوصَ عَنْ يَقِينْ
مِثلُهُ الإِمامُ أيضًا أَحْمَدُ ... مَعَ البُخَارِي لاَحِظًا ما أقَصُدُ
كُلُّ مَن آمَن فَهْوَ المُسِلمُ ... مِن غَيرِ عَكْسٍ والإِلهُ أَعْلَمُ
فصل ...
في مَسألة الأسماءِ والصفاتِ واعتقادهَا عَلَى ما يَليق بِالله تَعَالَى ...
من غَير تأويلٍ يُفْضِي إلى تَعطِيل أو تَكييف يُفْضِي إلى تَمثِيل
وَفَوِّضِ الأمُورَ إخْلاَصًا إلَى ... مَنْ قَدْ تَعَالَى عَن سَمِيٍّ وَعَلا
عُلوَ قَدْرِ وَعُلوَّ الذَّاتِ ... سُبْحَانَ رَبِي كَامِلِ الصِّفَاتِ
مُنزَهٍ عَمًّا يَقُولُ الجَهْمِيُّ ... مُعَطِّلُ الأَوصَافِ عَبْدُ الوَهْمِ
مُكَابِرُ المَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ ... مُكَذِّبُ القُرْآنِ والرَّسُولِ
فَكُلُّ مَن أَوَّلَ فِي الصِّفَاتِ ... مِن غَيرِ مَا عِلْمٍ ولا إثْبَاتِ
فَقَدْ تَعَدّى إِذْ صِفَاتُ الكَامِلِ ... كَذَاتِهِ في النَّفْي لِلْمُمَاثِلِ
وكُلَّهُا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلاَ ... إنْ لَمْ تَصُنْهَا حَاذِرِ التَّبْدِيلاَ
أَسْمَعَهَا النَّبِيُ مِنَّا البَدَوِيَّ ... والحَضَرِيَّ المَدَنِيَّ والقَرَوِيَّ
ولم يَقُلْ إنَّ اعْتِقَادَ الظَّاهِرِ ... مِنْهَا ضَلاَلٌ فاطْلُبُوا مِن مَاهِرِ
قَدْ كَابَر المَولَى وقَالَ جَهْلاَ ... عُقُولُنَا بالاتِّبَاعِ أَولَى
أيَعْلَمُ العَلاَفُ والفَارَابِي ... صَوَابَهَا ويَجْهَلُ الصَّحَابِي
هَذَا مِن الطَّعْنِ عَلَى الرَّسُولِ ... أُوصِيكَ يَا سُنِيُّ بالمَنْقُولِ ...
стр. 596
أَمَا تَرى اخْتِلاَفَ أَهْلِ العَقْلِ ... فِيهِ وحُسْنَ مَا نَحَا ذُو النَقْلِ
كُنْ مُؤْمِنًا بِجْمْلَةِ الأَوصَافِ ... وَذَا الجَدَالِ احْذَرْهُ لا تُصَافِي
فَمَالِكٌ مِن دَارَةٍ قد أَخْرَجَا ... مُجَادِلاً يَبْغِي الأُمُورَ عِوَجَا
فادْرُجْ عَلَى مَا قَدْ نَحَاهُ السَّلَفُ ... فَغَيرُهُ واللهِ فِيهِ التَّلَفُ
مَا فِيهِ تَفْرِيطٌ ولا إفْرَاطُ ... كُنْ وَسَطًا يَا حَبَّذَا الأَوسَاطُ
والكَيفُ مَمْنُوعٌ، ذَرِ التَّمْثِيلاَ ... وحَاذِرِ الجُحُودَ والتَّعْطِيلاَ
ونَزِّهِ البَارِي عَنِ الحُلُولِ ... والاتِّحَادِ واقْضِ بالمَنْقُولِ
ولا تُطِعْ أَئِمَّةَ الضَّلاَلِ ... مِن جَاحِدٍ مُعَطِّلٍ أَو غَالِي
فَجَاحِدُ الصِّفَاتِ عَبْدُ العَدَمِ ... وسَالِكُ التّشْبِيهِ عَبْدُ الصَّنَمِ
فَصْل ...
في بَيَان أَنوَاع التَّوحيدِ الذي هُوَ حَقُّ اللهِ عَلَى العَبيد
وَحَقِّقِ التَّوحِيدَ إَخْلاَصًا ولاَ ... تَبْغِ عَن الدِّينِ القَوِيمِ مَعْدِلاَ
لأَنَّ فِيهِ وَقَعَ الخِصَامُ ... وشُرِعَ الجِهَادُ والإِمَامُ
يَقُولُ جَلَّ (ولقدْ بَعَثْنَا) ... فافْهَمْ خِطَابًا عَمَّ مَا اسْتَثْنَى
(إنِ اعْبُدْوا اللهَ) اتْركُوا الطَاغُوتَا ... مَا صَحَّ إخْلاَصٌ وهَذَا يُوتَى
قَدْ عَدَّه أهْلُ البَيَانِ شَرَْطًا ... لِصِّحةٍ فاسْلُكْ طَرِيقًا وَسْطَا
مَعْنَاهُ أَنْ تُحَقِّقُوا العِبَادَهْ ... وتُخْلِصُوا النِيَّاتِ والإِرادَهْ
في الخَوفِ والحُبِّ مَعَ الرَّجَاءِ ... والذَّبْحِ والنَّذْرِ مَعَ الدُعَاءِ
وتَسْتَعِينُوا تَسْتَغِِيثُوا تَخْضَعُوا ... تَوَكَّلُوا ثَم اسْتَعِيذُوا واخْشَعُوا
للهِ إذْ جَمِيعُهَا يُسَمَّى ... عِبَادَةً واللَّفْظُ مِنْهَا عَمَّا
فَصَرْفُه لِغَيرِهِ سُبْحَانَهْ ... شِرْكٌ بِهِ مُخَالفِ مَنْ دَانَهْ
стр. 597
قَدْ جَعَلَ الحُبَّ لَهُ والرَّغْبَهْ ... دُونَ الرّسُولِ فِي عِتَابِ العُصْبَهْ
وجَعَلَ الصَّلاةَ والأَنْسَاكَا ... لَهُ تَعَالَى حَاذِرِ الإِشْرَاكَا
(تَعَالَوا اتْلُ) لَفْظَ النَّكِرَهْ ... وآيَةً في الجِنّ غَيظَ الكَفَرَهْ
في سِيَاق النّفْي قَالُوا إنَّها ... تَعُمُّ فاعْرفَ لاَ حُرِمْتَ فَنَّهَا
وقَولُهُ ﴿ومَا خَلَقْتُ الجنَا﴾ ... قَدْ قَطَّعَتْ كُلّ الشُكُوكِ عَنَّا
لأَنَهَّا هِيَ الحِكْمَةُ الشَّرْعِيَّهْ ... لَهَا خُلِقْنَا حِكْمَةً مَرْعِيِّهْ ...
قَدْ رَضِيَهَا دِينًا لَنَا وَمِلَّهْ ... أَقَامَهَا بوَاضِحِ الأدِلَهْ
وَصَّى أُولِي العَزْمِ بِهَا العَزِيزُ ... إنَّ السَّعِيدَ مَنِ لِهَا يَحُوزُ
وحَقُّهُ سُبْحَانَهُ عَلَينَا ... تَوحِيدُهُ لَولاَهُ مَا اهْتَدِينَا
وحَقَّنَا عَلَيهِ بالإِخْلاصِ ... أَوجَبَهُ فَضْلاً بِلاَ قِيَاسِ
ومُحُكَمُ القُرْآنِ يَكْفِي المُنْصِفَا ... إذَا رَأىَ البُرْهَانَ فِيهِ اعْتَرَفَا
ومَا أَتَى في سُورَةِ الأحْقَافِ ... وفَاطِرٍ مَعْ سَبَأٍ قُلْ كَافِي
إنْ قَالَ فِي الأصْنَامِ ذَا فاسْأَلْهُ ... هلْ يَعْرِفُ القْرْآنَ كَي يَقْبَلَهُ
قُلْ فِي جِدَالِ ابْن الزَّبْعَري لِلنَّبِيّ ... فِي آيَةِ التَّعْمِيمٍ تنْبِيهُ الغَبِي
قدْ أَخْرَجَتْ مَا بَعْدَهَا مَنْ سَبقَتْ ... مِن رَبَّنَا الحُسْنَى لَهُمْ وفَرَّقَتْ
إنَّ قَرَيشًا وَافَقَتْ إذْ سَمِعَتْ ... تِلْكَ الغَرَانِيقَ العُلَى فَسَجَدَتْ
وقد نَهَانَا عَن دُعَاءِ الأنِبيَا ... في سُورَةِ الإِسْرَاءِ عَنْهُ نُبِّيَا
قَدْ خَصَّهُمْ بالذِّكْرِ والمَلاَئَكَهْ ... مَعْ قُرْبِهِم لِتبْطُلَ المُشَارَكَهْ
ويَقْتَضِي إنَّ الذَيِنَ دُونَهُمْ ... أَولَى ولَكِنْ حَكَّمُوا ظُنُونَهُمْ
قَدْ عَارِضُوا هَذَا بِتَلْفِيقٍ الشُّبَهْ ... وغَيَّرُوا الأسْمَاءَ مِن قبح الشَّبَهْ
ولَقَّبُوا أهلَ الهَدَى ألْقَابَا ... شَنِيعَةً فالمَوعِدُ الحِسَابَا
وَطَعنُوا في دِينٍ مَن دَعَاهُمْ ... أَنْ يُخْلِصُوا لِرَبِّهِمْ دُعَاهُمْ
سَمَّوهُمُوا خَوَارِجًا قَدْ كَفَرُوا ... مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ نَحْوَهُمْ بَلْ حَجَرُوا
стр. 598
وَخَالَفُوا المَذَاهِبَ المَشْهُورَهْ ... ويُنْكِرُوا الزِيَارَةَ المَأْثُورَهْ
وزَعَمُوا بأنَّه مَن أَعْصُرِ ... والناسُ قَدْ عَادُوا لِسُبْلِ المُنْكِرِ
وأنَّهُ بِمُطْلَقِ التَّوَسُّلِ ... بالصَّالِحِينَ أُحْكِمَ بِتَكْفِيرٍ جَلِي
حَاشَاهُمُوا مِن هَذِه الأَقْوَالِ ... صُدُورُهَا لا شَكَّ مِن جُهَّالِ
وقَتَلُوا جَمْعًا كَثِيرًا عُلّمًا ... مِن بَلْدَةِ الأحْسَا وأَهْرَقُوا الدِّمَا
نَعَمْ ولَكِن يقَتضِيهِ الشَّرْعُ ... بِقَتْلِهِمْ مَنْ لِلْفَلاحِ يَدْعُو
وكُلُهُمْ قُرِّاءُ في المَسَاجِدِ ... مِن أَهْلِ نَجْدٍ مَا لِقَولِي جَاحِد
قَدْ عَدَّهمُ حُسَينُ في تَارِيخِهِ ... فادْمَغْ بِهِ الكَذَابَ في يَا فُوخِهِ
وإنَّهُ قَدْ قُتِلَ المُصَلِّي ... عَلَى النَّبِي بأَشْرَفِ المَحَلِ
ويَنْهَبُ الأمْوَالَ والأوقَافَا ... يُبْطِلُهَا ويَدَّعِي الإِنْصَافَا ...
وَيَدّعِي بأنَّه يُجَاهِدْ ... مَعْ هَدْمِهِ الِربَاطَ والمَسَاجِدْ
وإنَهُ يقُولُ إنَّمَا النَّبِي ... كَرِمَّةٍ في القَبْرِ تَحْتَ النُّصُبِ
سَوطِي بِه نَفْعٌ ولَيسَ فِيهِ ... نَفْعٌ لَهُمْ وخَابَ مَنْ يَأْتِيهِ
وإنَّهُمِ قَدْ كشَفُوا الحَجابَا ... عَنْ قَبْره وقَلَّعُوا الأخْشَابَا
وأسْقَطوا مِن بَغْيِهِمْ لِحُرْمَتِهْ ... وكَفَّرُوا مِن غَيِّهِمْ لأمّتِهْ
قَدْ عَمَّمُوا بالكُفْرِ مَنْ سِوَاهُمْ ... أقُولُ حَاشَاهُمْ إذَا حَاشَاهُمْ
عنِ ضِدِّهِمْ نَقَلْتُمُوا مَا قُلْتُمُ ... جَهِلْتُمُوا بَدَّعْتُمُوَا ضَلَّلْتُمُوا
لأَنَّكُمْ واللهِ قَومٌ بُهْتُ ... مِثْلَ اليَهُودِ أَبَدًا شَابَهُتُمْوا
جَوَابُنَا يَا فِرْقَةَ الطُغْيَانِ ... سُبْحَانَكَ اللَّهُمْ مِن بُهْتَانِ
أقُولُ وامْقُتْ يَا إِلهِي مِنَّا ... مَنْ أبْغَضَ الهَادِي ومَا قَدَّ سَنَّا
سَلَّمْتُ أنَّ فِي البِلادِ الشَّاسِعَهْ ... مَن قَاتَلوُا مِن غَيرِ مَا مُرَاجَعَهْ
واخْطَئُوا فِي نَادِرِ الوَقَائِعْ ... ما القَدْحُ فِينَا والمَلاَمُ رَاجِعْ
стр. 599
ما قَدَح الخَطا مِن أسَامَه ... وخالدٍ في المُصْطفى مَنْ لامهْ
ولَيسَ مِن شَرْطِ الدُعَاةِ العِصْمَهْ ... إذَا صَفَى إخْلاَصُهُمْ مِن وَصْمَهْ
قَدْ قَالَ أصْحَابُ النَبِيِّ اجْعَلْ لَنَا ... الأَنْوَاطَ حَقًِ قَومِ مُوسَى خَلِّنَا
مِنَ طْعن ذِي طَعْنٍ فإنَّ الحَقَّا ... كالشمسِ فانْصُرْ مَا تَراهُ الصّدْقَا
ولم تُكَفَّر غَيرُ قومٍ جَعلُوا ... وَسَائِطًا يَدْعونَهُمْ وسَألُوا
الأمواتَ والغُيَّابَ مَا لا يَقْدِرُ ... عَلِيهِ إِلاَّ اللهُ وَهُوَ الأكْبَرُ
وشَرْطُهُ يا ذَا قِيَامُ الحُجَّهْ ... وعنْدَنَا في ذَاكَ أقْوَى حُجَّهْ
رُكْنٌ الصَّلاةِ عِنْدَنَا صَلاتُنَا ... عَلَى الرسُولِ ما سَخَا عِدَاتُنَا
هُوَ عِنْدَنَا أَحَبُّ مِن نُفُوسِنَا ... لِشَرْعِهِ تَقْدَيمُنَا تَقْدِيسُنَا
فصل ...
في الزيَّارَة الشَّرعية
وعِنْدَهُ التَّفْصِيلُ في الزَّيَارَهْ ... فاعْرِفْهُ بالتَّصْرِيحِ لا الإِشَارَهْ
مَن قَالَ زُورُوا قَالَ لا تَشُدُّوا ... رَحلاً إلى غَيرِ الذي أَعُدُّ
كِلاَهُمَا قَدْ قَالَهُ الشَّفِيعُ ... فاَنْكِرُوا النَّصَينِ أَو أَطِيعُوا
نَدِينُ مَولاَنَا بإتيَانِ النَّبِي ... إتْيَانَ تَسْلِيمِ وَهَذا مَذْهَبِي ...
لاَ كَالذي يَزُورُهُ اسْتِمْدَادَا ... مَعْ لَعْنِهِ مَنْ جَعَلَ الأَعْيَادَا
ولَعْنِهِ مَنْ جَعَلَ القُبُورَا ... مَسَاجِدًا فاجْتَنِبْ المَحْظُورَا
فصل ...
في بيان الشفاعة المثبتة والمنفية
شَفَاعَةٌ مِن قَبْلِ يَومِ المَوقِفِ ... أَو دُونَ إذْنِ اللهِ هَذَا مُنْتَفِي
أَوِ لَّلذِي لا يَرْتَضِيهِ المَولَى ... قَدْ أَبْطَلَتْهُ واضِحَاتٌ تُتْلَى
стр. 600
وعِندَهُ لا تَطْلَبُ الشَّفَاعَهْ ... مِن غَيرِ مَولاَنَا بِشَرْطِ الطَّاعَهْ
لأَنَّهَا مَوعُودَةُ فِي المَوقِفِ ... لِمُخَلِصٍ لا مُشْرِكٍ مُنْحَرفِ
قُلْ يَا إِلهِ الحِقَّ شَفّعْ عَبْدَكَا ... مُحَمدًا فِينَا وحَقّقْ وَعْدكَا
وعَافِنَا مِنْ فِتْنَةِ الإِشْرَاكِ ... لأَنَّها حِبَالَةُ الأشْرَاكِ
فصل في تغييرهم اسم الشرك الأكبر ...
وتسميته توسُّلاً توصلاً إلى الضلال وتعميةً عَلَى الجهَّال
قَدْ فَتَحُوا لِلشّرْكِ بَابًا وَاسَعَا ... بِشُبَهٍ وأَبْطَلُوا الشَّرَائِعَا
قَالَ لَهُمْ جُهَّالُهُمْ لاَ تَسْجُدُوا ... وَكُلُّ شَيءٍ فافْعَلُوهُ تَرْشُدُوا
نادُوا الدَّفِينَ عَاكِفِينَ رُكَّعَا ... قُولُوا النِدَاء هَذَا ولَيسَ بالدُّعَا
أَقُولُ فالخُضُوعُ والخَشُوعُ ... لُبَّ السُّجُودِ إنَّهْ المَمْنُوعُ
وقَدْ نَهَى أَنْ يَسْتَغِيثَ أَحَدُ ... بِأَحَدٍ أَو يَسْتَعِيذَ أَحْمَدُ
نَهَاهُمُوا عن فِعْلِ شَيءِ يَقْدِرُ ... عَلَيهِ سَدًّا لِلَّذِي هُو أَكْبَرُ
لِمَ تَعْرِفُوا مَقَاصِدَ الشَّرِيعَهْ ... فَجِئْتُمُوا بِبَدَعٍ فَظِيعَهْ
شَبَّهْتُمُوا عَلَى الطَّغَامِ والبقَرْ ... بأنَّ إجْمَاعًا عَلَى هذا اسْتَقَرْ
ولَمْ يُخَالِفْ غَيرُ أَهْلِ العَارِضْ ... بِلاَ دَلِيلٍ عِنْدَهُمْ يُعَارِضْ
مَعْ أَنَّ أصْحَابَ الإِمامِ أحْمَدُ ... قَدْ أطْلَقُوا عِبَارَةً لا تُجْحَدُ
دلِيلُهم تَوَسُّلُ الصّحَابَهْ ... أقُولُ أَبْعَدْتُمْ عَنِ الإَصَابَهْ
مِن جَهْلِكُمْ لَمْ تَفْهَمُوا المَقْصُودَا ... أَحْدَثْتمُوا مَا لَمْ يُكُنْ مَعْهُودَا
في السّلَفِ المَاضِينَ أهْلُ العِلْمِ ... الخُائِضِينِ فِي بِحَارِ الفَهْمِ
بِفِعْلِهِ المَخَّصوصِ مَن ذَا يُنْكِرُهْ ... في الزَّمَنِ المَخْصُوصِ أَو مَن يَحْضُرُهْ ...
لاَ بَأْسَ يَسْتَسْقِي بأهْلِ الدِينِ ... في مُمْحِلاتِ القَحْطِ والسِّنِينِ
فَيَخْرُجُ الصَلاَحُ لِلْمُصَلَّى ... فَيَرْفَعُونَ الأيدِي نَحْوَ الأعَلَى
следующие страницы →