Полный текст (1 178 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
غُربَةُ الإسلام
على الدِّينِ فلْيبْكِي ذوُو العِلم والهُدى ... فقدْ طَمَسَتْ أَعلامُهُ في العَوالِمِ
وقَدْ صَارَ إقبالُ الوَرى وَاحتيالُهم ... عَلَى هذه الدُّنيا وجمعِ الدراهمِ
وإصْلاَحِ دُنياهُم بإفسادِ دِينِهم ... وتحصيلِ ملذُوذَاتِها والمطاعمِ
يُعادُون فيهَا بل يُوالُون أَهلهَا ... سَواءً لَديهم ذُو التُّقى والجَرَائمِ
إِذْ انْتَقَصَ الإنسانُ مِنها بما عَسَى ... يكونُ لهُ ذُخْرًا أتى بِالعَظَائمِ
وأبْدى أعَاجِيبًا مِن الحزنِ والأسى ... على قِلَّةِ الأَنصارِ منْ كلِّ حازمِ
وناحَ عَليْهَا آسفًا مُتَظَلِّمًا ... وبَاحَ بما في صدْرهِ غَيْرَ كاتمِ
فأمَّا على الدِّينِ الحنيفِي والهُدى ... ومِلَّةِ إبراهيم ذاتِ الدِّعائمِ
فَلَيْسَ عَلَيْهَا والذِي فَلَقَ النَّوى ... مِنَ الناسِ مَن بَاكٍ وآسٍ ونَادمِ
وقَدْ دُرسَتْ منها المعالمُِ بلْ عَفَتْ ... ولَمْ يَبْقَ إلا الاسمُ بينَ العَوالمِ
فلا آمرٌ بالعُرفِ يُعرفُ بيْنَنَا ... ولا زَاجِرٌ عن مُعْضِلاتِ الجَرائمِ
ومِلَّةُ إبراهيمَ غُودِرَ نَهجُها ... عَفَاءً فأضْحَتْ طامِساتِ المَعَالمِ
وقَدْ عُدِمَتْ فِينا وكَيْفَ وقَدْ سَفَتْ ... عَلَيْهَا السوافي في جمِيع الأقَالمِ
وما الدِّينُ إلا الحُبُّ والبُغْضُ والوَلاَ ... كَذَاكَ البَرء مِنْ كلِّ غاوٍ وآثِمِ
ولَيْسَ لَهَا مِن سَالِكِ مُتمسِّكِ ... بِدِينِ النبيّ الأَبطحيِّ ابنِ هاشِمِ
فَلَسنَا نَرَى مَا حَلَّ بالدينِ وانْمحَتْ ... به المِلَّةُ السمحاءُ إحدى القواصمِ
فنأسَى على التقصيرِ مِنَّا ونَلْتَجِي ... إلَى اللهِ في مَحْوِ الذنوبِ العظائمِ
فَنَشْكُو إلى اللهِ القُلُوبَ التي قَسَتْ ... ورَانَ عَلَيْهَا كَسْبُ تِلكَ المَآثِمِ
أَلسْنَا إذا مَا جَاءنَا مُتَضَمِّخٌ ... بأَوضارِ أهلِ الشركِ من كلِّ ظالمِ
نَهشُّ إليهم بالتحيَّةِ والثَّنَا ... ونُهْرعُ في إِكْرَامِهم بالوَلاَئِمِ
وقَدْ بَرءَ المَعْصُومُ مِنْ كلِّ مُسلمٍ ... يُقيمُ بِدارِ الكفرِ غَيرَ مُصَارمِ
стр. 702
ولكنَّما العَقْلُ المَعيْشِيُّ عِنْدنَا ... مَسَالمَةُ العَاصِين مِنْ كُلِّ آثِمِ
فيا مِحْنةَ الإسلامِ مِنْ كلِّ جَاهلٍ ... ويَا قِلَّةَ الأَنَصارِ مِن كُلِّ عَالمِ
وهذَا أَوانُ الصَبْرِ إنْ كُنْتَ حَازِمًا ... عَلَى الدِّينِ فاصْبِرْ صَبْرَ أهْلِ العَزَائِمِ
فَمَنْ يَتَمَسَّكْ بالحَنِيْفِيَّةِ التِي ... أَتَتْنَا عَن المعصومِ صَفْوةَ آدمِ ...
لَهُ أجْرٌ خَمْسِينَ امرءًا مِنْ ذَوِي الهُدى ... مِنْ الصَّحبِ أصْحَابِ النَّبيِّ الأَكارِمِ
فَنُحْ وابْكِ واسْتَنْصِرْ بَربِّكَ رَاغِبًا ... إليهِ فإنُّ اللهَ أَرْحَمُ رَاحِمِ
لِيَنْصُرَ هَذا الدِّينَ مِنْ بَعْدِ مَا عَفَتْ ... مَعَالِمُهُ في الأرضِ بَيْنَ العَوَالِمِ
وصلِّ على المعصومِ والآلِ كلِّهُم ... وَأصحابِهِ أهْلِ التُقى والمَكَارِمِ
بِعَدِّ وَمِيْضِ البَرْقِ والرَّمْلِ والحَصَى ... وما انْهَلَّ وَدْقٌ مِنْ خِلالِ الغَمَائِمِ
* * *
آخر:
وَاللهُ حرَّم مُكْثَ مَنْ هو مُسْلمٌ ... في كلِّ أَرضِ حَلَّهَا الكُفَّارُ
ولهُمْ بِهَا حُكْمُ الوِلاَيةِ قاهِرٌ ... فارْبَأْ بِنفسكَ فالمقَامُ شَنَارُ
وانْظُرْ حَديثًا في البَراءَةِ قَدْ أَتَى ... نَقلُ الثُّقَاتِ رُواتُه الأَخْيَارُ
فيه البَراءَةُ بالصَّراحةِ قَدْ أَتَتْ ... مِن مُسلمٍ وكَذلكَ الآثارُ
قَدْ صَرَّحت فِيمَنْ أَقَامَ بِبَلْدَةٍ ... مُسْتوطِنًا وَوُلاتُهَا الكُفَّارُ
والمرءُ لَيْسَ بِمظهرٍ للدِّين بَلْ ... لِلْمُكثِ في أَوطَانِه يَخْتَارُ
إلا الَّذي هُوَ عَاجِزٌ مُستضعَفٌ ... فالنَّصُّ جَاءَ بِعُذرِه لا العَارُ
والحبُّ والبُغضُ الَّذي هو دينُنا ... وَعداوةٌ في اللهِ وهْيَ عِيَارُ
وكَذا الموَالاةُ الَّتِي لِجَلالِه ... إِنْ أَمْعنَتْ في ذلِكَ الأَنْظَارُ
أَمرٌ محالٌ في ولايةِ مَنْ طَغَى ... لَوْ كَانَ حَقًّا ما دَهَاكَ قَرارُ
أوْ مَا سَمعْتَ بِقيلهِم لنبيِّهم ... والمُؤمنينَ أُوْلَئِكَ الفُجَّارُ
فانْظُرْ إلى الأعْرَافِ إذْ قالُوا لهُ ... أَعْنِي شُعَيْبًا قومُهُ الأَشْرَارُ
стр. 703
وانْظُرْ إلى ما قال في الكَهفِ الَّذي ... فِيْهِ البيَانُ لِمَنْ لَهُ إِبْصَارُ
أو مَا تَرَى أنَّ القُلُوبَ إذَا امْتَلَتْ ... حُبًّا وإيمَانًا لَهَا أَنْوَارُ
وَلَهَا بِذلِكَ غَيرةٌ فَتَغَارُ مِنْ ... رُؤيا المَعَاصِي والسَّعِيدُ يَغَارُ
واحْذَرْ مَقَالَةَ جاهِلٍ إذْ غَرَّه ... مِنْ جَهْلِهِ الإِعْرَاضُ والغَرَّارُ
إذ قال نُظهرُ دِيننَا جهلاً ولَمْ ... يَدْرِ الفَتَى المسكينُ مَا الإِظهارُ
فاسْمَع إذن إظهَارَه عن ظَاهرِ الـ ... ـقرآنِ بَلْ جَاءَتْ بِهِ الآثَارُ
إظهَارُ هذا الدِّينِ تصريحٌ لهم ... بالكفرِ إذ هُمْ مَعْشَرٌ كُفَّارُ
وعَداوةٌ تَبْدُو وَبُغْضٌ ظَاهِرٌ ... يا للعقولِ أَمَا لَكُم أَشْعَارُ ...
هَذا ولَيْسَ القلبُ كَافٍ بُغْضُه ... والحُبُّ مِنه ومَا هُو المِعْيارُ
لكنَّما المعيارُ أنْ تَأْتِي بِهِ ... جَهْرًا وتصريحًا لهم إذ جَارُوا
فاسأَل إلهكَ رَاغبًا مُتَضَرِّعًا ... أنْ لا يُضلَّكَ بالهوَى الغَرَّارُ
واسأَلهُ في غَسقِ اللَّيالِي والدُّجَى ... أَنْ لا يَصُدَّكَ عَنْ هُدَاكَ شَرَارُ
وعَلَى النَّبيِّ وصحبِه والآلِ مَا ... هبَّ النسيمُ ومَاضَتِ الأَنْوارُ
أَزكى الصَّلاةِ مع السَّلامِ هَدِيَّةً ... مَا انْهَلَّ مِنْ مُغْدَودِقِ أمْطَارُ
آخر:
هو اللهُ معبودُ العبادِ فعَامِلِ ... فَلَيْسَ سِوَى الموْلَى لِرَاجٍ وآمِلِ
أَلَيْسَ الذي يَرضىَ إذا مَا سأَلتَهُ ... وَيغْضَبُ مِنْ تَرْكِ السُّؤالِ لِسائِلِ
وللهِ آلاءٌ عَليْنَا عَدِيدةٌ ... وأَلْطَافهُ تَتْرى بكُلِّ الفَواضِلِ
فَكَمْ ظُلَمٍ جَلَى وكَمْ فِتَنٍ وَقَى ... وكَمْ فادحٍ مِنْ مُعْضِلاتِ النَّوازِلِ
أَزَاحَ حَنَادِيسًا سَجَتْ بِدُجَائِهِ ... يَعَالِيلَ كُفرٍ قَدْ غَشَّتْ بِالعَوَاضِلِ
كَعَارِضِ بُؤسٍ مُكْفَهِرٍّ عِنَانُهُ ... لَهُ زَجَلٌ بالموجِفَاتِ القَلاقِلِ
طَمَى وَطفَا فالجوُّ بالجَوْرِ أَكْلَفٌ ... وأَرْجَاؤُهُ مُغْبَرَّةٌ بالزَّلازِلِ
стр. 704
بَطَاغِيةِ الأٌّتراكِ مَنْ تركُوا الهُدى ... وهَدُّوا مِن الإِسلامِ شُمَّ المعاقلِ
وَزلْزلةُ الإِحساءِ منهُم مَهَابَةً ... وفَرَّ البَوادِي واعْتَلى كلُّ واعلِ
وَرحَّبَ أَقوامٌ بهم وتَأَلَّبُوا ... وحَضُّوْا على حِزْبِ الهُدى كلَّ جاهِلِ
وساءتْ ظُنُونٌ مِنْ أُناسِ كَثِيْرةٍ ... وقَدْ أَزعَجَتْهُم مُوْجِفاتُ البلابِلِ
وقَدْ أَظَهَرُوا لِلْكُفْرِ والفِسقِ والخَنَا ... ولِلْحُكْمِ بالقَانُونِ أَبْطَلَ باطِلِ
ولِلْمَكْرِ والمَكْرُوْهِ والفُحشِ جَهْرةً ... ومَا اللهُ عَمَّا يَعْمَلُونَ بِغَافِلِ
وَجَاءُوا مِنَ الفَحْشَاءِ مَا لاَ يعدُه ... ويُحْصِهِ إلاَّ اللهُ أَحْكَمُ عادِلِ
يُزِيلُ الرَّواسِيَ مَكْرُهم وخِداعُهم ... يُشيبُ النواصِيَ إذْ أَتى بالهَوائِلِ
لِذَلِكَ زَلَّتْ بِابنِ حِمْدَانَ رجْلُه ... إلى هُوةِ الأَهوى وأَسفَلِ سَافِلِ
فتَعسًا لَهُ مِنْ جَاهلٍ ذِي غبَاوَةٍ ... وتَبًا لَهُ مِن زَائِغٍ ذِي دَغَائِلِ
لَقَدْ زَاغَ عَنْ نَهجِ الشريعةِ وارْتَضى ... وِلايةَ أَحَبابِ الضَلالِ الأَراذلِ
وظَنَّ سَفاهًا ظَنَّ سُوءٍ بِرَّبهِ ... ولَيْسَ لَعَمْرِي لِلْمعَالِ بآهِلِ
كَمَا ظَنَّ غَوْغَاءُ الكُويتِ سَفَاهَةً ... سُمُوًّا وعِزًا بالطُغاتِ الأَسافِلِ ...
وأَوبَاشِ حَمْقَاءِ الحَسَاءِ ذَوُوْ الغَبَا ... وأَشياعُهم مِنْ كلِّ غَاوٍ وجَاهِلِ
أَمَا علمُوا أَنَّ الإِله لِدِينِهِ ... يَغارُ ويُخْزِي كُلَّ باغٍ مُخَاتلِ
ويُعلِي ذَوِي الإِسلامِ والدِّينِ والهُدى ... ولكنَّ أَهلَ الرَّيبِ مِنْ كلِّ واغِلِ
بُغاثٌ إذا أَبْصَرْنَ بَازًا وإنْ خَلَى ... لَهَا الجوُّ صَالتْ كالبَوازِي البَواسِلِ
وإن جَنَّ دَيْجُورُ الضلالةِ أبْصَرَتْ ... وَجالتْ بليلٍ حَالِكِ اللونِ حائِلِ
وإنْ طَلعتْ شمسٌ مِن الدِّينِ والهُدى ... تَجَحَّرْنَ واسْتَوْحَشْنَ مِنْ كلِّ صائِلِ
لئن كَانَ أَعداءُ الشريعةِ قَدْ طَغَوا ... وضاقَ بأَهلِ الدِّينِ رَحْبُ المنازلِ
وقَدْ أقبلُوا والأرضُ ترجفُ منهمُو ... لَقَدْ أَدبُروا كالمعصراتِ الجوافلِ
يَسوقهمُوا ريحٌ مِن الرعبِ عاصفٌ ... وبَرْقُ صِفاحِ المرهفات الصواقلِ
стр. 705
وزَجْلُ رُعُودِ المارتين وقَدْ هَمتْ ... بِوَبْلٍ لأَعداءِ الشَّريعةِ قاتِلِ
وضَربٍ يُزِيلُ الهامَ عنْ مَكنَاتِه ... وقَدْ أُسْعِرَتْ نَارُ الوغى بالجحافِلِ
بأَيدِي رجال لا تَطِيشُ عُقُولُهم ... ولا يَعْتَرِيْهَا خِفْةٌ لِلْزَّلازِلِ
إذا عَظُمَ الهُولُ استعدُوا لدفعهِ ... بحزمٍ وصَبرٍ وانتضُوا للنَوَازلِ
صوارمَ عزمٍ لَيْسَ يفللُ حدّها ... وإن جَلَّ بغيٌ مِنْ عدوٍّ مزائِلِ
لعمْري لَقَدْ أَولاكَ مولاكَ رِفعةً ... وذِكرًا جميلاً مَا لَه مِنْ مُماثلِ
وفَخرًا أَطيدًا بالثَّنَا متأَلِّقٌ ... يَقصُرُ عن إدراكهِ كلُّ فاضلِ
فَإن رُمتَ أَن تحيا عزيزًا مؤيدًا ... وتصبحُ في ثوبٍ مِنَ المجدِ رافلِ
فاعدِدْ لأَعداءِ الشريعة فَيلقًا ... مِنَ الحزمِ مَقرونًا بعزمٍ وَنائلِ
ولا تأَمنَنْ مَنْ خوَّن اللهُ إنهُم ... ذَوُوْ المكرِ فاحْذَرهُم وكُنْ غيرَ خامِل
لَقَدْ ضلَّ سعيٌ مِنْ أخي ثقةٍ بِهم ... وخَابَ وأَضحَى عادِمًا لِلْفَضَائِلِ
وفازَ فَتىً فاجَأهمُو بحُسامِه ... وجَاهدهُم للهِ لا لِلْمآكلِ
ولا لِلعُلى في الأَرض والملكِ إذ هُما ... عنْ الآجلِ الأَعلَى عُجالُةُ جاهلِ
فعاملْهُ بالتقوى لِتَقْوى على العِدَى ... وتَنْجُو في يومٍ عَصِيْبٍ وهَائِلِ
فَثِقْ واعْتَصِمْ باللهِ ذِي العرشِ واسْتَقِمْ ... أَلَيْسَ هُو المَوْلى لِرَاجٍ وآمِلِ
وأزكى صلاةٍ يُبْهِرُ البدرَ حسنُها ... على السيِّدِ المعصومِ سَامي الفضائِلِ
وأَصحابِه والآلِ مَا قَالَ قَائلٌ ... هُو اللهُ معبودُ العبَادِ فعَاملِ
اللهُمَّ مَكِّنْ حُبَّك في قُلوبِنا وأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وشُكْرَكَ ووفّقْنا لامْتِثَالِ طَاعَتِكَ وأمْرِكَ واغْفِرْ لَنَا ولِوالِديْنَا ولجَمِيع المُسْلِمينَ بِرَحْمتِك يَا أرْحمَ الرّاحِمِين وصلِّ الله على مُحَمّد وآلهِ وصحْبِهِ أجمْعِين.
* * *
стр. 706
تأمل هذه القصيدة بدقة لِتَنْظر كيفَ يفعل المجرمُون بالمسلمين في السٌّجُون نسأل الله العافية:
ثارَ القَرِيضُ بِخَاطرِي فَدعُونِي ... أَفْضِي لكُم بِفجَائِعِي وشَجُونِي
فالشِعْرُ دَمْعِي حِيْنِ يَعَصِرُني الأسَى ... والشعرُ عُودي يومَ عَزْفِ لُحُونِي
كم قال صَحْبِي أَيْنَ غُرُّ قَصَائِدٍ ... تُشْجِي القُلوبَ بلِّحنهَا المَحْزُوْنِ؟
وتُخَلِّدُ الذِكْرَى الألِيْمَةَ لِلْوَرَى ... تُتْلى عَلىَ الأجْيَالِ بَعْدَ قُرُونِ
ما حِيْلتِي والشِعْرُ فَيْضُ خَواطِرِي ... مَا دُمْتُ أَبْغِيْهِ ولا يَبْغِيْنِي؟!
واليَومَ عَاودنِي المَلاكُ فَهَزَّنِي ... طَرَبًا إلىَ الإِنْشَادِ والتَّلحِيْنِ
أُلهِمْتُهَا عَصْمَاءَ تَنْبُعُ مِن دَمِي ... ويَمُدُّهَا قَلْبِي ومَاءُ عُيُونِي
نُونِيَةٌ والنُونُ تَحْلُو فِي فَمِيَ ... أبَدًا فكِدْتُ يٌثَالُ لِي «ذُو النُونِ»
صَوَّرْتُ فِيْهَا مَا اسْتَطَعْتُ بِرْيشتي ... وتركْتُ للأيَّامِ مَا يُعْيِيْنِي
ما هِمْتُ فِيها بالخَيَالِ فَإنَّ لِي ... بِغَرَائِبِ الأَحْدَاثِ ولا قَانُونِ
أنْسَتْ مَظَالِمُهُمْ مَظالِمَ مَن خَلُوْا ... حَتَّى تَرَحَّمْنَا عَلَى «نِيْرُوْنِ»!
* * *
يا سَائِلي عن قِصِّتِي، اسْمَعْ إنَّها ... قَصَصٌ مِن الأهْوَالَ ذَاتُ شُجُونِ
أمَسِكْ بِقَلْبِكَ أنْ يَطِير مُفزَّعًا ... وتَوَلَّ عن دُنْيَاكَ حَتَّى حِينِ
فالْهَولُ عَاتٍ والحقائِقُ مُرَّةٌ ... تَسْمُو عَلىَ التَّصْوِيرِ والتَّبِيينِ
والخَطْبُ لَيسَ بخطْبِ مِصْرٍ وَحْدَهَا ... بَلْ خَطْبُ هذا الْمَشْرِقِ المِسْكَينِ
في لَيلةٍ لَيلاء مِن نِوفَمْبرٍ ... فُزِّعْتُ من نَومِي لِصُوتِ رَنِينِ
فإذا «كِلابُ الصَّيدِ» تَهْجِمُ بَغْتَةً ... وتَحُوطنِي عَن شَمْأَلٍ ويَمِينِ
فَتَخَطّفُونِي مِن ذَوِيِّ وأقْبَلُوا ... فَرَحًا بصَيدٍ لِلطَّغاةً سَمَينِ
وعُزْلتُ عن بَصَرِ الحَيَاةِ وَسَمْعِهَا ... وقُذِفْتُ في قَفَص العَذابِ الهُونِ
في سَاحةِ «الحَرْبيِّ» حَسْبك باسْمَهِ ... مِن بَاعِثٍ لِلرَّعْبِ قَدْ طَرحوني
ما كِدْتُ أدخُلُ بَابَهُ حَتَى رأَتْ ... ... عَينَايَ مَا لَم تَحْسَبْهُ ظُنُونِي
في كُلِّ شِبْرٍ لِلْعَذابِ مَنَاظِرٌ ... يَنْدَى لَهَا - واللهِ - كُلُّ جَبِينِ
فتِرَى العَسَاكِرَ والكِلاَبَ مُعَدَّةً ... لِلنَّهْشِ طِوعَ القَائِدِ المَفْتُونِ ...
هَذِيِ تَعَضُّ بِنَابِهَا وزَمِيلُهَا ... يَعْدُو عَلَيكَ بِسَوطِهِ المَسْنُونِ
ومَضَتْ عَليَّ دَقائِقٌ وكَأنَّهَا ... مِمَّا لَقِيتُ بِهَنَّ بِضْعُ سِنِينِ
стр. 707
يا ليَتَ شِعْرِي مَا دَهَانِي وما جَرَى؟ ... مَا زِلْتُ حِيًّا أمْ لقِيتُ مَنَونِي؟
عَجَبًا!! أسِجْنٌ ذَاكَ أمْ هُوَ غَابَةُ؟ ... بَرَزَتْ كَوَاسِرُهَا جِيَاعَ بُطُونِ؟
أَأَرَى أَمْ أَرَى شِقَّي رَحَى ... جَبَّارةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ طَحُونِ؟
وَاهًا!! أَفِي حُلْمٍ أَنَا أَمْ يَقْظَةٍ ... أَمْ تِلْكَ دَارُ خَيَالَةٍ وفُتُونِ؟!
لاَ .. لاَ أَشُكُ .. هِيَ الحَقِيقةُ حَيَّةٌ ... أأَشُكُ فِي ذَاتِي وَعَينِ يَقِينِي؟!
هَذِيُ مِقَدِّمَةُ الكِتَابِ فَكَيفَ مَا ... تَحْوي الفُصُولُ السُودُ مِن مَضْمُون؟!
هَذا هُوَ «الحَرْبيُّ» مَعْقِلُ ثَورةٍ ... تَدْعُو إلى التَّحْرِيرِ والتَّكْوِينَ؟!
فِيهِ زَبَانِيةٌ أُعِدُّوَا لِلأْذَى ..... ... وتَخَصَّصُوا في فَنِّهِ المَلْعُونِ
مُتَبلِّدُونَ ... عُقُولُهُم بأُكُفِّهِمْ ... وأكُفُّهُمْ لِلشَّرِّ ذَاتُ حَنِينِ
لا فَرْقَ بَينهُمُو وبَينَ سِيَاطِهِمْ ... كُلٌ أَدَاةٌ فِي يَدَيْ مَأفُونِ!
يَتَلَقَفُونَ القَادِمينَ كَأَنَّهُمْ ... عَثَرُوا على كَنْزِ لَدَيكَ ثِمَينِ
بالرِّجْل .. بالكَربَاج ... بَاليدِ .. بالعَصَا ... وبِكُل أُسْلُوبٍ خَسِيسِ دُومِ .......
لا يَعْبئُونَ بَصَالِحٍ ولَوِ أَنَّهُ ... في زُهْدِ عِيسَى أَو تُقَى هَارُونِ
لا يَرْحَمُونَ الشَّيخَ وهو مُحَطِّمٌ ... والظّهْرُ مِنْهُ تَراهُ كَالعُرْجُونِ
لا يُشْفقُونَ عَلىَ المَرِيضِ وَطالَمَا ... زَادُوا أذاهُ بِقَسْوَة وجُنُونِ
تَاللهِ أَينَ الآدَمِيَّةُ مِنْهُمُو؟ ... مِنْ مِثْلِ مَحْمُودِ ومِن يَاسِينِ؟
مِن جودةٍ أو مِن ديابٍ ومصطفى ... وحمَادةٍ وعَطِيةٍ وأمِينِ
لا تَحْسَبوهُمْ مُسْلِمِينَ مِن اسْمِهمْ ... لاَ دِينَ فِيهمْ غَيرَ سَبِّ الدِينٍ
جَلادُ ثورتِهمْ وسَوطُ عذابهم ... سَمُّوه زُورًا قائِدا لِسَجونِ!
وَجْهٌ عَبُوسٌ قَمْطَرِيٌّ حَاقِدٌ ... مُسْتَكْبِرُ القَسَمَاتِ وَالعَرْنِينِ
فِي خَدِّهِ شَجٌّ تَرَى مِن خَلْفِهِ ... نَفْسًا مُعَقَّدَةً وقَلْبَ لَعِينِ
مُتَعَطِّشٌ لِلَسُّوءِ، فِي الدَّمِ وَالِغٌ ... في الشِّرِ مَنْقُوعٌ، بِهِ مَعْجُونِ
هَذا هُوَ الحِرْبِيٌّ مَعْقِلُ ثَورَةٍ ... تَدْعُو إلى التَّطْوِيرِ والتَحَّسْينِ!
هُوَ صُورَةِ صُغْرَى اسْتَعْيِرَتْ مِن لَظًى ... فِي ضِيقِهَا وعَذَابِهَا المَلْعُونِ
هُوَ مَصْنَعٌ لِلْهَولِ كَمْ أَهْدَى لَنَا ... صُوَرًا تُذَكِّرُنَا بِيَومِ الدِّينِ ...
هُوَ فِتْنَةٌ في الدِينِ لَولاَ نَفْحَةٌ ... مِن فَيضِ إيمَانٍ وبَرْدِ يِقِينِ
стр. 708
قُلْ لِلْعَواذِلِ إنِ رَمَيتُمِ مِصْرَنَا ... بِتَخَلّفِ التّصنِيعِ والتّعْدِينِ
مِصْرُ الحَدِيثَةِ قَدْ عَلَتْ وتقدمَتْ ... في صَنْعَةِ التَّعْذِيبِ والتَّفْرِينِ!!
وَتَفَنَّنَتْ - كَي لا يَمَلَّ مُعَذّبٌ - ... فِي العَرْضِ والإخْرَاجِ والتَّلِوينِ!
أسَمِعْتَ بالإنسانِ يُنْفَخُ بُطْنُهُ ... حَتَى يُرَى فِي هَيّئةِ «البَالُونِ»؟!
أسَمِعْتَ بالإنسانِ يُضْغُطُ رأسُهُ ... بالطّوقِ حَتّى يَنْتَهِي لِجُنُونِ!
أسَمِعْتَ بالإنسانِ يُشْعَلُ جِسْمُهُ ... نَارًا وقدَ صَبَغُوهُ بـ: «الفَزْلِينِ»؟
أسَمِعْتَ ما يَلْقَى البَرئُ وَيصَطَلِي ... حَتَّى يَقُولَ: أنَا المُسِيءُ .. خُذُونِي!
إنْ كُنْتَ لَمْ تَسْمَعْ فَسَلْ عَمَّا جَرَى ... مِثْلِي .. ولاَ يُنْبِيكَ مِثْلُ سَجِينِ
واسْأَلْ ثَرى «الحَرْبيِّ» أَو جُدْرَانَهُ ... كَمْ مِن كَسْيرٍ فِيهِ أَو مَطْعُونَ!؟
وسَلِ السَّياطَ السُودَ كَمْ شَربَتْ دَمًا ... حَتىَّ غَدَتْ حُمْرًا بِلاَ تَلْوِينِ!
وسَلَ «الَعَرُوسَةَ» قُبّحَتْ مِنَ عَاهِرٍ ... كَمْ مِن جَرِيحٍ عِنْدَهَا وَطَعِينِ!
كَمْ فِتْيَةٍ زُفُوا إليهَا عُنْوَةً ... سَقَطُوا مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّوهِينِ
وأَسْألْ «زَنَازِينَ» الجلِيدِ تُجِبكَ عَن ... فَنّ العَذابِ وصَنْعَةِ التّلْقِينِ
بالنارِ أو بالزَّمهْرَيرِ .. فتِلْكَ فِي ... حِينٍ، وهَذَا الزَّمْهَرِيرُ بحِينِ
يُلْقَى الفَتَى فِيهِ لَيالِيَ عَارِيًا ... أَو شِبْهَ عَارٍ في شَتَا كَانُونِ
وهُنَاكَ يُمْلِىِ الاعترافَ كَمَا اشْتَهَوا ... أو لاَ ... فَوَيلُ مُخَالِفٍ وَحَرُونِ
وسَل «المُقَطَّمَ» وهْوَ أَعْدَلُ شَاهِدٍ ... كَمْ مِن شَهِيدٍ في التِّلالِ دَفِينِ
قَتلَتْهُ ظُغْمَةُ مِصْرَ أَبشَعَ قِتْلةً ... لا بِالرَّصَاصِ ولا القَنَا المَسْنُونِ
بَلْ عَلَّقُوهُ كَالذَّبِيحَةِ هُيّئَتْ ... لِلْقَطْعِ والتَّمْزِيقِ بالسِّكِين ..
وتَهَجَّدُوه فِيهِ لَيَالي كُلُّهَا ... جَلَدٌ وهُمُ فِي الجَلْدِ أهْلُ فُنُونِ
فإذا السَّيَاطُ عَجِزْنِ عَن إنْطَاقِهِ ... فالْكَيُّ بِالنِيرَانِ خَيرُ ضَمْين!!
ومَضَتْ لَيَالٍ والعَذَابُ مُسَجَّرٌ ... لِفَتَى بِأيدِي المُجْرِمِينَ رَهِينِ
لَمْ يَعْبَئُوا بِجِرَاحِهِ وصَدِيدِهَا ... لَمْ يَسْمَعُوا لِتَأوُّهٍ وأنِينِ
قَالُوا: اعْتَرِفْ أَوْ مِتْ .. فأَنْتَ مُخَيرٌ!! ... فأبَىَ الفَتَى إلاَّ اخْتِيَارَ مَنُونِ
وجَرَى الدَّمُ الدَّفاقُ يَسْطُرُ في الثَّرى: ... يَا إخْوتِي اسْتُشْهِدْتُ فاحْتِسَبُونِي
لا تَحْزَنُوا؟ إنّي لِرَبِيِ ذَاهِبٌ ... أَحْيَا حَيَاةَ الحَرُ لا المَسْجُونِ ...
وامْضُوا عَلىَ دَرْبِ الهُدى لا تَيئسُوا ... فاليَأْسُ أَصْلُ الضَعْف والتَّوهينِ
стр. 709
أَمَّاهُ حَسْبُكِ أَنْ أَمُوتَ مُعَذَّبًا ... فِي اللهِ لاَ فِي شَهْوَةٍ ومُجُونِ
مَا خُنْتُ دِينِي أَو حِماي ولَمْ أكنْ ... يَومًا عَلىَ حُرْمَاتِهِ بِضَنِينِ
فَلَيسَأَلُوا عَني «القَنَاةَ» ويَسْألُوا ... عَنِّي «اليَهُودَ» فَطَالَمَا خَبِرُونِي
* * *
سُحْقًا لِجَزَّارِينَ كَمْ ذَبَحُوا فَتىً ... مُسْتَهْتِرِينَ كَأَنَّهُ ابْنُ لَبُونِ!!
فإذا قَضَى ذهَبُوا بِجُثتِهِ إلَى ... تَلِّ المُقَطَّمِ وهْوَ غَيرُ بَطِينِ
لَفَّوهُ فِي ثَوبٍ الدُجَى وتَسَلَّلُوا ... سَارِينَ بَينَ مَفَاوِزٍ وحُزُونِ
وَارَوهُ ثُمَّ مَحَوا مَعَالِمَ رَمْسِهِ ... فَغَدا كَسِرٍّ في الثَّرَى مَكْنُونِ
أخْفَوهُ عن عَينِ الأنَامِ ومَا دَرَوا ... أَنَّ الإِلهَ يَرَاهُمُ بِعيونِ
اللَّيلُ يَشْهَدُ والكُوَاكِبُ والثَّرَى ... وكَفَى بِهِمْ شُهَدَاء يَوَمِ الدِينِ
* * *
قالُوا: مُحَاكَمَةً، فَقُلْتُ: رِوَايَةً ... أَعْطَوا لِمُخْرِجِهَا وِسَامَ فُنُونِ!
هِيَ شَرُّ مَهْزِلَة ومَأْسَاةٍ مَعًا ... قَدْ أَضْحَكَتْني مِثْلَ مَا تُبْكِيني!!
أرأيتَ مَحْكِمَةً تَرأَّسَهَا امْرُؤٌ ... يَدْعُوهُ منَ عَرفُوهُ بـ «المَجْنُونِ»
أَرَأيتَ أَحْرَارًا رَمَوْا ِبهمُو لَدَى ... قَاضٍ عَديمٍ دِينُهُ مَأبُون
والوَيلُ لامْرِئٍ اسْتِباحَ لِنَفْسِهِ ... إظْهَارَ تَعْذِيبٍ ودَفْعِ ظُنُونِ
سَيَعُودُ «لِلْحَرْبِيِّ» يَأْخُذُ حَظَّهُ ... وَجَزَاءَهُ الأَوفَى مِن «البَسْيُونِي»
* * *
أَنَا إنْ نَسِيتُ فَلَسْتُ أَنْسَى لَيلَةً ... فِي سَاحَةِ الحَرْبِيِّ ذَاتَ شُجُونِ
عُدْنَا المَساءَ مِن المُحَاكِمَةِ التِي ... كَانَتْ فُصُولَ فُكَاهَةِ ومُجُونِ
مَا كَادَ يَعْرُونَا الكَرىِ حَتَّى دَعَا ... دَاعِي الرَّدى .. وكَفَاكَ صَوتُ أمَينِ
فَتَجَمَّعَ «الإِخْوَانُ» مِمَّنْ حُوكِمُوا ... ذا اليَومِ مِن طَنْطَا إِلىَ بَسْيُوَنِ
أَمَّا الأَولَى سَيُحَاكَمُونَ فأحضِرُوا ... لِيَرَوا يقينًا لَيسَ بالمَظْنُونِ
وإذَا بقَائِدِنَا المُظَفَّرِ حَمْزَةٍ ... في عَسْكَرٍ شَاكِي السلاحِ حَصْينِ
حَشدَ الجُنُودَ وصَفَّهَا بمَهَارَةِ ... وِكَأنَّهُ عَمْرو بأجْنَادِينَ!!
стр. 710
وأَحَاطَنَا ببَنَادِقِ ومَدَافِعَ ... فَغَرَتْ لَنَا فَاهَا كَفِي التَنينَ!! ...
طَابُورُ «تَكْدِيرٍ» ثَقِيلُ مُرْهِقُ ... فِي وَقْتِ أَحْلاَمٍ وآنِ سُكُونِ
نَعْدُو كَمَا تَعْدُو الظِّبَاءُ يسُوقُنَا ... لَهَبُ السِيَاطِ شَكَتْ مِن التَّسْخِينِ
ومَضَتْ عَلينَا سَاعَتَانِ وكُلُنَا ... عَرَقُ تَصَببَ مِثْلَ فَيضِ عُيُونِ
مَنْ خَرِّ إغْمَاءً يُفِقْ عَجْلاً عَلىَ ... ضَرَبَاتِ سَوطٍ لِلْعَذَابِ مُهِينِ
ومن ارْتَمَى فِي الأرضِ مِن شَيخُوخَةٍ ... أَو عِلَّةٍ .. داسُوهُ دَوسَ الطِينِ
لَمْ يَكْفِ حَمْزَةَ كُلُ مَا نُؤْنَا بِهِ ... مِن فَرْط إعْياءٍ ومِن تَوهِينِ
فَأتىَ يُوَزِّعُ بالمُفَرِّق دَفْعَةً ... بالسَّوطِ مِن عِشْرِينِ لِلْخمْسِينِ
كُلٌ يَنَالُ نَصِيبَهُ بِنَزَاهَةِ ... في العَدِّ والإتْقَانِ والتَّحْسِينَ!!
وإذا نسِيتُ فَلَسْتُ أنْسَى خُطْبَةً ... مَا زَالَ صَوتُ خَطِيبِهَا يُشْجِينِي
إذْ قَالَ حَمْزَةُ - وهْوَ مُنْتفِخٌ - فَلَمْ ... يَتْرُكْ لِفِرعَونَ وَلا قَارُونِ:
أَينَ الأُلَى اصْطَنَعُوا البُطُولةَ وادَّعَوا ... أَنِي أعْذِبُّهُمْ هُنَا بِسُجُونِي!
أَظَنَنْتُمُوا هَذَا يُخَفِّفُ عَنْكُمُوا؟ ... كَلاً، فأَمْرُكُمُ انْتَهَى، وسَلُونِي؟!
أَمْ تحَسْبُونَ كَلامَ أَلْفٍ مِنْكُمُوا ... عَنْكُمِ وعن تَعْذِيبِكُمْ يَثْنِينِي؟!
إنِّي هُنَا القَانُون، أعْلىَ سُلْطةٍ ... مَنْ ذَا يُحَاسِبُ سُلْطةَ القَانُونِ؟!
مُتَفَرِّدٌ فِي الحُكْمِ دُونَ مُعَقِّبٍ ... مَن ذَا يُخَالِفُنِي ومَنْ يَعْصِينِي؟!
فإذا أَرَدْتُ وَهَبْتُكُمْ حُرِّيَةً ... أَو شِئْتُ ذُقْتُمْ مِن عَذَابِي الهُونِ
مَنْ مِنُكُمُو سَامَحْتُهُ فِبَرَحْمَتِي ... وإذا أَبَيتُ فَذَاكَ طَوعُ يَمِينِي
ومَنْ ابْتَغَى مَوتًا فَهَا عِنْدِي لَهُ ... مَوتُ بِلاَ غُسْلٍ ولا تكْفِينِ!!
يا فَارِسَ الوَادِي وقَائِدَ سِجْنِهِ ... أَبَنُو الكِنَانَةِ أَمْ بَنُو صِهْيُونِ؟!
هَلاَّ ذَهَبْتَ إِلىَ الحُدُودِ حَميتَهَا ... وأَرَيتَنَا أفْكَارَ نَابِلْيَونِ؟!
اذْهَبْ لِغَزَّةَ يا هُمَامُ وأَنْسِنَا ... بِجِهَادِكَ الدَّامِي صَلاَحَ الدِينِ!!
أَفَضِدُّنَا كَبْشُ النِّطَاحِ .. ونَعْجَةً ... في الحَرْبِ جَمَّاءٌ بِغَيرِ قُرُونِ؟!
* * *
قُلْ لِلِّذي جَعَلَ الكِنَانَةَ كُلَّهَا ... سِجْنًا وَبَاتَ الشِّعْبُ شَرَّ سَجِينِ
يَا أَيُها المَغْرُورُ في سُلْطَانِهِ ... أَمِنَ النِّضَارِ خُلقْتَ أَمْ مِن طِين؟
يا مَنْ أَسَأْتَ لِكُلِ مَنْ قَدْ أحْسَنُوا ... لَكَ دَائِنِينَ فكَنُتَ شَرْ مُدِينِ
يا ذِئْبَ غَدْرٍ نَصِّبُوهُ رَاعِيًا ... والذِئْبُ لَمْ يَكُ سَاعَةً بِأَمِينَ ...
стр. 711
يا مَنْ زَرَعْتَ الشَرَّ لنْ تَجْنيَ سِوَى ... شَرِّ وحِقدٍ فِي الصُدَورَ دَفِينِ
سَيَزُولُ حُكْمُكَ يا ظَلُومٌ كَمَا انْقضَتْ ... دُوَلٌ أولاَتُ عَسَاكِرٍ وحُصُونِ
سَتَهُبُّ عَاصِفَةٌ تَدُكُ بِنَاءَهُ ... دَكًّا ... ورُكْنُ الظُلْمً غَيرُ رَكِينِ
ماذا كَسَبْتَ وقد بَذَلْتَ مِن القُوَى ... والمَالِ بَالآلافِ وَالْمِلْيُونِ؟
أَرْهَقْتَ أعْصَابَ البلاد ومَالَهَا ... ورجَالَهَا في الهَدْمِ لا التَّكْوِين
وأدَرْتَ مَعْرَكَةً تأجّجَ نَارُها ... مَعَ غير «چانِ بولٍ» ولا «كوهين»
هَلْ عُدْتَ، إلا بالهَزِيمَةِ مَرَّةً ... ورَبِحْتَ غَير خَسَارَةِ المغْبُونِ؟
وحَفَرْتَ في كُلِّ القُلُوبَ مَغَاوِرًا ... تَهْوِي بِهَا سُفْلاً إلى سَجِّينِ
وبَنَيتَ مِن أَشْلائِنَا وعِظَامِنَا ... جَسْرًا بِهِ نَرْقَى لِعِلِّيِّينِ
وصَنَعْتَ باليد نَعْشَ عَهْدِكَ طَائِعًا ... وَدَقَقْتَ إسْفَينًا إلى إسْفِينِ
وَظَنَنْتَ دَعْوَتَنَا تمُوتُ بِضَرْبَةٍ ... خَابَتْ ظُنُونُكَ فَهْيَ شَرُّ ظُنُونِ
بَلِيَتْ سِيَاطُكَ والعَزَائِمُ لم تَزَلْ ... مِنَا كَحَدِّ الصَّارِمِ المَسْنُونِ
إنَّا لعَمْرِي إنْ صَمَتْنَا بُرْهَةً ... فالنَّارُ فِي البُرْكَانِ ذاتُ كُمُونِ
تَاللهِ ما الطُغْيَانُ يَهْزِمُ دَعْوةً ... يَومًا، وفي التَّارِيخِ بَرُّ يَمِينِي
ضَعْ فِي يَدَي القَيدَ، أَلْهِبْ أَضْلُعِي ... بِالسَّوطِ، ضَعْ عُنْقِي عَلىَ السِّكِينِ!
لنْ تَسْتَطِيعَ حِصَارَ فِكْرَي سَاعَةً ... أو نَزْعَ إيمَانِي ونُورِ يَقِينِي!
فالنُوِرُ في قَلِبِي .. وقِلْبِي فِي يَدَي ... رَبي .. ورَبي نَاصِرِي ومُعِينِي!
سَأَعِيشُ مُعْتَصِمًا بحَبْلِ عقيدِتي ... وأَمُوتُ مُبْتَسِمًا لِيَحْيَا دِينِي!
آخر:
أَما آنَ عَمَّا أَنْتَ فيه مَتَابُ ... وهَلْ لَكَ مِن بعدِ البِعادِ إيابُ
تَقَضَّتْ بِكَ الأعمارُ في غير طاعةٍ ... سِوى عَمل تَرْضَاهُ وهْوَ سَرَابُ
إذا لم يَكُنْ للهِ فِعلك خالِصًا ... فكلُ بناءِ قد بَنَيُتَ خَرابُ
فلِلِعَمَلِ الإخلاصُ شرطٌ إذا أتَى ... وقَدْ وَافقتْهُ سُنةٌ وكِتَابُ
وقد صِينَ عن كُلِّ ابتداعٍ وكيف ذا ... وقد طبَّق الآفاق منه عُبَابُ
طغى الماءُ مِن بَحرِ ابتداعٍ على الوَرَى ... ولم يَنْجُ منه مَرْكَبٌ وركَابُ
وطُوفِانُ نُوح كانَ في الفُلك أهلُه ... فنَجََّاهُمُ والكافِرُونَ تَبَابُ
стр. 712
فأنَّى لَنَا فَلْكٌ يُنَجِّي وَلَيتَهُ ... يَطِيرُ بِنَا عَمّا نَراهُ غَرَابُ ...
وأينَ إلَى أَينَ المَطَارُ وكُلَّمَا ... عَلىَ ظَهْرِهَا يَأْتِيكَ عَنْهُ عُجُابُ
نُسَائِلُ مَن دَارَ الأَراضِي سِياحَةً ... عَسَى بَلْدةٌ فِيها هُدًى وصَوَابُ
فَيُخْبِرُ كُلٌّ عَن قَبَائِحِ مَا رَأى ... ولَيسَ لأِهْلِيها يَكُونُ مَتَابُ
لأَنهِّمُ عَدُّوا قَبَائِحَ فِعْلِهِمْ ... مَحَاسِنَ يُرْجَى عِنْدَهُمَّ ثَوابُ
كقومِ عُرَاةٍ في ذُرَى مِصْرَ مَا عَلاَ ... عَلىَ عَورَةٍ مِنْهُم هُنَاكَ ثِيَابُ
يَدُورُون فِيها كَاشِفِي عَوَرَاتِهِمْ ... تَوَاتَرَ هَذَا لاَ يُقَالُ كِذَابُ
يعُدُّونَهُمْ في مِصْرِهَا فُضَلاَءُ هُمْ ... دُعَاؤُهُمْ فِيما يَرَونَ حُجَابُ
وفِيها وفِيها كُلَّمَا لا يَعُدُّهُ ... لِسَانٌ ولا يَدْنُوا إليهِ خِطابُ
وفي كُلِّ مِصْرٍ مِثْلُ مِصْرَ وإنَّمَا ... لِكُلٍّ مُسَمَّى والجَميعُ ذِئابُ
تَرَى الدِينَ مِثْلَ الشَّاةِ قَدْ وَثَبَتْ لَهَا ... ذِئَابٌ ومَا عَنْهُ لَهُنَّ ذَهَابُ
فَقَد مَزَّقتْهُ بَعْدَ كُلَّ مُمَزّقٍ ... فلَم يَبقَ مِنهُ جُثَّةٌ وَإهَابُ
وَلَيسَ اغْتِرَابُ الدِينِ إِلاَّ كَما تَرى ... فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الاغْترابِ إِيَابُ
فيا غُرْبَةً هَلْ يُرْتجَى مِنْكِ أَوبَةٌ ... فَيُجْبَرُ مِن هَذَا البِعَادِ مُصَابُ
فَلَمْ يَبْقَ لِلرَّاجِيِ سَلاَمَةُ دِينِهِ ... سِوَى عُزْلَةٍ فِيهَا الجَلِيسُ كِتَابُ
كِتَابٌ حَوَى كُلَّ العُلُوم وكُلُّ مَا ... حَوَاهُ مِن العِلْمِ الشَّرِيفِ صَوَابُ
فإنْ رُمْتَ تَارِيخَا رَأَيتَ عَجَائِبًا ... تَرَى آدَمًا إذْ كانَ وهْوَ تُرَابُ
ولاقَيتَ هَابيلاً قَتِيلَ شَقِيقِهِ ... يُوَارِيهِ لَمَّا أَنْ أَرَاهُ غُرَابُ
وتَنْظُرُ نُوحًا وهْوَ فِي الفُلْكِ قَدْ طَفَا ... عَلىَ الأَرْضِ مِن مَاءِ السَّمَاءِ عُبَابُ
وإِنْ شِئْتَ كُلُّ الأَنْبِياءِ وقَومِهِمْ ... وما قَالَ كُلٌ مِنْهُمُ وأجَابُوا
стр. 713
ترَى كَلَّ مَا تَهوىَ ففِي القَومِ مؤْمِنٌ ... وَأكثرُهُم قَدْ كذّبُوهُ وخَابُوا
وجَنَّاتِ عَدْن حُورَهُا ونَعِيمَهَا ... ونَارًا بِهَا لِلْمُشْرِكِينَ عَذَابُ
فتِلكَ لأرْبابِ التُّقَاءِ وهذِهِ ... لِكّلِّ شقيٍّ قدْ حواهَ عِقابَ
فإنْ تُرِدِ الوَعْظَ الذِي إنْ عَقَلْتَهُ ... فإنَّ دُمُوعَ العَينِ عَنْهُ جَوَابُ
تجَدْهُ ومَا تَهْوَاهُ مِن كُلِّ مَشْرَبٍ ... فلِلرُّوحِ مِنْهُ مَطْعَمٌ وشَرَابُ
وإنْ رُمْتَ أبْرَزَ الأدلةِ في الذي ... تُرِيدُ فَمَا تَدْعُوا إليهِ تُجَابُ
تَدلُ عَلىَ التَّوحِيدِ فِيه قَوَاطِعٌ ... بِهِا قُطِّعَتْ لِلْمُلْحِدِينَ رِقَابُ
وما مَطْلَبٌ إِلاَّ وفِيهِ دَلِيلُهُ ... وَلَيسَ عَليه لِلذَّكِي حِجَابُ ...
وفيه الدَّوَا مِن كُلِّ دَاءٍ فِثِقْ بِهِ ... فَوَاللهِ ما عَنْهُ يَنُوبُ كِتَابُ
وفي رُقْيَةِ الصَّحْبِ الدّيغِ قَضَّيةٌ ... وقَرَّرَهَا المُخْتَارُ حِينَ أصَابُوا
ولَكِنَّ سُكَّانَ البَسِيطةِ أَصْبَحُوا ... كَأَنَّهمُ عَمَّا حَوَاهُ غِضَابُ
فلا يَطْلُبُونَ الحقَّ مِنْهُ وإنَّمَا ... يَقُولُونَ مْن يَتُلُوهُ فَهْوَ مُثابُ
وإنْ جَاءَهُم فِيه الدلِيلُ مُوَافِقًا ... لِمَا كَانَ للآباء إلِيهِ ذَهَابُ
رَضَوهُ وإلاَّ قِيلَ هَذَا مُؤَوَّلٌ ... ويُرْكَبُ في التأويلِ فِيه صِعَابُ
تَرَاهُ أَسِيرًا كُلُّ حَبْرٍ يَقُودُهُ ... إلى مَذْهَبٍ قَدْ قَرَّرَتْهُ صِحَابُ
أَتُعْرِضُ عَنْهُ عَن رِيَاضٍ أَرِيضَةٍ ... وَيعْتَاضُ جَهْلاً بالرياضِ هِضَابُ
يُرِيكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وغَيرُهُ ... مَفَاوِزَ جَهْلٍ كُلَّهُا وشِعَابُ
يَزيدُ عَلىَ مَرِّ الجَدِيدَينِ جِدَّةً ... فَألفَاظُهُ مَهْمَا تَلوتَ عِذابُ
وآياتُهُ في كُلِّ حِينٍ طَرِيَّةٌ ... وتَبْلُغُ أَقْصَى العُمْرِ وهيَ كِعَابُ
وفِيهِ هُدًى لِلْعَالِمينَ وَرَحْمَةٌ ... وفيه عُلَومٌ جَمّةَ وثوابُ
فَكُلُ كَلامٍ غيرُهُ القِشْرُ لاَ سِوَى ... وذا كُلَّهُ عِنْدَ اللَّبِيبِ لُبَابُ
دَعُوا كُلَّ قَولٍ غَيرَهُ ما سِوَى الذِي ... أَتَى عَن رَسُولِ الله فَهْوَ صَوَابُ
стр. 714
وعَضُّوا عَلَيهِ بِالنَّواجِذِ واصْبِرُوا ... عَلَيهِ ولَو لَم يَبْقَ في الفَمِ نَابُ
تَرَوا كُلَّما تَرْجُونَ مِن كُلِّ مَطْلُبٍ ... إذَا كَانَ فِيكُمْ هِمَّةٌ وَطِلاَبُ
أَطِيلُوا على السَّبْعِ الطِوَالِ وُقَوفَكم ... تَدُرُّ عَلَيِكُم بالْعُلُوم سَحَابُ
وَكم مِن أَلُوَفٍ في المِئيِن وكَمْ بِهَا ... أُلُوفًا تَجِدْ مَا ضَاقَ عَنه حِسَابُ
وفي طَي أثْنَاءِ المَثَانِي نَفَائِسُ ... يَطِيبُ لَهَا نَشْرٌ ويُفْتَحُ بَابُ
وكمْ مِن فًصُولٍ في المُفَصَّلِ قَدْ حَوَتْ ... أصُوُلاً إليهَا لِلَّذكِيِّ مَآبُ
وما كان في عَصْرِ الرُسُولِ وصَحْبِهِ ... سِوَاهُ لِهَدْيِ العَالِمَينَ كِتَابُ
تَلاَ فُصِّلَتْ لَما أَتَاهُ مُجَادِلٌ ... فأُبْلِسَ حَتَّى لا يَكُونُ جَوَابُ
أَقَرَّ بِأَنَّ القَولَ فِيه طَلاَوَةٌ ... وَيعلُو لا يَعْلو عَلَيهِ خِطَابُ
وأَدْبَرَ عَنْهُ هَائِمًا في ضَلاَلِهِ ... يُدَبِّرُ مَاذَا في الأنَامِ يُعَابُ
وقال وَصِيُّ المُصْطَفَى لَيسَ عِنْدَنَا ... سِوَاهُ وإلاَّ مَا حَوَاهُ قِرَابُ
وإلاَّ الذِي أعْطاهُ فَهْمًا إلَهَُهُ ... بآياتِه فاسْألْ عَسَاكَ تُجَابُ
فَمَا الفَهْمُ إلاَّ مِن عَطَايَاهُ لا سِوَى ... بَلِ الخَيرُ كُلُ الخَيرِ مِنْهُ يُصَابُ ...
آخر:
بَكَتْ عَينِي وحُقَّ لَهَا بُكَاهَا ... عَلَى نَفْسِي التِي عَصَتِ الإِلها
ومَن أولَى بِطُولِ الحُزْن منها ... وبالآثامِ قَدْ قَطَعَتْ مَدَاهَا
فلا تَقْوَى تَصُدُّ عَن المَعَاصِي ... ولا تَخْشَىَ الإِلهَ ولا تَنَاهَى
تَتُوبُ مِن الإِسَاءَةِ في صَبَاحٍ ... وتَنْقُضُ قَبْلَ أن يَأتِي مَسَاهَا
وتنْكُثُ عَهْدَهَا حِينًا فحِينًا ... كَأنَّ الله فيه لا يَراهَا
وَتَقْعُدُ عن حُقُوقِ الله عَمْدًا ... وَتَبْغِي دَار مَالاً وَجاهَا
стр. 715
آخر:
ذُنُوبِي إنْ فَكَّرتُ فيها كَثِيرةٌ ... ورَحْمةُ رَبِي مِن ذُنُوبِيَ أوسَعُ
وَمَا طَمَعِي في صَالحٍ إنْ عَمِلْتُه ... وَلَكِنَّني في رَحْمَةِ الله أطْمَعُ
فإنْ يَكُ غُفْرانٌ فَذَاكَ بِرَحْمَةٍ ... وَإن تَكُنِ الأُخْرَى فَمَا كُنْتَ تَصْنَعُ
مَلِيكِي ومَعْبُودِي وَرَبّي وحَافِظِي ... وَإنَّي لَهُ عَبْدٌ أُقِرُّ وأخْضَعُ
قَصِيدةُ تَحْتَوِي عَلى الثّناء والشُّكرِ والحَمْدِ والتّضرُّعِ إلى الله :
يَا مُلَبِّسِي بالنُّطْقِ ثَوبَ كَرَامَةٍ ... وَمُكَمِّلِي جُودًا بِهِ وَمُقَوِّمِي
خُذْني إِذَا أَجَلي تَنَاهَى وانْقَضَى ... عُمْرِي عَلى خَطٍ إِلْيكَ مُقَوِّمِي
وَاكْشِفْ بِلُطْفِك يَا إلَهِيَ غُمَّتِي ... وَاجْلِ الصّدَا عَنْ نَفْس عَبْدِكَ وَارْحَمِ
فَعَسَايَ مِنْ بَعْدِ المَهَانَةِ أكْتَسىِ ... حُلَلَ المَهَابِةِ في المَحَلِّ الأَكْرَمِ
وَأَبُوءُ بالفِرْدَوسِ بَعْدَ إَقَامَتي ... في مَنْزلٍ بَاد السَّمَاجَةِ مُظْلِمِ
فَقَدْ اجْتَوَيتُ ثَوايَ فِيهِ وَمَنْ تَكُنْ ... دَارُ الغُرُورِ لَهُ مَحَلاً يَسْأَمِ
دَارٌ يُغَادِرٌ بُؤْسَهَا وَشَقَاءَها ... مَنْ حَلَّهَا وَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْعَمِ
وَيَعُودُ صَافي عَيشِهِ وَحَيَاتِهِ ... كَدِرًا فَلاَ تَجْنَحْ إِلَيهَا تَسْلَمِ
فَبِكَ المَعاذُ إِلَهَنَا مِنْ شَرِّهَا ... وَبِكَ المَلاَذُ مِنَ الغِوَايَةِ فَاعْصِمِ
وَعَلَيكَ مُتَّكَلي وَعَفُوُكَ لَمْ يَزَلْ ... قَصْدِي فَوَاخَسَرَاهُ إنْ لَم تَرْحَم
يَا نَفْسُ جُدِّي وَادْأَبِي وَتَمَسَّكِي ... بِعُرَى الهُدَى وَعْرَى المَوَاتِعِ فَافْصِمِ
لاَ تُهْمِلي يَا نَفْسُ ذَاتَكِ إن فِي ... نَسْيَانها نِسْيَانُ رَبِّكِ فاعْلَمِي
وَعَلَيكَ بالتّفْكِيرِ في الآئِهِ ... لِتَبَوَئِي جَنَّاتِهِ وَتَنْعَمِي
وَتَيَمَّمِي نَهْجَ الهِدَايَةِ إِنَّهُ ... مُنْجٍ وَعَنْ طُرْقِ الضَّلاَلَة أحْجِمِي ...
стр. 716
لاَ تَرْتَضِي الدُّنْيَا الدَّنِيَّةَ مَوطِنًا ... تُعْلَي عَلَى رُتَبِ السَّوارِي الأَنْجُمِ
وَتُعَايِنِي مَا لاَ رَأَتْ عِينٌ وَلاَ ... أُذُنٌ إِلَيهِ وَعَتْ فَجِدِّي تَغْنَمِي
وَتُشَاهِدِي مَا لَيسَ يُدْرَكُ كُنْهُهُ ... بالفِكْرِ أَو بِتَوَهُّمِ المُتَوهِّمِ
قُدْسٌ يَجُلُّ بأَنْ يَحُلَّ جَنابَهُ ... يا نَفْسُ إِلاَّ كُلُّ شَهْمٍ أَيهَمِ
وتُجَاوِرِي الأَبْرَارَ في مُسْتَوطَنِ ... لاَ دَاثِرِ أَبَدًا وَلاَ مُتَهَدِّمِ
يَا أَيٌُّها المَغُرُورُ شِبْتَ وَلَمْ تَعُدْ ... عَمَّا لَهَجْتَ بِهِ وَلَمْ تَتَنَدَّمِ
وَاعْكِفْ عَلَى تَمْجِيدِ مُوجِدِكَ الذّي ... عَمَرَ الوُجَودَ الجُودُ مِنْهُ وَعَظِّمِ
فَبِذِكْرِهِ تَشْفَى النَّفُوسُ مِنَ الجَوَى ... فَعَلَيهِ إِنْ آثَرْتَ بُرْؤَكَ صَمِّمِ
أكْرِمْ بِنِفْسِ فَتَىً رَأَى سُبُلَ الهُدَى ... تَهْوِي فَمَالَ إِلى الصِّرَاطِ الأَقْوَمِ
ذَاكَ الذِي يُحْظَى بِيَومِ مَعَادِهِ ... مُلْكًا سَجِينَ الدَّهْرِ لَمْ يَتَصَرَّمِ
يَا جَابِرَ العَظْمِ الكَسِير وَغَافِرَ الْـ ... ـجُرْمِ الكَبِير لِكُلِّ عَبْدٍ مُجْرِمِ
مَا لِي إِلَيكَ وَسَيلَةٌ وَذَرَيعَةٌ ... أَنْجُو بِهَا إِلاَّ اعْتِقَادُ المُسْلِمِ
فَاقْبِلْ بِمَنِّكَ تَوبِتي مِنْ حَوبَتِي ... فَعَسَى سَعَادَةُ أَوبَتي لَمْ أُجْرِمِ
حَمْدًا لَكَ اللَّهُمَّ يُنْمَى مَا جَلا ... وَضْحُ الصبَاحِ سَوَادَ لَيلٍ أَسْحَمِِ
وَعَلى نَبِيَّكَ ذِي الثَّنَاءِ وَآلِهِ ... السَّادَةِ الأَمَنَاءِ صلِّ وَسَلِّمِ
وَعَلى صَحَابَتِهِ الذِينَ بنَصْرِهِ ... قَامُوا ونارُ الكُفْر لَمْ تَتَضَرَّم
أَرَى وخَطَّ المَشِيبِ دَليلُ سَيرٍ ... إلىَ دَارٍ صَفَتْ مِنْ كُلِّ غِشِّ
بِهَا فَازَ التَّقِيُّ بِفِعْلِ خَيرٍ ... ونَالَ مِن المُهَيمنِ صَفْوَ عَيشِ
يُنِيلُ العَفْوَ رَبِّي كُلَّ عَبْدٍ ... بتَقْوَى اللهِ بَينَ النَّاسِ يَمْشِي
стр. 717
ويُخْزِي كُلَّ أفَّاكِ أثِيمٍ ... وَيَجْزْي كُلَّ خَتَّارٍ بِبَطْشِ
إذَا رُمْتَ الرَّضَا والعَفْوَ مِنْهُ ... تَنَزَّهْ عَنْ قَبِيحِ الفِعْلِ وامْشِ
وله أيضًا ﵀ ورضي عنه:
تُغازِلُنِي المَنِيَّةُ من قَريبٍ ... وتَلْحَظُنِي مُلاحَظَةَ الرَّقيبِ
وتَنْشُر لِي كِتابًا فيهِ طَيٌِّّ ... بِخَطِ الدَّهْرِ أَسْطُرُه مَشِيبِي
كِتابٌ في مَعانِيهِ غُموضٌ ... يلوحُ لكُلّ أَوَّابٍ مُنِيبِ
أَرى الأَعْصارَ تَعصِرُ مَاءَ عُودِي ... وقِدْمًا كنْتُ ريَّانَ القَضيب ِ
أدالَ الشَّيبُ يا صَاحِ شَبابِي ... فَعُوِّضْت البَغيضَ من الحبيبِ ...
وَبُدَّلتُ التَّثاقُلَ مِنْ نَشاطِي ... ومِنْ حُسْنِ النَّضارَةِ بِالشُّحوبِ
كَذاكَ الشَّمْسُ يعلوها اصفِرارٌ ... إِذَا جنحَتْ ومالَتْ للغُروبِ
تُحارِبُنا جُنودٌ لاَ تُجارَى ... ولا تُلْقَى بِآسادِ الحُرُوبِ
هيَ الأقدارُ والآجالُ تأْتِي ... فَتَنْزِلُ بِالمُطَبِّبِ والطَّبِيبِ
تُفَوِّقُ أَسْهُمًا عن قَوسِ غَيبٍ ... وما أَغْراضُها غَيرُ القُلوبِ
فأَنِّى بِاحْتِراسٍ مِنْ جُنودٍ ... مؤيَّدَةٍ تُمَدُّ مِنَ الغُيوبِ
وما آسَى عَلى الدُّنيا ولكنْ ... على ما قد ركبتُ من الذُّنوبِ
فيا لَهفي على طولِ اغتِراري ... ويا وَيحي من اليومِ العَصِيبِ
إِذا أَنا لم أَنُحْ نَفْسِي وَأَبكي ... على حُوبي بِتَهْتَانٍ سَكوبِ
فَمَنْ هذَا الّذِي بَعْدي سَيبكي ... عليها من بَعيدٍ أو قريبِ؟
آخر:
أَيَعْتَزُّ الفَتَى بِالْمَالِ زَهْوًا ... وما فِيها يفُوتُ عن اعْتِزَازِ
ويَطَّلُبُ دَولَةَ الدُّنْيا جُنُونًا ... ودَولَتُها مُحَالِفةُ المَخَازِي
стр. 718
ونحَنُ وكُلُّ مَن فِيهَا كَسَفْرٍ ... دَنَا مِنّا الرِّحِيلُ على الوفَازِ
جَهِلْنَاهَا كَأنْ لَمْ نَخْتَبِرْها ... عَلَى طُولِ التَّهانِي والتَّعازِي
ولَمْ نَعْلَمْ بأنْ لا لَبْثَ فِيهَا ... ولاَ تَعْرِيجَ غَيرَ الاجْتِيَازِ
انْتَهَى
وقال رحمة الله عليه:
الشَّيبُ نَبَّهَ ذَا النُّهَى فَتَنَبَّها ... ونَهى الجَهُولَ فَما اسْتَفاقَ ولا انْتَهى
بلْ زادَ نَفْسي رغْبَةً فتهافَتَتْ ... تَبْغي اللُّهى وكأَنْ بِها بَينَ اللَّها
فَإلى متى أَلْهُوا وأَفْرَحُ بالْمُنى ... والشَّيخُ أَقْبَحُ ما يَكونُ إِذا لَها
ما حُسْنَه إلا التُّقى لا أَنْ يُرَى ... صَبًّا بأَلحاظِ الجآذِرِ والْمَها
أَنّى يُقاتِلُ وهو مَفْلولُ الظُّبا ... كابِي الجَوادِ إِذا اسْتقلَّ تَأَوَّها
مَحَقَ الزَّمانُ هِلالَهُ فَكأَنَّما ... أَبْقَى لَهُ مِنْهُ عَلى قَدْرِ السُّها
فَغَدا حَسِيرًا يَشْتَهي أَنْ يَشْتَهي ... ولكَمْ جَرى طلقَ الجَمُوحِ كما اشْتَهى
إِنْ أَنَّ أَوّاهٌ وأجْهَشَ في البُكا ... لِذُنوبهِ ضَحِكَ الظَّلُومُ وقَهْقَها
стр. 719
لَيسَتْ تُنَهْنِهُهُ العِظاتُ ومِثْلُهُ ... في سِنِّهِ قَد آنَ أن يَتَنَهْنَها ...
فَقَدَ اللِّدَّاتِ وزَادَ غَيًّا بَعدَهُمْ ... هَلاَّ تَيَقَّظَ بَعْدَهُمْ وتَنَبَّها؟!
يا وَيحَهُ ما بالُهُ لا ينْتَهِي ... عَنْ غَيِّهِ؛ والعُمْرُ مِنْهُ قد انتَهى؟!
قد كانَ مِن شِيَمي الدَّها فترَكتُهُ ... عِلْمًا بِأَنَّ مِنَ الدَّها تُرْكُ الدَّها
وَلَوَ أنني أَرضى الدَّناءَةَ خُطَّةً ... لَوَدِدْتُ أني كنْتُ أَحْمَقَ أَبْلَها
فلقَدْ رأَيتُ الْبُلْهَ قد بَلَغُوا المَدى ... وتَجَاوَزُوهُ وازْدَرَوا بأُولِي النُّهى
منْ ليسَ يَسْعى في الخَلاصِ لِنَفْسِهِ ... كانتْ سِعايَتُه عَلَيها لا لَها
إنَّ الذُّنوبَ بِتَوبَةٍ تُمْحَى كَما ... يَمْحُو سُجودُ السَّهْوِ غَفْلَةَ مَنْ سَها
وقال أيضًا ﵁:
قدْ بَلَغْتَ السِّتِّينَ ويحَكَ فاعْلَمْ ... أَنَّ ما بَعْدَها عَلَيكَ تَلَوَّمْ
فَإذا ما انْقضَتْ سِنُوكَ ووَلَّتْ ... فَصَلَ الحاكِمُ القَضاءَ فَأَبرَمْ
أنتَ مِثلُ السِّجِلِّ يُنشَرُ حِينًا ... ثمَّ يُطْوى من بَعدِ ذاكَ ويُخْتَمْ
стр. 720
كيفَ يَلتَذُّ بالحَياةِ لَبِيبٌ ... فَوَّقَتْ نَحْوَهُ المَنِيَّةُ أَسْهُمْ
ليسَ يَدْري مَتى يُفاجِيهِ مِنْها ... صائِبٌ يَقْصِفُ الظُّهُورَ ويَقصِمْ
ما لِغُصْني ذَوَى وكانَ نَضِيرًا ... ولِظَهْري انْحَنى وكانَ مُقَوَّمْ
ولِحَدّي نَبا وكانَ مُبِيرًا ... وَلِجيشِي انْثَنى وكانَ عَرَمْرَمْ
ولدَهْرِي أَدالَ شَرْخَ شَبابي ... بِمَشِيب عِنْدَ الحِسانِ مُذَمَّمْ
فأنا اليومَ عَنْ هواهُنَّ سالٍ ... وقَديمًا بِهِنَّ كُنْتُ مُتَيَّمْ!
لو بِرَوقِ الزَّمانِ يَنْطَحُ يومًا ... ركنَ ثَهْلاَنَ هدَّهُ فَتهدَّمْ!
نحنُ في مَنْزِلِ الفَناءِ ولكِنْ ... هُو بابٌ إِلى البقاءِ وسُلَّمْ
ورَحَى الْمَوتِ تَسْتَدِيرُ عَلَينا ... أبدًا تَطْحَنُ الجَمِيعَ وتَهْشِمْ
وأَنا مُوقنٌ بِذاكَ عَلِيمٌ ... وفعَالي فِعالُ مَنْ لَيسَ يَعْلَمْ
وكذا أَمْتطِي الهُوَينَا إلى أنْ ... أُتَوَفَّى فَعِنْدَ ذلِكَ أَنْدَمْ!
فَعَسَى مَنْ لَهُ أُعَفِّرُ وَجْهِي ... سَيَرَى فاقِتَي إِليهِ فَيَرْحَمْ
فَشَفِيعي إِليه حُسْنُ ظُنُوني ... ورَجائي لهُ، وأَنِّيَ مُسْلِمْ
وله الحمدُ أنْ هداني لِهَذا ... عَدَدَ القَطْرِ ما الحَمَامُ تَرَنَّمْ
إليهِ ضَراعَتِي وابتِهَالي ... في مُعافَاةِ شَيبَتِي من جَهَنَّمْ
آخر:
يَا رَبِّ حَقِّقْ تَوبَتِي بِقَبُولِهَا ... واشْفِ القُلُوبَ بأمْرِكَ الفَعَّالِ
وامْحُ الشَّقَاوةَ بالسَّعَادَةِ والْغِنَى ... بِكَفَايَةٍ يَرْتَاحُ مِنْهَا بَالِي
أرْجَوكَ في الدَّارَينِ قَطْعَ عَلائِقي ... عَمَّنْ سِوَاكَ فأنْتَ أولَى وَالِ
عَوَّدْتَنِي اللُطْفَ الجَمِيلَ تَكَرُّمًا ... فاجْعَلُه دَوَمًا يَا عَظِيمُ نَوَالِي
стр. 721
ثُمَّ اكْسُنِي سِتْرَ الحَيَاةَ وفي المَمَا ... تِ وبَعْدَهُ وَاشْملْ بِذَاكَ عِيَالي
وبِكَلِمَةِ لتَّوحِيدِ يَا مَولى الوَرَى ... اجْعَل خَتَامَ القَولِ والأعْمَالِ
ثُمَّ الصَّلاةً عَلَى النبيِ وآلهِ ... مَا هَامَ ذُو وجْدٍ بِذَاتِ جَمَالِ
سِرْ على مَهلِك يا من قد عقل ... واجتهد في الخير قولاً وعمل
وإذا ما شئت تسمو وتجلّ ... (اعتزل ذكرَ الغواني والغزلْ)
(وقلِ الفصلَ وجانبْ مَن هزلْ)
إن تذكرْتَ أويقاتِ الصِّبا ... أو تُقِسْ ريحَ الدّبُور بالصَّبا
فاترك القول لِوَقْتٍ ذهبا ... (ودَع الذكرى لأيام الصِّبا)
(فلأيام الصبا نَجمٌ أفلْ)
هذه نفسك قد أهملتها ... وعلى فعل الدنى ربيتها
كم لذِيذًا سالفًا غذيتها ... (إن أهنأ عيشة قضَّيها)
(ذهبت لذّاتها والإِثمُ حلّ)
خالفِ المرأة لا تَسمَع لها ... فَالرَّزايا جُمعت في رَأيها
وإذا قالت فلا تُصْغِ لها ... (واترك الغادة لا تَحفَل بها)
(تُمْسِ في عزّ رفيع وتجلّ)
فضّلِ الأُخرى ولا ترغب بذي ... حبُّها رأس الخطايا فَانبَذِ
واجتنب قول صقيع وبّذي ... (وافتكر في منتهى حُسن الَّذِي)
(أنت تهواه تجدْ أمرًا جللْ)
стр. 722
إن شرب الخمر للمرءِ فتن ... ودليلٌ للمعاصي والفتَن
فَانبذ الرجس الخبيث الممتهن ... (واهجر الخمرة إن كنت فتًى)
(كيف يسعى في جنون من عقل؟!) ...
فلها الله تعالى حرّما ... والذي يقربها قد ظَلَما
فهي أُمّ الخُبث لحمًا ودما ... (واتق الله فتقوى الله مَا)
(باشرَتْ قلبَ امرئ إلا وصل)
فهنيئًا للذي قد عَمِلا ... صالحًا ثم اتقى المولى علا
في جنانٍ آمنًا قد نزلا ... (ليس من يقطع طُرقًا بطلا)
(إنما من يتقِ الله البطل)
فعلى مولاك كن مُتكلا ... فهو يَكفيك ويُعطي الأملا
وإذا كنت رزينًا عاقلا ... (صدِّق الشرع ولا تركن إلى)
(رجل يرصد في الليل زحل)
إنَّ أمر الله حتمٌ سُلَّمَنْ ... فتَقبَّل مغلقًا باب الفتنْ
وارض بالله حكيمًا ذا منن ... (حارت الأفكار في قدرة مَن)
(قد هدانا سبْلَنا
ربنا المبدئُ حيّ لم ينم ... أوجد العالَم حقًّ من عدَم
حُكمه يَنفُذ فينا إذ حكم ... (كَتَبَ الموتَ على الخلق فكم)
(فلّ مِن جيشٍ وأفنى مِن دُوَل)
غرت الدنيا غريرًا فافتتن ... كَنَّزَ المالَ وأخفى وخَزَن
ثم ولّى لم ينل غير الكفَن ... (أين نمرودُ وكنعانُ ومن)
(ملك الأرض وولّى وعزلْ)
стр. 723
ِأين إسكندرُ سلطانُ الزمن ... قَهر الدنيا وأفنَى وسَجَن
أين قارونُ وإقيالُ اليمن ... (أين عادٌ أين فرعونُ ومن)
(رفع الأهرام من يسمعْ يَخَلْ)
أين من عاثوا فسادًا وعتوا ... وأذلوا واستبدوا وطغوا
أين من نالوا السبايا واقتنوا ... (أين من سادوا وشادوا وبنوا)
(هلك الكلّ فلم تُغْن القُلَلْ)
هذه الآثار لو توقنها ... قد عفت لِما خلت أزُمُنها
عبرة جلّت لِمن يفطنها ... (أين أربابُ الحجا أهل النهى)
(أين أهل العلم والقومْ الأُوَل) ...
إن تكن تحظى بعلم عنهمُ ... فهمو نحو البلا قد يَمَّموا
بَلِيت أجسامهم والأعْظُم ... (سيُعيد الله كلاً منهم)
(وسيجزي فاعلاً ما قد فعل)
كلُّ نفس كسبت ما صنعت ... حَفِظت أعمالها أو ضيٌعت
قم وبلّغ ناصحًا أُذنًا وعت ... (أي بُنيّ اسمعْ وصايا جَمَعَتْ)
(حِكمًا خُصَّت بها خيرُ المللْ)
وتأملْها تجدْها مغنما ... وإلى أوج المعالي سُلَّما
فهي تحكي عِقد دُرٍّ نُظِما ... (أطلب العلم ولا تكسل فما)
(أبعد الخير على أهل الكسل)
من يكن يحظى بفقه حصلا ... فبه يرقَى المقامات العلا
فابتغِ الجِد وخلِّ الكسلا ... (واحتفل للفقه في الدين ولا)
(تشتغل عنه بمال وخِول)
стр. 724
إنَّ علم الفقه من أَولى المنن ... وهو كنز ما له قط ثمن
فاسعَ في تحصيله يا ذا الفطن ... (واهجرِ النوم وحصّلْه فمن)
(يعرفِ المطلوب يحقِرْ ما بذل)
لا تقل: قد شُتتت أصحابُه ... لا تقل: قد بُددت أحزابُه
لا تقل: قد فُرّقَت طلابُه ... (لا تقل: قد ذهبت أربابُه)
(كلُّ من سار على الدرب وصل)
اتخذْ شيخًا يجنّبْك الردى ... ويُبَيِّنْ لك أعلام الهدى
إن تشأْ ترغمْ عدوًا حاسدًا ... (في ازديادِ العلم إرغامُ العِدا)
(وجمالُ العلم إصلاحُ العملْ)
أو ما يكفيك أو يُرضيك أنْ ... تُكمِد الحاسد لِما تنطقَنْ
فترى فيهم علاماتِ الحزَنْ ... (جَمِّل المنطق بالنحْوِ فمن)
(حُرِمَ الإِعرابَ بالنّطق اختبلْ)
فهو مفتاح كلام العربِ ... وكملْحٍ في طعامٍ طيبِ
وإذا رُمْت كمال الأدبِ ... (انظمِ الشعر ولازمْ مذهبي)
(في اطّراح الرِّفد لا تَبغِ النحل) ...
إنما الشِّعر شعار الحُكما ... وهو نور العقل يجلو الظُّلَما
حكمة تُهدى إلى مَن فَهِما ... (فهو عنوانٌ على الفضل وما)
(أحسنَ الشعرَ إذا لم يُبتذَل)
كنتُ في أنس بِجِيران اللِّوى ... نُتقِن الدرس ونُحصى ما حوى
رحلوا عني فقاسيت الجوى ... (مات أهل الجود لم يبق سوى)
(مُقرِفٌ أو مَن على الأصل اتَّكلْ)
стр. 725
كم سعى الناس لنحْسٍ أنكدِ ... ورجوا كل خبيثٍ مُفسدِ
أنا عنهم في مقام مفرَدِ ... (أنا لا أختار تقبيلَ يَدِ)
(قطعها أجملُ مِن تلك القُبل)
تلك كفّ لِلَئيمٍ مُسرفِ ... حازت الشحّ وبالبخل تَفِي
فاعتبر فيها مقال المنصِفِ ... (إن جَزتْني عن مديحي صِرْتُ في)
(رِقّها أولا، فيكفيني الخجل)
حُلْوة الأُخرى بدنيا مُرةُ ... مُرة الأخرى بدنيا حُلوةُ
كلُّ شيء لك فيه عِبرةُ ... (مُلْك كسرى عنه تغني كِسرَةُ)
(وعن البحر اكْتفاءٌ بالوشل)
أبعدِ المطلَ عن النفس وجُذ ... وإلى الأطماع يومًا لا تلذ
وبرب العرش من بُخلٍ فعُذْ ... (أعذب الألفاظ قولي لك: خُذْ)
(وأمر اللفظ نطقي بلعلّ)
فعلام الشحُّ يؤذي دينَهم ... وترى الحقد ينمّي حزنهم
أين من يفقه عني أين هُم؟ ... (أعتبر ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ﴾)
(تلْقَه حقًا ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾)
لا تُنازِعْ حاكمًا في حُكمِهِ ... أو عليمًا ماهرًا في علمه
أو رئيسًا قد علا في قومِه ... (ليس ما يحوي الفتى من عزمه)
(لا ولا ما فات يومًا بالكسل)
إنما الدنيا على حالاتها ... تجلب التنغيص في لذاتها
شأنها الإيذاء في ساعاتها ... (اطْرحِ الدنيا فمن عاداتها)
(تخفض العالي وتُعلي من سفل) ...
стр. 726
قد مضى الجاهل في تبجيلها ... وسعى سعيًا إلى تذليلها
وغدًا يرغب في تسهيلها ... (عيشةُ الراغب في تحصيلها)
(عيشةُ الزاهد فيها أو أقلّ)
كم غبيّ في هواها يسهر ... وعليم عن مناها يُدبِر
كسرت قومًا وقومًا تنصُرُ ... (كم جهولٍ وهو مثرٍ مُكثِر)
(وعليم مات منها بالعِللْ)
قلّل السعي وكن متّزنا ... ما قضاه الله لابدّ لنا
لا يزيد المرء بالسعي غنى ... (كم شجاع لم ينل فيها المنى)
(وجبان نال غاياتِ الأملْ)
فوّض الأمر لربي واستعدّ ... ثم سر نحو المعالي واجتهد
نابذًا دنياك عنها مبتعد ... (فاترك الحيلة فيها واتئد)
(إنما الحيلة في ترك الحِيَل)
خالقُ الأنفسِ أحصاها عدد ... ثم غذَّاهم فلم ينس أحد
فابذل الخير وكن خير سند ... (أيُّ كفٍّ لم تنل مما تَفِد)
(فرماها الله منه بالشلل)
ليس بالآباء تدعى مفردًا ... أو بخالٍ ثم عمٍّ تسعدا
بل بنفس كنت منها مجهدًا ... (لا تقُلْ أصْلي وفَصْلي أبدَا)
(إنما أصل الفتى ما قد حصل)
إنما المرء بخُلقٍ طيِّبِ ... كيفما كان بصدرٍ رَحبِ
في اكتساب المجد أو في أدبِ ... (قد يسود المرء من غير أبِ)
стр. 727
(وبِحُسن السّبك قد يُنفى الزغل)
إن يكن شخصٌ على القوم سما ... فأبوه آدم تُربٌ وما
وكذاك المِسْك دمُّ عُلِما ... (وكذا الورد من الشوك وما)
(يطلع النرجس إلا من بصل)
قد بذلتُ النصح فاعلمْ واعملا ... واقرأ القرآن تُكْسَ الحُللا
وخبرتُ الدهر فاخترتُ العلا ... (مع أني أحمد الله على)
(نسبي إذ بأبي بكر اتصل) ...
رتبة المرء بما يتقنه ... عاملاً منه الذي يمكنُه
حبذا لو يُبتغَى أحسنُه ... (قيمة الإِنسان ما يُحسنُه)
(أكثرَ الإِنسانُ منه أو أقلّ)
فإذا كنتَ لبيبًا فطنا ... حازمًا في أمره لم يُهَنا
لا تكن بالسر يومًا مُعلِنا ... (اكتم الأمرين فقرًا وغنى)
(واكسِب الفِلسَ وحاسبْ مَن مَطل)
زُر لأهل العلم دومًا واقتربْ ... وكذا وقِّر لمن منهم نُسِب
وتورّعْ عن حرامٍ واكتسب ... (وادّرع جِدًّا وكَدًّا واجتنب)
(صحبة الحمقى وأرباب الدّوَل)
صاحبُ الشحِّ دهتْه حسرهْ ... يده في عنْقه مغلولهْ
وعلى المُسرف حلَت لومهْ ... (بين تبذير وبخل رتبهْ)
(وكلا هذين إن زاد قتلْ)
لا تعادي معشرًا عنّا نأَوا ... ويحسن القول وصّوا وقضَوا
"
стр. 728
واتَّخذْهم قدوةً فيما رأَوا ... (لا تخُضْ في حقّ سادات مضَوا)
(إنهم ليسوا بأهلٍ للزَّلل)
فاز من أحسن فيهم ظنهُ ... ربك المعطي يوفي وزنهُ
والزمِ الصمت وأحكم حصنهُ ... (وتغافلْ عن أمور إنهُ)
(لم يفز بالحمد إلا مَن غفلْ)
ساعد الخلَّ وسامح لا تَهِنْ ... وإذا يكبو بسيرٍ فأَعِن
ثم إن أُوذيتَ بالصبر استعِنْ ... (ليس يخلو المرء من ضدٍّ وإن)
(حاول العزلة في رأس جبل)
لا تُبِنْ قولك أو تفتح فمَا ... تُشمتِ الأعداءَ مما دهمَا
إن ترُمْ في عصرنا أن تَسلمَا ... (ملْ عن النمّام وازجره فمَا)
(بلغ المكروهَ إلا من نَقَل)
ادفع الشر بخير واستعن ... بإلهٍ من يكن معْه يُعِنْ
فإذا الباغي حميم قد أَمِنْ ... (دارَ جارِ السوء بالصبر وإنْ)
(لم تجد صبرًا فما أحلى النُّقل) ...
انصر الحق وأسِّس عرشه ... واهجر الباطل واترك نبشه
وابذل النصح وحاذر غِشه ... (جانب السلطان واحذر بطشه)
(لا تعاند من إذا قال فعل)
منصب الحكم مقامٌ شاغلُ ... وهو للمرء كنارٍ تُشعَلُ
فتباعدْ عنه يا من يعقلُ ... (لا تَلِ الحكمَ وإن هم سألوا)
(رغبة فيك، وخالف من عذل)
стр. 729
إنّ والي الحكم دومًا ممتحَن ... وله دامت بلايا ومحَن
وهو بين الخلق قِدْمًا ممتهن ... (إن نصف الناس أعداءٌ لمن)
(وُلِّي الأحكامَ، هذا إن عدل)
لم يحز يومًا على حالاته ... راحة في نفسه أو ذاته
وهو لاهٍ عن قضا حاجاته ... (فهْو كالمحبوس عن لذّاته)
(وكلا كفّيه في الحشر تُغلّ)
ولتكن في مثل هذا الموقفِ ... حيث لم يَلفَ له من مسعفِ
قائلاً فيه بقول المنصفِ ... (إنّ للنقص والاستثقال في)
(لفظة القاضي لَوَعظًا ومَثَل)
اتّعظ يا من قضى أو حَكَما ... سوف يلقى الشخص ما قد قدّما
وهو إن يعروه عزل نَدِما ... (لا توازى لذّةُ الحكم بما)
(ذاقه الشخص إذا الشخص انعزل)
قيل في الحكم سرور ومِحَن ... وكذاك السّقمُ يجري للبدن
فاتخذ في دوحة العز فَنن ... (فالولايات وإن طابت لمن)
(ذاقها فالسم في ذاك العسل)
إن لوم الناس أوهى كبدي ... وعنا المنصب أضنى جسدي
نحِّ عني حكمهم يا سندي ... (نَصَبُ المنصب أوهى جَلَدِي)
(وعنائي من مداراة السُّفَل)
دَارِهم في دَارِهم حتى تَجُزْ ... وارضِهم في أَرضِهم كيما تفُزْ
والفتى في كلِّ شيءٍ لا يحُز ... (قَصِّر الآمال في الدنيا تفُز)
(فدليل العقل تقصير الأمل) ...
стр. 730
خاب من كان يطيل الأملا ... يرتجي الخلد وينسى الأجلا
غافلاً في غيه مسترسلا ... (إن من يطلبُه الموت على)
(غرةٍ منه جديرٌ بالوجل)
صِلْ صديقًا لم تغيره المحن ... وإذا زرت فقلِّلْ في الزمن
قد رُوينا فيه عن جدِّ الحسن ... («غِبْ وزُرْ غِبًّا» تزدْ حُبًّا فمن)
(أكثرَ التردادَ أقصاه المَللْ)
من رأى المجد بثوب عنده ... أو بمال ليس يحصى عَدّه
فهو مغرور تعدّى حده ... (خذ بحد السيف واترك غمده)
(واعتبر فضلَ الفتى دون الحُلل)
من يكن بالفقر يومًا وُسِمَا ... وله فضلٌ جليل عُلِما
فله الإِكرام حتمًا لَزِما ... (لا يضرّ الفضلَ إقلالٌ كما)
(لا يضر الشمسَ إطباقُ الطَّفَل)
إنما الأسفار خيرٌ ظاهر ... وهو للأسرار يومًا شاهر
أَمَر الهادي بهذا «سافِرُوا» ... (حبّك الأوطان عجزٌ ظاهر)
(فاغترب تلْق عن الأهل بَدَلْ)
فالذي سافر يحظى بالمنى ... وتسلى بأعاجيب الدنا
فاترك الأهل وخلّ الوطنا ... (فبمكُثِ الماء يبقى آسنا)
(وسُرى البدر به البدرُ اكتمل)
فعلام اللوم يا من عبثا ... لم لا تترك قولَ الخبثا
واسْرِ كالبدر الذي لم يلبثا ... (أيها العائب قولي عبثا)
(إنَّ طيب الورد مؤذ بالجُعَل)
стр. 731
إنَّ ذا التخميس حق ما نُظِر ... مثله فليعتبر من يعتبر
فاستفد من وعظه لا تحتقِر ... (عدِّ عن أسهم قولي واستتر)
(لا يصيبنّك سهم من ثُعَل)
احتَرس من ذي هدوء ماعتَا ... لا تحاول أن تسيءَ المخبِتَا
ربما قد كان سيفًا مصلتا ... (لا يغرنَّك لِين من فتَى)
(إنَّ للحيات لِينًا يُعتزَل) ...
فتواضعْ فهو خير بالغ ... واحترس فالخب مؤذٍ والغُ
ذاك قول فيه حقٌّ دامغ ... (أنا مثل الماء سهلٌ سائغ)
(ومتى سُخِّن آذى وقتل)
أنا ممن قد تعالى قدره ... لست ممن قد تناهى شره
وبدا بين الأنام وزره ... (أنا كالخيزور صعب كسره)
(وهو لَدْنٌ كيفما شئت انفتل)
قول ذي الفقر ثقيل في الأذُن ... كيفما كان وفي القدر ثمن
فاتْبع الحكمة تسعدْ لا تُهَن ... (غير أني في زمانِ من يَكُن)
(فيه ذا مال هو المولى الأجلّ)
أو يكن عيرًا يرى إعظامهُ ... وكرام الأصل هم خدَّامهُ
وعلى الرأس علت أقدامهُ ... (واجب عند الورى إكرامُهُ)
(وقليلُ المال فيهم يُستقلّ)
إنْ تُحققْ لن تجد من فطنَا ... مرتضًى في دينه قد حسنا
стр. 732
إنما العصمة للرسل جنَى ... (كلُّ أهل العصر غمرٌ وأنا)
(منهم فاترك تفاصيل الجُمل)
بكمال النظم أرجو المددا ... مِن إله قد تعالى أحدا
وله الحمد وشكر سرمدا ... (وصلاة وسلامًا أبدا)
(للنبي المصطفى خير الدول)
ما دعا داع إليها وهدى ... أو سعى سعي رشادٍ وهدى
أو خبا نجمٌ بأفق وبدا ... (وعلى الآل والكرام السُّعدا)
(وعلى الأصحاب والقوم الأول)
آخر:
أَحمامَةَ البَيدا أَطَلْتِ بُكاكِ ... فَبِحَقِّ رَبِّكِ ما الّذي أبكاك؟
إِنْ كانَ حقًّا ما ظنَنْتُ فإِنِّ بِي ... فوقَ الذي بكِ من شَديدِ جَواكِ
إِنّي أَظُنُّكِ قد دُهِيتِ بِفُرْقَةٍ ... من مُؤنِسٍ لَكِ فارتَمَضْتِ لِذاكِ
لكنَّ ما أَشكوهُ مِنْ فَرْطِ الجَوَى ... بِخِلافِ ما تَجدينَ من شَكْواكِ
أَنا إِنَّما الذُّنوبَ وأَسْرَها ... ومُنايَ في الشَّكوى مَنالُ فَكاكِي ...
وإِذَا بكَيتُ سَأَلتُ رَبّي رَحْمَةً ... وتَجاوُزًا، فَبُكايَ غَيرُ بُكاكِ
وقال ﵀ يذم الدنيا:
مَنْ لَيسَ بالبَاكِي ولا الْمُتَباكي ... لِقَبيحِ ما يَأْتي فَلَيسَ بِزَاكِ
نادَتْ بِيَ الدُّنيَا فقلْتُ لَها اقْصِري ... ما عُدَّ في الأَكْياسِ مَنْ لَبَّاكِ
ولمَا صَفا عِنْدَ الإِلهِ ولا دَنا ... منهُ امْرُؤٌ صَافاكَ أَو دَاناكِ
ما زِلْتِ خادِعَتي بِبَرْقٍ خُلَّبٍ ... ولو اهْتَديتُ لمَا انْخَدَعْتُ لِذاكِ
стр. 733
قالَتْ: أَغَرَّكَ مِن جَناحِكَ طولُهُ ... وكَأَنْ بِهِ قَدْ قُصَّ في أَشْراكِي
تَالله ما في الأَرْضِ مَوضِعُ راحَةٍ ... إلاّ وقَد نُصِبَتْ عَلَيهِ شِباكي
طِرْ كَيفَ شِئْتَ فأنْتَ فيها واقعٌ ... عَانٍ بِهَا لا يُرتَجَى لِفَكاكِ
مَن كانَ يَصْرَعُ قِرنهُ في مَعْرَكٍ ... فَعَليَّ صَرْعَتُهُ بِغَيرِ عِرَاكِ
ما أَعرِفُ العَضْبَ الصَّقِيلَ ولا القَنا ... ولقد بَطَشْتُ بِذِي السِّلاحِ الشَّاكي
كَم ضَيغَمٍ عَفَّرْتُهُ بِعَريِنهِ ... ولكَمْ فَتكْتُ بأَفْتَكِ الفُتَّاكِ
فأَجَبْتُها مُتعجّبًا مِن غَدْرِها ... أَجَزَيتِ بالبَغْضاءِ مَن يَهْواكِ
لأَجَلْتُ عَيني في بَنِيكِ فَكلُّهمْ ... أَسْراكِ أَو جَرحاكِ أو صَرعاكِ
لَو قارَضُوكِ على صَنِيعكِ فِيهِمُ ... قَطَعُوا مَدى أعمارِهِمْ بِقِلاَكِ
طُمسَتْ عُقولُهمُ ونُورُ قُلوبِهمْ ... فتهافَتُوا حِرْصًا على حَلْواكِ
فَكأَنَّهُمْ مِثْلُ الذُّبابِ تَساقطتْ ... في الأَرْيِ حَتَّى استُؤصِلُوا بِهَلاكِ
لا كُنْتِ مِن أُمِّ لَنا أَكّالَةٍ ... بعدَ الوِلادَةِ، ما أَقَلِّ حَياكِ!
ولقَد عَهِدْنا الأمَّ تَلْطُفُ بابْنِهَا ... عَطْفًا عَلَيهِ وأَنْتِ ما أَقْسَاكِ
ما فَوقَ ظهرِكِ قاطِنٌ أو ظاعِنٌ ... إِلا سَيُهْشَمُ في ثفالِ رَحاكِ
أنتِ السَّرابُ وأنتِ داءٌ كامِنٌ ... بينَ الضُّلوعِ فَما أَعَزَّ دَواكِ!
يُعْصَى الإِلهُ إِذا أُطِعتِ وطاعَتِي ... لله رَبّي أنْ أَشُقَّ عَصاكِ
فَرْضٌ عَلَينا بِرُّنا أُمَّأتِنا ... وعُقوقُهنَّ مُحَرَّمٌ إِلاّكِ!
ما إِنَ يدُومُ الفقرُ فيكِ ولا الغِنى ... سِيَّانَ فَقْرُكِ عِندَنا وغِناكِ
أينَ الجَبابرةُ الأُلى ورِياشُهُمْ ... قد باشَروُا بَعدَ الحَرير ثَراكِ
ولطالمَا رُدُّوا بأَرديةِ البَها ... فَتَعوَّضُوا مِنْها رِداءَ رَدَاكِ
كانت وجُوهُهمُ كأَقمار الدُّجى ... فَغَدَتْ مُسَجَّاةً بِثَوبِ دُجاكِ ...
стр. 734
وَعَنَتْ لقَيُّومِ السَّماواتِ العُلا ... رَبِّ الجَميعِ، وقاهرِ الأَمْلاكِ
وجَلالِ ربِّي لو تَصِحُّ عَزائِمي ... لزَهِدْتُ فيكِ ولابْتَغَيتُ سِواكِ
وأَخَذْتُ زادِي منْكِ مِنْ عَمَلِ التُّقَى ... وشَدَدْتُ إيماني بنَقْضِ عُراكِ
وحَطَطْتُ رَحْلي تَحْتَ أَلوِيَةِ الهُدى ... ولمَا رآني الله تَحتَ لِواكِ
مَهْلاً عَلَيكِ فَسَوفَ يَلْحَقُكِ الفَنا ... فَتُرَي بلا أَرْضٍ ولا أفْلاكِ
ويُعيدُنا رَبٌّ أماتَ جَمِيعَنا ... لِيَكُونَ يُرْضي غَيرَ مَنْ أرضاكِ
والله ما الْمَحْبوبُ عِنْدَ مَليكِهِ ... إِلا لَبيبٌ لم يَزَلْ يَشْناكِ
هَجرَ الغَوانِي واصِلاً لِعَقائلٍ ... يَضْحَكْنَ حُبُّا لِلولِيِّ البَاكي
إِنِّي أرِقْتُ لَهُنَّ لا لِحَمائِمٍ ... تَبْكي الهَدِيلَ عَلى غُضُونِ أراكِ
لا عَيشَ يَصْفُو لِلْمُلوكِ وإنَّما ... تَصْفُو وَتُحْمَدُ عِيشَةُ النُّسّاكِ
ومِنَ الإِلهِ عَلى النِّبِيِّ صَلاتُهُ ... عَددَ النُّجومِ وعِدَّةَ الأَمْلاكِ
قال ﵁ يرغب في ثواب الآخرة:
لو كنتُ في ديني من الأبْطالِ ... ما كُنْتُ بالواني ولا البَطَّالِ
ولبسْتُ منهُ لأْمَةً فضفاضةً ... مسرودَةً من صالحِ الأَعمالِ
لكنّني عَطَّلتُ أقْواسَ التُّقَى ... من نَبْلِها فَرَمَتْ بِغَيرِ نِبَالِ
وَرَمَى العدوُّ بسهمِهِ فأَصابَني ... إذْ لم أْحَصِّنْ جُنَّةً لنِضالِ
فأَنا كَمنْ يَلْقى الكتيبةَ أَعزَلاً ... في مَأْزِق متعرِّضًا لِنِزالِ
لولا رَجَاءُ العَفْوِ كنتُ كناقِعٍ ... بَرْحَ الغَليلِ بِرشْفِ لَمْعِ الآلِ
شابَ القَذالُ فآنَ لي أن أَرعَوي ... لو كنتُ مَتَّعِظًا بِشَيبِ قَذالِ
ولوَ أنّني مُسْتَبْصِرًا إِذْ حَلَّ بِي ... لَعَلِمْتُ أَنَّ حُلولَهُ تَرْحالِي
стр. 735
فَنَظَرْتُ في زَادٍ لِدارِ إِقامَتِي ... وسَأَلتُ رَبي أَنْ يَحُلَّ عِقالِي
فلكَمْ هَمَمْتُ بِتَوبةٍ فَمُنِعْتُها ... إِذْ لمْ أَكُنْ أَهْلاً لَها، وبَدا لِي
ويَعزُّ ذاكَ عليَّ إِلا أنَّني ... مُتَقَلِّبٌ في قَبْضَةِ المُتَعالِي
ووصَلْتُ دُنيا سَوفَ تَقْطَعُ شَأْفَتي ... بِأُفولِ أَنْجُمِها وخَسْف هِلالِي
شَغَلَتْ مُفْتّنَ أَهْلِهَا بِفُتونِها ... ومِنَ المُحَالِ تشاغلٌ بِمُحالِ
لا شيءَ أخْسَرُ صَفْقَةً مِنْ عالِمٍ ... لَعِبَتْ بهِ الدُّنيا معَ الجُهَّالِ
فغَدا يُفَرِّقُ دِينَهُ أَيدِي سَبا ... ويُزيلُه حِرْصًا لِجَمْعِ المالِ ...
لا خَيرَ في كَسْبِ الحَرامِ وقَلَّما ... يُرجى الخَلاصُ لِكاسبٍ لِحَلالِ
ما إِنْ سَمِعْتُ بِعائلٍ تُكْوى غَدًا ... بالنَّارِ جَبْهَتُهُ عَلى الإِقلالِ
وإذا أردْتَ صَحيحَ مَنْ يُكوى بها ... فاقْرَأْ عَقيبةَ سُورةِ الأَنْفالِ
ما يَثْقُلُ المِيزانُ إِلا بامْرئٍ ... قَد خَفَّ كاهِلهُ مِنَ الأَثْقالِ
فَخُذِ الكَفافَ ولا تَكُن ذا فضْلَةٍ ... فالفَضْلُ تُسْأَلُ عَنْهُ أَيَّ سُؤالِ
ودَعِ الْمَطارفَ والْمَطِيَّ لأَهْلِهَا ... واقنَعْ بأَطْمارٍ ولُبْسِ نِعالِ
فَهُمُ وأَنْتَ وفَقْرُنا وغِناهُم ... لا يَسْتَقِرُّ ولا يَدُومُ بِحَالِ
وطُفِ البِلادَ لكَي تَرى آثارَ مَنْ ... قَدْ كانَ يَملِكُها مِنَ الأَقْيالِ
عَصَفَتْ بِهمْ رِيحُ الرَّدى فذَرَتْهُمُ ... ذَرْوَ الريَّاحِ الهُوجِ حِقْفَ رِمالِ
وتَزلْزلَتْ بِهِم المنابِرُ بَعْدَ ما ... ثَبتتْ وكانُوا فَوقَها كَجِبَالِ
واحْبِسْ قَلُوصَك سَاعَةً بِطُلولِهِمْ ... واحْذَرْ عَليكَ بِها مِنَ الأَغوالِ
فلكمْ بهَا من أَرْقَمٍ صِلّ وكمْ ... قَدْ كانَ فيها مِنْ مَهًا وغَزالِ
ولكَمْ غَدَتْ مِنْهَا وراحَتْ حَلْبةً ... للحَرْبِ يَقْدُمُها أَبو الأَشْبالِ
فَتَقطَّعَت أَسْبابُهُمْ وتَمزَّقَتْ ... ولَقَبْلَ ما كانوا كَنَظْمِ لآَلِ
стр. 736
وإِذا أَتَيتَ قُبورَهُمْ فاسأَلْهُمُ ... عَمَّا لَقوا فيها مِنَ الأَهْوالِ
فسَيخُبِرونَكَ إِنْ فَهِمْتَ بِحالِهِمْ ... بِعبارَةٍ كالوَحْيِ لا بِمَقالِ
إِنّا بِها رَهْنٌ إِلى يَومِ الجَزا ... بِجَرائِم الأَقوالِ والأَفْعالِ
مَنْ لا يُراقِبُ رَبَّهُ ويَخافُهُ ... تَبَّتْ يَدَاهُ وما لَهُ مِنْ والِ
وله أيضًا ﵀:
أَلا خَبَرُ بِمُنتَزِحِ النَّواحي ... أَطِيرُ إِليهِ مَنْشُورَ الجَناحِ
فأَسأَلَهُ وأُلطِفَهُ عَساهُ ... سيأُسُو ما بِدِيني مِنْ جِراحِ
ويَجْلو ما دَجى مِن لَيلِ جَهْلي ... بِنُورِ هُدَى كُمُنْبَلِجِ الصَّباحِ
فأَبصُقُ في مُحَيَّا أُمِّ دَفْرٍ ... واَهْجُرُها واَدْفَعُها براحي
وأَصْحُو مِنْ حُمَيَّاها وأَسْلُو ... عَفافًا عن جَآذِرِها المِلاح
وأصْرِفُ هِمَّتي بالكُلِّ عَنْها ... إِلى دارِ السَّعادةِ والنَّجاحِ
أفي السِّتّينَ أهْجَعُ في مَقِيلي ... وحَادي الْمَوتِ يُوقِظُ للرَّواحِ
وقد نَشَرَ الزَّمانُ لِواءَ شَيبي ... لِيَطْوِيَني ويَسْلُبَني وِشَاحِي ...
وقد سَلَّ الحِمامُ عَليَّ نَصْلاً ... سَيَقتُلُني وإِنْ شاكَتْ سِلاحي
ويَحْمِلُني إِلى الأَجْداثِ صَحْبِي ... إِلى ضِيقٍ هُناكَ أَو انْفِسَاحِ
فَأُجْزى الخَيرَ إِنْ قدَّمتُ خَيرًا ... وشَرًّا إِنْ جُزيتُ على اجْتراحي
وها أَنا ذا عَلى عِلْمي بِهذا ... بَطيءُ الشَّأْوِ في سَنَنَ الصَّلاحِ
ولِي شَأْوٌ بمَيدانِ الخَطايا ... بَعِيدٌ لا يُبارى بالرياحِ
فَلو أني نَظَرْتُ بِعَينِ عَقْلِي ... إذنْ لَقَطَعْتُ دَهرِي بالنِّياحِ
стр. 737
ولم أَسحَب ذُيُولِي في التَّصابي ... ولَمْ أَطْرَبْ بِغانيَةٍ ردَاحِ
وكنتُ اليَومَ أَوَّابًا مُنيبًا ... لَعَلِّي أَنْ تفوزَ غَدًا قِداحي
إِذا ما كُنْتُ مَكُبُولَ الخَطايا ... وعانِيَهَا فَمنْ لي بالبرَاحِ
فهَلْ مِنْ توبَةٍ مِنْها نَصُوحٍ ... تُطيِّرُني وتأْخذُ لي سَراحِي
فَيَا لَهْفي إِذا جُمِعَ البَرايَا ... على حِزْبِي لَدَيهِمْ وافْتِضاحي
ولولا أَنني أرْجُو إِلهِي ... ورَحْمَتَهُ يَئِسْتُ مِنَ الفَلاحِ
آخر:
لِمَاذَا أَنْتَ تَغْفُلُ عن رَقيبٍ ... بَراكَ فَذا يَراكَ ولَيس يَغْفُلْ
وتُشْغَلُ عنهُ مَفْتُونًا بِدُنْيًا ... ومن سوى البَرايَا لَيس يُشْغَلْ
يُنَادِي كلَّ ذي قَلْبٍ سَلِيمٍ ... لحَضْرَتِه وأنتَ أراكَ تَكْسَلْ
فقُمْ في كلِّ وَقْتٍ باجتهادٍ ... أجِبْ وَأقْبِلْ على مَولاكَ تُقْبَلْ
تنالُ مقامَ صِدْقٍ في حُضُورٍ ... بحَضْرةِ مَنْ عليه الكُلُّ عَوَّلْ
اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإيمَانِ وَثَبِّتْهَا عَلى قولِكَ الثّابِت في الحياةِ الدُّنْيَا وَفي الآخِرَةِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ وَتَوفَّنَا مُسْلِمِينَ وَالْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ يَا أَكْرَمَ الأكْرَمِينَ وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
هذه قصيدة وعظية تزعجك عن الدنيا وتزهدك فيها وتَحثُكَ على الآخرة:
حِيَلُ البِلَى تَأْتِي على المُحْتَالِ ، ... ومَسَاكِنُ الدُّنْيا، فَهُنَّ بَوَالِ
شُغِلَ الأُلى كنَزُوا الكُنوزَ عن التُّقى، ... وَسَهَو، بِبَاطِلِهِم، عَنِ الآجالِ
سَلِّمْ على الدُّنْيا سَلامَ مُوَدِّعٍ، ... وَارْحَلْ، فَقَدْ نُودِيتَ بالتِّرْحالِ
مَا أَنْت، يَا دُنْيَا، بِدَارِ إِقَامَةٍ، ... مَا زِلْتِ، يَا دُنْيا، كَفَيءِ ظِلالِ
стр. 738
وَخَفَفْتِ، يَا دُنْيا، بِكُلّ بَلِيِّةٍ، ... وَمُزِجْتِ، يَا دُنْيَا، بِكُلِّ وَبَالِ
قَدْ كُنْتِ يَا دُنْيا مَلَكْتِ مَقادَتِي، ... فَقَرَيتِني بوَساوِسٍ وَخَبَالِ
حَوَّلْتِ، يَا دُنْيَا، جَمَالَ شَبِيبَتِي ... قُبْحًا، فَماتَ لِذَاكَ نُورُ جَمَالي
غَرَسَ التَّخَلُّصُ مِنكِ بَينَ جَوانِحِي ... شَجَرَ القَنَاعَةِ، والقَنَاعةُ مالي
الآنَ أَبْصَرْتُ الضَلالَةَ وَالهُدَى ... والآنَ فِيكَ قَبِلْتُ مِن عُذَّالِي
وَطويتُ عَنْكِ ذُيُولَ بُرْدَي صَبْوَتِي، ... وَقَطَعْتُ حَبْلَكِ مِن وِصَالِ حِبالِي
وَفَهِمْتُ مِنْ نُوَبِ الزَّمانِ عِظَاتِهَا، ... وَفَطِنْتُ لِلأَيَامِ وَالأَحْوَالِ
وَمَلَكْتُ قَودَ عِنانِ نَفْسِي بالهُدى، ... وَطَوَيتُ عَن تَبْعِ الهَوَى أَذيالِي
وتَنَاوَلَتْ فِكْري عَجائِبُ جَمَّةٌ ... بِتَصَرُّفٍ فِي الحالِ بَعْدَ الحالِ
لَمّا حَصَلتُ على القَنَاعةِ، لَم أَزَلْ ... مَلِكًا، يرَى الإِكْثارَ كالإِقْلالِ
إِنَّ القَنَاعةَ بِالكَفَافِ هِيَ الغِنَى، ... وَالفَقْرُ عَينُ الفَقْرِ في الأَمْوَالِ
مَن لم يكن في الله يَمَنَحُكَ الهوَى، ... مَزَجَ الهَوَى بِمَلالَةٍ، وَثِقالٍ
وَإذا ابنُ آدَمَ نالَ رِفْعَةَ مَنزِلٍ، ... قُرِنَ ابنُ آدَمَ عِندَها بسِفالِ
وَإذا الفتَى حَجَبَ الهَوَى عَن عقَلِه، ... رَشَدَ الفتى، وَصَفا مِنَ الأَوحالِ
وإذا الفتَى لَزِمَ التَّلَوُّنَ لم يَجِدْ ... أَبَدًا لَهُ، في الوَصْلِ طعمَ وِصَالِ
وَإذا تَوَازَنَتِ الأُمُورُ لفَضْلِهَا، ... فالدّينُ مِنْهَا أَرْجَحُ المِثْقَالِ
أَمسَتْ رِياضُ هُداكَ منكَ خَوَالِيًا، ... وَرِياضُ غَيِّكَ مِنْكَ غَيرُ خَوَالِ
قَيّدْ عَنِ الدُّنْيا هَوَاكَ بِسَلْوَةٍ، ... وَاقْمَعْ نَشاطَكَ فِي الهوَى بِنَكالِ
وَبِحَسْبِ عَقْلِكَ بالزَّمانِ مُؤدِّبًا؛ ... وَبِحْسِبِه بِتَقَلُّبِ الأَحْوالِ
بَرِّدْ بيأسِكَ عَنْكَ حَرَّ مَطَامِعٍ، ... قَدَحَتْ بِعَقْلِكَ أَثْقَبَ الأَشْعَالِ
قَاتِلْ هَوَاكَ، إِذَا دَعَاكَ لِفِتنَةٍ؛ ... قَاتِلْ هَوَاكَ هُنَاكَ، كُلَّ قِتالِ ...
إِنْ لم تكنْ بَطَلاً إِذَا حَمِيَ الوَغَى ... فاحذَرْ عَليَكَ مَوَاقِفَ الأَبْطالِ
اخْزَنْ لسانَكَ بالسّكوتِ عَنِ الخَنا ... وَاحْذَرْ عَليَكَ عوَاقِبَ الأَقْوَالِ
стр. 739
وَإذا عَقَلْتَ هَوَاكَ عَنْ هَفَوَاتِهِ، ... أَطْلَقْتَهُ مِن شِينِ كُلّ عِقَالِ
وَإذا سكَنْتَ إلى الهُدَى، وَأَطَعْتَهُ، ... أُلْبِسْتَ حِلَّةَ صالحِ الأَعْمالِ
وَإذا طَمِعْتَ لَبِسْتَ ثَوبَ مَذَلَّةٍ، ... إِنَّ المَطامِعَ مَعْدِنُ الإِذْلالِ
وَإذا سَحَبْتَ إِلى الهَوَى أَذْيَالَهُ، ... كَسَبَتْ يَداكَ مَوَدَّةَ الجُهّالِ
وَإذا حَلَلْتَ عنِ اللّسانِ عِقالَهُ، ... أَلقَاك مِن قِيلٍ عَلَيكَ وَقالِ
وَإذا ظَمِئْتَ إلى التُّقَى أَسْقَيتَهُ ... مِنْ مَشرَبٍ عَذْبِ المَذاقِ، زُلالِ
وَإذا ابتُليتَ ببَذْلِ وَجْهِكَ، سَائِلاً، ... فابْذُلْهُ للمُتَكَرّمِ المِفْضَالِ
إِنّ الشَّرِيفَ، إذا حَباكَ بِوَعْدِهِ، ... أَعْطَاكَهُ سَلِسًا، بِغَيرِ مِطالِ
ما اعتاضَ باذِلُ وَجْهِهِ بِسُؤالِهِ ... عِوَضًا، وَلَو نَالَ الغِنى بِسُؤالِ
عَجَبًَا عَجِبْتُ لمُوقِنِ بِوَفَاتِهِ، ... يَمْشِيِ التَّبَخْتُرَ، مِشيَةَ المُختالِ
وقال آخر:
فما لَكَ لَيسَ يَعملُ فيكَ وَعْظٌ ، ... وَلا زَجْرٌ، كأْنَكَ مِنْ جَمَادِ
سَتَنْدَمُ إنْ رَحَلْتَ بغيرِ زَادٍ ... وتَشْقَى، إذْ يُناديكَ المُنادِي
فَلا تَأمَنْ لِذِي الدّنْيا صَلاحًا، ... فإنْ صَلاحَها عَينُ الفَسَادِ
ولا تَفْرَحْ بِمَالٍ تَقْتَنيهِ، ... فإنّكَ فِيهِ مَعْكُوسُ المُرادِ
وتُبْ مِمِّا جَنَيتَ، وأنْتَ حَيٌ، ... وكُنْ مُتَنَبّهًا، قَبلَ الرّقادِ
أتَرْضَى أنْ تكونَ رفيقَ قَومٍ، ... لُهمْ زَادٌ وأنْتَ بِغَيرِ زَادِ
وقال الشيخ سليمان بن سحمان:
أَلاَ قُلْ لِذَي جَهْلٍ بِكَلِّ الحَقائِقِ ... وأَقْومِ مِنْهاجٍ لأَهْلِ السَّوابِقِ
ومَنْ سَلكُوا نهجًا مِن الدِّينِ واضِحًا ... وكَانَ لَعَمْرو اللهِ أهْدَى الطَّرائقِ
أُولئكَ أصحابُ النَّبِيِّ محمَّدٍ ... ذَوو العلمِ والتَّحقيقِ أَزكى الخلائقِ
стр. 740
إذا مَا أَتى نَحْوَ المدينَةِ قَاصِدًا ... مِن الصَّحبِ ذُو شَوقٍ إليهِ وشائِقِ
يُصلَّى به أَعني التَّحية أوَّلاً ... ومِنْ بَعِدها يأْتي بذِلَّةِ وَامِقِ
وَيأْتِي بَتَسْليمٍ عَلَى خَيرِ مُرْسَلٍ ... كَمَا هُوَ في مَنْصُوصِ أهْلِ الحَقَائِقِ
أَهَلْ أَنْتَ أهدَى أم صحابةُ أَحْمَدٍ ... وتابعُهم أهلُ النُّهى والسَّوابِقِ ...
كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ فيما ادَّعيتَه ... وجِئْتَ بِهِ مِنْ مُنْكَرَاتِ المخَارِقِ
وَجَازَفْتَ فيما قُلْتَه مُتشدِّقًا ... وكَنْتَ بقولِ الزُّورِ أحذَقَ ماذِقِ
وخالفتَ نَصَّ المصْطَفَى ونَبِذْتَه ... وَرَاءَكَ ظِهرِيًّا ولَمَّا تُوَافِقِ
فَمَنْ قَالَ لا تَشْدُدْ رِحَالكَ نَحْوَه ... عَلى القصدِ بلْ في ضمنِ شيءٍ مُطَابقِ
فَقَدْ وَافَقَ النَّصَّ الشريفَ ولَمْ يَحِدْ ... عنِ المنهجِ الأَسْنى ورَبِّ المشارِقِ
وَوَافَق أصْحَابَ النَّبي محمَّدٍ ... وخَالَفَ ما قَدْ قَالَه كُلُّ مَارِقِ
وما خَالَفَ الإِجماعَ يا فَدْمُ فاتَّئِدْ ... ولا تَتَّبع أقوالَ طَاغٍ ومَارِقِ
غَلا واعْتدَى في الدِّيِنِ وهُوَ يَظُنُّه ... بذلكَ في أَهدى طريقٍ مُوافِقِ
وقد حَادَ عن نَهْجِ الشَّرِيعةِ وارْتَضَى ... مَقَالةَ غَالٍ جَاهلٍ ذِي مَخَارِقِ
وقَالَ عِنادًا لِلْهُدَاةِ الَّذِينَ هُمْ ... أَحَقُّ وأهْدَى مِن غوىٍّ مُنَافقِ
وكنْ قاصدًا بالسِّيرِ منك زيارَةً ... لمن حلَّها رغمًا لأَنِف المُمَارِقِ
وواللهِ ما منَّا لِذلِكَ مُنْكِرٌ ... ولكنَّنا نَدْعُو لأَهْدَى الطَّرَائِقِ
وَذلكَ أَنَّ الشَّدَّ لِلرَّحْل إنَّمَا ... لِمسْجِدِهِ قَدْ كَانَ قولاً لِصَادِقِ
يَنَالُ بِه الإِنسانُ فَضْلاً مُحَقَّقًا ... لِقَاصِدِهِ ليَسْتْ بأَقوالِ مَاذِقِ
ومِنْ بعدِ ذَا فَاقْصِدْ إلى القبرِ زَائرًا ... وسَلِّم على المعصومِ أزكَى الخَلائِقِ
وسرْ نَحْوَهُ في ذِلَّةٍ وتَواضُعٍ ... وتَوقِيرِ مُشتاقٍ إليهِ وشَائِقِ
وسَلِّم عَلى الصِّدِّيق بَعْدَ نَبيِّنَا ... ومِنْ بَعدِه الفارُوقُ غَيظَ المنافِقِ
وإيَّاكَ أنْ تَأخُذْ بأَقوالِ مارِقٍ ... تلُوذُ بِهِ مِنْ كَلِّ خَطْبٍ مُضَائِقِ
وكنْ لائذًا باللهِ ﷻ ... لِتَنْجُوَ في يَومِ البُكَا والتَشَاهُقِ
следующие страницы →