Полный текст (272 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وكذلك لما اختلفوا في قتال مانعي الزكاة رجعوا إلى قوله وغير ذلك من الأمور. فأمّا ما ذكره من تفسير البُقطة - بالباء - أنها البقعةُ من الأرضِ، فقد ذكر ذلك عن بعض أهلِ اللغة، ولا معنى لقولِ عائشةَ، ﵂ في مدحِ أبيها بذلك وإنما هو تصحيف من ناقله.
والمعروف والصحيحُ ما ذكرته أنّه نُقْطةٌ - بالنون - تعني الأمر والقضيّة، وما يتنازعونَ فيه من الاختلاف، هكذا ذكرهُ العلماءُ المحقِّقونَ. فأمَّا ما حكاه عن شَمِر
فغيرُ معروفٍ في تفسير هذه اللفظة، ولا أعلم أحداً ذَكَرَ هذا التفسيرَ الذي ذكرهُ. وكان يجبُ عليه أن ينظرَ في ذلك ويطالعَ كتبَ العلماءِ في غريبِ الحديثِ، لأنّه قالَ: مالي في الكتابِ شيء إلاّ جمعي لهُ من كتبِ العلماءِ، فيا عجباً أما نظرَ في غريب الحديث لأبي عبيد الذي هو الأصل في هذه الكتبِ؟ أو كتابِ إبراهيم الحربيِّ، أو أبي بكرٍ الأنباريِّ فكان ينقل هذه اللفظة على الصوابِ؟ لكنّه عجز عن ذلك فأخطأَ الصوابَ.
стр. 37
ومنْ ذلك ما ذكر في باب الخاء مع النون، قال: في الحديث: واللهِ ما كان سعدٌ ليُخَنِّي بابنه في شقَّة من تمر، أي ليسلمه ويخفرَ ذمّتهُ. وأصله من الخنا، وهو الفُحْشُ، من قولك: أخنى عليه الدهر، أي أهلكهُ.
قلت: في قوله: في شقَّةٍ من تمرٍ، بالشين المعجمة، هكذا وجدته في النُسَخِ مُعجماً بالشين المعجمةِ، وذلكَ تصحيفٌ من ناقلهِ. والصواب: في سِقَةٍ من تمرٍ، بالسِّين المعجمة وتخفيف القاف، وهو جمع القلة على وزن فِعْلة وهو في الحديث مصدرٌ سمِّيَ الأَوْساق به وأراد به القلة.
стр. 38
وهذا حديثٌ رواهُ جابرُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ السُّلمي، في ذكر سَريّة أبي عبيدةَ ابنِ الجرّاح، لمّا بعثَهُ رسولُ الله، ﷺ إلى سِيْفِ البحرِ ليلتقي عيرَ أبي سفيانَ بن حربٍ لمَّا توجَّه إلى الشامِ، وذلك قبل وقعة بدر، ليقطعوا عليه، وزوَّدهم النبيّ، ﵇ جِراباً من تمرٍ، فكان أبو عبيدة، ﵁ يقسِّم على أصحابهِ في كلِّ يوم تمرةً فنفدَ التَّمرُ. وقد أقاموا أيّاماً كثيرةً، فصاروا يَخْبِطون الشَّجرَ بقسِّيهم وعصِيِّهم، ويأكلونَ الورقَ، فسمّوا جَيش الخَبَط.
حتّى ألقى لهم البحرُ دابةً عظيمةً يقالُ لها: العنبرُ، ميتةً فقالوا: كيف نأكُلُها: غُزاةٌ وجِياعٌ وفي سبيلِ الله؟! كلوا فأكَلُوا بضعةَ عَشر يوماً، وكانوا ثلاثمائة رجلٍ، وكانَ مَعَهمْ قيسُ بن سعدٍ بن عُبَادة بن دُلَيْم الأَنْصاريّ الخزرجي، وكان جواداً،
ولم يكنْ مَعَه مالٌ، فلمّا رأى ما لحقَ بالمسلمينَ من الجوعِ والجهدِ نادى: ألا مَنْ يبيعني جزائر بأوساقٍ من التمرِ أعطيه إيّاها بالمدينة؟.
فجاءه أعرابيٌّ فباعَهُ خمسَ جزائر بأوساقٍ من تمر يعطيه إيَّاها بالمدينة،
стр. 39
فقال له الأعرابيّ: أَشْهدْ لي على نَفْسكَ بذلك فأشهدَ له على نفسهِ جماعة من الصحابةِ الذينَ كانوا معهُ في الغَزَاةِ، منهم عمرُ بنُ الخطاب، فقال: ما كنتُ لأشهدَ على رجلٍ لا مالَ لهُ، يدّان في مالِ أبيه. فقالَ الأعرابيُّ: ما كانَ سعدٌ ليخنّي بابنهِ في سقةٍ من تمرٍٍ، وهو يطعمُ الناسَ الطعامَ، ويقري الضيفَ ويحمل النوائب. فذبحَ قيسٌ منها للمسلمين ثلاثَ جزائرَ، ثم منعه أميره أبو عبيدةَ عن نحرِ الباقيتين بإشارة عمر بن الخطاب على أبي عبيدة، وقال: هذا لا مالَ له، ولعلَّ أباه لا يقضي عنهُ، فيضيعُ مالُ الأعرابيِّ، فلأجل ذا منَعَهُ من نحرِ ما بقي.
وبلغ سَعْداً بالمدينةِ ما لحقَ المسلميَن في تلك الغزاةِ من الجوعِ والجهدِ، فقال: إن يكن ظنّي صادقاً فيسخَّر لهم قيسٌ. فلمّا قدم قيسٌ مع أبي عبيدةَ قال له أبوه سعد: يا قيس! ما فعلتَ فيما لحق المسلمين من الجهد؟. . . قال: نحرتُ. قال: أحسنتَ. قال: ثم ماذا فعلتَ؟ قال: نحرتُ. قال: أحسنتَ. قال: ثم ماذا فعلت؟ قال: نحرتُ قال: أحسنتَ، ثم قال: ماذا فعلتَ؟ قال: منعني أميري وقال: لا مال لكَ فأشهدَ له أبوه يومئذٍ حديقةً كثيرةَ النخلِ، ثم أعطى الأعرابيَّ ما كان له من
стр. 40
التمر وزادَهُ. فقال الأعرابيُّ: يا سعدُ مثلُ قيسٍ لا يضيَّعُ. قالَ: نَعَم، ولو بعته جزائرَ ليطعمها للمسليمنَ بجميعِ تمري لأعطيتك ذلكَ.
ولامَ سعدٌ أبا عبيدة وعمَر على ذلكَ، فقالا: خشينا ألا تقضي عنه، فقال: معاذَ الله أنا أعطي مالي الغرباء فأمنعه ولدي وما نفعني في الآخرة أجره؟، فاعتذرا إليه.
هكذا سمعناه في كتب المغازي عن ابن إسحاق، والواقدي، وعبد الرزاقِ، وغيرهم. وسمعناه في مسند أحمد بن حنبل. ﵀ في مسند جابر بن عبد الله
الأنصاري. والحديث معروف مخرَّج في الصحيح، ولم أر في كتابٍ من هذه الكتب إلاَّ سِقةً، بالسين غير معجمةٍ، وهو مصدر وسقَ يسق سِقَةً، أي جمع وأصله وِسْقة على وزن فِعلة جمع القلّة، فسمّي بالمصدر الجمعُ.
وقد سمعناه أيضاً كذلك في فوائد أبي طالبٍ، محمد بن غيلانَ
стр. 41
البزَّاز عن أبي بكر الشّافعيّ بسينٍ غيرِ معجمةٍ. فإن كان هذا الذي وقع في الكتاب بالشين المعجمةِ من المصنف، فقد صحّف كما صحّف غيره، ولم يعرف الحديث بل نقله مصحّفاً. والعجب أيضاً ممن قُرِئ عليه هذا الكتاب من الأئمة الذين قد سمعوا الحديث كيف لم ينبِّهوا على هذهِ اللفظةِ المغيَّرةِ والمصحَّفة غفر الله لنَا ولهُم.
стр. 42
ومنْ ذلكَ ما ذكرَ في تفسيرِ قوله في الحديث: اتَّخذوا دين الله دَغَلاً،
أي يَخْدَعون الناس. وأصلُ الدَّغَل: الشجرُ الملتفُّ الذي يكمن فيه أهلُ الفسادِ. وقال الليث: أَدْغِلوا في التفسير، يقالُ أدغلتُ في هذا الأمر، إذا أدخلت فيه ما يخالفه.
قلت: وهذا ما ذكَرَه وسَها في قوله: أدْغِلوا في التفسير. وذلك خطأُ. وأي تفسيرٍ فسّروا أمراءُ بني مروانَ؟ وإنمَّا الصَّوابُ: أَدْغِلوا في الدِّين لا في التَّفسير، فإنْ كانَ قد حكاهُ عن الليثِ صحيحاً من قولِه: في التَّفسير فهو خطأٌ من الليثِ، وكان ينبغي لهُ أن ينبّه عليه ويذكره على الصوابِ. وإنْ لم
стр. 43
يكنْ ذلك من الليثِ فهو سهوٌ منه وغَفْلَةٌ، وإنما هو أدْغِلوا في الدين.
والحديثُ معروفٌ جاءَ في ولدِ الحكمِ بنِ أبي العاص بن أميةَ، والد مروان الذي ملكَ هو وولده من بعدِه، ولفظه: إذا بلغَ ولدُ الحكَمِ ثلاثين رجلاً اتّخذوا مالَ الله، دُوَ لا، ودين الله دَغَلاً، وعباد الله خَوَلاً.
стр. 44
ومن ذلكَ ما وقعَ تصحيفٌ في لفظهِ وخطأٌ في تفسيره ِ، قال في باب (الراء مع الهاء) في الحديث حسبُكُمْ من الرّهَقِ والجفاءِ ألاّ يُعْرفَ بيتُكَ، أراد النَّوكَ الحُمْقَ،
وألاَّ تدعوَ أحداً إلى طعامكَ.
قلت: هكذا ذكره وضبطهُ: لا يُعرفَ بيتكَ، أرادَ النَّوكَ، وهذا تصحيفٌ قبيحٌ من الغلمانِ المتعلِّمينَ، فكيفَ من العلماءِ الفاضلينَ؟ وتفسيرهُ خطاٌ فاحشٌ يدلُّ على أنَّ قائله لم يجالس العلماءَ والأدباءَ، ولا أئمةَ الحديثِ الحفَّاظَ الفضلاءَ، بل نقلَهُ منَ الكتبِ وصحَّفه تصحيف المعلِّمين المغفَّلينَ الأغبياء،
стр. 45
وإنَّما الصوابُ ما رواهُ الإمامُ أبو عبد الله أحمد بن حنبل في مسنده، والإمام أبو عيسى الترمذيّ، ﵀ في جامعهِ، بإسنادهما عن أبي هريرة أنَّ النبيّ ﷺ خرج إلى السُّوقِ فاشترى سراويلَ منْ رجلٍ، وجاء إلى وزّانٍ يزن بالأجرِ فقال له النبيُّ ﷺ : زِن وأرجِحْ، فسمعَ الوزّان كلاماً لم يعهدْ مثلَه، فسأل عنه الوزّانُ وقال: منْ ذا؟ فقالَ لهُ أبو هريرة حسبُكَ منَ الرَّهْقِ والجّفاءِ ألا تعرفَ نبيّكَ، لا ما صحّفَهُ هذا المصنّف مِنْ قولِه: لا يُعْرَف بيتك، وفسَّره بأعجبَ من تَصْحيفِه.
стр. 46
والحديثُ مشهورٌ منْ أهلِ الرِّوايةِ والدرايةِ، وقد سمعناه أيضاً من غيِر روايةِ أحمدَ والترمذيِّ، فيما رواهُ الشريفُ أبو عبدِ الله بنِ عبد الرحمن الحسنيّ الكوفيّ، فيما جاء في لبس السراويل، قرأت على الحافظ أبي الغنائم النَّرْسي من كتابهِ قال أنبأ محمّد بن عليِّ بن أبي الجرّاح، قال: ثنا الحسنُ بن الطيب
стр. 47
البلخيِّ، قال ثنا عليُّ بن محمد المَروزيِّ، قال: ثنا يوسف بن زيادٍ البصريّ، عن
стр. 48
عبد الرحمنِ بن أنْعُم، عن الأغرِّ أبيّ مسلمٍ، عن أبي هريرة، قال: دخلتُ معَ رسولِ الله ﷺ السّوق، قال: فقعدَ إلى البزّازينَ واشترى سراويل بأربعة دراهمَ. وكان لأهلِ السوقِ رجلٌ يزن بينهم الدراهمَ، قال: فدُعي ليزن ثمن السراويلِ، فقال النبيّ ﷺ : اتزن وأرجحْ، فقال الوزان: إنّ ذا القول ما سمعته من أحدٍ من الناسِ، فمن أنتَ؟ قال أبو هريرة: فقلت: حسْبُكَ من الرّهقِ والجفاء في دينك ألا تعرفَ نبيَّكَ.
стр. 49
قال الوزّان: هذا نبيُّ الله؟ فألقى الميزانَ ووثبَ فأخذَ بيدِ النبيِّ. صلى
الله عليه وسلم ليقبِّلها. قال: فجذبَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمو قال: مَهْ. إنما يفعلُ هذا الأعاجمَ بملوكها وإني لستُ بملكٍ، إنَّما أنا رجلٌ منكم. قال: ثمَّ جلسَ فاتَّزن الدَّراهمَ وأرجحَ كما أمرَهُ النبيُ، ﷺ . فلما انصرَفْنا تناولتُ السراويل عن رسول الله ﷺ لأحمله عنه، فمنَعَني وقال: صاحبُ الشيءِ أحقُّ بحملِه، إلاَّ أن يكونَ ضعيفاً يعجزُ عنهُ فيعينُه عليه أخوه المسلمُ. قلتُ يا رسولَ الله: وإنك لتلبس السراويل؟ قال: نعم بالليل والنهار، وفي الحضرِ والسفرِ قال يوسف: وشككت في قوله: مع أهلي، إني أمرت بالستر فلم أجد ثوباً أستر من السراويل.
стр. 50
وهذا يدل على أنه كان صحفياً يأخذ العلم من الصحف لا من ألفاظ العلماء الذين عنوا بالحديث والأدب، بل شغله عن ذلك اشتغاله بكسب الورق والذهب، وإقباله على جمع ذلك بتعليم الصبيان والطلب.
ومن ذلك ما ذكره في باب: السين مع الكاف في ذكران السكينة أن محمد بن علي لما دفن ابن عباس خرج من قبره طائر قال: هذا علمه.
قلت: هكذا ذكر، وقد سَمِعَ شيئاً فلم يُتْقِنهُ، وحكاهُ وأخطأَ فيه ولم يحفظهُ،
стр. 51
وإنَّما المعروف المشهور والصحيح والمحفوظ أنَّ ابن عبَّاس، ﵄، لمّا حمل ليدفَنَ جاء طائرٌ فدخلَ معه في قبره ولم يخرجْ، فقال محمّد بن عليّ - وهو ابن الحنفيّة -: هذا علمُه دَخَل معهُ.
وكان ابنُ الحنفيّة قد تولّى غسلَه وتكفينَه والصلاةَ عليهِ ودفنَهُ بالطائفِ، وكان أوصى إليه بذلك. هكذا ذكرَهُ الزُّبير بن بكار في كتابِ النَّسبِ. تأليفَه وهو سماعنا من جماعةٍ من الشيوخِ،
стр. 52
وكذلكَ ذكرَهُ غيْر الزبير منَ العُلَماء بالأخبارِ المؤرخينَ.
أخبرنا الشيخُ الثقةُ أبو الحسينِ، أحمدُ بنُ محمدِ بنِ النَّقور البزازّ، وكتبَ لنا بذلكَ خطَّه في سنةِ ثمانٍ وستين وأربعمائةٍ، وأخبرَنَا عنه إسماعيلُ بنُ أبي بكرٍ المقرئ ويحيى بنُ عبدِ الرحمنِ الأميِن المعدّل بقراءتي على كلِّ واحدٍ منهما، قال: ثنا
стр. 53
عيسى بن عليّ قال: ثنا أبو بكرٍ النيسابوريّ، قال: ثنا أحمد بن منصور بن راشدٍ، قال: ثنا عليّ بن الحسن قال: أنبأَ الحسيُن بنُ
стр. 54
واقدٍ قال: ثنا أبو الزُّبيرِ، قالَ: لمَّا مات عبد الله بن عباس، ﵄ جاء طائرٌ من السماءِ أبيضُ فدخل في أكفانهِ.
وأنبأ أبو الحسين بالإسنادِ، قالَ: ثنا أحمدُ بنُ منصورٍ، قالَ: ثنا عليّ
стр. 55
قال: حدَّثنا أبو حَمْزة، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْر مثلَه، وزادَ فيهِ: فما رُئيَ خرجَ بعدهُ.
стр. 56
هذا هو المحفوظُ، فأمَّا ما ذَكَرَه فهوَ سَهْوٌ منهُ وتغييرٌ للروايةِ ومن ذلكَ ما ذكَرَهُ في هذا البابِ من ذكره السيّد، وقال: هو كقوله لسعدٍ حين قالَ: قوموا لسيِّدكم، أرادَ: أفضلِكُم رجلاً.
قلت: والمعروف أنه قال: قوموا إلى سيّدكم، قاله النبيّ ﵇ لجماعةٍ من الأنصار، لمّا جاء سعدُ بن معاذ، ﵁، محمولاً على حمارٍ وهو جريحٌ أصابه سهمٌ يومَ الخندقِ ليحكمَ في بني قريظة لما نقضوا العهدَ، وكانوا حلفاءَه، فنزلوا على حُكمِه فيهم أن يقتلوا، وتُسبى نساؤهم وذريّتهُم، فقال النبيّ ﷺ : لقد حكمتَ فيهم حكمَ الملكِ. وقال لجماعةٍ من الأنصار كانوا في المسجد لمّا جاء سعدٌ قوموا إلى سيِّدكم، أي أنزلوه واحملوه، لا قوموا له من القيام، فإنّه منهيٌّ عنهُ. وإنما أرادَ بالسيِّد الرئيسِ والمتقدَّم عليهمْ، وإن كان غيره أفضل منهُ.
стр. 57
ومن ذلك ما وقع في لفظه تصحيفٌ وفسَّره على ذلك في باب السين مع الواو، قال: في الحديث لا يضرُّ المرأة ألاّ تنقُضَ شعرها إذا أصابَ الماءُ سُؤْرَ الرأسِ قالَ: يعني أَعلاه وكلّ شيءٍ مرتفعٌ فهو سُؤْرٌ، وفي رواية: شَوَى رَأْسِها وهو جمع شَوَاةٍ وهي جِلْدةُ الرَّأسِ.
قلت: والروايتان اللتان ذكرهما غير معروفتين في الحديث، وإنما المحفوظُ في
الحديثِ: شُؤُون رأسها، يعني أصول الشعرِ
стр. 58
وطرائق الرأس وهذا في اغتسال المرأة من الجنابة لا الحيْضِ، ليسَ عليها أن تنقضَ شعرها في غَسْل الجنابةِ إذا وصلَ الماءُ إلى أصولِ الشعرِ وشؤون الرأسِ، فليسَ عليها غير ذلك. ولم يرِد ما ذكرهُ منْ أَعْلى الرأسِ، فإنَّ المَرْأةَ إذا أفاضتْ عليها الماءَ لغسلِ الجنابة فأصابَ الماءُ أَعْلى الرأسِ والشعرِ ولم يصلِ الماءُ إلى أصولِ الشَّعرِ وشؤونِ الرأسِ لم تكْمُلْ طهارتُها، ولم يرتَفع حدثها حتّى تُروَّى أصول الشعر. وهذا يقبح بمثله ألا يعرف حكم الغسل منَ الجنابة الذي يعرفه النساءُ.
стр. 59
ومن ذلك ما وقعَ في لفظِه تغييرٌ في هذا البابِ أيضاً، قال: وفي الحديث رأى بعبدِ الرَّحمنِ وَضَراً فقال: مَهْيَم؟ قال: تزوّجتُ امرأةً من الأنصارِ، فقال: ما سُقْتَ منها؟، أي: أمهرت منها بدلَ بُضعِها، والعربُ تضع من موضع البدل، هكذا ذكره.
قلت: وهذا تعسّفٌ وتكلُّفٌ في التَّفسيرِ، وتغيير للفظِ الرسولِ الذي خلقه الله أَفْصَح الخلقِ وأكرمَهمْ ﷺ ، وهذا حديثُ عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ، ولفظُه: رأى بعبدِ الرَّحمنِ وَضَراً، يعني أثرَ الصُّفرة التي كانتِ العربُ يستعملونَها عند التزويجِ: إمَّا بخلوقٍ أو زَعْفرانٍ أو غير ذلك.
فقال: مَهْيم، قال: تزوجت امرأةً من الأنصارِ. قال ما سُقْتَ إليها؟ أي ما أعطيتَها من المهْر؟ قال: وزنَ نواةٍ
стр. 60
هذا لفظ الحديثِ، هكذا سمعناه في الصحيح وغيرهِ، وهكذا ذكره أبو عبيدٍ القاسم بن سلاّم البغداديّ في كتابه غريب الحديث وفسّره وهو معروفٌ لا أحتاجُ إلى ذكرِ ذلكَ لشهرَتِه عندَ أهلِ العلمِ فأمّا ما قالَه من تغييرِ اللفظِ وروايته لفظةً غير معروفةٍ في الحديثِ فتكلُّف ومخالفةٌ لحديثِ الرسول من غيرِ روايةٍ منه مسندةٍ بل من قبلِ رأيهِ ليخالف فيعرفَ، كما قيل في أمثال العوامِّ: خالفْ تعرفْ عفا الله عنّا وعنهُ.
وأمّا تفسيره ما ذكره من قوله: سُقْتَ منها؟، أي: أمهرت منها بدل بضعها، والعرب تضع من موضع البدل، فهو تفسير مختل اللفظ، أراد أن يقول: أمهرتَها فقال: أمهرتَ منها، فأتى باللفظ بعينه.
стр. 61
وقوله: والعرب تضع مِنْ موضعَ البدلِ، ولم يبيّن أيّ بدل هو، أراد أنْ يقولَ: تضع مِنْ موضعَ إلى، لأن حروفَ الصفاتِ يدخلُ بعضُها على بعضٍ، فيريدُ بقولهِ: سقتَ مِنْها أي إليها فقصر في العبارة، وغلبت عليه لغة العجم.
وفي رواية أخرى سقت فيها، أي إليها، وتقع في موضع إلى، فأمّا قوله منها فغيرُ معروفٍ.
стр. 62
ومن ذلك ما وقع في لفظِهِ تبديلٌ وخطأٌ وتغييرٌ، ذكرَ في بابِ الهمزةِ مع الزاي، في تفسيرِ الأَزْم، قال: وقال أبو بكر الصديق ﵁: نظرتُ يومَ بدر إلى حَلْقةِ درعٍ قد نشبِت في جبينِ رسولِ الله، ﷺ فانكبَبْتُ لأنْزَعَها، فأَقْسَم عليَّ أبو عبيدة فأزمَ بها.
قلتُ: قولُه: يومَ بدرٍ خطأٌ منَ الناقل، وإنمَّا كانَ هذا في يومِ أُحُد، لا يوم بدر، لأنَّه ﷺ يومَ أُحُدٍ لبسَ لأمته وباشرَ القتالَ، لمَّا اختلطَ المسلمون واشتغلوا بأخذِ أموال المشركين، وكرَّ المشركون بعد انهزامِهِم، وصاحَ الشيطانُ وكان النبي ﷺ قد ثبت ومعهُ جماعةٌ منَ الأَنْصارِ فقُتِلوا ضَرَبَهُ ابن قميئة أقمَأَهُ الله - على المغِفَرِ، فنَشَبَ حِلَقُ المِغْفَر في جبينِه ووجنته، صلى الله عليه وسلم
стр. 63
وذلك مشهورٌ في المغازي وغيِرها.
فأمَّا يومَ بدرٍ فإنه ﷺ كانَ في العريش الذي عَمِلَ لهُ، يدعو الله تعالى ويناشدُه إنجازَ ما وعدَهُ منَ النَّصرِ، وكانَ أبو بكرٍ، ﵁ قائماً معه في العريشِ يحفظهُ منَ العدوِّ، وجماعةٌ حواليهِ منَ الأنصارِ. ولم يباشِرْ رسولُ الله ﷺ يومئذٍ القتالَ. هذا مشهورٌ معروفٌ عندَ أهلِ العلمِ،
فإنْ كانَ سَهْوَاً منَ المصنّف فهوَ مَعْذورٌ، ولا يعذر من رواه عنه من أهل العلم الذين سمعوا السيرة فلم ينبّهوا عليه. وإنْ لم يكُنْ سَهْوَاً منه، وكانَ عَمْدَاً دلَّ على أنَّه لمْ يكُنْ ذا علمٍ بالسِّيرةِ والمَغازي فوقَع منهُ التغييرُ والخطأُ.
стр. 64
ومن ذلكَ ما ذكرَ في بابِ: الحاءِ مع الدال، ووقعَ فيهِ تغييرُ لفظِ، قالَ: وفي الحديثِ لا يحلُّ لأحدٍ أن يُحِدَّ، على مَيْتٍ أكثرَ منْ ثلاثةِ أيامٍ. وإنّما لفظُ الحديثِ: لا يحّل لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أنْ تحدّ على مَيْتٍ أكثرَ منْ ثلاثةِ أيامٍ، إلاَّ على زوجٍ.
والحديثُ صحيحُ ولم يُسْمَع ما ذكره من قولِه: على أحدٍ في هذا الحديثِ، ولا تجوزُ هذه الرِّواية لأنَّ الإحدادَ تركُ المرأةِ المتوفَّى عَنْها زوجها الزينة واستعمال الطيبِ وغيرِه منَ الزَّعْفرانِ والورسِ وإذا رُويَ لأحد دخلَ فيهِ الرجالُ والنساءُ، ولا يجوزُ للرَّجلِ تَرْكُ الطيبِ والزينةِ إذا ماتَتْ زوجتُه أو قريبُه أو صديقُه. وإنَّما الإحدادُ للنساءِ اللاتي يموتُ أزواجهنَّ لا غيرُ ولا يحلُّ
стр. 65
للمرأةِ أنْ تحدَّ إلاّ على زوجٍ فقط، أربعةَ أشهرٍ وعَشْراً، ولا تحدُّ على غيرِه من أقارِبها إلاَّ ثلاثةَ أيامٍ، هكذا قالَ رسولُ الله ﷺ .
ومنْ ذلكَ ما وقعَ في استشهادِه تصحيفٌ في بيتِ شعرٍ ذَكَرَهُ في بابِ الهمزةِ مع اللامِ، قالَ: في الحديثِ ومَجامِرُهُمْ الأَلُوّة، قال الأصمعيَّ هوَ العودُ الذي يُتَبَخَّر بهِ، وأُراها كلمةً فارسيةً عُرِّبت. قالَ الأصمعيّ: وقالَ بعضُهم: لَوَّةٌ ولَيَّةٌ،
стр. 66
قالَ أبو عبيدٍ: فيها لغتان ألوَّة وأُلوَّة، بفتح الهمزةِ وضمِّها وتجمعُ الالوَّة ألاويّة، قال الشاعر:
. . . . . . . . . . ... بأعوادِ رَنْد أو ألاويَّةً شُهْرا
هكذا رواه: شُهْرا، بالهاء وصحَّفَ، والصَّوابُ: شُقْرا، بالقافِ لأنَّ العودَ لونُه أَشْقَرُ.
стр. 67
ومن ذلكَ ما ذَكَرَ في بابِ: الهمزة مع الجيم، ووقعَ فيهِ تبديلُ اللفظِ، قالَ: في الحديثِ مَنْ باتَ على إجَّارِ:
стр. 68
الإجّار: السَّطح الذي حواليه ما يردّ المُشْفي، وجَمْعُهُ أَجَاجير وأَجَاجِر، والإنجارُ لغةٌ فيهِ.
وجاءَ في المبعث فتلَقَّى الناس رسول الله ﷺ في السُّوقِ وعلى الأَجاجِير يعني السُّطوحَ.
قلتُ: قوله: في المَبْعَثِ، خطأٌ وتبديلٌ. وإنَّما هذا في حديثِ الهجرة لمّا قدمَ النبيّ ﷺ المدينةَ، لا في المَبْعَثِ، لأنّ المَبْعَثَ كانَ بمكَّةَ قبلَ الهجرةِ بثلاثَ عشرة سنةً.
وقوله: السّوق أيضاً خطأٌ وتغييرٌ للفظِ الحديثِ، وإنَّما جاءَ: وتلقَّوهُ في الطُّرقِ وعلى الأَناجير. هكذا سمعناهُ في مسندِ أبي بكرٍ الصديقِ، ﵁، حديثُ الهجرةِ رواهُ البَراءُ بنُ عازبٍ عن أبيهِ أبي بكرٍ، وأخرجه البخاريّ في صحيحِه
стр. 69
ومنْ ذلكَ في بابِ: الراءِ مع الباءِ، قال: ومنهُ الحديثُ ألكَ عليَّ نِعمَةٌ تَرَبُّها؟. قلتُ: وهذا تغييرٌ للفظِ حديثِ رسولِ الله ﷺ . وإنَّما لفظُ الحديثِ: أَلَهُ عندكَ نعمةٌ تربّها؟. وهو حديثُ أبي هريرةَ المرفوع في الذي زارَ أخاً له في الله فأرْصَدَ الله ملكاً على مَدْرَجَتِه، الحديث، وهو مشهور مخرَّج في الصحيحين.
ومن ذلك في باب: الراءِ مع الكاف، قال: في حديثِ أبي بكر: ثمّ ركبتُ أنفي، أي ضَرَبْتُ.
قلتُ: وهذا تغييرٌ منهُ للفظِ الحديثِ، يدلّ على أنّه لم يسمعِ الحديثَ ولم يكتُبْه،
стр. 70
وإنّما هذا حديثُ المغيرةِ بنِ شُعبة الثقفي، ﵀، قال: كنتُ عندَ أبي بكرٍ خليفة رسولِ الله ﷺ ، وكانَ عندَه فرسٌ منْ خيلِ الصدقةِ أراد أنْ يحملَ عليهِ رجلاً منَ المسلمينَ ليقاتل عليه في سبيل الله، فقالَ لهُ رجلٌ عندَه من الأَنصارِ: احمِلْني على هذا الفرسِ - ولم يكن أهلاً لذلكَ. فأبى أبو بكرٍ ذلك وقال:
بل أَحْمِل عليه رجلاً يقاتلُ في سبيل الله. فقالَ له الرجل، لأنا أَفْرَس بالخيلِ منكَ ومنْ أبيكَ قال المُغيرةُ: فركَنْت أنفه بركبتي، أي ضربتُ أنفه، فسال مَنْخَراهُ دَمَاً، فقالَ أبو بكرٍ ما يزعُ السلطانُ أكثرُ ممَّا يزعُ القرآنُ، ولم يقُلْ للمغيرةِ شيئاً، إذ قدْ ذَبَّ عن سلطانِ الله، وعاقَبِ من أرادِ هوانَه.
والحديثُ مشهورٌ محفوظٌ لا يَخْفَى على من قَرَأ الحديثَ والسيرةَ. وقد أَخَبَرْناه الشيوخُ محمَّدُ بنُ الحسين، أبو بكر الفرضيِّ، ويحيى بنُ عبدِ الرحمنِ العَدْلُ،
стр. 71
وإسماعيلُ بنُ أحمدَ المقرئُ، بقراءَتي على كلِّ واحدٍ منْهم، قالوا: أَنْبَأ أبو الحسين بن أحمد بن محمد بن النّقور، قراءةً عليه، ولي منهُ إجازةٌ بجميعِ حديثِه، قالَ: أَنْبَأ أبو طاهرٍ محمَّد بنِ عبدِ الرَّحمنِ المخلص قراءةً عليه، قال: أنبأ رضوانُ بنُ أحمدَ الصَّيدلانيُّ، قال: أنبأ أحمد بنُ عبدِ الجبَّارِ العُطارديّ قال أنبأ يونس بن
стр. 72
بُكَيْر، عن محمَّد بنِ إسحق، قال حدّثني يعقوبُ بنُ عُتْبة بن المغيرة بن الأَخْنَس، قال: قُدِّمْتْ على أبي بكرٍ أفراسٌ فحمل عليها رجالاً منَ المهاجرينَ وعندَهُ رجلٌ منَ الأَنْصارِ، فغَضِبَ الأَنْصاريّ فقامَ إلى أبي بكرٍ فأخذ بمنكبيه فهزّه هزاً شديداً وقال: حَمَلَتْهم وتركتني؟ فغضِبَ أبو بكرٍ فقالَ: ويلكَ أَرْسِلْني، فلما شقَّ على أبي بَكْرٍ قالَ: نَعَمْ حَمَلْتُ عَلَيْها من ركبِ الخيلِ قبلَ أن تنبتَ شِعْرَتُه.
стр. 73
فقامَ المغيرةُ بنُ شعبةَ إلى الأنْصاريّ فركَنَهُ برُكْبَتِه، فدقَّ أَنفَه فسالَ دَمَاً، فقيلَ لأبي بَكَرٍ: أقِدْ مِْنهُ. فقالَ: لا أُقيدُهُ - والله - منهُ، ولا أُنْعِمه عيناً. والله لئنْ كادَ أنْ يَقْتُلَني.
فهذا الحديثُ على وَجْههِ، فأمّا ماقالَه: ركبتُ أَنْفي بإضافتِه إلى نِفْسِه فخطاٌ وتغييرٌ لمعنى الحديثِ وفائدتِه. وأيضاً لا يجوزُ لأنّ أحداً لا يمكنُه أن يَضْرِبَ أنفَ نفسه بركبتِه وهو قائمٌ، هذا ما لا يقدِرُ أحدٌ أن يفعلَه بنفسه، فيصيرَ كَمَا قَرَأَ بعضُ المغفّلين: وابيضَّتْ عيناهُ منَ الكُحْل فقيلَ لَهُ: هذا لا عقلٌ، ولا قرآنٌ، وكذا هذا يصيرُ لا حديث ولا معنى ولا عقلٌ من قائِلِه. وما أظنُّه إلاَّ سَهَا فيه، وكذلكَ مَنْ
رَوَاه عَنْهُ والله أَعْلُم.
стр. 74
ومنْ ذلكَ أنَّه قالَ في بابِ: الراء مع الميم، قال: وفي حديث العبَّاس أنَّه مدحَ رسولَ الله ﷺ فقال في مدحَتِه: (. . . . . . ثمالُ اليَتَامى عِصْمَةٌ للأَرامِل).
قلت: وهذا خطأٌ منه، وإنَّما هذا في شعرِ أبي طالبٍ، عمِّ النبيِّ ﷺ ، مدَحَ به النبيَّ ﷺ في قصيدتِه اللاميّة ويردُّ فيها على قُرَيش. وهي مشهورةٌ معروفةٌ ذَكَرَها الزبيرُ بنُ بَكَّار في أول كتابِ النَّسَبِ وذكرها ابنُ إسحق في أوَّلِ كتابِ المغازي، رواية يونس بنِ بُكَيرٍ، والكتابان سماعُنا.
وأوَّلُ البيتِ الذي ذَكَر آخره:
وأبيضَ يُسْتَسْقى الغَمَامُ بوَجْهِهِ ... ثمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ للأرامِلِ
وأمّا العبَّاسُ ﵇ فمدَحَهُ بأبياتٍ غَيْرِها. وأوّلُها:
من قبلُ طِبتَ في الظِّلال وفي ... مُسْتودعٍ حيثُ يْخَصُف الورقُ
стр. 75
وهي مشروحة في كتاب غريب الحديث لابن قتيبة.
ومن ذلك قال في باب: (الراء مع الواو) أن ابن عمر ركب ناقة فارهةً فمشت به مشياً جيداً فقال:
كأنّ راكبها غصنٌ بمروحةٍ ... إذا تدلَّت به أو شاربٌ ثمل
قلتُ: قولَه: ابن عمر خطأٌ، وإنّما هو عُمَر بن الخطاب، ﵁.
والحديثُ مشهورٌ معروفٌ. وقد ذكرَهُ ابنُ السكّيت استشهاداً على المَرْوحة بفتحِ الميمِ: الأرض الواسعة التي تتخرَّقها الرياحُ، ونسبه إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ، ﵁.
следующие страницы →