← Гариб и словари

Гариб и словари · id 38160

التنبيه على الألفاظ في الغريبين

ابن ناصر السلامي

Полный текст (272 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأعمش، عن يعقوب بن بحير، عن ضرار بن الأزور، قال: أُهديتُ لرسول الله، ﷺ لِقْحة، فحلبتها له فلمّا أخذت لأجهدها، قال: لا تجهدْ دعْ داعيَ اللبنِ.

стр. 142

وإنّما أراد في هذا الحديث النّهي عن ترك تقليم الأظفار لئلا تطول فتصير بحيث تعبط ضروع الماشية كما يفعل أهل البادية والأكراد وغيرهم ممن يعمل الأعمال. وقد كره ﷺ طول الأظفار، ونهى أن تترك أكثر من أربعين يوماً لئلا تطول جداً ويجتمع تحتها الوسخ، فيمنع وصول الماء إلى البشرة في الوضوء، فلا تكمل الطهارة، وإذا لم تتم الطهارة، لم تصح الصلاة. ومن ذلك ما ذكر في باب (العين مع الراء)، قال: في حديث حَاطب بن أبي بَلْتَعَةَ، قال: كنتُ عَريراً فيهم، أي دخيلاً غريباً ولم أكنْ من صميمهم. قلت: هكذا رواه: عَريراً - بالعين - المهملة مع الراء، وهذا غير معروف عند أهل الرواية، وهو تصحيفٌ ممّن نقله. وإنّما الذي

стр. 143

حفظناه في الحديث: كنت غريراً - بغينٍ معجمة - وفي الحديث تفسيره أي ملصقاً، لأنّ حاطبَ بن أبي بلتعة كان حليفاً لقريشٍ ولم يكن من أنفسهم. وحديث حاطب هذا رواه الإمام أحمد بن حنبل، ﵀، في مسند جابر بن عبد الله الأنصاري الذي جمعه عن شيوخه، وهو مخرّج في الصحاح في التفسير لقوله تعالى: (يا أيّها الذينَ آمنوا لا تَتَّخذوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أَوْلياء)، وكان رسول الله، ﷺ ، أراد غزو قريش لمّا نقضوا العهد الذي كان بينه وبينهم، وأعانوا حلفاءهم بني كنانة على حلفائه خزاعة، وبيّتوهم بالليل، وقتلوا منهم جماعةً، فعزم رسول الله، ﷺ على غزوهم، والخروج إليهم، فأسرَّ ذلك ولم يظهره إلا للخواصِّ من الصحابة، فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يعلمهم أن رسول الله، ﷺ ، سائرٌ إليهم ليغزوهم، وأنفذ الكتاب مع امرأة وأعطاها جُعْلاً على ذلك، فأخذته وخبّأته في عِقاص شعرها وسارت، فأعلم الله النبيّ، ﷺ ، بذلك، فأمر النبيّ، ﷺ ، عليّاً والزبير، ﵄، أن يركبا ويخرجا في طلبها، فأدركاها بروضة خاخٍ، ففتشا رحلها فلم يجدا معها شيئاً، وهمّا بالانصرافِ، فقال عليّ، ﵂، للمرأة:

стр. 144

والله لتخرجنّ الكتاب أو لأجرّدنّك من ثيابكِ. فلمّا رأت الجِدَّ منهما حلّت شعرها، وأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذاه وانصرفا وجاءا به إلى رسول الله ﷺ ، فقرأ عليّ عليهِ، فدعا حاطب بن أبي بلتعة فقال له: يا حاطب أنافقتَ أم رجعت عن الإسلام؟. فقال حاطب: والله يا رسول الله، ما نافقت ولا أردت بديني بدلاً منذ أسلمتُ، ولكن ما من أصحابك المهاجرين أحدٌ إلا وله عشيرة بمكة تحميهِ من الكفّار، ولم يكن لي أنا عشيرة تحميني، كنت غريراً فيهم، فأردت أن أتخذ عندهم بها يداً يحمون بها أهلي. فقال رسول الله، ﷺ ، صدقَ حاطب. فكفّوا عنه. فقال عمر، ﵁،: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النبيُّ، ﷺ : مهلاً يا عمر، وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وأنزل الله في شأنه سورة الممتحنة: (يا أيُّها الذين آمنوا لا تَتّخذوا عَدُوِّي وعَدُوّكم أوْلياء تُلْقون إليهم بالمودّةِ وقَدْ كَفَروا بما جاءكم منَ الحقِّ) فهذا معنى الحديث ذكرته لتعرف القضيّة التي لأجلها قال: كنت غريراً فيهم. والحديث في مسند أحمد بنِ حنبل في تفسيره مكتوب، أي ملصقاً وهو من قولهم: غري فلانٌ بالشيء إذا لزمه ولهجَ به ولم

стр. 145

يفارقْه، فهو غَرِيّ، وهو أصحّ من الرواية عَريراً. ومنه الغراء، وهو الذي يلصق به. فأما قوله: عَريراً، بالعين المهملة في هذا الحديث فهو تصحيف لا أدري ممّن وقع من المؤلف أو من الناقل إليه ذلك؟ ولم نسمعه إلاّ بالغين المعجمة، والحديث صحيح مشهور عند أهل العلم. وقد أخبرنا بحديث حاطب في كتاب الصحيح للبخاري: الشيخ أبو الحسن عليّ بن الحسين بن أيوب البزّاز، قراءة عليه من أصله، قال: أنبأ أبو عبد الله بن الحسين بن محمد بن الحسن الخلاّ ل، قراءة عليه فأقرّ به في سنة

стр. 146

خمس وعشرين وأربعمئة، قال: أنبأ أبو علي إسماعيل بن محمد الحاجبي الكُشَانيّ قراءة عليه في سنة تسع وثمانين وثلاثمئة قال: أنبأ أبو عبد الله محمد بن يوسف الفِرَبْريّ، قال: ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: ثنا عليّ بن عبد الله، قال: ثنا سفيانُ، قال ثنا عمرو بن دينار سمعته منه مرتين قال: أخبرني حسن بن محمد، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت علياً، ﵁، يقول: بعثني رسول الله، ﷺ ، أنا والزبير والمقداد، قال انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخ فإنّ بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها.

стр. 147

فانطلقنا تَعَادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجتهُ من عِقَاصها. وأتينا به رسول اللهِ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناسٍ من المشركين من أهل مكة يخبرهم أمر رسول الله، ﷺ ، فقال رسول الله، ﷺ ،: يا حاطبُ ما هذا قال: يا رسول الله! لا تعجل عليَّ، إني كنت امْرَأً ملصقاً في قريش ولم أكنْ من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات لهم بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ ذلك كفراً ولا ارتداداً، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله، ﷺ : قدْ صدقكم. قال عمر: يا رسول الله دعْني أضربْ عنقَ هذا المنافقِ. قال: إنَّه شهدَ بدراً، وما يدريك لعلّ الله أنْ يكونَ قد اطَّلع على أهلِ بدر فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم.

стр. 148

قال سفيان: وأيّ إسناد هذا؟ فهذا الحديث يبيّنَ لك أنّه كان حليفاً لقريش ولم يكن غريراً فيهم، لقوله: كنت امرَأً ملصَقاً، ولم يكن لي بمكة عشيرةٌ تحميني فأردتُ أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي. ولم أفعل ذلك كفراً ولا ارتداداً عن الإسلام، فبان بقوله: مُلصقاً أنه كان غريراً بغين معجمة، وهو معنى ملصقاً لا عَريراً، كما ذكره المصنف، فثبت أنه صحّف الكلمة، ولم يعلم الحديث، ولا خفاء بذلك عند أهل العلم بالرواية والدراية،

стр. 149

وهكذا روى في الحديث غريراً، والصواب من جهة العربية غريّاً، ولكن هكذا نقلناه غريراً، واشتقاقه يدلّ على أنّه غريُّ. ومن ذلك قال في باب (العين مع الراء) في الحديث: اهتزَّ العرشُ لموتِ سعد قيل: أرادَ بالعرش الجنازة، وهي سريرُ المَيت، واهتزازه فَرَحُه بأنّه حُمِلَ عليه إلى مَدْفَنِهِ، وقيل؛ غير ذلك، والله أعلمَ بالتأويل، هذا ماذكره. قلت: وهذا تأويل بعيدُ ولا يُحملُ كلام الرسول، ﷺ ، على مثل هذا التأويل البعيد. وقد جاء الحديثُ الصحيحُ: اهتز َّ عرش الرحمنُ لموت سعد بن معاذ، فلا يحتاج إلى هذا التأويل الضعيف.

стр. 150

وكان المنافقونَ قالوا في حقّ سعد بن معاذٍ ﵁، أنه خفَّ على السرير، فاهتزَّ السرير لخفته، لأنّه حكم في بني قريظةَ بما لا يستحقّونَه، وكذب المنافقون، فردَّ عليهم ذلك جابر بن عبد الله الأنصاري فقالَ: سمعت رسول الله، ﷺ يقولَ: اهتَّز عرش الرحمن لموت سعدِ بن معاذٍ، ﵁. فهذا الحديث يُبْطِلُ كلَّ تأويل تأولَه متأوِّلُ مِنَ الجهميةِ في نفيهم العرشَ، وأنَّ المراد به السريرُ الذي يُحْمل عليهِ الَميْتُ. وقد ذكره مؤلف هذا الكتاب، أبو عبيد أيضاً في باب (الهاء مع الزاي) على الصواب، فقال:

стр. 151

في الحديث اهتَّز العرش لموتِ سعدِ، فقال أهل العلم، معناه: ارتاح بروحهِ حينَ صعدوا به واستبشروا لكرامته على ربِّه، وكلّ من خفَّ لأمر وارتاحَ له فقد اهتزَّ لهُ، وأكثر أهل العلم على أنه عرشُ الرحمنِ ﵎. وقال الأزهري: أرادَ فَرَح أهل العرش بموتِهِ. وقال ابن قتيبةَ: أرادَ حَملةَ العرشِ استبشروا بروحِهِ. قلت: ومن يذكر أنّ أكثر أهل العلم على أنّه عرش الرحمن، ما كان ينبغي له أن يذكر هذا التأويل البعيد المعنى من الحديث هنا، فيشكك فيه من لا يعرف الحديث.

стр. 152

ومن ذلك قال في باب العين مع الصاد في خبر رواه عبد اللهِ بنُ نُفَيْعٍ في شأن صنم، قال: فجاء ثَعلبان فأكلا الجُبن والزُّبدَ، ثم عَصَلا على رأسِ الصنم، أيِ: بالا. هكذا ذكره في كتابه ثَعْلبانِ بلفظ التثنية. قلت: وهذا قبيح من مثل هذا المصّنف مع علمهِ وفهمهِ ودرايتهِ، كيف ذهبَ عليه مِثلُ هذا حتَّى أخطأ في تفسيره، وصحّف في روايته؟! وإنَّما الحديث أنَّ رجلاً كانَ يعبد صنماً في الجاهليةِ، قبل الإسلام، وكانَ يجيء باللبنِ والزُّبَد فيلقيه على رأس صَنَمهِ ويقول له: اطعَم. ففعل ذلكَ به يوماً، وقعد عنده لينظرَ مَنْ يأكلُ اللبنَ والزُّبَدَ، فجاء ثُعْلبان، وهو الذكر مِنَ الثعالبِ، اسم له معروفٌ عنَد العلماءِ، لا مثنّى كما ذكره، فأكلَ اللبنَ والزّبَدَ ثم عَصَلَ على رأس الصنمِ، فقامَ الرجلُ فضربَ الصنم فَكَسرهُ، ثم جاء إلى النبَّي، ﷺ ، فأخبر بذلك وأسلم، وقال فيه شعراً: أربٌّ يبولُ الثُّعْلُبَانُ بِرَأسِهِ ... لقدْ ذَلَّ مَنْ بالتْ عَلَيهِ الثَعَالِبُ هكذا رواه العلماءُ، والحديثُ مذكورٌ في الكتب المؤلَّفة على حروفِ المعجمِ في أسماءِ

стр. 153

الصحابةِ في معجم البَغَوِيِّ، وابن شاهينَ، وابن قانعٍ، وهو سماعنا. والرجل هو راشدُ بن عبدِ ربهِ، أحد بني ظفرَ من سُلَيم. والصنم هو الذي يقال له: سَوَاع بالمَعْلاةِ من (رهاطَ)، كانت تدينُ له هُذَيل وبنو ظفر من سليم، فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية إلى سواع. قال راشد: فألفيت سواعا مع الفجر، فرأيت عنده ثعالب تأكل ما حوله وتلحس ما يلقى عليه من اللبن، فجاء ثعلبان منها فأكل ما يهدى له من اللبن ولحس ما عليه من الزبد، ثم عدا عليه ببوله، فلما رأى ذلك راشد قال: أربٌ يبولُ الّثعلبانُ برأسهِ وكان ذلكَ عندَ خروجِ النبيِّ، ﷺ ، إلى المدينة، وقد تسامعتْ به العربُ، فخرجَ راشدٌ فأتى رسول الله، ﷺ ، بالمدينة ومعه كلبٌ له اسمه راشدٌ وكانَ اسم راشد يومئذ ظالمٌ، فقال له النبيَّ، ﷺ ، ما اسمكَ؟ فقالَ: ظالمٌ. قال: فما اسم كلبكَ؟ قال: راشد.

стр. 154

قال رسول الله، ﷺ : اسمك راشد، واسم كلبك ظالم، وضَحِكَ النبيَّ، ص، وأسلم راشد وبايعه النبيُّ ﷺ وأقام معه ثم طلبَ مِنْ رسول الله قطيعةً بـ رهاطَ فأقطعه رسول الله بالمعلاة من رهاط، شأو القوس ورميته بحجر، وأعطى النبيُّ راشداً إداوةً من ماء وتَفلَ فيها وقال: فرِّغها في أعلى القطيعة ولا تمنع الناسَ فضولَها. ففعل فجاء الماء عِيناً مُجِمَّةً إلى اليوم، وغرس عليها النخل وغدا راشدٌ على سواع فكسره. والحديث مشروح طويل في كتاب دلائل النبوة لأبي نُعَيم الأصفهاني أيضاً. وأهل اللغة يستشهدون بهذا البيت في أسماء الحيوان والفرق فيها بين الذكر والأنثى، قالوا: الثُّعلُبان: ذكر الثعالب، والأفعوان: ذكر الأفاعي، والعُقْربانُ: ذكر العقارب. وأنشدوا في الثّعلُبانِ (البيت)، وفي العُقْرُبانُ: عَقْرَبَةٌ يَكْومها عُقْربان

стр. 155

أي: الذكر منها، وهذا مشهور معروف في كتب الفروقِ التي صنّفها أهلُ العربية، مثل ابنِ السّكِّيت، وأبي حاتم، وابن قتيبة، وابن الأنباريِّ، وغيرهم، لا يخفى هذا على المتعلِّمين المبتدئين، فكيف على العلماء المبرزين؟!. وهذا يدل على أنَّه نقله من الصحف فأخطأ فيهِ ولم يحفظه من العلماء فيحكمه عنهم ويحكيه. ومن ذلك أيضاً ذكر في هذا الباب، قال: في الحديث: خذ عِفَاصَها ووِكاءَها. قلت: هكذا رواه وقد غيَّر لفظَ الحديثِ ومعناهُ،

стр. 156

ولفظُ الحديث: احفظْ عفَاصَها ووعاءَها، يعني: اللُقَطَة، أي احفظ الوِعاءَ الذي كانتْ فيه وخَيْطَها، يعني العِفَاص الذي شُدَّتْ به، لا خذْ عِفَاصها ووكاءَها، لأن الوكاءَ هو العفاصَ، وهو الخيط الذي تُشَدْ به الدراهم أو الدنانير. أمرَ النبيَّ، ﷺ ، الذي يأخذ اللقطة بذلك، حتى إذا جاءَ صاحبُها، ذكر للواجد الوعاء، والعفاصَ وصفتها ليدفعها إليه، وقد سسها في نقله هذا الحرف وغيَّر لفظه.

стр. 157

ومن ذلك قال في باب (العين مع اللام): وفي حديثِ عائشةَ، ﵂: ما آسى على شيء من أمره، تعني أخاها عبد الرحمنِ أنه لم يعالج ولم يدفن حين مات. قال شمر: معنى قولها: لم يعالج، أي لم يعالِجُ سكرةَ الموتِ فيكون كفارةَ لذنوبهِ، وذلك أنَّهُ فاجأه الموت. قلت: هكذا رواه عن شمر يعالج، بكسر اللام، وذلك خطأ، وإنَّما هو: لم يعالَج، بفتح اللام، يعني أنَّه لم يمرَّض فيكونَ قد ناله من المرض ما يكون كفارة لذنوبه، ويذكِّره الموت فيوصي ويتسلى أهله عنه بمعالَجته في مرض. أخبرنا أبو الفضل الأمين، قراءةً عليه، قال: أنبأ عبيد الله بنُ أحمدَ بن عثمانَ الصيرفي، والحسن بن عليٍّ الجوهريّ، قال: أنبأ أبو عمر بن حيويه، قال: أنبأ أحمد بن معروف الخشَّاب، ثنا الحسين بن فهيم، ثنا محمد بن سعد

стр. 158

في كتاب (الطبقات)، قال: ثنا عبدُ الملكِ بن عمرو أبوعامر العَقديّ، ثنا نافع بُن عمرو عن أبي مُلَيكة أنّ

стр. 159

عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكر توفي بالحُبشيِّ على رأسِ أميال من مكة، فنقله ابنُ صفوانَ إلى مكَّةَ، فبلغ ذلك عائشةَ فقالت: ما آسى من أمرهِ إلاّ على خَصْلَتين، أنَّه لم يعالَجْ، وأنَّه لم يُدْفَن حيثُ ماتَ. قال نافعُ: وكانَ ماتَ فجأةً. هكذا رواه ابنُ سعدٍ يعالَج بفتح اللام، فأما قوله: يُعَالجُ سكرةَ الموتِ فخطأٌ منهُ أيضاً، فإنّ الذي يموتُ فجأةً يعالجُ سَكْرةَ الموتِ، إلاّ أنه أخفّ عليه من النّزع، ولأجلِ ذلك قال النبُّي، ﷺ ، في

стр. 160

موتِ الفجأةِ: هي راحةٌ للمؤمن، وأسفٌ على الكافر، ثمّ استعاذَ،

стр. 161

عليه السلام من موتِ الفجأةِ، لأنّ الإنسان يذهب بذنوبه ثمّ يمحّص عنه بمرضه وما يقاسي من شدّة النّزع. وكان عبد الرحمن بن أبي بكر، ﵁ قد نامَ نَوماً فقبضَ في نومه في موضعٍ بطريق مكّة وهو صادرٌ من الحجّ إلى المدينة، فتأسفت عليه عائشة، ﵄، كيف لم يَمرض فيعالج، فيكون أهون لحزنه عندها. وندمت حيث لم يدفن في الموضع الذي قبضت نفسه فيه ولم يُنقل إلى موضعٍ آخر فدُفنَ فيه، وهكذا الناس كلّهم إذا مرضوا عند أهاليهم ثمّ ماتوا في مرضهم كان أهون عليهم لحزنهم، وأقلّ جَزَعاً لمصابهم، وأسلى لهم،

стр. 162

ومن ابتُلِيَ بهذا عرف ذلك. وقد جاء بيانُ ذلك عن النبي، ﷺ في ذكر وفاته، أنبأ أحمد بن محمد البزاز، وأخبرنا عنه إسماعيل بن أحمد المقرئ، ويحيى بن عبد الرحمن الأمين، وغيرهما قال: أنبأ محمد بن عبد الرحمن، أنبأ أبو بكر سيف السجستاني، قال ثنا السّري وقد جاء بيانُ ذلك عن النبي، ﷺ في ذكر وفاته، أنبأ أحمد بن محمد البزاز، وأخبرنا عنه إسماعيل بن أحمد المقرئ، ويحيى بن عبد الرحمن الأمين، وغيرهما قال: أنبأ محمد بن عبد الرحمن، أنبأ أبو بكر سيف السجستاني، قال ثنا السّري ابنُ يحيى السّرى، ثنا

стр. 163

شعيبُ بنُ إبراهيم التميمي ثنا سيفُ بنُ عمر التميمي، عن الوليد بن كعب عن أبيه، عن عليٍّ، ﵇، قال: هو أسلى لأهلي يمرضّوني وقد وقع أجرك على الله. فولّيت تمريضه ما دام الرجال يدخلون عليه، فإذا ارتفعوا خلّيته والنسوة.

стр. 164

وبه حدّثنا سيف بن مبشّر بن الفضيل، عن سالمٍ عن أبيه، قال: جاء أبو بكر إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسولّ الله ايذن لي لأمرضكَ وأكونَ الذي أقوم عليك. فقال: يا أبا بكر، إنْ أحمل أزواجي وبناتي وأهل بيتي علاجي ازدادت مصيبتي عليهم عِظماً، وقد وقع أجرك على الله.

стр. 165

ومن ذلكَ في بابِ العين والقاف، ذكر في تفسير قوله: له معقِّبات لا يخيب قائلهنّ، قال أبو الهيثم سُمّيت معقّبات لأنها عادَت مرّةً بعدَ مرةٍ. قلت: هكذا ذكره، جعل الفعل لـ المعقّبات، يعني التسبيحاتِ التي تُقال بعد الفراغ من الصلاة، وأمرَ النبّي ﵇ بذلك، وليس للتسبيح فعلٌ،

стр. 166

وإنما الصوابُ أن يُقالَ: إنّهنّ أعدنَ مرةً بعدَ مرّة، لا أنّها عادت هي، وإنَّما أعادها المسبّح فهي عمل له، وهذا تجوُّزٌ منه في القول. ومن ذلك في باب (العين والياء)، قال: وفي حديث عُمَر أنّه قال لرجلٍ لطَمَهُ عليٌّ لأنه كان ينظُر إلى حرَمِ المسلمين في الطوافِ فاستَعْدى عُمَرَ عليه فقالَ: ضَربَكَ بحقٍّ أصابته عينٌ من عيونِ الله. قلت: هكذا ذكره في الكتاب أصابتهُ، بالهاء، وإنّما الصوابُ: أصابتكَ عينٌ، بكافِ المخاطبةِ، لأنَّه خطابٌ لحاضرٍ، يعني الرجلَ الذي شكا إلى عمرَ ﵁. وجعل عمر، ﵁، عينَ عليٍّ ﵁، في منزلةِ عينٍ من الملائكةِ الحَفَظةِ، لأنَّه نظرَ بالحقِّ. فعاقبَ الرجلَ إذ أطاف النظر إلى ما لا يحلّ له في أشرفِ مكانٍ وأحرَمهِ، فكانَ بمنزلةِ ملكٍ عاقَب العاصيَ بإذنِ الله وأمرِه، ولأنّ أولياءَ الله تعالى ينظرون بنورِ الله تعالى. ويُكشفُ لهم ما لا يُكشف لغيرِهم منَ الغَيْبِ، فلم يَقُل: لعليٍّ، ﵁، شيئاً وأنكرَ على الرجل فِعلَه

стр. 167

وقال له مُخاطباً: أصابَتْكَ عينٌ من عيونِ الله، وإنَّما سَهَا المصنّف في قولِه: أصابَتْهُ، بالهاء. ومن ذلكَ قالَ في باب (الفاء والراء) والتمرُ يُقال ُ له: الفَرْضُ، وأنشد: إذا أكلْتُ سَمَكاً وفَرضاً قلتُ: وهذا سهوٌ منه وخطأٌ في التفسيِر، وإنما الصوابُ أنْ يُقالَ: والفَرْض نوعٌ أو صنفٌ من التَّمرِ، لا أن التمرَ كلّه يسمى فرضاً كما يقال: برنيّ، وطَبَرْزَذ، وأَزاذٌ، وغير ذلكَ منْ أنواعِه.

стр. 168

ومن ذلكَ ذكرَ في باب (الفاء والقاف) قال: وقالَ الوليدُ بن عبد الملك: أَفقر بعدَ مسلمة الصيدُ لمن رمى يقول: أمكنَ الرامي لمنْ أرادَ رميَ الإسلام بعدَه، وكانَ مسلمة صاحبَ مغازٍ وسدادِ ثَغْرٍ. قلتُ: وقد أخطأَ في قولِه: الوليدُ بنُ عبدِ الملكِ، لأنّ الوليدَ كانَ أخا مَسْلَمة، وكانَ قد ماتَ قبلَ مسلَمة بسنين كثيرةٍ في عَشْر المئة. توفي الوليد بن عبد الملك في النصف من جمادى الآخرة من سنة ست وتسعين بدمشق، وماتَ مَسْلَمة بعد العشرين ومئة في أيامِ أخيهِ هشامٍ، وإنمَّا هذا قولُ الوليدِ بنِ يزيدَ بنِ عبدِ الملك ابن أخي مسلمةَ، وكانَ قد وُلّيَ الأمرَ بعدَ هشامِ بنِ عبد الملكِ، وماتَ في أيامِ هشامٍ أخوهُ مسلمةُ، وهذا مذكورٌ في تاريخِ الخلفاءِ. أخبرنا المباركُ بنُ أبي القاسمِ الصيرفيّ، قالَ: أنبأ الحسينُ بنُ جعفر السّلماسيّ، قال: أنبأ أبو طاهر المُخَلّص، قال: أنبأ أحمد بن سليمان

стр. 169

الطُّوسيّ، قال: ثنا الزبيرُ بنُ بكّارٍ في كتاب النّسَبِ. وأخبرنا محمدُ بنُ الحسينِ بنِ الفقيه، قال: أنبأ أبو جعفر محمد بن أحمد بن المُسلِمة، قال: أنبأنا محمد بن عبد الرحمن الذهبيّ، قال: أنبأ أحمدُ

стр. 170

بنُ سليمان الطّوسي، ثنا الزبير، حدَّثني موسى بنُ زهيرِ بنِ مضرسٍ، عن أبيه، قال: رأيت هشامَ بنَ عبدِ الملكِ وأنا في عسكره يوم توفي: مَسْلَمةُ بنُ عبدِ الملكِ وهشام في شرطته، إذ طلعَ الوليدُ بنُ يزيدَ على الناسِ نشوانَ يجرّ مطرِفَ خزٍّ عليه، فوقف على هشام ثمّ قالَ يا أميرَ المؤمنينَ: إنّ عُقْبَى مَنْ بَقى، لَحوقُ مَنْ مَضى وقد أفقر بعد مسلمة الصيد لمن رمى واختل الشعر فوهى، وعلى أثر من سلف، ما يمضي من خلف، وَتَزَوَّدُوا فإن َّ خيرَ الزَّادِ التقوى، فلهي منه هشام فلم يحر له جواباً، ووجم الناس فلم يترهسم أحد بشيء، فقال الوليد: أَهَنيْنَمةٌ حديث القَوْم أم ... هُمْ سُكُونٌ بعد ما مَتَع النهارُ؟ عزيزٌ كان بينهم نبيّا ... فقول القوم وحي لا يجار كأنا بعد مسلمةَ المرجى ... شروب طوحت بهم عُقار

стр. 171

وذكر بقية الشعر، فهذا يدلك على أن القائل لذلك هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، إذ كان قد مات في سنة ست وتسعين قبل المئة، ومعنى قوله: فلم يترهسم أحد بشيء، أي لم يتكلم بشيء لا سراً ولا جهراً لعظم مصيبته ورزئه. ومن ذلك ذكر في باب (الفاء مع الجيم)، قال: وفي الحديث: فتفاجَّت عليه، يعني الناقة فرجت رجليها. قلت: قوله: يعني الناقة خطأ منه، والصواب الشاة شاة أم معبد، لما نزل الحديث: فتفاجَّت عليه، يعني الناقة فرّجت رجليها. قلت: قوله: يعني الناقة خطأ منه، والصوابُ الشاةُ، شاةُ أمِّ معبدٍ، لمّا نزلَ عليها هو وأبو بكر الصدّيق، ومولاه عامرُ بنُ فهيرة لمّا هاجروا إلى المدينةِ وسألوها القِرى، ولم يكنْ عندَها شيءٌ إلا شاةٌ قد خلّفها الجَهْد عن الرعيِ، فدعا بها رسولُ الله، ليَحْتَلِبَها، فمسح بيده ضَرْعَها، وسمَّى الله، ودعا لها في شاتها، فتفاجَّتْ

стр. 172

عليه ودرَّتْ، واجترَّتْ،

стр. 173

وهو مذكورٌ في حديثِ أمِّ معبدٍ الخزاعيَّة، وهو مشهورٌ، وفيه صفةُ النبيِّ ﵇. ومن ذلك قالَ في بابِ (الفاءِ مع الدال)، قال: وفي الحديث: إذاً تفذع قريشٌ الرأسَ، أي تشدخُ. قلتُ: وهذا تغييرٌ للفظِ الحديثِ، وهو حديثُ عِياض بنِ حِمار المُجاشعيّ، عن النبيّ ﵇ قالَ: قال الله تعالى: يا محمّدُ إنيِّ خَلقتُ عباديَ حُنَفاءَ أُحرِّق، فاجْتَالتهم الشياطينُ عنْ دينهم، الحديث، وفيه: وإنّ اللهَ تعالى أمرني أن أَحَرِّقَ قريشاً فقلتُ: يا ربِّ إذاً تشدخُ قريشٌ رأسي، حتّى تجعَلَهُ كالخُبْزةِ، فقال: اغزُهُم نُغَزِّك وابعثْ جيشاً، فبعثَ عشرة. والحديثُ مشهورٌ معروفٌ انفردَ مسلم بنُ الحجّاج بإخراجِه في الصَّحيح، ورواهُ أبو عيسى الترمذيّ

стр. 174

أيضاً وغيرِهما، ولفظ الحديثِ: تفدِّع رأسي، لا كما قال: الرأس، وقد روى في لفظ آخر: إذاً تشدَخُ قريشٌ رأسي.

стр. 175

ومن ذلك ما وقعَ فيه تغييرٌ أيضاً، قال في باب (الصاد والنون) وفي الحديث: العبّاس صِنْوي، أراد: أصلُه وأصْلُ أبي واحدٌ. قلتُ: وإنّما المعروف في الحديث أنّه قال: العبّاس صِنوُ أبي، لا صِنْوي. وتفسيره يدلّك على ذلكَ، لأنه قال: أرادَ أصلُه وأصلُ أبي واحدٌ. وأظنّه سقَطَ عليه الألف من أبي فقالَ: صنوي. وقد ذكره بعد على الصواب فقال: عمّ الرجلِ صنوُ أبيهِ، ولم يقُلْ: صِنْوُه.

стр. 176

ومن ذلك ذكرَ في باب (الصاد مع الواو)، قالَ: في الحديث: التصويةُ خِلابةٌ، قال: التصويةُ والتصريةُ واحدٌ، وهو أن تصرّ الشاة بغير ياء. والصواب: أن تصرّى، بإثبات الياء بعد الراء، من صرّيتُ الشاةَ إذا جمعت الشاة اللبن في ضرعها أياماً. فأما قوله: أن تُصَرَّ بغير ياءٍ، فمعناه أن تشدّ رأس ضرعها لئلاّ يُشَربَ منه اللبن. وإنما أراد النبي، ﵇ المعنى الأولَ، وعليه وقعَ النهيُ. ومنه حديث: المَصَرَّاة،

стр. 177

ولم يُرِدْ أن يُصِرَّ ضَرعُ الشاةِ أو الناقةِ، فإنّ ذلك يجوزُ ولم يَنْهَ عنه، ﷺ . ومن ذلك ما ذكره في آخر بابِ (الصاد مع الياء) في تفسير قوله ﵇ لما شاور أبا بكر في الأسرى يوم بدر فتكلّم أبو بكر فصافَ عنه، أي: عَدَلَ ومنهُ الحديثُ الآخر صاف أبو بكر عن أبي بُرْدة، بدال. قلت: كذا وجدته في نسختين، عن أبي بُرْدَة، والصواب عن أبي بَرْزة الأسلميّ - بزاي وفتحِ الباء - وذلك أنَّ أبا بكرٍ، ﵁، لمّا صار الأمر إليه، كلّمه ذاتَ يومٍ بعضُ الأنصار بكلامٍ فيه غِلظة وجَفَاءٌ، فغضب أبو بكرٍ، فقال له أبو برزة: يا خليفةَ رسولِ الله: أضربُ عنقه؟ فتنحّى بذلك عن أبي بكرٍ الغضبُ وسكتَ. قال أبو برزة: فجاءني أبو بكر مساءَ ذلكَ اليومَ، فقال: يا أبا برزَة ما كلمةٌ قلتها اليومَ لي لما غضب عليّ الأنصاريّ؟ فقال: قلت لك: أضرب عنقَه، وإن أمرتني الساعةَ فعلتُ. فقال أبو بكر: ما كانتْ لأحدٍ بعدَ النبيِّ ﵇.

стр. 178

فهو أبو بَرْزة، والحديث مخرّجٌ في الصحيحِ وهو معروفٌ.

стр. 179

وهو أبو بَرْزة، بالزاي وفتح الباء، لا أبو بُردة. وقد صحَّفَه المصنّفُ. واسمُ أبي برزة: نَضْلَة بنُ عبيدٍ، وأبو بُرْدة فجماعةٌ من الصحابةِ. والحديث عن أبي برزة لا غيرُ، كتبتُه في سنةِ سبعٍ وأربعينَ، وليسَ في الصحابة مِنْ كنيَته أبو بَرزةَ غيرُه. وأما أبو بُرْدة فهو هانئ بن نِيارٍ، خال البَراء بنِ عازبٍ من أهل بدر وأبو بُرْدة الحارث بنُ قيس الأشعريّ، أخو أبي موسى الأشعري، صحابيٌّ.

стр. 180

ومن ذلكَ ذكر في باب (القاف والراء) في تفسير قوله تعالى: (واسْجُدْ واقْتَرِبْ). قيل: اسجد يا محمّد، واقترب يا أبا جهل، أي: إن اقتربت أُخِذْتَ، وهذا وعيد، وذلك أنّ أبا جهلٍ كانَ ينهاهُ عنِ السجودِ وهو قوله: (أرأيتَ الذي يَنْهَى عبْداً إذا صَلَّى) وقال: لأَطَأنَّ عنقَه، فلمّا دنا منه رأى فَحْلاً فاغراً فاهُ، فنكصَ راجعاً. قلتُ: قوله: واقترب يا أبا جهل خطأ منه في تفسير القرآن ومعانيه، ما بلغني ذلك عن واحد من العلماء ولا عرفته عن صحابي ولا تابعي في الكتب التي قرأت وسمعت من تفسير القرآن ومعانيه، ولا يجوز أنْ يُفسَّر القرآن بالرأي. فقد روى ابنُ عبّاس عنِ النبيّ، ﷺ أنّه قال: مَنْ قال في القرآن برأيه تبوّأ مقعده منَ النار.
следующие страницы →