← Гариб и словари

Гариб и словари · id 38160

التنبيه على الألفاظ في الغريبين

ابن ناصر السلامي

Полный текст (272 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ومن ذلك ذكرَ في باب (الصاد مع الواو)، قالَ: في الحديث: التصويةُ خِلابةٌ، قال: التصويةُ والتصريةُ واحدٌ، وهو أن تصرّ الشاة بغير ياء. والصواب: أن تصرّى، بإثبات الياء بعد الراء، من صرّيتُ الشاةَ إذا جمعت الشاة اللبن في ضرعها أياماً. فأما قوله: أن تُصَرَّ بغير ياءٍ، فمعناه أن تشدّ رأس ضرعها لئلاّ يُشَربَ منه اللبن. وإنما أراد النبي، ﵇ المعنى الأولَ، وعليه وقعَ النهيُ. ومنه حديث: المَصَرَّاة،

стр. 177

ولم يُرِدْ أن يُصِرَّ ضَرعُ الشاةِ أو الناقةِ، فإنّ ذلك يجوزُ ولم يَنْهَ عنه، ﷺ . ومن ذلك ما ذكره في آخر بابِ (الصاد مع الياء) في تفسير قوله ﵇ لما شاور أبا بكر في الأسرى يوم بدر فتكلّم أبو بكر فصافَ عنه، أي: عَدَلَ ومنهُ الحديثُ الآخر صاف أبو بكر عن أبي بُرْدة، بدال. قلت: كذا وجدته في نسختين، عن أبي بُرْدَة، والصواب عن أبي بَرْزة الأسلميّ - بزاي وفتحِ الباء - وذلك أنَّ أبا بكرٍ، ﵁، لمّا صار الأمر إليه، كلّمه ذاتَ يومٍ بعضُ الأنصار بكلامٍ فيه غِلظة وجَفَاءٌ، فغضب أبو بكرٍ، فقال له أبو برزة: يا خليفةَ رسولِ الله: أضربُ عنقه؟ فتنحّى بذلك عن أبي بكرٍ الغضبُ وسكتَ. قال أبو برزة: فجاءني أبو بكر مساءَ ذلكَ اليومَ، فقال: يا أبا برزَة ما كلمةٌ قلتها اليومَ لي لما غضب عليّ الأنصاريّ؟ فقال: قلت لك: أضرب عنقَه، وإن أمرتني الساعةَ فعلتُ. فقال أبو بكر: ما كانتْ لأحدٍ بعدَ النبيِّ ﵇.

стр. 178

فهو أبو بَرْزة، والحديث مخرّجٌ في الصحيحِ وهو معروفٌ.

стр. 179

وهو أبو بَرْزة، بالزاي وفتح الباء، لا أبو بُردة. وقد صحَّفَه المصنّفُ. واسمُ أبي برزة: نَضْلَة بنُ عبيدٍ، وأبو بُرْدة فجماعةٌ من الصحابةِ. والحديث عن أبي برزة لا غيرُ، كتبتُه في سنةِ سبعٍ وأربعينَ، وليسَ في الصحابة مِنْ كنيَته أبو بَرزةَ غيرُه. وأما أبو بُرْدة فهو هانئ بن نِيارٍ، خال البَراء بنِ عازبٍ من أهل بدر وأبو بُرْدة الحارث بنُ قيس الأشعريّ، أخو أبي موسى الأشعري، صحابيٌّ.

стр. 180

ومن ذلكَ ذكر في باب (القاف والراء) في تفسير قوله تعالى: (واسْجُدْ واقْتَرِبْ). قيل: اسجد يا محمّد، واقترب يا أبا جهل، أي: إن اقتربت أُخِذْتَ، وهذا وعيد، وذلك أنّ أبا جهلٍ كانَ ينهاهُ عنِ السجودِ وهو قوله: (أرأيتَ الذي يَنْهَى عبْداً إذا صَلَّى) وقال: لأَطَأنَّ عنقَه، فلمّا دنا منه رأى فَحْلاً فاغراً فاهُ، فنكصَ راجعاً. قلتُ: قوله: واقترب يا أبا جهل خطأ منه في تفسير القرآن ومعانيه، ما بلغني ذلك عن واحد من العلماء ولا عرفته عن صحابي ولا تابعي في الكتب التي قرأت وسمعت من تفسير القرآن ومعانيه، ولا يجوز أنْ يُفسَّر القرآن بالرأي. فقد روى ابنُ عبّاس عنِ النبيّ، ﷺ أنّه قال: مَنْ قال في القرآن برأيه تبوّأ مقعده منَ النار.

стр. 181

وكانَ ينبغي له ان يذكر عمّن نقلَ هذا التفسير ومَن ذكرهُ إن لم يكن من قبله. وإنّما يقعُ مثلُ هذا في تفاسير الأعاجمِ القُصّاص، إذ ليسَ لهم معرفةٌ بالسُّنّةِ والآثارِ، وإنّما ينقلُ بعضُهم منْ كتبِ بعضٍ بغيرِ علمٍ. والمعلومُ في تفسير هذه الآية والذي جاء في الآثار أن أبا جهل - لعنه الله قالَ: لئن رأيتَُ محمّداً ساجداً لأطأنَّ على رقبتِه. فأنزل الله تعالى: (كلاَّ لَئِنْ لم يَنتَْهِ)، إلى قوله: (فَلْيَدْعُ نَاديَه، سندْعُ الزّبانيةَ)، فقال النبيّ، ﷺ : والله لو دَنَا منّي لأخذته الزبانية عِيانا. وقوله تعالى: (واسجُد واقتربْ) إنما الخطاب للنبيّ، ﷺ ، لقوله تعالى: (كَلاَّ، لا تُطِعْهُ واسجُد واقتربْ). والكلامُ متّسق معطوف بعضُه على بعضٍ، أمرَ الله تعالى نبيّه، ﵇، ألا يطيع أبا جهلٍ، لعنه الله، وليسجد وليقترب بطاعته لله تعالى ومخالفة عدوّه ويقوّي ذلك قولُه، ﷺ : أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّهِ إذا سَجَدَ.

стр. 182

فأمَّا ما ذكرهُ منْ أنّ الخطابَ في قوله: (واقتربْ) لأبي جَهْلٍ، فلا أعلمُ أحداً منَ الأئمة المفسّرين ذكره، وإنَّما قالَ برأيِه فهوَ مردودٌ عليه. أنبأنا أبو الحسين بن النقور بن البزّازِ إذْناً، وأخبرناه عنه محمدُ بنُ الحسن الفرضيّ، ويحيى بنَ عبد الرحمنِ العدل، قال: أنبأ أبو طاهر المخلّص، قال: ثنا رضوان بنُ أحمدَ قال: أنبأ أحمد بن عبد الجبار العُطارديّ، أنبأ يونس بنُ بُكيْرٍ عن عيسى بنِ عبدِ الله التميمي عن الربيع

стр. 183

بنِ أنسٍ البكريِّ، قال: كان النبي، ﷺ ، يُصلّي فلمّا سجدَ جاءَ أبو جهلٍ ليطأَ عُنُقَه، فأنزل الله فيه: (أرأيت الذي يَنْهى، عبدأ إذا صلّى)؟ محمّد! (أرأيتَ إن كانَ على الهُدى)؟ محمّد (أو أَمَرَ بالتَّقوى)؟ محمّد! (أرأيتَ إنْ كذّب وتولّى)؟ أبو جهل (كَلا لَئِنْ لم يَنْتهِ)، أبو جهل (سَنَدْعُ الزبانية) قال بعضهم: (تسعةَ عَشَر): خَزَنة النار، فقالَ رسول الله ﷺ : والله لئن عادَ لتأخُذَنّه الزبانيةُ، فانتهى فلم يعد.

стр. 184

أخبرنا أبو الحسين بنَ أبي القاسم الكَرْخيّ، قراءةً عليه من كتابِهِ مرتين، فأقرّ به في كتابه الجامع لأبي عيسى الترمذي، قال: أنبأ أبو يَعْلى أحمدُ بنُ عبدِ الواحدِ الحريريّ قراءةً عليه، قال: أنبأ أبو عليُّ الحسينُ بنُ محمّد المُروزيّ السّنجيّ، قال: ثنا أبو العباس محمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد بنِ

стр. 185

محبوبٍ قال: أنبأ أبو عيسى، محمد بن عيسى الترمذي وأخبرنا أبو العلاء الإسحاقي الهَرَويّ قَدم علينا بقراءتي عليه، قال: أنبأَ القاضي أبو عامر محمودُ بنُ القاسم الأزدي، وأبو الظّفَرِ عبدُ الله

стр. 186

بن عطاء البَغَاورداني، قراءةً عليه، قالا أنبأ أبو محمّد بن عَبْد الجبّار بنِ محمّد الجرّاحي، قال: قال أبو العباس المَحْبوبيّ، قال: أنبأ أبو عيسى الترمذيّ قالَ: ثنا عبد بن حميد، قالَ: أنبأ عبد الرزاق بنُ مَعْمَر عن عبدِ الكريم

стр. 187

الجزريّ، عن عكرمة عن ابن عبّاس: (سندعُ الزبانيةَ)، قال: قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمّداً يُصلّي لأطأنَّ عنقه. فقال النبي، ﷺ : لو فَعَلَ لأخَذَتهُ الملائكةُ عياناً. قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين الفرضي بقراءتي عليه في كتاب التفسير عن مقاتل بن سليمان قال أنبأ أبو القاسم

стр. 188

المهرواني، قراءة عليه قال: أنبأ أبو أحمد الفَرْضيّ وأنبأ الأمين أبو الفضل بنُ خَيْرون وابنُ خالهِ أبو طاهر بنِ أبي عليّ الباقلاّني، قالا:

стр. 189

أنبأ أبو عليٍّ الحسنُ بن حمد بن إبراهيم بنِ شاذان، قراءةً عليه قالا: أنبأ أبو محمّد عبد الخالقِ بنُ الحسنِ بنِ أبي رويا السّقطي، حدّثنا عبدُ الله بنُ ثابت المُقرئ عن

стр. 190

أبيه، عن الهذيل بن حبيبٍ، عن مقاتلِ بنِ سليمانَ في تفسيرِ سورة (اقرأْ باسمِ ربّك)، قوله تعالى: (كلا لا تطعه)، يقول للنبي، ﷺ : لا تطعْ أبا جهل أن تترك الصلاةَ، و (اسجد)، يقول: صَلِّ واقتربْ إليه بالطاعةِ. فلمّا سمع أبو جهل ذِكْرَ الزبانيةِ خاف عدوّ الله وانصرفَ عنِ النبيّ، ﷺ ، وقد كانَ همَّ به. فلمّا رجعَ قالوا لهُ: يا أبا الحكم أَخِفَتَه؟ قال: لا، ولكن خِفْتُ الزبانيةَ. وأخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين، قراءة عليه من أصله في كتاب المعاني لأبي إسحق الزجاج النحوي فأقرّ به. قال: أنبأ القاضي

стр. 191

أبو العلاء محمد بن علي بن يعقوب الواسطي المقرئ، قراءة عليه، قال: أنبأ أبو علي الفارسي النحوي، قال: قال أبو إسحق في قوله تعالى في سورة العلق: (كلا لاتطعه)، أي: ليس الأمر على ما عليه أبو جهلٍ، لا تُطِعْه واسجُد، أي: وتقرّب إلى ربّك بالطاعة. فهذا ما بلغنا منْ أقوال العلماءِ والمفسّرين، لم يقلْ أحدٌ منهم: إن قوله: (واقتربْ) خطابٌ لأبي جهل كما قال صاحب الغريبين، ولم يُسْند ذلك إلى عالمٍ فينسبَ السهوُ إليه فثبتَ عندَنا أنّه منْ قوله فَرُدَّ عليه.

стр. 192

ومن ذلك ما وقعَ أيضاً من الخطأ في تفسيره، ما ذكره في باب (القاف مع الراء)، قال: وفي الحديث أنّه قالَ لأَنْجَشَةَ وهوَ يحدو بالنساءِ: رفقاً بالقوارير، شبّهَهُنَّ بها لضعفِ عزائِمِهنّ، والقواريرُ يُسرعُ إليها الكسرُ، وكانَ أنجشةُ يحدو بهنّ وينشدُ من القريضِ والرجزِ ما فيه تشبيبٌ، فلم يأمن أنْ يصيبهنّ أو يقعَ في قلوبهنّ حداؤه، فأُمرَ بالكف عن ذلك، وقيل: الغناء رقية الزنى. قلت: هذا ما ذكره في كتابه، وهذا الذي ذكره من التفسير قول، ﷺ رفقاً بالقوارير، يعني النساء، وهنّ أزواجه ﵇، ورضيَ الله عنهنّ، لا يجوز ولا يسوغُ أن يُحْمَل قولُه ﵇، على ذلك، إذ قد نزّه الله أزواج نبيّه، ﷺ ، عن ذلك بقوله تعالى: (والطيّبات للطيّبين)، قوله: (يا نساءَ النبيّ لستنّ كأحدٍ منَ النساءِ)، وإنما أراد ﷺ أنَّ الإبل إذا سمعتِ الحداءَ أَعْنَقتْ وأسرعتِ السّير، فربّما قَلِقَ وضينُ الهودج فوقعتْ إحداهنّ منَ البعيرِ لشدّةِ السيرِ فينكسرَ بعضُ أعضائها أو ينخلِعُ. فشبّههنّ بالقوارير لضعفهنّ، وأنّ الزجاج سريع الانكسار، ولم يرد ﵇ ما ذكره المصنّف من ضعفِ العزائمِ، معاذ الله، مما ظنّ

стр. 193

فلقد أخطأ ظنُّه، وضعفَ عقله إذْ حمل كلامَ الرسولِ، ﵇ على ما لا يجوز في الشرع، ولا يسوغُ في العقل. ومما يُقوّي ما ذكرتُه ويوضِّحه ما أخبرناهُ المباركُ بنُ عبدِ الجبّارِ المَرْوَزي، قراءةً عليه من كتابه، قال: ثنا عبدُ العزيز بنُ عليّ القرميسينيّ، قال: أنبأ محمّد بنُ أحمد المفيد بـ جَرْجَرايا، قال: ثنا أحمدُ بنُ علي القَرْميسيني، قال: ثنا أحمد بن عبد الرحمن السقطيّ، قالَ: ثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أنبأ حمّادُ بنُ سلمة بن ثابتٍ عن أنس بنِ مالكٍ، قال: كان البراء جيدَ الحُدَاء وكانَ حاديَ الرجال، وكان أنجشةُ يحدو بالنساءِ، فحدا ذاتَ يومٍ فأعنقت الإبل، فقال النبيّ، ﷺ ، رويدكَ يا أنشجةُ، رويدك سَوْقك بالقوارير. وأخبرنا ابنا العمّ، عبدُ الرحمن بنُ أحمدَ، وعبدُ القادرِ بنُ محمّد ابنا

стр. 194

عبد القادر بن محمّد اليوسفيّ، وهبةُ الله بنُ محمّد الكاتبُ، بقراءتي على كلِّ واحدٍ منهما منفرداً، قالوا: أنبأ أبو علي التميمي، قال: أنبأ أحمدُ بنُ جعفر القطيعيّ، ثنا عبدُ الله بن أحمدَ قال: حدثني أبي: ثنا ابن

стр. 195

عدي عن حُميد عن أنسٍ قال: كانَ رجلٌ يسوقُ بأمّهاتِ المؤمنينَ، يقالُ له أنجشةُ، فاشتدَّ في السياقة، فقالَ له رسولُ الله، ﷺ : يا أنجشةُ، رويدَك، سوقَك بالقوارير. وأخبرنا أبو الحسين بن الحمّامي، قراءةً عليه، قال: أنبأ أبو الحسن بن الحمّامي، قراءةً عليه، قال: أنبأ أبو الحسن الحرّاني، قال: أنبأ أبو بكرٍ القطيعيّ، قالَ: ثنا عبدُ الله بن أحمد بنِ حنبلٍ، قال: ثنا أبي، ثنا حجّاجُ قالَ: حدثني شُعْبةُ عن ثابت البُنانِّي: عن أنس بن مالك أنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم

стр. 196

كانَ في سَيْرٍ وكانَ حادٍ يحدو بنسائه أو سائقُ، قال: وكانَ نساؤه يَتَقَدَّمْنَ بَين يَدَيْه فقالَ: يا أنجشةُ وَيحك أرفق بالقوارير. فهذا الحديث يبيّن ما قلتُ منْ أن النبيّ ﷺ ، خشيَ على النساء أنْ يقَعْنَ منْ شدّة السّير من هوادجهنّ فتنكسر أعضاؤهنّ، وأمره أنْ يرفقَ بهنّ في السَّوقِ، وشبّههنَ لضعفهنّ بالقوارير مجازاً. ولم تكن الحُداة على عهدِ النبيّ، ﷺ ، يحدونَ بالتشبيبِ كما ذكرَ هذا المؤلفُ، فقد حفظ ذلك ونُقلَ في مغازيه وحِجّه ﵇، فمن ذلك ما ذكر أنّ عامرَ بنَ الأَكْوَع كانَ يحدو بهمْ في طريق خيبَر، وقد أمره النبيّ ﵇ بذلك في تلكَ الفترة فقال:

стр. 197

والله لولا الله ما اهتَدَيْنا ... ولا تَصَدّقنا ولا صَلَّيْنا فَأَنْزِلَنْ سَكينةً علَيْنا ... وثَبِّتِ الأقدامَ إنْ لاقَيْنا ومن ذلك قولُ عبد اللهِ بنِ رواحة في يوم فتح مكة، وقد حَدا بهم: خَلّوا بني الكُفَّارِ عن سَبيله ... يا ربِّ إنّي مؤمنٌ بِقِيْلِهِ نحنُ ضَرَبْناكُم على تَنْزيلِهِ ... ضَرْباً يُزيلُ الهامَ عنْ مُقيلِهِ ويُذهلُ الخليلَ عن خَليلِهِ

стр. 198

ومن ذلك قول ذي البِجَادَيْن وهوَ يَحْدو بهم أيضاً في غزوةٍ أخرى: إليكَ تَغْدو قَلِقاً وَضِينُها ... مخالفاً دِينَ النَّصارى دينُها مُعْتَرِضاً في بَطْنِها جَنينُها

стр. 199

في أشباهٍ لهذا كثيرة، ولم يكونوا يحدون بالتشبيب ولا بالنّسيبِ، ولا يُنْشِدون الشعرَ بألحانِ الغناءِ التي أَحْدَثَها المخَنَّثون، بل كان إنشادُهم للشعرِ كالنَّصبِ للركبانِ، ودعاء الرعيانِ، وطريقة العربِ العُرْبان، لا تخليعَ الشعر كفعلِ الفُسَّاقِ المجان، فكيف يظنّ أنَّ ذلك كان، على عهد النبيّ، ﵇ وصحابته الأعيان، الذين أثنى الله عليهم في القرآن، ونزّههم من كل دنَسٍ ولغوٍ وطُغيان، وكذلك أزواجه المطهّرات المبرآت منْ كل ِّ إفكٍ وبُهْتان؟ فكيف يجوز لمسلمٍ أنْ يظنّ بهنّ، رضوانُ الله عليهنَّ، أنَّهنَّ يَمِلْنَ إلى سماع الغناءِ والتشبيبِ بالنساءِ، وقد ميّزهنّ الله تعالى على سائر نساءِ العالمينَ بقوله تعالى: (يا نساءَ النبيّ لستُنَّ كأحدٍ من النِّساء) وقد كانَ فيهنَّ من تحفظُ الأشعارَ والقصائدَ الطوالَ، مثلَ عائشةَ وزينب وأمّ سلمةَ، ﵅؟ قالت عائشةُ: كنتُ أنشدُ النبيّ، ﷺ ، الشعرَ حتى يزبِّب شِدْقايَ. ولقد

стр. 200

أنشدته يوماً ألف بيتٍ للبيدِ بنِ ربيعةَ، ولم يغيّرهنَّ حفظ الشعر فكيف سماعه. فهذا خطأ ممّن يحمل قولَ النبيّ، ﵇، على هذا المعنى الركيكِ، ويقولً فيه: الغِناء رقيةُ الزِّنى. لو قيلَ هذا في حقِّ أزواجٍ المؤمنين كان قبيحاً لا يجوز أن ينطقَ به، ولا يعتقدُ في المحصناتِ المؤمناتِ أنّهنَّ إذا سمعْنَ الغناءَ كانَ داعياً لهنّ إلى الزّنى، فمُعتقدُ ذلك فيهنّ آثمٌ كاذبٌ يجبُ عليه في ذلك إن صرّح به الحدّ، فكيف في حقِّ أزواج النبيّ، ﷺ ورضيَ عنهنّ، وهنّ المنزّهات الطاهراتُ المُبرآتُ منكل دنسٍ وعَيْب، وشَيْنٍ ورَيْب، إن اعتقدَ فيهنّ ذلك كان كافراً، لقوله تعالى: (يَعِظُكُمَ الله أنْ تعودوا لِمِثْله أبداً إن كُنْتُم مؤمنين) فهذا مِنَ المؤلّف مَحْمولٌ على السَّهوِ والغَفْلةِ. . . وإن قصد إلى هذا التفسير عمد منه. . . فسق وضل، وخسر وذل، عفا الله عنا وعنه.

стр. 201

ومن ذلك ما ذكرهُ أيضاً عُقَيْبَ هذا الخطأ قالَ: وفي الحديث: فإذا قرَّبت المهلَ منهُ سقطتْ قَرقَرَةُ وَجْهِه، أي جلدةُ وجهِهِ، والقَرْقَر: من لباسِ النساءِ، وشُبِّهتْ بشرةُ الوجهِ بها. قلت: وهذا تصحيفٌ ممن نَقَلَه، وخطأ ممنّ فسَّره، وإنّما هو فَرْوةُ وَجْهِهِ، هذا هوَ المحفوظ في الحديث.

стр. 202

وهذا هو في حقِّ الكفّار في النارِ إذا استغاثوا أُغيثوا بماءٍ كالمُهل، إذا قُرِّبَ إلى أحدِهم ليشربَه سقطتْ فروةُ وَجْهِه فيه قبل أن يشربه. وقد ذكرهُ المؤلف على الصواب في باب (الفاءِ مع الراء). وقوله: القَرْقَرْ من لباسِ النساء فصيحٌ وهو القَرقَل والقَرْقر، باللامِ وبالراء جميعاً، وهو قميصٌ قصيرُ يبلغ الركبتين، لا كمِّين له تلبسه المرأة في بيتها إذا أرادت العمل والخدمة، فمن أين يشبه القميص الذي لا كمين له جلدة الوجه؟ هذا بعيدٌ، إنّما هو فَرْوةُ وجهه، أي: جِلدته.

стр. 203

وقوله: قُرِّبتِ المهلُ، بالتاء خطأ، وإنّما هو مذكر لا مؤنث. والصواب: قُرّب وقوله: شُبِّهتْ بشرةُ الوجهُ بها لحنٌ وخطأ أيضاً، لأن القَرقَر مذكّر لا مؤنّث، والصواب بهِ لا بها.

стр. 204

ومن ذلك ما وقعَ في لفظهِ في باب (القاف مع السين)، قال: ومنه الحديث ما يسّرني دين الذي يأتي العِراق بدرهمِ قَسِيٍّ. قلت: هكذا وجدته في النسخ العِراق، بالقاف، وهو تصحيفٌ، وهذا الحديث الذي ذكره هو منْ كلام عبدِ الله بنِ مسعودٍ، ﵁: ما يسّرني دينُ الذي يأتي العرّاف، بالفاء، يعني الكاهنَ والمِنجّم فيصدّقهما بما يقولان بدرهمٍ قسيٍّ. وقد روى ابن مسعود عن النبيّ، ﷺ ، أنه قالَ: مَن أتى كاهناً أو عرّافاً أو ساحراً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على مُحمّد، ﷺ .

стр. 205

فأراد ابن مسعود، ﵁، أنَّ دينَ الذي يأتي العرَّاف وهو المنجّم والحَازي والذي يزعم أنّ الجنّ تُخْبره بما كان وهو كاذب في ذلك فيصدقه بما يقول، لا يساوي درهماً رَديّاً إذ قد خالفَ النبيّ، ﷺ ، فيما نهى وحذر منه. فأما روايته العراق، بالقاف، فلا يجوزُ لأن ابنَ مسعودٍ كان مقيماً بالعراقِ في أيام عمر وعثمان، رضوان الله عليهما، وكانَ على الكوفة يصلّي بهمْ ويعلّمهم القرآن والفقهَ. وقد دخلَ العراقَ جماعةُ من الصحابةِ في قتالِ الفرسِ، وبعدَ ذلك مع عليّ وطلحةَ والزبير وعائشة، ﵃. وقد أقام سعدُ بنُ أبي وقّاص بعدَ فتحهِ مدائن كسرى شهراً حتّى اختطَّ الكوفةِ ومعه جماعةٌ من الصحابةِ، وكذلك بالبصرةِ، وهما العراقان، ومات بالمدائن سليمان وحذيفة وغيرُهما مِن الصحابة، رضوانُ الله عليهمْ، فكيفَ يُنسبُ هذا القول إلى الصحابة، وقد أقاموا بالبصرةِ والكوفة والمدائن والعراق كلِّه، وكانَ فيه جماعةٌ من التابعين والزهّاد والصُّلحاءِ. وإنما هذا تصحيفٌ وسهوٌ من ناقله لا معرفة له بالحديث. وقد ذكر الحديث أبو عبيد القاسمُ بنُ سلاّم في كتابه غريب الحديث، في غريب حديث عبد الله بن مسعودٍ أنّه باعَ نِفاية بيتِ المالِ، وكانت زُيوفاً وقِسياناً بدونِ

стр. 206

وزنِها، فذكرَ ذلكَ لعمرَ فنهاهُ وأمرهُ أنْ يردّها. قال أبو عبيد: حدّثنا هُشَيْم قالَ: أنبأ مُجالدٌ عن الشعبيِّ، عن

стр. 207

عبدِ الله قال الأصمعيّ: واحدُ القِسيانِ: قَسيّ، مُخَفَّفَةُ السينِ، مشدّدة الياءِ على مثالِ منفيّ. قال أبو عبيد: ومنه الحديثُ الآخرُ: ما يسرّني دينُ الذي يأتي العرّافَ

стр. 208

بدرهمٍ قسيٍّ، فهذا ما ذكره الإمام أبو عبيد في كتابه غريب الحديث. أخبرنا بهِ طِرادً بن محمّدٍ، وأحمدَ بنُ عليّ المقرئ، قالا: أنبأ أحمدُ بنُ

стр. 209

البادا قراءةً، أنبأ دعلج بن أحمد، قال: أنبأ علي بن عبد العزيز، قال: ثنا أبو عبيد به.

стр. 210

ومن ذلك ما ذكره في باب (الفاءِ والكاف)، قال: وفي حديث ابنِ مسعودٍ: تركت فرسي كأنه يدور في فلك. قلت: وإنما هذا في قول رجل جاء إلى عند ابن مسعود فشكا إليه أن فرسه أصابه رجل بعينه فاستدار فرسه كأنه فلك وسأله أن يرقيه له من العين، وهو معروف. وليس هذا بقول ابن مسعود، ﵁، وقد أخبرنا بحديثه في كتاب غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلاّم أيضاً، ﵀، الشيخان أبو الفوارس الزينبي، وأبو بكر بن علي الصوفي قراءة على كل واحد منهما، قالا: أنبأ أبو الحسين بن البادا قراءة عليه، قال: أنبأ دعلج بن أحمد، قال: ثنا علي بن عبد العزيز، قال: ثنا أبو عبيد، قال:

стр. 211

ثنا يزيد بن هارون عن أبي مالك الأشجعي عن هلال بن بساف، عن عبد الله، يعني ابن مسعود، أن رجلاً أتى رجلاً وهو جالس عند عبد الله فقال: إني تركت فرسك يدور كأنه في فلك، فقال عبد الله للرجل اذهب فافعل به كذا وكذا.

стр. 212

قال أبو عبيد: وفي بعض أحاديث أنه قال له: إن فلاناً لقع فرسك، أي أصابه بعين. قال أبو عبيد: فشبه الفرس بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم، وهو الذي يقال له: القطب، شبّه بقطب الرحى فشبه الفرس في اضطرابه بذلك، وإنما كانت عين أصابته. فهذا ما ذكره أبو عبيد فدلّ على ما قلته. ومن ذلك في باب (الفاء مع الواو)، قال: في حديث معاوية قال لدغفل: بم ضبطت ما أرى؟ قال: بمفاوضة العلماء. المفاوضةُ: المساواةُ، ومنه شركة المفاوضة.

стр. 213

قلتُ: وهذا التفسيرُ منهُ خَطأٌ، لأنَّ المفاوضةَ للعلماءِ ليست المساواةَ لهمْ وإنَّما المفاوضةُ هي: المخالطةُ والمذاكَرةُ والمباحثَة للعلم حتّى يصير عالماً. فأمّا المساواة فلا معنى في هذا، وإنما فاوضَ مَنْ هو أعلمُ منه فاستفادَ من علمهِ إلى علمهِ ما زادَ به على غيرهِ. والدليلُ على ذلكَ ما استشهد به المفسرّ مِنْ قولهمْ: شركةُ المفاوضةِ، إنَّما هي المخالطةُ بخلافِ شركة العِنَان. ومن ذلك قالَ في باب (النون مع الفاء): في حديث آخر: من أشراط الساعة انتفاخُ الأهلة، هكذا ذكره بالخاءِ معجمةَ، وإنَّما هو انتفاخُ الأهِلة - بالجيم - والانتفاج - بالجيم - م كانَ خِلْقه، ومنه قولهم في وصف الفرس: مُنتَفِج الجَبينِ، كأنَ الأهِلةَ تَعْظُم ويزادُ في خلْقِها قبلَ قيامِ الساعةِ فيرى الهِلالُ في أول ليلةٍ فيقال: هو ابنُ ليلَتين لعظمه وكبره. وأمّا الانتفاخُ - بالخاء معجمة - فما كان عن علّة ومَرَض، والهلال لا علّة به ولا مرض. سمعت شيخنا أبا زكريا اللغوي يحكي عن شيوخه الذينَ قرأ عليهم

стр. 214

العربية أنهم قالوا: الانتفاج - بالجيم - ما كان خلقة. والانتفاخ - بالخاء معجمة - ماكان عن علَّةٍ أو آفةٍ أو مرض، ومنه الحديث المذكور، رووا بالجيم كما ذكرت.

стр. 215

ومن ذلك قال في (القاف والباء) في حديث عطاء: يُكرَه أنْ يدخل المعتكف قبواً، قال عبد الرزاق: القبو: الطّاقُ. قلت: قوله: المعتكف سهو منه وخطأ وتغيير منه، وإنما هو يُكْرَه للمحرم أنْ يدخلَ قبواً، لأنّ المحرم يكره له أن يستظلّ بشيءٍ من الشمس والحر. فأما المعتكف فلا يكره له يستظلّ مِنَ الشمس ويكون في المسجد تحتَ الظلالِ والسقوف والطاقات، لا خلافَ عند العلماء في ذلك، والدليل على أنّه يكره للمحرم أن يستظلّ. قولُ عبد الله بنِ عمر وقد رأى رجلاً قد استظلّ من الشمس فقالَ له: اضحَ لمن أحرمتَ
следующие страницы →