Полный текст (272 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ثنا يزيد بن هارون عن أبي مالك الأشجعي عن هلال بن بساف، عن عبد الله، يعني ابن مسعود، أن رجلاً أتى رجلاً وهو جالس عند عبد الله فقال: إني تركت فرسك يدور كأنه في فلك، فقال عبد الله للرجل اذهب فافعل به كذا وكذا.
стр. 212
قال أبو عبيد: وفي بعض أحاديث أنه قال له: إن فلاناً لقع فرسك، أي أصابه بعين. قال أبو عبيد: فشبه الفرس بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم، وهو الذي يقال له: القطب، شبّه بقطب الرحى فشبه الفرس في اضطرابه بذلك، وإنما كانت عين أصابته. فهذا ما ذكره أبو عبيد فدلّ على ما قلته.
ومن ذلك في باب (الفاء مع الواو)، قال: في حديث معاوية قال لدغفل: بم ضبطت ما أرى؟ قال: بمفاوضة العلماء. المفاوضةُ: المساواةُ، ومنه شركة المفاوضة.
стр. 213
قلتُ: وهذا التفسيرُ منهُ خَطأٌ، لأنَّ المفاوضةَ للعلماءِ ليست المساواةَ لهمْ وإنَّما المفاوضةُ هي: المخالطةُ والمذاكَرةُ والمباحثَة للعلم حتّى يصير عالماً. فأمّا المساواة فلا معنى في هذا، وإنما فاوضَ مَنْ هو أعلمُ منه فاستفادَ من علمهِ إلى علمهِ ما زادَ به على غيرهِ. والدليلُ على ذلكَ ما استشهد به المفسرّ مِنْ قولهمْ: شركةُ المفاوضةِ، إنَّما هي المخالطةُ بخلافِ شركة العِنَان.
ومن ذلك قالَ في باب (النون مع الفاء): في حديث آخر: من أشراط الساعة انتفاخُ الأهلة، هكذا ذكره بالخاءِ معجمةَ، وإنَّما هو انتفاخُ الأهِلة - بالجيم - والانتفاج - بالجيم - م كانَ خِلْقه، ومنه قولهم في وصف الفرس: مُنتَفِج الجَبينِ، كأنَ الأهِلةَ تَعْظُم ويزادُ في خلْقِها قبلَ قيامِ الساعةِ فيرى الهِلالُ في أول ليلةٍ فيقال: هو ابنُ ليلَتين لعظمه وكبره. وأمّا الانتفاخُ - بالخاء معجمة - فما كان عن علّة ومَرَض، والهلال لا علّة به ولا مرض.
سمعت شيخنا أبا زكريا اللغوي يحكي عن شيوخه الذينَ قرأ عليهم
стр. 214
العربية أنهم قالوا: الانتفاج - بالجيم - ما كان خلقة. والانتفاخ - بالخاء معجمة - ماكان عن علَّةٍ أو آفةٍ أو مرض، ومنه الحديث المذكور، رووا بالجيم كما ذكرت.
стр. 215
ومن ذلك قال في (القاف والباء) في حديث عطاء: يُكرَه أنْ يدخل المعتكف قبواً، قال عبد الرزاق: القبو: الطّاقُ.
قلت: قوله: المعتكف سهو منه وخطأ وتغيير منه، وإنما هو يُكْرَه للمحرم أنْ يدخلَ قبواً، لأنّ المحرم يكره له أن يستظلّ بشيءٍ من الشمس والحر. فأما المعتكف فلا يكره له يستظلّ مِنَ الشمس ويكون في المسجد تحتَ الظلالِ والسقوف والطاقات، لا خلافَ عند العلماء في ذلك، والدليل على أنّه يكره للمحرم أن يستظلّ. قولُ عبد
الله بنِ عمر وقد رأى رجلاً قد استظلّ من الشمس فقالَ له: اضحَ لمن أحرمتَ
стр. 216
له، أي ابرز إلى الضّحاء، يعني الشمس، وعن أبي عبد الله أحمد بن حنبل الإمام في المحرم إذا استظلّ روايتان: هل يلزمه الفداء أم لا؟ فأمّا المعتَكفُ فلا خلافَ فيه بينَ الفقهاء أنّه يجوز له الاكتنان من الشمس والجلوسُ تحتَ الظلال والطاقات والقِباب التي تكونُ على مناراتِ الأذانِ في المساجدِ.
ومن ذلك قوله في باب: (القاف والدال) في الحديث: أنَّ روح القدس نفث في روعي، يعني جبريل ﵇. وقوله: (وأيَّدناهُ بروح
стр. 217
القدس)، خلق من طهارة.
قلت: كذا وجدتهُ في الكتاب وكذا قال. وقد سقط عليه في نقله منه شيء، ولا يستقيم الكلام إلا به، وإنما الصواب: (وأيّدناه بروح القُدُس)، يعني جبريل أيضاً ﵇، وسُمّي بروح القدس لأنه خلق من طهارة. فهذا تصحيح الكلام، فأمَّا ماوجدته في النسخ فما يستقيم الكلام لأنه محتاج إلى تمامٍ لتقع به الفائدة.
ومن ذلك أيضاً في الباب قالَ: في الحديثِ حتّى يضع فيها قَدمه. روي عن الحسن: حتى يجعل الله فيها الذينَ قدّمهم مِنْ شِرار خلقِه فهمْ قدمُ الله للنارِ كما أن المسلمين قدمٌ للجنّة.
قلت: وهذا تاويلٌ بعيدٌ لم يصحّ عن الحسن ولا عن أحدٍ من أئمة السّلف أنّهم تأوّلوا هذه اللفظة التي في الحديث الصحيح الثابت. وفي الحديث ما يُبطل هذا التأ ويلَ وهو قوله: لا يزالُ يلقى في
стр. 218
النارِ وتقولُ: هلْ مِنْ مزيد؟ حتى يضعَ قَدَمه فيها، فتقول: قطْ قَطْ. وقد روى: قَدي قَدي، وقَدْني وقَدْني، بزيادة نون، ومعناه كلّه: حَسبي حَسْبي ومعلوم أنه يُلقى فيها شرارُ الخلق الذين خُلِقوا لها أولاً فأولاً، ولا فائدةَ في قوله: معناه الذينَ قدََّمهم مِن شِرار خلقهِ، فلو أنَّ النارَ تكتفي بمَنْ قدَّمهم الله تعالى فيها من شِرار خلقه لما قالت له هل من مزيد؟ وإنما الحقُّ
والأَحوطُ في هذا مذهب أصحاب الحديث والسنّة والأثر أنْ يمرَّ الحديثُ على ما جاء وصحّ عن رسولِ الله، ﷺ ، إذ هو، ﵇، أعلم الخلق بالله تعالى.
وقد أخبر عنه تعالى أنه ما ينطق عن الهوى فلا يُعارض الحديثُ بالعقل، ولا يُحْملُ كلامُه على ما يعقل من الجارحة، تعالى الله عن ذلك، بل صفةُ الله تعالى لا يُعْقلُ معناها كسائر الصفات، لأن الرسول لم يفسّرها ولا أحدٌ منْ أصحابه وتابعيهم ﵃، ولم يُنقَل عن أحدٍ من الأئمّة الذينَ يُفْتى اليومَ بأقوالهم أنّهم فسّروا ذلك، بل نقول: سَمعنا وصدّقْنا وآمنّا بكلِّ ما يصحّ عنِ الرسولِ، ﵇، ولا نتكلّفُ ما قَد كفينا ولا يسألنا ربّنا عن ذلك ويقول لنا: لم تبحثوا عن معناه كما بحث غيرنا وتعنّى فزلّ، وسلم أهل
стр. 219
الحديث إذ ردّوا العلم إلى الله وإلى رسوله، ﷺ . والحديثُ مُجْمَع على صحته، مخرّج في الكتبِ الصّحاح فلا يُردّ بتأويلِ متأوّل لا علم له بذلك الحديث.
ومن ذلك ما ذكر في باب (القاف والعين)، قال: في الحديث: أنّ ابناً لبنت فلان احتُضِر فدخلَ النبيُّ، ﷺ ، فجيء بالصبي ونفسه تَقَعْقَعُ.
قلت: هكذا قالَ، وإنّما الحديث أن ابناً لزينب بنت النبيّ، ﷺ ، احتُضِرَ فأرسلت إلى النبيّ، ﷺ ، أنِ ائتِنا. فأرسل إليها: أنِ: اصبري فإنّ لله ما أَخَذّ ولهُ ما أبْقى.
فأرسلتْ إليه تُقْسمُ عليه أنْ يُحضرَها، فجاءَ فأخذَ الصبيّ إلى حجرِه ونفسُهُ تَقَعْقَعُ، فدمعت عينه ﵇. فقيلَ له: يارسولَ الله: أتبكي وقد نُهيتَ عن البكاء؟ فقال: إنما نُهيتُ عنْ صوتين أحمقين فاجرِيْن، صوتٍ عند مُصيبةٍ، خمشِ الوجوهِ، وتخريقِ الثيابِ، ورفع الصوت بالنوحِ. وصوتٍ عندَ نِعْمةٍ، صوت مزمارٍ، ورفع صوتٍ بغناءٍ، وإنما البكاءُ رحمةٌ.
стр. 220
والحديثُ رواهُ أنس بنُ مالكٍ، وهو معروفٌ صحيحٌ أخرجهُ البخاريّ ومسلمٌ جميعاً، فصحّفَ، قوله: زينب وغيره وجعله لـ بنت، وزاد فيه (فلان) ليتمّ الكلامُ لقلّة معرفته بالحديثِ.
ومن ذلك ذكر في باب (الميم مع التاء)، قال: وفي الحديث أنّه أتي بسكرانَ فاَمَرَ بـ المنْتَحة فضُرب بها. قال أبو زيد: يقال للعصا مِنْتحة، ومِتْيحة، التاء ساكنة قبل الياء، ومنتحة، ثلاث لغات.
قلت: هكذا ذكر هذه الكلمة بالحاءِ المهملةِ وصحّف فيها. والصواب أنها بالخاءِ المًعجمةِ روى ذلك ثعلبٌ النحويّ فيما أخبر به
стр. 221
محمد بنُ إسحق البَاقرجيّ، وأحمدُ بنُ الحسَنِ الكرجيّ، ومحمّد بن سعيد الكاتب قراءةً على كلّ واحدٍ منهم، قال: أنبأ أبو عليّ الحسنُ بنُ
стр. 222
إبراهيمَ البزاز، قراءة قال أنبأ محمدُ بنُ الحسنِ ابن مقسم المقرئ، قال: قال لنا ثعلب: يقال: متِّيخة، بالخاء معجمة، والتاء بنقطتين من فوقها وبالتشديد. وفيها لغة مِتْيَخَة بالتخفيف، وهي العصا يُضربُ بها وما يقومُ مقامَها. وقد ذكرها أبو منصور الأزهري في كتاب تهذيب اللغة وشرحها شرحاً مبيناً وذكر فيها عدة لغات وكلها بالخاء معجمة. فلو كان هذا المؤلّف الذي ينتمي إلى الأزهري، نظرَ هذه الكلمة في كتابِ شيخِه لنقلها على الصواب، ولم يصحّفها تصحيف الصبيان في الكتّاب.
قرأت في كتاب التهذيب للأزهري، ﵀، في باب (الخاء والتاء) من المعتل، قال: روى ثعلب عن ابن نجدة، قال: قال أبو زيدٍ: يقال للعصا: المِتْيخة ساكنة التاء قبل الياء، وهي المِتْيخة أيضاً، الياء قبل التاء، والميم
стр. 223
مكسورة. والمتيخة، التاء مشددة قبل الياء والميم مكسورة.
وفي الحديث أن النبيّ ﷺ ، أُتِيَ بسكرانَ، فأَمَرَ بالمِتْيخة. فضرب بها.
стр. 224
وقال الأزهري: وهذه كلّها أسماءٌ لجريدِ النخلِ وأصلِ العُرقوب. فمن قال:
مِتْيخة فهي من وتخَ يَتِخُ، ومن قال: مِتْيخة فهي من تاخَ يتيخُ، ومن قال: مِتِّيخة فهي من فِعّيلة من مَتَخَ. فهذا ما ذكره الأزهريّ وهو إمامٌ ثقةٌ وقد وافق ما سمعناه في أمالي ثعلب وهو المحفوظ. فأما ما ذكرهُ صاحبُ الغريبين فتصحيفٌ منهُ في نقله، وكذلك قوله: مِنْتخة، بالنون والحاء تصحيفٌ منه.
ومن ذلك قال في باب (الميم مع الراء) وفي حديث: إذا نزلَ سمعتِ الملائكةُ صوتَ مِرار السلسِلة على الصَّفاء المِرار: أصله الفَتْل، لأنه يُمرّ، أي يُفْتل. وإن روي: إمرار السلسلة فحسنٌ، يقال: أَمررتُ الشيء إذا جررتَه.
قلت: قوله: مِرار السّلسلة روايةُ غير محفوظةٍ ولا مشهورةٍ. وإنما الرواية الصحيحةُ المعروفة إمرار بألف يعني صوت جرّ السلسلة،
стр. 225
فأمَّا مِرار بغير ألفٍ فغيرُ معروفٍ ولا يليقُ بمعنى الحديث.
ومن ذلك قالَ في باب (الميم مع اللام) في حديث أبي هريرة: فكأنّما تُسِفُّهم المَلَّ، أي: فكأنّما تسفي في وجوهِهم المَلَّةَ، وهي التراب المَحْمي بالنارِ.
стр. 226
قلت: وهذا تفسير بعيد غير موافق لمعنى الحديث، وإنما تسفّهم من السفوف والملّ: الرماد الحار لا التراب، وقد ذكره بعد هذا الحديث وجعله حديثاً آخر، وفسّره على الصواب، وهو قال: يارسول الله، إنَّ لي قراباتٍ أَصِلهُم ويقطعونني، وأعطيهم فيكفرونني، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ قال ﵇ إنّما تسفُّهم المَلَّ، قال: تُسِفُّهم من السَّفوف.
وقد أخبرنا بحديثِ أبي هريرةَ هذا في مسند الإمام أحمد بن حنبل، ﵁، الشيخ: أبو الحسن الكَرَجيّ، قال: أنبأ أبو الحسين الحرّاني وأبو علي
стр. 227
بن المذهب. وأخبرنا علي بن محمد بنِ عليّ بنِ العلاّف، بقراءتي عليهِ قالَ: أنبأ أبو القاسم عبدُ الملك بنُ بُشران قراءة عليه، قال: أنبأ أحمد بن جَعْفر بن حمدان، قال: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي قال: ثنا جعفرٌ، ثنا شُعْبةٌ قال:
سمعتُ العَلاء ابنَ
стр. 228
عبد الرحمن يُحدّث عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله إنّ لي قرابةً أصِلُهمْ ويقطعوني، وأُحْسِنُ إليهم ويسيئون إليَّ، وأَحْلُمُ عَنْهُم ويجهلونَ عليَّ. قال: لئن كنتَ كما تقولُ فكأنَّما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزالُ مَعَكَ مِنَ الله ظهيرٌ عليهم ما دمتَ على ذلك.
-
стр. 229
قلت: والحديثُ واحدٌ فجعلهُ حديثين، وقال فيه في الأول: كأنّما، وقال في الثاني: إنّما، والمحفوظ: كأنّما. وفسّره في الأوّل خطأ، قال: تُسفّهم أي فكأنّما تسْفي في وجوههم الملّة، وهي التراب الحارُّ فهذا خطأ. وفسَّرهُ في الثاني على الصواب تفسيراً جيّداً، فهذا يدلّ على أنّ التفسيرَ الأوّل منه فأَخْطَأ، والثانيَ منْ كلامِ غيرِه فأصابَ في ذكره، قالَ القتيبي: الملّ الجمر، ويُقال: الرماد الحارّ، فجعله في التفسير الأوّل الترابَ المحميّ بالنار، ولا يُسمّى الترابُ المَحميُّ
стр. 230
بالنارِ المَلَّ.
стр. 231
ومن ذلك ما وقع في تفسيره خطأٌ وتحريفٌ لمعناهُ، قالَ في أوّل (باب النون مع الهمزة) قوله تعالى (وهم يَنْهَون عنهُ وينأَوْنَ عنه)، أي: يَنْهَوْنَ الناسَ ويتباعدون عنهُ.
قلت: وهذا تفسيرٌ لم يَنقل عن أحدٍ ممّن ذُكِرَ عنهُ التفسيرُ منْ أهل العلمِ، ولا سمعناه إلاّ في كتابهِ، وهو غيرُ صحيحٍ، ولا يليقُ بمعنى الآية. فإنّ المفسّرين للقرآن مُجْمِعون على أنّ الآية نزلت في حقّ أبي طالبٍ، عم النبيّ ﷺ ، لأنّه كان يَنْهى الكفارَ عن أذى النبيّ، ﷺ ، ويصدّهم عن قتله ولا يؤمن هو بهِ ولا بما جاءَ به، فكانَ النبيّ ﷺ ، يُحبُّ أنْ يُسلم، ويعرضُ عليهِ من ذلك فيأبى لِما سبق لهُ من التقدير، ونزلت الآية فيه قوله تعالى: (إنك لا تَهدي مَنْ أحببت ولكنّ الله يَهْدي مَنْ يشاء) أخبرنا أبو الحسن بنُ أيوبَ، قال: أنبأ أبو عبد الله بنُ الخلاّل، قال: أخبرنا أبو علي الكُشاني، ثنا أبو
عبد الله الفِرْبريّ، ثنا أبو عبد الله البخاري، ثنا محمود، ثنا
стр. 232
عبدُ الرزاق، أنبأ مَعْمَرُ عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبيه أن أبا طالبٍ لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي، ﷺ ، وعنده أبو جهل، فقال: أي عم قلْ: لا إله إلاّ الله، كلمة أحاجُّ لكَ بها عندَ الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أميّة: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبدِ المطّلب؟ فلم يزالا يكلّمانه حتّى قال آخرَ كلِّ شيءٍ، كلّمهم هو على ملّة عبد المطلب؟ فقال النبيّ، ﷺ : لأستغفرنّ لهُ ما لم أُنْهَ عنه ونزلت: (ما كان للنبي والذينَ آمنوا معهُ أن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين)، الآية، ونزلت: (إنك لا تَهْدي مَنْ أَحببتَ).
وروى مسلم بن الحجاج في كتاب الصحيح بإسناده عن يحيى بن سعيد
стр. 233
عن أبي حازم الأشجعيّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ ، لِعمِّه عند الموت: قل لا إله إلاّ الله أشهدُ لك بها يومَ القيامة، فأبى، قال: لولا أن تعيّرني قريشٌ، يقولون: حمَله على ذلك الجَزَع، لأقررتُ بها عينك، فأنزل الله تعالى: (إنك لا تهدي مَن أحببتَ ولكنّ الله يهدي من يشاء) القصص. وكان أبو طالب في أوّل ما دعا النبيُّ إلى الله تعالى يَمْنَع قومَه من أن يصلَ
стр. 234
أحدٌ منهم إلى أذيّة النبيّ ﵇، وله شعرٌ كثيرٌ قاله يردُّ على قومه ما أرادوا بالنبيّ، ﵇، منه قوله:
كذبتم، وبيت الله يُخْزى محمّدٌ ... ولمَّا نُطاعنْ دونَهُ ونناضل
فأنزل الله فيه: (وهم يَنْهَونَ عنهُ ويَنْأَوْنَ عنه) هذا هو المعروف في تفسير الآية، ذكره أهلُ التفسيرِ في كتبهم، وعلماءُ العربية في معاني القرآن المؤلّفة لهم.
أنبأنا أحمدُ بنُ محمّد بنِ النقور، وأخبرناهُ عنه جماعة، قالَ: أنبأ محمد بن عبدِ الرحمنِ، قال: حدّثنا رضوان بنُ أحمد، ثنا أحمد بنُ عبدِ الجبّار العُطارديّ قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيْر، عن قَيْس بنِ
стр. 235
الربيعِ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، قال: حدّثني مَنْ
سمع ابنَ عبّاس يقولُ في قوله تعالى: (وهُم ينهَوْنَ عنه ويَنْأَوْنَ عنه): نزلتْ في أبي
стр. 236
طالب كان ينهى عن أذى محمدٍ وينأى عمّا يجيء به أو يتبعه.
أخبرنا علي بن الحسين بن البزّاز، أنبأ الحسين بن محمّد الخلاّل، أنبأ إسماعيل
стр. 237
بن محمد الكشَانيّ، ثنا محمّد بن يوسفَ، ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، ثنا مسدِّد، ثنا يحيى، عن سفيان، ثنا عبد الملك، ثنا عبدُ الله بن الحارث، ثنا العباس بن عبد المطلب، قال: قلتُ للنبيّ، ﷺ : ما أغنيتَ عنْ عمّك، فإنّه كان يَحوطُك ويغضب لك؟ قالَ: هو في ضَحْضاح مِنْ نارٍ، ولولا أنا لكانَ في الدَّرْك الأَسفل منَ النارِ.
стр. 238
وما ذكره المؤلّف من قوله: ينْهونَ الناسَ عن متابعةِ الرسولِ، ويَتَباعدون عنه، فلا يليق بمعنى الآية، لأنّ كفّار قريشٍ كلَّهم كانوا يَنْهَونَ عنْ متابعةِ النبيّ، ﵇، ويتباعدون عن أذيّته، فهذا معلومٌ لا يحتاجُ إلى نص.
وإنّما الذي كانَ يمنعُ من أذاهُ ويحميهِ من كفّارِ قريشٍ، عَمَّه أبو طالبٍ، ومَنْ معهُ مِنْ بني هاشمٍ، غير أخيه أبي لهب، فإنّه كان يؤذي النبيّ، ﷺ ، ويبلغُ منهُ كلّ مبلغٍ لهُ، ونعياً عليه، فأنزل الله فيه: (تبّت يدا أبي لهبٍ وتَبّ) لأنّه كانَ قالَ للنبيّ، ﷺ ، لمّا دعاهُ وجماعةَ بني هاشمٍ أطعمهم طعاماً، ثمّ دعاهم إلى الإسلام، فقال له: تبّاً لكَ ألهذا دَعَوْتَنا؟. فأنزل الله فيه (تبّت يدا أبي لهبٍ)، وأنزل في حقِّ أبي طالب ومن معه من بني أبيه الذين لم يسلموا وهم ينهون عنه وينأون عنه، فظنَّ المصنّف أنَّ المرادَ بذلكَ كفّار قريشٍ، فأخطأ ظنّه، وفسّر القرآن برأيهِ، والقرآن لا يُفسّر بالظنّ والرأي، وإنّما يفسّر بالنقل والسماعِ عنِ الصحابةِ الذينَ عرفوا في أي سبب نزلَ. فقد روى ابن عباس عن النبيّ، ﵇، أنّه
стр. 239
قال: مَنْ قال في القرآنِ فقدْ تبوّأ مقعده من النار.
стр. 240
ومن ذلك ما وقعَ في لفظه تغييرٌ في باب (النون مع الحاء) في الحديث: يا ليتني
غُوْدِرتُ معَ أصحابي نُحْصَ الجبل. كذا وجدته في النسخ أصحابي، بإثبات ياء الإضافة. وإنما جاء عنِ النبيِّ ﵇: يا ليتني غُودِرتُ معَ أصحابِ نُحْصِ الجبلِ،
стр. 241
بغير ياءٍ، بإضافةِ الأصحاب إلى النُّحْصِ، يعني قُتِلْتُ مع قتلى أُحُدٍ، وهم أصحابُ الجبلِ. والنُّحْص: أسفلُ الجبل.
هكذا روي في المغازي وغيرها، فأما قوله: أصحابي نُحْص الجبل، فلو كان المحفوظُ ذلك لكان بـ نُحْص الجبل، أو عندَ نحصِ الجبل، غير أنّا لم نسمعْهُ إلا بإضافةِ الصحاب إلى الجبل لم يجئ غيرُ ذلك، ولعلّ الكاتب سها في إثبات الياءِ، وبقي ذلك فلم يغيره، والله أعلم.
ومن ذلك ما وقعَ في لفظِه تصحيفٌ، قال في آخر بابِ (النونِ مع الصّاد) في حديث الخُدريّ، فقاتل اللحّام العدوي يومئذٍ وقد أقام على صلبه نصيلاً.
стр. 242
قلت: كذا قال: اللحام بلامَيْن فصحَّفه. وإنّما هو النحّام بالنون، واسمه نُعَيْم بنُ عبد الله بنِ أسعدَ بنِ عَوْف بنِ عُبيد بن عُوَيْج بن عدي بن كعب. . . وكان نُعَيْم قديمَ الإسلامِ، أسلمَ قبلَ عمر بن الخطّاب، ولكنّه أقامَ بمكّة حتّى قُبَيْلَ الفتحِ. وإنّما سُمِّيَ نُعَيمٌ النحّام، لأنّ النبيّ ﷺ ، قال: دخلتُ الجنّةَ فسمعتُ نحمةً من نُعَيْم، والنّحمةُ السّعلة، وقُتِلَ نُعَيْم بالشامِ شهيداً يوم أجنادين في خلافة عمر، ﵄، والنحّامُ مشهورٌ معروفٌ في الصحابةِ، مذكورٌ في كتبِ التواريخِ المؤلفةِ في أسماءِ الصحابةِ والتابعين ومَنْ بعدَهم.
стр. 243
ومن ذلك ما وقع في لفظهِ تصحيفٌ، قالَ في بابِ (النونِ معَ العينِ)، في مقتل عثمان: لا يمنعنّك مكانُ ابن سلاّم أن تسبَّ نَعْثَلاً، قال أبو عبيد: قال ابن الكلبي: إنّما قال أعداء عثمان له نعثلاً لأنّهم شبّهوهُ برجلٍ من مضر كانَ طويلَ اللحيةِ.
قلتُ: هكذا رأيته في النسخ مُضَر بضادٍ معجَمة، مضبوطاً
стр. 244
تَقَعُ على كل ما يدبُّ. إلاّ أنّ العربَ قد فرّقت في كلامها بين الأشباه بالأسماء فلا تستعمل المجاز في
الأسماء عند الضرورة.
ومن ذلك ما وقع في لفظِه تغيير، ذكر في باب (النون مع الواو)، قال: في الحديث: أنّ رجلاً ربطَ الخيلَ فخراً ورياء أو نِواء لأهل الإسلام، أي معاداة لهم.
قلت: الصوابُ أنّ هذا هو من جملة حديثٍ رواه أبو هريرة عن النبي، ﷺ ، أوله: الخيل ثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأما الذي له أجرٌ، فرجل اتخذها للغزو والجهادِ في سبيل الله. واما الذي هي له سترٌ، فرجلٌ اتخذها للنتاجِ والسّابياء والبيع. وأما الذي هي عليه وِزرٌ، فرجلٌ ربطها فخراً ورياء ونواء، لأهل الإسلام. الحديث، وهو مشهور معروف صحيح، قد أُخرجَ في الصحاح، فقول المؤلف: أنّ رجلاً ربطَ الخيلَ، فظنّ أنّه ابتداء حديثٍ فيها ولم يعلم أنّه بعضُ كلامٍ في الحديثِ لقلّة المعرفةِ منه بالحديثِ والآثار.
стр. 245
ومن ذلك ما وقع فيه تغيير، ذكر في باب (النون مع الهاء)، قال: ومنه حديث عائشة: فقادني وإني لأنهج، أي أربو أو أتنفّس.
قلت: وإنّما هو فقادتني، تعني أمها، أمّ رَوْمان لمّا أرادت أنْ تدخلها على النبيّ، ﵇، قالت: فأخذتني من أرجوحة كنت عليها، فقادتني. وأنا أنهج، فسلمتني إلى نسوة من الأنصارفغسلنَ وجهي، وأصلحنَ شأني، ثمّ حمَلتْنّي إلى النبيّ، ﷺ .
والحديث معروف صحيح، وليس لفظه قادني، تعني النبيّ، ﷺ .
ومن ذلك ما وقع في تفسيره للقرآن خطأ، قال في باب (الواو مع الحاء) في صفاته: الواحدُ الأَحَد، ثم ذكر تفسيرهما، قال: الوحيد بنيَ على الوحدة والانفراد عن الصحاب، قال الله تعالى: (ذَرْني ومَنْ خلقْتُ وحيداً)، أي: لم يشركني في خلقه أحدٌ، ويكون وحيداً
стр. 246
صفة المخلوقين، أي: مَنْ خلقته وحده لا مال لهُ ولا ولد، ثم جعلت له مالاً وبنين.
قلت: قوله: لم يشركني في خلقه أحدٌ خطأ، لأنّ الله تعالى خلق الخلق كلّهم متوحّداً لا شريكَ له في ذلك، وليس خاصّاً للوليد بنِ المغيرة الذي نزلتْ في حقّه هذه الآيات والصحيحُ منَ التفسيرِ أنه نعت للوليد، أي خلقته وحيداً، وجعلته ذا مالٍ وبنين عشرةٍ حاضرينَ معهُ في البلدِ لا يغيبون عنه. فأما ما ذكره مِنْ أنّه صفةٌ لله تعالى في هذه الآية فغيرُ صحيحٍ ولا ثابتٍ في التفسيرِ.
стр. 247
قرأتُ في كتابِ أبي مسعود، إبراهيم ابن محمّد الدمشقيّ، أنبأ أبو عمرو بنُ حمْدانَ، ثنا الحسنُ بنُ سُفيان، قال: حدّثنا أبو بكر بنُ أبي شيْبةَ، ثنا ابنُ نُمَيْر،
стр. 248
ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بن مهاجر، قال: سمعتُ أبي يذكر عن مجاهد في قوله : (ذَرْني ومَنْ خلقتُ وحيداً، وجعلتُ له مالاً ممدوداً وبنينَ شهوداً) قال: ذاك الوليد بن المغيرة المخزوميّ. والمال الممدود: ألف دينارٍ، والبنين الشهود. عشرة بنينَ. قال: فلمْ يزلْ يرى النقصانَ في ماله وولده حين تكلّم بما تكلّم به حتّى مات.
стр. 249
وبه حدّثنا أبو بكر، ثنا عبيدُ الله عنْ محمّد بنِ شريكٍ، عنْ ابن أبي نُجَيْح، عن مُجاهِد: (ذَرْني ومَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً)، قال: خلقته
стр. 250
وحده، ليس له مال ولا ولد، ثمّ بسطتُ عليه، وكلُّ إنسانٍ يخلُق وحدهُ، فهذا ما ذكر في التفسير عنْ مُجاهِدٍ، وهو أعرفُ بالتفسيرِ، لأنّه أخذَ عن ابنِ عبّاس.
следующие страницы →