← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38188

هل افتدانا المسيح على الصليب

منقذ السقار

Полный текст (228 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

" الذي في أيام جسده، إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت، وسمع له من أجل تقواه" (عبرانيين ٥/ ٧). فهذا النص، شهادة ناطقة، بأن الله استجاب للمسيح تضرعه في تلك الليلة التي قضاها في بستان جثماني، وصرف عنه ما كان يحذره ويخافه من الصلب والبلاء، وهذا ما تيقنه المسيح من ربه " أيها الآب أشكرك، لأنك سمعت لي، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي" (يوحنا ١١/ ٤٠ - ٤١). وقد رأى المحققون في هذه النصوص نبوءات تتكامل لتؤكد حقيقة واضحة تفيد بنجاة المسيح ﵇ من يد أعدائه، وأنه سيرفع للسماء، فهو المكان الذي لا يقدرون عليه، ولا يمكن أن يكون مقصده من هذه الأقوال الموت، فإن ذلك أمر يطيقه كل أحد، كما أن أحداً لا يتحدى أعداءه بأنه سيموت وهم لن يستطيعوه. لقد كان المسيح يتحدى أعداءه وهو يقول: " هو ذا بيتكم، يترك لكم خراباً، لأني أقول لكم: إنكم لا ترونني من الآن، حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب " (متى ٢٣/ ٢٨ - ٢٩). تنبوءات الأناجيل المرفوضة عند الكنيسة بنجاة المسيح ومما يؤكد ما ذهب إليه علماؤنا من نجاة المسيح وصلب غيره: ما جاء في إنجيل برنابا، وما وجد في مخطوطات نجع حمادي في مصر؛ حيث كشف بعد الحرب العالمية الثانية عن ثلاثة وخمسين نصاً، تقع في ألف ومائة وثلاثة وخمسين صفحة، ومن هذه النصوص ما تحدث عن نجاة المسيح، وأنه لم يصلب. (١) ولم يرد في هذه المخطوطات أيُّ ذِكْرٍ لمحاكمة المسيح وصلبه، بل جاء في رؤيا

стр. 107

بطرس على لسان بطرس: "رأيته يبدو كأنهم يمسكون به، وقلت: ما هذا الذي أراه يا سيد؟ هل هو أنت حقاً من يأخذون؟ .. أم أنهم يدقون قدميّ ويديّ شخص آخر؟ .. قال لي المخلص: .. من يُدخلون المسامير في يديه وقدميه هو البديل، فهم يضعون الذي بقي في شبهة في العار! انظر إليّ، وانظر إليه ". وفي مخطوطة أخرى من هذه المخطوطات وهي كتاب " سيت الأكبر " جاء على لسان المسيح "كان شخص آخر، هو الذي شرب المرارة والخل، لم أكن أنا ... كان آخر الذي حمل الصليب فوق كتفيه، كان آخر هو الذي وضعوا تاج الشوك على رأسه. وكنت أنا مبتهجاً في العُلا .. أضحك لجهلهم ". وفي مخطوطة " مقالة القيامة " ما يدل على أن المسيح مات موتاً طبيعياً، وأن روحه المقدسة لا يمكن أن تموت. (١) وفي أعمال يوحنا وهو أيضاً من أسفار الأبوكريفا أن المسيح قال: "لست أنا يسوع المعلق على الصليب". (٢) أما إنجيل برنابا، فيذكر قصة مقاربة لتلك القصة الموجودة في الأناجيل، فيذكر أن المسيح دعا وتضرع في البستان، وأنه كان معه تلاميذه الأحد عشر، وأن يهوذا جاء مع الجند ليدلهم على مكان المسيح، مقابل ثلاثين من الفضة، وأن التلاميذ كانوا نياماً، وأنهم هربوا لما استيقظوا ورأوا الجند. وكذا يذكر برنابا أن المأخوذ (يهوذا) قد أخذ إلى رئيس الكهنة الذي سأله إن كان هو المسيح، وعرضه على الوالي الذي كان يريد إطلاق سراحه، لقناعته ببراءة

стр. 108

المقبوض عليه، لكن الجموع رفضت ذلك. وثمة نقاط صغيرة كثيرة أخرى تتشابه فيها رواية برنابا والروايات الإنجيلية، لكن رواية برنابا تفترق في نقاط، أهمها: - أن المقبوض عليه هو يهوذا، الذي ألقي عليه شبه المسيح. - أن المسيح أخرجته الملائكة سالماً، وصعدت به إلى السماء، وأنه عاد بعد ذلك واجتمع بتلاميذه، وأخبرهم بحقيقة ما حصل، وبأنه نجا، وأن الذي دفنوه وصلبوه وسرقوه هو يهوذا الأسخريوطي. - أن الجسد المصلوب قد سرقه بعض التلاميذ من القبر، وأشاعوا قيامة المسيح من القبر، ثم يختم بذكر صعوده إلى السماء، بعد وداعه لأمه وتلاميذه. ومما ذكره برنابا في قصته: " فاعلم يا برنابا أنه لأجل هذا يجب عليّ التحفظ، وسيبيعني أحد تلاميذي بثلاثين قطعة نقود، وعليه فأنا على يقين من أن من يبيعني يقتل باسمي، لأن الله يصعدني في الأرض، وسيغير منظر الخائن، حتى يظنه كل أحد إياي، ومع ذلك لما يموت شر ميتة؛ أمكث في ذلك العار زمناً طويلاً في العالم، ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس، تزال عني هذه الوصمة، وسيفعل الله هذا، لأني اعترفت بحقيقة مسيّا، الذي سيعطيني هذا الجزاء، أي أن أعرف أني حي، وأني بريء من وصمة تلك الميتة. فأجاب من يكتب (أي برنابا): يا معلم. قل لي من هو ذلك التعيس؟ لأني وددت لو أُميته خنقاً. أجابه يسوع: صه، فإن الله هكذا يريد، فهو لا يقدر أن يفعل غير ذلك، ولكني متى حلت هذه النازلة بأمي، فقل لها الحق، لكي تتعزى ... وخرج يسوع من البيت، ومال إلى البستان ليصلي، فجثا على ركبتيه مائة مرة

стр. 109

معفراً وجهه كعادته في الصلاة ... ولما دنت الجنود مع يهوذا في المحل الذي كان فيه يسوع سُمع دنو جم غفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفاً، وكان الأحد عشر نياماً، فلما رأى الله الخطر على عبده، أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه، ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد". ثم يمضي برنابا هو يصور ما حصل ليهوذا الخائن، فيقول: "ودخل يهوذا إلى الغرفة، دخل يهوذا مندفعاً أمام جميع من كانوا معه إلى الحجرة التي كان فيها عيسى، ثم رفع منها إلى السماء، بينما كان التلاميذ نياماً، على أن الله العظيم القادر على كل شيء، تصرف تصرفاً عجيباً، فحول يهوذا إلى صورة عيسى وهيئته وصوته وأسلوب حديثه تماماً، حتى اعتقدنا أنه عيسى، ولما استيقظنا من النوم كان يدور ليعرف مكان المعلم، أما نحن فعجبنا للأمر، فقلنا له: إنك أنت معلمنا ومولانا، هل نسيتنا؟ فضحك يهوذا، وقال: إنكم لحمقى، ألا تعرفونني؟ أنا يهوذا الأسخريوطي، وفي هذه اللحظة دخل الجنود، ووضعوا أيديهم على يهوذا، فقد كان صورة طبق الأصل لعيسى. ولما سمعنا نحن قول يهوذا، ورأينا كتائب الجنود هربنا واختفينا، كان يوحنا يلتف بقماش من التيل، فاستيقظ وهرب، ولما أمسك أحد الجنود بقطعة القماش، تركها له، وفر هارباً عاري الجسد، إذ كان الله قد سمع دعوة عيسى، وبالفعل نجا التلاميذ الأحد عشر من كل شر" (برنابا ٢١٤/ ١ - ٢١٦/ ١٣). ثم لما رجع يسوع ﵇ من السماء لوداع أمه " وبخ كثيرين من الذين اعتقدوا أنه مات، وقام قائلاً: أتحسبونني أنا والله كاذبين، لأن الله وهبني أن أعيش حتى قبيل انقضاء العالم، كما قد قلت لكم، الحق أقول لكم: إني لم أمت، بل يهوذا الخائن.

стр. 110

احذروا، لأن الشيطان سيحاول جهده أن يخدعكم ... وبعد أن انطلق يسوع تفرق التلاميذ في أنحاء إسرائيل والعالم المختلفة. أما الحق المكروه في الشيطان فقد اضطهده الباطل كما هي الحال دائماً، فإن فريقاً من الأشرار المدعين أنهم تلاميذ بشّروا بأن يسوع مات ولن يقوم، وآخرون بشروا بأنه مات بالحقيقة ثم قام، وآخرون بشروا ولا يزالون يبشرون بأن يسوع هو ابن الله، وقد خدع في عدادهم بولس. أما نحن فإنما نبشر - بما كتبت - الذين يخافون الله، ليخلصوا في اليوم الأخير لدينونة الله" (برنابا ٢٢١/ ١٥ - ٢٢٢/ ٦). وهكذا نرى الحقيقة بادية وضوح الشمس في رابعة النهار، نطقت بها النبوات نبياً بعد نبي في جلاء ووضوح عجيب. ويتساءل المرء: لِمَ لَمْ يتوصل النصارى إلى هذه الحقيقة الجلية؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال يرى منصور حسين أن الطريقة الخاطئة والمغلوطة التي يفكر بها النصارى، هي التي حجبت شمس الحقيقة عنهم. وكمثال لطريقتهم في التفكير، ينقل عن الدكتور ر. أ. ترى في كتابه " كيف تدرس الكتاب المقدس ". فقد وضع الدكتور النصراني شروطاً ينبغي أن يتحلى بها قارئ الكتاب المقدس، ليحصل على أكبر قدر من الفائدة فمن هذه الشروط: أن يكون القارئ مولوداً ولادة ثانية (مسيحياً)، وأن يكون محباً للكتاب المقدس، وعنده استعداد للكد والجد في دراسته .... ويتوقف منصور حسين مع شرطين مهمين: أولهما: أن يكون عند الدارس " إرادة مسلَّمة تسليماً كاملاً .... ". وثانيهما: " أن ندرسه باعتباره كلمة الله ".

стр. 111

فيرى الأستاذ منصور حسين أن هذين الشرطين يفرضان على قارئ الكتاب المقدس التسليم والإيمان بأن ما يقرأه هو وحي الله، الذي لاشك فيه ولا لبس، مهما ظهر فيه من التناقض، والخطأ، والتعارض مع المعتقدات النصرانية. فمثلاً: عندما يقرأ النصراني في المزمور قوله: " أما أنا فدودة لا إنسان، عار عند البشر" (المزمور ٢٢/ ٦) يجد أنه من غير المنطقي أن يكون هذا عن المسيح، لكنه يسلم لمشيئة مؤلفي العهد الجديد، فيقول بأنه نبوءة عن المسيح رغم استحالتها بحقه. ويفعل الشيء نفسه، وهو يقرأ " الرب مخلص مسيحه " (المزمور ٢٠/ ٦) وهكذا فهم يضعون النتائج أولاً، ثم يقرؤون الكتاب المقدس. وهكذا، فإن المتأمل لهذين الشرطين " ليكاد يقطع بأن واضعهما يعرف - بيقين - أن لو أطلقت للباحث حرية البحث عن الحقيقة وحدها، فإنه سينتهي من العهد القديم إلى ما يخالف ما جاء به العهد الجديد (من حديث عن صلب المسيح)، فيصل إلى أن الله مخلص مسيحه، ورافعه إليه، وأن الذي سيقبض عليه ويحاكم ويصلب هو يهوذا ". (١)

стр. 112

كيفية نجاة المسيح من المؤامرة وإذا كانت الأدلة قد شهدت للمسيح بالنجاة، وأن مؤامرة الأشرار لن تلحق به الأذى، فنجا المسيح من الموت على الصليب الذي أراده له أعداؤه. فإن ثمة سؤالاً يطرح نفسه: كيف نجا المسيح؟ وكما أسلفنا فإن القرآن والسنة النبوية لا يذكران كيفية نجاة المسيح، وكل ما ذكره القرآن أن الله شبه عليهم غير المسيح، فأخذوه وليس لهم به علم يقيني. لذا نعود إلى قصة الأناجيل وهي تتحدث عن الصلب المزعوم، لنرى كيف نجا المسيح؛ ولابد لنا هنا من قراءة ما بين سطور القصة الإنجيلية، لتلمس الحقيقة التي يصرح الإنجيليون بخلافها. وبداية نذكر أن المسلمين لا يرون كثير ضير بالقول بالكثير من التفصيلات التي أوردتها الأناجيل، وإن كنا نشك في حصول بعضها، لكن نقبلها تنزلاً مع محاورينا من النصارى، ومنها: ١) أن المسيح خرج إلى البستان برفقة تلاميذه، وأنه أخبرهم بأنه سيتعرض لمؤامرة من أحد التلاميذ مع اليهود الذين يريدون صلبه. ٢) أن المسيح دعا في تلك الليلة طويلاً، وبإلحاح كبير طالباً من الله أن يصرف عنه كأس الموت. ٣) أن المسيح استسلم لقضاء الله وقدره، فقال: " ليس كما أريد أنه بل كما تريد أنت " (متى ٢٦/ ٣٩) وقال: " فلتكن مشيئتك" (متى ٢٦/ ٤١). ٤) المسيح يصلي، والتلاميذ نيام، ويحاول إيقاظهم مرة بعد مرة.

стр. 113

٥) وصل يهوذا الأسخريوطي الخائن، ومعه الجند، يحملون مشاعل وسيوفاً وعصياً، للقبض على المسيح، وقد جعل يهوذا علامة للجند أن يقبل المسيح. ٦) وصلت الجموع؛ فخرج إليهم المسيح، وقال: من تطلبون؟ فأجابوه: يسوع الناصري. فقال المسيح: " أنا هو ... فلما قال لهم: إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء، وسقطوا على الأرض " (يوحنا ١٨/ ٥ - ٦). ٧) حاول بطرس الدفاع، لكنه كان أعجز من ذلك، فهرب وجميع التلاميذ. ٨) اقتيد المأخوذ (وهو غير المسيح) للمحاكمة عند رئيس الكهنة، ثم بيلاطس، وبطرس يتابعه في بعض ذلك، وقد أنكره تلك الليلة ثلاث مرات. ٩) في المحاكمة سأل رئيس الكهنة، واستحلف المأخوذ إن كان هو المسيح، فأجابه: "أنت قلت، وأيضاً أقول لكم: من الآن، تبصرون ابن الإنسان جالساً يمين القوة، وآتياً على سحاب السماء " (متى ٢٦/ ٦٤). ١٠) حكمت المحكمة على المأخوذ بالقتل، واقتيد إلى بلاط بيلاطس الذي سأله: إن كان هو ملك اليهود، فأجابه: " أنت تقول "، ثم لم يجبه بكلمة واحدة، حتى تعجب بيلاطس منه. ١١) لم يجد الوالي للمأخوذ علة في المقبوض عليه يستحق عليها القتل، فأراد أن يطلقه، لكن الجموع أصرت على صلبه، وإطلاق باراباس، فأعلن براءته من دم هذا البار، وأسلمه لهم. ١٢) اقتيد المأخوذ إلى موضع الصلب، وصلب بجوار لصين. ١٣) صرخ المصلوب على الصليب، فسقوه خلاً، ثم أسلم الروح. ويفترق المسلمون عن الأناجيل في مسألة مهمة، وهي من هو المأخوذ من ساحة

стр. 114

القبض على المسيح؟ فيراه المسلمون يهوذا الأسخريوطي، التلميذ الخائن، ويلزمنا إقامة الدليل على ذلك، إذ هي موضع النزاع، وقد كنا قد أقمنا الأدلة على ذلك من سفر المزامير. ولتصور القول بأن يهوذا هو المأخوذ، وأنه حصل التباس عند آخذيه، فإنا نتصور الجموع الكثيرة والتي تقارب الألف وهي تسير، تحمل المشاعل والسيوف والعصي، وتتكون من جنود وغوغاء يتقدمهم يهوذا. ولما وصل الجمع إلى المسيح كان التلاميذ نياماً، وقد حاول المسيح إيقاظهم مراراً فلم يستطع، برغم أن الموقف كان صعباً، فقد كانت عيونهم ثقيلة، واقتربت الجموع من المسيح يتقدمهم يهوذا، والتلاميذ نيام " فلما قال لهم: إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء، وسقطوا على الأرض " (يوحنا ١٨/ ٦). وهنا نتوقف ملياً، لنقرأ ما غفلت عن ذكره السطور. فما فائدة سقوطهم على الأرض؟ وما الذي أسقطهم؟ وماذا أفاد المسيحَ سقوطهم، إذا كانوا سيقبضون عليه بعدها؛ وَلم لَمْ يتكرر السقوط عندما أرادوا أخذه بعدها؟ ولنحاول أكثر أن نتصور ما حدث في تلك اللحظة، فقد اقترب يهوذا لتقبيل المسيح كعلامة للجند على أنه المطلوب، وفي تلك اللحظة اقترب الجند، حملة المشاعل والسيوف للقبض على المسيح، فتدخلت قدرة الله العظيم - كما ذكر يوحنا-، فسقطوا على الأرض، بعد أن رجعوا للوراء. ولك أن تتخيل ما حصل، من هرج، وتدافع، من جراء سقوط مقدمة هذه الجموع التي تحمل المشاعل، والتي هي فقط تنير لها ظلمة الليل البهيم. بعد ذلك الاضطراب والفوضى قام الساقطون من الأرض، وأفاقوا من ذهولهم

стр. 115

لما حصل لهم، ورأوا يهوذا وحده مبهوتاً أصابه الذهول، وقد رأى المسيح يرفع للسماء، وقد ألقى الله عليه الكثير من شبه المسيح، ولكن من سيتوقع أن هذا المذهول هو يهوذا، ومن الذي يعرفه وقتذاك؟ فكانت لحظةُ وقوع الجند: لحظة الخلاص كما وصفتها المزامير " الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه ... هم جثوا وسقطوا، أما نحن فقمنا وانتصبنا " (المزمور ٢٠/ ٨). وفي مزمور آخر: " أما أنت فتبارك، قاموا وخزوا" (المزمور ١٠٩/ ٢٨). وفي مزمور آخر يسجل تلك اللحظة الخالدة: "حينئذ ترتد أعدائي إلى الوراء " (المزمور ٥٦/ ٩)، و "ليرتد إلى خلف، ويخجل المشتهون لي شراً " (المزمور ٧٠/ ٢)، و" عندما اقترب إلي الأشرار ليأكلوا لحمي، ومضايقي وأعدائي عثروا وسقطواً" (المزمور ٢٧/ ٢)، "ليخز وليخجل معا الذين يطلبون نفسي لإهلاكها، ليرتد إلى الوراء، وليخز المسرورون بأذيتي" (المزمور ٤٠/ ١٤ - ١٥) وغيرها. بعدها حُمل يهوذا إلى المحاكمة وإلى ديوان بيلاطس، والشك في حقيقة شخصه يلاحقه في كل هذه الخطوات، فقد شك فيه رئيس الكهنة، وكانت إجاباته لبيلاطس وهيرودس تنبئ عن الذهول الذي أصابه، وعن عجزه عن بيان الحقيقة، التي لن يقنع أحداً إن ذكرها، فكان يجيبهم: " أنت تقول" (متى ٢٧/ ١١). ولما اجتمع في النهار مشيخة الشعب، ورؤساء الكهنة، " وأصعدوه إلى مجمعهم قائلين: إن كنت أنت المسيح، فقل لنا. فقال لهم: إن قلت لكم لا تصدقون، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني. منذ الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله. فقال الجميع: أفأنت ابن الله؟ فقال لهم: أنتم تقولون: إني أنا هو " (لوقا ٢٢/ ٦٦ - ٧٠). ولا يفسر هذه الإجابات الغريبة، بل وتلك الأسئلة الغريبة من أناس كانوا يرون المسيح في كل يوم، لا يفسره إلا أن نقول بأن المأخوذ هو غير المسيح، وإن أشبهه،

стр. 116

وهذا الشبه حير رؤساء الكهنة في حقيقة المأخوذ، فحاولوا استجلاء الحقيقة بسؤال المأخوذ، فلم ينكر ولم يثبت. وأما يهوذا فقد عرف أن لا فائدة من إنكاره، إذ لن يصدقه أحد، ولربما ولفرط ندمه قد استسلم لرداه، ورضي بعقوبة الله له، أن يصلب عن المسيح، لعله بذلك أن يفديه، لذلك تكرر سكوته. وهذا الموقف ليس بعيداً عمن ذكرت الأناجيل أنه لفرط ندمه خنق نفسه، وانتحر. لقد تحققت فيه نبوءات المزامير "وإذا حوكم فليخرج مذنباً ... ووظيفته ليأخذها آخر" (المزمور ١٠٩/ ٦ - ٨)، لقد أتى ليخطف المسيح، فلم يستطع .. "حينئذ رددت الذي لم أخطفه" (المزمور ٦٩/ ٤). وقد يشكل هنا أن متى ذكر في إنجيله أن يهوذا مات مخنوقاً (انظر متى ٢٧/ ٢ - ٥)، ويكفي في دفعه أن نتذكر ما ذكره سفر أعمال الرسل عن موته حين سقوطه وخروج أحشائه. (انظر أعمال ١/ ١٦ - ٢٠)، وسبب وقوع الإنجيليين في هذا التناقض اختفاء يهوذا، فاخترع كل من متى ولوقا نهاية ليهوذا تليق بجريمته، فهذا التناقض بين الروايتين الإنجيليتين، مشعر بوجود نهاية حقيقية، خفيت على الكاتبين، ودفعتهما لاختلاق روايتيهما. وقد يعترض معترض بذكر بعض الأحداث التي حصلت بعد وقوع الجموع، فقد ذكر الإنجيليون أن بطرس حمل السيف، وضرب أذن العبد فأمره المسيح برد السيف، لأن من ضرب بالسيف يؤخذ به، فهرب بطرس والتلاميذ. (انظر يوحنا ١٨/ ١٠ - ١٩)، وهذه القصة يجعلها يوحنا بعد حادثة تراجع الجند، ووقوعهم على الأرض.

стр. 117

ومثله ذكر يوحنا أيضاً بعد سقطتهم، أن المسيح سألهم: " من تريدون؟ فقالوا: يسوع الناصري. أجاب يسوع: قد قلت لكم إني أنا هو ... ثم إن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع، وأوثقوه " (يوحنا ١٨/ ٧ - ١٢). كما قد يعترض معترض بذكر ما انفرد به يوحنا، وهو حضور أم المسيح إلى ساحة الصلب، فيقول: لا يصح أن يخفى عليها حقيقة المصلوب، وأن ليس ابنها. لكن أمثال هذه النصوص التي لن يستطيع أحد أن يثبت وقوعها أو عصمة كُتابها لكثرة ما رأينا من أخطائهم وتناقضاتهم، ولا تنهض مثل هذه الروايات في الرد على نبوءات المزامير والأناجيل، وإلحاقُها بتناقضات الأناجيل وأخطائها أَوْلَى. وقد يعترض معترض على رفع المسيح ونجاته مستشهداً بروايات القيامة التي تشير إلى وجود أرضي للمسيح بعد حادثة الصلب، وهو اعتراض لا يعول عليه في مثل هذه المسألة لأنه بعض تلك الروايات المفككة، وهو على كل حال لا يتعارض مع نجاة المسيح من الصلب، بل نراه مؤكداً وشاهداً بها، فوجود المسيح يدل على أنه مازال حياً، وتخفيه من اليهود والرومان بصورة البستاني (انظر يوحنا ٢٠/ ١٤ - ١٥)، وبهيئات أخرى منعت التلاميذ مجتمعين من معرفة شخصه، (انظر لوقا ٢٤/ ١٣ - ١٩، ويوحنا ٢١/ ١ - ٧). وكل هذا دليل على نجاة المسيح من الموت، لا قيامته منه. فلو كان المسيح قد قهر الموت لما خافه ثانية، ولما تخفى من اليهود، إذ الموت لا يتسلط عليه ثانية كما قال مؤلف الرسالة إلى العبرانيين: " وكما وضع للناس أن يموتوا مرة، ثم بعد ذلك الدينونة " (عبرانيين ٩/ ٢٧)، وفي رسالته إلى أهل رومية يقول بولس: " المسيح بعد ما أقيم من الأموات لا يموت أيضاً، لا يسود عليه الموت بعد " (رومية ٦/ ٨ - ٩)، وهكذا فلا مبرر لتخفيه إلا إذا كان قد نجى من الموت، ويخشى أن يفطن أعداؤه لنجاته، فيستدركوا ما فاتهم.

стр. 118

وقد ذكر برنابا في إنجيله أن المسيح بعد نجاته وصعوده للسماء عاد ثانية لوداع أمه قبل أن يرفع من جديد (انظر برنابا ٢١٩) ويقول برنابا، وقد كشف له المسيح عن الحقيقة بعد هلاك يهوذا: " يا معلم: إذا كان الله رحيماً، فلماذا عذبنا بهذا المقدار، بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتاً؟ ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت .. أجاب يسوع: ... فلمّا كان الناس قد دعوني الله وابن الله على أني كنت بريئاً في العالم، أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا، معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب، لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله، الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله " (برنابا ٢٢٠/ ١٤ - ٢٠). وقد كان، فأخبر محمد ﷺ بالحقيقة التي غابت عن النصارى طويلاً، وصدق الله وهو يقول: ﴿وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولاكن شبّه لهم وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكّ مّنه ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظّنّ وما قتلوه يقيناً - بل رّفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً﴾ (النساء: ١٥٧ - ١٥٨). الشك في شخص المصلوب ذكرنا أن القرآن الكريم لم يكذب حصول حادثة الصلب، والذي ذكره القرآن يفهم منه حصول حادثة الصلب، لكن لغير المسيح ﵇، ولم يحدد القرآن شخص المصلوب، لكنه أفاد بوقوع شبه المسيح عليه، فصلب بدلاً عن المسيح ﵇. وقد أخبر القرآن الكريم أن الذين يدعون صلب المسيح ليس لهم به علم يقيني، بل هم يشكون في شخص المصلوب على رغم شبهه بالمسيح، لكنه يقيناً ليس بالمسيح ﵇. قال الله تعالى: ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه

стр. 119

لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً﴾ (النساء: ١٥٧). وهذا الذي ذكره القرآن تصدقه النصوص الإنجيلية التي ذكرت شك الجنود واليهود في شخص المصلوب، وقد وقعت يومذاك عدة صور للشك: أولها: أن من جاءوا للقبض عليه أنكروا وجهه وصوته، ولم يعرفوه حيث خرج إليهم وقال: من تطلبون؟ فأجابوه: يسوع الناصري، فأخبرهم بأنه هو، بيد أنهم لم يسارعوا للقبض عليه، فأعاد عليهم السؤال، فأعادوا الجواب. (انظر يوحنا ١٨/ ٣ - ٨). فهذا يدل على شكهم في شخصه، والسؤال المثير للاستغراب: كيف وقعوا بهذا الشك، والمسيح قد عاش بين أظهرهم، وهو أشهر من علم؟ ثانيها: شك رئيس الكهنة في شخصية المأخوذ، وهو أمر جِد مستغرب، إذ المسيح كان يجلس في الهيكل، ويتحدث مع الكهنة ورؤسائهم، ورأوه وهو يقلب موائد الصيارفة في الهيكل (انظر متى ٢١/ ١٢ - ١٥، ٢٣ - ٤٦). وقد قال لهم حين جاءوا لأخذه: " كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصيٍ لتأخذوني، كل يوم كنت أجلس معكم أعلم في الهيكل، ولم تمسكوني " (متى ٢٦/ ٥٥). ويظهر الشك جلياً في قول رئيس الكهنة له أثناء المحاكمة: " أستحلفك بالله الحي، أن تقول لنا: هل أنت المسيح ابن الله؟ " (متى ٢٦/ ٦٢ - ٦٤). ويجلي لوقا ذلك فيقول: " ولما كان النهار، اجتمعت مشيخة الشعب، ورؤساء الكهنة والكتبة، وأصعدوه إلى مجمعهم قائلين: إن كنت المسيح فقل لنا، فقال لهم: إن قلت لا تصدقون، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني، منذ الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله، فقال الجميع: أفأنت ابن الله؟ فقال لهم: أنتم تقولون: إني أنا هو " (لوقا ٢٢/ ٦٦ - ٧٠).

стр. 120

فنلاحظ أن الجميع كان منشغلاً بتحقيق شخص المأخوذ، حتى في محاكمته. ونلحظ أيضاً أن إجابة المأخوذ كانت: " أنت قلت "، وقال لبيلاطس: " أنت تقول "، بمعنى أنه لم يصدق كلامهم ولم يكذبه، لكنه قال لهم: هذا ما تقولونه أنتم. ولكن الآباء اليسوعيين يعلقون في نسخة الرهبانية اليسوعية على هذا النص بقولهم: "المعنى أن يسوع يرفض هذا اللقب". ثم ما هي الإجابة التي لن يصدقها رؤساء الكهنة؟ ولو صدقوها لأطلقوه؟ هي بلا شك: أنه ليس المسيح، بل يهوذا. وأما عيسى فقد أخبرهم يهوذا عن مكانه فقال: " منذ الآن يكون ابن الانسان جالساً عن يمين قوة الله " (لوقا ٢٢/ ٦٩)، أو كما قال متى: " من الآن تبصرون ابن الانسان جالساً عن يمين القوة، وآتياً على سحاب السماء " (متى ٢٦/ ٦٤). وقد يسأل سائل: كيف عرف يهوذا مكان المسيح؟ والجواب بسيط، لقد رأى يهوذا المسيح وهو ينجو ويصعد به إلى السماء، يوم أن أُلقي القبض عليه، بعد وقوع الجند. وهنا قد يتساءل البعض، لماذا شك الجند ورئيس الكهنة والكهنة في شخصية المأخوذ؟ وفي الإجابة نقول: لقد كانوا يعهدون في المسيح معالم معنوية، في كلامه، وذكائه، وشجاعته، وعلمه، بل وصوته، وهم اليوم لا يرون شيئاً من ذلك في الشخص الماثل أمامهم. ولهذه المعالم المفقودة في المأخوذ احتقر هيردوس المقبوض عليه، بينما يتوقع أن يرى المسيح العظيم الذي طالما سمع عنه: " وأما هيردوس فلما رأى يسوع فرح جداً،

стр. 121

لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة، وترجى أن يرى آية تصنع منه، وسأله بكلام كثير، فلم يجبه بشيء ... فاحتقره هيرودس مع عسكره، واستهزأ به " (لوقا ٢٣/ ٨ - ١١)، لقد رآه هيرودس دون الرجل العظيم الذي كان يسمع عنه، بل لم يجد لديه أياً من معالم العظمة التي كان يسمع عنها. وفي ذلك كله تصديق لما أخبر عنه القرآن الكريم، قبل قرون طويلة من الشك في شخصية المصلوب، فقد قال الله تعالى موضحاً حالهم مع المصلوب وحيرتهم في شخصه: ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً﴾ (النساء: ١٥٧). إمكانية نجاة المسيح كما تتحدث النصوص الإنجيلية عن بعض ما أوتيه المسيح ﵇ من تأييد الله له، وهذه الأعاجيب التي أوتيها تجعل نجاته - في تلك الليلة في بستان جثسماني - ممكنة، وذلك لما منحه الله من قدرات مكنته مراراً من الإفلات من كيد اليهود، وهي ما تجعل نجاته يوم جاءوا للقبض عليه أمراً متوقعاً غير مستنكر ولا مستغرب. بل الزعم بتمكن اليهود وجند الرومان منه يثير سؤالاً كبيراً: أين اختفت هذه القدرات وتلك المعونة الإلهية له؟ هل أسلمه الله بعد طول حمايته وتأييده له، فتخلى عنه في أصعب الأيام وأضيقها. فالمسيح - حسب ما ذكرت الأناجيل - قد أعطاه الله قدرة على النجاة، والهروب من بين يدي أعدائه، فقد اختفى منهم أكثر من مرة لماّ أرادوا به شراً، فمن الطبيعي والمنطقي أن يهرب منهم يوم جاءوا للقبض عليه. وأمثلة هذه القدرة الباهرة كثيرة منها:

стр. 122

- قول لوقا: "فامتلأ غضباً جميع الذين في المجمع حين سمعوا هذا، فقاموا وأخرجوه خارج المدينة، وجاءوا به إلى حافة الجبل الذي كان مدينتهم مبنية عليه، حتى يطرحوه إلى أسفل، أما هو فجاز في وسطهم، وانحدر إلى كفر ناحوم" (لوقا ٤/ ٢٨ - ٣١)، لقد أفلت من أيديهم بطريقة خارقة. - ولما كان في الهيكل، وكثر الجدال بينه وبين اليهود، هموا بقتله " فرفعوا حجارة ليرجموه. أما يسوع فاختفى، وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى " (يوحنا ٨/ ٥٩). - وفي مرة أخرى جادلهم " فطلبوا أن يمسكوه، ولم يلق أحدٌ يداً عليه، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد، فآمن به كثيرون في الجمع، وقالوا: ألعل المسيح متى جاء يعمل أكثر من هذه التي عملها هذا " (يوحنا ٧/ ٣٠ - ٣١)، وقولُ إنجيل يوحنا: "لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد" قولٌ لا يلزمنا فإنه يؤمن بصلب المسيح، ويحاول أن يبرر اختفاء هذه الخاصية عند القبض على المسيح. - وفي يوم العيد حصل مثله " فحدث انشقاق في الجمع لسببه، وكان قوم منهم يريدون أن يمسكوه، ولكن لم يُلق أحد عليه الأيادي " (يوحنا ٧/ ٤٣ - ٤٤). - ولما تمشّى في رواق سليمان، وأسمعهم دعوته " فطلبوا أن يمسكوه فخرج من أيديهم، ومضى أيضاً إلى عبر الأردن " (يوحنا ١٠/ ٣٩ - ٤٠)، لقد كان يهرب منهم في كل مرة بطريقة تحيرهم، إنها حماية الله وتأييده. - ولما كان في الخزانة في الهيكل، حاولوا إمساكه " ولم يمسكه أحد، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد " (يوحنا ٨/ ٢٠). ويبقى السؤال أين اختفت هذه الخاصية للمسيح يوم المؤامرة العظمى؟ فلئن استعملها في الهرب من عامة اليهود، فاستعمالها في الهرب من الجند أَوُلَى.

стр. 123

في هذه النصوص تصديق لما أخبر الله عنه في شأن المسيح، حيث قال وهو يعدد نعمه على المسيح: ﴿وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين﴾ (المائدة: ١١٠)، لقد رموه بالسحر بسبب ما أمده الله من المعجزات الباهرة التي أعيتهم. ومما تذكره الأناجيل من قدرات المسيح التي أمده الله بها قدرته على اختراق الحجب، يقول يوحنا: "ولما كان عشية ذلك اليوم وهو أول الأسبوع، وكانت الأبواب مغلقة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود، جاء يسوع، ووقف في الوسط، وقال لهم: سلام لكم" (يوحنا ٢٠/ ١٩). وفي رواية لوقا للقصة ذاتها لم يذكر إغلاق الأبواب، وإن ذكر ما يشعر بوجود أعجوبة "وفيما هم يتكلمون بهذا، وقف يسوع نفسه في وسطهم، وقال لهم: سلام لكم، فجزعوا وخافوا، وظنوا أنهم نظروا روحاً" (لوقا ٢٤/ ٣٦ - ٣٧). كما ثمة أعجوبة أخرى، تجعل نجاة المسيح وخلاصه من أيدي كائديه ممكناً، ألا وهي ما تذكره الأناجيل من قدرة المسيح على تغيير هيئته وشكله، حتى يعجز المقربون منه عن معرفته، وقد صنع ذلك مراراً. فقد خفي شخصه بعد القيامة على تلاميذه مرات عديدة، فخفي على مريم المجدلية التي هي من أقرب الناس إليه، وظنته البستاني، ولم تعرفه إلا بعد برهة. (انظر يوحنا ٢٠/ ١٤ - ١٥). وكذلك خفي شخصه على التلميذين المنطلقين لعمواس، ولم يعرفاه إلا بعد أن بارك لهما طعامهما. (انظر لوقا ٢٤/ ١٣ - ١٩). وخفي أمره أيضاً على التلاميذ مجتمعين، وهم يصيدون في بحيرة طبريا، وكان أول من عرفه بعد وقت طويل يوحنا. (انظر يوحنا ٢١/ ١ - ٧).

стр. 124

كما تقرر الأناجيل تغير شكله في أحداث قبل الصلب، ومن ذلك: ما ذكره لوقا "وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة، ولباسه مبيضاً لامعاً، وإذا رجلان يتكلمان معه، وهما موسى وإيلياء" (لوقا ٩/ ٢٩). ويذكر متى أنه أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا "وصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين، وتغيرت هيئته قدامهم" (متى ١٧/ ١ - ٢). فلئن صح أن المسيح يقدر على تغيير شكله حتى يخفى أمره على الخُلَّص من تلاميذه، فهو دليل على قدرته على الخلاص والنجاة من أيدي أعدائه، وهذا لا ريب يلجأ إليه في الشدائد، والمؤامرة الأخيرة عليه من أشدها. وقد رأينا مما سبق اتفاق القرآن مع النصوص التوراتية والإنجيلية، التي تقول وتتنبأ بنجاة المسيح، ورفعه إلى السماء، ورأينا كيف أن هذا الأمر ممكن، وليس غريباً على قدرة الله العظيم.

стр. 125

بولس واختلاق قصة صلب المسيح ويبقى السؤال موجهاً للمسلمين المنكرين لصلب المسيح: من أين وردت على النصارى مقالة صلب المسيح؛ وهل خفي عليهم حقيقة المصلوب؟ أم خفي عليهم ذلك وقت الصلب، ثم كُشف لهم بعد ذلك لكنهم استمرؤوا الباطل؟ وفي الإجابة عن هذا التساؤل نقول: إن الأناجيل الأربعة مخطوطات قديمة، كتبها أشخاص في أوقات مختلفة، حسب ما تناهى إلى مسامعهم من الروايات الشفهية المتناقلة، وهم لم يدَّعوا لأنفسهم الإلهام ولا ادعوا لكتبهم العصمة والقدسية، فكتب كلُُّ حسب ما سمع، مناقضاً الآخرين، أو موافقاً لهم. ونجاة المسيح ورفعه أمر خفِيَ على الكثيرين من معاصري المسيح، فظنوا أن المصلوب هو المسيح، إذ لم يشاهد معجزة رفع المسيح إلا يهوذا الخائن، عندما أخذوه في لحظة التسليم، وقد شبه عليهم، وهم في شك منه كما تبين لنا قبلُ. ويرى البعض أن فكرة الفداء بصلب المسيح هي بعض مبتدعات بولس، الذي وجد في اختفاء المسيح وانتشار الأقاويل والإشاعات عن صلبه فرصة لصياغة عقيدة الفداء والخلاص، التي أضحت القلب النابض للمسيحية الجديدة التي أنشأها، والتي يؤكد عليها بولس في رسائله، ومنها قوله: "لأني لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً" (كورنثوس (١) ٢/ ٢). وقد امتلأت رسائله بالتأكيد على صلب المسيح، مما حدا بأرنست دي بوش الألماني للقول في كتابه: " الإسلام: أي المسيحية الحقة ": "إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومَن شابهه، من الذين لم يروا المسيح، وليست من أصول النصرانية الحقة". (١)

стр. 126

وقد استغل بولس الاضطراب الذي حصل في حقيقة ما جرى للمسيح، بين قائل بأنه صلب، وقائل: إن المصلوب غيره، أو سوى ذلك مما أشيع في تلك الأيام .. ووظفه، وجعله قاعدة لضلالته المسماة "الفداء". ونعود لبولس لنتساءل عن موقف النصارى الأوائل من دعواه صلب المسيح، التي كتبها الإنجيليون بعد وفاته. ونحاول معرفة موقف تلاميذ المسيح والمسيحيون الأوائل بالتأمل في رسائل بولس التي أكدت صلب المسيح وأهمية هذا الحدث كمعتقد، لكنها حملت في طياتها أيضاً موقف الحواريين والأتباع الأوائل الرافض لبدع بولس ومن ضمنها ولا ريب عقيدة الصلب. ونرى هذا الموقف جلياً في قول بولس وشكواه في رسالته لتيموثاوس: "أنت تعلم هذا، أن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني" (تيموثاوس (٢) ١/ ١٥)، لقد هجره جميعهم وارتدوا عنه، لماذا؟ لا ريب أنهم كانوا يرفضون تبشيره. وفي رسالته لأهل غلاطية يشكو من أولئك الذين كذبوه "إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعاً عن الذي دعاكم بنعمة المسيح، إلى إنجيل آخر، ليس هو آخر، غير أنه يوجد قوم يزعجونكم، ويريدون أن يحولوا إنجيل المسيح، ولكن إنْ بشَّرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشّرناكم فليكن أناثيماً [أي ملعوناً] " (غلاطية ١/ ٦ - ٨)، إنه يعاني مشكلات في تبشيره الذي يزعم أنه الحق، بينما هناك مزعجون يرفضون هذا التبشير. ويرى المحققون أن الحواريين ما كانوا يعرفون شيئاً عن صلب المسيح، بدليل خلو رسائلهم الموجودة في العهد الجديد من الحديث عن المسيح المصلوب.

стр. 127

يقول المؤرخ فوتيوس: إنه قرأ كتاباً يسمى "رحلة الرسل" في أخبار بطرس ويوحنا واندراوس وتوما وبولس، ومما قرأ فيه: "إن المسيح لم يصلب، ولكن صلب غيره، وقد ضحك بذلك من صالبيه". (١) وتظهر المعارضة الصريحة لدعوى بولس صلب المسيح من الحواري "برنابا" في إنجيله الذي تتنكر له الكنيسة، وقد ذكر في مقدمته سبب تأليفه لهذا الإنجيل فيقول: "الذين ضل في عدادهم أيضاً بولس، الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق، الذي رأيتهُ وسمعتهُ أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا، ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله، وعليه، فاحذروا كل أحد يبشركم بتعليم جديد مضاد لما أكتبه، لتخلُصوا خلاصاً أبدياً" (برنابا مقدمة /٧ - ٩). وكانت الفرق المسيحية المنكرة للصلب صدى لإنكار الحواريين على بولس كما قد سبق تفصيله. كما تكشف لنا الكشوف الأثرية عن كتاب يقص رؤيا لبطرس اكتُشف حديثاً في نجع حمادي منسوباً للحواري المقرب بطرس، ينكر فيه صلب المسيح، ويقول برفعه قبل إجراء الصلب. ويعترف النصارى من مفسري الأناجيل بحدة الخلاف لبولس وتلاميذه، في مسألة صلب المسيح، وأن هذا الخلاف دعا الإنجيليين إلى التأكيد على أن المسيح قد صلب كما قال بولس الذي سبقت رسائله الأناجيل الأربعة في تاريخ كتابته. فنقل أصحاب الأناجيل فيما بين سطور الأناجيل الإنكار على بولس وتكذيب صلب المسيح، نقلوا ذلك حين كانوا يؤكدون على بعض التفصيلات والجزئيات التي

стр. 128

قد يلج منها منكرو صلب المسيح، يقول مرقس: "ثم خرجوا به ليصلبوه، فسخروا رجلاً مجتازاً كان آتياً من الحقل، هو سمعان القيرواني أبو الكسندروس وروفس ليحمل صليبه" (مرقس ١٥/ ٢٠ - ٢٣). يقول المفسر دنيس نينهام في تفسيره لمرقس (ص ٤٢٢): " يبدو أن الغرض من هذه الفقرة هو ضمان صحة القصة؛ التي تقول بأن سمعان قد حمل الصليب، وما من شك في أن أحد الأسباب في الحفاظ على هذه التفاصيل الشخصية في الإنجيل؛ كان الغرض منه تذكير القراء بأن لديهم مصدراً للمعلومات عن الصلب، جديرًا بالثقة .. ولعل السبب في حذف هذه الرواية والخاصة بحمل سمعان القيرواني للصليب من إنجيل يوحنا، هو الادعاء: بأن سمعان قد حل محل يسوع، وصُلب بدلاً منه، ولا يزال سارياً في الدوائر الغنوسطية، التي كانت لها الشهرة فيما بعد ". وهكذا نفهم سبب مخالفة يوحنا للأناجيل الثلاثة في مسألة "من حمل الصليب" فيقرر أنه المسيح حمل صليبه بنفسه فيقول: " فأخذوا يسوع، ومضوا به فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة .. حيث صلبوه " (يوحنا ١٩/ ١٦ - ١٨). وينبه جون فنتون شارح إنجيل متى (ص ٤٤٠) إلى وقوع مثل هذا الفعل من متى، عندما عدَّل ألفاظ مرقس وهو ينقل عنه في أحداث اللحظة التي بعد اقتسام الثياب والاقتراع عليها، حيث يقول مرقس: " وكانت الساعة الثالثة فصلبوه " (مرقس ١٥/ ٢٥) لكن متى يغير، فيقول بعدها: " ثم جلسوا يحرسونه هناك" (متى ٢٧/ ٣٦)، فتكلم متى عن حراسة يسوع أثناء الصلب وبعده. ويكمل فنتون بالقول أن ذلك "إنما يرجع إلى وجود أناس قالوا بأن يسوع قد أنزل من على الصليب، قبل أن يموت. كذلك فإن إحدى الطوائف الغنوسطية التي

стр. 129

عاشت في القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد صُلب بدلاً من يسوع. فلعل متّى كان يرد على هذه الأقوال ". (١)

стр. 130

قصة الصلب عند الأمم الوثنية وبولس عندما ادعى صلب المسيح فداء للخطيئة لم يكن يتحدث من تأليفه وإبداعه، فإنه إنما يستنسخ عقيدة قديمة، تناقلتها الوثنيات قبل المسيح بزمن طويل. وقد نسج الإنجيليون أحداث صلب المسيح، على نحو ما قرره بولس، وما شاع بين الناس من صلب المسيح، وعلى صورة ما ورد عن الأمم الوثنية، حتى أضحت قصتهم للصلب قصة منحولة من قصص وأساطير الأمم الوثنية. ولعل أوضحها شبهاً بقصة المسيح أسطورة إله بابل " بعل " فقد اكتشف مؤخراً لوحتان أثريتان تعودان للقرن التاسع قبل الميلاد، وفيهما قصة تشابه تماماً ما قاله النصارى في صلب المسيح ومحاكمته، وعقد "آرثر فندلاي" في كتابه "الكون المنشور" (١) المقارنة بين ما قيل عن بعل قبل المسيحية وما قيل عن المسيح في المسيحية. ويوضح ذلك الجدول التالي: محاكمة عيسى ﵇ ... محاكمة بعل ١ - أخذ عيسى أسيراً. ... ١ - أخذ بعل أسيراً. ٢ - وكذلك حوكم عيسى. ... ٢ - حوكم بعل علناً. ٣ - اعتُدي على عيسى بعد المحاكمة. ... ٣ - جرح بعل بعد المحاكمة. ٤ - اقتيد عيسى لصلبه على الجبل. ... ٤ - اقتيد بعل لتنفيذ الحكم على الجبل. ٥ - وكان مع عيسى قاتل اسمه: "باراباس" محكوم عليه بالإعدام،

стр. 131

ورَشح بيلاطس عيسى ليعفو عنه كالعادة كل عام. ولكن اليهود طلبوا العفو عن "باراباس" وإعدام عيسى. ... ٥ - كان مع بعل مذنب حكم عليه بالإعدام وجرت العادة أن يعفى كل عام عن شخص حكم عليه بالموت. وقد طلب الشعب إعدام بعل، والعفو عن المذنب الآخر. ٦ - عقب تنفيذ الحكم على عيسى زلزلت الأرض وغامت السماء. ... ٦ - بعد تنفيذ الحكم على بعل عم الظلام وانطلق الرعد، واضطرب الناس. ٧ - وحرس الجنود مقبرة عيسى حتى لا يسرق حواريوه جثمانه. ... ٧ - حُرس بعل في قبره حتى لا يسرق أتباعه جثمانه ٨ - مريم المجدلية، ومريم أخرى جلستا عند مقبرة عيسى تنتحبان عليه. ... ٨ - الأمهات جلست حول مقبرة بعل يبكينه. ٩ - قام عيسى من مقبرته في يوم أحد، وفي مطلع الربيع أيضاً، وصعد إلى السماء. ... ٩ - قام بعل من الموت وعاد للحياة مع مطلع الربيع وصعد إلى السماء. ويبدو أن هذه الأسطورة البابلية قد انتقلت عن طريق الأسرى اليهود الذين عادوا من بابل. وتتشابه كثير من تفاصيل قصة الصلب مع تفاصيل واردة في قصص وثنية مشابهة، فقد ذكر متى أحداثاً غريبة عدة، صاحبت موت المسيح حيث يقول: " وفي الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض، إلى الساعة التاسعة ... وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت ... " (متى ٢٧/ ٤٥ - ٥٣). وهذا نقله النصارى من الوثنيات القديمة، فقد نقل العلامة التنير عن عدد من المؤرخين إجماعهم على انتشار هذه الغرائب حال موت المخلصين لهذه الأمم.

стр. 132

من ذلك: أن الهنود يقولون: " لما مات "كرشنا" مخلصهم على الصليب، حدثت في الكون مصائب جمّة، وعلامات متنوعة، وأحاطت بالقمر دائرة سوداء، وأظلمت الشمس عند منتصف النهار، وأمطرت السماء ناراً ورماداً ..... ". ويقول عباد بروسيوس " إنه لما صلب على جبل قوقاس، اهتزت الكائنات، وزلزلت الأرض ". والاعتقاد بحدوث أحداث سماوية عظيمة عند موت أحد العظماء أو ولادته، معروف عند الرومان واليونان. كما ينقل المؤرخ "فرار" في كتابه "حياة المسيح"، وينقل جيبون في تاريخه أن عدداً من الشعراء والمؤرخين الوثنيين كان يقول:" لما قتل المخلص اسكولا بيوس، أظلمت الشمس، واختبأت الطيور في أوكارها ... لأن شافي أمراضهم وأوجاعهم فارق هذه الدنيا ". والقول بظلمة الشمس عند موت أحد المخلصين قيل أيضاً عند مقتل هيركلوس وبيوس وكوتز لكوتل وكيبير ينوس إله الرومان، وعليه فحصول الغرائب والعجائب عند موت العظماء أسطورة قديمة تداولتها الأمم، ونقلها أصحاب الأناجيل من تلك الوثنيات. (١) وقد كان عباد الشمس يقدمون الضحايا لها، خاصة عند حلول الكسوف، فإذا زال الكسوف اعتقدوا أنه بسبب فداء أحد زعمائهم، حيث خلصهم وحمل عنهم العذاب، لذا حرص متى على القول: "ومن الساعة السادسة، كانت ظلمة على الأرض إلى الساعة التاسعة " (متى ٢٧/ ٤٥). (٢) ومن أوجه الشبه بين الوثنيات القديمة والنصرانية القول بقيامة الآلهة من

стр. 133

الأموات، فقد أجمعت الأناجيل على قيامة عيسى من الموت، ولكن هذا قد سبقهم إليه الهنود، حيث قالوا في كرشنا: "هوذا كرشنا صاعد إلى وطنه في السماوات". وكذا يقول عُبّاد بوذا بأنه حزن عليه بعد موته أهل السماوات والأرض "حتى إن مهاويو (الإله العظيم) حزن ونادى: قم أيها المحب المقدس، فقام كام (أي بوذا) حياً، وبُدِّلت الأحزان والأتراح بالأفراح، وهاجت السماء، ونادت فرِحة: عاد الإله الذي ظُن أنه مات وفُقد ... "، ومثله يعتقده الصينيون في إلههم (لأوكيون)، والمجوس في (زرادشت). ويقول عابدو (سكولا بيوس) في القصيدة التي حكت عن حياته: " أيها الطفل القادر على شفاء الأمم في السنين القادمة حينما يهب مَن في القبور .... وأنت من المسكن المظلم ستقوم ظافراً وتصير إلهاً ". وعن تموز يقول البابليون: " ثقوا أيها القديسون برجوع إلهكم، واتكلوا على ربكم الذي قام من الأموات ". ومثل هذا الاعتقاد، سرى في كثير من الوثنيات قبل المسيحية، فقد قيل بقيام أوزوريس، وحورس، وباخوس، وهرقل، وكوتز لكوتل، ويلدور، وغيرهم، فكل هؤلاء قال عُبّادهم بقيامتهم من الموت. ولعل أهم هؤلاء أوزوريس معبود المصريين القريب من مهد المسيحية، وقد انتشرت أسطورته في القرن الثالث قبل الميلاد. يقول المؤرخ مهامي: " إن محور التعليم الديني عند الوثنيين في مصر في القرون الخالية هو الإيمان بقيام الإله ". (١)

стр. 134

لقد وقع النصارى فيما حذرهم الله منه ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحقّ ولا تتّبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيراً وضلّوا عن سواء السّبيل﴾ (المائدة: ٧٧) لكنهم أعرضوا واتبعوا أهواء الأمم الكافرة وضلالاتها، فكان معتقدهم في المسيح مشابهاً لمعتقدات الوثنيين في آلهتهم المزعومة، كما قال الله : ﴿ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ (التوبة: ٣٠).

стр. 135

وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح انعقد مجمع الفاتيكان عام ١٩٦٣م لبحث موضوعات عديدة، تدور حول تقوية الوحدة المسيحية. وفي الدورة الثانية منه وبناء على طلب البابا قدّم الألماني الكاردينال بيّا وثيقة تعتبر الصورة التمهيدية للوثيقة التي صدرت فيما بعد، وتبرئ اليهود من دم المسيح. وتنادي الوثيقة التمهيدية باعتبار الشعب اليهودي جزءًا من الأمل المسيحي، وأنه لا يجوز أن ننسب إلى يهودِ عصرِنا ما ارتُكب من أعمال أيام المسيح، واحتج الكاردينال لكلامه بأن كثيرين من الشعب لم يكونوا يعرفون شيئاً عما حدث، ولم يوافق بعض قادة الشعب على فعل سائر الكهنة. وقد عورضت الوثيقة داخل المجمع، لما فيها من اعتبارات سياسية، وطلب المطران الهندي (كوتنهو) حذفَها، وإضافة فصول عن الديانة الهندية والإسلامية، وكذلك عارض الوثيقةَ بعضُ كرادلة الشرق، كما عارضها الشبابُ الكاثوليك بالقدس، وأوضحوا أن ذلك ليس حقاً للمجمع ولا غيره، وطالبوا بتطبيق ما جاء في سِفر الخروج: " أنا الرب إلهك، إله غيور، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء " (الخروج ٢٠/ ١٥). واستشهد القس إبراهيم سعيد - رئيس طائفة الأقباط الإنجيليين - بنصوص الإنجيل، التي تقرر أن اليهود طلبوا صلبه، ورفضوا إطلاق المسيح، وطلبوا إطلاق باراباس، وتولى رئيس الكهنة قيافا بعض الوِزر في ذلك. ثم إنهم قالوا: " دمه علينا وعلى أولادنا " (متى ٢٧/ ٢٥). وقد قال بطرس لثلاثة آلاف من اليهود: " يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم " (أعمال ٢/ ٣٦).

стр. 136

وتم تشكيل لجنة لتعديل الوثيقة، وعدّلت، وفي أكتوبر ١٩٦٥م صدرت وثيقة تبرئة اليهود. ويقول الكاردينال بيّا عن هذه الوثيقة: " ليست هذه الوثيقة ثمرة يوم أو ليلة، إنها خلاصة دراسة "، وقد وقع البابا يوحنا الثالث والعشرون عليها قبل وفاته بخمسة أشهر، لتصبح وثيقة دينية معتبرة، ومعتمدة من أهم المراجع النصرانية. (١) وقد أراد بيا من وثيقته التمهيدية تبرئة العنصر اليهودي من صلب المسيح. ولكن الوثيقة النهائية الرسمية أقرت بدور اليهود وبراءة الرومان، وبرأت الأجيال اليهودية اللاحقة من تولي وزر هذه الجريمة، كما أنها حاولت حصر الجريمة في أقل عدد ممكن من الكهنة ورؤساء الشعب اليهودي، " فإن ما ارتكب أثناء آلامه، لا يمكن أن يعزى إلى جميع اليهود الذين كانوا عائشين إذ ذاك، ولا إلى يهود أيامنا ". وتعود الوثيقة للحديث عن آلام المسيح المصلوب، فتقول: "ما حصل للمسيح من عذابه لا يمكن أن يعزى لجميع الشعب اليهودي .. فإن الكنيسة كانت ولا تزال تعتقد بأن المسيح قد مر بعذابه وقتله بحربة بسبب ذنوب جميع البشر، ونتيجة حُبٍ لا حدَّ له ". ونلحظ في هذه الوثيقة تعارضاً صريحاً مع النصوص الإنجيلية، المصرحة بدور اليهود بقتل المسيح على الصليب، ومنها قول بولس: " اليهود الذين قتلوا الرب يسوع، وأنبياءهم، واضطهدونا نحن" (تسالونيكي (١) ٢/ ١٥). وقد ذكرت الأناجيل دورهم الخسيس في هذه الجريمة، فهم الذين تآمر رؤساء

стр. 137

كهنتهم، وهم الذين قدموا الرشوة ليهوذا، وأصروا وأصرت جموعهم على صلب المسيح رغم براءته التي ظهرت لبيلاطس؛ الذي قبل نصيحة زوجته، فتبرأ من دم هذا البار. كيف يبرأ اليهود من دمه؛ ويوحنا يقول على لسان قيافا رئيس الكهنة: " أنتم لستم تعرفون شيئاً، ولا تنكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب، ولا تهلك الأمة كلها .. فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه " (يوحنا ١١/ ٤٧ - ٥٣). واليهود هم الذين أتوا بشهود الزور. ولما وجد بيلاطس أن لا جرم عليه، قال: " إني بريء من دم هذا البار. أبصروا أنتم، فأجاب جميع الشعب وقالوا: دمه علينا وعلى أولادنا " (متى ٢٧/ ٢٤ - ٢٥). ثم كيف للكنيسة أن تبرئ اليهود وذراريهم من دم المسيح، وهم قد قالوا لبيلاطس: " دمه علينا وعلى أولادنا" (متى ٢٧/ ٢٥)، والمفروض أن النصارى يؤمنون بوراثة الذنب ولو تبرأ منه الورثة، فما بالنا بالذنب الذي أعلن أصحابه مسئوليتهم وأبناءهم عنه، ومن الممكن تصور وراثة ذنب اليهود دون ذنب آدم، أما العكس فلا، وألف لا. وعندما نسجل هذا الاعتراض على النصرانية، فإنا نعلم براءة يهود زماننا من جرائم أسلافهم، بل وبراءة يهود القرن الأول من دم المسيح، فقد أنجاه الله منهم، ولكن ذلك لا يبرئهم من أصل الجريمة، ألا وهي سعيهم لقتل المسيح، فقد خططوا لصلبه، وتآمروا عليه، ومضوا في التنفيذ، فأخذوا مَن ظنوه المسيح، وصلبوه، وقتلوه، وهي في كل القوانين جريمة، والخطأ في شخص المجني عليه لا يغير من بشاعة جريمتهم كثيراً، من حيث نيتهم وما أرادوا فعله.

стр. 138

عقيدة المسلمين في الخطيئة والخلاص أثبتنا فيما سبق نجاة المسيح من الصلب، وهو أمر مبطل لكل ما يقوله النصارى عن عقيدة الفداء والخلاص. والحديث النصراني عن المسيح المصلوب لا يلزم منه أن صلبه كان فداء للخطيئة، لكن نجاة المسيح بلا شك هدم لأساس هذا المعتقد. وما انتهينا إليه قبلُ لن يمنعنا من الاسترسال في نقد عقائد النصرانية الملحقة والمبنية على هذا الباطل، وأهمها الفداء ووراثة الذنب الأول. وقبل أن نشرع في بيان بطلان عقيدة الفداء والخلاص نتوقف لتبيان معتقد المسلمين بشأن ذنب آدم وذنوب سائر البشر. تحدثت النصوص القرآنية عن آدم وتكريم الله له، فهو خليفة عن الله في أرضه ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ (البقرة: ٣٠). وذكرت الآيات تكريم الله له ولذريته من بعده ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً﴾ (الإسراء: ٧٠). ولعل أبرز مظاهر تكريم الله لآدم أنه أسجد له ملائكته الكرام ﴿ولقد خلقناكم ثم صورنكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا﴾ (الأعراف: ١١). لكن هذا التكريم والاصطفاء لا يعني خروج آدم عن طبيعته البشرية إلى حالة ملائكية، فقد أخطأ ﵇، ووقع في إغواء الشيطان له، لكنه سرعان ما تخلص من ذنبه بتوبته التي قبلها الله غافر الذنب وقابل التوب ﴿وعصى آدم ربه فغوى - ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ (طه: ١٢١ - ١٢٢).

стр. 139

وتوبة آدم قبلها الله كما يقبل توبة سائر من عصاه، ولو عظم ذنبه، فعفو الله أعظم من آثامنا وذنوبنا ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم﴾ (الزمر: ٥٣). إن ذنباً واحداً لا يغفره الله، ما لم يتب منه العبد، وهو الشرك بالله الواحد الأحد ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء: ١١٦). وأنزل الله آدم من جنته، وجعله في الأرض التي خلقه منها ولها، وطلب منه وذريته عمارتها، وأعطاهم قدرة تامة وإرادة كاملة على فعل الخير والشر طالما امتدت به الحياة، ثم يرد كل واحد منا إلى ربه فيجازى عما قدم وأسلف ﴿قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون - والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ (البقرة: ٣٨ - ٣٩). وأكدت النصوص القرآنية مسئولية الإنسان عن عمله وكسبه ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري - إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى﴾ (طه: ١٤ - ١٥)، وقال: ﴿وكل إنسان ألزمنه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً - اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ (الإسراء: ١٣ - ١٤). وهكذا فإن كل ما يصنعه الإنسان في حياته الدنيا مسجل محفوظ، ولسوف يراه المرء في يوم لا تخفى على الله منه خافية ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره - ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ (الزلزلة: ٦ - ٧). وهذه المسئولية للإنسان عن عمله لا تمنع رحمة الله ﴿إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى﴾ (طه: ٧٣).

стр. 140

وأما مسألة وراثة الذنب فهي مرفوضة عند المسلمين نقلاً وعقلاً، والقرآن بصراحة ووضوح يبين بطلان هذا المبدأ الظالم الذي تتابعت الرسالات السابقة على إنكاره والتأكيد على ضده ﴿أم لم ينبأ بما في صحف موسى - وإبراهيم الذي وفى - ألا تزر وازرة وزر أخرى - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى - وأن سعيه سوف يرى - ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾ (النجم: ٣٥ - ٤٠). وقد أعلم الله موسى ﵇ في توراته التي أنزلها عليه بهذا المبدأ العادل، فقال: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى - بل تؤثرون الحياة الدنيا - والآخرة خير وأبقى - إن هذا لفي الصحف الأولى - صحف إبراهيم وموسى﴾ (الأعلى: ١٤ - ١٩). وأخيراً: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً﴾ (النساء: ١٢٣). وهذه النصوص القرآنية قبس من آيات عظيمة في كتاب الله تكاثرت على ذكر هذه المعاني بجلاء ووضوح، ذكرناها كمدخل لنقض عقيدة الفداء، والتي لن نحتج في إبطالها بهذه النصوص الكريمة من كلام الله، وذلك مضياً على النهج الذي انتهجناه في هذه السلسلة، وهو نقض مسائل النصرانية من خلال العقل والنظر الصحيح إضافة إلى النصوص المقدسة عند النصارى.

стр. 141

عقيدة الخلاص عند الفرق النصرانية تعتبر عقيدة الفداء والخلاص مفتاح جميع العقائد النصرانية، فهي أهم ما يبشر به النصارى، ولتحقيقها وضع النصارى المسيح - الذي أنجاه الله - على الصليب. وليتحقق الفداء على صورة ترضي الإله العظيم جعلوا المصلوب إلهاً، حتى يساوي الفادي المثمن العظيم، وهو نجاة البشرية وخلاصها من الخطيئة والدينونة، وهو ما عبر عنه العهد الجديد على لسان بطرس بقوله: " عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى: بفضة أو ذهب، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حَمَلٍ بِلاَ عيْب، ولا دنس، دم المسيح " (بطرس (١) ١/ ١٨ - ١٩). وقبل أن نلج لنقض هذا المعتقد نتعرف على النصوص المقدسة عند النصارى التي قررت معتقدات الفرق النصرانية المختلفة في هذه القضية الهامة، لنعرف مقصدهم في الخلاص، ولمن يبذلونه، وعمن يمنعونه، إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بهذه القضية، والتي يتوقف على إثباتها مصير آلاف الملايين من البشر في عصرنا وسائر العصور. وأول ما نلحظه اختلاف النصوص الكتابية في تحديد ما يُغفر بدم المسيح، فبعضها يتحدث عن ذنب آدم فقط، وبعضها يشمل جميع الذنوب التي سبقت صلب المسيح؟ بل يمتد بعضها ليعمم الخلاص على جميع الذنوب التي يرتكبها العبد حاضراً ومستقبلاً. لتوضيح هذا التخبط نعرض نماذج لهذه النصوص، يقول الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين عن المسيح: " هو وسيط عهد جديد لكي يكون المدعوون - إذ صار موت لفداء التعديات التي في العهد الأول - ينالون وعد الميراث الأبدي " (عبرانيين ٩/ ١٥)، فجعل الكاتب الخلاص بالمسيح متعلقاً بذنب آدم فقط.

стр. 142

ولكن بولس يجعل الخلاص أوسع من ذلك، فيقول: " المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه، لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله، لإظهار بره في الزمن الحاضر ليكون باراً، ويبرر من هو من الإيمان بيسوع " (رومية ٣/ ٢٤ - ٢٥)، فقد جعل الخلاص خاصاً بالخطايا التي سبقت المسيح، وشرطه بالإيمان بالمسيح. ومثله ما جاء في مرقس: " من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن " (مرقس ١٦/ ١٦). لكنه - وفي موضع آخر - يخبر بهلاك بعض النصارى الذين تمكنوا من صنع المعجزات باسم المسيح، الذي يتبرأ منهم ويقول: " ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب، يدخل ملكوت السموات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات، كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب، أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة، فحينئذ أصرّح لهم: إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (متى ٧/ ٢٠ - ٢١). وفي موضع آخر يجعل بولس الخلاص للجميع، لجميع البشر، فيقول عن المسيح: " بذله لأجلنا أجمعين " (رومية ٨/ ٣٢)، ويوضحه قول يوحنا: " يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً " (يوحنا (١) ٢/ ٢)، ويؤكده قوله: " نشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصاً للعالم " (يوحنا ٤/ ١٤)، فجعل الخلاص عاماً لكل الخطايا، ولكل البشر، مخالفاً قول بطرس: " كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا " (أعمال ١٠/ ٤٣)، إذ بطرس قيد الخلاص بالمؤمنين بالمسيح. وفي موضع آخر جعل بولس الخلاص على درجات يتفاوت فيها حتى المؤمنون به،

стр. 143

يقول: "قوة الله للخلاص لكل من يؤمن، لليهودي أولاً، ثم لليوناني " (رومية ١/ ١٦). ويشترط بولس للخلاص الإيمان بأبوة الله للمسيح، ويضيف شرطاً آخر هو الاعتراف القلبي بقيامة المسيح من الأموات فيقول: " إن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت " (رومية ١٠/ ٩). وهذا الاختلاف الذي رأيناه في النصوص الكتابية انعكس على الفرق النصرانية، فاختلفت في حدود الخلاص الذي حصل بدم المسيح، فمنهم من جعله عاماً لكل البشر، ومنهم من خصه بالمؤمنين بقيامة المسيح، أو بالمؤمنين بأن المسيح ابن الله؟ الخلاص عند الكاثوليك والأرثوذكس يعتقد الكاثوليك والأرثوذكس أن الخلاص لا يشمل جميع الذنوب، إنما يشمل الخطيئة الأصلية، وكما يقول القديس أوغسطينوس في كتابه " The Enchiridion": بعد الفداء عادت للبشرية حريتها وإرادتها التي سلبتها بذنب آدم، فإذا ما أتى المتعمِّد ذنباً بعد معموديته، فسيعود مستحقاً للعذاب الدائم إن كان الذنب كبيراً. أما إن كان الذنب صغيراً فإن الكاثوليك يحكمون بعذاب صاحبه في " المطهر " الذي يعذب به المؤمنون ردحاً من الزمن حتى يخلصوا من القصاصات التي عليهم. (١) يشرح كتاب التعليم المسيحي لطلبة المدارس الصادر عن المرسلين اليسوعيين عذاب المطهر، فيقول: "المطهر هو محلُّ عذاب تتمم فيه نفوس الأبرار فرض الإيفاء عن خطاياها قبل الدخول إلى السماء ... الذين يذهبون إلى المطهر هم الذين يموتون

стр. 144

بحال النعمة، إلا أنهم لا يخلون من الخطيئة العرضية، أو هم الذين لم يوفوا بالتمام للعدل الإلهي ... إن عذاب المطهر لأشد من كل عذاب في هذه الدنيا .. إن النفوس تبقى في المطهر إلى أن تُوفي بالتمام للعدل الإلهي". (١) ودليل الكاثوليك في تقرير هذه العقيدة ما جاء في مرقس: " كل واحد يملح بالنار، وكل ذبيحة تملح بالملح " (مرقس ٩/ ٤٩) فهو عذاب يشمل كل مؤمن عليه قصاصات. وأيضاً استدلوا بقول بولس: " فعمل كل واحد سيصير ظاهراً، لأن اليوم سيبيّنه، لأنه بنار يستعلن، وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو، إن بقي عمل أحد قد بناه عليه فسيأخذ أجرة، إن احترق عمل أحد فسيخسر، وأما هو فسيخلص، ولكن كما بنار" (كورنثوس (١) ٣/ ١٣ - ١٥). إذاً فالفداء عند الكاثوليك والأرثوذكس يتلخص بقول هنري أبو خاطر: " هو تجسد الإله لتخليص البشرية من شوائب الخطيئة الأولى ". ولولا فداء المسيح للجنس الإنساني لهلك الجميع كما هلك السابقون للمسيح الذين سبقوا مجيء الفادي، وفي مقدمة الهالكين - وفق الفكر النصراني - الأنبياء، الذين يقول عنهم بولس سلامة في كتابه " مع المسيح ": " كانوا في أليمبس - أي جهنم - مقر لأرواح الصالحين الأبرار الذين أوصدت في وجههم أبواب السماء، بسبب خطيئة آدم الأولى، فلبثوا حتى مجيء آدم الثاني، أي المسيح ". ويقول مفسرو الكتاب المقدس عن موسى ﵇: " ومهما كانت عظمة موسى، فإنه لولا

стр. 145

نعمة المسيح له، لكان قد هلك واستحق عقاباً أبدياً على خطيئته ". (١) فهؤلاء الأنبياء الأطهار - بحسب معتقد القديس بولس - مستحقون للعذاب، لا بسبب تعديات شخصية لهم، بل بسبب وراثتهم لذنب أبيهم آدم "قد ملك الموت من آدم إلى موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم .. كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة .. بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة " (رومية ٥/ ١٤ - ١٨). صكوك الغفران للخلاص من القصاصات وكوسيلة للخلاص من عذاب المطهر ظهر عند الكاثوليك مبدأ الاعتراف الكنسي بين يدي الكاهن والتبرير بصكوك الغفران التي أقرت في المجمع الثاني عشر المنعقد في روما سنة ١٢١٥م، وقرر فيه المجتمعون أن " الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء ". وقد استندت الكنيسة في هذا المعتقد إلى عدد من النصوص التي رأوها تمنحهم هذا السلطان، منها أن المسيح خاطب بطرس قائلاً: " أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات" (متى ١٦/ ١٨ - ١٩)، ولما كانت الكنيسة تعتبر نفسها وارثة لبطرس ورثت أيضاً هذا السلطان عنه. وأيضاً يقول يوحنا بأن المسيح قال لتلاميذه: " من غفرتم للناس خطاياه تغفر له،
следующие страницы →