← Общие книги

Общие книги · id 38209

مذكرات شاهد للقرن

مالك بن نبي

Полный текст (424 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

اليهودي لم نتردد في قبول الحل الثاني، لكن نفقات السفر من مرسيليا إلى ليون لم تكن ضمن ترتيباتنا المالية، فبدت هذه مشكلة أمامنا لابد أن نحلها. ومن عادة اليهودي أن يعرف كل شيء. فهو خبير بمسالك الحياة البائسة حين يكون فقيراً وحين يكون من أصحاب الملايين مثل (ستافيسكي Stavesky)، يعرف تماماً كيف يلج أبواب القصور الكبيرة. لذا أخذنا هذا اليهودي إلى شارع يبيعون فيه الأشياء القديمة المستعملة، وهناك تخليت عن معطفي الجديد لقاء ثلث ثمنه وكان ذلك كافياً حتى نتابع سفرنا إلى ليون. كانت ساعات بعد الظهر كلها نقضيها في مرسيليا قبل أن نسافر، إلا أن القلق أخذ يسيطر علينا- أنا وصديقي- كلما تكشفت لنا حقيقة الفرص التي تمنحها المدينة (للجزائريين) القادمين إلى فرنسا. لم تكن بعد قد ابتكرت كلمة ( Monzami) للإشارة إليهم. إذ كان الناس لا يزالون يعيشون تحت تأثير اللياقات التي سادت زمن الحرب العالمية الأولى، حين كان الفرنسيون يطلقون لفظة (سيدي) على كل جزائري. لكنه مع نهاية الحرب أخذت هذه الكلمة تفقد معناها الأصلي، وغدت تعبيراً عن ازدراء السكان الفرنسيين للعمال الآتين من منطقة التل أو الهابطين من الهضاب المرتفعة. كان هؤلاء الجزائريون يفدون إلى فرنسا بصورة غير مشروعة بالمئات والآلاف، فيؤدي بهم ذلك إلى مزيد من البطالة. وهكذا يؤلفون الرصيد الاحتياطي لسوق العمل في الحاجات القذرة أو الموسمية. ذلك أن كبار المعمرين الأوربيين في الجزائر الذين كانوا يخططون للسياسة الفرنسية في هذا الحقل، قد أدركوا الخطر الذي يتهدد مصالحهم من جراء هجرة اليد العاملة الوطنية إلى فرنسا.

стр. 142

ثم هناك سببان نضيفهما يجعلان الحكومة الفرنسية تتشدد في مراقبتها لأبناء المستعمرات: أولهما حرب الريف وكانت لا تزال مستعرة، وقد بدأت تهز الرأي العام الفرنسي تحت تأثير المقالات التي كان ينشرها كل من (فايان كوتوريه وكاشان Vaillan couturier, Cachan) في صحافة حزبهما، أو الخطب التي يلقيانها في البرلمان الفرنسي. ثم إنه كاد في هذه السنة أن يدخل جزائري يدعى (عبد القادر) يقيم في ضواحي باريس البرلمان الفرنسي، ويكتسب بهذه الطريقة الحق في أن يشرع في (قصر بوربون) لأربعين مليونا من الفرنسيين. ومن ناحية أخرى فإن الأمير خالد لم يكن قد أخذ طريق دمشق كما فعل جده منذ مئة عام بعد أن نفي من الجزائر، وإنما توقف في باريس ليواصل جهوده المعادية للسياسة الفرنسية، بين السكان الجزائريين المقيمين حول باريس الذين كان عددهم كبيراً في ذلك الوقت. وقد تولى مع بعض الجزائريين من سكان ضواحي باريس الذين سيخونون ذكراه فيما بعد، تأسيس جمعية (نجم شمال إفريقيا) وإصدار صحيفة (الأمة) الناطقة باسمها. هكذا يتضح أن المعمرين قد كانت لديهم أسباب جوهرية تجعلهم يقلقون من تزايد هجرة الجزائريين لفرنسا، وهذه الأسباب تضاف إلى أسباب اقتصادية تعد بكل حال أساسية. وهنا يمكننا أن نفهم الأسباب التي جعلت الصناعيين والمتعهدين والتجار يتخذون موقفاً عدائياً موحداً من اليد العاملة الجزائرية، بل أكثر من هذا فإن مستشاراً بلدياً باريزياً عرفه كثير من أبناء جيلي قد اقترح إنشاء حزام وقائي

стр. 143

حول باريس، يحميها من غزو أبناء المستعمرات. وكانت الصحافة اليمينية تشن الحملات العنيفة ضد من أسمتهم (الغزاة الجدد). والإدارة التي لم يمض غير قليل على تدشينها جامع باريس قرب ساحة (مونج place Monge) ذلك الصيف، دشّنت على بضع خطوات الدائرة المختلطة الشهيرة ( Commune mixte) التي عرفت باسم الشارع الذي تقوم به شارع (لوكونت Rue le conte). وهكذا اجتازت فكرة (المستعمرين Indigenat) البحر المتوسط بسهولة أكثر مما اجتازه (أبناء المستعمرات indigené)، أولئك الذين أصبحوا تابعين منذ ذلك الوقت لتلك الإدارة المختلطة. من المؤكد أننا عند نزولنا في فرنسا كنا أنا وصديقي (قاواو) نجهل هذه الأمور، ولكنني الآن أعرف أن ذلك كله قد أثر فعلياً في مجرى مغامرة مدرسيين فارين من الجزائر. (كان ذلك قد كُتب علينا)، فحين وصولنا إلى ليون وجد رئيس فريقنا اليهودي منذ الغداة العمل لدى (برلييه Berliet)، ووجد رفيقه الأوربي العامل في الحافلات الكهربائية عملاً لدى (زنيث Zenith)، بينما بقينا كلانا في الشارع. كنا نتنادى فيما بيننا هو (أندريه André) وأنا (جول Jules)، وقد أوحى إلينا بذلك مستشارنا اليهودي. يضع كل منا على رأسه قبعة من النوع الجيد ونتحدث بفرنسية أصح بقليل من زميلينا الأوربي واليهودي، ولم يشفع ذلك بنا كله فبقينا في أكوام العاطلين عن العمل. نعم (إنه قد كُتب علينا) وبحروف بارزة على بطاقة هويتنا. وهكذا بعد أيام ثلاثة أو أربعة تبخرت مشاريعنا المتعلقة بشركة الفواكه

стр. 144

ذات المسؤولية المحدودة في ليون. وبتنا نأوي في المساء وقد أنهكنا التعب وأربكتنا الحيرة بعد يوم ممتلئ بالانتظار أمام مكاتب العمل. وفي اليوم الخامس أو السادس أصبحنا خالِيَيْ الوفاض. فما ادخرناه وما حصلنا عليه من ثمن معطفي الجديد الذي بعته في مرسيليا قد استنفدناه عن آخره. زميلنا اليهودي تكفل بنا، فكان يأخذنا إلى مطعم شعبي يتناول كل واحد منا نصيبه من الطعام من شباك، بعد أن يكون قد استحصل على بطاقة مقابل ثلاثة قروش أو أربعة. لقد بات وضعنا المادي والمعنوي لا يُحتمل. وفي أخلاط هذا المحيط الصغير لا تدري أهو محيط عمال أم عاطلين عن العمل، عرفنا أن مصنعاً اسمه مصنع (شنيدر) التابع لمجموعة مصانع ( Creusot) يحتاج إلى عمال، وهذا الصنع يقع في (نوتردام دولورت Notre dame de Lorette) على طريق مدينة (سانت ايتيين Saint Etiénne). كان علينا أن نتدبر عشرة فرنكات لنذهب نحن الاثنان إلى المصنع. ولم يكن قد بقي عندي ما أبيعه سوى شاشيتي البيضاء (الطربوش) وكانت جديدة من نوع فاخر، لكن من يشتريها في ليون؟ تعرفنا على شارع يكثر فيه السكان من (السيدي Sidi) الجزائريين حيث صادفنا اثنين أو ثلاثة منهم، كان أحدهم على ما يظهر يستعد للعودة. لم ندخل في مساومة حول الموضوع فقد تحدثت دون مواربة. إننا نحتاج تماماً إلى عشرة فرنكات. وهكذا وضع الشاب الجزائري شاشيتي على رأسه ووضعت عشرة فرنكاته في جيبي. تركت لزميلي اليهودي كتبي التي حملتها من قسنطينة كيما أطالعها في

стр. 145

مزرعتي المقبلة في السودان أو أوستراليا، واتجهنا مباشرة نحو المحطة لنأخذ قطار الساعة العاشرة مساء بينما كانت ساعتنا تكاد تشير إلى الرابعة. وإنه ليصعب تصور ساعات ست من الانتظار على مقعد محطة بعد سبعة أيام أو ثمانية من سوء التغذية والقلق، أمام مكاتب الاستخدام والانتقال على الأقدام من مكتب للعمل إلى آخر. لكنها كانت ساعات من الحرية المستعادة، فيها شيء من الطمائينة حيال وعد بأفق جديد. فالأمر لا يحتاج لغير القليل حتى ينتقل المرء معنوياً من السواد إلى البياض. كانت الشمس المرسلة بأشعتها على ساحة المحطة، قد عادت بناظري إلى ذلك اللون الذي كنت أحب اللعب فيه وأنا طفل في تِبِسَّة، إذا ما صُرفنا من مدرشة القرآن في تلك الأوقات، تبدو ذهبية اللون بعد ظهر كل أربعاء من الأسبوع وقبل صلاة العصر حين كنا نلعب وفي القلب كل وعد بكر في صبيحة الخميس. أظن أنه تبقى لنا خمسون سانتيماً من عشرة الفرنكات ثمن شاشيتي بعد أن دفعت قيمة تذكرتين في القطار. وكان ذلك يكفي لشراء قطعة من الخبز وأخرى من الجبنة لكل منا. وأزفت ساعة الانطلاق في النهاية فاتخذنا مقعدينا في قطار بطيء وفي غرفة سيئة الإضاءة كنا فيها وحدنا أنا و (قاواو). ربما قاومنا النعاس أول الأمر لربع ساعة، إلا أن تعب الأسبوع المنصرم وإرهاقه فضلاً عن المقاعد الفارغة، كل ذلك قد غلب علينا فاستسلمنا للرقاد بعد أن أوصى كل منا الآخر بقوله: ((توقظني في نوتردام دولورت - Notre Dame de Lorette))

стр. 146

استيقظنا في الفجر حين وقف القطار في (سانت ايتيين Saint Etiénne)، أراد كل منا أن بلقي اللوم على الآخر. ثم عزمنا على الخروج إلا أننا توقفنا عندما سد علينا الطريق العامل القائم على الدوار ( Tourniquet)، الذي لا يسمح بالمرور دفعة واحدة إلا لشخص واحد قائلاً: ((آه إني أعرفكم يا عصافيري، إنكم تسرقون الشركة وسوف أنادي الدرك)). بدا الهلع على وجه زميلي (قاواو)، ربما لأنه كان ابن أحد رجال الدرك، أما أنا فعلى العكس من ذلك وجدت فيه حلاً للمشكلة. بالطبع لم تخطر في ذهني في تلك اللحظة تمبوكتو أو أوستراليا أو شقراوات باريس، لقد اعتراني الملل. ولا ريب أن رجال الدرك قد كانوا الأقل سؤاً من ذلك الذي كنا فيه. لكن موظفاً آخر متأثراً بمشاعر العطف وربما بدافع الشفقة لما رآه على وجه (قاواو) قد بدد ذلك الأمل بقوله: ((دعهما يعودا إلى (لورت Lorette))). ثم أشار إلى قطار من عربة واحدة يهم بالتحرك كيما نلحق به، فاتخذنا مكاننا فيه ووصلنا في الثامنة من الصباح. كان الجو بارداً في تلك الصبيحة من شهر تموز (يوليو) يحيط به جو من الكآبة مشبع بالدخان. لم يكن وارداً في حسابنا تناولنا لفنجان من القهوة ندفئ به جوفنا، فجعبتنا فارغة من النقود. وهكذا توجهنا مباشرة إلى مصنع (شنيدر schneider) الذي قادنا إلى مكتب الاستخدام في ليون. وقفنا في الصف بين جمع من المرشحين الآخرين للعمل تحت رذاذ خفيف من المطر. كان في الصف فرنسيون وإسبانيون وإيطاليون ومثلنا من (السيدي Sidi).

стр. 147

مررنا أولاً أمام طبيب شاب ذي معطف أبيض وقد لفت نظره بشكل واضح ثوبي وصحتي. قال لي: ((إن قماشك من النوع الجيد)). بينما كان يتأمل ويجس طرفه بين إبهامه وسبابته. حقاً كنت قد خطته عند أفضل خياط في قسنطينة. في نهاية سلسلة من الإجراءات كانت النتيجة إيجابية بالنسبة لي وسلبية بالنسبة لـ (قاواو). نصف نتيجة أفضل من لا شيء على الإطلاق. سوف نأكل خبزنا سوية ولكن بانتظار ذلك فإن المعدة خاوية. ولأنه لا وسيلة لنا في ملئها فلتنم على الأقل. ولكن أين؟ فالسماء بدأت تتوهج بشمس تموز (يوليو) التي ارتفعت فوق رؤوسنا. لاحظنا عند أسفل المصنع ثمة حقلاً صغيراً يخترقه جدول ماء. أوينا إليه وفيما نحن نهم بالاستلقاء إذا بشاب أو بالأحرى ولد ينتصب فوق رأسنا. لم نكن نعرفه، إنما كان يبدو من مخايل وجهه أنه يعرفنا. خاطبنا بالعربية: - أنتما من قسنطينة؟. - وأنت من أين؟. - كنت أمسح الأحذية في ساحة (بريش la Brèche) في قسنطينة. ثم ركبت الباخرة من (سكيكدة philippeville) حتى وصلت إلى مرسيليا فبقيت فيها عدة أيام، ثم في ليون، ولما لم أجد عملاً أتيت إلى هذه البلدة، ولكنهم رفضوا إعطائي عملاً هنا لأنني ما أزال صغيراً. كان أمامنا بالفعل واحد من أبناء الشوارع الجزائرية مع ما في نظراته من عزم وصراحة يمتاز بها أولاد قسنطينة والجزائر.

стр. 148

ودون أن يتوقف عن الحديث بادرنا قائلاً: - بقيت معي سبعة فرنكات سأذهب لأشتري بها خبزاً وشوكولا. - لا .. لا .. احتفظ بفلوسك. لم يبتعد الولد عنا إلا ليعود بعد لحظات يحمل تحت إبطه قرصاً من الخبز. هناك أناس لا يؤمنون بحكمة الله، ولو لم أكن مؤمناً بها لآمنت بها ذلك اليوم، فالصبي قد حمل إلينا فوق خبزه وشوكولاه معلومات مفيدة. لقد أخبرنا أن ثمة مصنعاً للإسمنت فيه فرص للعمل، فقررنا أن نقف على أبوابه بعد الظهر. أنا و (قاواو) قُبلنا لنبدأ فعلياً العمل في اليوم التالي، أما الصغير فسوف يعيش معنا طالما لم يجد له عملاً ولكن أين نقضي الليل؟ تهنا في شوارع (لورت Lorette) فمررنا أمام مقهى جزائري لم نجرؤ بادئ الأمر على دخوله لأننا لا نملك نقوداً. ولكن كيف لا نجرؤ على الجلوس على أحد مقاعده على الأقل؟ هكذا دخلنا بالصيغة التي اعتادتها البلاد الإسلامية: ((السلام عليكم)). ردّ بعض الجالسين حول الطاولات من (السيدي Sidi) الذين كانوا يتحادثون أو يلعبون الدومينو: ((وعليكم السلام)). جلسنا في زاوية دون أن نطلب شيئاً. وبسرعة وضع أمامنا صبي المقهى (براداً) من الشاي وأقداحاً ثلاثة. على الرغم من كل ما أصاب المجتمع الإسلامي من انحطاط منذ أمد طويل، فالإسلام قد حفظ فيه الشعور الإنساني في مستوى لم يصل إليه العديد من البلاد (المتحضرة).

стр. 149

- من أين جاء الإخوان؟ قال ذلك صوت ربما كان هو الذي دفع عنا ثمن الشاي. هكذا بدأ الحديث يمتد من طاولة إلى أخرى في ذلك المقهى العربي الذي توزعت فيه دعامات مربعة من الخشب ربما دعمت سقف خان من قبل. جاء صاحب المقهى يجلس بيننا وقد اتكأ بمرفقيه على الطاولة ورأسه بين يديه. سألنا: ما هي أخبار الريف؟. كنت مهتماً بالموضوع ولذا فإن كل من في القاعة توقف عن اللعب وعن الكلام كيما يصغي إلي. وإنني أتساءل اليوم ما إذا كان الزعاء الجزائريون من أبناء جيلي وأولئك المثقفون الذين يدعون (المالتزام)، عرفوا حقاً الشعب الجزائري وأدركوا عواطفه وأفكاره في أحاديثه المختلفة حتى في دقائق صمته. إنهم بالتأكيد يعرفون كيف يستخدمونه وهم يستغلونه بكلمات وأقوال، كانت السلطة الفرنسية تعرف كيف تزيد من تأثيرها ومفعولها في الناس بأساليب شيطانية يدركها أولئك الزعماء أنفسهم. لكن قليلاً منهم من التزم خدمته وعاش مأساته، يأكل خبزه الأسود ويذوق لسعات القمل الذي يعشعش في أكواخه وبيوته المصنوعة من الصفيح. لقد كان أولئك الزعماء وأولئك (الملتزمون) يعيشون وَهْماً صيغ بكلمات ملفقة بمفردات أجنبية، بعضهم يقول إنه وارث (فولتير Voltaire) والآخر يقول إنه وارث (تروتسكي). هذا الوهم كان هو (الجزائر) وهو الشعب الجزائري في أذهانهم. أما الجزائر الحقيقية وشعبها فهما غريبان عنهما تماماً. لقد كانوا كالدودة الغريبة عن الثمرة لكنها تدخل إلى لبها لتتغذى منها.

стр. 150

في تلك الأمسية لم أفكر في ذلك كله. كان همي وأنا أتحدث عن حرب الريف أن أعلم أين أنام .. صاحب المقهى حل المشكلة والحمد لله، فقد دعانا ننام في مقهاه كيما نتابع الحديث بعد إقفال المقهى. في صبيحة اليوم التالي، كنا أنا وقاواو والولد في السابعة أمام باب مصنع الإسمنت. كان رئيس الورشة شهماً، في سيماه جمال العامل الفرنسي، فسرعان ما أقنعته بأن ولداً لا يستطيع العيش بغير عمل لا ينبغي أن نتركه بحجة أنه دون السن المطلوب، وهكذا أصبح لرفيقنا عمل مثلنا لكنه أقل وطأة. بيد أن رئيس الورشة قد وضعنا أنا وقاواو في مركز نغبط عليه نسبياً. كان عملنا يقضي بأن ننقل أكياس الترابة متسلقين سقالة إلى كوة تعلو أربعة أمتار أو خمسة، فكان عليّ أن أحفظ توازني وأنا أحمل على ظهري كيساً يزن خمسين كيلو غراماً. كنت أترك شيئاً من الترابة يدلف من الكيس على كلتا يدي من علٍ فأتذوق نعومة الإسمنت على جلدي، وهذا ما كان علي اجتنابه على وجه الدقة. فالإسمنت يفتك بالجلد كالأحماض كما تفسد نعومة الحياة الروح. في المساء لم أكن قادراً على الوقوف، فكان علي أن أغيّر عملي. في اليوم التالي كلفت بنقل قطع من القرميد تزيد الواحدة منها على خمسين كيلو غراماً، أضع أربعة منها في عربة صغيرة لأنقلها من مكان إلى آخر. كنت ناقلاً سيئاً على مثل هذا النوع من العربات، فالصينيون قد نسوا أن يضعوا لهذا النوع من العربات دولابين بدلاً من دولاب واحد، فعربتي ذات الدولاب الواحد كانت تميل مرة يميناً ومرة شمالاً. رئيس الورشة الحاذق حل هذه المشكلة بأن ربط

стр. 151

ذراعي العربة برسن كالذي يوضع للحيوانات صنع من قماش الأكياس، وهكذا أضحى توازن العربة لا يستقر على كلتا يدى بل على رقبتي. الآن وبعد أن قبضنا أجرنا، بدأنا نقف على أرض صلبة وبات علينا أن نفتش عن غرفة نسكنها، وجدنا واحدة بسريرين. أما الولد فقد حصل على مسكن له بفضل رئيس الورشة. بعد يوم من العمل المضني ارتمينا كقطعة من الرصاص على سريرنا. ومع ذلك فإنني أنا وقاواو استيقظنا عند منتصف الليل. لقد أكلتنا عقصات البق وبالطبع لم نكن قادرين على التخلص بسهولة من تلك الحشرات لوفرة عددها، فنام قاواو ما تبقى من الليل على طاولة صغيرة فيها افترشت أنا أرض الغرفة. لقد كان ذلك لا يطاق. سألت قاواو عند الصباح: ((هل تريد أن تذهب إلى باريس؟)). لم يكن لدينا المال لنسافر إلى باريس. وإلى أن ندخر من أجورنا ثمن تذكرة السفر فإن حشرات البق تكون قد صضت علينا وهضمتنا. ثمة تبسي سافر هو أيضاً لفتح العالم قبل عام من قيامنا بهذه المغامرة وكان مديناً لي بشيء من المال. تذكرت عنوانه وأبرقت إليه من أجل مبلغ يكفي لمقعدين إلى باريس. فأرسل ثمن تذكرة واحدة؛ فكتب علي أن أسافر وحدي تاركاً قاواو الذي كان عليه أن يلحق بي عندما يتجمع لديه المال للسفر أو عندما يمكنني أن أبعث إليه به، لأنني كنت ما أزال أومن بحسن طالعي. في باريس كأنما كل شيء قد أُعِدَّ من قبل، فصديقي التبسي الذي يعمل في مصانع (نيكولا Nicolas) للبيرة قدّمني فور وصولي إلى رئيس الورشة الذي أعطاني عملاً على الرصيف الفارغ ( Quai - vide)،

стр. 152

كان ثمة غموض في ذهني، إذ لم أكن أعرف ماذا يكون معمل البيرة. ففي مصنع الجعة يعد الرصيف الفارغ بمثابة جهنم، بينما تعد الأرصفة الممتلئة بمثابة المطهر. والعمال الجدد يوضعون عادة في جهنم ليكفروا عن خطاياهم قبل أن ينتقلوا إلى المطهر مثل زميلي التبسي. لقد كان العمل مضنياً بالفعل. فجميع الزجاجات التي تخرج ممتلئة من المصنع لتطفئ ظمأ سكان باريس في هذا الموسم كانت تعود فارغة في سيارات كبيرة من مختلف مناطق العاصمة. وهكذا تتجمع عشرات الآلاف من صناديق زجاجات الجعة الفارغة على الرصيف، حيث يتولى العمال ترتيبها في صفوف بسرعة تلائم سرعة الآلة التي تتولى نقلها إلى داخل المصنع. وفي ربع الساعة المخصصة للراحة وعندما يتوقف الرصيف اللفاف النقال والآلة التي كانت تقوم بوظيفة رئيس ورشة الرصيف، كنت أُلقي وأنا تحت سقيفة العنبر الشاسعة نظرة غبطةٍ إلى رصيف (الزجاجات المملوءة)، حيث كان العمل بطبيعته يتم بطيئاً حتى لا تتعرض البضاعة للكسر. ولكن متى أُقبَل في المطهر؟. كان صديقي التبسي يجيبني مداورة على سؤالي هذا كلما ألقيته عليه. وبانتظار ذلك كان كل عطش باريس في شهر آب (أغسطس) يمر من فوق ظهري فأحس بثقله الساحق. وفي فترات الراحة كان (نيكولا) يتلطف بإطفاء عطش آلاته البشرية بالبيرة الشقراء أو السمراء حسب الاختيار. لكن ثمة سؤال كان في ذهني يتجاوز شقراوات باريس: ((متى أُقبَل في المطهر؟)) ذلك هو السؤال الذي كنت أردده في فترة الراحة.

стр. 153

ربما عملت عند (نيكولا Nicolas) أسبوعاً واحداً. ثم لم أعد أستطيع صبراً فأرسلت بنداء الاستغاثة ( s.o.s): - أرسلوا دراهم للعودة. كانت هذه رسالتي الأولى مع أهلي منذ أن تركت قسنطينة. لم أعرف من باريس غير الأرصفة الفارغة والممتلئة من معمل (نيكولا Nicolas)، ومن بعيد كنت أرى برج (ايفل) وعليه اسم (سيتروين Citroên) بحروف مضيئة، حتى أني لم أزر جامع باريس الذي دُشِّن حديثاً، ولكي أستطيع أن أحدث أصدقائي في تبسة عن باريس فقد عزمت ليلة رحيلي عنها أن أذهب إلى ساحة (الأوبرا) بالمترو. عدت إلى الجزائر حاملاً معي السؤال: ما العمل؟. ذلك السؤال الذي دفعني إلى المغامرة البائسة التي عشتها مع (قاواو). كنت خائفاً من تلك العودة، إلا أن عائلتي باستقبالها لي استقبال (الولد المتفوق) قد بددت تلك المخاوف. واستقبلني رفاقي كأني بطل ملحمة إلا أنني لم أقص عليهم تفاصيلها حتى لا أثير اشمئزازهم. وباستعادتي لمألوف ما درجت عليه من التردد على مقهى (باهي) مع أصدقائي، فقد نسيت سريعاً مغامرتي التي تشبه ملحمة الأوديسة الشهيرة. كانت حرب (الريف) قد بلغت أوج احتدامها في الصحافة وفي النفوس. الإدارة كانت مستمرة في التجنيد. لقد حركت حتى منابر المساجد من أجل النداء للحرب ضد الثائرين. وكنا أنا ورفاقي نتابع هذه التطورات بمزيد من الاهتهام. ذات يوم وأعتقد أنه في نهاية شهر آب (أغسطس) من عام ١٩٢٥ أطلق نداء للحرب من منبر تبسة.

стр. 154

لم نعد نملك أنفسنا، واجتمعنا أنا وصالح حواس وصانع الأحذية حما الصغير وإزميرلي محمود ومحمود الغلالي على جسر وادي الناقوس نبيّت أمر الرد على السلطة ونحن نتكئ على سوره في العتمة، ونقشر الفستق السوداني. وأعتقد أن واحداً منهم هو محمود الغلالي ما يزال على قيد الحياة. كلفني هؤلاء المتآمرون أن أكتب نداء نعلقه على باب الجامع ليلة الغد. اجتهدت في تجويد خطي وتقديم أفضل ما زودتني به عربيتي الضعيفة من تعابير، لذلك فقد قضيت سحابة نهار اليوم التالي في الكتابة والتجويد فيها. وهكذا كان الشكل والمحتوى مما أثلج صدر أصدقائي، حينما شرعنا في قراءة التبيان ونحن نقوم بنزهتنا المعتادة خارج المدينة. وليلة تعليقنا ذلك البيان لم نغير من عاداتنا المسائية. فبعد جولتنا المعتادة نحو الكنيسة ووادي الناقوس جذبتنا أقاصيص (باهي) وأسطواناته، واسترسلنا معها ذلك المساء فبقينا إلى موعد إغلاق المقهى. في تبسة لم تكن الرقابة الليلية في ذلك الزمن الذي انعدم فيه العمل السياسي مما يشغل بال الإدارة. فبعد إقفال المقاهي تبدو شوارع المدينة شبه خالية. ابن خالي (صالح حواس) هيأ هن مصنع التبغ الذي يملكه شقيقه علبة صمغ ووضعها قرب باب منزلهم فذهبنا لإحضارها. وفي الدقيقة الثلاثين بعد منتصف الليل اتجهنا نحو المسجد جميعاً وعلقنا النداء في مكان بارز من الباب الرئيسي للمسجد ثم تفرقنا كل في اتجاه. وفي اليوم التالي لم أخرج من المنزل كعادتي إلا في المساء. وحما الصغير وصالح حواس أبلغاني ما جرى في النهار. فقد كان دويّ الورقة في ضمير الإدارة الفرنسية أكثر مما كان في ضمير مواطنينا.

стр. 155

كان بوليس تبسة في نظر الإدارة غير كاف لكشف الفاعلين فاستدعي لواء (قلما). لم يكن من الممكن في ذلك الزمن أن تتجه الشكوك نحو ذلك الفريق الذي كنت الوحيد فيه أستطيع أن أكتب جملة بعربية ركيكة. وعلاوة على ذلك فمنذ بيع شاشيتي في ليون حتى هذا النهار لم ألبس شاشية، وكنت أسير عاري الرأس قبل أن يصبح هذا الأمر زياً شائعاً. ولعل هذا قد أبعد عنا جميعاً الشكوك التي اتجهت إلى زاوية أخرى، فسائر طلبة العلم والعلماء وأنصاف العلماء في المدينة استُجوِبوا. وكان الذي اتجهت نحوه أكثر الشكوك هو الذي كان أبرأ الناس من هذا الصنيع، وقد أضحى بعد حوالي عشرين عاماً إمام المدينة ومخبر البوليس، ولكنه في ذلك اليوم لم يكن بعد في عداد المتعاملين معه فأشبع منه ضرباً. انطوى الحادث دون ذيول. وقضينا ذلك المساء نلعب لعبة (الطاس تقول)، وهي لعبة تبسية كانت تثير حماستنا تلك الفترة، وكانت القاعدة فيها أن يعين اللاعب من بين أحد عشر كأساً الكأس التي تغطي قطعة من النقد. وبين الفريقين اللذين تباريا على حصيرة (حمام عباس) كان بعض اللاعبين من رجال البوليس، الذين شاركوا ذلك الصباح في جلد ذلك العالم خريج جامعة الزيتونة. تلك كانت أياماً جميلة على وجه العموم. لكن مشكلتي التي بقيت مأساوية مطروحة في ذهني: - ((ماذا أعمل؟)) كان عليّ أن أحُدَّ من مطامحي على الأقل من الوجهة (التكتيكية) كما يقال

стр. 156

اليوم. فقررت أن أقبل عن طيب خاطر وظيفة عدل في المحكمة الشرعية ريثما تتحقق (تجارتي الكبرى) في السودان أو (مزرعتي في أوستراليا)، لكن كان عليّ أن أسعى للحصول على هذه الوظيفة. والنائب العام الذي كانت تتبع له سائر المؤسسات القضائية الإسلامية قد حدّ من مطمحي في هذا الخصوص. لقد أُجِبْتُ بأن عدلاً في المحكمة لا يمكن أن يُعَيَّن قبل أن يبلغ الاثنين والعشرين عاماً. ومما زاد قيَّ الأسى أنني أُعفيت من الخدمة العسكرية بسحبي رقماً جيداً في تلك القرعة، التي كانت تجري بين المدعوين إلى الخدمة العسكرية من أبناء المستعمرات. إذ كان ترتيب متاع الجندي في الصباح، وعمل السخرة الصغير أو الكبير في المطابخ، أو حيث يفرغ جنود الرماة فضلات طعامهم، أفضل عندي من بقائي عالة على أهلي. وكان يبدو لي غريباً أن أبقى هكذا وأنا في سن العشرين. هكذا عادت مشاريعي نحو المغامرة تخامر ذهني. وكان سعاة البريد في تبسة يرونني يومياً أنسخ عناوين من الدليل التجاري. ومع ابن خالي (صالح حواس) الذي أطلعته على همومي أغرقت شمالي فرنسا وجنوبيها بطلبات الاستخدام. أكثر العناوين التجارية التي كانت لها أعمال في إفريقيا إذا لم نقل سائرها، تلقت هذه الطلبات، لكنها لم تجب عليها. وفي هذه الآونة تلقيت جواباً سلبياً من (ورقلة) حيث أُعيدت صورتي الفوتوكرافية. كنت إذن محكوماً بأن أبقى على مائدة العائلة وتحت سقفها وفي خارج المنزل رهن أسطوانات وقصص (باهي). أما قضية الريف فبدأت تعود القهقرى مبددة آخر أوهامنا.

стр. 157

كان اليهود يبسطون نجاحهم في تِبِسَّة. فوكالة سيارات (سيتروين Citroên)، والشركات التجارية الكبرى لتصدير الحبوب والصوف وكذلك البنوك هذه كلها قد أضحت بين أيديهم. ومقاهي المدينة الكبرى التي كان يديرها فرنسيون حتى تلك اللحظة غدت تحت رقابتهم. هذا النجاح قد غضّ من بهاء (كانبون Canbon) الذي كان في تبسة (قارون) الفرنسي في أعين المسلمين. وقد وضع هذا النجاح في ذهني في تلك الفترة أول مشكلة سياسية ذات أبعاد عالمية. وأصبحت أعبر عن هذا الانطباع أمام أصدقائي قائلاً لهم: ((إنه عصر المرأة واليهود والدولار)). ربما لم يكن في ذلك الوقت غير انطباع. لكنني أعلم اليوم أنه كان عنصراً أساسياً في توجيه فكري الذي أمسك وربما بصورة غامضة بمشكلة حضارة تندرج تحتها سائر هذه الظواهر. وأنا اليوم أرى المرأة واليهود والدولار يشكلون الأقانيم الثلاثة للقرن العشرين. لم تكن المشكلة تطرق ذهني في ذلك الوقت من زاويتها العالمية، ولكنها انطلقت من وضع شخصي معين. كنت عاطلاً عن العمل بداعي صغر سني. أما يهود تبِسَّة فكان لكل منهم مكان في السوق حتى أولئك الذين هم أصغر مني سناً. وفيما كنت أوالي إرسال طلباتي إلى الشركات الفرنسية في إفريقيا، كنت ألح من حين لآخر على النائب العام لعَلَّ الأسابيع أو الأشهر الماضية قد جعلتني كفئاً لوظيفة (العدل). لكن النائب العام ظل متمسكاً بالطبع بموقفه الواضح الصريح. فالجزائري لا يحق له قبل الثانية والعشرين أن يدخل الإدارة.

стр. 158

وفيما كنت أهيئ نفسي للوقت الذي أستطيع الحصول فيه على حق التوظف، كان يزعجني أن أقضي أيامي في البيت وفي المساء عند (باهي) أستمع إلى أقاصيصه وأسطواناته، وفي (حمام عباس) حيث نلعب لعبة (الطاس تقول). كان لي صديق في محكمة تبسة يشغل هو الآخر وظيفة (عدل)، وبما أنني لم أجد عملاً أتقاضى عليه أجراً فقد اتفقت مع صديقي العدل على أن أقوم بمساعدته بدون أجر، ففي هذا ما يشغل بعض وقتي أو على الأدق ينتشلني من العدم الذي كنت أشعر معه بأني غارق فيه منذ عودتي من فرفسا. اعتمدتني المحكمة في نهاية الأمر معاوناً متطوعاً، فهم قد وجدوا في ذلك فائدة. وبالنسبة لي فقد كانت الفائدة مؤكدة؛ فبالإضافة إلى الخبرة المهنية فقد كنت أرافق أعضاء المحكمة لتنفيذ الأحكام. والخروج مع أعضاء المحكمة إلى الريف التبسي خصوصاً في الفصل الجميل يستحق أكثر من التطوع، فلو كنت أستطيع أن أدفع عليه مالاً لفعلت. كانت الصلاحية القضائية لمحكمة تبسة كما يقال تمتد خصوصاً إلى (دواوير) أولاد سيدي (يحيى)، ثم لتجمعات المناجم في (الكويف والونزة). وكانت تجولاتي في تلك (الدواوير) تجعلني على اتصال بالطبيعة والرجل البسيط الذي انصقل عبر القرون. فإذا ما كانت الجولة في دائرة صغيرة حول تبسة فذلك أمر لا يثير الاهتمام، لأننا سرعان ما نعود في المساء إلى تبسة. لكن حينما تمتد جولتنا إلى دائرة أكثر اتساعاً فذلك ما يحتم علينا قضاء الليل خارجاً. وكان في هذا ما يسحرني على الرغم من أن السي (الجودي) باش عدل المحكمة كان يدبر أمر مبيته تحت سقف منزل وكنت أوثر الخيمة.

стр. 159

كان السفر على الرغم من ذلك يحتفظ بمتعته في سائر الوجوه. وأظن أن البلاد الإسلامية وخصوصاً الجزائر هي من دون البلاد الأخرى، قد بقيت فيها حياة الفلاح التي اكتسبت نمطها عبر القرون سالمة من الاضطراب، لم تفقد قيمتها في أي ظرف من الظروف. فالرجل الذي نأتي لننفذ فيه حكماً يلمح قدومنا من بعيد. وهو يعلم لأي سبب أتينا إليه، لكنه سرعان ما يطلب إلى زوجه أن تعد القهوة (للضياف). فنحن ضيوفه ونزلاؤه، وحينما نصل يكون ضباب الصباح قد انقشع في الفصل الغائم، أو تكون الشمس ما تزال باردة إذا كان الجو صيفياً، فكنا نفضل البقاء خارجاً في كلا الحالين. لكن الرجل يلحق بنا ويصر أولاً على تشريفه في خيمته أو كوخه. وإذ كان السي (الجودي) يعلم أن الزوج الفلاحة تروح وتجيء في أشغالها، فقد كان يشرح لزوجها أنه يفضل التنفس في الهواء الطلق رغبة منه في عدم إزعاجها. وكنت أنا نفسي قد حفظت بتأثير ساعات الرياضة التي أكرهني عليها (دورنون) بعض حركات الشهيق والزفير. تنشقت ملء رئتي الأوكسيجين، وشهيقي وزفيري أضحكا السي (الجودي)، كما ضحكت جدتي زليخة حينما رأتني أعقد ربطة العنق أو أشد حزام وسطي وهي تقول: ((إنك تحزم نفسك كالبغل)). فهذا الجيل القديم الذي لبس الثياب الواسعة يتنشق ويأكل ببساطة ولا يحب التصنع. حمل الرجل القهوة وشرعنا نتحدث بهدوء حول أسعار الغنم والمواسم المقبلة. وبعد احتساء القهوة بدأنا الحديث عن مهمتنا في تنفيذ الحكم. الرجل لم يغير لهجته ولا تعامله معنا. وإنني الآن أعلم أن المسلم قد احتفظ

стр. 160

بقيمه في سائر محن الحياة. وأعلم أنه حتى في ظروف حياة الفلاح الخشنة سواء كان (يحياوياً أو ليموشياً) من نواحي تبسة، فالإسلام قد صقل الإنسان في شروط أقرب ما تكون إلى أخلاق حضارة. وحينما تكون هناك حقيبة جلدية تحفظ مستندات المحكمة يخرج منها سي (الجودي) الحكم، فالرجل بوجه عام يحمل إلينا في هذه اللحظة شيئاً من الحليب الطازج يفوح منه عطر (العبيتران) الذي يميزه عن ذلك الحليب الذي نشربه في المدن. وحينما تنتهي الإجراءات القضائية فمن النادر أن يتركنا الرجل نذهب فهو ينسحب قليلاً. وحين نُهمُّ بالرحيل يقول: ((لا والله! لن تذهبوا قبل الغداء)). فتنفيذ الحكم لم يكن غير حادث عابر ثم يستأنف الحديث شجونه دون إشارة إلى الإجراءات القضائية. وإن هذا هو الذي حدا ببعض المراقبين السطحيين من الغربيين وبعض تلاميذهم في بلادنا أن يقولوا: ((إن ابن المستعمرات ( indigène) - وهم يقصدون بصورة خاصة الفلاح الجزائري- هو جامد أوسلبي تجاه ما يصيبه)) وفق التعبير الأدبي الذي يستعمله كل منهم. والعلماء والمطّلعون والمدّعون (صدفة كل شيء) في مادة السياسة الاستعمارية يفسرون ذلك كله بكلمة واحدة (مكتوب)، أي: كتب علينا بقدر الله، والمستعمر الجزائري بالنسبة إليهم فقير أمي في شروط بائسة لأنه (قدري) و (يؤمن بالمكتوب) كما يقولون. الحديث إذن مع مضيفنا استأنف طريقه حول الشؤون العادية للحياة واهتمامات الريف. ولأنه منغمس في تلك الاهتمامات فإنه لم يكوّن فكرة عن ذلك الذي بدأ يثير الرأي العام في المدن في ذلك الزمن. فالموجة الإصلاحية والسياسية التي بدأت تحرك تِبِسَّة لم تقتحم بعد حدوده.

стр. 161

في الدواوير المحيطة لم تزل التقاليد القديمة بعد حية. فالناس في (الدواوير) يدفعون فوق ضرائبهم الزمنية لسيدي الحاكم الحصة السنوية للشيخ، فكانت الزوايا تستلم زكاة المنطقة بأسرها. تمادى بنا الحديث إذن في هذا الإطار التقليدي الذي تجري في داخله حياة الفلاح النشيطة، ويميزها من وقت لآخر حدث بارز يصبح تاريخاً في ذاكرته. فالفلاح يؤرخ لأحداثه في دويرته أو في قبيلته بهذه الطريقة: إنه يقول مثلاً: ((عام الرز- سنة الجليد- سنة الجراد- عام وفاة أو زواج فلان أو زيارة الشيخ فلان)). أما المعمرون منهم فيقولون (عام المحلة)؛ ذلك الجيش المستعمر الذي أُرسل عام ١٨٨١ ضد باي تونس، وعام (الماشينة)؛ حينما وفد أول قطار إلى تبسة. هكذا يصبح تنفيذ الحكم نفسه حدثاً ثقافياً في هذا الإطار. والحديث يستأنف مجراه حول الذكريات والنوادر والملح والأسئلة، في الهواء الطلق ورائحة الفطر تنفتح لها شهيتنا حين تدير زوج مضيفنا في (طاجنها) ذلك النوع من طبق الفخار ينضج عليه الخبز. سي (الجودي) كان يحمل معه فوق الحكم الذي ينفذه، علم الفقه المتعلق بشروط الزواج والطلاق والزكاة والحج، وشيئاً من السنن المؤكدة لأفعال الرسول. فالفلاحون يحبون أن يصححوا مواقفهم أمام ضميرهم وأمام الآخرين، بالرجوع إلى أقوال النبي التي نقلت إليهم بقليل أو كثير من الأمانة عبر المشايخ الذين يزورونهم، وقد حفظها الناس حفظاً يتفاوت في أمانته أيضاً. فحينما يجد هؤلاء الناس فرصة الاغتراف من علم أوثق، فإنهم لا يترددون في الاستفادة منها. وهكذا يطرحون الأسئلة، وسي الجودي كان ضليعاً في هذه المواضيع.

стр. 162

وفي كثير من الأحيان كان عملنا يضطرنا لقضاء الليل خارجاً. وإذن فذلك هو العيد عندي على الرغم من بعض المزعجات العابرة. والمزعجات هذه تأتي من أني لم أكن يوماً فارساً. وإذا ما شاء فريقنا المؤلف مني ومن باش عدل سي (الجودي) وصديقي العدل ومعاون المحكمة، أن يحثوا سير الدواب لنبلغ مضرب الخيام قبل مغيب الشمس فقد كنت أجد نفسي في مأزق. فركوب الدابة يتطلب شيئاً من التعلم حتى في سيرها العادي. وكنت في هذا المضمار بالغ السوء. ومرة بينما كنت أحاول أن أسير بحذاء رفيقي الذي كان يسير الهوينى على دابته، ضربت بركابي جنبي الحصان- وكان في غالب الظن أصيلاً- فظن أني أستحثه للعدو. وحينما عدا بي ضربت جنبيه بركابي بقوة أكبر فأضحى مجنوناً واقترب بي بعدوه من القبر. وحينما توقف- بمعجزة- على حافة واد، بتنا والحصان نرتجف كورقة في مهب الريح. وقبل مغيب الشمس كانت التقاليد تقضي بأن نخطر مضيفنا بقدومنا إليه للمبيت ليلاً. ومغ أجل ذلك كان سي (الجودي) يكلف واحداً منا ليسرع الخطا ويقوم بهذه المهمة، وذلك أمر مزعج حقاً. ولكن كم هو ساحر قدومنا إلى مضرب الخيام ساعة تتوافد قطعان المواشي إلى حظائرها. مضيفنا الذي أُخطِر بقدومنا يبادر بصفة عامة ليرتب أمر طعامنا، ثم يخف لملاقاتنا في ظاهر الدوار وقد فرش أجمل بساط لديه أمام منزله أو أمام كوخه. وكنا نترك الجلوس عليه عادة ليجلس سي الجودي، أما كل واحد منا فكان يتمدد حيث يحلو له المكان. وإذا ما كان الربيع فإن الطبيعة تقدم بساطها الذي ينشر عطره الجميل في الفضاء، فيختلط برائحة خشب الصنوبر الذي يتقد تحت قدور طعامنا. الكلاب تستقبلنا بنباح يهدئ أصحابها منه. إنه نباح يسهم بصورة كاملة في

стр. 163

عادات وتقاليد ريفنا. فالكلاب بلا شك حراس أمن الدوار. لكنها بنباحها تهدي المسافر الذي أدركه الليل يبحث عن مكان يأوي إليه في ليالي الشتاء الباردة. إنها إذن نداء كرم الفلاح الجزائري. القوم في الدوار قد خفوا لاستقبالنا أيضاً، فذلك من أدب التقاليد. وشيخ القوم الذي استضافنا للمبيت عنده يدعو على شرفنا سائر أهل الدوار. الحلقة الكبيرة تلتف حول سي الجودي، وبعد العشاء على ضوء النجوم ينعقد المجلس، كلٌّ يطرح سؤالاً أو يروي قصته. وعندما كانت أعود من تلك الرحلات كانت والدتي تجدني ناضر الوجه. وكان ذلك يمنح صحتي ظماناً، إنما ليس ذلك الضمان الذي كنت أنشده لوضعي القلق، الذي يطرح أمامي ذلك السؤال الرهيب: ما العمل؟ تمبوكتو، أوستراليا عادتا تراودان مخيلتي. واستحوذت الصحراء على نفسي بما لا أستطيع دفعه. وكان ذلك حينما أعلنت بعثة علمية من جامعة الجزائر عن رحلة إلى (الحجارة (١)). لم يكن لدي أي تخصص بعلم ما قبل التاريخ الصحراوي، لكنني تعلقت بأمل غامض وتمنيت لو قبلت في البعثة على الأقل بصفة مترجم للغة العربية. في ذلك العصر كان وصول ( indigène) من الجزائريين الأصليين إلى بعثة علمية يعني الوصول إلى السماء. لابد من سلم كي أرقى إلى تلك الغاية وأي سلم؟ فكرت في (دورنون Dournon) وأرسلت إليه على الأثر رسالة أعرض عليه فيها خدماتي المجانية. وعلى الرغم مما تركت لديه من أثر فقد اتخذ الخطوة الأولى،

стр. 164

لكن الجواب كان سلبياً. فالبعثة استكملت حاجاتها جميعاً سوى سائقين. وهكذا فاتني القطار رغم أنفي. وكان من حسن الطالع أن فورة في الأفكار بدأت تسود تِبِسَّة. ففي ذلك الزمن أنشئ كما أعتقد أول نادٍ في تبسة، وكان ذلك بمبادرة صديقي العدل في المحكمة. وقد اتخذ له مكاناً في قسم من مقهى فرنسي يقع في ساحة القصبة وهو المقهى نفسه الذي يشغله بكامل مساحته. ولقد أنشئ هذا النادي حين اقتضت حاجة ذلك الفريق من العلماء الذي بدأ يتحلق حول الشيخ (العربي التبسي) إلى مكان، يترددون إليه ولا تتعرض هيبتهم للقيل والقال، وما كان مقهى (باهي) يمنح علماءنا ضمانة كافية في هذا السبيل. ويمكن أن نلاحظ منذ تلك الفترة أن عِلْمَنا لم يعد يذهب من تلقاء نفسه ليحمل أنواره حيث ينتشر الجهل. بل كان على الجهل أن يسعى إلى العلم ليغترف منه. وفكرة صديقي عدل المحكمة بإنشاء النادي قد حققت بالتالي تسوية بين جهلنا وعلم العلماء. أما أنا فقد كنت في تلك الفترة آنيّ المقاصد. فقد سررت لأن النادي قد شغل مكاناً خُصِّص من قبل لإله الخمر (باخوس Bacchus). ثم إن هذا النادي بصفته قائماً في ساحة القصبة، التي كانت المجال الخاص بالأوربي، أتاح للجزائري (ابن البلد Indigène) أن يثبت للأوربي أنه يستطيع أن ينشئ لنفسه مكاناً مخصصاً لاجتماعاته، وهذا ما منحني شيئاً من الاعتزاز. لم أكن أعرف ماذا كان موقف الإدارة المحلية، ولكني أعترف أنه لم يكن هذا الأمر ليشغلني، إذ لم تكن أفكاري قد بلغت هذا الحد من الإدراك، وما عرفته فحسب هو أن مدام (دوننسان Denoncin) انتقدت الأمر في جمع من أصدقائها يتحلقون في مخزنها بعد ظهر كل يوم. كان ثمة إحساس غامض استولى على شبان تبسة، إنه الانعتاق من وطأة

стр. 165

التصنيف الاستعماري لسكان البلاد الأصليين، ( Désindigénisation). فثمة تطورات جديرة بالملاحظة تؤرخ لهذا التحول. فقد بدأت حلقات الرقص تشهد فراغاً من حولها، وكانت من قبل تستقطب في العادة الجزائريين ( Indigène) يتزاحمون بالمناكب حول الحلبة التي في داخلها، يرقص كل زوج من الأوربيين والأوربيات. لقد أعطى عملنا ثماره. وأعتقد أن مدام (دوننسان Denoncin) نفسها رأته بأم عينها. إذ حين تقام حلبة الرقص في ساحة (كارنو) لا يرى حول الراقصين غير بعض الأطفال يدفعهم الفضول، وكنا نفرقهم بالتي هي أحسن. وهناك تحول آخر ليس بأقل بروزاً، تم إحرازه على صعيد محاربة الخمر. وكانت الخطة بسيطة فمنذ أن علقنا نداءنا لتأييد الأمير عبد الكريم وشعب الريف، أمكن استخدام باب المسجد لمثل هذه الأهداف. وفي صبيحة العيد الصغير مثلاً قبل طلوع الشمس تعلق قائمة بأولئك المفطرين في رمضان الذين شربوا الخمر، وقد كان ذلك حلاً جذرياً. ولم تعد مدام (دوننسان Denoncin) ترى المشهد التبسي اليومي حين يقتاد العريف (أنطونيني) صاحبه السكران (بنيني) إلى الحبس؛ وحتى (بنيني) نفسه أقلع عن شرب الخمر لفترة من الزمن على الأقل. لقد بدأت الروح الاجتماعية تتجلى في تبسة. وها هو ذا المجتمع الجزائري الجديد قد ولد. فالمجتمع ليس كلمة تقال بل هو حقيقة ذات خصائص محددة، بها يكون المجتمع أو لا يكون. وأدعياء الثقافة الذين أطلقهم الاستعمار في السوق الجزائرية والذين احتكروا بفضله وسائل التعبير قد شوّهوا الأفكار الأكثر بداهة وبساطة. فمع هؤلاء انتقلت البلاد خلال ثلاثين عاماً من الزوايا التي وضعت تحت قيادة (المقدم) والقبيلة الخاضعة لسلطة سيدي الحاكم عبر (القائد)، إلى جمهور

стр. 166

من الناخبين لا اتجاه لهم ولا لون يقودهم الزعيم، وإلى (عمال منظمين) كما يقولون عن أنفسهم؛ أي مجموعة يستغلها حفنة من اللصوص، وإلى جمعية طلاب يوحي إليهم ممثلوهم كيما يهرعوا زرافات إلى محاضرة ما ويقاطعوا أخرى وفق الحسابات الدقيقة لسفارة أجنبية. وهكذا فإذا ما تأملنا جيداً في الأمر، نجد أن الخصائص التي تميز مجتمعاً ما إنما تكمن في شعوره الجماعي وذاتية قراراته. وهاتان الخاصتان كانتا أوضح في الجزائر مما هي عليه اليوم. ففي تبسة منذ عام ١٩٢٥ بدأت الروح الجماعية في البروز في وقائع محددة. فإنشاء النادي كان أكثر تعبيراً في هذا الإطار من عشرة انتخابات يزورها الحاكم أو الزعيم. لم يبق النادي طويلاً في مكانه الذي أنشئ فيه، فالناس قد قرروا تهيئة مقر جديد له وتأسيسه وفرشه لإعطائه استقلاله وطابعه الخاص. وهاهم أولاء السكان منذ ذلك التاريخ يشرعون ببناء مسجد غير خاضع لرقابة الإدارة. وكانت هذه بالضبط خصائص ولادة المجتمع، وليست الكلمات التي أريد صبها في ضمير الشعب، كيما تعميه وتحرفه عن طريق النهضة الحقيقية. ففي تلك الفترة لم تنشغل تبسة بأمور الزعماء وانتخاباتهم، بل بأمور الشعب وتوجيهه نحو بناء المجتمع الجزائري. فالشعب كان يعمل بنفسه على تأسيس نواديه وبناء المساجد والمدارس. صديقي عدل المحكمة كان المحرك لكل مبادرة ذات طابع اجتماعي رأت النور في تبسة. فعيد المولد الذي تلا عودتي من فرنسا، كان هو نفسه مناسبة لإبراز أهميته ومغزاه الجماهيري.

стр. 167

ولما كانت الكهرباء وصلت المدينة فقد عزمنا على جمع تبرعات لإضاءة مئذنة المسجد، وأعطى الشيخ (الصدوق بن خليل) كل ما عنده من فن وبراعة لكتابة أربع لوحات خاصة لهذه المناسبة، علقت كل واحدة منها على جهة من جهات المئذنة. وفي ذلك المساء اعتقدت مدام (دوننسان Denoncin) أن شيئاً ما يتحول بالفعل عند هؤلاء الجزائريين المتخلفين ( Indigène). في النادي اتخذت سائر هذه القرارات، فالأمور يأخذ بعضها برقاب بعض، والعمل يجر آخر سواه، وهكذا أضحى النادي الينبوع الذي تستمد منه الحياة الاجتماعية في المدينة قوتها. ففيه ولدت فكرة المدرسة وفكرة المسجد الجديد. كانت الشهور تمضي ومشكلتي ما تزال تطرح السؤال: ما العمل؟ كتبت رسائل أكثر إلحاحاً إلى النيابة العامة. وكان لإلحاحي أن يحل مشكلتي على المدى الطويل، وهكذا جاءني الجواب أخيراً يعرض علي اختياراً بين ثلاث محاكم بوصفي عدلاً فيها. لم أعد أذكر غير محكمة (أفلو) التي اخترتها. بدا لي مرتب العدل في المحكمتين الأخريين كافياً ليجلب الكثيرين من المزاحمين الجزائريين من السكان الأصليين أمثالي، على الرغم من أنه متواضع في الحقيقة تافه بالنسبة لمرتب أوربي. لقد رغبت أن أصبح عدلاً على الفور. و (أفلو) بدت لي قادرة على أن تقدم هذه الإمكانية بفضل الراتب فيها وهو لا يتجاوز الستين فرنكاً في الشهر. كنت متأكداً بأن وظيفة خالية كهذه لا تثير مزاحمة كبيرة وما تبقى فسوف يُرى. (بوكاميه) عوّدني على نظام للطعام يسمح لي بمواجهة ما يتصور من شظف العيش. ومن ناحية أخرى فقد قيل لي إن (أفلو) في الجنوب الوهراني

стр. 168

غير بعيدة عن (الأغواط). وحينما كنت أقضي أوقات فراغي في السنة الثانية من المدرسة في رسم مسالكي عبر الصحراء كان بعضها يمر بالأغواط. (أفلو) كانت بالنسبة لي مرحلة نحو (تمبوكتو). هذه كانت على وجه التقريب الأسباب التي دفعتني لاختيار هذه الوظيفة المتواضعة، لكن الإدارة من ناحية أخرى لم تكن على عجل من إلحاقي بالعمل، وقد تركتني في رهق الانتظار أشهراً قبل أن تلحقني بهذه الوظيفة الشاغرة. وأخيراً، وذات يوم استدعاني قاضي تِبِسّة ليبلغني تعييني. كدت أطير من الفرح. كان ذلك في شهر آذار (مارس) من عام ١٩٣٧ حين وصلت إلى (أفلو). لم يسبق لي أن زرت منطقة وهران من قبل. وحين فصل بنا المسير إلى (إغيل إيزان) لنبدل القطار إلى (تيارت)، زايلني شعور بالاغتراب إذ بدأت لهجة الناس تتغير. فالناس الذين استقلوا معي مركبة الدرجة الثالثة المتقشفة يقولون (واه) إذا أرادوا أن يقولوا (نعم)، وفي قسنطينة نقول (هيه) أو (نعم) حسب درجة الثقافة، فهذه الـ (واه) بدت لي غريبة كأن فيها شيئاً من اللغة (البربرية)، وغرابتها تشبه غرابة من يقول في فرنسا القرن العاشر ( oe) لرجل يقول ( oll). لكن حسن تصرف الناس الذين استقبلوني في (أفلو) قد أشاع الطمائينة في نفسي والإعجاب أيضاً. والشيء الوحيد الذي بدا لي مستغرباً من العشية الأولى في أفلو هو (الكسكسي) الذي قُدِّم إلينا عند القاضي الذي كنت ضيفه.

стр. 169

فأمام كل مدعو حيث توجد ملعقته التي يغترف بها من الإناء المشترك، وضع طبق فيه الزبد الطازج الممزوج بالعسل. والطبق الذي كان أمامي قد اختُصّ بقدر كبير لأنني كنت بالإجمال ضيف الشرف. في ذلك المساء كان عليَّ أن أبذل كل مهارة تمكنني من ألاّ أتذوق العسل بلساني، لكنني عدت إلى تذوقه وتعودت طعمه، وإني اليوم أحلم بـ (كسكسي) أفلو كما كانوا يعدونه. لكن الذي أسرني أكثر من أي شيء آخر سيماء سيد القوم وقد بدت عليه الأصالة والنبل، كان القاضي شيخاً تلفه مسحة من الجمال؛ وجه مستدير يعتمر بعمامة من (الأغباني) يبين تحتها جبين محدودب شيئاً قليلاً، يبدي نظرات صافية تحت حاجبين غليظين أبيضين. كان رَبْعةً ويداه ممتلئتان كشيخ سليم البنية، أنيق الملبس، في برنصه نوع من النسيج الدقيق الناعم فوق قندورة من الجنس نفسه، تُبدي فتحتها من تحتها (غليلة) سترة و (بديلة) صدرية، زُرِّرت بأزرار صنعت من الخيوط وفق طراز عهد مضى. بقي القاضي خلال المأدبة بعيداً عن ضيوفه. إنه يأكل عندما ينتهون من الإناء نفسه، فهذه سمة الضيافة سرت في دمه عبر الأجيال. في بهو الضيوف حيث نأكل توجد سجادة مبسوطة على الأرض، وهي من تلك البسط الفاخرة في الجزائر ينتجها سكان جبل (عمور)، المنطة ذات الاسم والشهرة معاً. على كرسي بجانب الصالة ثمة مصباح يضاء بالبترول. إنه بسيط غير ذي طراز لكن بساطته تنبئ عن النبل والعراقة. ثمة شعور منذ تلك العشية تملّكني، لقد وجدت في ذلك الجو الجزائر المفقودة، والأيام التي تلت أكّدت في نفسي هذا الشعور، فهأنذا في الجزائر البكر

стр. 170

في زاوية لم يقتحمها الاستعمار بعد، كأنما قد لاذت بها البلاد لتضع في حرزها الأمين كنوزاً من لطف المعشر والكرم والإخلاص وحب الخيل والبراءة. وبينما كنت في عالم أحلامي هذا منذ الليلة الأولى نسيت كلمة (واه) تتردد من حولي واسترسلت في حب هذا العالم. وأعتقد أن هذا العالم قد أحبني بدوره على الرغم من أني كنت حاسر الرأس في سروال (رعاة البقر)، ينتهي عند الساق في حزامين من الجلد، وهو هندام تفرَّدتُ به بين الحاضرين الذين يضعون العمائم ويرتدون (البرانص) و (القندورات). وقد اعتنيت عند مغادرتي تبسة بأن أحمل معي فراشاً وأغطية، لعلمي أنه بستين فرنكاً لا ينبغي أن أفكر بغرفة في فندق. لكن (أفلو) تخلو من فندق، والمسافر الغريب قلما يقضي الليل بها، فهو يتابع سيره إما في اتجاه (الأغواط) أو الاتجاه الآخر نحو (تيارت). وإذا اتفق لرجل من البلاد أن يبيت ليلة في (أفلو) فمنزل أيٍّ من معارفه هو فندقه، سواء أكان قريباً أم صديقاً. ولذا فمنزل الشيخ (بن عزوز) هو بالتأكيد الفندق الأكثر رواجاً. قاعة الضيوف هي قاعة للطعام نهاراً وللنوم ليلاً، فيها يتمدد على السجادة الكبيرة ضيوف اليوم وأولاد العائلة غير المتزوجين. ومنذ ليلتي الأولى في أفلو اتخذت جانباً فارغاً من المحكمة غرفةً لنومي فيها مددت فراشي، وفي يومي الثاني أصبحت بالتتابع ضيف سائر أعضاء المحكمة وبعض وجهاء المركز. وحين انتهت قائمة الدعوات، كان السي (عمر) الابن الأبَرّ بالقاضي يأتي إلى المحكمة ليأخذني ظهراً، أي في تلك الساعة التي أبدأ فيها البحث عن أية وسيلة أتبلغ فيها غذائي في مدينة لا فندق فيها ولا مطعم.

стр. 171

هكذا أصبحت واحداً من أعضاء مائدة الشيخ (بن عزوز)، ذلك الرجل الذي حمل على كاهله بكل اعتزاز تقاليد الضيافة، وقد جعل منها سبب وجوده حقاً. وغدوت من ناحية أخرى الصديق الذي لا يفارق ولده سي (عمر)، وحين يحين وقت الطعام كنا نتوجه إلى منزله كما أتوجه إلى منزلي في تبسة. كانت هذه عظمة، إنما بغير حركات طنانة رنانة، لأنه لا منّة فيها ولا استكثار. فالناس في المدن لا يستطيعون فهم هذه العقلية أو ذلك النبل الذي حفظته الطبيعة في عروق البدوي. كانت (أفلو) بالنسبة لي مدرسة تعلمت فيها أن أدرك فضائل الشعب الجزائري الذي لا يزال بكراً، وكانت هذه فضائله بالتأكليد في سائر أنحاء الجزائر قبل أن يُفسِد منها الاستعمار. على وجه الخصوص كنت أجد نفسي بعض الشيء كأنني في متحف حفظت فيه تلك الفضائل، التي ضاعت في ناحية أخرى بسبب ذلك الاتصال المهين بالحدث الاستعماري، ولم أجد نفسي يوماً أفهم الآية الكريمة كما فهمتها ذلك اليوم ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل ٢٧/ ٣٣]. لست أدري إذا كنت قد فهمتها بهذا الوضوح تلك اللحظة. لكن الذي استولى على ذهني فوراً مع شيء من القلق، ذلك الخطر الذي يتهدد ما اؤتمنت عليه (أفلو) من فضائل دون أن يدرك السكان أنهم الأمناء عليها. وبقدر ما كانت تزيدني إقامتي بين هؤلاء القوم معرفة بعاداتهم وتقاليدهم كان قلقي يتضاعف. وما دامت المنطقة حبتها الطبيعة البراري الخضراء الرائعة والمراعي الغزيرة، فإنها لن تكون قادرة بسبب الفقر على صدّ مطامع المستعمرين فيها.

стр. 172

وإذا ما وصل إليها الاستعمار، فتلك هي النهاية. المتحف سوف يفرغ من محتواه الذي أودعته فيه القرون كما حدث في النواحي الأخرى في الجزائر. هذه الفكرة زادت من قلقي. وتملكتني الغيرة والشكوك كما يغار المرء على زوج جميلة. كنت أخاف من أولئك المسافرين الذين يمرون لبعض أعمالهم بـ (أفلو). كان كل وجه جديد يزعجني وأتساءل لماذا جاء إلى هنا؟ وما كانت كل جولة بين القبائل إلا لتؤكد في نفسي هذه الحالة من القلق. ففي قسنطينة وتِبسَّة وأخيراً في فرنسا اكتسبت معرفة عملية بخطر الاستعمار، ولذا فقد كان لي أن أتوقع مفاسده بين أولئك الناس الذين يعيشون العصر الذهبي الذي عرفته جدتي الحاجة (بايا)، تسودهم البراءة في عاداتهم وقيمهم الأخلاقية وشروط حياتهم الاقتصادية. والقوم في (أفلو) لم يكونوا في الوقت الذي وصلتُ فيه إليهم قد بلغوا المرحلة الزراعية. لقد كانوا ما يزالون رعاة، يمارسون تربية المواشي على نطاق ضيق أو واسع بدرجة غير معروفة في المناطق الأخرى. وأضرب مثلاً رجلاً يدعى (أبّا Abba) يمتلك حوالي ثلاثين ألف رأس من الغنم، أما نصيبه من الإبل فكان لا يقل عن الألف وله عدد مماثل من الخيول والبقر. في مثل هذه الشروط ليست الخيمة في قليل أو كثير دلالة بؤس يعمد إليها من لا قطيع له ولا كوخ، ويصنعها من أي قماش تصل إليه يده أو أي خرقة. إنها ضرورة يفرضها حَلّ الراعي وترحاله مع قطعانه، وهي لذلك ذات نسيج وحجم يتفق والثروة الحيوانية التي لصاحبها. خيم منطقة (أفلو) تستطيع استقبال فارس على صهوة جواده، وهي تستضيف تحت قبتها الهرمية العشرات من المدعوين. وهؤلاء لا يُستَقبلون في

стр. 173

خيمة العائلة، إنما في خيمة الضيوف التي تبعد قليلاً عن مضربها، وهي مفتوحة لا يستأذن في الدخول إليها مسافر، إنما يكفي أن يربط دابته بجانبها ثم يأكل فيها وتعلف دابته طيلة إقامته. ويمكن لمن يعيش في تلك المنطقة وتكون لديه فكرة عن ذلك الذي يجري في المناطق الأخرى، التي تلقت صدمة الواقع الاستعماري في الإطار الاقتصادي، يمكن له أن يدرك التحولات النفسية التي تميز الرجل الذي يعيش على الحيوان والآخر الذي يعيش على محراثه. فقصة قابيل وهابيل تتكرر في كل مرة يتعايش معها في مجتمع ما، الواقع الرعوي والواقع الزراعي كما كان الأمر في الجزائر عام ١٩٢٧. فملكية الإنسان لأرض ما تخلق في نفسه غرائز اجتماعية قد سلم منها الراعي. لقد بدأت أدرك ذلك إدراكاً فيه بعض الغموض. ففي دعوى أمام القضاء في تبسة، يستطيع كل فريق أن يقدم عشرة شهود زور بالمجان لمجرد روح التعصب لفريق، وشهود كل من الطرفين سيحلفان إنهما يقولان الحقيقة. أما في (أفلو) حينما كنت ترجماناً لمحكمتها فقد لاحظت الرجل يرفض غالباً أن يحلف، ولو كان ذلك لدعم حقه الواضح. ومن ناحية أخرى فقد مكثت عاماً في (أفلو) دوك أن تحدث جريمة. وثمة نادرة كانت الأكثر تأثيراً في نفسي، تلك قصة راعٍ أودع قطيعه المؤلف من خمس مئة أو ست مئة جمل إلى من يرعاه. ثم افتقد الراعي ذلك المؤتَمَن ولم يعد يراه ويئس من رؤيته ثانية. وبعد مضي عامين يرى فجأة قطيعه في مضرب الخيام وقد بلغ ضعفين: ذلك أن الذي أخذ القطيع ليرعاه تاه في الصحراء بحثاً عن المرعى والكلأ. وقاده

стр. 174

ذلك إلى حدود السودان. ومدة الذهاب والعودة التي حكمتها مسيرة القطيع بما يحفظ عليه صحته وإنتاجه، قد استغرقت عامين، وخلال ذلك فإن الراعي الأمين لم يأخذ من هذا القطيع غير ما جادت به أثداء النوق من لبن لغذائه. والرعاة في (أفلو) لهم أيضاً ظواهر غريبة. إنهم يمضون الليل وقوفاً وسط القطيع. وتحسب أن الراعي لا ينام، لكنه وهو متكئ على عصاه ينام واقفاً. ومع ذلك فأقل حركة في محيط القطيع تنتقل إلى ساقيه انتقال الموج وتجعله يفتح عينيه. ذلك أنه من أجل اتقاء هجمات ابن آوى في الليل فأجيال الرعيان في (أفلو) تعلمت النوم هكذا وقوفاً. لكن السمة الأبرز في أولئك القوم من الرعيان هي بلا جدال كرمهم. فالفلاح يعمل ويزرع ليخزن محصوله بعد ذلك، إنما الراعي يعمل وينام واقفاً وسط قطيعه كيما يستقبل بكل ترحاب ضيوفه. وكثيراً ما أضحت روح الضيافة عند بعضهم حالة مَرَضية. وحين يكون أعضاء المحكمة في رفقة القاضي في جولة خارج (أفلو)، فالموكب بسائر أعضائه مجتاز البراري الخضراء والسهول المغطاة بالحلفاء: نتغدى في مكان، وفي مكان آخر يكون العشاء والنوم. وفي كل مكان نحطّ رحالنا فيه يكون طعامنا الحمل المشويّ، يُشوى بكامله على نار الحلفاء سواء كنا ضيوف الغداء أم ضيوف العشاء. والفرصة سانحة حينئذ وخصوصاً في المساء لتعقد حلقة الساهرين تحت خيمة مضيفنا وجيه القوم. فحين يفرغ الرعاة من طعامهم ذلك المساء وقد شاركونا أكل اللحم المشوي والكسكوسي، فإنهم ينسحبون بلباقة السادة ليأخذوا مواقعهم وسط قطعانهم، ويبقى الشيوخ والشباب يسامروننا وهم يقصون علينا النوادر.

стр. 175

كان كل منهم قاص جيد. وربما يتكلم العربية دون التزام بقواعد اللغة، لكنها الأصفى بلا ريب في سائر أنحاء الجزائر. هكذا أصبحت الرحلات التي تقوم بها المحكمة بمثابة العيد عندي. وفي رحلة من تلك الرحلات كان ثمة ما هزني كما لم يهزني من قبل. فلكي يتفادى موكبنا أحد المضارب فقد أمر القاضي أن يتخذ طريقاً متعرجاً. لم أفهم السبب، وفجأة أبصرنا فارساً من ذلك المضرب يعدو بسرعة ليلحق بنا. سلّم علينا وهو يتوجه نحو القاضي قائلاً: - ياه! شيخ (بن عزوز)، مضربنا إذن مقبرة حتى ابتعدت عنه! كان الرجل في الأربعين من العمر، عليه سيماء النبل وهو فوق جواده يمتطيه بغير سرج، لم نر في صورته السخط أو الغيظ، إنما كانت نبراته تنبئ عن شيء من العتاب. ورأيت الشيخ القاضي يجيبه محرَجاً: - لا بل نحن في عجلة من أمرنا وقد تفادينا مضربك لا لأننا لا نرغب في زيارتك، ولكن لعلمنا بأنك ستمسك بنا. أجاب الرجل بلهجة حازمة: ((أرجوكم أن ترجعوا لتمضوا الليل تحت خيمتي)). أذعن الشيخ وتبعناه. وفي الطريق سألت معاون المحكمة الحاج (محداً) عن مغزى ما حدث وقد كان عندي المرجع في شؤون المنطقة ورجالها. قال لي: ((هذا الرجل كان يملك ما يقرب من خمسة آلاف رأس من الغنم. ولكن منذ عامين أصابتها آفة قضت على معظم القطيع، ولذا فقد أراد القاضي أن يتفادى خيمته حتى لا يسبب له نفقات إضافية)). استقبلنا الرجل بكرم الأمراء في خيمة تشهد بسابق غنى صاحبها. كلّ منا

стр. 176

أدلى في الحديث دلوه. ولأنني لا أرغب في أن أقضي العمر في المحاكم فقد عاد بي إلى الذاكرة مشروع السفر إلى أوستراليا. وهكذا تحدثت عن مشاريعي الخيالية هذه، ثم قضينا السهرة في الأقاصيص والنوادر. في الصباح وكما جرت العادة في هذه الرحلات، يبدأ الشيخ بسرج حصانه استعداداً للرحيل. تدخل مضيفنا قائلاً: ((أقسم بالله لن تذهبوا قبل أن تتناولوا طعام الغداء عندي)). لم نبدِ أية معارضة أو احتجاج. وكانت شمس الصباح ساطعة في بقعة كثيرة الوهاد، فتاقت نفسي للتجول حول الخيمة والخروج إلى تلك البراري التي لم يطأها الاستعمار بعد، وما تزال بكراً لم يُقَلّبا المحراث تربتها. ومن إمارة الحفاوة أن يصحب المضيف ضيفه في تجواله، ذلك أسلوب الضيافة في ريفنا. ولذا فقد خرج مضيفنا معي، تجولنا معاً بين أكوام الخلفاء نتجاذب أطراف الحديث. وفجأة قال لي مضيفنا: - أتصحبني معك حينما ستذهب إلى أوستراليا؟ إنه يبحث هو الآخر عن أفق بعيد، وها هو ذا قد آمن بأوهامي. وأردف الحاج محمد موضحاً أنه لم يبق لديه غير عشرة خرفان وقد نحر اثنين منهما من أجلنا. لقد فهمت إذن مأساته. ومأساة هذا المجتمع البريء الذي لا يعرف كيف يقابل الشر بالشر. إلا أنه لا ريب ثمة آفة اجتماعية في (أفلو)؛ إنها البغاء الذي يقبله المجتمع بوصفه جزءاً لا يتجزأ من فولكلوره. إنه مقبول قبولاً تستطيع معه واحدة من

стр. 177

(القوّادات) أن ترسل براداً من الشاي، تقدمه لأعضاء المحكمة ويضعه صاحب المقهى أمام الشيخ (بن عزوز) بالذات. كان ثمة فتيات من جبال (عمور) عيونهن لوزية، يأتين لا ريب من القبائل إلى سوق المركز يثرن بجمالهن العموري اضطراب الفتيان. لكن فسادهن يبقى في حدود المناسبات. إنه عَرَضي لم يولد تلك النتائج الاجتماعية التي نجدها في المدن، كالجزائر، حيث البغاء ينظَّم تجارة ولّدت محيطاً خاصاً بتجارة الرقيق الأبيض. ففي (أفلو) تقف الانحرافات عند هذا الحد: بنت تخلى عنها زوج طائش، أو كانت دون عائلة أو انجرفت بمثل سيئ أودى بها. لكن هذا التردي يظل في حدوده الأخلاقية والاجتماعية، فقد بقي لهذه البنت أصالة من شرف تستطيع أن تعود بها إلي الطريق السليم، ومغامرتها لم تولّد تلك الأوبئة المخيفة التي يفرزها البغاء المنظم في أماكن أخرى، حيث أضحى تجارة وسوقاً وبضاعة مهربة وصناعة. فالناس في الأعماق طاهرون ما تزال تسودهم البراءة، ولم يعرفوا بعد الرذيلة المتأصلة. ثم إن الضجة التي بدأت تحرك الأفكار في قسنطينة لم تكن قد امتدت بعد إلى منطقة وهران، فهناك لا تسمع أحداً يتكلم لا عن الإصلاح ولا عن الأسطوانات المصرية. ولم يكن الشيخ (الإبراهيمي) قد وصل بعد إلى تلمسان. وأظن أني أنا الذي أدخلت العدد الأول من مجلة (الشهاب) إلى (أفلو) وكانت أقرؤها مع السيد عمر ابن القاضي، الذي لم يكن يقبل محتواها كله. كان الناس ما يزالون خاضعين للروح (المرابطية)، ولذا فهم يقيمون الاستقبالات الحاشدة لممثليها حينما يأتون كل عام ليأخذوا حصتهم السنوية.

стр. 178

فالمرابطون يجمعون هكذا زكاة سائر المنطقة التي هي كثيرة الغنى والكرم معاً. ومن الطبيعي أن استغلال سذاجة الناس ما تفسح المجال أمام حيل تضحك اليوم الطفل، لكنها في ذلك العصر تركت أثراً بعيداً في بساطة أولئك القوم. هكذا كان الناس يشهدون كل عام موكب (القادرية) المهيب يأتي إلى (أفلو). راية ترفرف، وعلى رأسها ابن شيخ الطريقة (المقدّم) يلبس الثياب الخضراء من رأسه إلى قدميه، إنها ثياب أهل الجنة، وهو ذو ذكاء شيطاني يعرف كيف يبتزّ من السذاجة العامة للناس كل ما يريد. لقد كان يملك في تلك الفترة في (وادي سوف) بستاناً للنخيل، مؤلفاً من حوالي ألف نخلة، وهو من هبات أولئك الذين يريدون أن يدخلوا الجنة في موكبه. وهنالك مرابطي آخر يأتي من (الأغواط) حيث اختارها مقاماً. إنه يمثل الطريقة الرحمانية طريقة قاضينا الوقور، إنه مشعوذ أمكر. وهو يعرف كيف يستولي على مخيلة مريديه بأساليب جد بسيطة. كان يحمل في حقيبةٍ ملابس ضابط في الجيش الفرنسي. وحينما يتسنى له أن ينفرد بنفسه ولو لبضعة دقائق فإنه يرتدي ذلك الزي الذي هو شعار السلطة والقدرة في عيون أتباعه. وحينما يراه القوم بعيون الأطفال الذين يرون الحياة عبر رموزها، فإنهم يعطونه سلطة أكبر مما يعْنِيه سمت ضابط فرنسي. ويقال إنه يستطيع وهو جالس في (الأغواط) في غرفته ومن حلقته بين مريديه، أن يرى قافلة تأتي من بعيد إلى المدينة فيرسل إليها من يستقبلها. وطبيعي أنه إذا ما كان ثمة منظار شبيه بذلك الذي تستخدمه الغواصات،

стр. 179

قد رُكّز عل شرفة أحسن إعدادها فإن المعجزة ممكنة الحدوث. ولكن علينا أن نفهم أثر معجزة كهذه في خيال قوم سذج. وفي تبسة كان الشيخ المرابطي فى تلك الفترة يجلس في المقاهي يشرب خمرة اليانسون ( Anisétte)؛ ويسقي مريديه تواطؤاً مع صاحب المقهى شراب اللوز. أعني ذلك الشراب ذا اللون الحليبي نفسه الذي يتخذه خمر اليانسون إذا ما أضيف إليه الماء. وكان المعلّق يقول: ((ألا ترى أن خمرة اليانسون تصبح في حلق سيدنا الشيخ شراباً؟)). ومن أجل أن تدخل الإدارة في رأس مستعمَريها (أبناء البلاد) تلك الجرعات من السذاجة الضرورية لمصالحها الخاصة، كانت في تلك الفترة وخصوصاً في وهران، تعمد إلى حرق أكوام قمح أوربي مستعِمر رفض أن يعير أدواته ليحصد بها قمح (سيدي المرابط الفلاني). وكان المعلق يقول: - ((أترى أية كرامة لسيدي فلان؟ فالمستعمِر الذي رفض أن يعيره أدواته قد احترق موسمه)). وأنا نفسي كدت أن أعامل بوصفي شيخاً مرابطياً في منطقة (أفلو). ففي يوم أثناء جولتنا جاء رجل من أبناء البلاد ( Indigène) ليقبل ركبتي. ربما كان ذلك بسبب هندامي الفريد الذي ميزني بسلطة ما في عينيه. كان ذلك كله يتسرب إلى عميق نفسي فيتخذ له فيها شعوراً وفكرة. لقد خفت أن يأتي المستعمر إلى هنا فيفسد تلك العجينة الإنسانية الطيبة التي احتوت بعض السذاجة وعظيماً من الفضائل.

стр. 180

وما كنت لأستطيع إصدار قانون يحرم جبل (عمور) على المستعمر، كما يمنع دخول متحف وضعت فيه أشياء ثمينة في منتصف الليل مثلاً. ولما كانت خبرتي السياسية والاجتماعية قد تكونت شيئاً ما، فقد عزمت على أن أبذر الخوف في كل مكان أمر فيه خلال جولات المحكمة. كنت أشرح نظريتي للمضيف الذي يستقبلنا. وكانت تلك النظرية بسيطة: ينبغي أن تفلح أكبر قدر من المساحة حتى تنشئ حقك على الأرض، تلك الأرض التي لا تملك فيها سوى ما تنْبته الطبيعة من العشب اللازم لقطعانك. قلت للمضيف: ((لابد إذن أن تنشئ حقك الاجتماعي في الأرض. ذلك الحق الذي يخولك أن تكون المالك الشخصي لها، وأن تكون لك الإرث الذي ينتقل إلى أبنائك)). كان المضيف دهشاً عموماً من سماعه لحديث مثل هذا حول طبيعة حقه في أرض لم يجادل فيه أحد أجداده عبر الأجيال. هكذا تعمقت بنظريتي أكثر فأكثر. ثم أستمر قائلاً: ((وإلا فالمستعمر سيأتي ليحتل الأرض التي عليها خيمتك، وحينئذ أنت مضطر للرحيل من هنا لأنك في نظر القانون الفرنسي لست مالكاً للأرض)). لا أعرف ما إذا كانت أطروحتي هذه تجد أساسها في القانون المدني. ولكن الذي كان يهمني إنما هو أثرها في مستمعي، وكنت ألحظ بسرور أمارات الرعب على وجهه. هكذا كنت في الذهاب أغرس ذلك القلق فأرى نتائجه في الإياب عبر الرحلة الواحدة للمحكمة.
следующие страницы →