أما حكاياته ومغامراته- وهي في غالبها من نتاج مخيلته، إذ كنت في ذلك العصر أعرف حبه للخرافات- فقد كان يقصها علينا فتجد لدينا آذاناً صاغية.
بل كنا ندفع عنه ثمن القهوة لنسمعه يتحدث كما يتحدث. وفي زيارة لمكتبة (النجاح) وقد اعتدنا أن نتردد من آنٍ لآخر نتعرف على ما جدّ من نتاج الأدب العربي، تعرفنا على شخصية لا تقل غرابة وقد لعبت أيضاً بطريقة لا شعورية دوراً مؤلِّفاً لأفكارنا واندفاعها في اتجاه معين.
إنه (يونس البحري) وكان آنذاك شاباً بين العشرين والثلاثين. ولم نكن نعلم كيف وصل من بغداد وحل في مدينتنا ضيفاً على عمي إسماعيل وتعرفنا عليه.
لقد شرح لنا مدير مكتبة النجاح بطريقة غامضة حكاية ضيفه الذي وصل من مكان غير معروف عبر طنجة. وكان يظهر مرتدياً الجلابية المغربية، وقد أثار وجوده في قسنطينة انتباه المسؤولين عن الأمن والنظام. فاستشعروا (خطراً) وراء ذلك اللباس المغربي.
ولكن ذلك العصر لم يكن بعد العصر الذي بات فيه من الضروري مراقبة الأشخاص الذين تفوح منهم رائحة الخطر، فكان إذن على (يونس البحري) أن يكون له كفيل من أبناء البلد.
تقدم عمي إسماعيل من السلطات ليكون مسؤولاً عن (يونس البحري)، وهكذا أُخِذ إلى مطبعته ذلك الشخص (غير المرغوب فيه) فسنحت لنا فرصة التعرف عليه.
حين عرفناه لم يكن يرتدي الجلابية، بل كان قد تخلى عنها وتزيّا بالزي الحديث، الطربوش وربطة العنق والبنطال. وكان بناؤه الرياضي يعطيه مظهراً جميلاً بالإضافة إلى أنه يملك ناصية اللغة العربية. وقد جعلت له هذه
стр. 107
الملكة تأثيراً عميقاً في جماهير شمالي إفريقيا، حين أخذ يتحدث إليها من مذياع برلين أثناء الحرب العالمية الثانية، بعدما وضع نفسه في خدمة دوائر الدعاية الألمانية التي كان يشرف عليها (غوبلز).
إذن كان الرجل يملك ما تتعطش إليه تلك العقول المجتمعة في مقهى (بن يمينة)، الباحثة عن الجديد سواء كان في السياسة أو الأدب أو الأخبار العادية.
وكانت لديه أقاصيصه الشخصية، وسواء كانت صحيحة أم مُخْتَلَقة فقد داعبت أحلامنا. وكان يبدو لي خاصة أحد الرحالة أو الباحثين عن الآفاق الجديدة. وحينما حدثني عن رحلته إلى أستراليا وهي في الغالب خيالية فتح لنزعتي إلى التنقل والتشرد بعداً جديداً.
وفي المدرسة منذ عودتي من تبسة واجهت مشكلة ملابسي الجديدة، فلم يكن الشيخ (عبد المجيد) يسمح لي بحضور دروسه مرتدياً البنطال. وأعتقد أنه قد ينبهني إلى ذلك بالفعل، أما الشيخ (مولود) فإن نظرته القاسية إليه كانت تفصح عن رأيه حول هذا الموضوع. ولما كانت علاقتي بالمدير (دورنون) سيئة، فقد فضلت ألا أحمل على كاهلي أعداء جدداً. ولذا فقد أخذت أدخل قاعات الدرس مرتدياً سروال صديقي (عبد الحميد نسيب) الطالب الذي كان في السنة الثانية في ذلك الوقت، وعماد الحركة الرياضية في (المدرسة)، وعزاء الأستاذ (بوبريتي Bobreiter).
لقد كانت رفقة صديقي نسيب مغرقة في تخلّفها. فهي تضم على ما أظن أكثر النفوس قذارة وكسلاً والذين لم تنتج المدرسة مثلهم من قبل. ولم يكن واحد منهم يرتاد مقهى بن يمينة. وحبهم للدومينو والتحلق في دوائر يتحدثون فيها اضطرهم لارتياد المقاهي التي لا تزال تحافظ على الحصر والوجاق. كانت لأحدهم على ما أذكر ميزة تميزه: ((الضحك بلا سبب)).
стр. 108
وكانت لهم جميعاً خاصة واحدة هي: أنهم لا يفعلون شيئاً. لقد كانوا سواء في الوسط المدرسي، يختلطون برفاق السوء من شارع (ايشيل Echelle)، وحينما كان الأستاذ (بوبريتي Bobreiter) يدخل إليهم ليلقي دروسه في تلك الفرقة التي اختارتها الصدفة لتمثل العدم، لم يكن يجد أمامه من يستحق اسم (طالب) غير (عبد الحميد نسيب).
وفيما يتعلق بالمدينة كنت أذهب نادراً إلى خالتي (بهية). فقد تابعت المأساة القسنطينية فصولها. فلم يعد التحدث عن العيسوية إلا قليلاً. وحينما يتاح لي المرور أمام الزاوية المغلقة كان شيء ما يعصر قلبي.
ففي الطور الذي يحدث فيه التغيير يصبح فيه الإنسان متناقضاً. فهو من جهة يهدم الماضي بيديه ومن جهة أخرى يستشعر في ذاته ضغط ذلك الماضي وأتره. ولست أدري إنما كان ذلك صحيحاً أم لا، إنما على كل حال كان هذا هو الوضع بالنسبة لي.
في مقهى بن يمينة شعرت في الواقع بالانقسام الايديولوجي، الذي أوجد انطلاقاً من باب المدرسة أو من باب المقهى، حدوداً أخلاقية فاصلة بين أولئك الذين كانوا يعملون في البحث عن طريق أفضل، وأولئك الذين لا يزالون مدمنين على قراءة (ألف ليلة وليلة).
ولكن في شوارع قسنطينة بدأت أستشعر ذلك الانقسام الاقتصادي الذي بدأ تأثيره منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. فالنظام الاجتماعي القديم بدأ يتفسخ بوضوح؛ وفي ساحة سوق العصر بين أكوام الملابس الرخيصة الثمن تكونت طبقة بورجوازية جيدة.
أما البورجوارية القديمة فكانت تعرض آخر ما تبقى لديها، من مجوهرات وحلي للبيع كما واجهتها مصاريف طارئة لمرض أو حادث غير مرتقب.
стр. 109
وأعمال يهود قسنطينة بدت في ازدهار كبير يدر عليهم الذهب في تلك الظروف المضطربة، فكانوا يقرضون الأموال بفوائد تصل إلى ٥٠% أو ٦٠% سنوياً، وكثيراً ما كان (سيدي المسلم) يوقع على بياض السندات والأوراق التي يقدمها تجار شارع فرنسا.
وفي الفترة بين عامي ١٩٢٠ و ١٩٢٥ تمت في تلك الحوانيت تصفية ما تبقى من ثروات لدى عائلات قسنطينة العريقة في بورجوازيتها. وفي تلك الحوانيت أيضاً كان الفلاحون يتخلون عن آخر قطعة من أراضيهم في مقاطعة (سطيف) أو (قالما) أو (عنابة). والطريقة كانت واحدة، إنها التوقيع على سندات بيضاء.
وهذه الإجراءات فرضت حصاراً مخيفاً حول ملكية الجزائريين أبناء البلاد. وقد أصبحت حوانيت اليهود عبارة عن واسطة لانتقال الملكية من أيدي الجزائريين إلى أيدي المعمرين، وكان ذلك سهلاً؛ فالبورجوازي من أجل أن يقيم حفلة زواج، والفلاح من أجل أن يشتري سيارة (سيترون) ليأتي بها ويقضي سهرة في شارع (ايشيل Echelle) في قسنطينة كان بحاجة للمال. واليهودي كان مستعداً دائماً ليقرضه بفائدة ٦٠%، والفائدة المتجمعة بهذه النسبة تنقل آلياً بعد عام أو عامين ملكيتهم من أيديهم إلى أيدي المعمرين.
(وسيدي المسلم) لا يحسب الفائدة مطلقاً، عندما يقدم له الدائن اليهودي الشاي والنعناع أو قهوة تركية جيدة الصنع، في الساعة التي يحين فيها توقيع السندات. ولم يكن ليدرك حقيقة ما فعل إلا حين يطرق حاجب المحكمة بابه.
الانقسام الاقتصادي تابع هكذا سيره بتأثير مزدوج. فمن ناحية حَوَّل الملكية من أيدي الجرائريين إلى أيدي اليهود والأوربيين، ومن ناحية أخرى فقد نقلها من أيدٍ بورجوازية توارثت الثروة والجاه إلى أيدٍ بورجوازية أثْرَت من تعاطي التجارة. ذلك كله من وجهة نظرية لا يترجم سائر المأساة الإنسانية لتلك الفترة.
стр. 110
كنت أشعر بالمأساة في كل مرة أذهب فيها لزيارة خالتي بهية، فأرى خالي (علاوة) جالساً بقربها كولد صغير أو بتعبير أصح كصورة للبؤس البشري.
وكنت أحسّ بالمأساة بصورة قوية في تِبِسَّة أيضاً وخاصة في زيارتي الأخيرة في عطلة الصيف، حينما رأيت آخر واحد من عائلة (بن شريف) العريقة - وهي تحمل الاسم نفسه لعائلة شريفة أخرى في قسنطينة- يغادر دار العائلة القديم في ساحة (الكنيسة)، ليستأجر غرفة صغيرة في حي المسلخ القذر، يطل بابها على الشارع فيتخد قسماً منها لتعليم القرآن لأطفال الحي وآخر لسكنه. أما دار العائلة عائلة (بن شريف) المهجورة المهدمة فكانت تحكي للمارة ببابها المغلق نهائياً مأساة أمةٍ وبلد. وكان هذا الشعور يزايلني أيضاً حين أمر أمام الدور التي كانت تقطنها في الماضي الفروع المختلفة لعائلة الشاوش العريقة في شارع (بريزون Prison).
في ذلك العام وقع حادث صغير، إلا أن نتائجه على تفكيري كانت كبيرة للغاية. ففي مكتبة المدرسة كان (دورنون Dournon) يتولى إعارة الكتب للطلبة؛ وقد استعرت يوماً كتاب ابن خلدون في ترجمة فرنسية قام بها (سلفستر ساسي) و (مروج الذهب للمسعودي) في ترجمة فرنسية لم أعد أذكر صاحبها.
وكانت إعارة الكتب تحدث مرة في الأسبوع. وفي إحدى المرات وضعت الصدف بين يدي كتاباً للفيلسوف الفرنسي (كونديلا Condillae) الذي عاش في القرن الثامن عشر والذي يمكن أن يعد إلى حد ما أستاذاً لمدرسة علم النفس الفرنسية.
وقد أسرني هذا الكتاب على الرغم من ضخامته وصعوبة فهمه بالقياس إلى طالب مثلي.
لم أعد في فترات الاستراحة التي تتخلل الدروس أفكر في تلك الرحلات الخيالية إلى تمبوكتو، كما لم أعد أجد لذة في رسم رأس الشيخ (بن العابد) أثناء
стр. 111
إلقاء محاضراته، فقد أسرني الكتاب فقضيت الوقت كله حتى موعد الذهاب إلى مطعم (بوكاميه) في قراءته.
وفي بعض الأحيان كان يصاحبني إلى غرفة النوم، فأقرأ مع (شريف زرعين) قاضي تبسة الحالي بعض فصوله، أما (صالح حليمية) فكان منصرفاً عن ذلك كله إلى شراهته أو معالجة أمعائه. و (عبد الحميد نسيب) استأثرت به كرة القدم، وقد كان وباؤها منتشراً في الجزائر في الوقت الذي انتشرت فيه النزلة الوافدة الإسبانية.
لقد تسبب لي ذلك الوباء بكثير من المشاكل مع المدير الفرنسي، الذي كان يريدني بأي تمن أن أشارك الآخرين من الطلبة لعبهم في الوقت المخصص للرياضة. وكنت شخصياً أفضل مطالعاتي الخاصة على ذلك. ولذا أصبح كتاب (كونديلا Condillae) رفيقي حتى على الوسادة.
هل هذه هي الفلسفة؟ أعني توجيه الفكر من معطيات فكرة إلى أخرى مستنتجة. ومهما يكن من أمر فقد اعتاد فكري هذه الرياضة كما نعتاد رياضة كرة المضرب.
لست أدري أي كسب علمي حصلت عليه مع (كونديلا Condillae)، إنما هذا الكتاب وضع عقلي وأفكاري وفضولي أو بالأحرى ثقافتي باتجاه محدد.
منذ ذلك الحين لم أعد أتردد على مكتبة النجاح باحثاً عن الجديد في الأدب العربي. فقد كان في الشارع الصغير الممتد من ساحة (الثلمة) إلى الساحة الصغيرة مقابل دار المحافظة مكتبة فرنسية صغيرة. وقد أثار دهشتي أن صاحبها الفرنسي لم يكن متعالياً ساخراً من ذلك الجزائري (ابن البلد indigène) الذي اجتاز عتبته.
وقد وقفت مبهوراً ذات يوم أمام رفوفه، حينما اكتشفت (جون ديوي
стр. 112
John Dewey) الذي كان كتابه الكبير (كيف نفكر) قد ظهرت ترجمته الفرنسية.
كنت أعرف أن أميركا لديها (دوجلاس فيربانك) و ( Cow-boys رعاة البقر) والجاز والدولار، ولكني لم أكن أعلم من ثقافتها سوى أديسون. فـ (جون ديوي) كان إذن بالنسبة لي كشفاً أكثر منه عنواناً.
بالطبع كنت أحافط على الاتصال بوسطي، بالمدرسة ومقهى بن يمينة، كنت أقرأ دائماً صحيفة (الإنسانية L’Humanité) و (النضال الاجتماعي Lutte social) و (الإقدام، والراية، وأوجين يونغ، والأخبار الأدبية) وغير ذلك من الصحف الأخرى. كنت دائماً وَطَنيّ النزعة. ومع صديقي (شوات) لم أكن بعد قد اتخذت قراراً باختيار المسكن الذي سوف أقيم فيه عند رحيل الفرنسيين؛ فقد ترددت بين شقة تطل نوافذها على ذلك المجتمع المنتخب في شارع (كارامان Caraman) والذي لم أكن أجرؤ على الاحتكاك به، وبين دارة أنيقة كتلك التي كان يبنيها في إحدى الضواحي السكنية (فراندو Ferrando). وهذا الرجل الأوربي كان يسيطر على تجارة الخردة في أنحاء مقاطعة قسنطينة.
باختصار كان هؤلاء الأشخاص جميعاً يعملون على تحديد شخصيتي في ذلك العصر. يونس البحري ومحمد طاهر العنيزي وبوكاميه وبن يمينة وكاندياك وجون ديوي.
لقد كانت الحياة تتابع نسيجها من حولنا وفي داخلنا بخيوط من كل نوع ومن كل لون، من الابتسامات ومن الزفرات.
لقد بدأت السنة الدراسية تقترب من الامتحان مرة أخرى، والقلق على المنحة الدراسيه اقتحم من جديد كل طالب. وكما أنه ليس لأحد أن يتخلى عن غريزة البقاء، كذلك لم يكن أحد في المدرسة حتى من بين زملاء (عبد الحميد نسيب) ليشذ عن قاعدة السعي للمحافظة على المنحة الدراسية.
стр. 113
وحتى أولئك الذين يعتمدون في امتحاناتهم على الغش والنقل، فقد كان عليهم أن يعملوا بجدية لتحضير أنفسهم لأيام الامتحان الصعبة. فكان على هؤلاء إذن قبل كل شيء أن يحلوا مشكلتهم الأساسية. هل يدخلون معهم إلى قاعة الامتحان كتاباً يستعينون به في النقل، أم يحضرون نسخاً مكتوبة عن الدروس والمحاضرات.
وفي فرقة عبد الحميد نسيب كانت هناك مناقشة خاصة حول هذا الموضوع. فالذين تبنوا النظرية الأولى أخذوا يدرسون أفضل الوسائل لوضع الكتاب على ركبهم، وتحديد كيفية إيصال النور إلى الكتاب عبر فتحة القميص (قندورة).
أما أنصار الحل الثاني فقد أخذوا يدرسون إمكانية كل موضوع يطرح في الامتحان. ولذلك فرضوا على أنفسهم إمكانية فقدانهم المنحة الدراسية إذا لم يكن السؤال من بين المواضيع المختارة.
لقد عادت كلمة الشاوش (هي ... هي ... هي) تمارس أثرها في أعصاب الجميع. وذات صباح قرأ (دورنون) أسماء الطلبة في باحة المدرسة أمام ذلك الجمع المتصبب عرقاً من عناء الليلة الأخيره من ليالي المذاكرة.
وفي أيام الامتحانات هذه كانت تصدر عني حركات وتصرفات أذكر أنني قمت بها في امتحانات السنوات السابقة. لقد كنت أرى بشكل غامض أن لهذه الحركات قوة سحرية. وقد تكون غالباً أموراً تافهة، فمثلاً لقد غسلت قميصاً من قبل في ذلك الوقت، وإذا بي هذا العام أعود لأفعل ذلك في اللحظة ذاتها تقريباً وبالحركات نفسها. لقد كان المهم الحصول على هذه الفكرة المؤملة.
وفي السنة الماضية فعلت مثل هذا ونجحت وتلك الأفكار الصبيانية كانت توجهني دون شك بمعزل عن سيطرة قواي العقلية.
стр. 114
ومرة أخرى نتيجة مزورة للامتحان علقت على باب المنامة. فقد كان هناك طالب يقلد بعناية توقيع (دورنون). وفي ذلك العام، وبعد أن أفقد الآخرين منحتهم بتزويره من أجل التسلية، فقد منحته حقاً حينما ظهرت النتيجة الرسمية.
لقد استعاد مقهى بن يمينة نشاطه بعد ظهور النتائج، أما الطلبة فقد تفرغ قسم منهم لشراء حاجياته من الملبس استعداداً للعطلة الصيفية، بينما الآخرون استعادوا نشاطهم ومناقشتهم التي أوقفتها الامتحانات، أما صراع خالد ومورينو فقد تابع فصوله.
لقد بدأ القوم يتحدثون عن الأمير عبد الكريم وانتصاره الساحق على الجنرال (سلفستر) في مليلية.
أما في ألمانيا فقد تسلم السلطة أو ربما سُلِّم إياها الماريشال (هندنبرغ)، واستدعي (بوانكاريه) في فرنسا من عزلته ليعالج الوضع الاقتصادي المخيف في البلاد.
وفي إيطاليا كانت الجماهير تصفق (للدوتشي) وهو يسير نحو روما. لقد نشر في فرنسا (رومان رولاند) كتابه (الهند الفتية) وبدأ اسم غاندي ينتشر في العالم.
في هذا الوقت كان صديقي صالح حليمية يصر على صانع الأحذية أن يصنع لحذائه أعلى كعب ممكن، استعداداً للعطلة الصيفية. فقد كانت عقدة قصر قامته تشغله كما تشغله أمعاؤه المريضة دوماً بسبب الشراهة، فأخذ يعالجها باستعمال حشيشة (ست الحسن) (١) وقد وصفها له الدكتور موسلي الذي كان يتولى تدريسنا علم الصحة في المدرسة.
стр. 115
رجوعي إلى تبِسَّة كان كسابقه لم يحمل الجديد. وعلى طول الطريق كان يترجرج بنا (أوتوبيس) مهلهل عتيق. لم يكن يقال له ( Car)، فالتأمرك في المنطقة لم يفرض بعد هذه الكلمة. وأراضي المعمرين من (الخروب) حتى (مسكيانا) تستعرض أمام أنظارنا امتدادها الأخضر الأشقر أو القاتم طيلة النهار. فالمزارع التي تستغل هذه الأراضي تحدد لنا معالم السير، بتجمعها الضخم تارة تأوي إلى واد ينخفض عن الطريق، أو تُنِيفُ علينا ربوة تجثم عليها تلك المزارع تارة أخرى.
وقد رأيت على مسافة قريبة من (الخروب) تلك المزرعة الكبيرة التي أقيمت مبانيها على جانبي الطريق؛ والقطيع من الأبقار الذي يُمدّ محلات الألبان الكبيرة في قسنطينة بالحليب ومشتقاته، يجتاز الطريق أمام سيارتنا، ولعله كان ينتقل من البناء الذي تتم فيه عملية الاحتلاب إلى حيث يقوم الاصطبل. وكانت مطالعاتي حول الاستعمار الأبيض في كندا وغرب الولايات المتحدة قد زرعت في نفسي حب المغامرات، التي تتيح لرجل أن يصنع تاريخاً صغيراً على بقعة من الأرض تمنحها له الطبيعة، أو يستولي عليها من مالك قديم لا يعرف ولا يقدر على الاحتفاظ بها.
كانت هذه المشاهد تعيد لخاطري حكايات سمعتها في طفولتي من أفراد العائلة، فتثير ذكريات مؤلمة عن ماضٍ زائل. فجدي كان يملك كما قيل لي في طفولتي مساحات واسعة في مقاطعة قسنطينة.
كنت أريد أن تكون لي أرضي ومزرعتي وأبقاري وأغنامي، وأن أشم رائحة الاصطبل والزرائب. ذلك هو الحلم الذي داعب مخيلتي في تلك الفترة من حياتي. وإذا كانت أرض الجزائر ترفض أن تحقق لي أمنياتي فدون ذلك تمبوكتو وأوستراليا أذهب إليهما.
стр. 116
وكثيراً ما كانت أراضي المعمرين الفرنسيين تحملني على التساؤل: ((أين هي أرض أجدادي؟)).
والواقع أن صحيفة (الإقدام) للأمير خالد و (الراية) لدندن قد أوجدتا في ذهني حساسية خاصة نحو هذا النوع من المشكلات.
وعلى حافتي الطريق كنا نصادف من آن لآخر جزائرياً يسوق أمامه حماره، ذاهباً على الأرجح إلى كوخه. وكنت أدرك بشيء من الغموض كيف يعمل هذا المعمر الفرنسي على محو تاريخ هذا الرجل عن الأرض ليصنع عليها تاريخه.
بعد أن اجتزنا منحدرات (حلوفة) بدت أمامي سهول تِبِسَّة قفراء أكثر من قبل. وعندما لاح من بعيد (قرص السكر) لاح عارياً بصخور بيضاء كلسية بفضل شمس تمور.
والرجل الذي كان يسير هنا مع حماره على حافة الطريق بدا لي أكثر انسجاماً مع الجو المحيط به. فتحت تلك السماء يتابع فصول تاريخه إنما لا يصنع تاريخ الآخرين.
واليوم أدرك كيف أن منطقة السهول المرتفعة قد حافظت في ضمير السكان عبر قرن من الاستعمار، على تلك الشعلة التي لم تمت كما ماتت في سكان شقيقتها منطقة التل، الذين أضحوا أكثر ألفةً وإيناساً، فشكلوا بذلك جرءاً من آلة الاستعمار.
وهنا نجد انقساماً تاريخياً يبدو للعيان: جنوب الجزائر وشمالها (زناتة) و (صنهاجة).
فمنذ القرطاجيين كانت كل مقاومة تُطِلُّ من الجنوب. ولعل غنى التربة يبدو عبر التاريخ مصاحباً للضعف في الخلال الحسنة.
стр. 117
وأخيراً وضعني (الأوتوبيس) في محطة شركة النقل للدخان، وفي المكان نفسه الذي كان الناس يركبون منه عربة البريد قبل عشر سنوات.
عند أعلى درج الدار كانت أمي تنتظرني لتفاجئني واقفة على عكازين استُحضرا لها من مدينة الجرائر. منظر جميل من الماضي عاد إلَيَّ. أمي تقف على قدميها.
لقد أظهر أبي اغتباطه بوصولي. أما جدتي فقد رفعت عينيها عن سُبحتها لترحب بي، وتبتسم ابتسامة خاصة بالمسنين الذين يصعب التعبير بشيء معين على وجوههم. وعلى كل فلا أذكر أني رأيتها يوماً تضحك أو تبكي في مناسبة ما. ولم أرها مضطربة إلا يوم وفاة ابنها خالي (يونس). وقد تحول عشاء تلك الليلة إلى عيد عائلي صغير شاركتنا فيه شقيقتاي وأولاد أختي الكبرى وزوجها. أما الصغرى فإن زوجها لم يحاول أبداً أن يجعل نفسه من أفراد العائلة.
وعند الانتهاء خرج والدي كعادته للقاء أصدقائه. سي (بغدادي) كان أول رجل من أبناء تِبِسَّة يضع الطربوش على رأسه، ويرتدي القميص ذا الياقة المقواة، في وقت كانت فيه حُمّى الحماسة لتركيا تسيطر على الجزائر منذ أيام (عباس بن حمانة).
سي (الحبيب) حارس المقبرة كان متخصصاً في السخرية والضحك، ويختار ضحاياه خاصة من رجال الصوفي والجريدي الذين كانوا يؤمون سوق المدينة في ذلك الفصل من السنة.
الخباز سي (بلقاسم) لم يكن لديه ما يمتاز به إلى جانب مهنته. هؤلاء كانوا أصدقاء والدي وجلاسه.
وخرجت أنا بعدُ للقاء رفاقي. إن سحر ليالي الصيف في تِبِسَّة ينتظر الجميع عند باب قسنطينة أو باب كراكلا.
стр. 118
وكان لتبسة أنماطها وهي وجوه ترسخت في لوحتها الإنسانية.
ففي ساحة القصبة حيث تمتد المقاهي الأوربية المكشوفة، يمكن في تلك الساعة مقابلة (جمعة) منهمكاً ينادي بصوت مرتفع ليبيع رئيس البلدية. و (جمعة) هذا من (القَبِيل) رمته تقلبات الأحوال خلال الحرب العالمية الأولى بين سنتي ١٩١٤ - ١٩١٨ في شوارع تبسة، فقد كان في النهار يبيع الملابس القديمة وينادي عليها، وفي الليل وبعد أن يخرج من حانة رجل يدعى (فاسلو Vassalo) يتردد عليها سكارى المدينة، يعود إلى ممارسة مهنته فينادي: ((من يشتري رئيس البلدية بعشرة فرنكات))؟
كان رئيس البلدية (بلفيسي Belvisi) يبتسم لذلك. وإذا شاء سوء طالع جمعة أن يقابل في طريقه (أنطونيني Antonini) رئيس الشرطة العجوز، فإن عليه أن يقضي تلك الليلة يداعب قضبان سجن الشرطة ليستأنف صراخه في الصباح، غير أن الذي كان يشغل الشرطي العجوز أكثر من ذلك سكير آخر يدعى (بنيني) ليس له مأوى أو دار.
فما إن ينتهي الرجل من عمله اليومي بوصفه حمالاً حتى يذهب إلى حانة (فاسلو Vassalo)، وحين يخرج يجد (أنطونيني) بانتظاره ليقبض عليه ويلقي به وراء القضبان حيث أصبح سكنه المعتاد.
وقد اعتاد أبناء تبسة على هذا المشهد اعتياداً، جعلهم يجدون صعوبة في الإجابة إذا سئلوا إذا كان (أنطونيني) و (بنيني) صديقين، أم أنهما شخصان تجمع أحدهما بالآخر ظروف أو عمل.
وكان هناك (بيريلا Birella) المستخدم في حانوت (عميمي إسماعيل) في الشريعة. فحين كان يأتي إلى تبسة يقصد مباشرة حانوت صديقه شَوَّاء اللحم
стр. 119
(الأفندي). وقد سمي كذلك لأنه قضى عدة سنوات في القاهرة، وهناك اعتاد لبس الطربوش ووضع ياقة مقواة كما فعل سي (بغدادي).
وحينما كان يخرج من ذلك الحانوت يخرج مخموراً، ويسير بمحاذاة حائط الثكنة الواقعة عند ساحة كارنو ليحادث الملائكة. أما صديقه (الأفندي) فيغلق في ذلك الوقت حانوته، ويذهب إلى المقهى الواقع في ساحة البلدية، ليطرح على زبائنه هذا السؤال الفلسفي الدائم الذي ربما حمله معه من القاهرة:
((هل العادة أغلب أم الطبيعة؟))
وكان من عادته أن يتبنى دوماً الرأي المعاكس للجواب الذي يتلقاه على سؤاله. هكذا يكون لتبسة وجهها يتكامل مع سيدي (طاهر حما) الذي كان معلماً، وهو اليوم يقضي نهاره متجولاً في شوارع المدينة يحادث الملائكة ويوزع سجائره على الأولاد، وكنت من المستفيدين من عطاياه، وأحياناً يسدد إلى هؤلاء ضربات محكمة بقدمه. ونضيف إلى هؤلاء سيدي (بن نجا) الذي كان يرتدي ملابس رعاة الإبل من سكان جنوب وهران، واعتاد الناس أن يستفزّوه ويطلقوا لسانه باختطاف عصاه.
وبانتهاء الحرب العالمية الأولى استعادت المدينة بعض الرماة المُسرَّحين، وقد عادوا من الخدمة الإجبارية العسكرية.
وقد حمل (باهي) معه من الجيش هواية الضرب على الطبل، بينما زميله (صدوق شتوكا) حمل عادة ارتداء ثياب الميدان مع منظار عُلِّق بحمالة من الجلد.
وحمل الاثنان معهما حكاياتها الكثيرة- الصحيح منها والخيالي- عن فرقهم في الجيش، وفي الاستعراضات التي تجري في المدينة بمناسبة الرابع عشر من تموز (يوليو) كان الاثنان يعيدان أنفسهما للخدمة، فيجوبان شوارع المدينة،
стр. 120
وأحدهما (صدوق شتوكا) يتصرف وكأنه ذاهب على رأس فرقته لإلقاء حصار ما، و (باهي) يضرب طبله بقوة كأنما هو أصم لا يسمع.
وكان (صدوق) قد حصل على مركز قائد ... فكان يزعج السكان بتصرفاته الغريبة إذ كان يعاملهم كأنما هم جنود رماة في فرقته.
أما (باهي) فكان يرضي هوايته في الزاوية القادرية حيث نال شهرة بوصفه أمهر ضارب، إلا أن الطريقة القادرية في تبسة كمثيلتها العيسوية في قسنطينة كانت في طور انحطاطها في ذلك العصر. فالتجديد قد بدأ يعم البلاد عملياً حتى قبل أن تذكر كلمة (الإصلاح)، ولذا فبحكم التطور لم يعد (باهي) عمل في (القادرية) كما لم يعد له عمل في الجيش بحكم انتهاء الجيش فأضحى هكذا في الاستيداع.
لقد قرر فتح مقهى فازدهر بفضل حكاياته وحكايات زميله (صدوق شتوكا) وثالث كان يستدعى في حفلات الزواج لأنه بارع في شؤون المطبخ، وأضحى المقهى المفضل أو بعبارة أصح النادي الليلي لشبيبة تبسة، إذ يتاح لهم إلى جانب هؤلاء سماع الأسطوانات المصرية. وكنا نقضي أنا وصالح وإزميرلي وصديقنا صاحب المقهى في حمام عباس، بقية سهرنا إذا عدنا من نزهتنا المعتادة خارج أسوار المدينة القديمة.
وهناك كانت حكايات (صدوق شتوكا) الذي كان يترك قريته ويأتي إلى المقهى ليقصها علينا فتثير فينا الضحك العاصف.
وكنت أنا قد عدت ذلك الصيف متعطشاً لسماع الأسطوانات المصرية، إذ كان في نفسي شغف خاص لسماعها حين فشلت في جعل رفاقي في مقهى بن يمينة في قسنطينة يشاركونني تذوقها، وقد استنكف صاحب المقهى عن إدخال هذا النوع من الأغاني.
стр. 121
ففي مقهى (باهي) كنت أروي تعطشي إذن لسماع تلك الأغاني، في وقت ينصرف فيه رفاقي لسماع حكايات صاحب المقهى، وكنت أستغرق في سماعها، فقد سيطرت علي أغاني أم كلثوم التي كانت قد بدأت بالانتشار.
في ذلك الوقت على الأرجح عاد الشيخ (العربي التبسي) من القاهرة، ليضيف إلى علماء تبسة الذين يفاخرون بدراستهم الأزهرية عالماً آخر.
فحتى ذلك الزمن لم يكن هناك من أبناء الجيل الذي تنتمي إليه والدتي غير عالم واحد، يمكنه أن يفاخر بالانتماء إلى الجامعة الإسلامية الكبرى، إنه الشيخ (مصطفى بن كحولة).
ولكن علم الأزهر قد أفقده شيئاً من عقله، وحين عرفته- وكنت لا أزال ولداً ضغيراً- كنت أراه صباح كل جمعة يتنقل أمام أبواب دور المدينة يقرأ سورة من القرآن تارة، ويطلق السباب والشتائم تارة أخرى على الأطفال الذين كانوا يتحلقون حوله.
ولكن قانوناً يبدو خاصاً بالعالم الإسلامي- يعود لأسباب عميقة لا ينبغي شرحها هنا- يجعل الوحدة إذا أضيفت لعدد لا تزيد قوته وإنما تنقص منها.
وقد أدى وصولي (العربي التبسي) إلى مثل هذه النتيجة. هكذا رأينا في المدينة فريقين: فريق يتبع الشيخ سليمان وآخر الشيخ العربي. أما الشيخ (عسول) والشيخ (الصدوق بن خليل) فقد فضّلا ترك حلبة الصراع للاهتمام بأعمالهما الخاصة.
إذن كان في تبسة في ذلك العصر خلاف واسع في الرأي. وقد شاءت عائلتي أن تحتفظ ببركة الشيخ سليمان وتستفيد من علم الشيخ العربي التبسي، نظراً لما للعلوم الأزهرية في نظر الناس من قيمة تاريخية قديمة.
стр. 122
أما أنا فقد وقفت ببساطة إلى جانب الشيخ (الصدوق بن خليل)، الذي كان رجلاً بسيطاً يهتم فقط بالعمل على كسب العيش عن طريق ممارسته فن كتابة الخطوط الجميلة. وكان يعمل في كتابة الإعلانات والإشارات العربية. ولكنه لم يلبث أن تدهور عمله في هذا المجال، فلم يعد في المدينة سوى مصنعين أو ثلاثة للدخان يكتب لها الإشارات التي تلصق عادة على التبغ. وهكذا اتجه إلى مورد جديد للرزق، إذ أخذ يكتب الحروز للفتيات الأوربيات اللواتي يقعن في متاعب عاطفية، فيبادر لنجدتهن بالعلم لكي يوفق بينهن وبين (فينوس).
وفي ظني أنه كتب حرزاً لصديقي (شريف سنوسي) الخياط الذي كان مولهاً بحب فتاته اليهودية.
ومن ناحية أخرى كان خروجي إلى المدينة على العموم في المساء. وكنت أقضي النهمار كله في المطالعة والحديث مع أمي. وقد قضيت العطلة بعيداً عن ذلك الضجيج السائد في المدينة مهتماً بقراءة صحيفة (العصر الجديد). وقد قرأت أيضاً الأجزاء الضخمة الثلاثة أو الأربعة من كتاب (تاريخ الإنسانية الاجتماعي) الذي كان والدي قد أضافه مؤخراً إلى مكتبته الصغيرة.
كانت حياة المدينة تسير في طريقها العادي. وبتنا نرى (المحفل) يتناقص ظهوره شيئاً فشيئاً. ومدام (دوننسان) لم تعد ترى أمام محلها في شارع قسنطينة مواكب المغنيات من النساء وراء الدابة التي تحمل العروس، فيترك مرورهن رائحة العنبر الجميلة. فالنساء يضعن في أعناقهن عقوداً تتألف من حبات أُدخِل في تركيبها العنبر والمسك، فكان ذلك يعطي المجتمع النسائي الجزائري رائحة خاصة مميزة.
وحتى مواكب الجنازات أضحت في أغلب الأحيان صامتة. فلم يعد الناس ينشدون قصيدة البردة وراء نعش الميت. لقد أضحت تصرفات الناس لهذه الجهة ترتبط بموقفين عقائديين من جهة ومن جهة أخرى برجلين.
стр. 123
فالعائلات التي تجري احتفالات زواجها ومواكب دفن موتاها وفق الطريقة القديمة، تبدو صواباً أو خطأ وكأنها من أنصار الشيخ (سليمان). أما العائلات التي تتبع العادات الجديدة في تلك المناسبات فهذه تعد من مؤيدي الشيخ (العربي).
لقد بدأ الناس يأخذون بشكل غامض منحى العودة إلى تلك الطريقة الصحيحة التي يمثلها الشيخ، والتي سيطلق عليها فيما بعد اسم (الإصلاح) أو (السلفية).
أما الشيخ سليمان فقد كان مرناً يوفق بين تلك الطريقة الصحيحة والعادات السائدة لكنه مع ذلك يمارس عليها تأثيراً مصححاً.
وذات صباح تركت تبسة غارقة في اضطرابها الفكري وتلقيت مرة أخرى على رجلي (ماء العودة).
...
في قسنطينة عدت للاتصال بالحقيقة الجزائرية عن طريق وجهها الآخر أعني المواجهة الأقسى للنظام الاستعماري.
فالجالية الأوربية المتزايدة يوماً بعد يوم، وزينة الناس وملابسهم ومظهر الشوارع الرئيسية وثكنة القصبة وأولى عربات (التروللي باس)، هذه كلها مظاهر تطبع في النفس الوجود الاستعماري.
ومن ناحية أخرى فقد تركت فيّ النفس التبسية ألماً أورثه إياها امتياز بمنح سبعة آلاف هكتار في (دوار المريج)، أي نصف مساحة الدوار لرجل أوربي، بالإضافة إلى حق في الري يستنزف ثلاثة أرباع احتياطي المياه. فقد كان هذا الأوربي صهر صاحب متجر ( Bazar de globe) الذي يمتاز بشهرة كبرى في قسنطينة.
стр. 124
وفي مدينة (سيرتا) القديمة ظهر الوجود الاستعماري ظهوراً أعنف مما كان في تبسة.
وفي مقهى بن يمينة كان الناس يعلقون على آخر مراحل الصراع بين خالد ومورينو، وهو حوار بلغ ذروته في جريدة (الجهوري Le Républicain) التي أخذت تنكر على خالد لقب الإمارة.
أما الحديث في صحيفة (الشؤون العامة لقسنطينة Depêche de Constantine) فقد كان يجري الحوار بصورة مكشوفة حول حرب الريف، وأضحى اسم الأمير عبد الكريم يشار إليه بوضوح.
والشرطة الفرنسية بدأت تزعج أولئك الباعة المتجولين الذين يعرضون بضاعتهم في الطريق، من حلوى الفطير المقلي الذي يسمونه (الخفاف) أو (الاسفنج)، في ساعة مبكرة من الصباح ينادون عليه بصوت تقليدي: ((يا كريم)). وبدأت الإدارة تستنفر الفرسان من قبائل العرب للتجنيد.
لقد أصبحت هذه الحرب الحديث الرئيسي في مقهى بن يمينة. وغدا الناس يرون في منامهم أحداثاً ومشاهد فيفسرونها بما يتلاءم مع نهاية ظافرة للأمير عبد الكريم.
لقد كانت لي أحلامي أيضاً. وكنت أفسرها وفقاً لرمز خاص يمكن لي أن أنسبه إلى تربيتي البيتية الدينية. وكان تفسيرها في غير صالح (الريفيين).
ولكن الحلم ما كان له أن يغير الحقيقة في ناظري، فـ (الريفيون) كانوا أسوداً يكافحون وحشاً يفترسنا جميعاً. وبطولة (الريفيين) كانت تثار لشعب لا يستطيع أن يثار لنفسه.
وبعد عام من انتهاء تلك الحرب كتب أحد الصحفيين الأمريكيين معلقاً
стр. 125
على النتيجة: ((لقد خرجت فرنسا منتصرة إلا أن المجد الحقيقي بقي في الريف)). وفي الصحافة العالمية كان الحديث باستمرار حول الجمهورية الريفية. وكان ذلك يثير حنق وغضب مؤيدي أسرة (لويس بيرتران Louis Bertrant) في فرنسا وفي ( Navarre) وخاصة في الجزائر.
على كل حال فأحداث الريف كانت تملأ نفوسنا في مقهى بن يمينة. وتثير فينا مشاعر يأخذ بي عنفها.
كانت صحيفة (الإنسانية L’Humanité) بالنسبة لي المهدّئ الوحيد، إذ كان (كاشان وفايان كوتورييه Cachin et Vaillant Couturier) يصبان فيها دائماً هجومهما ولعناتهما التي تخفف عن نفسي.
وبدأت فكرة غير واضحة في ذهني وذهن صديقي (شوات) إذ كان شريكي في هذه الانفعالات؛ الفكرة هي المالتحاق بصفوف (الريفيين). وهكذا بدأنا نرسم الخطط لاجتياز الحدود عبر الشمال من وهران، إلا أن مشاريعنا كانت تفشل لسبب أو لآخر.
إني لا أعلم إذا كان للاستعمار طالع في برج السماء، إلا أني أعلم أنه في تلك السنة ١٩٢٤ - ١٩٢٥ كنا نعيش في ظل طالع الاستعمار.
لقد زعزعت حرب الريف مواقف حديدية في فرساي ١٩١٩. فقد أثبت الأمير عبد الكريم أن امبراطورية استعمارية يمكن النيل منها. لذا كان لابد من رأب الصدع المعنوي الذي أحدثه (الأمير الريفي) مع حفنة من الرجال في هيبة الأمم الاستعمارية. لقد فكر بذلك السياسيون في باريس وربما في لندن أيضاً.
كانت هناك الجولة الصفراء والجولة السوداء. وكلا الجولتين خرجتا من باريس: واحدة نحو طهران بغية الوصول إلى شنغهاي عبر آسيا، والثانية نحو الجزائر وصولاً إلى الكاب أي عبر إفريقيا بأكملها.
стр. 126
أعتقد أن مؤسسة (سيتروين Citroëne) هي التي نظمت كلتا الرحلتين. لكنه من الواضح أن الدولة الفرنسية كانت وراءها، لأن الأمر يتعلق بأن تثبت لأولئك الأقزام والمثيري الشغب من أهل الشمال الأفريقي أن إفريقيا وآسيا في قبضتها.
ثم كانت هناك زاوية استطلاعية ورياضية معاً في تلك المغامرات الآلية ذات المدى الطويل.
فللمرة الأولى أخضعت السيارة لتجربة المسافة الموحشة التي لم تطرقها من قبل طريق معبدة منظمة. (الرحلة السوداء) استحوذت على اهتمامي، اهتمام يثيره في نفسي بدون شك الحنين إلى الصحراء ونداء تمبوكتو. لكن سروري قد شابه شيء من الامتعاض. إذ أصبحت أشعر وأفكر على طريقتين: أمام ناظري حدث رياضي خارق يدعو للإعجاب لكنه هو أيضاً حدث استعماري. وإذ فهمت دلالته هذه فقد أفسد عليّ سوري وإعجابي به.
في تلك الفترة بدأ فكري ينشغل بالمستقبل، فسائر المدرسيين الذين يبلغون السنة الرابعة لا يفكرون بغير ذلك. ((ما العمل بعد التخرج من المدرسة؟)) لدي فرصة أن أكون عدلاً وترجماناً مساعداً وشاوش محام، وبشيء من (الواسطة) ربما كنت موظفاً في الإدارة المختلطة.
لكنني ما كنت أملك أن أذهب لقضاء سنتين في قسم (التعليم العالي) فهناك سببان يجعلانني لا أطمع في ذلك:
فقد كان عملي من أجل المقررات دون الوسط دائماً وكانت منازعاتي مع (دورنون Dournon) فوق الوسط دائماً: فأنا أقرأ صحيفة (الإنسانية L’Humanité) وألبس البنطال، ولا أشارك في (التمارين)، الاسم الذي كان يطلق على ساعة الرياضة الأسبوعية.
стр. 127
آه لو أني أصبح مزارعاً! ولكن أين الأرض؟ إنها لا تُعطى إلا للمستعمر. تمبوكتو؟ ... أوستراليا؟ إنهما خارج طاقتي بالتأكليد.
تاجر؟ ... أفتح مخزناً صغيراً في قرية الشريعة؟ ... إنه أفق مقبول.
كنت أدور حول تلك الأسئلة التي يطرحها علي مستقبلي. ولم أكن أجد ما يصرفني عن هذا الذي يثقل رأسي سوى مقهى بن يمينة.
كان شارع (بن شريف) يزداد حركة وحيوية. الذين يرتدون الملابس البيضاء ويضعون على رؤوسهم عمة ذات طرف يتدلى على الظهر إشارة لعالم الإصلاح، كانوا يمرون إلى مكتب إدارة (الشهاب) الصغير أو مطبعة (صدى الصحراء) التي أطلق فيها الشيخ العقبي عبارة أصبحت شعار الإصلاح، إنها آية قرآنية تتصل بمهمة النبي ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود ١١/ ٨٧].
كان منظر الشيخ (بن باديس) عند مروره أمام مقهى بن يمينة في طريقه إلى مكتبه قد بدأ يثير اهتمامنا. فكثير من أفكارنا وآرائنا تتصل بشخصيته أكثر من اتصالها بالشيخ (بن موهوب) الذي كان أول من زرعها في نفوسنا. وربما كان ذلك لأن الشيخ بن باديس قد بدا في ناظرينا خارج الإطار الاستعماري. فقد قطع صلته بعائلته وخاصة والده وهو تاجر كبير وبشقيقه المحامي وزوجه البورجوازية المترفة، هكذا بدا لنا أقرب إلى نفوسنا.
في تلك الفترة التي كنت أفكر فيها بتمبوكتو وأوستراليا أو مخزن في قرية الشريعة، كنت أفكر أيضاً بتأليف كتاب تحت عنوان (الكتاب المنفي) لماذا هذا العنوان وماذا سيكون محتوى الكتاب؟ ..
تلك أسئلة تحرجني لو أن أحداً سألنيها. ولكن الفكرة استهوتني فأخذت أتحدث مع بعض زملائي من المدرسيين كالأخوين (مشاي) القلماويين، وكان
стр. 128
يلذ لي أن أحدثهما عن جولاتي الفكرية لأنهما ينصتان إليّ بجدية يظهران معها كأنهما حديثا العهد بديانة ويستمعان لمرشد هام فيها.
وكانت الفكرة تجعلني أكثر استلطافاً للشيخ بن باديس الذي يمثل بنظري الرجل المنفي بسبب وضعه العائلي. فكانت نظراتي تتبعه بعطف وحنان كلما مر أمام مقهى بن يمينة أو توقف في الشارع ليحادث أحد المارة، فهذا الرجل الأنيق المرفه ذو المنبت الصنهاجي كان يحسن معاملة الناس. وكثيراً ما يوقف أحد معارفه ليستطلعه أخبار قريب له مريض أو مسافر.
لقد كانت لديه إنسانية الشيخ سليمان ونظرات الشيخ العربي القاسية. فكانت الأولى تحدُّ من تطرف الثانية في نفسه، وهكذا بات أقرب للنفوس وأبلغ فعالية من معاصريه التبسيين.
لم أكن حتى ذلك الحين قد جالسته في حديث. وإذا عدت إلى أعماق نفسي ففي ذلك العصر كان في نظري لا يمثل الإصلاح، إنما يمثله الشيخ العقبي.
ولم أعترف بخطئي حول هذه النقطة إلا بعد ربع قرن من الزمان. حينما تفحصت شعوري حول هذا الموضوع. حينئذ تبين لي أن السبب يكمن في مجموعة من الأحكام الاجتماعية المسبقة وفي تنشئة غير كافية في الروح الإسلامي.
فأحكامي المسبقة ربما أورثتنيها طفولتي في عائلة فقيرة في قسنطينة، زرعت لاشعورياً في نفسي نوعاً من الغيرة والحسد حيال العائلات الكبيرة، التي كان الشيخ العربي ينتمي إلى واحدة منها. أما الخطأ في حكمي فمرده على ما أعتقد أثر البيئة التبسية في نفسي. فتبسة بسبب حياتها الخشنة منحتني نوعاً من التعالي على كل شكل من الحياة المرفهة.
وكنت أعتقد أنني أكون أقرب إلى الإسلام بالبقاء قريباً من البدوي أكثر من البلدي الرجل الذي يحيط به وَسَط متحضر.
стр. 129
وكان الشيخ العقبي يبدو في ناظري بدوياً بينما يبدو الشيخ بن باديس بلدياً. وحين بدأت فيما بعد معركة (الإصلاح) وكنت أحد المشتركين فيها، بقيت أحمل في أعماقي شيئاً من التحفظ تجاه بن باديس وبعض الأسى لكون الشيخ العقبي لا يقود تلك الحركة ولا يرأس جمعية العلماء.
وقد دارت مناقشات طويلة حول هذه النقطة بيني وبين صديقي (محمد بن سعيد) فيما بعد حينما التقيت به في باريس ١٩٣١.
ولم أبدأ بالتعرف على خطئي هذا إلا عام ١٩٣٩، وفي عام ١٩٤٧ وصلت إلى الاعتراف الكامل بهذا الخطأ، وقد فهمت لماذا كان الشرع الإسلامي يفضل تقديم ابن المدينة ليؤم الصلاة على ابن القبيلة.
وفي عام ١٩٢٥ كانت أطلق شتائمي ضد جميع (البلديين) في العالم كلما حدث تأخر بسيط في صدور صحيفة (صدى الصحراء)، وكانت هذه الشتائم تصيب بالطبع الشيخ بن باديس.
على كل فالحياة في قسنطينة منعتنا من أن نجمد على موضوع واحد. فإن كل يوم كان يحمل معه عنصراً جديداً يصرف تفكيرنا نحو اهتمامات أخرى أو قلق جديد.
حتى الملاكمة التي جرت بين (دمبسي وكاربنتيه Dampsey - Carpentier) والتي كانت الأولى على ما أعتقد ولفتت أنظار العالم كله، قد شدت إليها أنظارنا في مقهى بن يمينة. وكانت عواطف المدرسيين متجهة منذ البدء نحو الأميركي (دمبسي)، وما كنت أعطي القضية أي اهتمام رياضي، ولكنها أثارت اهتهامي من الزاوية السياسية. فانهزام (كاربنتيه) يحمل شيئاً من تواضع المستعمِر. وكان هذا على ما أعتقد ما جعلني أتمنى انتصار خصمه عليه.
وهناك حدثان آخران جاءا يزيدان أثرهما الخاص في الغليان الذي ساد
стр. 130
وسطنا. ففي يوم دخل علينا مقهى بن يمينة برفقة طالبين، شاب أخضر العينين رقيق المظهر أنيق الملبس، ينبئ عن عائلة فرنسية كريمة المحتد.
وأعتقد أنه كان حاسر الرأس يرد إلى الوراء شعراً أشقر متموجاً ناعماً وجبهة عريضة لا تَغَضُّن فيها. لقد قدم إلينا محباً للإسلام غير جازم فيه إذ ما يزال يبحث عن حقيقته.
لقد نسيت اسمه إنما هو من عائلة فرنسية بورجوازية في قسنطينة، فقد كان والده يتمتع بمركز ممتاز في عالم الأعمال.
لقد سرد علينا قصته، كان رجل إدارة في إفريقيا الفرنسية الغربية، تزوج امرأة مسلمة من الزنوج خلال (المرحلة السوداء la croisière noir). ويمكن لنا أن نفهم ماذا تشكل مبادرة كهذه في أعين زملاء صديقنا ورؤسائه، فاعتزله قومه. ولم يجرؤ على أن يحمل معه إلى أهله زوجه الزنجية والطفل الذي أنجبه منها.
لكنه حمل إليها موضوعاً مقلقاً أخطر. فالمرأة الزنجية وضعته دون أن تقصد على طريق دينها، لقد عاد إلى قسنطينة؛ وإذا لم يكن قد اعتنق الإسلام فإنه على الأقل قد ابتعد أكثر عن معتقدات عائلته.
هذه القصة شدتني إلى هذا الرجل، لأن فكرة الأب (زويمر) لم تغادر بعد ذهني. فقد أثبتت عبث الجهود التي تهدف إلى تعرية إفريقيا من الإسلام. فهذه إفريقيا قد أدخلت في الإسلام أولئك الذين اقتحموا أرضها.
لكن شيئاً من ذلك قرّبني من ذلك المؤمن الجديد حينما امتزج في وَسَطنا، لقد وجدت فيه حليفاً كان يؤيد طروحاتي العملية، في ذلك الوسط الذي كان يعتريه شيء من عدم الجدوى حيال النتائج التي يريدها، إذ لم يكن يحدد الأسباب التي تؤدي إليها. إنني أذكر مناقشة مع بعض الطلبة شارك فيها تلك الليلة.
стр. 131
كنا على رصيف (الشارع الوطني National)، وقد حاولت عبر صورة ما تحديد فكرة الفعالية التي تبدو لي حتى الآن تنقص العالم الإسلامي، وفي فورة من الحماسة قلت: ((إذا كنا في هذه اللحظة قررنا الصعود إلى القمر، فإن علينا فوراً أن نضع على هذا الحائط سلماً ونبدأ في التسلق)). وأيدني صديقي فوراً: ((نعم! هذا ما يجب أن يُعْمَل)).
ربما أو على الأصح من المؤكد أنني لم أفهم كل ما تعنيه هذه الملاحظة في ذلك الوقت، لكنني اليوم أعرف أنها صدرت من رجل ذي حضارة.
لم يبق هذا الرجل بيننا في قسنطينة إلا الوقت الكافي لتوضيح ما كان يعتمل في عميق نفسه ثم اعتنق الإسلام. ومنذ ذلك الوقت سيطرت عليه فكرة: كان يريد التوجه إلى الشرق. ولست أدري من رتّب له مقابلة مع الشيخ بن باديس كي يحمله توصية إلى الشيخ (رشيد رضا) في القاهرة.
منذ ذلك التاريخ لم يترك هذا الصديق ما ينبئ عن وجوده على قيد الحياة. وأنا نفسي بعد ثلاثين عاماً لم أعثر له على أثر في القاهرة.
هناك حدث آخر ترك بصماته في وسطنا خلال تلك الفترة، ليس في جانبه الأدبي والفكري بل لأنه حمل لبعض منا فرصة تبنّي موقف مقاومة.
فذات يوم استضاف عمي إسماعيل مدير صحيفة (النجاح) (توفيق المدني) المُبْعَد من تونس. بعدما منع نشاط الحزب الدستوري ونفي رئيسه الشيخ (الثعالبي). كان أكثر أعوان هذا الأخير من أصل جزائري كـ (عبد الرحمن اليعلاوي) و (توفيق المدني). وهكذا اتجه الثعالبي نحو (عنّابة) حيث كانت طريقة (بن عليوة) مزدهرة فيها، فسلك الطريق وأضحى على ما أعتقد أحد شيوخها. أما توفيق المدني فقد توجه إلى الجزائر وتوقف في طريقه عند عمي إسماعيل، في قسنطينة حيث تعرفنا عليه.
стр. 132
من الطبيعي أن يكون التعرف على رجل منفي يعني التعرف على قصته، وعلى البوليس الذي كانت له أعين.
لست أذكر قصته جيداً لكنني أذكر أنني وصديقي (شوات) واثنين من المدرسيين رافقناه إلى المحطة ليستقل القطار إلى الجزائر.
على الرصيف كان الأمن، كما يقولون في ذلك الزمان، وقد راقبنا وسجل أسماء أولئك الذين جاؤوا لتوديع ذلك المنفي.
في تلك الفترة كانت الأمور تجري بكل براءة، حتى البوليس كانت له براءته. وأحد رجال البوليس سأل عمي إسماعيل عن أسمائنا وسجلها في مفكرته أمام أبصارنا.
أذكر أنني قفلت من المحطة بعد أن غادرت القطار فخوراً بما صنعت وحالماً بكتابي (الكتاب المنفي Le livre proscrit).
لكن سائر الأحداث التي عشناها مع رفاقي في المدرسة، لم تكن قادرة على أن تحل مشكلتنا الرئيسية: ((ماذا نفعل بعد التخرج من المدرسة؟)).
كل منا فكر في حل لهذه المشكلة المقلقة عدا (صالح حليمية) على ما أعتقد، فقد كانت لديه مناعة ضد ذلك الوسواس لما يشغله من أوجاع معدته وقامته القصيرة.
فهذه سنتنا الدراسية إذن بدأت تتخذ منعطف الامتحانات المضجر، والقضية أضحت أكثر إلحاحاً بالنسبة لي، فقد واجهتها بحلول عديدة. فكرت بالهرب إلى (الريف) مع (شوات)، بل ما هو أسوأ أن أنسف مستودع البارود في قسنطينة دون أن أعلم من أين يمكن التسلل إليه.
стр. 133
ومع حليمية كنت أتهيأ لأعمل مساعد مترجم في تبسة، دون أن نأخذ باعتبارنا بأن طلبينا سوف يبطل أحدهما مفعول الآخر.
ومع (قاواو) فكرنا بالسفر إلى فرنسا، بعد أن سبقنا إليها في السنة الماضية ثلاثة مدرسيين (شوات ترزي) و (ماريمش) و (أكتوف)، وقد نجحوا في المالتحاق بوظائف كتابية في مختلف المؤسسات التجارية في باريس.
إنه ذلك العصر الذي كانت فيه الغانيات الباريسيات يرددن هذه الأغنية: ((باريس شقراء))، ((باريس ملكة الكون)). وينبغي القول إن كثيراً من الشبان الجزائريين كانوا يتنهدون خلف تلك الشقراء، التي كان القناص (باهي) وصديقه (صدوق شتوكا) يرويان عنها أشياء تبرم رأس الشاب التبسي.
وأخيراً وبيني وبين نفسي كنت أتطلع إلى مشاريع أخرى، (تمبوكتو) أسرتني دائماً. آه حبذا أوستراليا، آه حبذا مزرعة غنم وبقر قرب (الخروب)، بل حتى مخزن في قرية (الشريعة) يصبح مع الزمن مخزناً كبيراً كمخزن عمي إسماعيل، يمكن لي أن أستخدم فيه (بيريلا) لأستمع إلى أقاصيصه.
هذا الشريط مع فصوله كان يتردد في فكري في أيامي الأخيرة في المدرسة. ولكن سآخذ بالانتظار فإن المثل يقول: ((ما في يدنا أفضل مما نجري وراءه)) فقد نشرت صحيفة (الشؤون العامة لقسنطينة La Dépêché de Constantine) عرضاً لعمل صغير في نادي (ورقلة العسكري).
فكرت بأن (ورقلة) هذه تقع على طريق تمبكتو، لذا قدمت طلبي مرفَقاً به الصور المطلوبة. الامتحان حلّ قبل أن يأتيني الجواب. وكان يجب أن أنجح فيه، بصورة أو بأخرى، لأن (دورنون Doumon) ليس لديه أية نية لإبقائي سنة إضافية.
وحينما أعلنت النتائج استولى على نفسي حزن غامض. كنت دائماً
стр. 134
متناقضاً، وأستطيع منذ تلك الفترة أن أُعَرَّفَ بنفسي ثورياً من الوجهة السياسية محافظاً من الوجهة النفسية. وفي كل مرة كان الماضي ينتقم من الضربات التي أكيلها له. فثوري محافظ ذلك تعريف لا يعطي كل تفسير لذاتي فالأمر أكثر تعقيداً من ذلك. فأنا شديد التأثر بالحدث، وأتلقى صدمته بكل مجامعي وبانفعالية تستطيع أن تنتزع مني دموع الحزن حين يثير الحدث الحبور من حيث المبدأ.
ومرة في حزيران (يونيو) من عام ١٩٤٠ وفي كهف لجأنا إليه في ( Dreux) حين دخل الجيش الألماني، تواريت حتى أخفي دموعي. لقد بكيت هزيمة الجيش الفرنسي. وفي ذلك اليوم رأيت في ذاتي عنصراً آخر كشف كل التعقيد في ضمير مسلم.
في حزيران عام ١٩٢٥. وحينما أعلن (دورنون Dournon) النتيجة لم أبكِ، إنما اقتحم نفسي حزن كبير وبقيت ساهماً على باب المدرسة أَصِيلَ ذلك اليوم.
هذه المدرسة التي كنت أعدها سجناً نتعلم فيه تحرير واقعة زواج أو طلاق، كما يتعلم نزلاء السجون صنع الفراش، ها هي ذي تطلق سراحي.
والآن، فإنني أشعر بأنها تركتني وأسلمتني إلى الشارع، إلى الحياة التي تضع أمامي علامات استفهام لا أجد لها الجواب.
على مدخل المدرسة لم أجد في ذهني أي جواب على سؤال (ما العمل)؟ هناك فكرة خطرت لي ودخلت غرفتي لتنفيذها حيث لا يوجد أحد. فغرف المنامة أضحت فارغة حين ذهب الجميع بعد إعلان النتائج بين مبتهج بنجاحه، أو من يُسَرّي عن نفسه عناء الألم.
ولقد أوحى إلي بفكرتي ذلك الحنين إلى الآفاق البعيدة. فقد كتبت لرجل
стр. 135
يدعى (بن خلاف) وكان أحد كبار تجار (جيجلي) ومستشاراً عاماً لهذه المدينة.
ولأنه كان صديق الدكتور موسى ومن الأنصار العلنيين للأمير خالد فقد كان له في هذا الوقت هالة في أعين المدرسيين.
ونشير هنا بان الإدارة الفرنسية في تلك الفترة قد وضعت حداً للجدل بإن خالد ومورينو، إذ عمدت إلى نفي الأول. وهذه النهاية تركت في بعض النفوس من أبناء جيلي ذكرى بعض الخيانات.
وواحدة من هذه الخيانات على وجه الخصوص، بقيت في ذهني حتى الآن السمة التي وسمت هذه الطبقة من المثقفين الجزائريين الذين بدؤوا يسعون للحصول على مراكز إدارية، يشترون بالخيانة حظوة ومركزاً.
ففي تلك الفترة قبل أيام من نفي الأمير خالد، نشر مورينو في جريدة (الجمهوري) رسالة تأييد وردت من باريس من طالب تبسّي في الحقوق.
وبعد ثلاث أو أربع سنين فإن هذا السافل أصبح مديراً لمكتب نائب قسنطينة، حينما أصبح هذا الأخير مساعداً لأمين سر الدولة للشؤون الرياضية.
في ذلك اليوم كانت حالتي هي الأمر المهم، وليس الأمير خالد الذي خانه مُدَّعٍ للثقافة، ولا الأمير عبد الكريم الذي باعته الطريقة المرابطية.
كتبت إذن إلى (بن خلاف). وأعتقد أن المستشار العام (جيجلي) قد استلقى على قفاه حين قرأ رسالتي.
لقد طلبت منه نوعاً من المشاركة في تأسيس شركة تجارية من نوع التوصية في مدينة (زندر Zinder) في السودان على ما أعتقد.
كيف كان رأي التاجر المرموق في (جيجلي) في رسالتي؟ لعلي الآن أعرفه
стр. 136
على وجه التخمين. لقد كان الأمر كما لو أنني طلبت منه أن يرسل لي دراهمه لأؤسس محلاّ تجارياً على سطح القمر. إنني أفهم لماذا لم يرسل لي دراهمه. ولكنني اليوم أسأل نفسي لماذا لم يتسلح بشيء من الدعاية أو الحس الاجتماعي ليجيبني على رسالتي، على الرغم من الدهشة التي سببتها له أو بسبب تلك الدهشة.
(بوكاميه) لم يعد لديه من الزبائن غير السكارى. مقهى بن يمينة أضحى فارغاً يتردد عليه زبائن الحي فقط، حتى (محمد طاهر السنوسي) لم يعد يأتي إليه لأنه لم يعد يجد فيه مستمعه المدرسي المألوف.
(شوات) ذهب إلى المغرب، وبقيت أنا و (قاواو) وقد أمسكت به بوصفه آخر ما في الجعبة دون أن أصارحه بذلك مصارحة تامة.
(الشاوش) تعجل خروجنا ليطلق لنسائه الحرية في داخل المدرسة. أما (دورنون) فقد كان يظهر العداوة لنا بشكل واضح.
وحين مللت انتظار الجواب سواء على رسالتي إلى (ورقلة) أو إلى (جيجلي) عزمت على إقناع (قاواو) بمشروعي إلى فرنسا.
كان هناك أمر أكيد هو أنني لا أريد العودة إلى تبسة بأي ثمن. ماذا أفعل بها؟ هكذا كنت أسأل نفسي لأقنعها. ولكن من أجل الذهاب إلى فرنسا، وإذا افترضنا أنه سمح لاثنين من أبناء المستعمرات بالنزول من الباخرة إلى البر الفرنسي، فإن الأمر يتطلب شيئاً من المال. ومنحتنا الأخيرة من المدرسة لا تكفي لهذه الرحلة.
لقد قررنا أن نبيع أدوات النوم التي نمتلكها. وكسب منا (بوكاميه) فِراشَينا وغطاءينا الجميلين بسعر منخفض. كان ذلك بكل بساطة باباً قد انفتح أمامنا على العالم. ففي الجزائر كانت الأبواب موصدة.
стр. 137
كان تفكيرنا الأساسي أن نمر فقط بباريس لنذهب مباشرة لاكتشاف عالم آخر. كانت آفاق كل من الاكتشافات والمغامرات الباعثة على الحماسة ترتسم أمامنا. وقد عزمنا على أن نتدرب عصر يوم بأن نهبط إلى قعر وادي الرمل من جانبه الشديد الانحدار، أي جانب الطريق المنحوتة من الصخر تجاه طاحونة (كاوكي). والواقع أن ذلك كان مغامرة مهلكة حقاً أكثر مما كنا نظن، فالحجارة والحصى كانت تنزلق تحت أقدامنا وتزحلقنا وتهددنا بدفننا في ركامها المتهافت، الذي تثيره أقدامنا إثارة لا تحفُّظ فيها ولا حيطة.
وأذكر أني كنت أرتجف كل الارتجاف حين بلوغنا قعر الوادي. ثم شرحت لصديقي من جانب آخر أنه ينبغي أن نعد أنفسنا لمقامنا في فرنسا، أياً كانت مدته، قبل أن نولي شطر المغامرة الكبرى.
فعزمنا في النتيجة أن نذهب لنأكل وجباتنا الأخيرة لدى مطعم أكثر أناقة من (بوكاميه)، لنتعود على السكين والشوكة حتى لا نظهر بمظهر مضحك أمام الفرنسيات الجميلات.
من ناحية الملبس فقد كنت مجهَّزاً تجهيراً كافياً، وكانت ملابس صديقي مجهَّزة نوعاً ما عدا غطاء الرأس. فقررنا ليلة رحيلنا أن نذهب ونشتري قبعتين من مخزن (المالطي الصغير Le Petit Maltais).
وهكذا أصبحنا جاهزين للسفر.
...
كنت في العشرين من عمري حين رأيت البحر لأول مرة، وقد تراءى لي ونحن نطل على (سكيكدة philippeville) ذلك الصباح. لقد عرفته من قبل عبر شاشة سينما قبل اختراع الفيلم الملون؛ لكنني الآن وأنا أراه أمامي على بعد في نهاية الشارع الذي دلفنا إليه في المدينة، يبدو لي أجمل بكثير مما تخيلته. لقد بدا
стр. 138
لي في أفقه البعيد حجراً أزرق مترامي الأبعاد، كأنما اقتطع منه الجوهريون الملايين من حجارة الفيروز الثمينة.
لست أدري فلعل تأثري بذلك المنظر الأخاذ يعود إلى أنني كنت أراه للمرة الأولى، لكنها الطبيعة لم أرها في يوم من الأيام أجمل مما رأيت تلك اللحظة.
عند ركوبنا البحر لم تكن ثمة صعوبات أمامنا في إدارة المرفأ أو في مكاتب الشركة البحرية (شركة عابرات الأطسي Compagnie Trans Atlantique)، مما يحدث في تلك الفترة. فقد كان الملاحون يدسون العمال الجزائريين في عنابر السفن هرباً من أعين المسؤولين بوصفهم بضاعة ممنوعة، بعد أن يتقاضوا منهم أجوراً باهظة، وكانت تتقطع أنفاس بعضهم فيموتون بالعشرات كما حدث في سفينة (سيدي فرج).
هكذا أخيراً أصبحنا على ظهر السفينة، وحين رأيت القبطان (ليبين Lepine) يأمر برفع مراسيها زايلني حينئد شعور بالعالم كله ينفتح أمامي.
وقفت بجانب حقائبي مستنداً إلى المتَّكَأ ( Bastaingage) أعبّ في صدري هواء البحر البارد المشبع باليود. فالصيف الجميل يسعف دريهماتنا القليلة في سفرنا هذا على ظهر السفينة.
لم أكن أدري بعد في تلك اللحظة أن إرادة القدر ستخبئ لي الرحلات العديدة على ظهور السفن. ولم أكن بكل حال لأعتقد أنني مجرد عابر يعبر البحر إلى فرنسا، بل كان في نفسي شعور بأنها رحلة عظيمة كتلك التي قام بها كولومبس وهو يكتشف العالم الجديد.
في اليوم الأول كنا نمخر عباب البحر، واليابسة أمام ناظرينا. فالسفينة يتجه خط سيرها بمحاذاة الشاطئ إلى (عنابة) لتحمل عدداً آخر من المسافرين،
стр. 139
لذا قضينا الليل في مدينة (القديس أوغسطنن) ولم تأخذ الباخرة طريقها شطر مرسيليا إلا ظهيرة اليوم التالي.
وها هو ذا البحر الذي حمل على أمواجه الغزاة والمغامرين يحملنا أنا وصديقي (قاواو) مثقلين بما يعمر نفوسنا من آمال وأوهام وقلق. وكلما ابتعدت الشواطئ الجزائرية عن أعيننا فقدنا شيئاً من ذلك الاطمئنان وتلك الثقة. ولكن حماستنا للسفر ورغبتنا فيه كانت أقوى من تلك الطوارئ.
كان كل شيء يثير فينا الانتباه، حتى تلك التفاصيل الصغيرة المتعلقة بالبحر أو بالسفينة. وأضحى البحارة بالنسبة لنا قاموساً نستفسر منهم عما يكون قد عصي علينا فهمه. فكلما صادفنا بحاراً بادرناه بأسئلتنا عن حالة الجو المتوقعة، وحتى عن حياته الخاصة على ظهر السفينة. وحين أخبرونا بأهوال العواصف التي قد تعترضنا عند خليج ليون، خُيِّل إلينا أننا سوف نلاقي هناك ما لاقاه البحارة البرتغاليون حينما داروا حول رأس الرجاء الصالح لأول مرة.
وحينما أبلغونا أن سفينتنا ستصل جزر (الباليار) عند منتصف الليل، أخذنا نستعد سلفاً لذلك الحدث وكأنه امتياز مُنحته لا يحصل عليه إلا القلائل. كانت مخيلتنا المحدودة هذه التي تشبه مخيلة تلميذ هارب من مدرسته، تعطي المزيد من الأهمية لكل حدث جديد. لقد كنا في الواقع أولاداً صغاراً، وكلما أوغلت بنا المرحلة تناقص اطمئناننا إلى الأمور. كنا حين انطلقنا من الجزائر واثقين بأننا سنلاقي عملاً حال نزولنا مرسيليا، إلا أن هذا اليقين أخذ يتضاءل بين لفظتي (إذا - ولكن).
تعرفنا على ظهر السفينة إلى يهودي من الجزائر كان هو أيضاً يقصد فرنسا بحثاً عن عمل. وكان يرافقه شاب أوربي ترك عمله في الحافلات الكهربائية واتجه نحو فرنسا ليبحث عن عمل هو الآخر. ويبدو أن الاثنين الأوربي واليهودي قد
стр. 140
تعافا على ظهر السفينة، ثم اتفقا على أن يذهبا سوية للعمل في مصانع (برلييه Berliet) بمدينة (ليون).
ولم يبطئ بنا الأمر حتى انضممنا إليهما وشكلنا جماعة واحدة، سرعان ما تولى رئاستها الشاب اليهودي.
فقد اتفقنا على أن نؤلف نوعاً من جمعية عمالية يضع كل واحد من أعضائها أجره الأسبوعي بيد اليهودي، ليتمكن هذا الأخير من تأسيس محل لبيع الفواكه في أحد أسواق (ليون).
كنت أشعر أن لدي ثقة بخبرة هذا الرجل ونزاهته. غير أن ما كان يثير قلقي ألا أجد أنا و (قاواو) عملاً في ليون، فنخسر بذلك إمكانية الإسهام في (الشركة) ذات المسؤولية المحدودة، لكن ذلك لم يمنعنا من الاستمرار في تلك الأحلام التي تصورناها في مدينة قسنطينة.
نزولنا إلى مرسيليا استحوذ علينا فألهانا عن التفكير في مشاكلنا، وقد ذكرني قصر (إيف If) براوية (الكسندر دوماس Dumas) حين مررنا به. فعجائب شريط (الكونت دو مونت كريستو Conte de Monte Cristo) فعلت في صباي فعل السحر.
هكذا أصبحنا أنا وقاواو أمام واقع مغامرتنا الآن. فقد فاجأنا ذلك المظهر البائس للجزائريين الذين كنا نصادفهم في الطريق. ولا أدري من الذي فسر لنا ذلك البؤس بأنه خاص بمرسيليا وحدها، فتكاثر المهاجرين الجزائريين فيها قد جعل أوضاعهم تسوء.
وهكذا فحين طرحت علينا مسألة الاختيار بإن البقاء في مرسيليا- المدينة التي بناها اليونانيون من سكان إيونيا قبل آلاف السنين- وبين مرافقة زميلنا
стр. 141
اليهودي لم نتردد في قبول الحل الثاني، لكن نفقات السفر من مرسيليا إلى ليون لم تكن ضمن ترتيباتنا المالية، فبدت هذه مشكلة أمامنا لابد أن نحلها.
ومن عادة اليهودي أن يعرف كل شيء. فهو خبير بمسالك الحياة البائسة حين يكون فقيراً وحين يكون من أصحاب الملايين مثل (ستافيسكي Stavesky)، يعرف تماماً كيف يلج أبواب القصور الكبيرة.
لذا أخذنا هذا اليهودي إلى شارع يبيعون فيه الأشياء القديمة المستعملة، وهناك تخليت عن معطفي الجديد لقاء ثلث ثمنه وكان ذلك كافياً حتى نتابع سفرنا إلى ليون.
كانت ساعات بعد الظهر كلها نقضيها في مرسيليا قبل أن نسافر، إلا أن القلق أخذ يسيطر علينا- أنا وصديقي- كلما تكشفت لنا حقيقة الفرص التي تمنحها المدينة (للجزائريين) القادمين إلى فرنسا.
لم تكن بعد قد ابتكرت كلمة ( Monzami) للإشارة إليهم. إذ كان الناس لا يزالون يعيشون تحت تأثير اللياقات التي سادت زمن الحرب العالمية الأولى، حين كان الفرنسيون يطلقون لفظة (سيدي) على كل جزائري. لكنه مع نهاية الحرب أخذت هذه الكلمة تفقد معناها الأصلي، وغدت تعبيراً عن ازدراء السكان الفرنسيين للعمال الآتين من منطقة التل أو الهابطين من الهضاب المرتفعة.
كان هؤلاء الجزائريون يفدون إلى فرنسا بصورة غير مشروعة بالمئات والآلاف، فيؤدي بهم ذلك إلى مزيد من البطالة. وهكذا يؤلفون الرصيد الاحتياطي لسوق العمل في الحاجات القذرة أو الموسمية.
ذلك أن كبار المعمرين الأوربيين في الجزائر الذين كانوا يخططون للسياسة الفرنسية في هذا الحقل، قد أدركوا الخطر الذي يتهدد مصالحهم من جراء هجرة اليد العاملة الوطنية إلى فرنسا.
стр. 142
ثم هناك سببان نضيفهما يجعلان الحكومة الفرنسية تتشدد في مراقبتها لأبناء المستعمرات:
أولهما حرب الريف وكانت لا تزال مستعرة، وقد بدأت تهز الرأي العام الفرنسي تحت تأثير المقالات التي كان ينشرها كل من (فايان كوتوريه وكاشان Vaillan couturier, Cachan) في صحافة حزبهما، أو الخطب التي يلقيانها في البرلمان الفرنسي.
ثم إنه كاد في هذه السنة أن يدخل جزائري يدعى (عبد القادر) يقيم في ضواحي باريس البرلمان الفرنسي، ويكتسب بهذه الطريقة الحق في أن يشرع في (قصر بوربون) لأربعين مليونا من الفرنسيين.
ومن ناحية أخرى فإن الأمير خالد لم يكن قد أخذ طريق دمشق كما فعل جده منذ مئة عام بعد أن نفي من الجزائر، وإنما توقف في باريس ليواصل جهوده المعادية للسياسة الفرنسية، بين السكان الجزائريين المقيمين حول باريس الذين كان عددهم كبيراً في ذلك الوقت.
وقد تولى مع بعض الجزائريين من سكان ضواحي باريس الذين سيخونون ذكراه فيما بعد، تأسيس جمعية (نجم شمال إفريقيا) وإصدار صحيفة (الأمة) الناطقة باسمها.
هكذا يتضح أن المعمرين قد كانت لديهم أسباب جوهرية تجعلهم يقلقون من تزايد هجرة الجزائريين لفرنسا، وهذه الأسباب تضاف إلى أسباب اقتصادية تعد بكل حال أساسية.
وهنا يمكننا أن نفهم الأسباب التي جعلت الصناعيين والمتعهدين والتجار يتخذون موقفاً عدائياً موحداً من اليد العاملة الجزائرية، بل أكثر من هذا فإن مستشاراً بلدياً باريزياً عرفه كثير من أبناء جيلي قد اقترح إنشاء حزام وقائي
стр. 143
حول باريس، يحميها من غزو أبناء المستعمرات. وكانت الصحافة اليمينية تشن الحملات العنيفة ضد من أسمتهم (الغزاة الجدد).
والإدارة التي لم يمض غير قليل على تدشينها جامع باريس قرب ساحة (مونج place Monge) ذلك الصيف، دشّنت على بضع خطوات الدائرة المختلطة الشهيرة ( Commune mixte) التي عرفت باسم الشارع الذي تقوم به شارع (لوكونت Rue le conte).
وهكذا اجتازت فكرة (المستعمرين Indigenat) البحر المتوسط بسهولة أكثر مما اجتازه (أبناء المستعمرات indigené)، أولئك الذين أصبحوا تابعين منذ ذلك الوقت لتلك الإدارة المختلطة.
من المؤكد أننا عند نزولنا في فرنسا كنا أنا وصديقي (قاواو) نجهل هذه الأمور، ولكنني الآن أعرف أن ذلك كله قد أثر فعلياً في مجرى مغامرة مدرسيين فارين من الجزائر.
(كان ذلك قد كُتب علينا)، فحين وصولنا إلى ليون وجد رئيس فريقنا اليهودي منذ الغداة العمل لدى (برلييه Berliet)، ووجد رفيقه الأوربي العامل في الحافلات الكهربائية عملاً لدى (زنيث Zenith)، بينما بقينا كلانا في الشارع.
كنا نتنادى فيما بيننا هو (أندريه André) وأنا (جول Jules)، وقد أوحى إلينا بذلك مستشارنا اليهودي. يضع كل منا على رأسه قبعة من النوع الجيد ونتحدث بفرنسية أصح بقليل من زميلينا الأوربي واليهودي، ولم يشفع ذلك بنا كله فبقينا في أكوام العاطلين عن العمل.
نعم (إنه قد كُتب علينا) وبحروف بارزة على بطاقة هويتنا.
وهكذا بعد أيام ثلاثة أو أربعة تبخرت مشاريعنا المتعلقة بشركة الفواكه
стр. 144
ذات المسؤولية المحدودة في ليون. وبتنا نأوي في المساء وقد أنهكنا التعب وأربكتنا الحيرة بعد يوم ممتلئ بالانتظار أمام مكاتب العمل.
وفي اليوم الخامس أو السادس أصبحنا خالِيَيْ الوفاض. فما ادخرناه وما حصلنا عليه من ثمن معطفي الجديد الذي بعته في مرسيليا قد استنفدناه عن آخره.
زميلنا اليهودي تكفل بنا، فكان يأخذنا إلى مطعم شعبي يتناول كل واحد منا نصيبه من الطعام من شباك، بعد أن يكون قد استحصل على بطاقة مقابل ثلاثة قروش أو أربعة.
لقد بات وضعنا المادي والمعنوي لا يُحتمل. وفي أخلاط هذا المحيط الصغير لا تدري أهو محيط عمال أم عاطلين عن العمل، عرفنا أن مصنعاً اسمه مصنع (شنيدر) التابع لمجموعة مصانع ( Creusot) يحتاج إلى عمال، وهذا الصنع يقع في (نوتردام دولورت Notre dame de Lorette) على طريق مدينة (سانت ايتيين Saint Etiénne).
كان علينا أن نتدبر عشرة فرنكات لنذهب نحن الاثنان إلى المصنع. ولم يكن قد بقي عندي ما أبيعه سوى شاشيتي البيضاء (الطربوش) وكانت جديدة من نوع فاخر، لكن من يشتريها في ليون؟
تعرفنا على شارع يكثر فيه السكان من (السيدي Sidi) الجزائريين حيث صادفنا اثنين أو ثلاثة منهم، كان أحدهم على ما يظهر يستعد للعودة. لم ندخل في مساومة حول الموضوع فقد تحدثت دون مواربة. إننا نحتاج تماماً إلى عشرة فرنكات. وهكذا وضع الشاب الجزائري شاشيتي على رأسه ووضعت عشرة فرنكاته في جيبي.
تركت لزميلي اليهودي كتبي التي حملتها من قسنطينة كيما أطالعها في
стр. 145
مزرعتي المقبلة في السودان أو أوستراليا، واتجهنا مباشرة نحو المحطة لنأخذ قطار الساعة العاشرة مساء بينما كانت ساعتنا تكاد تشير إلى الرابعة.
وإنه ليصعب تصور ساعات ست من الانتظار على مقعد محطة بعد سبعة أيام أو ثمانية من سوء التغذية والقلق، أمام مكاتب الاستخدام والانتقال على الأقدام من مكتب للعمل إلى آخر.
لكنها كانت ساعات من الحرية المستعادة، فيها شيء من الطمائينة حيال وعد بأفق جديد. فالأمر لا يحتاج لغير القليل حتى ينتقل المرء معنوياً من السواد إلى البياض.
كانت الشمس المرسلة بأشعتها على ساحة المحطة، قد عادت بناظري إلى ذلك اللون الذي كنت أحب اللعب فيه وأنا طفل في تِبِسَّة، إذا ما صُرفنا من مدرشة القرآن في تلك الأوقات، تبدو ذهبية اللون بعد ظهر كل أربعاء من الأسبوع وقبل صلاة العصر حين كنا نلعب وفي القلب كل وعد بكر في صبيحة الخميس.
أظن أنه تبقى لنا خمسون سانتيماً من عشرة الفرنكات ثمن شاشيتي بعد أن دفعت قيمة تذكرتين في القطار. وكان ذلك يكفي لشراء قطعة من الخبز وأخرى من الجبنة لكل منا.
وأزفت ساعة الانطلاق في النهاية فاتخذنا مقعدينا في قطار بطيء وفي غرفة سيئة الإضاءة كنا فيها وحدنا أنا و (قاواو).
ربما قاومنا النعاس أول الأمر لربع ساعة، إلا أن تعب الأسبوع المنصرم وإرهاقه فضلاً عن المقاعد الفارغة، كل ذلك قد غلب علينا فاستسلمنا للرقاد بعد أن أوصى كل منا الآخر بقوله:
((توقظني في نوتردام دولورت - Notre Dame de Lorette))