Полный текст (1 178 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
وقالَتْ أيضًا:
أفاطِمُ فابْكِي ولا تَسْأمِي ... بَصَحْبِكِ مَا طَلَعَ الكَوكَبُ
هُوَ المُرْءُ يُبْكي بِحَقِّ البُكَا ... هُوَ المَاجِدُ السَّيِدُ الطَّيِبُ
فأوحَشتُ الأرْضُ مِن فَقْدِهِ ... وَأنَّ البَرِيَّةَ لا تُنْكَبُ
فَمَالِي بَعْدَكَ حَتَّى الْمَمَا ... تِ إلاَّ الجَوى الذَّاحِلُ المُصْلِبُ
بَبَكِّي الرسُولَ وحُقَّتْ لَهُ ... شُهُودُ المدِينَةِ والغُيَّبُ
لِتَبْكَكَ شَمْطَاءُ مضْرُورَةً ... إذَا حُجِبَ النَّاسُ لا تُحْجَبُ
لِيَبْكَكَ شَيخٌ أبُو وَلْدِةٍ ... يَطُوفُ بعَقْوَتِهِ أشْهَبُ
ويَبْكِكَ رَكْبٌ إذَا أرْمَلُوا ... فَلَك يَكْفِ مَات طَلَبَ المَطْلَبُ
وتبكي الأَبَاطِحُ مِن فَقْدِهِ ... وتَبكِيهِ مَكَّةُ والأخْشَبُ
وتَبْكِيهِ عَذْرَاءُ مِن فَقْدِهَا ... بِحُزْنٍ وتُسْعِدُهَا الثَّيِبُ
فَعَينِيَ مالَكَ لا تَدْمَعِي ... وحُقَّ لِدَمْعِكَ مَا يَسْكُبُ
وقال حَسَّانُ يُعَدِّدُ مَحَاسِن الأنصَار:
قَومٌ هُمُ شَهدوا بَدْرًا بأجْمَعِهِمْ ... مَعَ الرسولِ فما آلُوا ومَا خَذَلُوا
وبايَعُوهُ فَلَم يَنْكُثْ بِهِ أَحَدٌ ... مِنهم ولَمْ يكُ في إيمَانِهم دَخَلُ
ويَومَ صُبْحِهِمُ في الشِعْبِ مِن أُحُدٍ ... صَرْفٌ رَصِينٌ كَحَرِّ النَّارِ مُشتَعِل
وَيَومَ ذِي قُرُدٍ يَومَ اسْتَثَارَ بِهِم ... عَلَى الجِيَادِ فَمَأ خَامُوا ولا نَكَلُوا
وَذَا العَشِيرةِ جَاسُوهَا بِخَيلِهِمُ ... مَعَ الرَّسُولِ عَلَيهَا البَيضُ والأسَلُ
ويَومَ وَدَّانَ أجْلَوا أهْلَهُ رُقَصًا ... بالخَيلِ حَتَّى نَهَانَا الحَزْنُ والجَبَلُ
ولَيلَةٍ طَلَبُوا فيها عَدُوَّهُمُ ... لله واللهُ يَجْرِيهمْ بِمَا عَمِلُوا
وغَزوَةٍ يَومَ نَجْدٍ ثُمَّ كَانَ لَهُمْ ... مَعَ الرَّسُولِ بِهَا الأسْلابُ والنَّفَلُ
стр. 982
وَلَيلَةٍ بِحُنَينٍ جَالَدُوا مَعَهُ ... فيهَا يَعُلُّهُمُ بالخَرْبِ إذْ نَهَلُوا
وعَزْوَة القَاعِ فَرَّقْنَا العَدُوَّ بِهِ ... كَمَا تَفَرَّقَ دَن المَشْرَبِ الرسلُ
ويَومَ بُيُوِيعَ كَانُوا أهْلَ بَيعَتِهِ ... عَلَى الجِلاَدِ فآسَوهُ وَمَا عَدَلُوا
وعَزْوَةُ الفَتْحِ كَانُوا في سَرِيَّتِهِ ... مُرَابِطِينَ فَما طَاشُوا ومَا عَجِلُوا
ويَومَ خَيبَر كَانُوا في كَتِيبَتِهِ ... يَمْشُونَ كُلُهُم مُسْتَبْسِلٌ بَطَلُ
بالبْيضِ تَرْعُشُ في الأيمَانِ عَارِيَةً ... تَعُوجُ في الضَّرِب أحْيَانًا وتَعْتَدِلُ
ويَومَ سَارَ رَسُولُ اللهِ مُحْتَسبًا ... إلى تَبُوكَ وهمُ رَايَاتُهُ الأُوَلُ
وسَاسَةُ الحَرْب إنْ حَرْبٌ بَدَتْ لَهُمُوا ... حَتَّى بَدَا لَهُمْ الإِقْبَالُ وَالقَفَلُ
أُولئكَ القَومُ أنْصَارَ النبي وهُمْ ... قَومِي أَصِيرُ إليهِمْ حِينَ أتَّصِلُ
مَاتُوا كِرَامًا ولَمْ تَنْكُثْ عُهُودُهُمُوا ... وقَتْلُهُمْ في سَبِيلِ اللهِ إذْ قُتِلُوا
وقال عَبَاسُ بنُ مِرْدَاس:
وأَنَّا مَعَ الهَادِي النبي مُحمَّدٍ ... وَفِينَا ولَمْ يَسْتَوفِهَا مَعْشَرٌ ألْفَا
بِفِيتَانِ صِدْقٍ مِن سُلْيمٍ أعِزَّةٍ ... أطَاعُوا فَمَا يَعْصُونَ من أمْرِهِ أمْرَا
خِفَافٌ وذَكْوَانُ وعَوفٌ تَخَالُهُمْ ... مَصَاعِبَ زَافَتْ في طُروقَتَهَا كلْفَا
كأن نَسِيِجَ الشُهْبِ والبِيضِ مُلْبسٌ ... أُسُودًا تَلاَقَتَ في مَرَصِدِهَا غُضْفَا
بنا عَزَّ دِينُ اللهِ غَيرَ تَنَحُّلٍ ... وزدِنَا على الحي الذي معه ضَعْفَا
بمكة إذ جئنا كأنَّ لِوَاءَنَا ... عِقَابٌ أرَادَتْ بَعءدَ تَحْلِقِهَا خَطْفَا
عَلَى شُخَّصِ الأبصار تَحِسْبُ بَينَهَا ... إذَا هي جَالَت في مَرَاوِدهَا عَزْفَا
غَدَاةَ وَطِئنَا المُشْرِكِينَ وَلَمنْ نِجِدْ ... لأَمْرِ رسول اللهِ عَدْلاً ولا صَرْفَا
وقال دَعْبَل الخُزَاعِي:
ذَكَرْتُ مَحَلَّ الربع مِن عَرَفَاتِ ... فأجْرَيتُ دَمْعَ العَينِ بالعَبَراتِ
стр. 983
وقدَ عَزَّني صَبري وهَاجَتْ صَبَابَتِي ... رُسُومُ دِيَار مُقْفِراتِ عُرَاتِ
مَدَارِسُ آيَاتٍ خَلَتْ مِن تِلاَوَة ... ومَنْزِلُ وحْي مُقْفِرِ العَرَصَاتِ
لآلِ رسُولِ اللهِ بالخَيفِ مِن مِنَى ... وباللَّيتِ والتَّعْرِيفِ والجَمَراتِ
دِيَارُ عَليٍ والحُسِينِ وجَعْفَرٍ ... وحَمْزَةَ والسَّجَاد ذي الثَّفَنَاتِ
دِيَار لِعَبْد اللهِ والفَضْلِ صِنْوُهُ ... نَجِيِّ رسولِ اللهِ في الخَلَواتِ
مَنَازِلُ كَانَتْ لِلْصَّلاَةِ ولِلْتُّقَى ... ولِلْصَّومِ والتَّطْهِيرِ والحَسَنَاتِ
مَنَازِلُ جبْريل الأمِين يَحُلُّهَا ... مِن اللهِ بالتسليمِ والرَّحَمَاتِ
مَنَازِلُ وحْي اللهِ مَعْدِنُ عِلْمِهِ ... سَبِيلُ رَشَادٍ وَاضِحُ الطُّرُقَاتِ
فأينَ الأُولَى شَطَّتْ بِهمْ غُرْبَةُ النَّوى ... فأمْسَينَ في الأقْطَار مُفْتَرِقاتِ
هُمُوا آلُ مِيراثِ النَّبِي إذَا انْتَمَوا ... وهُم خَيرُ سَادَةٍ وخَيرُ حُمَاةِ
مَطَاعِيمُ في الإعْسَارِ في كُلِّ مَشْهَدٍ ... لَقَدْ شُرِّفُوا بالفَضْلِ والبَركَاتِ
أئمَّةُ عَدْلٍ يُقْتَدَى بِفَعَالِهمْ ... وتُؤْمَنُ مِنهم زَلَّهُ العَثَراتِ
سأبْكيهُمُ مَا ذَرَّ في الأُفق شارِقٌ ... ونادَى مُنَادِي الخَيرِ لِلْصَّلَوَاتِ
رَثَى بعضهم رسول الله ﷺ فقال:
أمِنْ بَعْدِ تَكْفِينْ النبي ودَفْنِهِ ... بأثوابِهِ أسْلِي على هالك ثَوى
رُزِئْنَا رسول الله فِينَا فَلَنْ نَرَى ... بِذَاكَ عِديلاً ما حَيِينَا مِن الرَّدَى
وكَانَ لَنَا كالحِصْنِ مِنْ دُونِ أهْلِهِ ... لَهُ مَعْقِلٌ حِرْزٌ حَرِيزٌ مِن العِدَا
وَكَانَ بِمَرْآهُ نَرَى النُّورَ وَالهُدَى ... صَبَاحًا مَسَاءً رَاحَ فِينَا أَوِ اهْتَدَى
لَقَدْ غَشِيَتْنَا ظُلْمةٌ بَعْد مَوتِهِ ... نَهارًا فَقَدْ زَادتْ عَلَى ظُلْمَةِ الدُّجَى
فَيَا خَيرَ مَن ضَمَّ الجوانِحَ والحَشَا ... ويَا خَيرَ مَيت ضَمَّهُ التُّرْبُ والثَّرى
كأن أمُور الناسِ بَعْدَكَ ضُمِّلَتْ ... سَفِينةَ مَوجٍ حِينَمَا البَحْرُ قَدْ سَمَا
وضَاقَ فَضَاءُ الأرْضِ عَنهُم بِرَجِّهِ ... لِفَقْدِ رسُولِ الله إذْ قِيلَ قد مَضَى
стр. 984
فَقَد نَزَلَتْ بِالمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ ... كَصَدْعِ الصَّفَا لا شَعبِ لِلصَّدَى فِي الصفا
فَلَمْ يَسْتَقِلّ النَّاسُ تِلْكَ مُصِيبَةً ... وَلَنْ يُجْبَرَ العَظْمُ الذِي مِنْهم وَهَى ...
وفي كُلِّ وَقْتٍ لِلْصَّلاةِ يُهِيجُهُ ... بِلاَلٌ ويَدْعُو بِاسْمِهِ كُلَّمَا دَعَا
ويَطْلُبُ أقْوامٌ مَوَارِيثَ هَالِكٍ ... وفِينَا مَوَارِيثُ النُّبوُّةِ والهُدَى
وقال آخر:
الحَمْدُ للهِ الجميلِ المُفْضِلِ ... المُسْبغ المُولِي العطاءَ المُجْزِلِ
شُكْرًا عَلى تَمْكِينِهِ رَسُولِهِ ... بالنَّصرِ مِنْهُ عَلَى الغُوَاة الجُهَّلِ
كَمْ نِعْمَةٍ لا أسْتَطِيعُ بُلٌوغهَا ... جُهْدًا ولو أعْمَلْتُ طَاقَةَ مِعْوَلِي
لله أصْبَحَ فَضْلُهُ مُتَظَاهِرًا ... منه عَليَّ سَألْتُ أمْ لَمْ أسْأَلِ
قَدْ عَايَنَ الأحْزَابُ مِن تَأيِيدِهِ ... جُنْدَ النبي وذِي البَيَانِ المُرسَلِ
مَا فيه مَوعِظَةٌ لِكُلِ مُفَكِرٍ ... إنْ كَانَ ذَا عَقْل وإنْ لَمْ يَعْقِلِ
وقال رحمه الله تعالى تضرع إلى الله جلا وعلا وتَقًدس:
فَيا سَامِعَ الدُعا، وَيَا رَافِع السَّما ... ويَا دَائم البَقَا، ويَا وَاسِعَ العَطَا
لِذِي الفَاقَةِ العَدِيم
ويَا عَلاَّمَ الغُيُوبْ، ويَا غَافِرَ الذنوبُ ... ويَا سَاتِرَ العُيُوب، ويَا كَاشِف الكُرُوبُ
عن المُرْهَقِ الكَظِيم
ويَا فَائِقَ الصِّفَاتْ، ويَا مُخِرِجَ النباتْ ... ويَأ جَامِعَ الشَّتَاتْ، ويا مُنْشِئ الرُّفاتْ
مِن الأعْظُمِ الرَّمِيمْ
стр. 985
وَيَا مُنْزِلَ الغِيَاثْ، مِن الدُّلَّحِ الحِثَاثْ ... عَلَى الحَزْنِ والدِّمَاثْ، إلى الجُوَّع الغِراثْ
ويَا خَالَق البُروجْ، سَمَاءُ بَلاَ فُرُوج ... مَعَ اللَّيل ذي الوُلُوج، عَلى الضَوءِ ذِي البلُوج
يُغْشِي سَنَاءَ النُجُومْ
ويَا فَالقَ الإِصْبَاح، وَمُسسِّرْ النَّجَاحْ ... ويَا مُرْسِلَ الرِّيَاحْ، بُكُورًا مَعَ الرَّواحِ
ويَا مُنْشِيَ الغُيُوم
ويَا هَادِي لِلرَّشَادْ، ويا مُلْهِمَ السَّدادْ ... ويَا رَازِقَ العِبَادْ، ويَأ مُحْيِي البِلاَدْ
وَيَا فَارِجَ الغُمُومْ
ويَا مَنْ بِهِ أعُوذَ، ويَا مَنْ بِهِ ألُوذْ ... ومَن حِلْمُهُ النُفوذْ، فما عنه لِي شُذُوذْ
تَبارَكْتَ يَا حَلِيمْ
وَيَا مُطْلِقَ ألأَسِيرْ، ويَا جَابِرَ الكَسِيرْ ... ويَا مُغْنِيَ الفَقْيِرْ، ويَا غَاذِي الصَّغِيرْ
ويَا مَالكَ النَّواصِي، لِلْمُطِيعي والعَوَاصِي ... فَمَا عَنْه مِن مَنَاصِ، لِعَبدٍ ولا خَلاصْ
لِمَاضٍ ولا مُقيمْ ...
وَيَا مَنْ هُوَ سَميع، ومَن عَرْشُهُ رَفِيعْ ... ومَن خَلْقُهُ البَدِيع، ومَن جَارُهُ المَنِيعْ
مِن الظالم الغَشُومْ
стр. 986
ويَا مَلْجَأَ الضَّعِيفْ، ويا مَفْزَعَ اللَّهِيفُ، ... تَبَاركْتَ مِن لَطِيفْ، رَحِيمٍ بِنَا رَءوفْ
خَبيرٌ بِنَا كَرِيم
ويَا مَن قَضَى بحَقْ، عَلى أنْفُسْ كُلِّ الخلْق ... وفَاةً بِكُلِّ أُفْقْ، فما يَنْفَعُ التَّوَقْ
منَ الموتِ والحُتُومْ
ويَا صَاحب الجلال، وذَا العِزِّ والجَمَالْ ... وذَا المَجد والفِعَال، ويا شَديد المحَال
تَعالَيتَ مِن حَليمْ
أجِرْني مِن الجَحِيم، ومِن هَولِهَا العظيم ... ومِن عَيشهَا الذميم، ومِن حَرِّهَا المُقِيمْ
ومِن مَائِهَا الحَميمْ
فَيَا رَبِّ يَا مَنَّانْ، ويَا دائِمَ الإحسانْ ... ويَا مَنزل القرآن، فَرِّحْ قلبي بالرِضْوَانْ
يَومَ المَجْمَعِ العَظيم
وقال كعب بن مالك مُجِيبًا لِهُبَيرةَ بنِ أبِي وهْب:
ولكِنْ بِبَدْرٍ سَائِلُو مَن لَقِيتمُ ... مِن النَّاسِ والأَنباءُ بالغَيبِ تَنْفَعُ
وإِنا بأرضِ الخوفِ لَو كَانَ أهْلُها ... سِوانَا لَقَدْ أُجْلُوا بليلٍ فَأَقشَعُوا
إذَا جَاءَ مِنَّا رَاكبٌ كَانَ قَولُه ... أَعدُو لِمَا يُزْجِى ابنُ حَربٍ ويَجْمَعُ
فَمَهْمَا يَهُمُّ النَّاسَ مِمَّا يَكِيدُنَا ... فَنَحْنُ لَهُ مِن سَائِر النَّاسِ أوسَعُ
فلو غَيْرنَا كَانَتْ جَمِيعًا تكِيدُهُ الْـ ... ـبَرِيَّةُ قَدْ أَعْطَوا يَدًا وتَوَرَّعُوا
نُجَالِدُ لا تَبْغِي عَلَينَا قِبيلَةٌ ... مِن النَّاسِ إلا أنْ يُهَانُوا ويفظعوا
стр. 987
ولَمَّا ابْتَنُوا بالعَرض قالتْ سُيوفنا ... عَلَى مَا إذَا لَمْ نَمْنَعِ العَرضَ تَزْرَعُ
وفينَا رَسُولُ اللهِ نَتْبَعُ أمَرَهُ ... إذَا قَالَ فِينَا القَولَ لا نَتَظَلَّعُ
تَدَلَّى عَلَيهِ الرُّوحُ مِن عِنْد رَبِّهِ ... يُنَزِّلُ مِن جَوِّ السماءِ ويَرْفَعُ
نُشَاوِرُهُ فيمَا نُريدُ، وقَصْرُنَا ... إذَا ما اشْتَهَى أَنَا نُطِيعُ ونَسْمَعُ
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ لَمَّا بَدَوا لَنَا ... ذَرُوا عَنْكُم هَول المَنياتِ واطْمَعُوا
وكُونُوا كَمَن يَشْرِي الحياةَ تَقَرُّبًا ... إلَى مَلِكٍ يُحْيَا لَدَيه ويُرْجَعُ
ولَكِنْ خُذُوا مِيثاقَكُم وتَوكَّلُوا ... عَلَى الله إنَّ الأمْرَ للهِ أجْمَعُ
فَسِرنَا إليهِمْ جَهْرةً في رِحَالِهِمْ ... ضُحِيًا عَلَينَا البيضُ لا نَتَخَشَّعُ ...
بِمَلْمُومةٍ فيها السَّنَّورُ والقَنَا ... إذَا ضَربُوا أقْدَامَهَا لا تَوَرَّعُ
فَجِئْنَا إلى مَوجٍ مِن البَحْرِ وَسْطُهُ ... أحَابِيشُ مِنْهُم حَاسِرٌ ومُقَنَّعُ
ثَلاَثةُ آلافٍ ونَحنُ عِصابةٌ ... ثَلاثُ مِئِينِ إنْ كَثُرْنَا فأرْبَعُ
نُغَاوِرُهُم تَجْرِي المنيةُ بَينَنَا ... نُشَارِعُهُم حَوضَ المَنَايَا ونَشْرَعُ
تَهادَى قِسِيُّ النَّبْعِ فِينَا وفيهُمُ ... ومَا هُوَ إلاَّ اليَثْرَبِيُّ المُقَطَّعُ
وَمنْجُوفَةٌ حرميةٌ صَاعِدَّيةٌ ... يُذَرُّ عَلَيها السُّمُ سَاعَةَ تُصْنَعُ
تُصَوِّبْ بأبدانِ الرِجالِ وَتَارةً ... تَمُرُّ بأعْرَاضِ البصارِ تَقَمْقَعُ
وقال حسان بن ثابت:
عَرَفْتُ دِيَارَ زَينبَ بالكَثِبِ ... كَخَطِّ الوَحْيِ في الوَرِقِ القَشِيب
تَداوَلَها الرياحُ وكُلُ جَونٍ ... مِن الوَسْمِي مُنْهَمِرٌ سَكُوب
فأمْسَى رَسْمُها خَلِقًا وأمْسَتْ ... يَبَابًا بَعدَ سَاكِنِهَا الحَبِيب
فَدَعْ عَنْكَ التذكُر كُلَّ يَومٍ ... وَرُدَّ حَرَارةَ الصَّدرِ الكَئِيب
وخَبِّرْ بالذي لا عَيبَ فِيهِ ... بصِدقٍ غَيرِ إخْبَارِ الكَذُوب
بِمَا صَنَعَ المليكُ غَدَاةَ بَدْرٍ ... لَنا في المشركينَ مِن النَّصِيب
стр. 988
غَداةَ كَأنَّ جَمْعُهُمْ حِرَاءٌ ... بَدَتْ أركَانُه جَنْحَ الغُروب
فلاقَينَاهُم مِنّا بِجَمْعٍ ... كَأُسْدِ الغَابِ مُرْدَانٍ وشِيب
أمَامَ مُحمَّدٍ قَدْ وَازَرُوهُ ... عَلَى الأعْدَاءِ في لَفْحِ الحُروب
بأيَديهم صَوَارِمُ مُرْهَفاتٌ ... وكُلُّ مجَرِّبٍ خَاطِي الكُعُوب
بَنُو الأوسِ الغَطَارِفِ وَازَرَتْهَا ... بَنُو النَّجَارِ في الدِّينِ الصَّلِيب
فَغَادَرْنَا أبَا جَهْلٍ صَرِيعًا ... وَعُتْبَةَ قَدْ تَركْنَا بالجُبُوب
وَشْيبَةَ قَدْ تَركْنَا في رِحَالٍ ... إذَا نَسَبُوا ذَوِي حَسَبٍ حَسِيب
يُنَادِيهم رَسُولُ اللهِ لَمَّا ... قَذَفْنَاهُم كَبَاكِبَ في القَلِيب
وقالت صفية بنت عبد المطلب تبكي أخاها حمزة بن عبد المطلب:
أَسَائِلةٌ أصْحَابَ أُحْدٍ مَخَافَةً ... بَنَاتُ أبِي مِن أعَجمٍ وخَبِيرِ
فَقَال الخيبرُ إنَّ حَمزةَ قد ثَوى ... وزْيرَ رسولِ الله خَير وَزَيرِ
دَعاهُ إلهُ الحقِ ذُو العرشِ دَعْوةً ... إلَى جَنَّةٍ يَحْيا بِهَا وسُرُورِ
فذلِكَ مَات كَنا نُرجِّى ونَرتَجِي ... لِحمزةَ يومَ الحشرِ خَيرَ مَصِيرِ ...
فوَ الله لا أنسَاكَ ما هبَّتِ الصبَّا ... بُكَاءَ حزِينٍ مَحضَرِي ومَسْيِريِ
عَلَى أَسَدِ اللهِ الذي كَانَ مُدْرَها ... يَذُودُ عن الإِسلامن كُلَّ كَفُورِ
فَيا ليتَ شُلْوِي عند ذَاكَ وأعْظُمِي ... لَدَى أصْبُعٍ تَعتَادُنِي ونُسُورِ
أقُولُ وقد أعْلَى النَّعيُ عَشِيرِتِي ... جَزَى اللهُ خَيرًا مِن أخٍ ونَصِيرِ
وقال كعب بن مالك يبكي حمزة بن عبد المطلب:
طَرَقْتْ هُمُومُكَ فالرُقَادُ مُسَهِّدُ ... وجَزِعْتَ أنْ سُلِحَ الشبابُ الأغْيَدُ
ودَعَتْ فَؤادَكَ لِلهَوى ضمرية ... فَهَواكَ غُورِيٌّ وصَحْوُكَ مُنَجِدُ
فَدَعِ التَّمارِيَ في الغِوايَةِ سَادِرًا ... قَدْ كُنْتَ في طَلَب الغِوَايَةِ تُفْنِدُ
стр. 989
ولَقَدْ أتَى لَكَ أنْ تَنَاهَى طَائِعًا ... أو تَسْتَفِيقُ إذَا نَهَاكَ المُرشِدُ
ولَقَدْ هَدَدْتَ لِفَقْدِ حَمْزَةَ هَدَّةً ... ظَلَّتْ بَنَاتُ الخَوفِ مِنها تَرْعُدُ
وَلَو أنَّهُ فَجِعَتْ حِرَاءُ بمثلِهِ ... لَرأيتَ رَاسِي صَخْرِهَا يَتَبَدَّدُ
قَومٌ تَمَكَّنَ في ذُؤُابَةِ هَاشِمٍ ... حَيثُ النُبوَّةُ والنَّدَى والسُؤْدَدُ
والعاقِرُ الكُومُ الجِلادُ إذا غَدَتْ ... رَيحٌ يَكَادُ المَاءُ مِنها يَجْمُدُ
والتاركُ القِرْنَ الكَمِيَّ مُجَدَّلاً ... يَومَ الكَرِيهَةِ والقَنَا يَتَفَصَّدُ
وتَراهُ يَرْفُلُ في الحَديدِ كَأنَّه ... ذُو لِبْدةٍ شَثِنُ البَاثِنِ أرْبَدُ
عَمُّ النَّبي مُحمَّدٍ وصَفِيُّهُ ... وَرَدَ الحِمامَ فَطَابَ ذَاكَ الموردُ
وأتَى المنِيَّةَ مُعْلِمًا في أُسْرَةٍ ... نَصَرُوا النَّبيَّ ومنهمُ المُسْتَشْهَدُ
ولَقَدْ أخَالُ بِذَاكَ هِنْدًا بَشَّرَتْ ... لِتُمِيتَ دَاخَلَ غُصَّةٍ لاَ تَبْرُدُ
ومِمَّا صَبَحْنَا بالعَقَنْقَلِ قَومَهَا ... يَومًا تَغيَّبَ فيه عَنها الأسْعَدُ
وبِبئْر بَدْرٍ إذْ يَرُدُّ وجُوهَهُمْ ... جِبْرِيُلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحمَّدُ
حَتَّى رَأيتَ لَدَى النَّبيِّ سَرَاتهَمُ ... قِسْمَينِ نَقْتُلُ مَنْ نَشاءُ ونَطْرُدُ
فأقامَ بالعَطَنِ المعْطَّنِ مِنهمُ ... سَبْعُونَ عُتْبةُ مِنْهمُ والأسْودُ
وابْنَ المغيرةِ قَدْ ضَرْبنَا ضَرْبَةً ... فَوقَ الوَرْيدِ لَهَا رَشَاشٌ مُزْبِدُ
وأُميَّةَ الجَمْحِيُّ قَوَّمَ مَيلَهُ ... عَصْبٌ بأيدِي المُؤْمِنِينَ مُهَنَّدُ
فَأتاكَ فَلُّ المشركينَ كَأنَّهم ... والخَيلُ تَثْفُنُهُمُ نَعَامٌ شُرَّدُ
شَتَّانَ مَن هُوَ في جَهَنَّمَ ثَارِيًا ... أبَدًا ومَن هُوَ الجِنانِ مُخَلَّدُ
وقال عبد الله بن رَواحة يبكي حمزة بن عبد المطلب وقال ابن هشام أنشدنيها أبو زيد الأنصاري لكعب بن مالك:
بَكَتْ عَيِنِي وَحُقَّ لَهَا بُكَاهَا ... وما يُغْنِي البُكَاءُ ولاَ العَوِيلُ
عَلَى أسَدِ الإِلهِ غَدَاةَ قَالُوا ... أحَمْزَةُ ذاكُم الرجلُ القَتِيلُ
стр. 990
أُصِيبَ المسلِمُونَ بِهِ جَميعًا ... هُنَاكَ وقَدْ أُصِيبَ بِه الرَّسُولُ
أبا يَعْلَى لَكَ الأركَانُ هُدَّتْ ... وأنْتَ الماجِدُ البَرُّ الوَصُولُ
عَلَيكَ سَلامُ رَبَّكَ في جِنَانٍ ... مُخَالِطُهَا نَعِيمٌ لا يَزُولُ
ألاَ يَا هَاشِمُ الأخْيارِ صَبْرًا ... فَكُلُّ فِعَالِكُم حَسَنٌ جَمِيلُ
رَسُولُ اللهِ مَصْطَبِرٌ كَرِيمُ ... بِأَمْرِ اللهِ يَنْطِقُ إذْ يَقُولُ
ألاَ مِن مُبْلِغٍ عَنِّي لُؤيًّا ... فَبَعْدَ اليومِ دَائِلةٌ تَدُولُ
وقَبْلَ اليومِ مَا عَرفُوا وذَاقُوا ... وقَائِعنَا بِهَا يَشْفِي الغَلِيلُ
نَسيتُمْ ضَرْبَنَا بِقَلِيبِ بَدْرٍ ... غَدَاةَ أتَاكُم الموتُ العَجِيلُ
غَدَاةَ ثَوى أبُو جَهْلٍ صَرِيعًا ... عَلَيه الطَّيُر حَائِمةٌ تَجُولُ
وعُتْبةُ وابْنُه خَرَّا جَميعًا ... وشَيبةَ عَضَّه السَّيفُ الصَّقِيلُ
قال ابن إسحاق وقال كعب بن مالك أيضًا في يوم أحُد:
سَائِلْ قُريشًا غَداةَ السفحِ مِن أُحُدٍ ... ماذَا لَقِينَا ومَا لاقَوا مِن الهَربِ
فَكَمْ تَرَكْنَا بِهَا مِن سَيدٍ بَطَلٍ ... حَامِي الذَمَارَ كَرِيم الجِدِّ والحَسَبِ
فِينَا الرسُولُ شَهَابٌ ثم نَتْبَعُهُ ... نُورٌ مَضِيءٌ لَهُ فَضْلٌ عَلى الشُهُبِ
الحقُ مَنْطِقُهُ والعَدْلُ سِيرتُهُ ... فَمنْ يُجِبْهُ إليه يَنْجُ مِن تَبَبِ
نَجْدُ المقدمِ مَاضِي الْهِّم مُعْتزمٌ ... حينَ القُلوبِ عَلى رَجْفٍ مِن الرُعُب
نَمْضِي ويَذْمُرنَا مِن غَير مَعْصِيَةٍ ... كأنَّه البَدرُ لَمْ يُطْبَعْ عَلَى الكَذِبِ
بَدَا لَنَا فاتَّبعناهُ نُصَدِّقُهُ ... وكَذَّبُوهُ فكُنَّا أسْعَدَ العَرِبِ
جَالُوا وجُلْنَا فما فَاءُوا ولا رَجَعُوا ... ونَحنُ نَثْفُنُهُمْ لَمْ نأَلُ في الطَّلبِ
ليسَا سَواءً وشَتَّى بَينَ أمْرِهِمَا ... حْزِبُ الإِلهِ وأهْلِ الشركِ والنُصُبِ
آخر:
وخَيلٌ تراها بالفَضَاءِ كأنَّها ... جَرَادٌ صَبَا في قَرَّةٍ يَتَرّتَّعُ
فَلَمَّا تلاقينا ودَارَتْ بِنَا الرَّحَى ... ولَيسَ لأَمْرِ حَمَّهُ اللهُ مَدْفَعُ ...
стр. 991
ضَرَبْنَاهُمُ حَتَّى تَرَكْنَا سَرَاتَهُمْ ... كأنَّهمُ بالقَاعِ نَخْلٌ مَصَرَّعُ
لَذُنْ غُدْوَةً حَتَّى اسْتَفَقْنَا عَشِيَةً ... كَأنَّ ذَكَانا حَرُّ نَارٍ تَلَفَعُ
ورَاحُوا سِرَاعًا مُرْجَعِينَ كَأنَّهم ... جَهَامٌ هَرَاقَتْ مَاءَ الريحُ مُقْلِعُ
وَرُحْنَا وأُخْرَانَا بِطَاءً كَأنَّنَا ... أُسُودٌ عَلَى لَحْمٍ بِبيشَةَ ضُلَّعُ
فَنِلْنَا وَنَالَ القَومُ مِنَّا وَرُبَّمَا ... فَعَلْنَا ولكِنْ مَا لَدَى اللهِ أوسَعُ
ودَارَتْ رَحَانَا واسْتَدارَتْ رَحَاهُم ... وقَدْ جَعَلُوا كُلٌ مِنَ الشَّرِ يَشْبَعُ
ونَحْنُ أُنَاسٌ لاَ نَرَى القَتْلَ سُبَّةً ... عَلَى كُلِّ مَن يَحْمِي الذِّمَارَ ويَمْنَعُ
جِلادٌ عَلَى رَيبِ الحَوادِث لاَ نَرَى ... عَلى هالِكٍ عَينًا لَنَا الدَّهْرَ تَدْمَعُ
بَنُو الحَرْبِ لاَ نَعْيَا بِشَيءٍ نَقُولُهُ ... وَلا نَحْنُ مِمَّا جَرَتِ الحَرْبُ نَفْزَعُ
بَنُو الحَرْبِ أنْ نَظْفُرْ فَلَسْنَا بِفُحَّشِ ... ولا نَحْنُ مِن أظْفَارِهَا نَتَوَجَّعُ
وكُنَّا شِهابًا يَتَّقِى الناسُ حَرَّهُ ... ويُفْرِجُ عنه مَن يَليهِ ويَسْفَعُ
شَدَدْنا بِحَولِ اللهِ أعْظمَ شِدَّةٍ ... عَلَيكم واطْرَافُ الأسِنَّةِ شُرَّعُ
فَكرَّ القَنَا فِيكُمْ كَأنَّ فُرُوعَهَا ... عَزَا لِي مَزَادٍ مَاؤْهَا يَتَهَرَّعُ
وقال حسان:
أعْرِضْ عَن العوراءِ إنْ أُسْمِعْتَهَا ... واقْعُدْ كأنَّكَ غَافِلٌ لاَ تَسْمَعُ
والزَمْ مُجَالَسَةَ الكرامِ وفِعْلَهُم ... وإِذَا اتَّبعْتَ فَأبْصِرَنْ مَن تَتَبْعُ
لا تَتْبَعَنَّ غَوَايَةً لِصَبَابَةٍ ... إنَّ الغَوَايَةَ كُلَّ شَرٍ تجْمَعُ
والشُّرْبَ لا تَقْرَب وخُذ مَعْرُوفَهُ ... تُصْبِحْ صَحِيحَ الرأسِ لاَ تَتَصَدَّعُ
ومما قيل في بدر من الشعر:
أَأَلْمَمَ أمْرًا كَانَ مِن أعْجَبِ الدَّهْرِ ... ولِلْحَينِ أسْبَابٌ مُبَيَّنَةُ الأمْرِ
وما ذَاكَ إلاَّ أنَّ قَومًا أفادَهُم ... فَخَانُوا تَواصَوا بالعُقُوقِ وبالكُفرِ
стр. 992
عَشَيَّةَ رَاحُوا نَحوَ بَدْرٍ بِجمْعِهِمْ ... فكانُوا رهُونًا لِلرَّكِيَّةِ مِن بَدْرِ
وكُنَّا طَلَنَا العِيرَ لا نَبْغِ غَيرَهَا ... فَسَارُوا إلينَا فالتَقَينَا عَلى قَدْرِ
فَلَمَّا التَقَينَا لَمْ تكُنْ مثنَوِيةٌ ... لَنَا غَير طَعْنِ بالمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
ونَحْنُ تَرَكْنَا عُتْبَةَ الغَيِّ ثاوِيًا ... وشَيبَةَ في قَتْلَى تُجَرْجَرُ بالجُفْرِ
وعُمْرٌو ثَوى فِيمَنْ ثَوى من حُمَاتِهم ... فَشُقَّتْ جُيُوبُ النائِحَاتِ عَلى عَمْرِو
جُيُوبُ نساءٍ من لؤَيِّ بن غَالِبٍ ... كَرَامٍ تَفَرَّ عْنِ الذَّوائِب مِن فِهْرِ
أُولَئِكَ قَومكٌ قُتِّلُوا في ظلالِهِمْ ... وخلَوا لِوَاءً غَيرَ مُحْتَضَرِ النَّصْرِ
لِوَاء ضَلالٍ قادَ إبْليسُ أهْلَهُ ... فَخَاسَا بهم إنَّ الخَبِيثَ إلى غَدْرِ
وقالَ لَهُم إذْ عَايَنَ الأمْرَ وَاضحًا ... برِئْتُ إليكُم ما بي اليَومَ مِن صَبْرِ
فإنِّي أرَى مَا لا تَرَونَ وإنَّنِي ... أخَافُ عِقَابَ اللهِ وَاللهُ ذُو قَسْرِ
فَقَدَمَهُم لِلْحَينِ حِينَ تَورَّطُوا ... وكَانَ بِمَا لَمْ يَخْبِر القَومُ ذُو خُبْرِ
فَكَانُوا غَدَاةَ البِئْرِ ألفًا وجَمْعُنَا ... ثلاثُ مِئِينٍ كالمُسَدَّمَةِ الزُهْرِ
وفينا جُنُودُ الله حِينَ يُمدُّنَا ... بِهِم في مَقَامِ ثُمَّ مُسْتَوضح الزُهْرِ
فَشَدَّ بِهِم جِبْرِيل تَحْتَ لِوَائِنَا ... لَدَى مَأْزِقٍ فِيهِ مَنَاياهُمُو تَجْرِي
وقال كعب بن مالك:
أَبْلِغْ قُرَيشًا وخَيرُ القَولِ أصْدَقُهُ ... والصِدْقُ عند ذَوِي الألْبابِ مَقْبُولُ
أنْ قَدْ قَتَلْنَا بِقَتْلاَنَا سَرَايِكُم ... أهْلَ اللِّواءِ فِفِيمَ يَكْثُرُ القْيلُ
ويَومَ بَدْرٍ لَقِينَاكُمْ لَنَا مَدَدٌ ... فَيهِ مَعَ النَصْرِ مِيكَالٌ وجِبْرَيلُ
إنْ تَقْتُلُونَا فَدِينُ الحَقِّ فِطْرَتُنَا ... والقَتْلُ في الحَقِّ عندَ اللهِ تَفْضِيلُ
وإنْ تَروا أمْرَنَا في رَأيَكُم سَفَهًا ... فَرَأْيُ مَن خَالَفَ الإِسْلاَمَ تَضْلَيلُ
فلا تَمنَّوا لِقَاحَ الحَرْبِ واقْتَعِدُوا ... إنَّ أخَا الحَرْبِ أصْدَى اللَّونِ مَشْغُولُ
إنَّ لَكُم عِنْدَنَا ضرْبًا تُرَاحُ لَهُ ... عُرْجُ الضِبَاعِ لَهُ خَذْمٌ رَعَابِيلُ
стр. 993
إنَّا بَنُو الحَرْبِ نُمْرِيهَا ونُنْتِجُهَا ... وعندنا لِذَوِي الأضْغَانِ تَنْكِيلُ
إنْ يَنْجُ منه ابْنُ حَرْبٍ بَعْدَمَا بَلَغَتْ ... منه التَّراقِي وأمْرُ اللهِ مَفْعُولُ
فَقَدْ أفَادَتْ لَهُ حِلْمًا ومَوعِظَةً ... لِمنْ يَكُونُ لَهُ لُبٌّ ومَعْقُولُ
ولَو هَبَطْتُمْ بِبَطْنِ السَّيلِ كافَحَكُم ... ضَرْبٌ بِشَاكِلَةِ البْطَحَاء تَرْعِيلُ
تَلْقَاكُمُ عُصُبٌ حَولَ النَّبِي لَهُمْ ... مِمَّا يُعِدُّونَ لِلْهَيجَا سَرَابِيلُ
مِن جُذْمِ غَسَّانَ مُسْتَرْخٍ حَمَائِلُهُمْ ... لا جُبَنَاءَ ولا مِيلٌ مَعَازِيلُ
يَمْشُونَ نَحْوَ عِمَايَاتِ القِتَالِ كَمَا ... تَمْشِي الْمَصَاعِبَةُ الأُدْمُ المَرَاسِيلُ
أو مِثْلَ مَشْى أُسُودِ الظِّلِ الْتَقَهَا ... يَومٌ رَذَاذٌ مِن الجَوزَاءِ مَشْمُولُ
في كلِّ سَابِغَةٍ كالنهي مُحْكَمَةٍ ... فِئَامُها فَلحٌ كالسَّيفِ بُهْلُولُ
تَرُدُّ حَدَّ قرَان النَّبْلِ خَاسِئَةً ... ويَرجِعُ السَّيفُ عِنْهَا وهو مَفْلُولُ
وقَدْ قَذَفْتَمُ بِسَلْعٍ عن زُهُورِكُمُ ... ولِلْحَيَاةِ ودَفْعُ الموتِ تأْجِيلُ
مَا زَالَ في القَومِ وتْرٌ مِنكُمُ أبَدًا ... تَغْفُو السلام علَيهِ وهو مَطْلُولُ
عَبْدٌ وحُرٌّ كَريمٌ موثَقٌ قَنَصًا ... شَطْرَ المَدِينَةِ مأسُورٌ ومَقْتُولُ
كُنَّا نُؤَمِّلُ أُخْراكُم فأعْجَلَكُم ... مِنَّا فَوَارِسُ لا عُزْلٌ ولا مِيلُ
إذَا جَنَى فيهم الجَاني فَقَدْ عِلِمُوا ... حَقًا بأنَّ الذي قَدْ جَرَّ مَحْمُولُ
آخَرُ يَذكُرُ أولَّ مَبْعَثِ رسولِ الله ﷺ :
ثَوَى في قُرَيش خَمْسَ عَشْرة حَجَّةً ... يُذَكِّرُ لَو يَلْقَى صَدِيقًا مُوَاتِيَا
ويَعْرِضُ في أهْل المواسِمِ نَفْسَهُ ... فَلَم يَرَ مَن يُؤْوي ولَم يَرَ دَاعِيَا
فلمَّا أتَانَا واطْمَأنَّ بِهِ النَّوى ... وأصْبحَ مَسْرُورًا بِطَيبَةَ رَاضِيَا
وَألْفَى صَدَيقًا واطْمَأنََّتْ بِه النَّوى ... وكَانَ لَهُ عَونًا مِن اللهِ بَادِيَا
يَقُصُّ لَنَا مَا قَالَ نُوحٌ لِقَومِهِ ... ومَا قَالَ مُوسَى إذْ أجَابَ المنادِيَا
وأصْبَحَ لا يَخْشَى مِن النَّاسِ واحدًا ... قَرِيبًا ولا يَخْشَى مِن النَّاسِ نَائِيَا
стр. 994
بَذَلْنَا لَهُ الأمْوَالَ من جُلّّ مالِنَا ... وأنْفُسَنَا عند الوَغى والتَآسِيَا
نُعَادِي الذِي عَادَى مِن النَّاسِ كُلِّهمْ ... جَمِيعًا ولَو كَانَ الحَبِيبَ المُوَاسِيَا
ونَعْلَمُ أنَّ اللهَ لاَ رَبَّّ غَيرَهُ ... وإنَّ كتاب الله أصْبَحَ هَادِيَا
انْتَهَى
آخر: هذه قصيدة وعظية تُحرِّك القلب لطاعة الله وتزهِّده في الدنيا
أيقِظْ جُفُونَكَ يَا مِسْكَينُ مِن سِنَةٍ ... وَانْظُر بِعَقْلِكَ ما في الأَرْضِ من عِبَرِ
بالأمْسِ كُنْتَ مَعَ الصِّبْيَانِ في لَعِبٍ ... غَضَّ الشبَابِ قَليلَ الهَمِّ والفِكَرِ
وقد كَبِرْتَ وحَانَ الشَّيبُ مِنْكَ ولا ... أرَاكَ تَنْظُرُ يَا مَغْرُورُ في الكِبَرِ
تَبعْتَ ويحَكَ دُنْيا لا بَقَاءَ لَهَا ... تُمْسِي وتُصْبِحُ مَسْرُورًا عَلَى النُكُرِ
أمَا اعْتَبَرْتَ بِمَا شَيَّعْتَ مِن سَلَفٍ ... إلى القُبُورِ مِن الأشْيَاخِ والصِّغَرِ
وأنْتَ في كُلِّ يَومٍ زَائِدًا أمَلاً ... والدَّهْرُ يَهْدِمُ مِنْكَ العُمْرَ فابْتَدِرِ
يَا مَن مَضَى عُمْرهُ المكْنُونِ في سَفَهٍ ... وفي المُحَال وفي اللَّذَّاتِ والبَطَرِ
أينَ الشَّبَابُ الذي قَدْ كُنْتَ تَحْمِدُهُ ... مَضَى سَرِيعًا كِمثْلِ اللَّمحِ في البَصَرِ
وقَدْ أتَى لَكَ شَيبٌ لا زَوَالَ لَهُ ... إلاَّ بِمَوتِكَ يَا مَغْرُورُ فانْتَظِرِ
إنَّ الرَّحِيلَ حَقِيقٌ فاسْتَعِدَّ لَهُ ... وقَدْ أتَاكَ نَذيرُ الشَّيبِ فازْدَجِرِ
بَادِرْ متَابَكَ يَا مِسْكِينُ في عَجَلِ ... قَبْلَ المنُون وبَادِرْ فُسْحَةَ العُمُرِ ...
حَافِظْ عَلى الخَمسِ في الأوقاتِ إنَّ لَهَا ... فَضْلاً وَقُلْ يَا إلهي نَجِّ مِن سَقَرِ
طُوبَى لِعَبْدٍ تقَيٍّ خَائِفٍ وَجلٍ ... خَافَ الذُنُوبَ وَبَاعَ النَومَ بالسَّهَرِ
وقَامَ بالليلِ للرَّحمن مُبتَهلاً ... يَتْلُو الكتَابَ ودَمْعُ كَالمَطَرِ
إنْ كُنْتَ تَبْغِي جنَانَ الخُلْدِ تَسْكُنُهَا ... مَعَ الحِسَانِ ذَوَاتِ الغُنْجِ والحَوَرِ
تُسْقَى بِهَا سَلْسَبِيلاً طَابَ شَارِبُهَا ... مِن كَفَّ غَانِيَةٍ أضْوَى منَ القَّمَرِ
في قُبَّةٍ مِن لُجَين جَلَّ صَانِعُهَا ... قَدْ خَصَّهَا بَاخْتِلالِ النَّحْلِ والنَّهَرِ
والطَّيرُ فيها عَلى الأغْصَانِ عَاكِفَةً ... أصْوَاتُهَا كَحَنِينِ العُودِ والوَتَرِ
والحُورَ يَمْشِينَ في حُلْي وَفي حُلَل ... كَمَا أتَى في بَيَانِ الذِكْرِ والسُوَرِ
واعْكِفْ عَلَى سُنَّةِ الهادِي وتَابِعهِ ... وَاتْبَعْ طَريقَتَهُم تَقْفُوا عَلى الأثَرِ
стр. 995
واعْلم بأَنَّكَ عَنْ أهْلِيكَ مُرْتَحِلٌ ... عَمَّا قَلِيلٍ لَبَيتِ الدُودِ والمَدَرِ
لاَ تَأمَنَّنَ مِن الدُنْيَا وزَهْرَتِهَا ... لأنَّهَا كَسِراجٍ لاَحَ لِلْبَصَرِ
أينَ الأحَبَّةُ والجيرَانُ مَا صَنَعُوا ... صَارُوا لَنَا خَبَرًا مِن أعْظَمِ الخَبَرِ
أينَ الملُوكُ الذِي عَاشَرْتَهمْ زَمَنًا ... صَارُوا جَمِيعًا إلى الأجْدَاثِ والحُفَرِ
أينَ القُصُورُ التي كَانَت مُعَمَّرةً ... حُصُونُهَا مُلِئَتْ بالبُسْطِ وَالسُرُرِ
أينَ الوجُوهُ التي كَانَتْ مُنَعَّمَةً ... أينَ الخُدُودُ الَّتِي تَسْبِي أولي النَّظَرِ
صَارُوا جَمِيعًا إلى ضِيقِ القُبُور وقد ... صَارَتْ مَحَاسِنُهُم مِن أقْبَحِ الصَّوَرِ
ونَحْنُ عَمَا قَلِيلٍ لاحِقُونَ بِهِمْ ... فانظر لِنَفْسِكَ واحْذَرْ غَايَةَ الحَذَرِ
(وصَلِّ رَبِّ عَلَى المَبُعُوثِ سَيِدِّنَا ... عِدَادِ وَبْلٍ وَمَا يُسْقَى مِنَ الشَّجَرِ)
(وَالآلِ والصَّحْبِ مَعْ مَنْ يَقْفُ سِيرَتَهُم ... عَلَى طَرِيقِ الهُدَى في العُسْرِ واليُسُرِ)
[مقتطفات على حرف الهجاء]
آخر:
[حرف الألف]
تَبَارَكَ ذُو العُلاَ والكِبْرِيَاءِ ... تَفَرَّدَ بالجَلالِ وبالبَقَاءِ
وسَوَّى المَوتُ بَينَ الخَلْقِ طُرًّا ... وَكُلُّهُم رَهَائِنُ لِلْفَنَاءِ
وَدُنْيَانَا - وَإنْ مِلْنَا إِليهَا ... وطَالَ بِهَا المَتَاعُ - إلىَ انْقِضاءِ
ألاَ إنَّ الرُّكُونَ عَلىَ غُرُورٍ ... إلَى دَارِ الفَنَاءِ مِنَ الفَنَاءِ
وقاطِنُها سَرِيعُ الظَّعْنِ عَنْها ... وَإنْ كَانَ الحَرِيصَ على الثَّوَاءِ
حرف الباء
يُحَوَّلُ عَنْ قَرِيبٍ مِن قُصُورٍ ... مُزَخْرفَةٍ إِلىَ بَيتِ التُّرَابِ
فيُسْلَمُ فيه مَهْجُورًا فَرِيدًا ... أَحَاطَ بِهِ شُحُوبُ الاِغْتِرَابِ
وهَولُ الحَشْرِ أفْظَعُ كُلِّ أَمْرٍ ... إذَا دُعِيَ ابنُ آدمَ لِلْحِسَابِ
وألْفَى كُلَّ صَالِحَةٍ أتَاهَا ... وسَيئةٍ جَنَاهَا في الكِتَابِ
لَقَدْ آنَ التَّزَوُّدُ إنْ عَقَلْنَا ... وأَخْذُ الحظِّ منْ بَاقِي الشَّبابِ
حرف التاء
فَعُقْبَى كُلِّ شَيءٍ نَحْنُ فِيهِ ... مِن الجَمْعِ الكَثِيفِ إِلىَ شَتَاتِ
وَمَا حُزْناهُ مِن حِلٍّ وَحُرْمٍ ... يُوَزَّعُ في البَنِينَ وفي البَنَاتِ
стр. 996
وفِيمَنْ لَم نُؤَهِّلْهُمْ بِفَلْسٍ ... وقِيمَةِ حَبَّةٍ قَبْلَ المَمَاتِ
وتَنْسَانَا الأحِبَّةُ بَعْدَ عَشْرٍ ... وَقَدْ صِرْنَا عِظَامًا بَالِيَاتِ
كَأنّا لَمْ نُعَاشِرْهُمْ بِوُد ... ولم يَكُ فِيهِمُ خِلٌّ مُؤاتِ
حرف الثاء
لِمَنْ يَا أيُّهَا المَغْرُورُ تَحْوِي ... مِنَ المَالِ المُوَفَّرِ وَالأَثَاثِ
سَتَمْضِي غَيرَ مَحْمُودٍ فَرِيدًا ... وَيَخْلو بَعْلُ عِرْسِكَ بالتُّرَاثِ
وَيَخْذُلُكَ الوَصيُّ بِلاَ وَفاءٍ ... وَلا إصْلاحِ أَمر ذِي التِيَاثِ
لَقَدْ وفَّرْتَ وِزْرًا مَرَّ حِينًا ... يَسُدُّ عَلَيكَ سُبْلَ الانْبِعَاثِ
فمَا لَكَ غَيرَ تَقْوى اللهِ حِرْزٌ ... وَلا وَزَرٌ ومَا لَكَ مِن غِيَاثِ
حرف الجيم
تُعَالِجُ بالتَّطَبُّبِ كُلَّ دَاءٍ ... ولَيسَ لِدَاءِ ذَنْبِكَ مِن عِلاَجِ ...
سِوَى ضَرَع إلىَ الرَّحْمن مَحْضٍ ... بنِيَّةِ خائِفٍ ويَقِينِ رَاجِ
وَطُولِ تَهَجُّدٍ بطِلابِ عَفْوٍ ... بلَيلٍ مُدْلَهِّمِ السِّتْرِ داجِ
وإظْهَارِ النَّدَامةِ كُلَّ وَقْتٍ ... عَلىَ مَا كُنْتَ فِيهِ مِن اعْوِجَاجِ
لعَلَّكَ أَنْ تَكُونَ غَدًا عَظِيمًا ... بِبُلْغَةِ فَائِزٍ مَسْرُورِ نَاجِ
حرف الحاء
عَلَيكَ بِمَنْعِ نَفْسِكَ عَنْ هَواهَا ... فَمَا شَيءٌ أَلَذَّ مِنَ الصّلاحِ
تَأَهَّبْ لِلْمَنيَّةِ حِينَ تَغْدُو ... كَأنَّكَ لا تَعِيشُ إلىَ الرَّوَاحِ
فكَمْ مِنْ رَائِحٍ فِينَا صَحِيحٍ ... نَعَتْهُ نُعَاتُهُ قَبْلَ الصَّبَاحِ
وَبَادِرْ بالإِنَابَةِ قَبْلَ مَوتٍ ... علَى مَا فِيكَ مِنْ عِظَمِ الجُنَاحِ
ولَيسَ أَخُو الرَّزانَةِ مَنْ تَجَافَى ... وَلكِنْ مَنْ تَشَمَّرَ لِلْفَلاحِ
حرف الخاء
وإنْ صَافَيتَ أَو خَالَلْتَ خِلاًّ ... فَفِي الرحمنِ فاجْعَلْ مَنْ تُؤاخِي
وَلا تَعْدِلْ بتقْوَى اللهِ شَيئًا ... وَدَعْ عَنْكَ الضَّلاَلَةَ والتَّرَاخِي
стр. 997
فَكَيفَ تَنَالُ في الدُّنيا سُرُوُرًا ... وأَيّامُ الحَياةِ إِلىَ انْسِلاخِ
وإنَّ سُرُورَهَا فيمَا عَهِدْنَا ... مَشُوبٌ بالبُكَاءِ وبالصُّرَاخِ
فَقَدْ عَمِيَ ابنُ آدَمَ لا يَراهَا ... عَمًى أفْضَى إلىَ صَمَمِ الصّمَاخِ
حرف الدال
أخَي قدْ طَالَ لُبْثُكَ فِي الفَسَادِ ... وبِئْسَ الزَادُ زَادُكَ لِلْمَعَادِ
صَبا مِنْكَ الفُؤاد فَلَمْ تَزَعْهُ ... وَحِدْتَ إلى مُتَابَعَةِ الفُؤادِ
وقادَتْكَ المَعَاصي حَيثُ شَاءَتْ ... وأَلْفَتَكَ امْرَءًا سَلِسَ القِيَادِ
لَقَدْ نُودِيتَ لِلتَّرحَالِ فاسْمَعْ ... ولا تَتصَامَمَنَّ عن المُنَادِي
كَفَاكَ مَشيبُ رأسِكَ مِنْ نَذِيرٍ ... وَغالَبَ لَونُهُ لَونَ السَّوادِ
حرف الذال
ودُنْيَاكَ التِّي غَرَّتْكَ مِنْهَا ... زَخَارِفُها تَصِيرُ إلى انْجِذَاذِ
تَزَحْزَحْ عَنْ مَهَالِكِهَا بِجُهْدٍ ... فَمَا أصْغَى إِليهَا ذُو نَفَاذ
لَقدْ مُزِجَتْ حَلاَوتُها بسُمٍّ ... فَمَا كالحِذْرِ مِنْها مِن مَلاذِ
عَجِبْتُ لمُعْجَبٍ بنَعِيمِ دُنْيا ... ومَغْبوُنٍ بِأَيَّامٍ لِذَاذِ ...
ومُؤْثِرٍ المُقَامَ بأرْضِ قَفْرٍ ... عَلَى بَلَدٍ حَصِيبٍ ذِي رَذَاذِ
حرف الراء
هَلِ الدُّنْيَا ومَا فِيهَا جَمْيعًا ... سِوَى ظِلٍّ يَزُولُ مَعَ النَّهَارِ
تَفَكَّرْ أَينَ أصْحَابُ السَّرَايَا ... وأرْبابُ الصَّوَافِنِ والعِشَارِ
وأينَ الأَعْظَمُونَ يَدًا وبَأْسًا ... وأَين السَّابقُونَ لِذِي الفَخَارِ
وأيَنَ القَرْنُ بَعْدَ القَرْنِ منهُمْ ... مِنَ الخُلَفَاءِ والشُّمِّ الكِبَارِ
كَأنْ لَمْ يُخْلَقُوا أو لَمْ يَكُونُوا ... وهَلْ أحَدٌ يُصَانُ مِنَ البَوَارِ
حرف الزاي
أَيَعْتَزُّ الفَتَى بالمَالِ زَهْوًا ... وما فِيها يفُوتُ عن اعْتِزَازِ
ويَطْلُبُ دَولَة الدُّنْيا جُنُونًا ... ودَولَتُها مُحَالِفَةُ المَخَازِي
ونَحْنُ وكُلُّ مَن فِيهَا كَسَفْرٍ ... دَنَا مِنّا الرَّحِيلُ على الوَفَازِ
стр. 998
جَهِلْناهَا كَأنْ لَمْ نَخْتَبِرْها ... على طُولِ التَّهانِي والتَّعازِي
ولَمْ نَعْلَمْ بِأنْ لاَ لَبْثَ فِيهَا ... ولاَ تَعْرِيجَ غَيرَ الاجْتيَازِ
حرف السين
أَفِي السَّبخَاتِ يَا مَغْبُونُ تبْني ... وَمَا أَبْقَى السَّباخُ عَلىَ الأَسَاسِ
ذُنُوبُكَ جَمّةٌ تَتَرْى عِظَامًا ... وَدَمْعُكَ جَامِدٌ والقَلْب قَاسِي
وأيّامًا عَصَيتَ الله فِيهَا ... وقَدْ حُفِظَتْ عَلَيكَ وأَنْتَ نَاسِي
فكَيفَ تُطِيقُ يَومَ الدِّينِ حَمْلاً ... لأَوزارِ الكَبائِرِ كَالرَّواسِيِ
هُوَ اليَومُ الذي لا وُدَّ فِيهِ ... ولا نَسَبٌ ولا أحَدٌ مُوَاسِي
حرف الشين
عَظِيمٌ هَولُهُ والناسُ فِيهِ ... حَيَارَى مِثْل مَبْثُوثِ الفَرَاشِ
بهِ تَتَغَيَّرُ الأَلْوانُ خَوفًا ... وتَصْطَكُّ الفَرَائصُ بارْتِعَاشِ
هُنَالِكَ كُلُّ مَا قَدَّمْتَ يَبْدُو ... فَعَيبُكَ ظاهِرٌ والسِّرُّ فَاشِ
تَفَقَّدْ نَقْصَ نَفْسِكَ كُلَّ يَومٍ ... فَقَدْ أودَى بِهَا طَلَبُ المَعَاشِ
ألاَ لِمْ تَبْتَغِي الشَّهَواتِ طَورًا ... وَطورًا تكْتَسِي لِينَ الرِّيَاشِ؟
حرف الصاد
عَلَيكَ مِن الأُمُورِ بِمَا يُؤدّي ... إِلىَ سَنَنِ السَّلامَةِ والخَلاَصِ ...
ومَا تَرْجُو النَّجاةَ به وشِيكًا ... وفَوزًا يَومَ يُؤخَذُ بالنَّواصِي
فَلَيسَ تنَالُ عَفْو اللهِ إلا ... بتَطْهِيرِ النُّفُوسِ مِنَ المَعَاصِي
وَبِرِّ المُؤْمِنِينَ بكُلِّ رِفْقٍ ... وَنُصْحٍ للأدَانِي والأَقاصِي
وإنْ تَشْدُدْ يَدًا بالخَيرِ تُفْلحْ ... وَإنْ تَعْدِل فَمَا لَكَ مِنْ مَنَاصِ
حرف الضاد
وأصْلُ الحَزْمِ أنْ تُضْحِي وتُمْسِي ... وَربُّكَ عَنْكَ في الحَالاَتِ رَاضِ
وأنْ تَعْتَاضَ بالتّخْلِيطِ رُشْدًا ... فإنَّ الرُّشْدَ مِن خَيرِ اعْتِيَاضِ
وَدَعْ عَنْكَ الذِي يُغْوِي ويُرْدِي ... ويُورِثُ طُولَ حُزْنٍ وارْتِمَاضِ
وَخُذْ باللَّيلِ حَظَّ النفسِ واطْرُدْ ... عن العَينَينِ مَحْبُوبَ الغِمَاضِ
فإنَّ الغَافِلينَ ذَوِي التَّوَانِي ... نَظَائِرُ لِلْبهَائِمِ في الغِيَاضِ
стр. 999
حرف الطاء
كَفَى بالمَرْءِ عَارًا أَنْ تَرَاهُ ... مِن الشَّأن الرّفِيعِ إلى انْحِطَاطِ
على المَذْمُومِ مِن فِعْلٍ حَرِيصًا ... على الخَيراتِ مُنْقَطِعَ النَّشاطِ
يُشِيرُ بِكِفَّهِ أَمْرًا ونَهْيًا ... إلى الخُدّامِ مِن صَدْرِ البِسَاطِ
يَرَى أنَّ المَعَازِفَ والمَلاهَي ... مُسَبِّبَةُ الجَوَازِ على الصَّراطِ
لقدْ خابَ الشَّقيُّ وضَلَّ عَجْزًا ... وزَالَ القلْبُ منْهُ عن النِّيَاطِ
حرف الظاء
إذَا الإنسانُ خَانَ النَّفْسَ مِنْهُ ... فَمَا يَرْجُوهُ رَاجٍ لِلْحِفَاظِ
ولا وَرَعٌ لَدَيهِ ولاَ وَفاءٌ ... ولاَ الإِصْغَاءُ نَحْوَ الاتِّعَاظِ
وما زُهدُ الفُتَى في حَلْقِ رأسٍ ... ولا بِلِبَاس أَثْوَابِ غِلاظِ
وَلكنْ بالهُدَى قَولاً وفِعْلاً ... وإدْمانِ التَّخَشَّعِ في اللِّحَاظِ
وإعْمَالِ الذي يُنْجِي ويُنْمِي ... بِوُسْعٍ والفِرارُ مِنَ الشُّواظِ
حرف العين
لِكُلّ تفرُّقِ الدُّنْيَا اجْتمَاعٌ ... فَمَا بَعْدَ المَنُونِ مِن اجْتِمَاعِ
فِرَاقٌ فاصِلٌ ونَوًى شَطُونٌ ... وشُغْلٌ لا يُلبِّثُ لِلْوَدَاعِ
وَكُلُّ أُخُوَّةٍ لا بُدَّ يَومًا ... وإنْ طَالَ الوِصَالُ إلىَ انْقِطاعِ
وَإنَّ مَتَاعَ ذِي الدُّنْيا قَلِيلُ ... فَما يُجْدِي القَليلُ مِنَ المَتَاع ...
وَصَارَ قَلِيلُها حَرِجَا عَسِيرًا ... تَشَبَّثَ بَينَ أنْيَابِ السِّباعِ
حرف الغين
وَلَم يَطْلُبْ عُلُوَّ القَدْرِ فِيها ... وعِزَّ النَّفْسِ إلا كُلُّ طَاغِ
وإنْ نَالَ النفوسَ مِن المَعَالي ... فليسَ لنَيلِها طِيبُ المَسَاغِ
إذا بَلغ المُرَادَ عُلاً وعِزًّا ... تَوَلَّى واضْمَحَلَّ مَعَ البَلاغِ
كَقَصْرٍ قَدْ تَهَدَّمَ حَافَتَاهُ ... إذا صَارَ البِنَاءُ إلى الفَرَاغِ
أقُولُ وَقَدْ رَأَيتُ مُلُوكَ عَصْرِي ... أَلاَ لاَ يَبْغِيَنَّ المُلْكَ بَاغِ
стр. 1000
حرف الفاء
أَأَقْصُدُ بالمَلاَمَةِ قَصْدَ غَيري ... وَأمْري كُلُّه بَادِي الخِلاَفِ
وَلَمْ لا أَبْذُلُ الإِنْصَافَ مِنِّي ... وَأبْلُغُ طَاقَتِي في الاِنتِصَافِ
لِيَ الوَيلاتُ إنْ نَفَعَتْ عِظَاتي ... سِوَايَ وليسَ لِي إلاّ القَوَافِي
حرف القاف
أَلاَ إنَّ السِّباقَ سِبَاقُ زُهْدٍ ... ومَا فِي غَيرِ ذلِكَ مِنْ سِبَاقِ
ويَفْنَى مَا حَواهُ المُلْكُ أَصْلاً ... وَفِعْلُ الخَيرِ عِنْدَ اللهِ بَاقِ
سَتَأْلَفُكَ النَّدامَةً عَنْ قَرِيبٍ ... وتَشْهَقُ حَسْرةً يَومَ المَسَاقِ
أَتَدْري أَيَّ ذَاكَ اليَومِ فَكِّرْ ... وأيقِنْ أنَّهُ يَومُ الفِرَاقِ
فِرَاقٌ لَيسَ يُشْبِهُهُ فِرَاقٌ ... قَد انْقَطَعَ الرَّجاءُ عنِ التَّلاقيِ
حرف الكاف
عَجِبْتُ لِذِي التَّجَارِبِ كَيفَ يَسْهُو ... وَيَتْلُو اللَّهْوَ بَعْدَ الاحْتِباكِ
ومُرْتَهَنُ الفَضَائِحِ والخَطَايَا ... يُقَصِّرُ باجْتهادٍ لِلْفَكَاكِ
وَمُوبقُ نَفْسِهِ كَسَلاً وجَهْلاً ... وَمُوردُها مَخُوفَاتِ الهَلاكِ
بتَجْدِيدِ المَآثِمِ كُلَّ يَومٍ ... وقَصْدٍ لِلْمُحرَّمِ بانْتِهاكِ
سَيَعْلَمُ حَينَ تَفْجَؤُهُ المَنَايَا ... ويَكْثُفُ حَولَهُ جَمْعُ البَواكِي
حرف اللام
فإنّ سُدُورَهُ أَمْسَى غُرُورًا ... وحَلَّ بِهِ مُلِمَّاتُ الزَّوَالِ
وَعُريَ عَنْ ثِيَابٍ كَانَ فِيهَا ... وأُلْبِسَ بَعْدُ أْثْوَابَ انتِقَالِ
وبَعْدَ رُكُوبِهِ الأفْرَاسَ تِيهًا ... يُهَادَى بَينَ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ ...
إلىَ قَبْرٍ يُغَادَرُ فِيهِ فَرْدًا ... نأَى مِنْهُ الأَقاربُ والمَوَالِي
تَخَلَّى عَنْ مُوَرِّثِهِ وَوَلَّى ... وَلَمْ تَحْجُبهْ مَأثُرَةُ المَعَالِي
حرف الميم
ولَمْ يَمْرُرْ بهِ يَومٌ فَظِيعٌ ... أَشَدَّ علَيهِ مِنْ يَومِ الحِمَامِ
ويَومُ الحَشْرِ أفْظَعُ منهُ هَولاً ... إذا وَقَفَ الخَلائِقُ بالمَقَامِ
стр. 1001
فكَمْ مِنْ ظَالِمٍ يَبْقَى ذَلِيلاً ... ومَظْلُومٍ تَشَمَّرَ لِلْخِصَامِ
وشَخْصٍ كَانَ في الدُّنْيا فَقِيرًا ... تَبَوَّأَ مَنْزِلَ النُّجْبِ الكِرَامِ
وعَفْوُ اللهِ أَوسَعَ كُلَّ شَيءٍ ... تَعَالَى اللهُ خَلاَّقُ الأَنَامِ
حرف النون
إلهٌ لاَ إلهَ لَنَا سِوَاهُ ... رَءوفٌ بالبَريَّةِ ذُو امْتِنَانِ
أُوحِّدُهُ بإخْلاصٍ وحَمْدٍ ... وَشُكْرٍ بالضَّمِيرِ وَباللِّسَانِ
وَأَفْنَيتُ الحَيَاةَ ولَمْ أصُنْهَا ... وَزُغْتُ إِلى البَطَالَةِ والتَّوَانِي
وأسْألُهُ الرِّضَا عَنّي فإنّي ... ظَلَمْتُ النَّفْسَ في طَلَبِ الأَمَانِي
إلَيهِ أَتُوبُ مِنْ ذَنْبي وَجَهْلي ... وَإسْرَافي وخَلْعي لِلْعِنَانِ
حرف الواو
فإنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ... وَلِيُّ قَبُولِ تَوبَةِ كُلِّ غَاوِي
أؤمِّلُ أنْ يُعَافِيَنِي بِعَفْوٍ ... ويُسْهِنَ عَينَ إبْلِيسَ المُنَاوِي
وَيَنْفَعَنِي بمَوعِظَتِي وَقَولِي ... وَيَنْفَعَ كُلَّ مُسْتَمِعٍ وَرَاوِي
ذُنُوبِي قَدْ كَوَتْ جَنْبَيَّ كَيًّا ... أَلاَ إنَّ الذُّنُوبَ هِي المَكَاوِي
فَلَيسَ لِمَنْ كَوَاهُ الذَنْبُ عَمْدًا ... سِوَى عَفْوِ المُهَيمِنِ مِنْ مُدَاوِي
حرف الهاء
وَقَعْنَا في الخَطَايا والبَلاَيا ... وفي زَمَنِ انْتِقَاضٍ واشْتِبَاهِ
تَفانى الخيرُ، والصُّلحَاءُ ذَلُّوا ... وَعَزَّ بِذُلِّهِمْ أَهْلُ السَّفَاهِ
وَبَاءَ الآمِروُنَ بِكُلِّ عُرْفٍ ... فَمَا عَنْ مُنْكَرٍ في الناسِ نَاهِ
فَصَار الحُرُّ لِلْمَمْلُوكِ عَبْدًا ... فَمَا لِلْحُرِّ مِنْ قَدرٍْ وجَاهِ
فَهَذا شُغْلُهُ طَمَعٌ وجَمْعٌ ... وَهَذا غَافِلٌ سَكْرانُ لاهِ ...
حرف اللام ألف
يُبَذِّرُ مَا أَصَابَ ولا يُبَالِي ... أسُحْتًا كَانَ ذَلِكَ أَم حَلاَلاَ
فَلا تَغْتَرَّ بالدُّنْيا وذَرْهَا ... فَمَا تَسْوى لكَ الدُّنيا خِلاَلاَ
стр. 1002
أتَبْخَلُ تَائِهًا شَرِهًا بِمَالٍ ... يَكُونُ عليكَ بَعْدَ غَدٍ وَبَالاَ
فَما كَانَ الذي عُقْبَاهُ شَرٌّ ... وَمَا كَانَ الخَسِيسُ لَدَيكَ مالاَ
فَبِتُّ مِنَ الأُمُورِ بكَلِّ خَيرٍ ... وأَشْرَفِهَا وأُكْمَلِهَا خِصَالا
حرف الياء
وَكُنْ بَشًّا كَرِيمًا ذَا انْبِسَاطٍ ... وفِيمَنْ يَرْتَجِيكَ جمِيلَ رَأْي
بَعِيدًا عن سَماعِ الشَّرِّ سَمْحًا ... نَقِيِّ الكَفِّ عَنْ عَيبِ وَثَأْي
مُعِينًا لِلأْرامِلِ واليَتَامَى ... أمِينَ الجَيب عَنْ قُرْبٍ ونَأَي
وَصُولاً غَيرَ مُحْتَشِمٍ زَكِيًّا ... حَمِيدَ السَّعْيِ في إنْجازِ وَأْي
تَلَقَّ مَوَاعِظِي بقَبُول صِدقٍ ... تَفُزْ بِالأَمْنِ عِنْدَ حُلُولِ لأْيِ
حرف الألف
إلى دُنْياكِ انْظُرْ باعْتِبَارِ ... تَجِدْها دارَ ذلٍّ مَعْ فَنَاءِ
إلىَ كَمْ تَحْمِلُ الأَوزارَ فِيهَا ... مَعَ الشَّهَواتِ تَسْري يا مُرَائِي
أمَا آنَ انْتِبَاهُكَ مِنْ غُرُورٍ ... بهِ أَصْبَحْتَ بَينَ الأغْبِيَاءِ
تَيَقَّظْ وانْتَبِهْ واقْبِلْ بقَلْبٍ ... على مَولاك تَظْفَر باهْتداءِ
وَقِفْ بالبابِ واطْلُبْ مِنهُ فَتْحًا ... عَسَى تَحْظَى بصُبْحٍ أَو مَسَاءِ
حرف الباء
إلهُ العَرْشِ يَقْبَلُ كُلَّ عَبْدٍ ... إليهِ فَازَ مِنْ فورٍ أَجَابَا
ورَاقَبَ ربَّهُ في كُلِّ أَمْرٍ ... وحَاسَبَ نَفْسَهُ ولَهُ أنَابَا
وبالأسْحارِ يَطْلُبُ مَنْحَ فَضْلٍ ... فَيَفْتح لِلْقَبُولِ الحَقَّ بَابَا
لِيَمْنَحَ كُلَّ مَنْ وَافَى ذلِيلاً ... إِلىَ أعْتَابهِ وَبَكَى وَتَابَا
حرف التاء
تَبِيتُ على المَعَاصِي والمَسَاوِي ... فأَنْتَ بِغَفْلَةٍ واللهِ بتَّا
يُدِيمُ عَلَيكَ إحْسَانًا وفَضْلاً ... وأَنْتَ تُدِيمُ لُؤُمًا أينَ كُنْتَا
وبالعِصْيَانِ تَخْطُرُ باخْتِيَالٍ ... سَكِرْتَ مِنَ الغُرورِ وَمَا صَحَوتَا
стр. 1003
أَفِقْ مِنْ غَفْلَةٍ وأَنِبْ لِرَبٍّ ... تَنَلْ منهُ السَّماحَ إذَا أبَنْتَا
وتَظْفَرُ بالقَبولِ وبالأماني ... وفي الدّارَين بالإِسعادِ فُزْتَا
حرف الثاء
تُعاهِدْ مَن بَرَاكَ بكُلِّ يَومٍ ... عَلىَ السَّيرِ الحَمِيدِ وأنْتَ نَاكِثْ
لَكَ اتَّسَعَ المَجَالُ وأنَتَ لاهٍ ... وَإِبْلِيسُ اللَّعِينُ بِفِيِكَ نَافِثْ
عَلَيكَ اسْتَحْوَذَ الشّيطَانُ حَتَّى ... عَصَيتَ وأَنْتَ بالعِصْيَانِ مَاكِثْ
حَلَفْتَ بأنْ تَتُوبَ عنِ الْمَعَاصِي ... بِمَنْ سَوّاكَ لَكِنْ أنْتَ حَانِثْ
فَكَيفَ تُجِيبُ يَومَ الحَشْرِ قُلْ لِي ... إذا كَانَ الحِسَابُ لِكُلِّ حَادِثْ
حرف الجيم
سَرَيتَ مَعَ الأَسافِلِ والأَدَانِي ... تَرُومُ بكُلِّ شَائِنةٍ وُلُوجَا
رَكِبْتَ سَفِينَةَ العِصيَانِ تَجْرِي ... بِبَحْرِ الهَمِّ لَمْ تَبْغِ الخُرُوجَا ...
لِذَاكَ غرقْتَ في لُجِيِّ تِيهٍ ... رَسَبْتَ مَعَ الهَوانِ ولَن تَمُوجَا
فكَيفَ تَرُومُ إنْقَاذًا لِتَطْفُو ... إذا مَا كُنْتَ لِلمَولَى لَجُوجَا
حرف الحاء
أمَا آنَ الرُجُوعُ إلَى الصَّفُوحِ ... عَن الزَّلاَتِ والفِعْلِ القَبْيحِ
تُبَادِرُهُ بِقُبْحِ الفِعْلِ سِرًّا ... ولا تَخْشاهُ بالقَول الصَّريحِ
هَدَاكَ إِلَى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ... وأنْتَ ضَلَلْتَ عَنْ هَذا الصَّحِيحِ
وَفي دُنياكَ تُؤْثِرُ كُلَّ فانٍ ... عنِ البَاقي المُعَزِّزِ والمَلِيحِ
فهذا مِنْكَ شَرُّكَ مَعْ قُنُوطٍ ... بهِ يَهْوَى الكنود معَ الشَّحِيحِ
حرف الخاء
فؤادُكَ غائبٌ بينَ الأمانِي ... عنِ المَحْبُوب في كَرْخٍ وبَلْخِ
تسيرُ مع الهَوَى في كلِّ فجٍّ ... وَقَلبُكَ طائرٌ يَهْوِي بفخِّ
تَظَلُّ أسَيرَ تَفْرِيطٍ فَظِيعٍ ... بهِ تَنْحَطُّ في نَسْخٍ وَمَسْخِ
يُنَادِيكَ الحَبيبُ بكلِّ وَقْتٍ ... إِلَيَّ إِليَّ بَادِرْ بالتَّوَخِّي
تَوَخَّ الصِّدْقَ واتْرُكْ طُرْقَ غَيٍّ ... لَتُحْظَى بالقَبُولِ بِيَومِ نَفْخِ
стр. 1004
حرف الدال
مَوَاهِبُ ذِي الجَلاَلِ عَلَيكَ تَتْرى ... بِإحْسَانٍ وَأَنْتَ بِهَا كَنُودُ
يَزيدُكَ مِنْهُ فَضْلاً كُلَّ يَومٍ ... وأنْتَ بضِدِّهِ أَبَدًا تَزِيدُ
تَغُرُّكَ أُمُّ دَفْرٍ بِألأمَانِي ... عن العُقْبَى لِتَغْفَلَ يَا بَعِيدُ
أَلاَ فَانْهَضْ إِلَى الوّهَّابِ واشْكُرْ ... لَهُ نِعَمًا غِزَارًا لا تَبِيدُ
إذَا وَالَيتَ بِالطَّاعَاتِ شُكْرًا ... بإخْلاَصٍ فَأنتَ إذَن سَعِيدُ
حرف الذال
رُكُونُكَ لِلسِّوِي أقْصَاكَ حَتّى ... غَدَوتَ لِكُلِّ ذي سَفَهٍ مَلاَذَا
مَعَ الأَغْيَارِ سِرْت عَلىَ غُرُورٍ ... بهِ أصْبَحْتَ مَفْتُونًا لِمَاذا؟
فَمَا هَذَا الرُّكُونُ إِلَى سِواهُ ... وَما أحْرَزْتَ فائِدةً وَمَاذا
فَلاَ تَرْكَنْ إِلَى أَحَدٍ سِوَاهُ ... وجَانِبْ كُلَّ مَنْ هَاذَى وآذَى
تَنَلْ منهُ القَبُولَ وفَيضَ عَفْوٍ ... رِضَاهُ غَدَا لِمَنْ بحِمَاهُ لاَذَا
حرف الراء
رَضِِيتَ بأنْ تُقِيمَ على فَسَادٍ ... إقَامَةَ كُلِّ زِنْدِيقٍ جَسُورِ
ولَمْ تَحْفَظْ إِلَى مَولاَكَ عَهْدًا ... وَلَمْ تَسْمَعُ مَقَالاً مِنْ نَذِيرِ
لِذَاكَ غَدَوتَ مطْرُودًا شَرِيدًا ... بِمَهْمَهِ شَرِّ جَهْلٍ مُسْتَطِيرِ
بِهِ قَصَّرْتَ عَنْ عَمَلٍ شَرِيفً ... وَسِرْتَ مَعَ الزَّمانِ علَى غُرُورِ
أَلَمْ تَعْلَمْ بأنَّكَ عَنْ قَرِيبٍ ... بِأَوزَارٍ تَسِيرُ عَلَى قَدِيرِ
حرف الزاي
تَرُومُ الشَّهْدَ مِنْ أنْيَابِ أَفْعَى ... وَطَعْمَ الدِّبْسِ مِنْ مِلْحِ انْجليزي
كِلاَ الأَمْرَينِ لَمْ يَطْلُبْهُ إلاَّ ... جَهُولٌ جَهْلُهُ المُرْدِي غَرِيزِي
لِذَاكَ سَرَيتَ بالإِفْسَادِ تَرْجُو ... صَلاحَ الحَالِ مِن مَلِكِ عَزِيزِ
رُويدَكَ غَرّكَ الشيطانُ حَتّى ... ضَلَلْتَ عنِ الحَقِيقَةِ يَا عَزِيزِي
إذا رُمْتَ الصَّلاحَ أنَبْ لِرَبٍّ ... تَفْزْ بالخَيرِ والحِرْزِ الحَرِيزِ
стр. 1005
حرف السين
إلى كمْ ذا التَّمَادِي بالدَّسَائِسْ ... وأَنْتَ بِحَمْأةِ البُهْتانِ غَاطِسْ
تُسَاعِدُ كُلَّ نَمّامٍ بإفْكٍ ... وتَغْتالُ الأكَارِمَ والأَوانِسْ
تُسَابِقُ كُلَّ شَيطانٍ رَجيمٍ ... بما تُبْدِيهِ مِنْ فِتَنِ الوَسَاوِسْ
أضَعْتَ العُمْرَ في زُورٍ وَوزْرٍ ... وَلَهْوٍ معْ ذَوِي الغَدْرِ الأَبَالِسْ
فعَجِّلْ بالمَتَابِ لِنَيلِ عَفْوٍ ... لِتُحْبَى مِنْ جَنَا مَا أَنْتَ غَارِسْ
حرف الشين
أَرَى وَخَطَ المَشِيبِ دَلِيلَ سَيرٍ ... إِلَى دَارٍ صَفَتْ مِنْ كُلِّ غِشِّ
بِهَا فَازَ التَّقِيُّ بفِعْل خَيرٍ ... ونالَ مِن المُهَيمن صَفْوَ عَيشِ
يُنِيلُ العَفْوَ رَبِّي كُلَّ عَبْدٍ ... بتَقْوَى اللهِ بَينَ النَّاسِ يَمْشِي
ويُخْزِي كُلَّ أفَّاكٍ أثِيمٍ ... وَيَجْزْي كُلَّ خَتَّارٍ بِبَطْشِ
إذَا رُمْتَ الرِّضَا والعَفْوَ مِنْهُ ... تَنَزَّهْ عَن قَبِيحِ الفِعْلِ وامْشِ
حرف الصاد
إلامَ وأَنْتَ في زَهْوٍ وَلَهْو ... وإنَّ العُمْرَ مُعْظمُهُ تَقَلَّصْ
تُعاقِرُ خَنْدَرِيسَ السُّوء دَومًا ... نَدِيمُكَ مَنْ إِلَى الفَحْشَا تَرَبَّصْ ...
وتَهْجُرُ كُلَّ ذِي هَدْيٍ قَوِيمٍ ... وَتُوصِلُ كُلَّ زِنْدِيقٍ تَمَلَّصْ
بِذَا أطْفَأْتَ نُورَ العَقْلِ حتى ... ضَلَلْتَ عنِ الهِدَايَةِ يَا مُنْغَّصْ
أَنِرْ بإِنَابَةٍ لله عَقْلاً ... لَهُ نُورُ الهُدَى بالحقِّ حَصْحَصْ
حرف الضاد
عَلاَمَ رَغِبْتَ بالأَوزَار حَتّى ... رَغِبْتَ عن القيامِ بكُلِّ فَرْضِ
بِضُرِّ الناسِ كَمْ تَغْدُو وَلُوعًا ... بأنَيابِ تُمَزِّقُ كُلَّ عِرْضِ
فوَا عَجَبًا لِمُغْتَالٍ زَنِيمٍ ... بِزُورِ القَولِ والبُهَتانِ يَمْضِي
ولَمْ يَخْتَرْ سُلُوكًا غَيرَ غَدْرٍ ... بِهِ قَرَضَ الأكارِمَ شَرَّ قَرْضِ
يَظَلُّ على الفَسادِ ولَيسَ يَدْري ... بأنَّ الله بَينَ الناسِ يَقْضِي
стр. 1006
حرف الطاء
حَذارِ حَذارِ مِن شيطان إنْسِ ... بِهِ لَعِبَ الهَوَى مَعَ شَرِّ رَهْطِ
يُرِيكَ تَمَلُّقًا مِن غَيرِ أصْلِ ... ويُبْدِي لِلْخِداعِ لِسانَ بَسْطِ
رُوَيدَكَ لا تُغَرَّ بِهِ وحاذِرْ ... وُقُوعَكَ في حَضِيضِ هَوانِ سُخْطِ
فلا تَصْحَبْ سِوَى خِلٍّ تَحَلَّى ... بإيمانٍ قَويمٍ لَيسَ يُخْطِي
تَنَلْ عِزًّا ومَجْدًا واعْتِبَارًا ... وَرَبُّكَ خَيرَ فَضَلٍ منه يُعْطِي
حرف الظاء
دَعِ التَّعْلِيلَ والتَّسويفَ واقبِلْ ... عَلىَ مَولاَك تَغْنَمْ نَيلَ حَظِّ
أدِمْ بالحَزْمِ إقْبَالاً عَليهِ ... عَسَى تَحْظَى بِتَوفِيقٍ وحِفْظِ
ونَقِّ القَلْبَ مِن شُبُهاتِ زَيغٍ ... تَراهُ مَعْنويًّا ثمَّ لَفْظِي
ورِدْ حَوضَ الشِّرِيعَةِ مَعْ صَفاءٍ ... وَجَانِبْ كُلَّ ذِي حَسَدٍ وَغَيظِ
وَرَقِّ النْفسَ بالعِرْفَانِ تَزْكُو ... وتَظْفَر بالمُنَى مِنْ كُلِّ وَعْظِ
حرف العين
أَفِقْ مِن غَفْلةِ الآمَالِ تَسْلَمْ ... وقُمْ للهِ أوَّابًا مُطِيعَا
وخَالِفْ كُلَّ شَيطانٍ مَرِيدٍ ... وَنَفْسَكَ والهَوَى ثَمَّ الرِّقِيعَا
فنِعْمَ العَبْدُ أنْتَ بِغَيرِ شكٍّ ... إذَا أَصْبَحَتَ لِلدَّاعِي سَمِيعَا
بَصيرًا بالعَوَاقِب في أمُورٍ ... بِهَا أحْسَنْتَ ما عِشْتَ الصَّنِيعا
تَمَسَّكْ بالشَّرِيعةِ واحْتَرِمْهَا ... تَنَلْ مِن فَضْلِهَا الشَّرَفَ الرَّفِيعَا ...
حرف الكاف
عَليكَ بخلْعِ أغيارٍ لِئامٍ ... إذا رُمْتَ المَعَزَّةَ في سُرَاكا
وَسِرْ بالصِّدْقِ في أجلى طريقٍ ... بهِ نُورُ الهُدَى يَسْمُو السِّمَاكا
ونَقِّ القَلْبَ مِنْ شَهَوات نَفْسٍ ... وحَقَق بالمَسير صَفَا هُدَاكا
بذَاكَ الفكرُ يَصْفُو من شكُوكٍ ... وأوهَامٍ بها نلْتَ ارتِبَاكا
حرف اللام
لماذَا أنْتَ تَغْفُلُ عن رَقيب ... بَراكَ فَذا يَراك وليس يَغْفُلْ
стр. 1007
وتُشْغَلُ عنهُ مُفْتُونًا بِدُنْيًا ... ومن سوى البَرايَا لَيس يُشْغَلْ
يُنادِي كلَّ ذي قَلْبٍ سَلِيمٍ ... لحَضْرَتِه وأنتَ أراكَ تَكْسَلْ
فقُمْ في كلِّ وَقْتٍ باجتهادٍ ... أجِبْ وَأقْبِلْ على مولاكَ تُقْبَلْ
حرف الميم
مَسِيركَ في طَريقِ القَومِ يَحْلُو ... إذا كانَ المسيرُ معَ الكِرامِ
إذَا صاحَبْتَهُمْ أصْبَحْتَ مِنْهُمْ ... وَنِلْتَ بقُرْبِهمْ أقْصَى مَرَامِ
رجالٌ أَخْلَصُوا للهِ حتّى ... حباهُمْ رَبُّهُمْ أسْمَى مَقَامِ
حرف الواو
وعَظِّم شأنَ ربِّك حيثُ أبْدَى ... وُجُودَ الخَلْقِ إبْداعًا وسَوَّى
فأسْعَدَ بَعْضَهُم والبعض أشْقَى ... فَريقًا قَد هدى وفَريقًا اغْوى
بِذَا حكَم الإلهُ على البَرايا ... فمِنهُم فازَ ذُو فضلٍ وتَقْوَى
حرف اللام ألف
عَجيبٌ منْكَ إذْ تُبْدي اعِتراضًا ... به أخْطَأتَ واللهِ المَقَالا
فتُبْ للهِ منْ كلِّ اعتِراضٍ ... وَطَهِّرْ فكرَكَ المغرورَ حَالا
لأنَّ الله يَفْعلُ في البَرايا ... كما شاءَتُ إرادتُهُ كَمَالا
دَعِ المَخْلُوقَ للخَلاَّقِ واحْذَرْ ... لأنَّ الاِعْتَراضَ غَدا ضَلالاَ
وثِقْ باللهِ في قَولٍ وفِعْلٍ ... بَلَغْتَ من الكَمالِ بهِ وِصَالاَ
حرف الياء
إلى مَولاَكَ سَلِّمْ كُلَّ أمْرٍ ... تَفُزْ في كلِّ صُبْحٍ أو عَشِيّ
وصُنْ منكَ الفُؤادَ بحُسْنِ سَيرٍ ... بإخْلاصٍ على النهج السَّوِيّ
ومِنْ مَولاكَ اطْلُبْ مَنْحَ فَضْلٍ ... تَنَلْ منهُ صَفَا العيشِ العَنيّ
وأكثِرْ مِنْ صَلاتِكَ مَعْ سلامٍ ... على أسْمَى نَبيٍّ هاشِميّ
صلاةُ اللهِ يَتْلُوها سَلامٌ ... عليهِ دامَ كالمِسْكِ الزَّكيّ
* * *
آخر:
اقْرأْ كتاب الله أن رمت الهدى ... أو رمت ترقى ذروة الإحسان
واعكف بقلبك في أرَائِكِ روضة ... مملوءة بالعلم والإيمان
стр. 1008
وانظر إلى تركيبه واعمل به ... إن كنت ذا بصر بهذا الشان
هذا ولا ينجيك طب في التي ... ترجو بغير مشيئة الرحمن
فاسأله في غسق الليالي والدجى ... يا دائن المعروف والسلطان
وانظر إلى ما قاله عَلَم الهدى ... عند ازدحام عساكر الشيطان
أشكو إليك حوادثًا أنزلتها ... فتركتني متواصل الأحزان
من لي سواك يكون عند شَدَائِدِي ... إن أنت لم تكلأ فمن يكلاني
لولا رجاؤك والذي عودتني ... من حُسن صنعك لاستُطِير جناني
واذكر مآثر أقوام قد انتدبوا ... يوما لنصر الدين بالإحسان
من صالحي الإخوان أعلام الهدى ... من وطَّدوا التوحيد ذا الأركان
قامت بهم أركان شرعة أحمد ... وعلت سيوف الحق والإيمان
وغدا الزمان بذكرهم متبسمًا ... يبدي سنا للطالب الولهان
سارت بهم أبناء مجد في الورى ... يغشى سناها عابد الأوثان
قد جددوا للدين أوضح منهج ... يبدي حَنِينَ لِسَالِكٍ الحيران
حتى علا في عهدهم شأن الهدى ... وانقضَّ ركن الشرك في الأديان
أما العقائد أن ترد تحقيقها ... عنهم بلا شك ولا كتمان
إن الإله مقدَّس سبحانه ... رب عظيم جلَّ عن حدثان
حقا على عرش السماء قد استوى ... ويرى ويسمع فوق ست ثمان
يعطي ويمنع من يشاء بحكمة ... في كل يوم ربنا ذو شان
خضعت لعزة وجهه وجلاله ... حقًا وجوه الخلق والأكوان
بل كل معبود سواه فباطل ... من دون عرش للثرى التحتاني
فاحذر توالي في حياتك غيره ... من كل معبود ومن شيطان
واحذر طريقة أقوام قد افتتنوا ... في حب أدنى أو خسيس فان
واقطع علائق حبها وطلابها ... إذ قطعوا فيها عرى الإيمان ...
стр. 1009
لهفي عليهم لهفة من واله ... متوجعًا من قلة الأعوان
قد صاده المقدور بين معاشر ... في غفلة عن نصرة الرحمن
واستبدلوا بعد الهدى طرق الهوى ... لما عموا عن واضح البرهان
واقطع علائق حبهم في ذاته ... لا في هواك ونخوة الشيطان
واهجر مجالس غيهم إذ قطعوا ... فيها عرى التوحيد والإيمان
لاسيما لما ارتضاهم جاهل ... ذو قدرة في الناس مع سلطان
لما بدا جيش الضلالة هادمًا ... ربع الهدى وشرائعه الإحسان
قوم سكارى لا يفيق نديمهم ... أبد الزمان يعود بالخسران
قوم تراهم مهطعين لمجلس ... فيه الشقاء وكل كفر دان
بل فيه قانون النصارى حاكمًا ... من دون نصٍّ جاء في القرآن
بل كل أحكام له قد عطلت ... حتى الندا بين الورى بأذان
ويرون أحكام النبي وصحبه ... في شرعه من جملة الهذيان
ويرون قتل القائمين بدينه ... في زعمهم من أفضل القربان
والفسق عندهمو فأمر سائغ ... يلهو به الأشياخ كالشبان
المنع في قانونهم وطريقهم ... غصب اللواط كذاك والنسوان
فانظر إلى أنهار كفر فجرت ... قد صادمت لشريعة الرحمن
بل لا يزال لجريها بين الورى ... من هالك متجاهل خوان
والله لولا الله ناصر دينه ... لتفصمت فينا عرى الإيمان
فالله يجزي من سعى في سدها ... من أمة التوحيد والقرآن
والله يعطي من يشاء بفضله ... فوق الجنان عطية الرضوان
وكذا يجازي من سعى في رفعها ... ما قد أعد لصاحب الكفران
يا رب فاحكم بيننا في عصبة ... شدوا ركائبهم إلى الشيطان
стр. 1010
سلوا سيوف البغي من أغمادها ... وسعوا بها في ذلة وهوان
واستبدلوا بعد الدراسة والهدى ... بالقدح في صحب وفي إخوان
صرفوا نصوص الوحي عن أوضاعها ... وسعوا بها في زمرة العميان
فتحوا الذرائع والوسائل للتي ... يهوي هواها عابد الصلبان
وسعوا بها في كل مجلس جاهل ... أو مشرك أو أقلف نصراني
وقضوا بأن السير نحو ديارهم ... في كل وقت جائز بأمان
لم يفقهوا معنى النصوص ولم يعوا ... ما قال أهل العلم والعرفان
ما وافق الحكم المحل ولا هو اسـ ... ـتوفى الشروط فصار ذا بطلان
فادرأ بها في نحرهم تلقى الهدى ... وارجمهو بثواقب الشهبان
واقعد لهم في كل مقعد فرصة ... واكشف نوابغ جهلهم ببيان
حتى يعود الحق أبلج واضحًا ... يبدو سنا للسالك الحيران
وقضوا بأن العهد باق للذي ... ولي الولاية شيعة الشيطان
تبا لهم من معشرٍ قد أشربوا ... حب الخلاف ورشوة السلطان
وقضوا له بالجزم أن متابه ... قد هد ما أعلى من البنيان
وطلابه للأمر والحرب الوبي ... فعلى طريق العفو والغفران
آخر:
نَموتُ جَمِيعًا كُلُّنا غَيرَ مَا شَكٌ ... وَلاَ أحَدٌ يَبْقَى سِوَى مَالِكِ المُلْكِ
أيَا نَفْسُ أنْتِ الدهر في حَالِ غَفْلَةٍ ... ولَيسَتْ صُرُوف الدهرِ غَافِلَةً عَنْكِ
أيَا نَفْسُ كَمْ لِي عَنْكِ مِن يَوم صَرْعَةٍ ... إلى الله أشْكُو مَا أعالجُهُ مِنْكِ
أيَا نَفْسُ إنْ لَمْ أبْكَ مِمَّأ أخَافُهُ ... عَلِيكِ غَدًا عِنْدَ الحِسَابِ فَمَنْ يَبْكِي
أيَا نَفْسُ هَذِي الدَّارُ لاَ دَارُ قلعَةٍ ... فلا تَجْعَلِنَّ القَصْدَ في مَنْزِلِ الإِفكِ
أيَا نَفْسُ لا تَنْسَي عن اللهِ فَضْلهُ ... فَتأييدُهُ مُلْكِي وخِذْلاَنُهُ هُلْكِي
стр. 1011
ولَيسَ دَبِيبُ الذَّرِ فَوقَ الصَّفَاةِ في ... ظَلاَمٍ بأَخْفَى مِن رِيَاءٍ وَلاَ شِرْكِ
آخر:
قالوا غَدَا العِيدُ مَاذَا أنْتَ لابِسُهُ ... فَقُلْتُ حُلَّةَ تَقْوى حُبُّهَا جُرعَا
فَقْرٌ وصَبْرٌ هُمَا ثَوبَانِ تَحْتَهُمَا ... قَلْبٌ يَرَى إلْفَهُ الأعْيَادَ والجُمَعَا
أولَى الملابِسِ أنْ تَلْقَى الحَبِيبَ بِهِ ... يَومَ الزِّيَارَةِ في الثَّوبِ الذي خَلَعَا
من مَا نُسِبَ إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
يا سَائِلِي عَن مَذْهَبي وعَقِيدتِي ... رُزِقَ الهُدَى مَن لِلْهِدَايةِ يَسْأَلُ
اسْمَعْ كَلامَ مُحَقِقٍ في قَولِهِ ... لا يَنْثَنِي عَنْهُ ولا يَتَبَّدلُ
حُبَّ الصَّحَابةِ كُلِّهم لِي مَذْهَبُ ... وتَابِعِهِمْ فيما يَقُولُ ويَفْعَلُ
ولِكُلِّهم قَدْرٌ وفَضْلٌ سَاطِعٌ ... لَكِنَّمَا الصِدِّيقُ مِنْهُمْ أفْضَلُ
وأقُولُ في القُرآنِ مَا جَاءَتْ بِهِ ... آياتُه فَهْوَ الكَرَيمُ المُنْزَلُ
وجميعُ آياتِ الصّفاتِ أُمِرُّهَا ... حَقًّا كَمَا نَقَلَ الطِّرَازُ الأوَّلُ
وأرُدُّ عُهْدَتَهَا إلى نُقَّالِهَا ... وأصُونُهَا عَن كُلِّ مَا يُتَخَيَّلُ
قُبْحٌ لِمَنْ نَبَذَ القُرآنَ ورَاءَهُ ... وإذَا اسْتَدَلَّ يَقُولُ قَالَ الأخْطَلُ
والمؤمنونَ يَرونَ حَقًا رَبَّهمُ ... وإلى السماءِ بِغَيرِ كَيفٍ يَنْزِلُ
وأُقِرُّ بِالميزانِ والحوضِ الذِي ... أَرْجُوا بأنِي مِنْهُ رَيًا أنْهَلُ
وكذا الصراطُ يُمَدُّ فوقَ جَهنَّمٍ ... فَمُوحِّدٌ نَاجٍ وآخرُ مُهْمَلُ
والنَّارُ يَصْلاَها الشقيُّ بحكمة ... وكذا التقيُّ إلى الجنان سَيَدْخُلُ
ولِكُلِّ حَيٍّ عَاقِلٍ في قَبْرِهِ ... عَمَلٌ يقارنُه هُنَاكَ ويسْأَلُ
هذا اعتقَاد الشافعيِّ ومالِكٍ ... وأَبي حَنيفةَ ثم أحمدَ يُنْقَلُ
فإنِ اتَّبَعْتَ سَبيلَهم فَمُوفَّقٌ ... وإن ابْتَدَعْتَ فمَا عَليكَ مُعَوَّلُ
стр. 1012
آخر:
واعجبًا لِلْمرءِ في لَذَّتَهْ ... يَجرُّ ذَيلَ التِيهِ في خَطْرَتِهْ
يَزْجُرُهُ الوعظُ فَلا يَنْتَهِي ... كَأَنَّه الميتُ في سَكْرتِهْ
يُبَارِزُ اللهَ بِعِصْيَانِهِ ... جَهْرًا ولا يخشاه في خَلوته
وإن يَقع في شدَّة يبتهل ... فإن نَجا عَادَ إلى عَادتِه
ارغَبْ لمولاكَ وكُنْ رَاشِدًا ... واعْلَمْ بأنَّ العِزَّ في خَدْمَتِهْ
واتّل كِتَابَ الله تُهْدَى بِهِ ... واتَّبعِ الشرعَ عَلى سُنَّتِهْ
لا تَحرِصَنْ فالحرصُ يُزرِي بالفَتَى ... ويُذْهِبُ الرَونَقَ مِن بَهْجَتِهْ
والحظُّ لا تَجلِبُهُ حِيلَةٌ ... كَيفَ يَخَافُ المرءُ مِن فَوتَتِهْ
مَا فَاتَكَ اليومَ سَيأتِي غَدًا ... مَا في الذي قُدِّرَ مِن حَيلَتِهْ
والرِزقُ مضمونٌ ومِنْ وَاحِدٍ ... مَفَاتِحُ الأشْيَارِ في قَبْضَتِهْ
قَدْ يُرزَقُ العَاجِزُ مَعْ عَجْزِهِ ... ويُحْرَمُ الكَيَّسُ مَعَ فِطْنَتِهْ
لاَ تَنْهَرِ المسْكِينَ يَومًا أتَى ... فَقَدْ نَهاكَ الله عن نَهْرَتِهْ
إنْ عَضَّكَ الفَقْرُ فكُنْ صَابرًا ... على الذي نَالَكَ مِن عَضَّتِهْ
أَو مسَّكَ الضُرُّ فَلا تَشْتَكِ ... إلاَّ لِمنْ تَطْمَعُ في رحَمتِهْ
وهو الإِلهُ القَادِرُ القَاهر ... مدَبِّرُ الأشْيَاءِ في حِكْمَتِهْ ...
لِسانَكَ احْفَظْهُ ومِنْ نُطْقِهِ ... واحْذَرْ عَلَى نَفْسِكَ مِنْ عَثْرَتِهْ
فالصمتُ زَينُ وَوَقَارٌ وَقَدْ ... يُؤْتَى عَلَى الإِنْسانِ مِن لَفْظِتِهْ
مَنْ أطْلقَ القولَ بلا مُهْلَةٍ ... لا شَكَّ أنْ يَعْثرُ في عَجلَتِهْ
مَن لَزم الصمتَ نَجَا سَالِمًا ... لا يَنْدَمُ المرءُ عَلَى سَكْتَتِهْ
مَن أظْهرَ الناسَ على سِرِّه ... يَسْتَوجِبُ الكَيَّ عَلَى مُقْلَتِهْ
مَن مَازحَ الناسَ اسْتخَفُّوا بِهِ ... وكَانَ مَذْمُومًا عَلَى مَزْحَتِهْ
مَنْ جَعَل الخَمَرَ شِفاءً لَهُ ... فَلا شَفَاه الله مِن عِلَّتِهْ
مَن نَازَعَ الأقْيالَ في أمرِهِم ... بَاتَ بَعْيَد الرأس عن جُثَّتِهْ
стр. 1013
من لاعبَ الثعبانَ في كَفِّهِ ... هَيهاتَ أنْ يَسلمَ مِن لَسْعَتِهْ
مَن عاشَر الأحمقَ في حَالِهِ ... كَانَ هُو الأحمقُ في عِشْرَتِهْ
لا تَصْحَبِ النذَل فتردَى بِهِ ... لا خَيرَ في النَّذْلِ ولا صُحْبَتِهْ
مَن اعتراكَ الشكَ في جِنْسِهِ ... وحَالِهِ فانْظُرْ إلَى شِيمَتِهْ
مَن غرَسَ الحنظلَ لا يَرتَجِي ... أنْ يَجْتَنِي السُكَّرَ مِن غَرْسَتِهْ
مَن جَعَلَ الحقَّ لَهُ ناصِرًا ... أيدَهُ اللهُ عَلَى نُصْرَتِهْ
واقْنَعْ بِمَا أعطاكَ مِن فَضْلِهِ ... واشْكُر لِمَولاكَ عَلَى نِعْمَتِهْ
وانْظُرْ إلى الحُرِ وأحْوالِهِ ... واجْلِسْهُ بينَ النَّاسِ في رُتْبَتِهْ
لا بَاركَ اللهُ العلي في امْرِئٍ ... يَلْدَغُ كَالعقرِب في لَدْغَتِهْ
لا تَطْلبِ الإحسانَ مِن غادرٍ ... يَرُوغُ كالثَّعلبِ في رَوغَتِه
لا خيرَ في الجارِ إذا لَمْ يَكُنْ ... ذَا عِفَّةٍ يُؤْثِرُ في عِفَّتِهْ
الناسُ خُدَّام لِذي نِعْمَةٍ ... وكُلُهم يَرْغَبُ في خِدْمَتِهْ
وإنْ تَزوجْتَ فَكُنْ حَاذقِا ... واسْألْ عن الغُصْنِ وعن مَنْبَتِهْ
وابْحَثْ عن الصِّهْرِ وأحْوالِهِ ... مِن عُنْصِر الحَي وذِي قُرْبَتِهْ
يَا حَافَر الحُفْرَةِ أقْصِرْ فَكَمْ ... مِنْ حَافِرٍ يُصْرعُ في حُفْرَتِهْ
إذَا دَعَا المَظْلُومُ في لَيلِهِ ... فَزِعًا لِيَقْبَل الله في دَعْوَتِهِ
سَيما إذا كَانَ أخَا حُرْقَةٍ ... وباتَ يَسْقِي الدمعَ مِن عَبْرَتِهْ
أكَرمْ غَريبَ الدارِ واعْمَلْ عَلَى ... رَاحَتِهِ مَا دَامَ في غُرْبَتِهْ
آخر:
لا تُورِدَّنَ عَلى سَمْعِي مِن الكَلِمِ ... عِند المُلاَقاةِ إلاَّ طَيِّبَ الحِكَمِ
إمَّا سُؤالٌ لِقَصْدِ الرُشْدِ حَرَّرَهُ ... ذُو فِطْنَةٍ آخِذٌ لِلْعِلْمِ عَن عُلُمِ
لَيسَ المِرَاءُ وَرَدُّ الحقِ مَذْهَبُهُ ... وإنَمَّا هُوَ بالتَّحْصِيلِ ذُو نَهَمِ
أو زُبْدَةٌ مِن فُنُونِ العِلم خَالِصةً ... عن التَّشَكْكِ والتَّخْلِيطِ والوَهمِ
أو نُكْتَةٌ لذَوِي الآدابِ مُطْرِبَةً ... يَهْتَزُّ مِنها فُؤادُ الحاذِي الفَهِمِ
стр. 1014
أو سِيرةٌ لأُنَاسِ أصْبَحُوا رِمَمًا ... تَحْتَ التُرابِ وَقَدْ كَانُوا ذَوِي هِمَمِ
أو خُبْرَ قَولٍ عن الأحْبَابِ تَنْقُلْه ... لَيسَ اغْتِيَابًا ولا هَتْكًا لِمُنْكِتِمِ
إيَّاكَ إيَّاكمَ أعْرَاضَ الرِجَالِ وإنْ ... رَاقَتْ بِفْيِكَ فإنَّ السُّم في الدَّسَمِ
لاتُتْخِمَنْ مِن لُحومِ الناسِ تَأْكُلهَا ... فَرُبَّ مَخْمَصةٍ خَيرٌ مِن التُّخمِ
وَأعْطِ الرجالَ مِن التّوقيرِ حَقَّهُمُ ... ولا تُعادِ امْرَءًا مِنْهُمْ عَلَى التُّهَمِ
وإنْ أخْذتَ عن الأحبارِ عِلْمهُمُ ... فَجَازِهِمْ بجَمِيلِ الذِكْرِ في الأُمَمِ
فللشيوخ حقُوقٌ إذْ بِعِلْمهُمُ ... خَرَجْتَ مِن مُوحِش التَّغْفِيلِ والظُلَم
وإنْ رَأَيتَ جَمِيلاً فافْشِهِ كَرَمًا ... وإنْ رَأيتَ قَبِيحًا كُنْ كَذِي صَمَمِ
هذي النصيحةُ مِني لِلْجَلِيسِ لِمَا ... في حَقِ صُحْبَتِهِ عِنْدِي من الذمَمِ
آخر:
دَعُوتَ إلى دار السلام فَلَبينَا ... وسَعْيًا على العَينين إن كَانَ يُجْدِيَنَا
وقُلْتَ وتَهْدِي مَن تَشَاء فاهْدنا ... فإنَّا بِهَذا قَدْ دَعَونَا ولَبَّينَا
وَعَلَّمتَنَا نَدْعُو بها في صَلاتِنا ... إذَا مَا قَرأْنَا الحَمْد فيها وصَلَّينَا
فَنَدعُوا بها سَبْعًا وعَشْرًا بيومَنا ... ولَيلَتَنَا فِيما فَرَضْتَ وَأدَّينَا
وَحَاشكَ تَدْعُونَا وتأْمُرُ بالدُعَا ... وتُغْلقُ عَنَّا البابَ إذْ نَحْنُ وَافَينَا
دُعَاؤُكَ إيَّانَا وتَعْلِيمُنَا الدُعَا ... دَلِيلٌ عَلَى أنَّ الكَرِيمَ سَيُعْطِينَا
لَكَ المثلُ الأعْلَى فإنَّ بَنِي الدُنَا ... إذَا مَا دَعَوا أعطوا وفَضْلُكَ كَافِينَا
ولَولاَكَ فَضْلاً مِنْكَ لَمْ نَعْرِفَ الدُعَا ... ولا هَادِيًا بالوَحْي والخَير يَأْتِينَا
إذَا نَزلَ الأبرارُ جَنَّتَكَ التي ... وَعَدْتَ تَراهُم حَامِدِينَ ومُثْنِينَا
عَلَى ما هَدَى لَولاَهُ لَمْ نَدْرِ مَا الهُدى ... ولا أي دِين في القِيامة يُنْجِينَا
فَلِلَّهِ كَلُّ الفَضْلِ فِي كُلِّ حَالَةٍ ... وَمِنْ فَضْلِهِ إجْرَاؤُهُ الْحَمْدُ فِينَا ...
وتَعْلِيمِنَا كَيفَيَّةَ الحمدِ والثَّنَا ... وإرْسِالِهِ خَيرِ النَّبِيِّينَ هَادِينَا
стр. 1015
مُحَمدٍ الهادِي إلى سُنَنِ الهُدَى ... فَصَلِّى عَلَيهِ اللهُ والآلُ أهْلِينَا
القول الأسنى
في نظم الأسماء الحسنى
تأليف الشيخ
حسين بن علي بن حسين بن شيخ الإسلام
محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى
جَميعُ الثَّنا والحمدُ بالشكْرِ أكْملُ ... وللهِ مَجمُوعُ الثلاثة أجعَلُ
له الحمد أغلى الحمد والشكر والثنا ... أعَزَّ وأزْكَى ما يكونُ وأفْضَلُ
له الحمدُ حَمْدًا طيبًا ومباركًا ... كثير فضيل حاصلٌ متحصلُ
مَلاَ العَرشَ والكُرسِيَّ مَعَ الأَرْضِ والسما ... ومِلءَ الذي بَينَ الطَرائِقِ يَفْصِلُ
وإني بحمدِ الله والشكرِ والثنا ... لِنَيلِي مِن اللهِ الرِضَا أتَوسَّلُ
إلى الله أُهْدِي الحمدَ والشكرَ والثَّنَا ... لَه الحمدُ مَولاَنَا عليه المُعوَّلُ
وأشهد أن الله لا رَبَّ غَيرَه ... كَريمٌ رَحِيمٌ مُرْتَجَى ويُؤَمَّلُ
وأشهدُ أَنَّ مَا رَبَّ بَلّ لاَ مُدِبِّرٌ ... سِواهُ ولَولاهُ الوُجُودُ مُعَطَّلُ
قَدِيرٌ كَرِيمٌ مُحْسِنٌ وله البَقَا ... جَوادٌ ولِلْخَيراتِ فهو المُنَوّلُ
ومَن دُونَه عَبدٌ ذليلٌ مُدَبَّرٌ ... مُقِلٌّ مِن الأوزارِ أو مُتَحَمِّلُ
هُوَ الله ذُو العِزِ القَدِيم إلَهنَا ... عَزِيزٌ مُعِزٌ مَنْ لَهُ يَتَذَلَّلُ
هَوَ الواحِدُ الفردُ المهيمن ربنا ... هو الواحدُ المَوجُودُ والمُتَفَضِّلُ
جَوادٌ كَريمٌ مُحْسنٌ دَائِمُ النَّدَى ... وَجَودَاهُ لا تَبْلَى ولا تَتَبَدلُ
عَفُوٌ يُحبُ العفوَ مِن كُلِّ خَلْقِهِ ... عن الجُودِ والإحسانِ لا يَتَحَوَّلُ
стр. 1016
إذا سُئِلَ الخيراتِ أَعْطَى جَزِيلَها ... ويَرفَعُ مَكْرْوهَ البَلا ويُزَوَّلُ
تَبارَكَ فَهْوَ اللهُ ﷻ ... جَوادٌ كَريمٌ كَامِلٌ لا يُمَثَّلُ
يَسِحُ من الخَيراتِ سَحًا عَلى الوَرَى ... فَيغْنِي ويقْنِي دَائِمًا ويُحَوَّلُ
تَجِلُّ عن الأَوصَافِ عِزَّةُ ذَاتِهِ ... أَعَزّ مِن الأَوصَافِ أَعْلَى وأكْمَلُ
إذَا أكْثَر المُثْنِي عَليه مِن الثَّنَا ... فَذُو العَرْشِ أعْلَى في الجَلالِ وأَجْمَلُ
بِأسْمَائِهِ الحُسْنَى مَا يُؤْذِنَ الوَرَى ... عَلَى بَعْضِ مَدْلُولاتِهَا لَو تَأمَّلُوا ...
فَفِي اسْمِهِ «ربُّ» مُدَبِّرُ خَلْقَهُ ... وفي «اللهِ» مَعْنَىً لِلْعِبادَةِ يَشْمَلُ
وفي اسْمِهِ «اللهُ» الإِلهُ إشَارَةٌ ... إلى أنَّه المَعْبُودُ والنِّدُ يَبْطُلُ
وفي اسْمِهِ «الغَفَّارُ» يَغْفِرُ لِلْوَرَى ... إذا انْتَقَلُوا عن غَيهِم وتَنَقَّلُوا
وفي اسْمِهِ «القَاضِي» فَيَقْضِي بِمَا يَشَاء
وفي «قَادِرِ» ما شَاءَ رَبُّكَ يَفْعَلُ ...
وفي اسْمِهِ «الأعْلَى» عُلُوُّ جَلاَلِهِ ... وفي اسْمِهِ «الصَّبَارُ» يُمْلِي وَيُمْهِلُ
وفي اسْمِهِ «الفَّعَالُ» يَفْعَلُ مَا يَشَاه ... حَكِيمٌ فَلا عَمَّا يَدَبِّرُ يُسْألُ
وفي اسْمِهِ «الجَبَّارُ» يَجْبُر كَسْرَنَا ... ولِلعُسْرِ باليُسْرَينِ فِينَا يُبَدِّلُ
وفي اسْمِهِ «الجَبَّارُ» رِفْعَةُ ذَاتِهِ ... وَأخْذٌ عَلَى العَاصِي شَدِيدٌ ومُعْضِلُ
وفي اسْمِهِ «المُعْطِي» الكَريم دَلاَلَةٌ ... عَلَى أنَّهُ يُعْطِي دَوَامًا ويَبْذِلُ
وفي اسْمِهِ «السَّتَارُ» أسْتَارُهُ الَّتِي ... عَلَى أَكْثَر العَاصِينَ تُرْخَى وتُسْدَلُ
وفي اسْمِهِ «البَاقِي» دَليلٌ بَقَائِهِ ... جَدِيدًا وأنَّ الخَلْقَ يَبْلَى ويُسْمَلُ
وفي اسْمِهِ «القَيُومُ» أهْدَى دَلاَلَةً ... عَلَى أنَّهُ عَن خَلْقِهِ لَيسَ يَغْفُلُ
وفي اسْمِ «عَزْيزٍ» عِزَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ ... بِهَا يُهْلِكُ العَاصِي لَهُ ويُنَكِّلُ
وفي «ناصرٍ» نَصْرُ لِمَنْ شَاء إذْ يَشَا ... ومَن لا يَشَا يَبْقَى حَسِيرًا وَيُخْذَلُ
وفي اسْمِهِ «الهادِي» فَيَهْدِي إلى الهُدَي ... ويَهْدِي إلى النَّهْدَينِ في المَهْدِ أَطْفُلُ
وفي اسْمِهِ «الكَافِي» الوَكِيل وفي اسْمِهِ ... «حَسيبٍ وَكيلٌ» أنَّهُ لَيسَ يُهْمِلُ
وفي اسْمِهِ «الرحمنِ» رَحْمَتهُ الوَرَى ... وفي اسْمِهِ «ربِّ» عَلَيهِ التَّوكُلُ
وفي اسْمِهِ «القَاضِي» فَيَقْضِي بِمَا يَشَا ... ويَقْضِي غَدًا بَينَ البَرايَا فَيَعْدلُ
стр. 1017
وفي اسْمِهِ «الخلاَّقُ» لَمْ يَخْلُقِ الوَرَى ... سِوَاهُ «جَوَادٌ» دَائمٌ لَيسَ يَغْفُلُ
وفي اسْمِهِ «البارِي» بَرَى كُلَّ خَلْقِهِ ... وَألْطَافُه تَتْرَى دَوَامًا وَتَنْزِلُ
«عَليمٌ» فَلا يَخْفَي عَليهَ مِن الوَرَى ... ولَو غَابَ في شِقِّ من الأَرضِ خَرْدَلُ
«حَسيبٌ» فَيُحْصِي كُلَّ شَيءٍ وفي الذِي ... جَرَى بَينَنَا يَومَ القِيَامةِ يَفْصِلُ
«خَبِيرٌ» فَيَقْضِي مَا يَشَاءُ وكُلَّ مَا
« ... قَضَاه مَضَى حَتْمًا ولا يَتَفتَّلُ
«لَطِيفٌ» بِألَطْافٍ كثرٍ وبَعْضُها ... يُرَى ظَاهرًا بَينَ الوَرَى يَتَخَلَّلُ
«سَمِيعٌ» فَلاَ صَوتٌ خَفيٌ يَفُوتُهُ ... وَإنْ دَقَّ جِدًا واخْتَفَى لَيسَ يُشْكِلُ
و «برٌ» يُحبُّ البِرَّ يَرْفَعُ أَهْلَهُ ... عَلَى النَّاسِ في يَومِ الجَزَاءِ يُفَضِّلُ
«حَكِيمٌ» فَيَقْضِي مَا يَشاءُ بِحِكْمَةٍ ... «حَليمٌ فلا يَخْشَي فَواتًا فَيُعْجِلُ ...
«كَبِيرٌ جَليلٌ مَاجِدٌ وَاجِدٌ» لَهُ ... مِن الجُودِ والإِحسانِ مَا لَيسَ يُجْهَلُ
«ودودٌ رُحِيمٌ» بالمطِيعِ مِن الوَرَى ... فَمَنْ جَاءَهُ يَمْشِي أَتَاهُ يُهْرْوِلُ
وفي اسْمِهِ «التوابِ» يَقْضِي بِتَوبَةٍ ... لِمَنْ تَابَ صِدْقًا يَسْتَجِيبُ وَيَقْبَلُ
وفي «أحَدٍ» سُبْحَانَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ... نَظِيرٌ ولا مِثْلٌ بِهِ يَتَمَثَّلُ
وفي «صَمَدٍ» سُبْحَانَه يَصْمُدُ الوَرَى ... إِليهِ جَمِيعًا أَصمدٌ لَيسَ يَأْكُلُ
وفي اسْمِهِ «الأعْلَى» كَمالُ عُلُوه ... أَعَزَّ وَأَعْلَى مَا يَكُونُ وَأكْمَلُ
وفي اسْمِهِ «المُعْطِي» يُغْيِثُ إِغَاثَةً ... بِهَا كَرْبُ مَن يَدْعُو بِهِ يَتَحَلَّلُ
وفي اسْمِ «مُجَيبٍ» يَسْتَجِيبُ لِمَنْ دَعَا ... وَيُعْطِي لِمَنْ شَا مَا يَشَا حِينَ يُسْأَلُ
وفي كُلِّ اسْمٍ لِلْإِلهِ دِلالةٌ ... وفيها مَعَانِي جُودِهِ لَو تَأمَّلُوا
وفي كُلِّ فردٍ لَو أُحيطَ بِعلْمهِ ... مَعَانٍ وَلَكَنْ مَنْ لَهَا يَتَوَصَّلُ
يَبْيَنُ وَيَبْدُو بالتَّأمُلِ بَعْضُهَا ... تَأمُّلُ مَن في عِلْمِهَا مُتَوَغِّلُ
يَبِينُ لِمَنْ يَتْلُو الكتابَ مُرَتِلاً ... وَمُدَّبِرًا آيَاتِهِ يَتَعَقَّلُ
هُوَ اللهُ فَوقَ العرشِ عَالٍ عَلَى الوَرَى ... عَليه اسْتَوى كَيفَ اسْتَوى لَيسَ يُعْقَلُ
أَبانَ لَنَا فِي الذِكْرِ عِلْمَ اسْتَوائِهِ ... عَلَى عَرْشِهِ والكَيفُ يَخْفَى وَيُجْهَلُ
стр. 1018
وَمن قَالَ في كيفَ اسْتَوى فَهْوَ كَاذِبٌ ... عَلَى اللهِ فِيمَا قَالَه مُتَقَوِّلُ
وَمذْهبُنَا: أنْ لا نُشَّبِهَ رَبَّنا ... وأنْ لا نَقْلْ: كَيفَ اسْتَوَى أَو نُعِطِّلُ
وأشْهدُ أَنَّ اللهَ لَيسَ كَمِثْلِهِ ... لَهُ العِزُّ والتَّدبِيرُ والحُكْمُ والعُلُو
وأشْهَدُ أَنَّ «الأوَّلُ» اللهُ وَحْدَه ... وَ «آخِرُ» يَبْقَى سَرْمَدًا يَتَبَتَّلُ
هُو اللهُ مُبْسُوطُ اليَدَينِ كِلاَهُمَا ... تَسِحُ مِن الإِحسانِ سَحَّاءَ وتَهْطُّلُ
إذا وَعَدَ المَوعُودَ أنْجَزَ وَعْدَهُ ... سَرِيعًا بِلاَ رَيبٍ ولا شَكَّ يَحْصُلُ
«قَرِيبٌ مُجِيبٌ» يَسْتَجِيبُ لِمَنْ دَعَا ... «جَوَادٌ» إذا أعْطَى العَطا يَتَجَزَّلُ
يَسِحُ مِن الإحسانِ سَحًا عَلَى الوَرَى ... «وَهُوبٌ، جَوادٌ، مُحْسنٌ» مُتَفَضِّلُ
تَبَارَكَ لا يُحصَي عَلَى ذَاتِهِ الثَّنَا ... وَلَو بِالثَّنَا كُلُ الخَلائِق أَجْمَلُوا
إذا كَانَ شُكْرُ العَبْدِ نَعْمَاهُ نِعْمَةً ... فأينَ يُطَاقُ الشُكْرُ مِن أَينَ يَحْصُلُ
فَسُبْحَانَ مَن كُلُ الوَرَى سَجَدُوا لَهُ ... إذا سَبَّحُوا أَو كَبَّرُوهُ وَهَلَّلُوا
قَضَى الله أَنْ لا يَعْبُدُ الخَلْقُ غَيرهُ ... وأنْ لاَ بِهِ شيءٌ وإنْ جَلَّ يَعْدِلُ
«عَلِيمٌ» بأحْوَالِ الوَرَى وبِمَا جَرَى ... ومَا لَيسَ يَجْرِي لَو جَرَى كَيفَ يَحْصُلُ ...
«لَطِيفٌ» فَلا يَخْفَى عَلِيهِ مِن الوَرَى ... خَفِيٌّ ولاَ يَنْسَى وَلاَ الربُّ يَذْهَلُ
لَهُ تُرْفَعُ الأَعْمَالُ في كُلِّ لَحْظَةٍ ... بِأيدِي كِرامٍ كَاتِبينَ وتُحْمَلُ
عَلَيهِ اعْتَمادِي واتْكَالِي وَرَغْبَتِي ... وَإِصْلاحُ شأْنِي مُجْمَلٌ وَمُفَصَّلُ
تَعَالَى فَأخْلاَقُ البَرايَا بِمَا قَضَي ... وقَدَّرَهُ مِن أيِّ شَكْلٍ تَشَكَّلُوا
فَمِنْهُمْ مُنِيبٌ مُسْتَجِيبٌ لِرَبِهِ ... صَبُورٌ عَلَى الضَّرَا لَهَا يَتَحَمَّلُ
يُجِبُّ اكْتِسَابَ الصَّالِحَاتِ مِن التُّقَى ... ومِن زِينَةِ الدُّنْيَا مُقِلٌ مُقَلِّلُ
مُطْيعٌ سِرِيعٌ في أَوَامِرِ رَبِّهِ ... مُنِيبٌ إلى مَعْبُودِهِ مُتَذَلِّلُ
كَثِيرُ البُكَا مِن خَشْيَةِ اللهِ رَبَّهِ ... مَفَاصِلهُ يُخْشَيى عَلَيها تَفَصَّلُ
لَه في النَّدَى رَوضُ وَفِي الجُودِ مَنْهَلٌ ... ومِنْ ذَا إلى ذَا دَائِمًا يَتَنَقَّلُ
إِذا جئْتَهُ تَبْغِي النَّدَىَ وَجَدْتَهُ ... رَحْيَبًا خَصِيبًا بِالنَّدى يَتَهَلَّلُ
стр. 1019
يُبَادِرُ في المَعْرُوفِ مَهْمَا أَتَيتَهُ ... كَأنَّكَ تُعْطِيهِ الذِي أَنْتَ تَسْألُ
يُجِبُّ اكْتَسَابَ المَالِ وَالجُودُ عِنْدَهُ ... أَعَزُّ مِن الدُّنْيَا جَمِيعًا وَأفْضَلُ
تَقِيُّ نَقِيُّ العِرْضِ مَصْحُوبُهُ النَّدَى ... زَهِيٌّ بَهِيٌ إنْ تَكَلَّمَ مِقْوَلُ
جَرِيءٌ عَلَى الأَعْدَا قَرِيبٌ مِن النَّدَى ... سَرِيعٌ إلى الهَيجَا يَقُولُ وَيَفْعَلُ
قَرِيبٌ النَّدى والجُودِ مَا حَلَّ حَلَّهُ ... وأنْ يَرْتَحِلْ يَتْبَعْهُ حَالاً ويَرْحَلُ
جَمِيعُ صِفَاتِ الجُودِ مُسْتَوجِبٌ لَهَا ... مِن الأصْلِ في أصْلِ النَّدَى مُتَأصِّلُ
وفي الناسِ مَن يَبْذُلْ لِدُنْيَاهُ دِينَهُ ... ويَرضَى بِذَا عن ذا بَدِيلاً يُبَدَّلُ
يَنَالُ بِهِ مَالاً وجَاهًا ورِفْعَةً ... ويَشْقَى ويَرْدَى في المعَادِ وَيَسْفُلُ
وَفِي الناسِ مَن ظُلْمُ الوَرَى عَادةٌ لَهُ ... وَيَنْشُرُ أَعْذَارًا بهَا يَتَأوَّلُ
جَرِيءٌ عَلَى أَكْلِ الحَرامِ ويَدَّعِي ... بأنَّ لَهُ في حِلَّ ذلك مَحمَلُ
فَيَا آكِلَ المَالَ الحرامَ أَبِنْ لَنَا ... بأي كتابٍ حِلُّ مَا أَنْتَ تَأْكُلُ
ألَمْ تَدْرِ أنَّ الله يَدْرِي بِمَا جَرَى ... وبَينَ البَرايا فِي القَيِامَةِ يَفْصِلُ
حَنَانِيكَ لاَ تَظْلِمْ فإنَّكَ مَيِّتٌ ... وبالموتِ عَمَّا قَدْ تَوَلَّيتَ تُسْألُ
وتُوقَفُ لِلْمَظْلُومِ يَأْخُذٌ حَقَّهُ ... فَيَأْخُذُ يَومَ العَرْضِ مَا كُنْتَ تَعْمَلُ
وَيأخذُ من وزرِ لمنْ قَد ظَلَمْتَهُ ... فَيَأْخُذُ يَومَ العَرْضِ مَا كُنت تَعْمَلُ
فَيَأْخُذُ مِنْكَ اللهُ مَظْلَمَةَ الذِي ... ظَلَمْتَ سَرِيعًا عَاجِلاً لا يُؤَجَّلُ
تَفِرُّ من الخَصْمِ الذِي قَدْ ظَلَمْتَهُ ... وأنْتَ مَخْوفٌ مُوجَفُ القَلْبِ مُوجَلُ ...
تَفِرُّ فَلا يُغْنِي الفِرَارُ مِن القَضَا ... وأن تتوجَّل لا يفيد التوجُّل
فَيَقْتَصُ مِنْكَ الحقَ مَنْ قَدْ ظَلَمْتَهُ ... بِلاَ رَأْفَةٍ كَلاَّ ولا مِنْكَ يَخْجَلُ
وفي الناسِ أَهلُ البِرِ والصِّدق والوَفَا ... وَللعدْلِ أَهْلٌ يَعْدِلُونَ إِذَا وَلُوا
وفي الناسِ مَن بِالكِبْرِ يَسْتَحْقِرُ الوَرَى ... وَيَطْغَى إن اسْتَغْنَى إذا يَتَمَوَّلُ
فَخُورٌ إذا وَلاَّهُ مَولاهُ نِعْمَةً ... مَرُوحٌ وَمُخْتَالٌ بِهَا يَتَبَهْلَلُ
شَحِيحٌ ولَو عَمَّنْ يَعُولُ بِنَفْسِهِ ... بأَدْنَى قَليلٍ نَاقِصِ القَدْرِ يَبْخَلُ
стр. 1020
حَسُودٌ عَدُوُّ الجُودِ والبَذْلِ والنَّدَى ... يَصُدُّ عن الخَيَراتِ عَنْهَا يُخَذِّلُ
جَبَانٌ عن الأعْدَا بَعِيدٌ مِن النَّدَى ... جَمُوعٌ مَنُوعٌ في الخَنَا مُتَوَغِّلُ
جَمِيعُ خِصَالِ الشَّرِ مُسْتَصْحِبٌ لَهَا ... وعَن كُلِّ أسْبَابِ المَعَزّةِ أَعْزَلُ
وفي الناسِ مَن لاَ يَملأُ البَحْرُ بَطْنَهُ ... فَقِيرُ فُؤادٍ دَائِمًا يَتَسَّوَّلُ
وفي الناس من يُغرِي الوَرَى بِلِسَانِهِ ... وبَينَ البَرايَا لِلنَّمِيمَةِ يَحْمِلُ
يَرَى أنَّ في حَمْلِ النَّمِيمَةِ مَكْسَبًا ... تَراهُ بها بَينَ الوَرَى يَتأكَّلُ
وَفي الناس أفَّاكٌ حَيُولٌ مُخَادِعٌ ... غَشُومٌ ظَلُومٌ مَاكِرٌ مُتَحَيِّلُ
وَكُلٌ سَيأْتِي فَرْعُهُ مِثْلَ أصْلِهِ ... وعن مِثْلِ شَكْلِ الأصْلِ لاَ يَتَحَوَّلُ
فَأهْلُ النَّدَى والجُودِ لا يَبْرَحُ النَّدَى ... مَعَ الجُودِ فِيما أنْسَلُوا يَتَسَلَسَلُ
ونَسْلُ شِرارِ الناسِ في الشَّرِ وَالرَّدَى ... عَلَى سُنَنِ الآباءِ أرْدَى وأرْذَلُ
عَلَى سُنَنِ الآبا وأخْلاقِ مَن مَضَى ... وإنْ مُتَّعَتْ تِلك النُسُولُ وأطْوَلُ
فَنَسْلُ جَبِانٍ أو بَخِيلٍ كَمِثْلِهِ ... ونَسْلُ الزَّكِي الفَحْلِ أزْكَى وأَفْحَلُ
جَنىَ الكَرْمِ يَأتِي طَيِّبًا مِثْلَ أصْلِهِ ... ويَأْتي جَنَاءُ الحَنْظَلِيَّةِ حَنْظَلُ
وَأُوصِي بِتَقْوَى الله كُلَّ مُكَلَّفٍ ... إليهَا أفِيئُوا أيها الناسُ أقّبِلُوا
وَعُضُّوا عَلَيهَا بالنَّواجِذِ إنَّهَا ... هُدَى اللهِ يَهْدَي لِلْخَلائِق فاقْبَلُوا
خُذُوا بالهُدَي أخْذًا قَويًا فإنَّهُ ... نَجَاةٌ ومَنْ يَأخُذُ بِهِ لا يُضَلَّلُ
وأدُوا فُرُوضَ الديِن بَعْدَ أدَائِهَا ... كَوَامِلَ في أوقَاتِهَا وتَنَفَّلُوا
عَلَيكُم بِتَقْوَى اللهِ لاَ تَتْرُكُونَها ... فإنَّ التُقَى أقْوَى وَأَولَى وأَعْدَلُ
لِباسُ التُّقَى خَيرُ الملابِسِ كُلِّهَا ... وأَبْهَى لِبَاسِ في الوُجُود وَأجْمَلُ
فَمَا أَحْسَنَ التَّقْوَى وأَهْدَى سَبِيلَهَا ... بِهَا يَنْفَعُ الإنْسَانَ مَا كَانَ يَعْمَلُ
فَيَا أيُهَا الإِنْسَانُ بادِرْ إلى التُقَى ... وَسَارِع إلى الخَيراتِ مَا دُمْتَ مُهْمَلُ ...
وَأكْثرْ مِن التَّقْوَى لِتَحْمِدَ غِبَّهَا ... بِدَارِ الجَزَا دَارٌ بِها سَوفَ تَنْزِلُ
وقدَِّمْ لِمَا تَقْدَمْ عَلَيهِ فَإنَّما ... غَدًا سَوفَ تُجْزَى بالذِي أنْتَ تَفْعَلُ
следующие страницы →