Полный текст (272 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وإسماعيلُ بنُ أحمدَ المقرئُ، بقراءَتي على كلِّ واحدٍ منْهم، قالوا: أَنْبَأ أبو الحسين بن أحمد بن محمد بن النّقور، قراءةً عليه، ولي منهُ إجازةٌ بجميعِ حديثِه، قالَ: أَنْبَأ أبو طاهرٍ محمَّد بنِ عبدِ الرَّحمنِ المخلص قراءةً عليه، قال: أنبأ رضوانُ بنُ أحمدَ الصَّيدلانيُّ، قال: أنبأ أحمد بنُ عبدِ الجبَّارِ العُطارديّ قال أنبأ يونس بن
стр. 72
بُكَيْر، عن محمَّد بنِ إسحق، قال حدّثني يعقوبُ بنُ عُتْبة بن المغيرة بن الأَخْنَس، قال: قُدِّمْتْ على أبي بكرٍ أفراسٌ فحمل عليها رجالاً منَ المهاجرينَ وعندَهُ رجلٌ منَ الأَنْصارِ، فغَضِبَ الأَنْصاريّ فقامَ إلى أبي بكرٍ فأخذ بمنكبيه فهزّه هزاً شديداً وقال: حَمَلَتْهم وتركتني؟ فغضِبَ أبو بكرٍ فقالَ: ويلكَ أَرْسِلْني، فلما شقَّ على أبي بَكْرٍ قالَ: نَعَمْ حَمَلْتُ عَلَيْها من ركبِ الخيلِ قبلَ أن تنبتَ شِعْرَتُه.
стр. 73
فقامَ المغيرةُ بنُ شعبةَ إلى الأنْصاريّ فركَنَهُ برُكْبَتِه، فدقَّ أَنفَه فسالَ دَمَاً، فقيلَ لأبي بَكَرٍ: أقِدْ مِْنهُ. فقالَ: لا أُقيدُهُ - والله - منهُ، ولا أُنْعِمه عيناً. والله لئنْ كادَ أنْ يَقْتُلَني.
فهذا الحديثُ على وَجْههِ، فأمّا ماقالَه: ركبتُ أَنْفي بإضافتِه إلى نِفْسِه فخطاٌ وتغييرٌ لمعنى الحديثِ وفائدتِه. وأيضاً لا يجوزُ لأنّ أحداً لا يمكنُه أن يَضْرِبَ أنفَ نفسه بركبتِه وهو قائمٌ، هذا ما لا يقدِرُ أحدٌ أن يفعلَه بنفسه، فيصيرَ كَمَا قَرَأَ بعضُ المغفّلين: وابيضَّتْ عيناهُ منَ الكُحْل فقيلَ لَهُ: هذا لا عقلٌ، ولا قرآنٌ، وكذا هذا يصيرُ لا حديث ولا معنى ولا عقلٌ من قائِلِه. وما أظنُّه إلاَّ سَهَا فيه، وكذلكَ مَنْ
رَوَاه عَنْهُ والله أَعْلُم.
стр. 74
ومنْ ذلكَ أنَّه قالَ في بابِ: الراء مع الميم، قال: وفي حديث العبَّاس أنَّه مدحَ رسولَ الله ﷺ فقال في مدحَتِه: (. . . . . . ثمالُ اليَتَامى عِصْمَةٌ للأَرامِل).
قلت: وهذا خطأٌ منه، وإنَّما هذا في شعرِ أبي طالبٍ، عمِّ النبيِّ ﷺ ، مدَحَ به النبيَّ ﷺ في قصيدتِه اللاميّة ويردُّ فيها على قُرَيش. وهي مشهورةٌ معروفةٌ ذَكَرَها الزبيرُ بنُ بَكَّار في أول كتابِ النَّسَبِ وذكرها ابنُ إسحق في أوَّلِ كتابِ المغازي، رواية يونس بنِ بُكَيرٍ، والكتابان سماعُنا.
وأوَّلُ البيتِ الذي ذَكَر آخره:
وأبيضَ يُسْتَسْقى الغَمَامُ بوَجْهِهِ ... ثمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ للأرامِلِ
وأمّا العبَّاسُ ﵇ فمدَحَهُ بأبياتٍ غَيْرِها. وأوّلُها:
من قبلُ طِبتَ في الظِّلال وفي ... مُسْتودعٍ حيثُ يْخَصُف الورقُ
стр. 75
وهي مشروحة في كتاب غريب الحديث لابن قتيبة.
ومن ذلك قال في باب: (الراء مع الواو) أن ابن عمر ركب ناقة فارهةً فمشت به مشياً جيداً فقال:
كأنّ راكبها غصنٌ بمروحةٍ ... إذا تدلَّت به أو شاربٌ ثمل
قلتُ: قولَه: ابن عمر خطأٌ، وإنّما هو عُمَر بن الخطاب، ﵁.
والحديثُ مشهورٌ معروفٌ. وقد ذكرَهُ ابنُ السكّيت استشهاداً على المَرْوحة بفتحِ الميمِ: الأرض الواسعة التي تتخرَّقها الرياحُ، ونسبه إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ، ﵁.
стр. 76
وأنّه قالَ متمثِّلاً لما ركبَ الناقةَ الفارهةَ.
لما ركبَ الناقةَ الفارهةَ. وقد روى ذلك عن أبي عمروِ بنِ العلاء، ﵀.
أخبرنا الشيخُ الإمامُ، أبو محمَّد جعفرُ بن أبي طالبِ القارئ بقراءَتي عليه في
стр. 77
كتابِ المُجَالَسة عن أحمدَ بنِ مروانَ المالكيِّ، قال: أنبأَ أبو القاسمِ، عبدُ العزيزِ بن الحسنِ بنِ الضرّابِ المصريّ، قال: أنبأ أبو الحسن بن إسماعيل، قال: أنبأَ أحمدُ بن مروانَ قال: حدَّثنا إسماعيلُ ابنَ إسحق قال: ثنا
стр. 78
إبراهيم بن الحجاج قال ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا أبو عمرو ابنُ العلاءِ، قال: حدَّثني رجلٌ من أهلِ صنعاءَ، قال: كان عمرُ بنُ الخطَّاب، ﵁، بين مكّةَ والمدينةِ على بعيرٍ حزنٍ، غليظٍ، وكأنَّ رجلاًَ رَثَى له فأَتَاه بناقةَ وطيئةٍ، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ: إنّ بعيرَك حزنٌ فلو ركبتَ هذهَ فَرَكَبَها، فسارَتْ بِهِ ساعةً، ثمَّ قالَ:
كأنَّ راكبها غصنٌ بمروحةٍ ... إذا تدلَّت بهِ، أو شارب ثملُ
ثم أناخَ فنزَل وقال: دونَك ناقتكَ.
стр. 79
ومن ذلك أنَّه ذكر في أول حرف (السين مع الهمزة)، قال: فأخذَ جبريلُ ﵇، بحلْقي فَسَأَبَني، أي خنَقَني، في حديثِ المولدِ.
قلتُ: قوله: في حديثِ المولدِ خطأٌ منهُ وقلَّةُ عِلْمٍ بالسِّيرةِ، وإنَّما هذا في حديثِ المبعث لا المولد، لأنَّهُ في المَوْلِد ما كانَ مكلَّفاً، ما أمرَ بشيءٍ، وإنّما كان ذا في أوّلِ ما جاءَهُ جبريلُ، ﵇ في ابتداءِ المَبْعَث، لمّا قالَ لهُ: اقرأ قالَ: ما أنا بقارئٍ، وهو في حديثِ عائشةَ وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ، ﵄، وهما جميعاً مخرّجان في الصحيح مشهورانِ.
стр. 80
ومنْ ذلكَ أيضاً ما ذَكَرَهُ في هذا البابِ، قال: وفي حديث الاستسقاءِ. قالَ: رأيتُ العبّاس وقدْ طالَ عُمُرهُ وعيناهُ تنضمّان.
قلتُ: هكذا ذكره: عُمُره وتنضمّان. وهذا خطأٌ منه وتصحيفٌ، وقولُ منْ لم يخطر على سمعه سماع الأخبار والآثار، بل يأخُذُها من الصّحفِ وليسَ له بها علمٌ فيصحّفها ويغيرها ويزيل معناها.
والصَّوابُ فيما ذَكَرَهُ: رأيتُ العبّاسَ - يعني عمّ النبيّ ﷺ ، وقدْ طالَ عُمَر - يعني ابنَ الخطّاب، ﵁ أي كانَ أَطْوَلَ منه، وكانَ العبّاس وعُمَر، رضوانُ الله عليهِما، منْ طِوالِ الرِّجالِ الذين كانوا في الجاهليّة يسمّون الرجل منهم: مقبّل الظعينةِ، يقول: يعنون أنّه يكون قائماً على قَدَمَيْه والمرأةُ في هَوْدَجِها، فلو أرادَ تقبيلَها لأمكَنَه ذلك بطولِه. وهم جماعةٌ معدودون يسمّون: مقبّلي الظّعُن، فيعني أنّ العبّاسَ ﵁ طالَ عُمَر، أي فَضَلَ على طولهِ.
وقوله: وعيناه تنضمّان تصحيفٌ، والصَّوابُ: تنْضَخَان، يعني تجريانِ بالدموعِ وسبائبُهْ يعني ذوائبه تجولُ على صدرِه، وكانَ صاحبَ
стр. 81
جُمَّةٍ وشعر، وهذا حينَ استسقاءِ عمرَ بنِ الخطّابِ، ﵁، عامَ الرمادة للناسِ، وصعدَ بالعبّاسِ بن عبدِ المطّلبِ ﵇، المنبر يستشفعُ بهِ، وأمرَه أنْ يدْعوَ فرفَع العبّاسُ يَدَيْهِ وجَرَتْ دموْعُه، ثمَّ دَعَا فسُقي الناسُ.
وهو حديثٌ مشهورٌ معروفٌ مذكورٌ في فضائلِ العبّاس وعمر، رضوان الله عليهما، ذكره الزبير بن بكار في كتاب النسبِ وغيره، ورواه أحمد بن حنبل وغيره في فضائلِ العبّاسِ وهو سماعُنا.
стр. 82
ومن ذلك ما ذَكَرَهُ في باب. (السين مع النون)، قال: في حديث عبدِ الملكِ: إنَّك لسِنَّخفٌ، أي عظيمٌ طويلٌ، وهو السِّنخاف.
قلت: هكذا ذكره - بالسين المعجمة - وهو تصحيف منه. وقد عذرته في تصحيفه في ذلك ألفاظ الحديث، لأنه ليس من شغله ولا صناعته، وهذه لفظةٌ مذكورةٌ، في كتب اللغة مسطورة، لا خفاء بها على المبتدئين، فكيف خفيت عليه وهو يدّعي أنَّه من المحقّقين، الذين حفظوا علم اللغة وصاروا فيها أئمة منتهين؟.
والصواب في هذه الكلمة أنَّها بالشين معجمة. كذلك قرأته على شيخنا الشيخ
الأديب أبي زكريا، يحيى بن عليّ الخطيب
стр. 83
التبريزي الشيبانيّ اللغوي - وكان ضابطاً حافظاً للغة، متقناً - أخذها عن علماء العراق والشام، مثل أبي محمد الدهّان، وأبي القاسم الرقّيّ، وأبي
стр. 84
العلاء المعريّ، وأبي القاسم القصبانيّ، وابن برهان النحويين وغيرهم من العلماء في كتاب الألفاظ، ليعقوب بن السكّيت.
وقد أخبرنا به عن أبي
стр. 85
الحسين بن هلال بن المحسِّن الكاتبِ، عن أبي بكر أحمد بن محمدٍ الجرّاح، عن أبي بكر محمد بن القاسم الأنباريّ، عن أبيه عن عبد الله بن رستم، عن يعقوب بن السكّيتِ، قال:
стр. 86
الشنّخْفُ: الطويل من الرجال، بشين معجمة. وهكذا قرأه في كتاب: الغريب المصنّف عن أبي عبيد القاسم بن سلام على الأديب أبي زكريّا أيضاً بشين معجمةٍ، وأخبرني أنّه قرأه على أبي محمد الدهَّان اللغويِّ. وسمعه من أبي الحسين الكاتب عن ابن الجرّاحِ، عن ابن الأنباريِّ، عن أبيه عن الطّوسيّ.
وكذلك رأيته في غير هذين الكتابين شِنّخف، بشين معجمة. ولو لم يقيده في بابِ السِّينِ معَ النُّونِ لقلتُ: إنَّهُ تصحيفٌ ممَّن رواه عنه، فلمّا قيَّدَهُ في الباب دلَّ على ذلك أنّ التصحيفَ منهُ، عفا الله عنّا وعنه.
стр. 87
ومن ذلك ما ذكرَهُ في بابِ (الشين مع الجيم)، قال: ومنه حديثُ سعدٍ كانوا إذا أردوا أن يطعِموها شَجَروا فَاهَا.
قلتُ: والصوابُ: حديثُ أمِّ سعدٍ، يعني ابنَ أبي وقّاص، ﵁ وكانت أمه لمّا أسلم بمكّة في أوّل الإسلام حلفت ألاّ تطعم طعاماً حتّى يعود إلى الكفرِ، فلمّا أرادوا أن يطعِمُوها شَجَروا فاها، ونَزَلَ فيه قَوْلِه تعالى: (وإنْ جاهَدَاك على أنْ تُشْرِكَ بي ما ليسَ لكَ بهِ علمٌ فلا تُطِعْهُما)، والحديثُ مخرّجٌ في الصحيحِ. ولعلَّه لمّا نقلَهُ في التصنيفِ سَقَطَ عليه في النَّقلِ أمّ فقالَ: حديث سعدٍ، ولفظُ الحديثِ يدلّ على سقوطِ ذِكْرِ أمّ لأنه قال: إذا أرادوا أنْ يُطْعِموها، فدلّ على أنّه في ذكرِ الأمِ،
وليس ذا ممّا يحذف منهُ ذكرُها لدلالةِ الحالِ عَلَيْها وإنْ لم يجرِ ذكرُها كقولِه تعالى: (حتّى توارَتْ بالحِجَابِ)، يعني الشمسَ، لدلالةِ الحالِ، فثبتَ ما ذكرتُه مِنْ تَرْكِه ذلكَ سَهْواً، ولقلّة عِلْمِه بالقصّة.
стр. 88
ومن ذلكَ قالَ في بابِ الشين مع الراء وفي الحديثِ أنَّ النبي، ﷺ ، قال لخوّات بن جبير: ما فَعَل شِرادُكَ؟ يعرِّضُ بقصَّتِه المعروفة مع ذات النِّحْيَيْن.
قلت: هذا إقدامٌ منهُ وقلَّةُ مبالاةٍ بما يُنْسَبُ إلى رسولِ الله ﷺ ما لا يليقُ أنّ يضافَ إلى بعضِ صُلَحاءِ المسلمينَ أن يعرِّضَ بقصةٍ كانَتْ في الجاهليَّةِ قبلَ الإسلامِ، ويعيّر رجلاً منْ أهلِ بدر من الأنصارِ أمراً قدْ عَفَا الله تعالى عنه، لقوله ﷺ الإسلامُ يَجُبُّ ما قبلَه. ولقولِه ﷺ اطّلع ربّكم على أهلِ بدرٍ فقالَ: اعمَلوا ماشئتُم فقد غفرتُ لكم.
стр. 89
فإنْ كانَ عَلِمَ ما عليه من الإِثْم في ذلك، ثمّ أقدَمَ عليهِ جَهْلاً بذلك منه، لقدْ أَقْدَمَ على أمرٍ عظيمٍ. وإنْ كانَ غفلةً منه وسَهْواً من غيرِ اعتقادٍ منهُ لذلكَ رجوتُ له إذا تابَ أن يُغفر له ذلك.
وإنَّما قال ﷺ ذلك لخوّاتٍ يوماً - ورآه واقفاً ينظر إلى نسوةٍ منَ الأَعْرابِ في بعض الطُّرُقاتِ، وكانَ العهدُ قريباً بالإسلامِ، وكانوا على عادَتِهم في حالِ العربِ ما لم يُنْهَوا عن أمرٍ من أمورِهم، وقبلَ نزولِ قولِه تعالى: (قلْ للمؤمنينَ يغضّوا من أبصارِهم ويحفظوا فروجهم)، فقال له النبي: ما هذا ياخوّات؟ قال: يا رسول الله بعيرٌ شردَ لي فأنا أتبعه وأسأل عنه. فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، ثم رآه بعد ذلك فقال: ما فعَلَ شرادُك يا خوّات؟. فقال: ذهب يا رسول الله.
والحديثُ مشهورٌ، وهو في فوائدِ عبدِ الله بنِ مخلدٍ، وفيه قصةٌ مذكورةٌ فيه،
стр. 90
قال
خوّات: فكنتُ أَسْتَحي منْ رسولِ الله ﷺ ، إذا لقيتُه وأتَوَارَى عنه. فدخَلَ يوماً المسجدَ وأنا أُصَلّي، فلمّا رأيتُه قمتُ في الصّلاة وأطلتُها، فلمّا رأى رسول الله ﷺ ، ذلك منّي قعد وقال: لستُ بارحاً فإنْ شئت فَأَطِل وإنْ شئتَ فَأَوْجِز فلمّا رَأَيت ذلك أَوْجَزْتُ وسلّمت، ثم أتيتُ رسولَ الله ﷺ ، فقعدتُ بينَ يديهِ مُطْرِقاً وسلَّمتُ عليه، فقالَ: ما أقامَكَ عنِ النِّساء؟ وما فعل شِرادُك؟. فقلتُ: يا رسولَ الله لا أعودُ واعتذرتُ. فقبلَ النبيُّ، ﷺ عُذْري وهذا حديثُ خوّات بإسنادِه، خرّجته أدُلّ به على صحّةِ ما ذكرْتُه.
أخبَرنا أبو الحسين، أحمدُ بنُ محمَّد بنُ أحمد بن النّقور البزّاز، إجازةً تلفّظ ِبها، وكتبَ لنا خطّه بها. وأخبَرنا عنهُ أبو القاسم بنِ أبي بكرٍ المُقرئ، قراءةً عليه قالَ: أنبأ القاضي أبو محمّد عبدُ الله الأسدي الأَكْفانيّ قراءةً عليه في يومِ
стр. 91
الأَحد الثامنَ عشرَ من شهرِ ربيعٍ الأوّل من سنةِ خمسٍ وتسعينَ وثلاثمئةٍ، فأقرَّبه، قال: حدّثنا أبو عبدِ الله محمَّد ابنِ مخلدٍ العطار، قال ثنا أبو يحيى زكريّا بن يحيىبنِ الحارثِ بنِ مَيْمون البصريّ، شريك السرّي سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ عن أبيهِ قال: سمعتَ زيدَ بن أسلم
стр. 92
يُحدِّث أنّ خوّات بن جُبَيْر، قال: نزلتُ مع رسولِ الله ﷺ مرَّ الظّهران. فخرجتُ من خِبَائي فإذا نسْوةٌ يتحدّثن، قال: فأعجبْنَني. قالَ: فَرَجَعْتُ فَأَخْرَجْتُ حلّةً من عَيبتي، فلبستُها ثم جلست إليهنّ، وخرج رسول الله ﷺ من قبّته، فقال: يا أبا عبد الله ما يجلسك إليهن، فقال: فبهت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله: جمل لي شرد، فأنا أبتغي له قيداً. قال: فمضى رسول الله فتبعته، قال: فألقى إليّ رداءه ودَخَلَ الأراك، فلَكَأَنِّي أَنْظُر إلى بياضِ قَدَمَيْه في خُضْرةِ الأَراكِ فقضى حاجَتَه وتَوَضّأ ثمّ جاءَ وقال: يا أبا عبدِ الله ما فعلَ شرادُ جملكَ؟ ثمَّ
ارتَحَلْنا فَجَعَلَ لا يلحقني في السَّيرِ إلاَّ قالَ: السَّلامُ عليكُم أبا عبدِ الله ما فعَل شِرادُ جملكَ؟. قال: فتعجّلْتُ إلى المدينةِ، فاجتنبت ساعةً المسجدَ ومجالسة رسول الله، فلمّا طال ذلك عليّ تحيَّنت ساعةَ خلوةِ المسجدِ فجَعَلْتُ أصلّي. فخرجَ رسولُ الله ﷺ من بعضِ حجره، قال: فجاءَ فصلّى ركْعَتَين خفيفَتَين، ثم جَلَس وطوّلتُ الصلاةَ رجاءَ أنْ يَذْهبَ ويدَعَني، فقال: طوِّل أبا عبدِ الله ما شئتَ فلستُ بقائمٍ حتّى تنصرفَ. فقلتُ: والله لأعتذرنّ إلى رسولِ الله، ولأبرّئن صدرَه. قالَ: فانصرفْتُ فقالَ: السلامُ عليكُم أبا عبدِ الله، ما فعلَ شرادُ الجملِ؟ فقلْتُ: والذي بعثَكَ بالحقِّ ما شردَ ذلكَ الجملُ منذُ أسلَمْتُ.
стр. 93
فقالَ رَحِمَكَ الله مرَّتين أو ثلاثاً، ثمّ أَمْسَك عنِّي فلم يَعُد.
стр. 94
فهذا الحديث يدلّ على ما ذكرتُ في قوله: ما فعلَ شرادُكَ؟، لا ما قالَه المؤلفُ في معنى ذاتِ النّحْيَيْن فأَخْطَأَ الصواب. ولم يكن النبيّ، ﷺ يلومُ رجلاً من أصحابِه في أمرٍ قدْ عفا الله عنه، وأذهبَهُ بالإسلامِ، كانَ في الجاهليّة. وإنّما عَتَبَ عليه في أمرٍ كانَ منهُ في الإسلام أقلع عنه، وتاب منه، ولأنّ قصَّةَ ذات النّحيين مشهورة عند أهل العربية، ولم يكن ثمّ شرادٌ. وإنّما تقعُ منْ هذا المصنِّف هذه السَّقطات لقلّة معرفته بالأخبارِ والآثارِ، وأنّه لمْ يعرِف إلاّ قصةَ ذاتِ النّحيين لأنّه قد عَرَفها من كتبِ اللغةِ، وضربتِ العربُ به المثل، فقالوا: أشْغَلُ مِنْ ذَاتِ النِّحْيَيْنِ فَحَمَلَ فعلَ الجاهلية وما جرى فيها ممّا عفا الله عنه بالإسلامِ على الصّحابة، وأضافَ إلى رسولِ الله، ﷺ ، ما لا يليقُ بأخلاقهِ الشريفةِ، التي قال الله تعالى: (وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عظيمٍ).
стр. 95
وكان ﷺ يكرَهُ أن يَلْقَى أحداً في وجْهِه بما يَكْرَه، هكذا روى أنسُ بنُ مالكٍ وغيره من الصحابة عنه، فكيف يجوز أو يحلّ لأحدٍ أن يقولَ: إنّ رسول الله ﷺ عرّضَ لرجلٍ من أصحابِه من أهلِ بدرٍ بفعلٍ كانَ منهُ قبلَ الإسلامِ في الجاهليّة؟ فلقد باءَ قائلُه بإثمٍ عظيمٍ، وخُسرانٍ مُبينٍ، إنْ لمْ يُعْفَ
عنه بتوبةٍ منه، وندمٍ على ما قالَه، واستغفارٍ في الحالِ، خوفاً من سوءِ المآلِ.
стр. 96
من ذلك أيضاً في هذا البابِ ما وقعَ فيهِ تغييرٌ، قال: في الحديث: لمّا غنّت المرأة حمزة:
ألا يا حمزُ ذا الشّرفِ النِّواء
قلت: هكذا أنشده: ذا الشُّرفِ، والصحيحُ والمعروف للشُّرفِ، باللام لأنّ القَيْنَة أَغْرَيْن حمزةَ بنَ عبدِ المطلب، ﵁ بالشُّرفِ ولم تكنْ له، وإنّما كانت لعليّ ابن أبي طالب، ابن أخيه، ﵁،
стр. 97
وكان حمزة، ﵁ مع جماعةٍ في بيتِ شربٍ قبل تحريمِ الخمرِ، وكانَ عليٌّ، ﵁ قدْ أعدّ ناقَتَيْن عندَ بابِه، ومضى ليأتي بحبالٍ وغرائر ومعهُ صاحبٌ له ليجمعا من الإذْخِرِ وغيِره فيبيعه للصواغينَ منْ بني قَيْنُقَاع اليهود وكان حمزةُ، ﵁ قد عَمِلَ فيه الشرابُ وثمل فغنّته القينة فقالت:
ألا يا حمزُ للشرفِ النّواءِ ... فهنَّ معقّلاتٌ بالفناءِ
ضع السّكّين في اللّبات منها ... وضرِّجْهنَّ حمزةُ بالدِّماء
وعجّل من أطايبها لشَرْبٍ ... طعاماً من قديدٍ أو شواءِ
الشّرف: المِسانّ من الإبلِ، والواحدة: شارفٌ، والنِّواءُ: السِّمانُ، والنِّيّ: الشَّحم، وقد نوتِ الناقةُ تَنوى نوايةً، إذا سمنتْ.
стр. 98
فخرج حمزة إلى الناقتين فعقرهما واجتبَّ أسْنِمتهما، وبَقَر خواصرهما، ولم تكونا له فتضيفهما إليه، فتقول ألا يا حمزَ ذا الشُّرفِ. أي: صاحب، وإنّما كانتا لابن أخيه عليٍّ، ﵁. وإنّما أغرتهُ فعقرهما فقالتْ:
ألا يا حمزُ للشُّرفِ النِّواءِ
أي: عليكَ بهنَّ فانْحَرهنَّ، وأَطْعِم لحمهنَّ للشَّرْبِ، أي: الجماعةِ الذينَ كانوا مَعَه. هكذا سمعناهُ في مسندِ أميرِ المؤمنينَ عليّ بن أبي طالبٍ بجمعِ الإمامِ أبي عبد الله
الشيبانيّ. وفي مسندِه أيضاً الذي جمعَهُ أبو جعفر الحَضْرَميّ، مطيِّن الكوفيُّ،
стр. 99
والحديث صحيحٌ مشهورٌ معروفُ عندَ أهلِ العلمِ.
وقد أخبرنا بهِ في صحيحِ البخاريّ في كتابِ البُيوعِ، في بابِ بيع الحطب والكلأ، الشيخُ أبو الحسنِ عليّ بن الحسين بن أيوب، قال: أنبأ أبو عبدِ الله الخلال، قال: ثنا أبو عليّ الكشانيّ، قال: ثنا أبو عبد الله
стр. 100
الفِرَبْريّ، قال: ثنا أبو عبد الله البخاريّ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى أنبأَ هشامُ أنَّ ابنَ جُرَيج أخبرَهُم، قال: أخبرني ابنُ شِهابٍ عن
стр. 101
عليٍّ ابنِ حُسَين بنِ عليٍّ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، ﵁، قالَ: أَصَبْتُ شارِفاً معَ رسولِ الله، ﷺ ، في مَغْنَمِ يومِ بَدْرٍ قالَ: وأَعْطَاني رسولُ الله شارِفاً أخرى، فأنَخْتُهما يوماً عندَ باب رجلٍ من الأَنْصارِ، وأنا أريدُ أنْ أحملَ عليهِما إِذْخِراً لأبيعهُ ومعي صائغٌ منْ بَني قَينُقاع فأَسْتَعين به على وليمةِ فاطمةَ، وحمزةُ بنُ عبدِ المطلب يشربُ في ذلكَ البيتِ مَعَه قينةُ تغنيه فقالتْ:
ألا يا حمزُ للشُّرفِ النِّواء
فثار إليهما حمزةُ فجَبَّ أسنِمَتَهما، وبَقَرَ خَوَاصِرَهُما، ثم أَخَذَ من أَكَبادِهما. قلتُ لابنِ شهابٍ: ومنَ السَّنامِ؟ قال: قد جبَّ أسنمتَهما فذهبَ بِها. قال ابنُ شهابٍ قالَ عليٌّ: فنظرتُ إلى منظرٍ أَفْظَعَني، فأتيتُ نبيّ الله، وعندَه زيد بن حارثةَ فأخبرته الخروجَ فخرج ومعه زيد، فانطلقت معه فدخلَ على حمزَةَ، فتغيّظ عليهِ فَرَفَعَ بَصَرَهُ وقال: هل أنتُم إلا عبيدٌ لأبي؟ فرجعَ رسولُ الله يُقَهْقِرُ حتَّى خرجَ عنهم، وذلك قبلَ تحريمِ الخَمْرِ.
стр. 102
وأخْبَرنَاه عالياً أيضاً أبو الخيرِ بنُ أبي عِمْرانَ المَرْوزيّ في كتابه، قالَ: ثنا أبو الهيثم الكُشْمَيْهينيّ، قالَ ثنا الفِرَبْريّ، قالَ: ثنا البخاريّ فذَكَرَ مثلهُ.
стр. 103
وقد ذكرَهُ أيضاً أبو داود السجستانيّ في سُنَنِه، في كتاب قِسْم الفيء، وفيه قصّةٌ
قالَ عليٌّ ﵁: فلمّا رأيتُ ما فعلَ حمزةُ عَمِّي، ﵁، بالناقتين وذلك بعدَ مَوْقِعَةِ بدر العُظْمَى دَخَلَني من ذلك أمرٌ عظيمٌ ولم أَمْلِك عينيّ، ولم يكنْ لي سواهما وكنتُ أريدُ أن أستعينَ بما أبيعُه منَ الإذْخِر على وليمةِ فاطمةَ ﵍. فدخلت على رسول الله، ﷺ ، فشكوت إليه ما فعل حمزة بناقتيّ، فقامَ رسولُ الله، ﷺ ، فانْتَعل، ثم أخَذ رداءَه وانطلقَ معي ليدخُلَ على عمّه حمزة، ﵇ فيعاتبه على ذلك فظنّ رسول الله ﷺ أنَّ حمزة صاحٍ. وكلّ ذلك قبلَ تحريمِ الخمرِ، قالَ عليٌّ: فدخلَ عليه رسولُ الله، ﵇ وزيد بنُ حارثةَ مولاهُ وأنا معهُ، فعَذَلَهُ ولامَهُ وهو ثَمِلٌ منَ الشَّرابِ، فصعَّد النظرَ إليهِ ثم خَفَضَهُ، وقالَ: هل أنتم إلا عبيدُ أبي؟ فلمّا سَمِعَ منه ما قالَهُ رَجَعَ رسولُ الله ﷺ القَهْقَرى وعَلِمَ أنَّه قد عَمِلَ فيه الشرابُ وهو ثَمِلٌ. فخَرَجَ وخَرَجْنا مَعَه ثم أَعْطَى عَليَّاً ﵁ عوضَ النَّاقتين الشّارفَيْن. وإنّما بدَّل هذا المصنّفُ في تصنيفِه لأنّه أَخَذَ العلمَ من الصُّحفِ، لا منْ ألفاظِ الرجالِ العلماءِ، فإذا قالَ شيئاً منْ عندِه أَخْطَأ فيه.
стр. 104
ومنْ ذلكَ ما وقعَ في لفظِه اختلافٌ بينَ أهلِ العربيّة ورواةِ الحديثِ: ذكرَ في كتابِ (الشين مع الياء) في آخرِه، قال: في الحديثِ: هلْ لكَ مِنْ شاعةٍ؟ الشاعةُ: الزّوجةُ.
قلتُ: هكذا ذَكَرَه بالشِّينِ مُعْجمةً - وبالعين المهملةِ - وقال: في الحديثِ، ولا يَذْكُرُ أيّ حديثٍ هو فلا يعرِفه كلُّ أحدٍ فيظنُّ أنّه من كلامِ النبيّ ﵇ ومن كلامِ الصحابة.
وهذه اللفظةُ في حديثِ عبدِ المطلبِ بن هاشمٍ، جدِّ رسول الله ﷺ ، قالها سيفُ ابنُ ذي يَزَن الحميريّ ملكُ اليمنِ لمّا وفَدَ عليه معَ جماعةٍ من قريْشٍ قبلَ أنْ يولدَ لعبد المطَّلب ولدٌ وكانَ سيف قد قرأ الكتب وجالس الأحبار
فجرى بينَه وبينَ عبدِ المطَّلبِ حديثٌ طويلٌ وقالَ له: تأذَنْ لي أن أنظرَ إلى بعضِ جسدكَ؟ فقال: نعم، ما لم يَكُنْ عورةً، فنظرَ في مَنْخَرَيه فقال: أَرى في أحَدِ مَنْخَرَيْك نبوّةً، وفي الآخرِ مُلْكاً، فهلْ لكَ مِنْ شاعةٍ؟ أي زوجةٍ، قال: لا قال:
стр. 105
فإذا قَدِمْت بلدكَ فتزوجْ.
стр. 106
هكذا قَرَأْنَاه على شيوخِنا الثقات في فوائدِ أبي بكرٍ الشافعيّ التي رواها عنه أبو طالبِ بنُ غَيْلان البزَّازُ شاغة. بشينٍ وغيٍن معجمتين. وهكذا وجدتُه بخطِّ الشيخِ الحافظِ أبي بكرٍ الخطيبِ البغداديِّ.
وكانَ قَدْ جَمع لأبي طالبِ بنِ غَيْلان الأمالي والمجالس التي سمِعَها من أبي بكرٍ الشافعيّ في سنة أربعٍ وخمسين وثلاثمئةٍ. ورتّبها وجَعَلها في أَحَدَ عَشَرَ جزءاً، وكان مُتْقِناً ضابِطَاً، وكذا أبو بكرٍ الشافعيِّ كان فَهْمَاً ضابِطَاً، وضبط هذه الكلمة بغين معجمة وكذلك شيوخِنا الذين قَرَأْنا عليهِم هذِه الفوائد. فلمّا رأيتُ في كتابِ الغريبين قد ذَكَرَ ذلك بالشين المُعْجَمَةِ شَكَكْتُ فيما ذَكَره ولم أتُرُك ما سمعتُه من شيوخنا ورأيته بخطّ الحفّاظ من علمائِنا. ثم إني راجعتُ الكتب المصنّفة في اللغة، فلم أجدْ هذه اللفظةَ إلاَّ في كتابِ تهذيبِ اللغة لأبي منصورٍ الأزهريّ، وهو الذي ينتمي إليه مؤلِّف الغريبين، أبو عبيدٍ فوجدتُه قد ذكر ذلك في كتاب (العين والشين)، قال: الشَّاعة: الزوجة. وكذلك وجدتُه في غريب الحديث عن إبراهيم الحربيّ. بالشين المُعْجَمة والعينِ المُهْمَلَة، فثبت ذلك عِندي. فرجعُتُ إلى قولِه، إذْ كان أَعْرَف باللُّغةِ
стр. 107
ممَّن قَرَأْنا عليه، ولم أغيِّره في سماعِنا عن الغَين المعجمة بل حكمتُ على أنّه خلافٌ بينَ رواةِ الحديثِ وأهلِ اللغة. والكلمةُ هي لغةٌ يمانيةٌ. وكنتُ قد أمليتُ على الشيخِ العالِم الإمام أبي بكر الجلميّ البلخيّ، لمّا ورد علينا مدينةَ السلامِ بعدَ عَوْدِهِ منَ الحجّ، وهو منْ أئمَّةِ خراسان - أمتعَ الله بهِ أهلَ العلمِ - أنّه قد صحّف فيها أبو عبيدٍ لما تكرّر من تصحيفِه لما اشتُهِرَ منْ ألفاظِ الحديثِ، فكيف منْ غرائبِ ألفاظِه؟ فلمّا وجدتُ الأزهريّ والحربيّ قد ذكراهُ كذلك
جَنَحْتُ ورجعتُ عنْ قولي في هذه الكلمةِ إذا رويت بالعين مهملة، أنّه تصحيفٌ، بل هو خلافٌ بين العلماءِ، فليُعْرَف ذلكَ، ولا يكتَبْ ذلكَ الذي قلت: إنّه تصحيفٌ.
وحديثُ سيفِ بنِ ذي يَزَن معَ عبدِ المطلب مشهورٌ، قد ذكرَهُ العلماءُ الذين جمعوا دلائلَ النبوّةِ، مثلُ أبي حفصِ بنِ شاهين، والبغداديّ وأبي نُعَيم
стр. 108
الحافظُ الأصبهاني، وأبي بكر البيهقي، وغيرهم، وقد سمعتُه من طُرقٍ ولم أقدر على إخراجِه، لأنَّ كتبي لم تَكُنْ عِنْدي حين علّقت هذا بخطّي.
ومع هذا فلستُ أحتاج إلى ذِكْرِه. إذ قد ثَبَتَ عِنْدي قولُ مَنْ رَوَى هذه اللفظة بعينٍ مهملةٍ وكذلكَ مَنْ رَوَاها بإسنادهِ بغينٍ معجمةٍ فصارَتْ خِلافاً. كما رَوَى أبو بكرِ ابنُ الأنباريُّ في أسماءِ الشمسِ بوح، بالباءِ المُعْجَمَة من تحتِها بواحدةٍ، وبالحاءِ المهملةِ وأنكَرِ عليهِ ذلك جماعة من علماء وقته، مثل أبي عمر الزاهد اللغوي، وأبي بكرِ بنِ دريدٍ، وغيرِها. قالوا: هي: يَوحُ بالياءِ المُعْجَمَةِ باثنتين من تحتِها، والحاءِ المهملةِ، فلم يرجعِ ابنُ الأنباريِّ إلى قولهم، قال: هكذا سُمِعَتْ فصارَتْ خِلافاً بينَهم. والمحفوظُ يوح بالياء، لأنَّ الأكثرَ على ذلكَ، وكذا هي في الكتبِ بالياء.
стр. 109
ومن ذلكَ ما ذكرَهُ في باب (الصاد مع الراء)، قال: في الحديثِ: إنَّه قال لخَصْمَيْن تقّدما إليه: أخرجا ما تصرِّران.
قلت: قوله: في الحديث أنَّه قالَ لخَصْمَيْن تقدّما إليه خطأٌ وتغييرٌ منه للفظِ الحديثِ ومعناهُ وقولُه: في الحديثِ، ولا يعيّن هل هوَ منْ حديثِ النبيّ ﵇، أو منْ حديثِ الصَّحابةِ أو التَّابعين فلا يَعرف ذلكَ منْ ليسَ هوَ من أهلِ العلمِ بالحديثِ، فهوَ سهوٌ منْهُ أو قلةُ معرفةٍ منه بالسُّنّة. وإنّما هذا حديثُ عبدِ المطّلب بن ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ، والفضل بن العبّاس بن عبد المطلب، بعثهما أبوهما إلى رسول الله
стр. 110
صلى الله عليه وسلم ليسأَلاه أنْ يوليهما شيئاً منَ الأعمالِ، كما يولّي
غيرَهما فَلَم يَفْعَل. وحديثُهما مسندُ أهلِ المدينةِ منْ مسندِ أحمدِ بنِ حنبلٍ، وفي سننِ أبي داودَ السّجِستانيّ رحِمَهما الله - مبيّنٌ مشروحٌ في بابِ قِسْمَة الخِمْس وسهمِ ذوي القربى من كتابِ قِسْمَةِ الفيء، ولم يكنْ بينَهما خصومة ولا كانا خَصْمَيْن كما قالَ المؤَلِّفُ.
أخبرناه في كتابِ السننِ الشيخُ الحافظُ أبو محمدٍ، عبدُ الله بنُ أحمدُ بنِ عُمَرَ المقرئ بقراءتي عليه من أصْل سماعِه، قلتُ لهُ: حدّثكم الشيخُ الإمامُ الحافظُ أبو بكرٍ أحمدُ بن علي الخطيب البغداديّ، قراءةً عليكًم من لفظِه بدمشق في سنةِ سبع وخمسين وأربعمئة،
следующие страницы →