← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38188

هل افتدانا المسيح على الصليب

منقذ السقار

Полный текст (228 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عقيدة الخلاص عند الفرق النصرانية تعتبر عقيدة الفداء والخلاص مفتاح جميع العقائد النصرانية، فهي أهم ما يبشر به النصارى، ولتحقيقها وضع النصارى المسيح - الذي أنجاه الله - على الصليب. وليتحقق الفداء على صورة ترضي الإله العظيم جعلوا المصلوب إلهاً، حتى يساوي الفادي المثمن العظيم، وهو نجاة البشرية وخلاصها من الخطيئة والدينونة، وهو ما عبر عنه العهد الجديد على لسان بطرس بقوله: " عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى: بفضة أو ذهب، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حَمَلٍ بِلاَ عيْب، ولا دنس، دم المسيح " (بطرس (١) ١/ ١٨ - ١٩). وقبل أن نلج لنقض هذا المعتقد نتعرف على النصوص المقدسة عند النصارى التي قررت معتقدات الفرق النصرانية المختلفة في هذه القضية الهامة، لنعرف مقصدهم في الخلاص، ولمن يبذلونه، وعمن يمنعونه، إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بهذه القضية، والتي يتوقف على إثباتها مصير آلاف الملايين من البشر في عصرنا وسائر العصور. وأول ما نلحظه اختلاف النصوص الكتابية في تحديد ما يُغفر بدم المسيح، فبعضها يتحدث عن ذنب آدم فقط، وبعضها يشمل جميع الذنوب التي سبقت صلب المسيح؟ بل يمتد بعضها ليعمم الخلاص على جميع الذنوب التي يرتكبها العبد حاضراً ومستقبلاً. لتوضيح هذا التخبط نعرض نماذج لهذه النصوص، يقول الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين عن المسيح: " هو وسيط عهد جديد لكي يكون المدعوون - إذ صار موت لفداء التعديات التي في العهد الأول - ينالون وعد الميراث الأبدي " (عبرانيين ٩/ ١٥)، فجعل الكاتب الخلاص بالمسيح متعلقاً بذنب آدم فقط.

стр. 142

ولكن بولس يجعل الخلاص أوسع من ذلك، فيقول: " المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه، لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله، لإظهار بره في الزمن الحاضر ليكون باراً، ويبرر من هو من الإيمان بيسوع " (رومية ٣/ ٢٤ - ٢٥)، فقد جعل الخلاص خاصاً بالخطايا التي سبقت المسيح، وشرطه بالإيمان بالمسيح. ومثله ما جاء في مرقس: " من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن " (مرقس ١٦/ ١٦). لكنه - وفي موضع آخر - يخبر بهلاك بعض النصارى الذين تمكنوا من صنع المعجزات باسم المسيح، الذي يتبرأ منهم ويقول: " ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب، يدخل ملكوت السموات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات، كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب، أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة، فحينئذ أصرّح لهم: إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (متى ٧/ ٢٠ - ٢١). وفي موضع آخر يجعل بولس الخلاص للجميع، لجميع البشر، فيقول عن المسيح: " بذله لأجلنا أجمعين " (رومية ٨/ ٣٢)، ويوضحه قول يوحنا: " يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً " (يوحنا (١) ٢/ ٢)، ويؤكده قوله: " نشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصاً للعالم " (يوحنا ٤/ ١٤)، فجعل الخلاص عاماً لكل الخطايا، ولكل البشر، مخالفاً قول بطرس: " كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا " (أعمال ١٠/ ٤٣)، إذ بطرس قيد الخلاص بالمؤمنين بالمسيح. وفي موضع آخر جعل بولس الخلاص على درجات يتفاوت فيها حتى المؤمنون به،

стр. 143

يقول: "قوة الله للخلاص لكل من يؤمن، لليهودي أولاً، ثم لليوناني " (رومية ١/ ١٦). ويشترط بولس للخلاص الإيمان بأبوة الله للمسيح، ويضيف شرطاً آخر هو الاعتراف القلبي بقيامة المسيح من الأموات فيقول: " إن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت " (رومية ١٠/ ٩). وهذا الاختلاف الذي رأيناه في النصوص الكتابية انعكس على الفرق النصرانية، فاختلفت في حدود الخلاص الذي حصل بدم المسيح، فمنهم من جعله عاماً لكل البشر، ومنهم من خصه بالمؤمنين بقيامة المسيح، أو بالمؤمنين بأن المسيح ابن الله؟ الخلاص عند الكاثوليك والأرثوذكس يعتقد الكاثوليك والأرثوذكس أن الخلاص لا يشمل جميع الذنوب، إنما يشمل الخطيئة الأصلية، وكما يقول القديس أوغسطينوس في كتابه " The Enchiridion": بعد الفداء عادت للبشرية حريتها وإرادتها التي سلبتها بذنب آدم، فإذا ما أتى المتعمِّد ذنباً بعد معموديته، فسيعود مستحقاً للعذاب الدائم إن كان الذنب كبيراً. أما إن كان الذنب صغيراً فإن الكاثوليك يحكمون بعذاب صاحبه في " المطهر " الذي يعذب به المؤمنون ردحاً من الزمن حتى يخلصوا من القصاصات التي عليهم. (١) يشرح كتاب التعليم المسيحي لطلبة المدارس الصادر عن المرسلين اليسوعيين عذاب المطهر، فيقول: "المطهر هو محلُّ عذاب تتمم فيه نفوس الأبرار فرض الإيفاء عن خطاياها قبل الدخول إلى السماء ... الذين يذهبون إلى المطهر هم الذين يموتون

стр. 144

بحال النعمة، إلا أنهم لا يخلون من الخطيئة العرضية، أو هم الذين لم يوفوا بالتمام للعدل الإلهي ... إن عذاب المطهر لأشد من كل عذاب في هذه الدنيا .. إن النفوس تبقى في المطهر إلى أن تُوفي بالتمام للعدل الإلهي". (١) ودليل الكاثوليك في تقرير هذه العقيدة ما جاء في مرقس: " كل واحد يملح بالنار، وكل ذبيحة تملح بالملح " (مرقس ٩/ ٤٩) فهو عذاب يشمل كل مؤمن عليه قصاصات. وأيضاً استدلوا بقول بولس: " فعمل كل واحد سيصير ظاهراً، لأن اليوم سيبيّنه، لأنه بنار يستعلن، وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو، إن بقي عمل أحد قد بناه عليه فسيأخذ أجرة، إن احترق عمل أحد فسيخسر، وأما هو فسيخلص، ولكن كما بنار" (كورنثوس (١) ٣/ ١٣ - ١٥). إذاً فالفداء عند الكاثوليك والأرثوذكس يتلخص بقول هنري أبو خاطر: " هو تجسد الإله لتخليص البشرية من شوائب الخطيئة الأولى ". ولولا فداء المسيح للجنس الإنساني لهلك الجميع كما هلك السابقون للمسيح الذين سبقوا مجيء الفادي، وفي مقدمة الهالكين - وفق الفكر النصراني - الأنبياء، الذين يقول عنهم بولس سلامة في كتابه " مع المسيح ": " كانوا في أليمبس - أي جهنم - مقر لأرواح الصالحين الأبرار الذين أوصدت في وجههم أبواب السماء، بسبب خطيئة آدم الأولى، فلبثوا حتى مجيء آدم الثاني، أي المسيح ". ويقول مفسرو الكتاب المقدس عن موسى ﵇: " ومهما كانت عظمة موسى، فإنه لولا

стр. 145

نعمة المسيح له، لكان قد هلك واستحق عقاباً أبدياً على خطيئته ". (١) فهؤلاء الأنبياء الأطهار - بحسب معتقد القديس بولس - مستحقون للعذاب، لا بسبب تعديات شخصية لهم، بل بسبب وراثتهم لذنب أبيهم آدم "قد ملك الموت من آدم إلى موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم .. كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة .. بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة " (رومية ٥/ ١٤ - ١٨). صكوك الغفران للخلاص من القصاصات وكوسيلة للخلاص من عذاب المطهر ظهر عند الكاثوليك مبدأ الاعتراف الكنسي بين يدي الكاهن والتبرير بصكوك الغفران التي أقرت في المجمع الثاني عشر المنعقد في روما سنة ١٢١٥م، وقرر فيه المجتمعون أن " الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء ". وقد استندت الكنيسة في هذا المعتقد إلى عدد من النصوص التي رأوها تمنحهم هذا السلطان، منها أن المسيح خاطب بطرس قائلاً: " أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات" (متى ١٦/ ١٨ - ١٩)، ولما كانت الكنيسة تعتبر نفسها وارثة لبطرس ورثت أيضاً هذا السلطان عنه. وأيضاً يقول يوحنا بأن المسيح قال لتلاميذه: " من غفرتم للناس خطاياه تغفر له،

стр. 146

ومن أمسكتم خطاياه أمسكت " (يوحنا ٢٠/ ٢٣). فقد ورثت الكنيسة ورجالها دور المسيح الوسيط الذي وصفه بولس: " يوجد إله واحد، ووسيط واحد بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح " (تيموثاوس (١) ٢/ ٥). وقد ووجه قرار المجمع باحتجاجات طويلة من الذين رفضوا أن يكون قرار الغفران بيد رجال الكهنة الخاطئين. كيف لهؤلاء أن يمنحوا الخلاص والغفران؟ وفي عام ١٨٦٩م صدر قرار يفيد عصمة البابا خروجاً من هذه الاحتجاجات وغيرها، وقد ظهر بعد انتشار صكوك الغفران ما أسمته الكنيسة بالتعويض السري، ويشرحه " معجم اللاهوت الكاثوليكي " فيقول: " الإنسان يخضع لهذه المراحل التطهيرية، إذ يموت مبرراً بالنعمة، بمقدار ما تكون حالة العقاب (المستحق) لا تزال موجودة فيه، ولم تزل بزوال الخطايا بالغفران يوم التبرير، وبمقدار ما بالإمكان أن تزيل هذه الحالة عقوبات تعويضية ... فإذا لم نتم التعويض السري بعد أن نكون قد أكدنا إرادتنا كلياً للتعويض يظل السر صحيحاً، إنما يجب أن نقوم بذلك التعويض محتملين نتائج الحقيقة الأليمة ". ويجدر أن ننبه إلى أن بدعة الاعتراف الكنسي ومهزلة صكوك الغفران التي بقيت الكنائس تصدرها ردحاً طويلاً من الزمن كوسيلة لتحصيل الخلاص كانتا أهم أسباب وجود فرقة البروتستانت وانشقاقهم عن الكنيسة الكاثوليكية. وهما في الحقيقة نوع وصورة من صور وثنية النصارى، فالغفران الذي يمنحه القسيس للمعترف أو لدافع رسوم صكوك الغفران فتح لأبواب الجنة وتحديد لمصير البشر، وعليه فإن هؤلاء الذين يملكونها غدوا في الحقيقة آلهة أخرى تضاف إلى التثليث الذي يقولون به. وحين يتأمل العقل المجرد في صورتي الحصول على الغفران التي اعتمدتها

стр. 147

الكنيسة فإنه يستقبحها ويمجها، حيث يجلس التائب أو التائبة في خلوة بين يدي رجال الكهنوت المتبتلين والممنوعين من الزواج، فتقص الفاجرة قصة فجورها بين يديه، طالبة منه الغفران والصفح، ولا يخفى ما يسببه هذا الاعتراف من الفتنة والفساد والبغاء. وأما الصيغة الأخرى للحصول على الغفران والمتمثلة بدفع المال لرجال الكهنوت فهي نوع من الامبريالية في الدين، إذ الذي لا يجد من المال ما يشتري به صك غفران، فليس عليه إلا أن يهيئ نفسه لدخول النار، وبئس القرار، لأن الجنة - بمقتضى هذا المنطق المعكوس، والفهم المنكوس- ستكون مخصصة للأغنياء فقط. الخلاص عند البروتستانت أما البروتستانت فإنهم يترددون بين شرط الإيمان للخلاص، وبين إسقاط هذا الشرط، إذ يراه بعضهم خلاصاً يشمل كل الخطايا، كما ينفع كل الناس، مؤمنهم وكافرهم. يقول جورد فورد في كتابه "نور العالم": "العاقل يعلم أن شروط الخلاص والهلاك أجلُّ وأعدل من أن تكون مذهبية، أو تتنوع باختلاف الشعوب والنحل". ويقول أنيس شروش في مناظرته لديدات: " يسوع الناصري، هو الذي حقق هذه النبوءة، وذلك بالموت نيابة عن الخطاة، كل الخطاة، وليس فقط آدم وحواء ". ويقول أيضاً: " الخلاص ليس للمسلمين، ولا لليهود، ولا للآخرين، إنه لنا جميعاً، إن الله يحبنا، لقد أصبح الله ابناً، وأصبح الابن إنساناً، وهكذا أصبحنا نحن كبشر أبناء الله ". ويقول العالم البروتستانتي ترثون: " نحن نجتاز نحو مبدأ الكفارة، تلك هي أن المسيح قد أصبح إلى حد ما بمعنى الفداء عن الخطيئة، ومن ثم فقد صالح الله الأب

стр. 148

الإنسان الخاطئ، " لأنه إن كنا ونحن أعداء، فقد صولحنا مع الله بموت ابنه " (رومية ٥/ ١٠). (١)

стр. 149

خطيئة آدم والذنب الموروث تبدأ قصة الخطيئة ثم الخلاص والفداء عندما خلق الله آدم في جنته، ونهاه عن الأكل من أحد أشجارها، فأغواه إبليس، فوقع الأبوان في شراك كيده، وأكلا من الشجرة المحرمة، فعاقبهما الله بما يستحقا، وأنزلهما إلى الأرض. فمدخل عقيدة الخلاص والفداء هي تلكم القصة التي حصلت في فجر البشرية، فلنرَ ماذا يقول الكتاب المقدس عن تلك القصة، ولنبدأ باستعراض قصة ذنب آدم كما جاءت في سفر التكوين. قصة خطيئة آدم في سفر التكوين يقول سفر التكوين: " وأخذ الرب الإله آدم، ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها، وأوصى الرب الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت ... وكانت الحية أحيَل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله؟، فقالت للمرأة: أحقاً قال الله: لا تأكلا من كل شجر الجنة؟ فقالت المرأة للحية: من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله: لا تأكلا منه، ولا تمساه لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة: لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر، فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون، وأن الشجرة شهية للنظر، فأخذت من ثمرها، وأكلت، وأعطت رجلها أيضاً معها، فأكل فانفتحت أعينهما، وعلما أنهما عريانان. فخاطا أوراق تين، وصنعا لأنفسهما مآزر.

стр. 150

وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة. فنادى الرب الإله آدم، وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة، فخشيت لأني عريان، فاختبأت. فقال: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت. فقال الرب الإله للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت المرأة: الحية غرّتني فأكلتُ. فقال الرب الإله للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم. ومن جميع وحوش البرية على بطنك تسعين، وتراباً تأكلين كل أيام حياتك، وأضع عداوة بينكِ وبين المرأة وبين نسلك ونسلها، هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه. وقال للمرأة: تكثيراً أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولاداً، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك. وقال لآدم: لأنك سمعت لقول امرأتك، وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلاً: لا تأكل منها. ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكاً وحسكاً تنبت لك، وتأكل عشب الحقل، بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب، وإلى تراب تعود ... وقال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر، والآن لعله يمد يده، ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً، ويأكل ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها، فطرد الإنسان، وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة " (التكوين ٢/ ١٥ - ٣/ ٢٤).

стр. 151

نقد القصة التوراتية للخطيئة الأولى إن التأمل في القصة التوراتية يثير عدداً كبيراً من الأسئلة، ويشكك في مصداقية الرواية التي بنى عليها النصارى أحد أكبر أوهامهم. وأول ما نلاحظه أن الرواية التوراتية تتحدث عن الذات الإلهية بما لا يليق وشمولية علم الله وتنزهه عن النقائص، ومنه نسبة الجهل إليه جل وعلا، إذ يقول السفر: " وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب النهار، فاختبأ آدم وامرأته في وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم، وقال له: أين أنت؟ "، فسؤاله ليس سؤالاً تقريرياً، وليس تأنيبياً، بل هو استفهامي، صدر عن عاجز عن الوصول إلى من توارى عنه حين سمع وقع أقدامه. كما نسبت الرواية التوراتية الإغواء إلى الحية، فلئن كانت الحية حقيقية كما يذهب إليه مفسرو أهل الكتاب، فالسؤال: هل الحيوان يكلف ويعاقب، وهل أرسل له رسل من جنسه، وأين أشار العهد القديم إلى مثل هذا التكليف الغريب؟ ورغم تفسير الكتاب للحية بأنها رمز للشيطان (انظر الرؤيا ٢٠/ ٢)، فإن سفر التكوين كان يتحدث عن حية حقيقية، وليس عن معنى رمزي، فقد وصف الحية بأنها من البهائم "الحية أحيل جميع حيوانات البرية"، وقال عنها: " ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية، على بطنك تسعين"، فالحديث عن حية حقيقية نراها إلى يومنا هذا وهي تسعى على بطنها، عقوبة للعصيان، كما جاء في السفر التوراتي. كما يجعل السفر التوراتي سبب إخراج آدم من الجنة الخوف من تسلط آدم على شجرة الحياة " والآن لعله يمد يده، ويأخذ من شجرة الحياة، ويأكل ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ". ويبقى السؤال الأهم: ما هي معصية آدم؟ وتأتي الإجابة التوراتية واضحة، لقد

стр. 152

أكل من الشجرة المحرمة، شجرة معرفة الخير والشر، لقد عرف الخير والشر. فماذا ترتب على هذه المعرفة من ثمرة مشينة؟ لا يذكر النص التوراتي لهذه الفعلة أثراً سوى أن آدم وحواء عرفا بأنهما عريانان، إذ انكشفت لهما الأمور بمعرفتهما للخير والشر. لكن المعرفة سلم للوصول إلى الحقيقة، ولم تحرم إلا في زمن الطغاة والمستبدين، فهل كان بحث آدم عنها وتشوقه إليها جريمة! أليس ذلك تحقيقاً للمشيئة الإلهية في إقامة الجنس البشري. ثم من الظلم أن يعاقب آدم - حسب النص - على ذنب ما كان له أن يدرك قبحه، إذ لم يعرف بعدُ الخير من الشر، بل ونتساءل: كيف وقع آدم في الإثم وهو غير ميال للشر والخطيئة التي دخلت للإنسان بعده كما يزعم النصارى. أما الإسلام فيعترف بالجبلة البشرية التي خلق الله الإنسان عليها فهو مستعد للخير والشر، مدرك لهما، ولذا فهو مكلف بفعل الخير وبالامتناع عن الشر، ومحاسب على ذلك. وثمة مسألة أخرى هامة من الذي يتحمل وزر الذنب آدم أم حواء؟ يذكر النص التوارتي ما يفهم منه براءة آدم من غواية الحية وإدانة حواء بها، ففيه أن حواء التي أغوتها الحية فأكلت " وأعطت رجلها أيضاً معها، فأكل ". ولما سئل عن فعلته قال آدم: " المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة، فأكلت"، وبراءة آدم من غواية إبليس صرح به بولس، فقال: " وآدم لم يغو، لكن المرأة أغويت، فحصلت في التعدي " (تيموثاوس (١) ٢/ ١٤)، لأنه "كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم " (رومية ٥/ ١٢). ولا ريب أن لهذا كبير علاقة مع النظرة اليهودية للمرأة حيث تزري بها شرائع

стр. 153

اليهودية، وهي في هذا النص تعتبرها سبباً للخطيئة، وقد قال ابن سيراخ في سفره: "من المرأة نشأت الخطيئة، وبسببها نموت أجمعون" (ابن سيراخ ٢٥/ ٢٤). والقرآن الكريم عندما تحدث عن خطيئة آدم حمّل آدم - وهو الرجل، رب الأسرة وصاحب القرار الأول فيها - المسئولية الأولى ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ (طه:١٢١). كما تحدث النص التوراتي عن عقوبات ثلاث طالت آدم وحواء والحية. أما الحية فكانت عقوبتها أنها " ملعونة أنت من جميع البهائم، ومن جميع وحوش البرية على بطنك تسعين، وتراباً تأكلين كل أيام حياتك، وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه ". وأما عقوبة حواء " تكثيراً أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولاداً، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك ". وأما عقوبة آدم " ملعونة الأرض بسببك، وبالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكاً وحسكاً تنبت لك، وتأكل عشب الحقل، بعرق وجهك تأكل خبزاً ". ولنا أن نتساءل: هل كانت الحية قبلُ مستوية القامة حسناء لا تأكل التراب، بل تبلع الحيوان، وهل تأكل الحيات اليوم التراب أم أن هذه العقوبة رفعت عنها بعد صلب المسيح؟! وأما المرأة فعوقبت بأمرين: أحدهما: جسماني، وهو أتعاب الحمل والولادة، وثانيهما: معنوي نفسي، وهو دوام اشتياقها للرجل، وأنه يسود عليها. وهذه العقوبات كافية في تحقيق الخلاص لها ولجنس النساء بعدها " المرأة أغويت، فحصلت في التعدي، ولكنها ستخلص بولادة الأولاد، إن ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل" (تيموثاوس (١) ٢/ ١٤).

стр. 154

ونلحظ أن هذه العقوبة وعقوبة آدم تختلفان عن العقوبة التي هدد فيها من يأكل من الشجرة "وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت "، ولم يمت آدم وحواء يومذاك، بل عاشا قروناً متطاولة. ولا يمكن أن يقال بأن الموت المقصود موت معنوي لأنه لا يفهم من السياق، ولقول بولس: "كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع " (رومية ٥/ ٢٣). ومما يصرف الموت عن المجاز إلى الحقيقة أن النص يقول: " لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت " فكما الأكل حقيقي، الموت حقيقي، وأيضاً التأكيد في قوله: "موتاً تموت" يمنع المجاز. والحق أن آدم حين أكل من الشجرة - وفقاً للنص التوراتي - قد اكتسب حياة روحية سامية، فقد حاز معرفة فريدة كمعرفة الله العليم الخبير "وتكونان كالله عارفين الخير والشر ... قال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر" (التكوين ٣/ ٥، ٢٢)، وإن عاقلاً في الدنيا لا ينكر أهمية هذه المعرفة للإنسانية التي ترتع بالشرور وقد عرفتها، فكيف يكون حالها لو لم تعرفها، ولم تميز بينها وبين الخير؟ ومما يؤسف له أن النص التوراتي يجعل الحية أصدق مقالاً من الله، لقد قال لآدم: " فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت "، ولم يمت حين آكل منها، فيما صدقت الحية حين قالت مكذبة الله: "لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر" وكان كما أخبرت، فهل يليق ورود مثل هذا في كتاب ينسب إلى الله العليم القدير؟!

стр. 155

فلسفة النصارى لمسألة الخطيئة والكفارة قرأنا النص التوراتي ورأينا في الملاحظات السابقة ما يجعل العاقل يجزم بركاكة القصة التي تحدثت عن خطيئة آدم، لكنا نتجاوز ونغض الطرف عما ورد فيها من طوام، ليصل بنا الحديث إلى أبعاد خطيئة آدم على الجنس البشري، فما هو معتقد النصارى في خطيئة آدم وعقوبتها وأبعادها؟ يعتبر القديس أوغسطينوس (٤٣٠م) في كتابه " The Enchiridion" في مقدمة النصارى الذين قدموا تفسيراً متكاملاً لهذه المسألة، ويعتبره العثماني في كتابه: "ما هي النصرانية" الوحيد الذي استوعب قضية الكفارة. وخلاصة رأيه كما نقله العثماني: - أن الله خلق الإنسان وترك فيه قوة الإرادة في حرية كاملة، وأنعم عليه، وحرم عليه تناول القمح. لكن آدم وضع قوته الإرادية في غير موضعها عندما تناول ما حرم عليه، ولم يكن صعباً عليه تحاشي المعصية، إذ لم يكن يعرف يومذاك عواطف الهوس والشهوة. - ذنب آدم ذنب عظيم لأنه يتضمن ذنوباً عديدة: أولها: الكفر، إذ اختار آدم أن يعيش محكوماً بسلطته، بدل أن يعيش في ظل الحكم الإلهي. وثانيها: كفر وإساءة أدب مع الله، لأن الإنسان لم يتيقن في الله. وثالثها: قتل نفسه، إذ جعل حكمها الموت. ورابعها: الزنا المعنوي، لأن إخلاص الروح الإنسانية قد ضاع من أجل

стр. 156

التصديق بقول الحية المعسول. وخامسها: السرقة، إذ نال ما لا يحل له. وسادسها: الطمع. وهكذا كانت هذه الخطيئة أمَّاً لكل الأخطاء البشرية " والحق أنك مهما أمعنت في حقيقة أي إثم، فستجد له انعكاساً في هذه الخطيئة الواحدة ". - جزاء هذه الخطيئة الشنيعة الموت الدائم، أو العذاب الدائم " لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت"، كما سلب آدم بعدها الحرية الإرادية بعد أن هزمه الذنب، فأصبح حراً في إتيان الإثم، وغير حرٍ في صنع المعروف، فالعقاب المعقول للذنب هو الذنب بعده، بعد تخلي رحمة الله عنه، وهكذا أصبحت الخطيئة مركبة من طبيعة الأبوين، وانتقلت منهما وراثة إلى سائر أبنائهما. (١) ونلحظ في طرح أوغسطينوس التضخيم الكبير لمعصية آدم، والغاية منه كما هو واضح إغلاق طريق الرجعة وسدّ باب بالتوبة، تمهيداً لإشاعة عقيدة المخلص يسوع ﵇، والذي بآلامه فقط يمكن الخلاص من هذه الموبقات، وما ذكره أوغسطينوس في ذنب آدم من تهويل من الممكن أن نقوله عن سائر الذنوب، فالحقيقة أن ذنب آدم كسائر الذنوب دون عفو الله ومغفرته. ولو توقف النصارى عند هذا الحد لكانت القضية شخصية متعلقة بآدم وزوجه فقط، لكن أوغسطينوس وغيره من النصارى يصرون على أن هذا الذنب لابد له من عقوبة قاسية، كما يرتبون على هذا الذنب مسألة خطيرة، وهي وراثة البشرية جمعاء لذنب أبويهم واستحقاقهم لتلك العقوبة القاسية.

стр. 157

ويؤكد أوغسطينوس على وراثة البشرية لذنب الأبوين، إذ أصبحت الخطيئة كامنة في طبيعتهما، وانتقلت وراثة إلى سائر الأبناء، فيولد الطفل وهو مذنب، لأن وباء الخطيئة كما يقول جان كالوين قد سرى إلى هذا الطفل وراثة، ويصوره القديس والراهب الدومنيكي توماس الأكويني (١٢٧٤م) بالذنب تذنبه الروح، لكنه ينتقل إلى أعضاء وجوارح الإنسان. وهكذا أصبح البشر جميعاً خطاة، وكما يقول عوض سمعان في كتابه " فلسفة الغفران في المسيحية ": وبما أن آدم الذي ولد منه البشر جميعاً كان قد فقد بعصيانه حياة الاستقامة التي خلقه الله عليها، وأصبح خاطئاً قبل أن ينجب نسلاً، إذن كان أمراً بدهياً أن يولد أبناؤه جميعاً خطاة بطبيعتهم نظيره، لأننا مهما جُلنا بأبصارنا في الكون لا نجد لسنة الله تبديلاً أو تحويلاً، ولذلك قال الوحي: " بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم " (رومية ٥/ ١٢ - ٢١). (١) ويشبه كالوني (أحد علماء البروتستانت) انتقال الخطيئة من آدم إلى بنيه بانتقال الوباء، فيقول: " حينما يقال: إننا استحققنا العذاب الإلهي من أجل خطيئة آدم، فليس يعني ذلك أننا بدورنا كنا معصومين أبرياء، وقد حملنا ظلماً ذنب آدم ... الحقيقة أننا لم نتوارث من آدم العقاب فقط، بل الحق أن وباء الخطيئة مستقر في أعماقنا، على سبيل الإنصاف الكامل، وكذلك الطفل الرضيع تضعه أمه مستحقاً للعقاب، وهذا العقاب يرجع إلى ذنبه هو، وليس من ذنب أحد غيره ". (٢) وشعر علماء النصرانية بما تحويه عقيدة وراثة الخطيئة من ظلم للإنسانية، فعلموا

стр. 158

على تبريرها وتحسين صورتها، لتقبلها العقول وعقوبتها من دون اعتراض ولا إحساس بالظلم، فيقول ندرة اليازجي: " آدم هو مثال الإنسان، الإنسان الذي وجد في حالة النعمة وسقط، إذن سقوط آدم من النعمة هو سقوط كل إنسان، إذن خطيئة آدم هي خطيئة كل إنسان، فليس المقصود أن الخطيئة تنتقل بالتوارث والتسلسل لأنها ليست تركة أو ميراثاً. إنما المقصود أن آدم الإنسان قد أخطأ، فأخطأ آدم الجميع إذن، كل واحد قد أخطأ، وذلك لأنه إنسان ". (١) نقض فلسفة وراثة الخطيئة الأصلية وهذه التبريرات المتهافتة والتشبيهات المتكلفة ما كان لها أن تقنع أحداً ممن يرى في وراثة الذنب ظلماً يتنزه الله عنه. فتشبيههم لوراثة الذنب بعدوى المرض باطل، لأن المرض شيء غير اختياري، فلا يقاس الذنب عليه، كما أن المرض لا يعاقب عليه الإنسان. وفصلُ توماس الأكويني بين الروح والجسد، وقوله بأن الخطيئة تسري من الروح للجوارح خطأ، لأن الخطأ عندما يقع فيه الإنسان، فإنما يقع فيه بروحه وجسده، فالإنسان مركب منهما، ويمارس حياته من خلالهما معاً. أما آدم فهو غير مركب من آدم وأبنائه. (٢) لذا نصر على اعتبار وراثة الذنب نوعاً من الظلم لا يليق نسبته إلى الله .

стр. 159

وهذا المعتقد الممجوج عقلاً لا دليل عليه في التوراة، بل الدليل قام على خلافه، إذ جاءت النصوص تنفي وراثة الذنب، وتؤكد على مسئولية كل إنسان عن عمله، ومنها: - " النفس التي تخطيء هي تموت، الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون " (حزقيال ١٨/ ٢٠ - ٢١). - " لا يقتل الآباء عن الأولاد، ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل " (التثنية ٢٤/ ١٦). - " بل كل واحد يموت بذنبه، كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه " (إرمياء ٣١/ ٣٠). - " الذي عيناك مفتوحتان على كل طرق بني آدم لتعطي كل واحد حسب طرقه، وحسب ثمرة أعماله " (إرميا ٣٢/ ١٩). - " لا تموت الآباء لأجل البنين، ولا البنون يموتون لأجل الآباء، بل كل واحد يموت لأجل خطيته " (الأيام (٢) ٢٥/ ٤). - " فإنه لا يموت بإثم أبيه " (حزقيال ١٨/ ١٧). - " أفتهلك البار مع الأثيم، عسى أن يكون خمسون باراً في المدينة، أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين باراً الذين فيه، حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر: أن تميت البار مع الأثيم، فيكون البار كالأثيم. حاشا لك، أديان كل الأرض لا يصنع عدلاً " (التكوين ١٨/ ٢٣ - ٢٥). كما نقض المسيح ﵇ الخطيئة الأصلية بقوله: " لو لم آت وأكلمهم، لم تكن لهم خطيئة، وأما الآن فليس لهم حجة في خطيئتهم ... لو لم أعمل بينهم أعمالاً لم يعملها آخر،

стр. 160

لما كانت لهم خطيئة، أما الآن فقد رأوا وأبغضوني " (يوحنا ١٥/ ٢٢ - ٢٤)، فالمسيح لا علم له بالخطيئة الأصلية الموروثة، لذا فهو يوبخهم على خطيئتهم تجاهه، يقرّعهم على عدم الإيمان به، مع تأكيده على أنهم " لم تكن لهم خطيئة " لو لم يأت إليهم بما آتاه الله من حجج وبراهين. بطلان وراثة الخطيئة بإثبات براءة الكثيرين من الخطيئة الأصلية تشهد الكتب المقدسة عند النصارى لكثيرين بالخيرية، وتثني عليهم، ولو كانوا مسربلين بالخطيئة الأصلية لما استحقوا هذا الثناء، ومن هؤلاء الأطفال الذين قال فيهم المسيح في إحدى وصاياه: "الحق أقول لكم، إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات، فمن وضع نفسه مثل هذا الولد، فهو الأعظم في ملكوت السماوات " (متى ١٨/ ٣ - ٤)، (وانظر مرقس ١٠/ ١٣/١٦). وعندها نهر تلاميذه أطفالاً قال: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات " (متى ١٩/ ١٣ - ١٤) فيفهم من هذين النصين طهرة الأطفال من الخطيئة الأصلية، لذلك جعلهم مثلاً للأبرار الذين يدخلون الجنة. لكن القديس أوغسطينوس كان يحكم بالهلاك على جميع الأطفال غير المعمدين، وكان يفتي بأنهم يحرقون في نار جهنم، ولن يتمتعوا برؤية ملكوت الرب. (١) والأبرار أيضاً لم يحملوا هذه الخطيئة، فهؤلاء الأبرار ذكرتهم نصوص التوراة وأثنت عليهم ولم تتحدث عن هلاكهم أو تأثرهم بالخطيئة الموروثة "كان كلام الرب إليّ قائلاً: ما لكم أنتم تضربون هذا المثل على أرض إسرائيل قائلين: الآباء أكلوا الحصرم، وأسنان الأبناء ضرست، حي يقول السيد الرب ... الإنسان الذي كان باراً

стр. 161

وفعل حقاً وعدلاً، لم يأكل على الجبال، ولم يرفع عينيه إلى أصنام بيت إسرائيل، ولم ينجس امرأة قريبه، ولم يقرب طامثاً، ولم يظلم إنساناً ... فهو بار، حياة يحيا يقول السيد الرب" (حزقيال ١٨/ ١ - ٩)، فكل من يعمل الصالحات يكون باراً، ولا تؤثر فيه خطية آدم أو غيره. ومن هؤلاء الأبرار الذين لم تكبلهم الخطيئة، وأثنت عليهم التوراة، الأنبياء، ولو كانوا حاملين للخطيئة لما كانوا أهلاً لهداية الناس، فإن قيل عفي عنهم، فلم تراه لم يُعفَ عن بقية العالمين - من غير دم - كما عفي عن الأنبياء الذين اختار الله منهم كليماً وخليلاً. ومن الأنبياء الذين أثنت عليهم التوراة أخنوخ " وسار أخنوخ مع الله، ولم يوجد لأن الله أخذه" (التكوين ٥/ ٢٤)، وقد قال عنه بولس: " بالإيمان نقل أخنوخ لكي لا يرى الموت، ولم يوجد لأن الله نقله، إذ قبل نقله شهد له بأنه قد أرضى الله" (عبرانيين ١١/ ٥). وأيضاً نوح ﵇ تقول عنه التوراة: " وكان نوح رجلاً باراً كاملاً في أجياله، وسار نوح مع الله " (التكوين ٦/ ٩). وأيضاً إبراهيم فقد قيل له: " لا تخف يا إبرام أنا ترس لك، أجرك كثير جداً " (التكوين ١٥/ ١)، وقيل عنه: " بارك الرب إبراهيم في كل شيء " (التكوين ٢٤/ ١). ومن هؤلاء الأبرار أيوب، وقد أخبر عن نفسه أنه بريء من كل ذنب وإثم، وأنه كان باراً مطيعاً لأقوال الله: "قد قلتَ في مسامعي، وصوت أقوالك سمعتُ. قلت: أنا بريء بلا ذنب، زكي أنا ولا إثم لي" (أيوب ٣٣/ ٨ - ٩). ورغم هذه المزايا الفريدة لأيوب، فإن يوحنا المعمدان أعظم منه، كما قال المسيح: " الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان " (متى

стр. 162

١١/ ١١)، ويقول عنه لوقا: "لأنه يكون عظيماً أمام الرب، وخمراً ومسكراً لا يشرب" (لوقا ١/ ١٥)، فهؤلاء جميعاً لم يرثوا الخطيئة، ولم تؤثر فيهم مع أنهم من ذرية آدم، والكتاب يعلن صلاحهم وعدم احتياجهم إلى الخلاص بدم المسيح أو غيره .. كما أثنت التوراة على أشخاص من غير الأنبياء ووصفتهم بالصلاح والبر، فدل ذلك على عدم حملهم للخطيئة الأصلية. منهم هابيل بن آدم الذي تقبل الله منه ذبيحته لصلاحه، ولم يقبلها من أخيه، فلم تمنعه خطيئة أبيه من أن يكون عند الله مقبولاً (انظر التكوين ٤/ ٤)، وقد قال عنه الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين: "بالإيمان قدم هابيل لله ذبيحة أفضل من قايين، فبه شهد له أنه بار، إذ شهد الله لقرابينه" (عبرانيين ١١/ ٤). وكذلك الناجون مع نوح كانوا جميعاً أبراراً، فأنجاهم الله من الطوفان " ورأى الله الأرض، فإذا هي فسدت، إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه على الأرض فقال الله لنوح: نهاية كل بشر أتت أمامي ... وتبقى نوح والذين معه في الفلك فقط" (التكوين ٦/ ١٢ - ٧/ ٢٣). ولو كانت الخطيئة موروثة لكان الجميع خاطئين، ولما كان ثمة مبرر لهذا التفريق بين الناجين والمغرقين. ومن الأبرار أيضاً لاوي بن يعقوب، والذي اختص وسبطه بالكهانة، حيث قال الله عنه: "عهدي معه للحياة والسلام، وأعطيته إياهما للتقوى، فاتقاني، ومن اسمي ارتاع هو، شريعة الحق كانت في فِيه، وإثم لم يوجد في شفتيه، سلك معي في السلام والاستقامة، وأرجع كثيرين عن الإثم، لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة، ومن فمه يطلبون الشريعة، لأنه رسول رب الجنود" (ملاخي ٢/ ٥ - ٧). كذا خاطب الرب أورشليم محدثاً إياها عن البقية المؤمنة في بني إسرائيل، فقال: "وأبقي في وسطكِ شعباً بائساً ومسكيناً، فيتوكلون على اسم الرب، بقيةُ إسرائيل لا

стр. 163

يفعلون إثماً، ولا يتكلمون بالكذب، ولا يوجد في أفواههم لسان غش، لأنهم يرعون ويربضون " (صفنيا ٣/ ١٢ - ١٣)، فهؤلاء اليهود الباقون في أورشليم منزهون عن الإثم والخطية. وأيضاً شهد المسيح بنجاة لعازر، وقد مات قبل الصلب المزعوم للمسيح " فمات المسكين وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم، ومات الفتى أيضاً، ودفن، فرفع عينيه في الهاوية وهو في العذاب ورأى إبراهيم من بعيد ولعازر في حضنه، فنادى وقال: يا أبي إبراهيم، ارحمني .... " (لوقا ١٦/ ٢١ - ٢٤)، فلعازر نجا وقد مات قبل الصلب المزعوم للمسيح. ويجزم المسيح بخلاص العشار زكا الذي أنفق نصف ماله في سبيل الله من غير أن يحتاج لدم يخلصه أو فادٍ يصلب عنه " فوقف زكا وقال للرب: ها أنا يا رب أعطي نصف أموالي للمساكين، وإن كنت قد وشيت بأحد أرد أربعة أضعاف. فقال له يسوع: اليوم حصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضاً ابن إبراهيم" (لوقا ١٩/ ٨ - ٩)، لقد نال الخلاص بالبر والعمل الصالح. إبطال نظرية الذنب الموروث بشهادات النصارى ومما يبطل نظرية وراثة الخطيئة الأصلية الإنكار الذي صدر عن النصارى قديماً وحديثاً، فعبروا عن رفضهم لهذا الظلم وعن تحمل تبعات خطيئة لم يرتكبوها ولم يستشاروا فيها، بل ولم يشهدوها، ومن ذلك: - أن مخطوطات نجع حمادي المكتشفة بعد الحرب العالمية الثانية خلت من الحديث عن الخطيئة والغفران الذي يتحدث عنه آباء الكنيسة. - أن ثمة منكرون لهذه العقيدة في النصارى، ومنهم الراهبان الإنجليزيان في مطلع القرن الخامس: بيلاجوس (١) وصديقه الراهب سليتوس وأصحابهما، فقد أنكروا سريان الخطيئة الأصلية إلى ذرية آدم، واعتبروه مما يمنع السعادة الأبدية، وقالوا بأن الإنسان موكول بأعماله، فالراهب بيلاجيوس يؤمن "بحرية الإرادة عند الإنسان في قضايا الخير والشر، وبأن ليست هناك ثمة عوائق تتدخل في حرية الاختيار للبشر، وعلى هذا فإن في مقدور الإنسان القوي الإرادة أن يعيش حياة تصل إلى مرتبة الكمال .. الطبيعة البشرية لكل مخلوق فرد تشبه طبيعة آدم البكر النقية وقت الخلق، أي قبل السقوط، وهذا يعني أنها لم ترث أوزار الإثم الأول" (٢)، وهذه الآراء الجريئة لم ترق للكنيسة فحكمت عليه باللعنة في مجمع قرطاجنة السادس عشر المنعقد سنة ٤١٨م.

стр. 164

ومن المنكرين أيضاً لهذه العقيدة اللاهوتي الشهير يوحنا فم الذهب (١) وكوائيليس شيس الذي نقلت عنه دائرة المعارف البريطانية أنه قال: "ذنب آدم لم يضر إلا آدم، ولم يكن له أي تأثير على بني النوع البشري، والأطفال الرضعاء حين تضعهم أمهاتهم يكونون كما كان آدم قبل الذنب ". ويقول الميجور جيمس براون عن فكرة وراثة الذنب الأول: "فكرة فاحشة مستقذرة، لا توجد قبيلة اعتقدت سخافة كهذه ". (٢) ويقول الدكتور نظمي لوقا حيث تحدث عن الآثار السلبية التي تتركها هذه العقيدة فيقول: "الحق أنه لا يمكن أن يقدر قيمة عقيدة خالية من أعباء الخطيئة الأولى الموروثة إلا من نشأ في ظل تلك الفكرة القاتمة التي تصبغ بصبغة الخجل والتأثم كل أفعال الفرد، فيمضي حياته مضي المريب المتردد، ولا يقبل عليها إقبال الواثق بسبب ما أنقض ظهره من الوزر الموروث. إن تلك الفكرة القاسية تسمم ينابيع الحياة كلها، ورفعها عن كاهل الإنسان منّة عظمى، بمثابة نفخ نسمة حياة جديدة فيه، بل هو ولادة جديدة حقاً ... ".

стр. 165

ويقول: "وإن أنسى لا أنسى ما ركبني صغيراً من الفزع والهول من جراء تلك الخطيئة الأولى، وما سيقت فيه من سياق مروع يقترن بوصف جهنم ... جزاء وفاقاً على خطيئة آدم بإيعاز من حواء ... وإن أنسى لا أنسى القلق الذي ساورني وشغل خاطري على ملايين البشر قبل المسيح أين هم، وما ذنبهم حتى يهلكوا بغير فرصة للنجاة". (١) وهكذا بطل القول بسريان الخطيئة إلى ذرية آدم، من خلال النصوص الصريحة في الكتب المقدسة وبشهادة العقلاء من أبناء النصرانية.

стр. 166

مبررات صلب المسيح عند النصارى ويقول النصارى في محاولة لتبرير صلب المسيح وربطه بخطيئة آدم: إن الله أراد برحمته أن يخلص الأرض من اللعنة التي أصابتها بسبب معصية آدم، لكن عدله يأبى إلا أن يعاقب أصحاب الذنب، فكيف المخرج للتوفيق بين العدل والرحمة؟ فلا يجدون إجابة إلا صلب المسيح البريء نيابة عن البشرية وارثة الخطيئة والأرض الملعونة بسبب آدم! يلخص أوغسطينوس المسألة في كتابه: " The Enchiridion" بأن الله رحيم، ولا يريد أن يغير قوانين المحكمة، وفيها أن الموت عقوبة عادلة لهذه الخطيئة الأصلية، فاتخذ حيلة ينجي بها عباده، فيموتون ثم يحيون من جديد، فتعود إليهم حريتهم بعد حياتهم الجديدة. ولما كانت إماتة الناس جميعاً تتعارض مع قانون الطبيعة وسنن الكون، فكان لابد من شخص معصوم من الذنب الأصلي يعاقبه الله بموته، ثم يبعثه، فيكون موته بمثابة موت البشرية وعقوبتها، وقد اختار الله ابنه لهذه المهمة. ويقول القس لبيب ميخائيل: " إن الله الرحيم هو أيضاً إله عادل، وإن الله المحب هو أيضاً إله قدوس يكره الخطيئة، وإذا تركزت هذه الصورة في أذهاننا ... سندرك على الفور أن صفات الله الأدبية الكاملة لا يمكن أن تسمح بغفران الخطية دون أن تنال قصاصها ... فإن الصليب يبدو أمامنا ضرورة حتمية للتوفيق بين عدل الله ورحمته ". ويؤكد هذه المعاني عوض سمعان في كتابه " فلسفة الغفران " بقوله: " لو كان في الجائز أن تقل عدالة الله وقداسته عن رحمته ومحبته اللتين لا حد لهما، فإن من مستلزمات الكمال الذي يتصف به، أن لا يتساهل في شيء من مطالب عدالته وقداسته، وبما أنه لا يستطيع سواه إيفاء مطالب هذه وتلك، إذن لا سبيل للخلاص من الخطيئة ونتائجها

стр. 167

إلا بقيامه بافتدائنا بنفسه ". إذاً فالمسيح المتأنس غير مولود من الخطيئة، ومسارٍ لقيمة جميع الناس، فكان هو الفدية التي اصطلح فيها الله مع الإنسانية، ووفق فيها بين عدله ورحمته. ويقول حبيب جرجس في كتابه "خلاصة الأصول الإيمانية":" ولما فسد الجنس البشري، وصار الناس مستعبدين للخطيئة، وأبناء للمعصية والغضب لم يتركهم الله يهلكون بانغماسهم فيها، بل شاء بمجرد رحمته أن ينقذنا من الهلاك بواسطة فادٍ يفدينا من حكم الموت، وهذا الفادي ليس إنساناً ولا ملاكاً ولا خليقة أخرى، بل هو مخلصنا وفادينا ابن الله الوحيد، ربنا يسوع المسيح الذي له المجد إلى أبد الآبدين ". (١) ويؤكد القس جولد ساك على أهمية القصاص فيقول: " لابد أن يكون واضحاً وضوح الشمس في ضحاها لأي إنسان بأن الله لا يمكنه أن ينقض ناموسه، لأنه إذا فعل ذلك من الذي يدعوه عادلاً ومنصفاً ". (٢) إذاً لابد من العقوبة حتى تحصل المغفرة. وفي ذلك يقول مؤلف رسالة العبرانيين: " وكل شيء تقريباً يتطهر حسب الناموس بالدم، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة " (عبرانيين ٩/ ٢٢). ويقول بولس: " لأنكم قد اشتريتم بثمن، فمجدوا الله في أجسادكم، وفي أرواحكم التي هي لله" (كورنثوس (١) ٦/ ٢٠)، ويقول: " أجرة الخطية هي موت " (رومية ٦/ ٢٣).

стр. 168

ويقول: " لأنه وإن كنا ونحن أعداء فقد صولحنا مع الله بموت ابنه " (رومية ٥/ ١٠). ويقول بطرس: " عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى: بفضة أو ذهب، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حَمَلٍ بِلاَ عيْب، ولا دنس دم: المسيح " (بطرس (١) ١/ ١٨ - ١٩). ويعتبر النصارى فداء المسيح للبشرية العمل الحقيقي للمسيح والذي من أجله تجسد وتأنس، يقول الأنبا أثناسيوس: " فالمسيح هو الله غير المنظور، وقد صار منظوراً، ولماذا صار منظوراً، لينجز مهمة الفداء والخلاص، التي ما كان يمكن لغير الله أن يقوم بها، فالله قد تجسد في المسيح من أجل الفداء والخلاص، فالفداء كان هو الغاية، والتجسد كان هو الوسيلة ". (١) نقد مبررات النصارى لضرورة الصلب التكفيري ويرى المسلمون في هذا الفكر النصراني انحرافاً وتجافياً عن المعقول والمنقول، فإن فيه إساءة أدب مع الله وكفراً به، كان ينبغي أن ينزهه النصارى عنه، إذ كيف يقبل عقلاً وديناً القول بتناقض العدل الإلهي مع الرحمة الإلهية قروناً متطاولة، من غير أن يهتدي الرب - تعالى عن ذلك- إلى سبيل للتوفيق بين صفاته المتناقضة، وأخيراً جاء الحل الدموي بصلب المسيح البريء رحمة من الرب بالعالمين. وتظهر العقيدة النصرانية الله عاجزاً عن العفو عن آدم وذنبه، حائراً في الطريقة التي ينبغي أن يعاقبه بها بعد أن قرر عقوبته. ويظهر قرار العقوبة وكأنه قرار متسرع يبحث له عن مخرج، وقد امتد البحث عن هذا المخرج قروناً عديدة، ثم اهتدى إليه بعدُ، فكان المخرج الوحيد هو ظلم

стр. 169

المسيح وتعذيبه على الصليب كفارة عن ذنب لم يرتكبه. ويشبه النصارى إلههم وقتذاك بصورة مستقذرة، بصورة المرابي وهو يريد عوضاً على كل شيء، ونسي هؤلاء أن الله حين يعاقب لا يعاقب للمعاوضة أو لإرضاء نفسه أو للانتقام، بل لكبح الشر وتطهير النفس من درن الذنب. وقد فات الفكر النصراني وجود بدائل كثيرة مقبولة ومتوافقة مع سنن الله الماضية في البشر، وهي جميعاً أولى من اللجوء إلى صلب المسيح تكفيراً للخطيئة ووفاءً بسنتي الانتقام والعدل بالمفهوم النصراني. ومن هذه البدائل: التوبة، والمغفرة والعفو، ومنها العفو بصك غفران لا يزيد سعره على بضع دولارات، ومنها الاكتفاء بعقوبة الأبوين على جريمتهما، وكل ذلك - عدا المغفرة بالدولارات - من سنن الله التي يقرها الكتاب المقدس في مغفرة ذنوب الخاطئين. التوبة من الذنب كفارة له فلئن كان ثمة تنازع بين الرحمة والعدل- كما يزعم النصارى - فإن من أهم مخارج المسألة التوبة التي ذكر الله في القرآن أن آدم صنعها، وهي باب عظيم من أبواب فضل الله، جعله للخاطئين. والتوبة تغسل الذنب وتنقي القلب، فيكون الخاطئ التائب حبيباً إلى الله، فلم لا يقول النصارى بأن آدم تاب وقبلت توبته، لم يصرون على القصاص، ولم يصر الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين على أنه " بدون سفك دم لا تحصل مغفرة" (عبرانيين ٩/ ٢٢). لقد تحدثت نصوص التوراة والإنجيل بإسهاب عن التوبة وقصصها قبول الله لها. فها هو المسيح يجلس مع العشارين والخطاة، فيتذمر الفريسيون والكتبة لذلك قائلين: " هذا يقبل خطاة ويأكل معهم " (لوقا ١٥/ ٢) فأراهم المسيح حرصه على

стр. 170

التوبة وفرحة الله بالتائب "وكلمهم بهذا المثل قائلاً: أي إنسان منكم له مائة خروف وأضاع واحداً منها، ألا يترك التسعة والتسعين في البرية ويذهب لأجل الضال، حتى يجده، وإذا وجده يضعه على منكبيه فرحاً ويأتي إلى بيته، ويدعو الأصدقاء والجيران قائلاً لهم: افرحوا معي، لأني وجدت خروفي الضال. أقول لكم: إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب ... " (لوقا ١٥/ ٣ - ٧)، وعليه فالتوبة مقبولة عند الله كوسيلة للخلاص من الذنب، ولا تتناقض مع قدر الله القاضي بالقصاص من العاصي. كما ضرب للتوبة وأهلها ومنزلتها مثلين آخرين، فقد شبّه الفرح بالتائب بفرح الأب بعودة ابنه الضال وبعثور صاحب الدرهم الضائع على درهمه. (انظر لوقا ١٥/ ٨ - ٣٢). ولقد وعد الله التائبين بالقبول ففي سفر حزقيال: " فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها، وحفظ كل فرائضي، وفعل حقاً وعدلاً، فحياة يحيا، لا يموت، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه، بره الذي عمل يحيا، هل مسرة أُسرُّ بموت الشرير" (حزقيال ١٨/ ٢١ - ٢٣). وفي إشعيا يؤكد الوعد فيقول: " ليترك الشرير طريقه، ورجل الإثم أفكاره، وليتب إلى الرب فيرحمه، وإلى إلهنا لأنه يكثر الغفران" (إشعيا ٥٥/ ٧)، فالرب الحليم الرحيم يعد عباده العاصين بالرحمة حال توبتهم، من غير أن يتناقض عدله مع رحمته، إذ هو يفعل ما يريد. ويقول يوحنا المعمدان مخاطباً اليهود مذكراً إياهم بأهمية التوبة: " يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي، فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة، ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أباً " (متى ٣/ ٧ - ٩)، فالتوبة هي الطريق، وليس النسب كما ليس الفداء.

стр. 171

تقول التوراة: "فإذا تواضع شعبي الذين دعي اسمي عليهم، وصلّوا وطلبوا وجهي، ورجعوا عن طرقهم الردية، فإنني أسمع من السماء " (الأيام (٢) ٧/ ١٤). ولكن ورغم هذا كله يقول عوض سمعان: " فالتوبة مهما كان شأنها ليست بكافية للصفح عما مضى من خطايانا ". (١) إذاً لماذا أكدت النبوات عليها وعلى فضلها ومحبة الله لها، ولم أغلق هذا الباب في وجه آدم، وهو أولى الناس به لمعرفته بالله العظيم وجزائه ورحمته، إضافة إلى شعوره بالذنب وأثره الجمّ عليه، وهذا الذي ذكره الله عنه ﴿فعصى آدم ربه فغوى - ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ (طه: ١٢١ - ١٢٢). لكن بولس يصر على أن " أجرة الخطية هي موت " (رومية ٦/ ٢٣)، وعليه فهذا الحكم لا نكول عنه، لأن الله لا يكذب، وهو يحب أن يرحم عباده، فلا سبيل للجمع بين إرادتيه إلا بالكفارة، لأن الله رحيم، وهو أيضاً لا يكذب في وعيده. وهذا المبدأ غريب في تصوره الضعيف والسقيم لله، وحديثه عن الله المشوب باتهام الرب العظيم بقلة الحيلة أو الخوف على سمعته ومنزلته عند مخلوقاته، وهو بكل حال متناقض مع النصوص التي أكدت أن أجرة الخطية موت، وأن الله يرفعه بالتوبة، من غير أن يتناقض عدله مع رحمته. إذ يقول سفر حزقيال: "وإذا قلت للشرير: موتاً تموت. فإن رجع عن خطيته وعمل بالعدل والحق، إن رد الشرير الرهن، وعوّض عن المغتصَب، وسلك في فرائض الحياة بلا عمل إثم، فإنه حياة يحيا. لا يموت. كل خطيته التي أخطأ بها لا تذكر عليه، عمل بالعدل والحق، فيحيا حياة" (حزقيال ٣٣/ ١٤ - ١٦)، فالموت الذي هو جزاء

стр. 172

الخطية يرفع بالتوبة والعمل الصالح من غير حاجة إلى سفك دم. وهو ما يعلمنا إياه التلميذ يعقوب بقوله: "صلاة الإيمان تشفي المريض، والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطية تغفر له" (يعقوب ٥/ ١٥) فالصلاة تغفر الخطايا، ولا مبرر للدم والكفارة. ومثلها الصدقة على الفقراء والمساكين "الصدقة تنجي من الموت، وهي تطهر من كل خطيئة، الذين يتصدقون يشبعون من الحياة " (طوبيا ١٢/ ٩). عفو الله وغفرانه للمذنبين ثم إنه ثمة مخرج آخر للجمع بين سنة الله في عقاب الظالمين وعفوه عنهم، ألا وهو سنته في العفو عنهم، فهو لا يتناقض مع العدل، إذ لن يسأل أحد ربه لماذا عفا عمن عفا عنه من المسيئين؟ وقبل أن نتحدث عن العفو نلاحظ أن لمصطلح العدل عند النصارى مفهوم خاطئ، فالعدل هو عدم نقص شيء من أجر المحسنين، وعدم الزيادة في عقاب المسيء عما يستحق، فهو توفية الناس حقهم بلا نقص في الأجر، ولا زيادة في العقاب. وعليه فإخلاف الوعيد لا يتعارض مع العدل، بل هو كرم الله الذي قد يمنحه للمسيئين، عفواً منه ومغفرة جل وعلا، فهو العفو الرحيم. والعفو من الصفات الإلهية التي اتصف بها الرب، وطلب من عباده أن يتصفوا بها، وهو أولى بها لما فيها من كمال وحُسن، وقد عفا عن بني إسرائيل من غير كفارة ولا مصلوب "رضيت يا رب على أرضك، أرجعت سبي يعقوب، غفرت إثم شعبك، سترت كل خطيتهم، سلاه، حجزت كل رجزك، رجعت عن حمو غضبك" (المزمور ٨٥/ ١ - ٣).

стр. 173

ويقول بولس: " طوبى للذين غفرت آثامهم وسترت خطاياهم، طوبى للرجل الذي لا يحسب له الرب خطية" (رومية ٤/ ٧ - ٨)، فثمة أناس عفا الله عن خطاياهم وذنوبهم، وسترها عليهم، من غير دم يسفك عنهم، ولا تناقض بين عدل الله ورحمته بشأنهم. وقد علّم المسيح تلاميذه خلق العفو، وضرب لهم مثلاً قصة العبد المديون والمدين. (انظر متى ١٨/ ٢٣ - ٣٤). وكان بطرس قد سأل المسيح: " يا رب كم مرة يخطئ إليّ أخي وأنا أغفر له؟ هل إلى سبع مرات؟ قال له يسوع: بل إلى سبعين مرة " (متى ١٨/ ٢١ - ٢٢). ومرة أخرى قال لهم: " أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه تشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين " (متى ٥/ ٤٤ - ٤٥). فالعفو عن الخاطئين صفة مدح، اللهُ أولى بها من عباده، وهو أقدر منهم وأغنى جل وعز. ولم لا يكون العفو بصك غفران يمنحه الله لآدم، ويجنب المسيح ويلات الصلب وآلامه، أو لم لا يجعل للمسيح فدية عن الصلب، كما جعل لإبراهيم فدية فدى بها ابنه إسماعيل. وكذا فإن إصرار النصارى على أنه لا تكون مغفرة إلا بسفك دم (انظر عبرانيين ٩/ ٢٢) (١) ترده نصوص أخرى أخبرت أن الله قد يرفض الذبائح ولا يرتضيها وسيلة

стр. 174

للخلاص، منها ما جاء في متى: " إني أريد رحمة لا ذبيحة، لأني لم آت لأدعو أبراراً، بل خطاة إلى التوبة " (متى ٩/ ١٣). وفي التوراة أن الله قال لبني إسرائيل: " بغضتُ، كرهتُ أعيادكم، ولست ألتذُّ باعتكافاتكم، إني إذا قدمتم لي محرقاتكم وتقدماتكم لا أرتضي، وذبائح السلامة من مسمناتكم لا ألتفت إليها " (عاموس ٥/ ٢١ - ٢٢)، فالذي يريده الله منهم هو العمل الصالح، لا الذبيحة فقط. وفي سفر المزامير "يا رب افتح شفتيّ، فيخبر فمي بتسبيحك، لأنك لا تسرّ بذبيحة، وإلا فكنت أقدمها، بمحرقة لا ترضى، ذبائح الله هي روح منكسرة، القلب المنكسر والمنسحق" (المزمور ٥١/ ١٥ - ١٧). ويؤكد الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين هذا المعنى الجديد للذبيحة المقبولة، فيوصي بالتسبيح وفعل الخير: "فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح، أي ثمر شفاه معترفة باسمه، ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع، لأنه بذبائح مثل هذه يسرّ الله" (عبرانيين ١٣/ ١٥ - ١٦). وفي سفر إشعيا النبي يخاطب الرب بني إسرائيل: " اسمعوا كلام الرب يا قضاة سدوم، أصغوا إلى شريعة إلهنا يا شعب عمورة، لماذا لي كثرة ذبائحكم يقول الرب، اتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات، وبدم عجول وخرفان وتيوس ما أسر ... اغتسلوا، تنقوا، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عينيّ، كفوا عن فعل الشر، تعلموا فعل الخير، اطلبوا الحق، أنصفوا المظلوم، اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة، هلم نتحاجج

стр. 175

يقول الرب، إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج، إن كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف" (إشعيا ١/ ١٠ - ١٨). وهكذا فليست الذبيحة الوسيلة الأقرب لرضوان الله، بل أفضل منها العمل الصالح، والقلب المنكسر المتذلل لله العظيم. الاكتفاء بالعقوبة التي نالها الأبوان لكن النصارى يمنعون أن يعفو الله عن آدم وأبنائه، ويصرون أن لابد من العقوبة المستحقة لهم، لكنهم قد نالوها بالفعل، فما بال الخطيئة تتوارث وعقوبتها في أبنائهم، أفليس تكرار العقوبة للعاصي صورة من صور الظلم الذي يتنزه عنه الله! ذكر سفر التكوين أن الله توعد آدم بالموت إن هو أكل من الشجرة. لكنه بدلاً عن أن يموت وزوجه جزاء خطيئتهما وتنطفاء الفتنة والفساد والشر في المهد، بدلاً من ذلك كثّر نسلهما، فكان ذلك حياة لهما لا موتاً، وكان سبباً في زيادة الشر والفساد على الأرض. ثم إضافة للموت الذي لم يتحقق عاقبه بقوله: " ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكاً وحسكاً تنبت لك، وتأكل عشب الحقل بعرق وجهك تأكل خبزاً، حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب وإلى تراب تعود " (التكوين ٣/ ١٧ - ١٩)، فطرد آدم من الجنة ليعيش في الأرض ويكد فيها، فتلك عقوبته. وكذلك فإن زوجه حواء عوقبت " تكثيراً أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولاداً، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك " (التكوين ٣/ ١٦). لقد عوقب آدم وحواء إذاً، ونلحظ في العقوبة شدة متمثلة في لعن الأرض كلها

стр. 176

والأتعاب الطويلة للرجال والنساء، ونلحظ أن ليس ثمة تناسباً بين الذنب والعقوبة، فقد كان يكفيهم الإخراج من الجنة. وقد بقيت هذه القصاصات من لدن آدم حتى جاء المسيح الفادي، ثم ماذا؟ هل رفعت هذه العقوبات بموت المسيح؟ هل رفعت عن المؤمنين فقط أم أن شيئاً لم يتغير؟ وهذا هو الصحيح، فما زال الناس يموتون من لدن المسيح، يموت أبرارهم وفجارهم، فلم يبطل حكم الموت فيهم - كما ذكر بولس -: " مخلصنا يسوع الذي أبطل الموت، وأنار الحياة والخلود " (تيموثاوس (٢) ١/ ١٠)، وقوله: " بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع " (رومية ٥/ ١٢). فالمسيح لم يبطل بصلبه ولا بدعوته أي موت، لا الموت الحقيقي ولا الموت المجازي، إذ مازال الناس في الخطيئة يتسربلون، ثم بعد ذلك يموتون. وأما الموت الحقيقي فليس في باب العقوبة في شيء، بل هو أمر قد كتب على بني آدم، بَرهم وفاجرهم على السواء، قبل المسيح وبعده، وإلى قيام الساعة، كما كتب الموت على الحيوان والنبات، فما بالهم يموتون؟ وهل موتهم لخطأ جدهم وأصلهم الأول أم ماذا؟! ثم إن هناك من لا يملك النصارى دليلاً على موتهم، فنجوا من الموت من غير فداء المسيح، وذلك متمثل في أخنوخ وإيليا اللذين رفعا إلى السماء وهما حيين كما في الأسفار المقدسة (انظر التكوين ٥/ ٢٤، والملوك (٢) ٢/ ١١، وعبرانيين ١١/ ٥). وعليه نستطيع القول بأن ليس ثمة علاقة بين الموت وخطيئة آدم. وكذلك فإن القصاصات الأخرى ما تزال قائمة، فما زال الرجال يكدون

стр. 177

ويتعبون، وما تزال النساء تتوجع في الولادة ... ويستوي في ذلك النصارى المفديون - حسب العهد الجديد- بدم المسيح وغيرهم. والعجب من إصرار النصارى بعد وقوع هذه العقوبات على أن الذنب ما زال مستمراً، وأنه لابد من فادٍ بعد هذه العقوبات الشديدة التي نالها أصحابها. ولابد أن ننوه هنا إلى أن النص التوراتي يحمل القدر الكثير من معاني الظلم لآدم وحواء؛ إذ يجعل وقوعهما في المعصية وهما غير مؤهلين للتمييز بين الخير والشر، فقد أُعطيا هذه القدرة بعد أكلهما من شجرة معرفة الخير من الشر، فقد أذنبا وهما جاهلين حتى بعريهما "فأكل فانفتحت أعينهما، وعلما أنهما عريانان، فخاطا أوراق تين، وصنعا لأنفسهما مآزر"، ومن جهل مثل هذا الأمر البسيط لا يمكنه - بالضرورة - التمييز فيما هو أكبر وأعمق، كمعرفة عاقبة إطاعة الحية التي غرَّته بقولها: " يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر ". وفي هذا الصدد نسأل سؤالاً لا يجوز إغفاله أو الحيدة عن إجابته: كيف جهل الأنبياء ذلك المعتقد الهام، فلم يذكروه في كتبهم كما لم يذكره المسيح ولم يعرفه تلاميذه من بعده، حتى جاء به بولس وآباء الكنيسة، فكشفوا ما غاب عن الأنبياء والمرسلين. مسئولية الإنسان عن عمله ومما يبطل نظرية وراثة الذنب أيضاً النصوص التي تحمل كل إنسان مسئولية عمله. وقد تعاقَب الأنبياء على التذكير بهذا المعتقد في نصوص كثيرة ذكرتها التوراة والأناجيل. ومنها ما جاء في التوراة "وكلم الرب موسى وهارون قائلاً: افترزا من بين هذه الجماعة، فإني أفنيهم في لحظة، فخرّا على وجهيهما وقالا: اللهمّ إله أرواح جميع البشر، هل يخطئ رجل واحد فتسخط على كل الجماعة" (العدد ٢٦/ ٢٣)، واستجاب الله لهما فعذب بني قورح فقط دون بقية إسرائيل. وجاء في سفر المزامير: " الأخ لن يفدي الإنسان فداء، ولا يعطي الله كفارة عنه " (المزمور ٤٩/ ٧). وأيضاً في التوراة: " لا تموت الآباء لأجل البنين، ولا البنون يموتون لأجل الآباء، بل كل واحد يموت لأجل خطيته " (الأيام (٢) ٢٥/ ٤).

стр. 178

وأيضاً يقول المسيح: " فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله " (متى ١٦/ ٢٧). وهو عين كلام المسيح: " كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين، لأنك بكلامك تبرر، وبكلامك تدان " (متى ١٢/ ٣٦). والعجب أنه قد ورد إثبات مسئولية الإنسان عن عمله في كلام بولس الذي ابتدع معتقد وراثة الذنب، ومنها قوله عن الله: " الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله " (رومية ٢/ ٦).

стр. 179

من الفادي ؟ ورغم هذه العقوبات والمخارج فإن النصارى يقولون بلزوم الفداء والقصاص، فلم لا يكون القصاص في آدم وحواء، فيحييهما الله ويصلبهما، أو يصلب بدلاً منهما شيطاناً أو سوى ذلك، فإن ذلك أعدل من صلب المسيح البريء. يجيب النصارى بأنه لابد في الكفارة أن تكون شيئاً يعدل البشر جميعاً، من غير أن يحمل خطيئتهم الموروثة، وهذه الشروط لا تتوافر في آدم وغيره، بل هي لا تتوفر إلا في المسيح الذي تجسد وتأنس من أجل هذه المهمة العظيمة، فكان أداة خلاصنا ورحمة الله بنا كما قال يوحنا: " لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، كي لا يهلك كل من يؤمن، بل تكون له الحياة الأبدية، ولأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص " (يوحنا ٣/ ١٦ - ١٧). (١) فالمسيح يتميز عن سائر البشر بأنه ولد طاهراً من إصر الخطيئة، ولم يصنعها طوال حياته، فهو وحده الذي يمكن أن يصير فادياً وأن يقبل به الفداء، وكما يقول بطرس: " عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى: بفضة أو ذهب، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حَملٍ بِلاَ عيْب ولا دنس، دم المسيح " (بطرس (١) ١/ ١٨ - ١٩)، ويقول مؤلف رسالة العبرانيين المجهول: "يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار ... بل مجرب في كل شيء مثلنا، بلا خطية" (عبرانيين ٤/ ١٤ - ١٥). يقول الأب متى المسكين: "عملية الفداء تحتم أن المولود يكون قدوساً بلا أدنى عيب أو خطية، وإلا يُحسب موته عن استحقاق له، وليس باستحقاق آخرين، كما يتطلبه معنى الفداء". (٢)

стр. 180

لكن المسيح لا يمتاز في هذا الباب عن كثيرين من الأبرار والمؤمنين الذين لم يفعلوا خطيئة ولا ذنباً، " كل من يثبت فيه لا يخطئ، كل من يخطئ لم يبصره ولا عرفه .. من يفعل الخطية فهو من إبليس .. كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية " (يوحنا (١) ٣/ ٦ - ٩) فـ "كل من ولد من الله لا يخطئ، بل المولود من الله يحفظ نفسه، والشرير لا يمسه" (يوحنا (١) ٥/ ١٨). ولا يخفى أن كل المؤمنين مولودون من الله "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا: أولاد الله، أي المؤمنين باسمه" (يوحنا ١/ ١٢). أمَا كان صلب أحد هؤلاء الأبرار كفارة عن خطايانا أولى من صلب الإله؟ لكنا نرى أن شرط النصارى في براءة الفادي من الذنب لم يتحقق حتى بالمسيح، رغم أن الشرط وضع وفق مواصفات النصارى له، فالمسيح عندهم جسد أرضي ويكتنفه حلول إلهي، وهم حين يقولون بالصلب فإن أحداً منهم لا يقول بصلب الإله، لكن بصلب الناسوت، والتوراة تقول: "ليس إنسان لا يخطئ" (الملوك (١) ٨/ ٤٦)، فالمصلوب هو الناسوت، وليس من إنسان إلا ويخطئ. كما أن ناسوت المسيح جاءه من مريم التي هي أيضاً حاملة للخطيئة، فالمسيح بجسده الفادي الحامل للخطيئة وراثة لا يصلح أن يكون فادياً! ولدفع هذا لم يجد الكاثوليك بُداً من القول بعصمة والدة المسيح، فقد نقل القس الخضري عن الكنيسة الكاثوليكية أنها نعتقد بأنه "ليس مريم وحدها التي حبلت بيسوع بطريقة معصومة من وصمة الخطية الأصلية، بل هي (مريم) أيضاً حُبل بها بنفس الطريقة، ولقد أصبحت هذه العقيدة قاعدة من قواعد الإيمان الكاثوليكي بعد أن أصدر البابا بيوس التاسع في ٨/ ١٢/١٨٥٤ منشوره الخاص بالعصمة البابوية، فهذا المنشور يقرر بأن مريم نجت من وصمة الخطية الأصلية عن طريق نعمة خاصة ..
следующие страницы →