معجزات السيد المسيح
تذكر الأناجيل أن المسيح قد أحيا ثلاثة اموات هم: ابنة يايرس، وابن أرملة من مدينة نايين والثالث رجل يسمى (لعاذر). لوقا (١٧: ١١ - ١٧) لوقا (٤٠:٨)
كذلك تروى الأناجيل أن المسيح أعاد البصر لعدة عميان بالإضافة إلى شفاء البرص وامرأة ناذفة وغيرها من المعجزات التي أعلن عنها المسيح (إن العمى يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون) لوقا ٢٢:٧
ونتساءل ماذا كان رد فعل اليهود الذين عاينوا تلك المعجزات بأنفسهم:
أ- تذكر الأناجيل أن مدناً كاملة لم تؤمن بالمسيح كنبي أو رسول بالرغم من المعجزات العديدة التي صنعها لهم لكى يؤمنوا به فأنذرهم بسوء العاقبة (حينئذ ابتدأ يوبخ المدن التي صنعت فيها أكثر قواته لأنها لم تتب، ويل لك يا كورزين، ويل لك يا بيت صيدا .. وأنت يا كفر نحوم المرتفعة إلى السماء ستهبطين إلي الهاوية) متى صح ١١: ٢٠ - ٢٣ وكذلك (ومع أنه كان قد صنع آيات هذا عددها لم يؤمنوا به) يوحنا ٣٧:١٢
ب- وتخبرنا الأناجيل أن من رأى المعجزات وكان منصفا للسيد المسيح دعاه نبيا (قالوا للأعمى ماذا تقول أنت عنه من حيث أنه فتح عينيك، فقال أنه نبي) يوحنا ١٧:٩ (فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا هذا بالحقيقة هو النبي) يوحنا
стр. 177
٤٠:٧ وفى موضع آخر (فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا أن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم) يوحنا ٤:٦
ويذكر لوقا (فأخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين قد قام فينا نبي عظيم) ١٦:٧
ويؤكد متى (وإذ كانوا يطلبون أن يمسكوه خافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبي) ٦٤:٢١
جـ- وتذكر الأناجيل أن كثيرا من اليهود الذين رأوا وعاينوا معجزات السيد المسيح أتهموه بالسحر والشعوذة وتسخير الشياطين ولم تدفعهم تلك المعجزات إلى الإيمان به وبرسالته.
هكذا لم تدفع المعجزات التي قام بها المسيح اليهود إلى تأليهه رغم أنهم شاهدوا تلك المعجزات بأعينهم، فأنصفوه واعترفوا بنبوته فقط فكيف يطلب من الذين لم يشاهدوا تلك المعجزات تأليه المسيح؟
إن أعظم معجزة قام بها المسيح هى أحياء الأموات، ولم يكن أول من قام بتلك المعجزة فقد قام بها حزقيال وإيليا واليسع.
يقول حزقيال (فتنبأت كما أمرني فدخل فيهم الروح فحيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدا جدا) حزقيال ١٠:٣٧
стр. 178
وبالنسبة إلى إيليا (فتمدد على الولد ثلاث مرات وصرخ إلى الرب وقال يارب إلهي لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه فسمع الرب لصوت إيليا فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش) الملوك الأول ١٧: ٢١ - ٢٣
وبالنسبة إلى السيد المسيح (ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال يا أبتاه أشكرك لأنك قد سمعت لى وأنا عالم أنك تسمع لى فى كل حين وإنما قلت ذلك من أجل هذا الجمع الواقف حولى ليؤمنوا بأنك أنت الذي أرسلتني .. فخرج الميت مربوطة يداه ورجلاه بأكفان) يوحنا ٤١:١١
كما دعا إيليا ربه وتضرع إليه ليستجيب له بإحياء الميت كذلك فعل المسيح شاكرا إياه على ما أنعم عليه من قدرة لعمل المعجزات من أجل إقناع اليهود بأنه رسول الله إليهم وليس بساحر أومسخرا للشياطين.
стр. 179
دستور الإيمان المسيحي يخالف الأناجيل
ينص دستور الإيمان المسيحي بأنه الله هو واحد فى ثلاثة أقانيم متساوية فى الجوهر والمجد والكرامة والقدرة وهم الأب والإبن والروح القدس (١)
ولكن إنجيل لوقا يقول: (من قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من جدف على الروح القدس فلا يغفر له) ١٠:١٢
ابن الإنسان: أى السيد المسيح وهو لقب يطلقه المسيح على نفسه.
جدف: أى لعن أو سب أو إهان.
الروح القدس: هو الأقنوم الثالث فى اعتقاد المسيحية ... ويقول متى (من قال كلمة على ابن الانسان يغفر له،
وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا فى هذا العالم ولا فى الآتي) ٣٢:١٢
إذاً ما يلعن أو يسب المسيح (الاقنوم الثاني) تغفر له خطيئته تلك ولكن من يفعل ذلك مع الروح القدس لن يغفر له، فأين التساوى فى الكرامة والمجد. وهل كرامة الأقنوم الثاني (المسيح) تقبل الإهانات ولا تقبلها كرامة الروح القدس (الأقنوم الثالث) إن هذه العبارة التي جاءت فى إنجيل لوقا وأكدها إنجيل متى تخالف دستور الإيمان المسيحي.
стр. 180
٢ - قال المسيح فى إنجيل يوحنا (أبى أعظم مني) يوحنا ٢٨:١٤
إن المسيح يعترف صراحة أن الله أعظم منه فأين التساوى إذاَ فى الجوهر والمجد بين الأقنوم الأول (الأب) والثاني (المسيح)
٣ - قال المسيح (هذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته) يوحنا ٤:١٧
هنا يعلنها المسيح واضحة أن هناك إله واحد بينما هو مرسل أى رسوله.
٤ - قال المسيح (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السموات إلا أبى وحده) يسوع ٣٦:٢٤
وكانت هذه إجابة المسيح عندما سأله تلاميذه عن ميعاد يوم القيامة، واعتراف المسيح بعدم علمه بيوم القيامة ينفى عنه تساويه فى الجوهر والقدرة مع الأب وإذا كان يعلم بميعاد يوم القيامة وانكر ذلك فهذا الكذب ينفى عنه أيضا ألوهيته أو حتى نبوته لأن الكدب لا يليق بالأنبياء ناهيك عن الإله.
٥ - قال المسيح (أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا) يوحنا ٣٠:٥
وأكذد ذلك مرة أخرى (الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئا) يوحنا ١٩:٥ وهذا إقرار من المسيح بأنه لم يعمل المعجزات بقوته الذاتية وأنه بالطبع أقل من قدرة الأب، ويؤكد ذلك مرة أخرى (كل شئ دفع إلى من أبي) متى ٢٧:١١
стр. 181
٦ - قال المسيح (ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني) يوحنا ٣٨:٦
أى أن المسيح جاء لينفذ مشيئة (الأب) وأن مشيئة الأب فوق مشيئته هو ويؤكد ذلك مرة أخرى (لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الأب الذي أرسلني) يوحنا ٣٠:٥
٧ - قال المسيح (الكلام الذي تسمعونه ليس لى بل للأب الذي أرسلني) يوحنا ٢٤:١٤ يعترف المسيح بأن الكلمات التي قالها كانت إلهاما من الله (لأني لم أتكلم من نفسي لكن الأب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا اقوم وبماذا أتكلم) يوحنا ٤٩:١٢
٨ - قام المسيح بالصوم والصلاة وحمد الله وشكره والدعاء الدائم (فبعد ما صام أربعين ليلة جاع أخيرا) متى ٢:٤ (صعد إلى الجبل منفردا يصلي) يوحنا ٢٣:١٤ (احمدك أيها الأب رب السماء والأرض) متى ٢٥:١١
٩ - قال المسيح (الجلوس عن يميني وعن يساري ليس أن أعطيه إلا الذين أعد لهم من أبي) متى ٢٣:٢٠
ينفى المسيح عن نفسه القدرة والسلطة لمكافأة الأخيار أو معاقبة الأشرار.
١٠ - قال المسيح (لا تدعوا لكم أبا على الأرض لأن أباكم واحد الذي فى السموات، ولا تدعوا معلمين لأن معلمكم واحد المسيح) متى ٢٣: ٩ - ١٠
ينهى المسيح أتباعه عن اتخاذ آلهة أرضية ويعلن أنه مجرد معلم لهم.
стр. 182
١ - إن تساهل المسيح مع من يسبه ويلعنه وعدم مغفرة ذلك لمن يسب الروح القدس ينفى ألوهيته لأن العقل لا يقر وجود إله بلا كرامة.
٢ - واعتراف المسيح بأن الأب أعظم منه أى أكثر كمالا ومجدا ينفى كذلك ألوهيته لأن العقل لا يعترف بإله ليس كاملا.
٣ - وإقرار المسيح بأن هناك إله حقيقي وهو مرسل من لدنه ينفي ألوهيته لأن الرسول بداهة لا يعادل مرسله.
٤ - وإنكار المسيح لعلمه بيوم القيامة ينفي ألوهيته لأن العقل لا يقر بوجود إله جاهل.
٥ - وتأكيد المسيح على أنه لا يقدر أن يفعل من نفسه شيئا وأن كل شئ دفع إليه من الله ينفى ألوهيته لأن العقل لا يقر بوجود اله عاجز يستعين بإله آخر.
٦ - واعتراف المسيح أنه جاء لتنفيذ مشيئة الله وإرادته ينفى ألوهيته لأن العقل لا يقبل بوجود إله بلا إرادة خاضع لمشيئة إله آخر.
٧ - وأيضاح المسيح أن الكلمات التي تحدث بها كانت بناءاَ علىتوصية من الله وإلهاما منه ينفى عنه الألوهية لأن العقل ينفى وجود إله واقع تحت وصاية إله آخر.
٨ - قيام المسيح بأداء العبادات المختلفة من صلاة وصوم وتسبيح وشكر لله ينفى ألوهيته لأن العقل لا يقر بوجود إله يعبد إله آخر أو يعبد نفسه.
٩ - إن نفى المسيح لسلطته لمكافأة تلاميذه فى الدار الآخرة ينفى عنه الألوهية لأن العقل لا يقر بوجود إله لا يثيب ولا يعاقب.
стр. 183
١٠ - إن نهى المسيح لأتباعه عن عبادة ألهة أرضية من المجسمات ينفى عنه الألوهية لأن المسيح نفسه كان جسدا أرضيا.
ويقول دستور الإيمان المسيحي (ربنا يسوع المسيح إله متجسد وهو الذي يدين الأحياء والأموات فى اليوم الأخير) علم اللاهوت.
ويقول إنجيل يوحنا (وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه لأني لم آت لأدين العالم) يوحنا ٤٧:١٢
стр. 184
ثانيا: العقيدة المسيحية
إن العقيدة فى الديانة المسيحية مستمدة من الكتاب المقدس والمجامع المسكونية والتقليد الشريف (١)
١ - الكتاب المقدس:
ويشمل العهد القديم المكون من ٣٩ سفرا وكذلك العهد الجديد المكون من الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائلهم، يعترف اليهود ويقدسون العهد القديم فقط ولكن يعترف المسيحيون ويقدسون كلا من العهدين القديم والجديد ويعتقدون أن كليهما وحي إلهي.
٢ - المجامع الكنسية:
والمقصود بها المؤتمرات التي عقدها رجال الدين المسيحي لصياغة قانون الإيمان المسيحي والبحث فى طبيعة السيد المسيح.
هل هو إله أم إنسان أم إله ولكن ليس فى مرتبة الأب ... إلخ، وتعتبر هذه المجامع مقدسة وقراراتها بوحي من الله (٢)
إن هذه المجامع تعكس مدى البلبلة والتخبط الذي عانت وتعاني منه الكنيسة بسبب تأليه المسيح.
стр. 185
ويذكر المؤرخون ما يزيد على خمسين مجمعا خلال مائة سنة للوصول إلى صيغة ملائمة للعقيدة المسيحية وقرار نهائي عن طبيعة السيد المسيح، ولا نستطيع ذكر جميع هذه المجامع ولكننا سنكتفى بعينة منها.
١ - مجمعة أنطاكية عام ٢٦٢م: عقد لمناقشة آراء بولس أسقف سميسطاء والذي نادي بأن المسيح مجرد إنسان وصل إلى الكمال الخلقي، وأنكر بولس هذا أقنومي الابن والروح القدس معتبرا إياهما كالعقل والتفكير فى الإنسان.
٢ - مجمع روما عام ٣١٣م: عقد لمناقشة الإنشقاق الكنسى الذي حدث فى كنيسة قرطاجة الذي عرف بالإنشقاق الدوناتي.
٣ - مجمع آرل عام ٣١٤م: عقد بعد رفض الدوناتيون قرارات مجمع روما السابق.
٤ - مجمع الاسكندرية عام ٣١٩م: عقد لبحث آراء آريوس القس السكندري والذي نادي بخلق المسيح وجعله فى مرتبة تاليه للإله وقرر هذا المجمع إدانة آريوس وتحريم تعاليمه.
٥ - مجمع الإسكندرية ٣٢٤م: عقد لفض النزاع اللاهوتي الذي سببه آريوس بآرائه حول طبيعة المسيح وعلاقته بالأب.
٦ - مجمع نيقية ٣٢٥م: هو أول مجمع مسكوني (عالمي) وضم ٣١٨ أسقفاً يمثلون كنائس الإمبراطورية الرومانية، عقد لحسم مسألة العقيدة الآريوسية، وقد وضع هذا المجمع صيغة العقيدة التي عرفت بقانون الإيمان النيقي.
стр. 186
وهى قاعدة الإيمان الأرثوذكسي الآن، وتضمن العبارة الشهيرة التي لم ترد فى الأناجيل وهى الهوموسية أى أن الإبن مساو للأب فى الجوهر وقد تزعم أثناسيوس السكندري الجبهة المعارضة لآريوس.
٧ - مجمع أنطاكية ٣٣٠م: عقد للفصل فى النزاع العقائدي بين يوساب أسقف قيسارية فلسطين ويوستاتيوس الأسقف الأنطاكي بعد أن اتهم كل منهم الآخر بالخروج عن الإيمان النيقي.
٨ - مجمع أورشليم ٣٣٥م: عقد لتبرئة آريوس وقبوله فى شركة الكنيسة ثانية.
٩ - مجمع صور ٣٣٥م: عقد لإدانة إثناسيوس وعزله من أسقفيته.
١٠ - مجمع أنطاكية ٣٤١: إصدار المرسوم اللوقاني الذي رفض رأي آريوس الذي يقول أن هناك زمان لم يكن الأب أبا حيث الابن لم يكن بعد أى أن الابن أحدث زمنيا من الأب، وقد تجاهل هذا المرسوم الهوموسية (التساوى فى الجوهر بين الأب والابن)
١١ - مجمع سرديكا ٣٤٣م: انقسم فيه أساقفة الإمبراطورية الرومانية ولم يصلوا إلي صيغة ملائمة للعقيدة المسيحية.
١٢ - مجمع أنطاية ٣٤٤: أدان هذا المجمع فوطين أسقف سيرميوم الذي قال أن المسيح مجرد إنسان وأنكر وجوده قبل كل الدهور، كما أصدر مرسوم إيمان جديد عرف بالمرسوم المطول أو الأنطاكي الثالث.
١٣ - مجمع سيرميوم الثاني ٣٥١م: اصدر وثيقة إيمان عرفت بمرسوم سيرميوم الأول وأعاد إدانة فوطين.
стр. 187
١٤ - مجمع سيرميوم الثالث ٣٥٧: أصدر ما عرف بمرسوم سيرميوم الثاني الذي جاء وسطا بين قانون الإيمان النيقي وآراء آريوس، وتبني العقيدة الأنومية وهي إنكار الشبه بين الإبن والأب ويتضمن تبعية الابن للأب شأن كل الخلائق وأن الأب أعظم من الأبن فى المجد والألوهية حيث نص المرسوم على ما يلي:
(لما كان البعض قد اضطرب فكره بسبب مسائل تدور حول ما يسمى بالجوهر مما قاد إلى القول بالمساواة فى الجوهر (هو موسية) أو التشابه فى الجوهر الهومويوسية لذا كان من الواجب أن لا يذكر شئ من هذا على الإطلاق وأن لا يعرض فى الكنيسة ذلك أن الكتاب المقدس لم يتحدث البتة عن أى منهما .. . ولا أحد يشك فى أن الأب أعظم فى المجد والكرامة والألوهية)
وتزعم الأنومويين آيتيوس السوري وتلميذه يونوميوس (الأنوموية) أى إنكار الشبه بين الأب والابن.
١٥ - مجمع أنقرة عام ٣٥٨: أصدر صيغة جديدة للإيمان عرفت بالهومويوسية أى التشابه بين الأب والإبن لتكون وسطا بين قانون الإيمان النيقي وآراء آريوس.
١٦ - مجمع ريميني ٣٥٩: حضره ٤٠٠ أربعمائة من أساقفة الغرب، اصدر مرسوم ريميني الذي يبرز التشابه بين الإبن والأب دون تحديد لنوعيته وهو ما عرف بالعقيدة الهوموية.
стр. 188
١٧ - مجمع سلوقية ٣٥٩: حضره الآريوسيون (الأنومويون والهومويون) وأنصاف الآريوسيون وقاموا بتأييد العقيدة الهوموية (تزعم ذلك أكاكيوس)
١٨ - مجمع أنطاكية ٣٦١م: اصدر مرسوم إيمان جديد يعلن التخلي عن الهوموية والعودة إلى الأنوموية ثانية.
١٩ - مجمع أنطاكية ٣٦٤: فسر اصطلاح الهوموية بأنه يعنى التشابه فى الجوهر.
٢٠ - مجمع لامساكوس ٣٦٤م: تمسك بصيغة مجمع أنقره (الهومويوسية) أى التشابه فى الجوهر.
٢١ - مجمع صقلية ٣٦٥م: أعلن المجتمعون الإيمان بالهوموسية وإنكارهم لقرارات مجمع ريميني.
٢٢ - مجمع كاريا ٣٦٧م: عارض مصطلح الهوموسية وأقر المرسوم اللوقياني (الأنطاكي الثاني)
٢٣ - مجمع روما ٣٦٩م: أعلن التمسك بالإيمان النيقي ورفض مرسوم ويميني.
هكذا تخبطت قرارات المجامع بين الهوموسية (١) والهومويوسية (٢) والهوموية (٣) والأنوموية (٤)
وبالنسبة للاقنوم الثالث (الروح القدس) (٥) فقد ظهرت الماكيدونية التي تنتسب إلى ماكيدونيوس وتنادي بخلق الروح القدس وعدم تساويها مع الأب فى الجوهر
стр. 189
وقد شخص أسقف بواتيه الذي يدعى هيلاري (١) الحالة المهلهلة التي أمسى عليها اللاهوت المسيحي والعقيدة فى رسالته إلى الإمبراطور قسطنيطيوس عام ٣٦٠م:
(حقا إنه لشئ يرثى له أن ترى عديدا من الإيمان فكرا بين الناس عقائد كالأهواء نضع مراسيم الايمان بهوس ونفسرها بعصبية، تارة نرفض الهوموسية وأخرى نرضي عنها، ثم تتناولها من هنا وهناك أيدي المجامع والتشابه الكامل أوالجزئي بين الأب والإبن موضوع الجدال لزمان غير بعيد، مع كل فجر تخرج عقائد جديدة، نصف بها غوامض الكلم ونندم على ما دافعنا عنهم، وندين عقائد الآخرين فى أشخاصنا وعقائدنا فى ذوات الآخرين) (٢)
стр. 190
آراء آريوس قس الإسكندرية التي أعلنها ٣١٨م
تتلخص تعاليم آريوس فى ان الأب هو الإله الحق فى مقابل الإبن الذي ليس إلها حقا، وهذا إنكار صريح للاهوت المسيح، والأب والإبن متعارضان بالضرورة على أساس التعارض بين غير المخلوق والمخلوق. والله لم يكن دائما أبا أى أنه كان وحيدا ثم أراد الله أن يخلق موجودا معينا اسماه الكلمة (اللوجس) أو الإبن، ولله قوة طبيعية ليس كمثلها شئ سرمدية، أما المسيح فهو ليس القوة الحقيقية لله وإنما هو إحدي هذه القوى وفى علاقته بالمخلوقات يعتبر الخالق أما علاقته بالأب فهو مخلوق ولا يساويه فى الجوهر.
العقيدة النيقية: الصادرة عن مجمع نيقية .
وقد تضمنت عبارتين فى اللاهوت المسيحي وهى الهوموسية (المساواة فى الجوهر) وكذلك عبارة (مولود غير مخلوق) وهما لم يردا فى الأناجيل.
ولم يكن الخلاف منصبا على العلاقة بين الأب والإبن فقط ولكن امتد إلى شخص المسيح نفسه هل له طبيعة ومشيئة واحدة كما يقول (يعقوب براديوس) أم له طبيعتان ومشيئتان متحدتين اتحادا وثيقا (مجمع خلقدونياالاول ٤٥١ م) ويعرف هدا بالمذاهب الملكاني.
وقد أيد مجمع القسطنطينية ٥٥٣م مذهب الطبيعة الواحدة متجاهلا قرار مجمع خلقدونيا ٤٥١ باعتبار المسيح ذو طبيعتين (طبيعة إلهية وإنسانية).
стр. 191
ثم عاد مجمع القسطنطينية ٦٨٠م وأدان مذهب الطبيعة الواحدة الذي أقره ٥٥٣م وقد حدث انشقاق كنسي عام ٨٦٩م وتكونت الكنيسة الشرقية (أرثوذكية)
والكنيسة الغربية (كاثوليكية) ثم انشقت عن الكنيسة الغربية الكنيسة البروتستانتية أى المحتجة.
٣ - التقليد:
كما ذكرنا يعد التقليد المصدر الثالث للعقيدة المسيحية.
تعريف:
التقليد هو التعاليم التي وضعها تلاميذ المسيح وأباء الكنيسة الأولون ولم تكتب فى الأسفار الموحى بها، ويتناقلها المؤمنون خلفا عن سلف (١)
ومن أمثلة التقليد: تقديس يوم الأحد حيث خلت الأناجيل من أية إشارة إلى ذلك كذلك تعميد الأطفال وبتولية السيدة مريم.
وقد رفض المسيح التقليد وندد به حيث يقول (فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم) متى ٦:١٥
وقد رفضت بعض المذاهب المسيحية التقليد للأسباب التالية:
стр. 192
١ - أن التقاليد التي علمها الرسل (تلاميذ المسيح) قد كتبوها (أعمال الرسل ورسائلهم) فلا لزوم للتقليد الكنسي طالما كل شئ دون فى الكتاب المقدس.
٢ - أن المسيح قد وبخ اليهود ولم يقبل التقليد (لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم) متى ٣:١٥
٣ - عدم لزوم التقليد حيث قال موسى ﵇ (لاتزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه) سفر التثنية ٤:٢
كذلك (وإن أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة) رؤيا يوحنا ١٨:٢٢
٤ - إذا كان للتقليدات أهمية فلماذا لم ترد فى الأناجيل، ولما لم تحتو الأناجيل على كل أسس العقيدة.
стр. 193
الأناجيل تناقض التقليد:
أ- يسمح التقليد بتعميد الأطفال فى حين تقول الأناجيل (من آمن واعتمد) حيث وضعت الإيمان شرطا للتعميد وهو غير متوفر عند الأطفال.
ب- ينص التقليد على بتولية السيدة مريم رغم أن نصوص الأناجيل صريحة كما راينا فى هذا الشأن.
إذاَ التقليد هو آراء شخصية واجتهادات للآباء.
فهل يجوز لعقيدة دينية أن تسمتد من آراء بشرية.
إن العقيدة المسيحية قد اعتمدت فى صياغتها على المصادر الثلاث: الأناجيل والمجامع الكنسية والتقليد، فما كانت النتيجة؟
يقول فولتير: إن لدى مائتين مجلد فى اللاهوت المسيحي والأدهى من ذلك أنى قرأتها كلها فكنت كأنما أقوم بجولة فى مستشفى للأمراض العقلية) (١)
ويقول ول ديورانت (فى مقدور الإنسان الآن أن يهز كتفيه استخفافا باللاهوت المربك والمرعب) (٢)
стр. 194
ويقول جان مسلييه راعي أبرشية أتربيني فى شمبانيا (لقد تعب الذهن البشري من اللاهوت المبهم والخرافات السخيفة والأسرار العويصة والطقوس الصبيانية)
ويقول جوت هولت ليسينج: إنني أتطلع إلى زمن يختفى فيه اللاهوت كله من المسيحية فلا يبقى إلا مبدأ أخلاقي سامي من العطف الصبور والأخوة العالمية.
ويقول يوهان كريستوف شيلر (١): لا أستطيع تقبل اللاهوت ولم أعد قادرا على الصلاة ولكنى أؤمن بإله أشعر بوجداني أنه موجود.
ويقول دنيس ديدرو (٢): إن العقيدة المسيحية أسخف واشنع ما تكون فى تعاليمها ومبادئها، كما أنها مستعصية على الفهم ميتافيزيقية مربكة غامضة إلى أبعد الحدود ومن ثم كانت أكثر تعرضا للانقسامات والشيع والانشقاقات والهرطقات.
وقد سخر فولتير (٣) فى كتابه (الملحد والحكيم) من تخبط الآراء حول طبيعة المسيح فقال: هل تؤمن بأن المسيح له طبيعة واحدة وشخصا واحدا وإرادة واحدة أو أن له طبيعتين وشخصيتين وإرادتين؟ أم أن له إرادة وطبيعة واحدة وشخصيتين أو إرادتين وشخصيتين وطبيعة واحدة؟
стр. 195
المسيحية والديانات الوثنية
ينص دستور الإيمان المسيحي على أن الدين المسيحي هو إعلان إلهي يتضمن حقائق كانت مجهولة عند البشر لسموها عن إدراكهم، فأعلنها لهم ربنا يسوع المسيح ورسله الكرام فى كتابه الإلهي لأجل خلاصهم وسعادتهم ومن ثم يجب على العقل البشري أن يسلم بها ويخضع لها من دون أن يحكم فيها لأنها ليست من اختصاصه (١)
والحقائق التي كانت مجهولة عند البشر وأعلنها الدين المسيحي هى عقيدة التثليث وما ترتب عليها من تألية المسيح حتى يصبح الأقنوم الثاني فى الثالوث وكذلك الروح القدس لتكون الأقنوم الثالث. والحقيقة التالية هى خطيئة آدم او الخطيئة الأصلية أو خطيئة الطبيعة وما ترتب عليها من تجسد الله فى صورة انسان (المسيح) ليخلص البشر من الخطية.
إن هذه الحقائق كانت مجهولة بالفعل عند الدين السماوى الذي سبق المسيحية وهو اليهودية، فاليهود لم يعرفوا ثالوثا.
ولم يرثوا خطية آدم رغم أن قصة آدم ومعصيته لربه مسجلة فى كتابهم.
ولكن تلك الحقائق التي يدعى إعلانها الدين المسيحي للمرة الأولي لم تكن مجهولة عند الديانات الوثنية فعقيدة التثليث عرفت منذ مئات السنين قبل الميلاد فى مصر
стр. 196
والهند والجزيرة العربية وغيرها كما أن تأليه البشر كان أمرا عاديا فى العراق القديم ومصر والإمبراطورية الرومانية وغيرها من الشعوب الوثنية، كذلك عقيدة الإله المخلص الذي يموت ثم يبعث من الأموات كانت عند المصريين وإلهم أوزوريس وعند البابليين والههم بعل واليونانيين وإلههم ديونيسيس والفرس وإلههم مثرا وعند الهنود وإلههم كرشنا والصينيين وإلههم (الأوكيون) المولود من عذراء، والفريجيين وإلههم (أتيس) والمكسيكيين وإلههم (كوتذلكوتل) (١)
وقد كان التحول عن الوثنية إلى المسيحية لم يكن انتقالا إلى جو غريب تمام الغرابة أو شعورا بانقلاب باغت مفاجئ.
إذا شابهت طقوس الديانة المسيحية وأسرارها المقدسة ما للديانة القديمة من طقوس وأسرار (٢) ويقول ول ديورانت: عندما ذهبت النهضة الفكرية إلى ما وراء المسيحية اكتشفت الذهن الوثني فأطلقت العنان لعمل العقل، ويقول جون تولاند (٣):
إن الاعتقاد بإله ذى شخصية يرجع إلى الوثنية وإن الناس يضفون مجدا إلهيا على مخلوقات من جنسهم.
ويقول فونتنل (٤): لا أجد فرقا بين الوثنيين والمسيحيين، فالمسيحية تأبى نسبة حقائقها إلى الوثنيين، والوثنيون أورثوا المسيحيين أخطاءهم.
стр. 197
التثليث بين المسيحية والوثنية
يقول هـ. أ. فيشر (١) إن الثالوث فكرة مستمدة من الحقيقة بأن الثلاثة هى العدد التام.
فعند المصريين القدماء (الفراعنة) عرف الثالوث بصوره المختلفة:
أ- الثالوث الذي يمثل الإله الواحد فى ثلاث تجليات أو مظاهر مختلفة.
وهذا هو الثالوث الذي يعبده المسيحيون الآن فهم يقولون أن الله تجلى فى صورة الإبن (الرحمة) لينقذ أولاد آدم وأن الأب يمثل العدل الإلهي والروح القدس هى روح الله، المختصة بالتطهير وتنوير أرواح البشر.
وقد عبد المصريون الإله رع (إله الشمس) بتجلياته ومظاهره المختلفة فهذا الإله عند الغروب يسمى (آتوم) وعند الشروق (حورس) وهكذا رع وآتوم وحورس إله واحد هو إله الشمس ولكن يسمى أتوم عند غروبه ويسمى حورس عن شروقه، ويتكلم إله الشمس فى منطقة أخرى من مصر عن نفسه قائلا: أنا الإله خيبرا فى الصباح ورع عند الظهر وآتوم عند الغروب (٢).
هنا أيضا خيبرا ورع وأتوم يمثلون إلها واحدا هو الشمس بحالاته المختلفة.
ب- الثالوث الذي يمثل إله واحد وذو قدرات أو قوى ثلاث:
стр. 198
وهذا أيضا يطابق الثالوث المسيحي: الأب هو الذات الإلهية والإبن هوالكلمة أو النطق والروح القدس هى روح الله.
والثالوث المصري القديم: آتوم هوالعقل وحورس هو القلب وتحوت هو الكلمة (أو اللسان) أى أنه ألها واحدا له القدرة العقلية الممثلة بأتوم وقوة الحياة الممثلة فى حورس وقدرة التعبير ونقل الأفكار للآخرين وممثلة فى تحوت.
جـ- الثالوث الذي يمثل ثلاث آلهة متحدين فى الجوهر ويقوم أحدهما بخلق الاثنين الآخرين.
ثالوث داندرة: حورس والابن ايحي والآلهة حتحور.
ثالوث هليوبولس: (تحوت والابن نفرحور والآلهة سسشات)
الثالوث المصري العام: (أوزوريس والابن حورس والآلهة ايزيس)
ثالوث منف: (بتاح والإبن نفرتم والآلهة سخمت)
والثالوث المسيحي: الأب والابن والروح القدس.
وينص دستور الإيمان المسيحي على أن الابن مولود من الأب والروح القدس قد انبثقت من الأب كذلك.
стр. 199
وقد عبد الهنود ثالوثا كونوه من براهما وسيفا وفيشنو (١) وهو إله واحد ذوثلاث تجليات مختلفة ويعتقد الهنود أن الأقنوم الثاني أى الإله (فشنو) قد نزل إلي الأرض متجسدا فى صورة إنسان خمس مرات ومن تلك المرات الخمس مرة تحت اسم راما وأخرى تحت إسم كرشنا.
وعبد البابليون (٢) ثالوثا كونوه من أنو وأنليل وأنكي (آلهة السماء والهواء والأرض) وثالوث آخر من أجرام سماوية هى الشمس والقمر وكوكب الزهرة.
وعبد الآرميون ثالوثا مكونا من الاله (هدد) والابن (سيميوس) والالهة (أترجاتيس) وفى الجزيرة العربية عبد ثالوثا من الكواكب إله الزهرة وإله القمر وإله الشمس)
الثالوث فى الفلسفة:
ابتكر افلوطين وهو من مؤسسي الأفلاطونية الحديثة (مع معلمه آمون ساكاس) ثالوثا من ثلاثة أقانيم ينبثق بعضها من بعض بالفيض الإلهي.
وقد سمى أفلوطين الأقنوم الأول باسم الأول أو المطلق أو الخير.
ووصف هذا الأقنوم بالكمال وأنه لا متناهي فى عدم تحيزه المكاني أو تحدده الكيفي، والأقنوم الثاني واسماه العقل الكلي، وهو يصدر وينبثق من الأقنوم الأول كما
стр. 200
يصدر شعاع الشمس منها أو تنبعث الحرارة من النار، واستخدم أفلوطين الكلمة أو اللجوس ليعبر عن هذا العقل فى علاقته بالأقنوم الاول.
الاقنوم الثالث ودعاه أفلوطين بالنفس الكلية، وتنبثق من العقل. وقد استعارت المسيحية الاصطلاح الأقنومي ونظرية الفيض الإلهي لتعبر عن انبثاق وولادة الأقانيم بعضها من بعض.
ويؤكد المؤرخون أن آباء الكنيسة الأوائل قد نهلوا من معين الفلسفة اليونانية.
فالقديس أوريجين (١٨٥ إلى ٢٥٤) تتلمذ على يد الفيلسوف آمون ساكاس إمام الأفلاطونية الحديثة، والقديس بانطاينوس ٢١٦:١٧٩ قد جمع بين الكتاب المقدس والفكر اليوناني والخلق الرواقي والاهتمام باللوغوس، وكذلك القديس كلمنت (٢١٥:١٥٠) كان يرأس مدرسة الموعوظين بالاسكندرية خلفا لبانطاينوس، وقد درس أيضا الفلسفة اليونانية.
وأيضا هرقل، ويعتبر أول من حمل لقب البابا قام بدراسة الفلسفة قبل أوريجين بخمس سنوات.
إن تأثر المسيحية بالديانات الوثنية التي كانت منتشرة عند نشأتها وكذلك بالمذاهب الفلسفية الموجوده حينئذ أمر طبيعي لعدم وجود عقيدة واضحة ومحددة ومنزلة بوحى إلهى، فكثرت التأويلات وتخبطت الآراء وتعددت الانشقاقات حيث ظهرت
стр. 201
السوسنيانية (١) والسابللية (٢) والسميسطائية (٣) والنوفاتية والدوناتية (٤) ناهيك عن الهوموسية والهومويوسية والهوموية والأنومية والنسطورية إلخ (٥)
ويقول فشر (٦) أن المسيحية لم تأت بجديد فقد ورثت العهد القديم عن اليهودية وأخذت الأسرار الكنسية المقدسة عن الديانات السرية، يضاف إلى ذلك أن القول بوجود واسطة بين الله والناس أمر مألوف عند الفرس وأهل الأفلاطونية الحديثة سواء.
ويقول نورمان كانتور (٧) أن أوريجين عالم اللاهوت المسيحي الذي يعد مؤسس مدرسة الإسكندرية المسيحية قد أرسى تقليداً لتفسير العقيدة المسيحية فى اصطلاحات أفلاطونية ويضيف أن أوغسطين (٤٣٠:٣٥٤) قد نهل كثيرا من مورد الفلسفة الأفلاطونية فى كتاباته اللاهوتية، وعلى الصعيد العملي تركت الأفلاطونية الحديثة بصماتها على اللاهوت بأسره.
стр. 202
تأليه البشر وأبناء الله
تعد دولة أكد السامية (٢٣٥٠ق. م) هى أول دولة استحدثت تأليه الملوك (١) حيث ارتبط اسم (سرجون) أول ملوك أكد بالصفات المقدسة ومن بعده جاء الملك نرامسن الذي كان ينادي بلقب نرامسن المقدس إله أكد (٢)
كذلك فى عصر إحياء الدولة السومرية استمر الملوك فى اكتساب الصفات الإلهية فبنيت لهم المعابد وقدمت لتماثيلهم العطايا والقرابين، وألفت الأناشيد والترانيم لتمجيدهم كما يتضح من هذا النشيد المصاغ عن الملك (شولجي):
أنا ملك الأحياء الأربعة (العالم)
وإله كل البلاد
والإبن المولود لنن سون (اسم إلهة)
أنا الذي باركني أنليل (إله الهواء)
ومنحنى أنكي الحكمة (إله الأرض)
كذلك ذكر الملك (جوديا) أنه ابن الألهات نن سون ونانشي (ألهة الحكمة) وجاتو مدوج.
стр. 203
وكان يخاطب جوديا الإلهة جاتو قائلا:
ليس لى أم أنت أمي
ليس لي أب أنت أبي
واستعمل اسم الملك شولجي كجزء من أسماء رعاياه مثل (شولجي إلهي) و (شولجي خالقي) و (شولجي والدي)
وجاء من بعده ابنه (أمرسن) الذي قبل العطايا فى المعابد المكرسة له كما فعل أبوه وقد ظل هذا الملك فى عداد مجمع الآلهة.
ومن دراسة آثار حمورابي يستدل على أنه كان يكتسب الصفة الإلهية فقد أطلق على نفسه إله الملوك (١) وادعي أن شرائعه المشهورة كانت وحيا من إله الشمس (شمش) وإن الإله مردوك انتدبه ليحكم البشر ومدينة بابل.
وفى مصر كان اتوم أول إنسان مصري يقوم الشعب بتأليهه واعتباره إله الشمس الغاربة وهو الذي قام بخلق بقية الثالوث وهما الإله شو والإلهة تفنوت (٢)
وكما قدس المصرييون أتوم فى حياته قدسوا اوزوريس بعد مماته فكان أول إنسان يؤله بعد موته.
стр. 204
وقد ادعي فراعنة الأسرات الأولى أنهم مقدسون، وكان الفرعون نفسه مقتنعا بقدسيته الشخصية كاقتناع رعيته (١)
وكان رعاياه مجبرين على طاعته وطائفة الكهنة منشغلة بالتوكيد الدائم لقدسيته.
ففرعون مصر كان تجسيدا لإله الشمس على الأرض أى أنه إله متجسد رضى أن تكون الأرض موطنا له إلى حين (٢) وفى الوقت نفسه ابنا للإله آمون - رع.
وكان كهنة المعابد قد أعلنوا إمكانية حلول الالهة فى أجساد الملوك فأصبح كون هؤلاء الملوك آلهة أمرا مألوفا.
وفى زيارة الإسكندر الأكبر لمبعد سيوه زعم كهنة هذا المعبد أنه ابنا للإله آمون رغم أن أمه كانت قد أعلنت أن الإله عطارد نفخ فيها فحبلت به أى ابنها ابنا للإله عطارد.
ومنذ بداية العصر الإمبراطوري فى عهد أغسطس قيصر قامت ديانة رسمية على أساس تأليه الإمبراطور بعد مماته.
ومن وجهة نظر شعبه كان أغسطس حاكما إلهيا وفى مصر لقبه المصريون باللقب الذي كانوا يلقبون به بطالستهم اى (الالهة)، وكان من ألقابه الرومانية لقب (ابن الإله)، ولقب أغسطس أى الممجد أو صاحب الجلالة وهى جميعا ألقاب للألهة.
стр. 205
وقد أله أغسطس قيصر بعد مماته وأدمجت عبادته بعبادة الآلهة (روما) (١)
وفى القرن الثالث الميلادي تطورت عبادة الأباطرة فاصبحوا يقدسون فى حياتهم (٢)
ولم يكن التأليه والتقديس من نصيب الملوك فقط فقد كان للفلاسفة نصيب أيضا فالفيلسوف اليوناني أنبا دوقليس (٤٩٠ق. م:٤٣٠ق. م) قد ادعى أنه مشتمل على روح إله (نظرية الحلول) ووصف نفسه بأنه إله خالد تحرر من الموت إلى الأبد (أى أنه خلص من عجلة الميلاد والتناسخ) وقد تبعه آلاف من الناس آملين الخلاص على يديه، وقد ألهه أتباعه بعد موته الذي تحوطه الأساطير.
ويقال أنه بعد اجتماع له مع اصدقائه (مثل مثرا وكذلك المسيح فى العشاء الرباني) اختفى تماما وظهر ضوء فى السماء (٣): وأحاطت شخصية فيثاغورس ٤٩٠:٥٧٠ كثير من الأساطير إذ كان مصلحا دينيا وصاحب فريق من الأتباع وتجمعهم عقيدة دينية واحدة واتجاه فلسفي واحد.
وكان فيثاغورس يعتقد بأنه كائن اسمى من البشر إذ كان يقول هناك بشر وآلهة وكائنات وسط بينهما مثل فيثاغورس.
وكان أتباعه يعتقدون أنه ابن الإله (أبولون) وأنه لم يمت وسيبعث بعد حين (٤).
стр. 206
وأحاطت الاساطير بجلجامش أحد ملوك الوركاء (أروك) بالعراق فاعتقد مواطنوه أن ثلثيه إله والثلث من البشر (١). وتشبه الملك انطيوخس خليفة الإسكندر به وأطلق على نفسه لقب الإلهي أو صاحب الشارة الإلهية.
إذاً من الواضح أن تأليه البشر وتقديسهم باعتبارهم آلهة متأنسة (فى صورة إنسان) أو أبناء آلهة كان أمرا مألوفا عند الشعوب الوثنية وقد بدأ فى دولة أكد منذ ٢٣٥٠ عاما قبل الميلاد كما يقول المؤرخ موسكاتي واستمرت إلى ٣٠٠ عام بعد الميلاد كما يقول المؤرخ كانتور.
أبناء الله فى الكتاب المقدس: الأبوة الإلهية
وردت الأبوة الإلهية للملائكة وللبشر فى مواضع كثيرة فى الكتاب المقدس (العهد القديم) جاء فى سفر التكوين أن الملائكة أبناء الله (وأن أبنا ءالله رأوا بنات الناس حسنات فاتخذوا منهن زوجات) صح ٢:٦
وجاء فى تفسير الرهبان اليسوعيين أن جنس العمالقة جاء نتيجة هذا التزاوج بين الملائكة وبنات الناس.
وجاء كذلك فى سفر أيوب (وكان ذات يوم أنه جاء بنو الله ليمثلوا أمام الرب، وجاء الشيطان أيضا فى وسطهم) أيوب صح ١:٢
стр. 207
وأطلق لقب ابن الله على شعب إسرائيل (فتقول لفرعون هكذا يقول الرب، اسرائيل ابني البكر، فقلت لك أطلق ابني ليبعدني) خروج صح ٢٢:٤
وتكرر ذلك فى موضع آخر (لما كان إسرائيل غلاما أحببته ومن مصر دعوت إبني) هوشع صح ١:١١ وكذلك (ويكون عوضا عن أن يقال لهم لستم شعبي، يقال لهم أبناء الله الحي) هوشع ١٠:١ وكذلك (أنتم أولاد للرب إلهكم) تثنية ١٤:١
وأعطى هذا اللقب لداود النبي (قال الرب لى أنت ابني أنا اليوم ولدتك، اسألني فأعطيك الأمم ميراثا لك وأقاصي الأرض ملكا لك) المزمور الثاني: ٧
وأطلق هذا اللقب على سليمان بن داود ﵉ (هو يبنى بيتا لا سمي وأنا أثبت كرسي مملكته إلي الأبد، أنا أكون له أبا وهو يكون لى ابنا) صموئيل الثاني صح ١٣:٧
وسليمان هو الذي بنى الهيكل المنسوب إليه.
وكذلك أطلق هذا اللقب على أفرايم بن يوسف ونسله، (لأني صرت لإسرائيل أبا وأفرايم هو بكري) أرميا ٩:٣١
وشعب إسرائيل قد دعا الله أبا لهم (أنت يارب أبونا ولينا منذ الأبد اسمك) اشعياء ١٦:٦٣ كذلك (والآن يا رب أنت أبونا نحن الطين وأنت جابلنا) أشعياء ٨:٦٤
ونتسائل ما المقصود بالأبوة الإلهية فى الديانة اليهودية وما معنى (أبن الله) أو (أبناء الله) الذي ورد فى العهد القديم؟
стр. 208
ويجيب على ذلك يهودا فيلون الفيلسوف اليهودي (٣٠ق. م إلي ٤٠م) قائلا: ينقسم الإنسان إلي ثلاثة أقسام: وليد الأرض وهو من يطلب متاع الجسد ووليد السماء وهو من يطلب متاع الفكر ووليد الله من تجرد عن الدنيا وزهد فى متاعها وهذا فى زمرة الهداة والمرسلين، إذاً الأبوة الإلهية عند اليهود مجازية وتختلف عن تلك المعتقدة عند الوثنيين.
وفى الأناجيل كثر استعمال لقب ابن الله وأطلق على تلاميذ المسيح والمسيحيين الأوائل وصانعي السلام، (طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون) متى ٩:٥
وعلى الرحماء (كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم)، (فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي فى السموات هو كامل) متى ٤٨:٥ وكذلك (لكى تكونوا أبناء ابيكم الذي فى السموات) متى ٤٥:٥، أيضا (فأبوك الذي يرى فى الخفاء هو يجازيك علانية) متى ٤:٦، ومخاطبة الله فى الصلاة (ابانا الدى فى السموات) وفى إنجيل يوحنا (لنا اب واحد هو الله) ٤١:٨
وواضح أيضا أن الأبوة الإلهية هنا مجازية، ونتسائل ما الذي أدى إلي تأليه المسيح والرجوع بالبشرية إلى الوثنية من جديد؟ ما الذي أدى إلي فهم الأبوة الإلهية بمعناها اللفظى مما أنزل الإنسان إلي عقلية الإنسان البدائي فى دولة أكد وسومر ومصرالفرعونية؟
يقول يوهان سملر أستاذ الفلسفة فى (هالة): أن المسيحية قد جرفها عن تعاليم المسيح لاهوت القديس بولس الذي لم ير المسيح قط.
стр. 209
ويؤكد فولتير ذلك قائلا أن المسيح كان يهوديا يتمسك بالديانة اليهودية طيلة حياته ويؤدي شعائرها ويتردد على المعبد اليهودي ولا ينطق بشئ يخالف الشريعة اليهودية، يقينا أنه ليس هو الذي أسس الديانة المسيحية، أن المسيح لم يبشر بأية خصيصة واحدة من خصائص المسيحية.
وقد أعلن المسيح الهدف من رسالته (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل) متى ١٧:٥ الناموس: شريعة موسى
ويتسائل فولتير لماذا نبذت المسيحية شريعة موسى على الرغم من تكرار توكيد المسيح عليها؟ وهل كان بولس الذي نبذ هذه الشريعة له سلطة أومرجعا أقوى من المسيح؟
إن قصر الفترة الزمنية التي استغرقتها رسالة المسيح (ثلاث سنوات وبضعة شهور) لم تتح للمسيح إرساء قواعد رسالته فهى فترة زمنية غير كافية لتأسيس ونشر ديانة كما أن رحيل المسيح المفاجئ عن التلاميذ جعلهم نهبا للشكوك وفريسة لخيبة الأمل فى تأسيس دولة اليهود وتبوء مراكز قيادية فى تلك الدولة.
إن الديانة المسيحية قد ولدت والديانات الوثنية محدقة بها من كل جانب، ففى مصر عبد المصريون الثالوث أوزوريس والإبن حورس والآلهة ايزيس واعتبر المصريون ايزيس أم الاله حورس فصوروا لها صورا من الجواهر وأقاموا التماثيل لها فى معبد ابنها اله الشمس، ولقد كان لهذه الأساطير والرموز الشعرية الفلسفية
стр. 210
أعمق الأثر فى الطقوس المسيحية وفى الدين المسيحي، حتى أن المسيحيين الاولين كانوا أحيانا يصلون أمام تمثال ايزيس الذي يصورها وهى ترضع طفلها حورس (١)
ويقول جورج سارتون: إن طقوس عبادة ايزيس المتقنة الرهيبة قد مهدت السبيل إلي طقوس سيدتنا مريم العذراء (٢)
كما كان الاعتقاد بموت الإله أوزيريس ثم قيامته من الأموات راسخا عند الفراعنة حتى يكتسبوا هم أيضا الخلود فيبعثوا معه (٣).
ويردد المسيحيون صدى هذا الاعتقاد بقولهم: لما كان المسيح يحيا حقا سوف أحيا ولما كان المسيح لن يموت فلن أموت.
وقد غزت عبادة الاله الفارسي (مثرا) الإمبراطورية الرومانية قادمة من بلاد فارس والهند وكان يمثل هذا الاله فى صورة الشاب ذي الوجه الوسيم الذي تعلوه هالة من نور ترمز إلي الوحدة القديمة بينه وبين الشمس (٤). وكان يفرد تابعوه يوم الأحد لعبادته (يوم الشمس) ويحتفلون بمولده فى الخامس والعشرين من ديسمبر (يوم الاعتدال الخريفي) وهو نفس يوم الاحتفال بمولد السيد المسيح عند الكنيسة الغربية. كما يعتقد علماء علم مقارنة الأديان اقتباس المسيحية لطقس العشاء الرباني من هذه الديانة وكانت ديانة ديونسيس فى اليونان قد زحفت أيضا إلي الإمبراطورية
стр. 211
الرومانية، وقد ولد الإله ديونسيس (إله الخمر والشمس) فى مذود كما ولد السيد المسيح، كما أن أول معجزة قام بها السيد المسيح كانت تحويل الماء خمرا عرفت فى عباة ديونسيس كمعجزة من معجزاته بصفته إلها للخمر. ومن حيوانات ديونسيس المقدسة الحمل والحمار وعلى الحمار ركوبه (١) ونرى السيد المسيح يطلب جحشا وحمارة لدخول أورشليم (إنجيل متى) وكما أشرنا من قبل أن يوم الاحتفال بميلاد ديونسيس هو السادس من يناير. (٢) هكذا تأثرت المسيحية بالأديان الوثنية التي كان يعج بها العالم حينئذ فتركت الوحدانية التي شددت عليها شريعة موسى واتخذت الثالوث الها، كما انبهرت بعقيده الإله المخلص الذي يموت ثم يقوم من الاموات منتصرا على الموت فأخضعت لها المسيح فاصبح فى مصاف أوزريس وبعل وأرتيس وتموز .. وغيرهم من الآلهة المخلصة التي عرفت عند الوثنيين.
إن العقل المتحضر يرفض تماما فكرة تأليه المسيح، يقول جوته (٣): أنا أنحني أمام المسيح بوصفه المظهر الالهي لأسمي مبدأ للفضيلة وكذلك أعبد الشمس كما أعبد المسيح لأنها مظهر معادل من مظاهر القوة الإلهية.
لقد اعتبر جوته السيد المسيح كالشمس مخلوقا تتجلى فيه قدرة الله. فلمادا يعبد دون مخلوقات الله
стр. 212
ويقول جوتسهولت ليسنج أن المسيح أفضل إنسان مثالي ولكن ليس تجسيدا للإله. ويقول جون تولاند (١) أن الاعتقاد بإله ذى شخصية إنسانية يرجع إلي الوثنية ويقول هرمان رايماروس (٢) إن المسيح ليس ابنا لله بل هو صوفيا متحمسا.
وقد أنكر يوهان شولتز وهو أحد القساوسة لاهوت المسيح فطرد من وظيفته وقد وصف كارل بارت السيد المسيح بأنه معلم عظيم فقط مثل كونفوشيوس وسقراط وسملر ومثله هو (أى كارل بارت) وقد طرد أيضا من القسوسية.
стр. 213
خطيئة آدم (الخطيئة الأصلية)
تعتبر خطيئة آدم حجر الزاوية للعقيدة المسيحية، فمن أجل إزالة إثم هذه الخطيئة التي توارثها أبناء آدم على مدي آلاف السنين (كما يعتقدون) أرسل الله ابنه أو نزل هو فى صورة الإبن ليصلب ويقتل على الصليب (كما يعتقدون).
فما هي خطيئة آدم كما وردت فى التوراه (١)
يقول سفر التكوين (وأوصى الرب الإله آدم قائلا من جميع شجر الجنة تأكل أكلا وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها) صح ١٦:٢ ولكن الشيطان تجسد فى شكل حية ودخل الجنة وأوعز إلي حواء فأغرت بدورها آدم فأكلا من الشجرة المحرمة. إذاً آدم وحواء عصيا الله وكان عقاب الله لهم كما يلي (فقال الرب الإله للحية لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم .. على بطنك تسعين وترابا تأكلين كل أيام حياتك) وعقاب حواء كان كالآتي (وقال للمرأة كثيرا أكثر أتعاب حبلك بالوجع تلدين أولادا) سفر التكوين صح٣.
وعقاب آدم (ملعونة الأرض بسببك .. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك وشوكا وحسكا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها) تكوين ٣: ١٧ - ١٩ إن العقاب تمثل فى الطرد من الجنة
стр. 214
والمعاناة والشقاء فى الرض حيث مصارعة العوامل الطبيعية من أجل البقاء. وزيادة آلام الحمل والولادة بالنسبة لحواء.
وصاحب عقيدة الخطيئة الأصلية وتوارثها هو القديس بولس وهو كذلك مصمم عقيدة تأليه المسيح، ويفتخر بذلك الاكتشاف فيقول (إن كنتم قد سمعتم بتدبير نعمة الله المعطاة لى لأجلكم إنه بإعلان عرفني بالسر) الرسالة إلي أهل أفسس ٢:٣ ويعترف بولس أن أحد من قبله لم يعلم بما عرفه (الذي فى أجيال أخرى لم يعرف به بنو البشر) الرسالة إلي أهل أفسس ٢:٣
أن بولس يقول عن توارث الخطيئة التي ارتكبها آدم (كل ابن أنثى يرث خطيئة آدم وأن لاشئ ينجيه من العذاب الأبدي إلا موت ابن الله ليكفر بموته عن خطيئته) الرسالة إلي العبرانيين ٢٦:٧
ويقول بولس أن الخطيئة التي اقترفها آدم قد أفسدت طبيعة أبنائه أى الطبيعة البشرية وجعلتها شريرة (الذين نحن أيضا جميعا تصرفنا قبلا بينهم فى شهوات جسدنا عاملين مشيئات الجسد والأفكار وكنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضا) فى رسالته إلي أهل أفسس.
ويبدو أن بولس هذا ومن آمنوا بنظريته تلك عن توارث الخطيئة لم يقرأوا كتابهم المقدس حيث جاء فى سفر حزقيال (وإن ولد ابنا رأى جميع خطايا أبيه التي فعلها فرآها ولم يفعل مثها .. فإنه لا يموت بإثم أبيه، حياة يحيا) ١٤:١٨
стр. 215
وكذلك (النفس التي تخطئ هى تموت، الإبن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الإبن، بر البار عليه يكون، شر الشرير عليه يكون) حزقيال ٢٠:١٨ وجاء أيضا فى سفر التثنية (ولا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيئته يقتل) ١٦:٢٤
وكما تعارض نصوص العهد القديم مبدأ توارث الخطيئة، يعارض الفلاسفة العقلانيين والمفكرين مبدأ إفساد الخطية للطبيعة البشرية حيث يقول ايمانويل كانط متسائلا كيف بدأ الشر فى طبيعة البشر؟ إنه لم يبدأ بسبب الخطية الأصلية.
فلا ريب أن أشد التفسيرات كلها سخفا لذيوع هذا الشر وانتشاره فى جميع أفراد وأجيال نوعنا هو التفسير الذي يصفه ميراثا منحدرا إلينا من أبوينا الأولين. وربما كانت النوازع الشريرة قد تأصلت فى الإنسان تأصلا قويا لأنها كانت ضرورية للبقاء فى الأحوال البدائية، وهى لا تصبح رذائل إلا فى المدينة، فى المجتمع المنظم (١).
ويقول جوته: إنني لا أشعر إطلاقا بأنني أحمل تلك الخطيئة ولست فى حاجة إلي إله يموت كفارة عنى (٢).
ويقول جون لوك٢ أرفض الاعتقاد بأن كل سلالة آدم قد حكم عليها بعذاب أبدي لا نهائي من أجل خطية الرجل الأول (آدم) الذي لم يسمع عنه قط ملايين من الناس.