أدلى في الحديث دلوه. ولأنني لا أرغب في أن أقضي العمر في المحاكم فقد عاد بي إلى الذاكرة مشروع السفر إلى أوستراليا. وهكذا تحدثت عن مشاريعي الخيالية هذه، ثم قضينا السهرة في الأقاصيص والنوادر.
في الصباح وكما جرت العادة في هذه الرحلات، يبدأ الشيخ بسرج حصانه استعداداً للرحيل.
تدخل مضيفنا قائلاً: ((أقسم بالله لن تذهبوا قبل أن تتناولوا طعام الغداء عندي)).
لم نبدِ أية معارضة أو احتجاج. وكانت شمس الصباح ساطعة في بقعة كثيرة الوهاد، فتاقت نفسي للتجول حول الخيمة والخروج إلى تلك البراري التي لم يطأها الاستعمار بعد، وما تزال بكراً لم يُقَلّبا المحراث تربتها.
ومن إمارة الحفاوة أن يصحب المضيف ضيفه في تجواله، ذلك أسلوب الضيافة في ريفنا. ولذا فقد خرج مضيفنا معي، تجولنا معاً بين أكوام الخلفاء نتجاذب أطراف الحديث. وفجأة قال لي مضيفنا:
- أتصحبني معك حينما ستذهب إلى أوستراليا؟
إنه يبحث هو الآخر عن أفق بعيد، وها هو ذا قد آمن بأوهامي. وأردف الحاج محمد موضحاً أنه لم يبق لديه غير عشرة خرفان وقد نحر اثنين منهما من أجلنا.
لقد فهمت إذن مأساته. ومأساة هذا المجتمع البريء الذي لا يعرف كيف يقابل الشر بالشر.
إلا أنه لا ريب ثمة آفة اجتماعية في (أفلو)؛ إنها البغاء الذي يقبله المجتمع بوصفه جزءاً لا يتجزأ من فولكلوره. إنه مقبول قبولاً تستطيع معه واحدة من
стр. 177
(القوّادات) أن ترسل براداً من الشاي، تقدمه لأعضاء المحكمة ويضعه صاحب المقهى أمام الشيخ (بن عزوز) بالذات.
كان ثمة فتيات من جبال (عمور) عيونهن لوزية، يأتين لا ريب من القبائل إلى سوق المركز يثرن بجمالهن العموري اضطراب الفتيان.
لكن فسادهن يبقى في حدود المناسبات. إنه عَرَضي لم يولد تلك النتائج الاجتماعية التي نجدها في المدن، كالجزائر، حيث البغاء ينظَّم تجارة ولّدت محيطاً خاصاً بتجارة الرقيق الأبيض.
ففي (أفلو) تقف الانحرافات عند هذا الحد: بنت تخلى عنها زوج طائش، أو كانت دون عائلة أو انجرفت بمثل سيئ أودى بها.
لكن هذا التردي يظل في حدوده الأخلاقية والاجتماعية، فقد بقي لهذه البنت أصالة من شرف تستطيع أن تعود بها إلي الطريق السليم، ومغامرتها لم تولّد تلك الأوبئة المخيفة التي يفرزها البغاء المنظم في أماكن أخرى، حيث أضحى تجارة وسوقاً وبضاعة مهربة وصناعة.
فالناس في الأعماق طاهرون ما تزال تسودهم البراءة، ولم يعرفوا بعد الرذيلة المتأصلة. ثم إن الضجة التي بدأت تحرك الأفكار في قسنطينة لم تكن قد امتدت بعد إلى منطقة وهران، فهناك لا تسمع أحداً يتكلم لا عن الإصلاح ولا عن الأسطوانات المصرية.
ولم يكن الشيخ (الإبراهيمي) قد وصل بعد إلى تلمسان. وأظن أني أنا الذي أدخلت العدد الأول من مجلة (الشهاب) إلى (أفلو) وكانت أقرؤها مع السيد عمر ابن القاضي، الذي لم يكن يقبل محتواها كله.
كان الناس ما يزالون خاضعين للروح (المرابطية)، ولذا فهم يقيمون الاستقبالات الحاشدة لممثليها حينما يأتون كل عام ليأخذوا حصتهم السنوية.
стр. 178
فالمرابطون يجمعون هكذا زكاة سائر المنطقة التي هي كثيرة الغنى والكرم معاً.
ومن الطبيعي أن استغلال سذاجة الناس ما تفسح المجال أمام حيل تضحك اليوم الطفل، لكنها في ذلك العصر تركت أثراً بعيداً في بساطة أولئك القوم.
هكذا كان الناس يشهدون كل عام موكب (القادرية) المهيب يأتي إلى (أفلو). راية ترفرف، وعلى رأسها ابن شيخ الطريقة (المقدّم) يلبس الثياب الخضراء من رأسه إلى قدميه، إنها ثياب أهل الجنة، وهو ذو ذكاء شيطاني يعرف كيف يبتزّ من السذاجة العامة للناس كل ما يريد.
لقد كان يملك في تلك الفترة في (وادي سوف) بستاناً للنخيل، مؤلفاً من حوالي ألف نخلة، وهو من هبات أولئك الذين يريدون أن يدخلوا الجنة في موكبه.
وهنالك مرابطي آخر يأتي من (الأغواط) حيث اختارها مقاماً. إنه يمثل الطريقة الرحمانية طريقة قاضينا الوقور، إنه مشعوذ أمكر. وهو يعرف كيف يستولي على مخيلة مريديه بأساليب جد بسيطة.
كان يحمل في حقيبةٍ ملابس ضابط في الجيش الفرنسي. وحينما يتسنى له أن ينفرد بنفسه ولو لبضعة دقائق فإنه يرتدي ذلك الزي الذي هو شعار السلطة والقدرة في عيون أتباعه. وحينما يراه القوم بعيون الأطفال الذين يرون الحياة عبر رموزها، فإنهم يعطونه سلطة أكبر مما يعْنِيه سمت ضابط فرنسي.
ويقال إنه يستطيع وهو جالس في (الأغواط) في غرفته ومن حلقته بين مريديه، أن يرى قافلة تأتي من بعيد إلى المدينة فيرسل إليها من يستقبلها.
وطبيعي أنه إذا ما كان ثمة منظار شبيه بذلك الذي تستخدمه الغواصات،
стр. 179
قد رُكّز عل شرفة أحسن إعدادها فإن المعجزة ممكنة الحدوث. ولكن علينا أن نفهم أثر معجزة كهذه في خيال قوم سذج.
وفي تبسة كان الشيخ المرابطي فى تلك الفترة يجلس في المقاهي يشرب خمرة اليانسون ( Anisétte)؛ ويسقي مريديه تواطؤاً مع صاحب المقهى شراب اللوز. أعني ذلك الشراب ذا اللون الحليبي نفسه الذي يتخذه خمر اليانسون إذا ما أضيف إليه الماء.
وكان المعلّق يقول: ((ألا ترى أن خمرة اليانسون تصبح في حلق سيدنا الشيخ شراباً؟)).
ومن أجل أن تدخل الإدارة في رأس مستعمَريها (أبناء البلاد) تلك الجرعات من السذاجة الضرورية لمصالحها الخاصة، كانت في تلك الفترة وخصوصاً في وهران، تعمد إلى حرق أكوام قمح أوربي مستعِمر رفض أن يعير أدواته ليحصد بها قمح (سيدي المرابط الفلاني).
وكان المعلق يقول:
- ((أترى أية كرامة لسيدي فلان؟ فالمستعمِر الذي رفض أن يعيره أدواته قد احترق موسمه)).
وأنا نفسي كدت أن أعامل بوصفي شيخاً مرابطياً في منطقة (أفلو). ففي يوم أثناء جولتنا جاء رجل من أبناء البلاد ( Indigène) ليقبل ركبتي. ربما كان ذلك بسبب هندامي الفريد الذي ميزني بسلطة ما في عينيه.
كان ذلك كله يتسرب إلى عميق نفسي فيتخذ له فيها شعوراً وفكرة.
لقد خفت أن يأتي المستعمر إلى هنا فيفسد تلك العجينة الإنسانية الطيبة التي احتوت بعض السذاجة وعظيماً من الفضائل.
стр. 180
وما كنت لأستطيع إصدار قانون يحرم جبل (عمور) على المستعمر، كما يمنع دخول متحف وضعت فيه أشياء ثمينة في منتصف الليل مثلاً.
ولما كانت خبرتي السياسية والاجتماعية قد تكونت شيئاً ما، فقد عزمت على أن أبذر الخوف في كل مكان أمر فيه خلال جولات المحكمة.
كنت أشرح نظريتي للمضيف الذي يستقبلنا. وكانت تلك النظرية بسيطة:
ينبغي أن تفلح أكبر قدر من المساحة حتى تنشئ حقك على الأرض، تلك الأرض التي لا تملك فيها سوى ما تنْبته الطبيعة من العشب اللازم لقطعانك.
قلت للمضيف: ((لابد إذن أن تنشئ حقك الاجتماعي في الأرض. ذلك الحق الذي يخولك أن تكون المالك الشخصي لها، وأن تكون لك الإرث الذي ينتقل إلى أبنائك)).
كان المضيف دهشاً عموماً من سماعه لحديث مثل هذا حول طبيعة حقه في أرض لم يجادل فيه أحد أجداده عبر الأجيال. هكذا تعمقت بنظريتي أكثر فأكثر. ثم أستمر قائلاً:
((وإلا فالمستعمر سيأتي ليحتل الأرض التي عليها خيمتك، وحينئذ أنت مضطر للرحيل من هنا لأنك في نظر القانون الفرنسي لست مالكاً للأرض)).
لا أعرف ما إذا كانت أطروحتي هذه تجد أساسها في القانون المدني. ولكن الذي كان يهمني إنما هو أثرها في مستمعي، وكنت ألحظ بسرور أمارات الرعب على وجهه.
هكذا كنت في الذهاب أغرس ذلك القلق فأرى نتائجه في الإياب عبر الرحلة الواحدة للمحكمة.
стр. 181
في الذهاب كنت أشرح نظريتي، وفي الإياب خلال أربعة أو خمسة أيام كنت أجد مضيفنا منهمكاً في الحرث.
لقد عاودني الحنين على الرغم من ذلك كله إلى تبسة. واستبدت بي حاجة إلى رؤية الأهل، وخصوصاً أمي.
ثم رأيتني أحن إلى الأسطوانة المصرية وباهي وأقاصيصه.
...
ربما كنا في شهر آذار (مارس) من عام ١٩٢٨.
توقفت في قسنطينة قبل أن آخذ عربة تِبِسّة. لقد أردت أن ألتقي الشيخ بن باديس خاصة. فمجلة (الشهاب) قد جدَّدَتْ في نفسي خلال إقامتي في (أفلو) الأفكار التي كنت أروجها في مقهى بن يمينة والمدرسة.
مررت أولاً بمقهى بن يمينة، وكان يحتفظ بنشاطه الذي عهدته فيه. استقبلوني استقبال الأخ الاكبر. و (الأخوان مشاي) من قالما احتفلا بي كمن يحتفل بمرشده. فحين كنت مدرسياً كنا نقرأ وننقد سوية نصوصاً فرنسية وعربية.
وحينما مر الشيخ بن باديس في طريقه إلى مكتبه تبعته. كان معه بضعة أشخاص، ولربما كان يرى لأول مرة هذا الفتى ذا النظارتين والسروال والحزامين عند ساقه والرأس الحاسر؛ لذا لم يدعُني للجلوس. وتحدثت إليه واقفاً عن أشياء عديدة، وأذكر أني حدثته خاصة عن مشكلة الأرض في جبل عمور. وكان بادياً أن الشيخ لم يُعِر ذلك أي اهتمام، كان متملصاً ومهذباً معاً.
خرجت من عنده وفي نفسي شيء من خيبة الأمل. فَعَجِلْتُ إلى رؤية (باهي) في تبسة والاستماع إلى أسطواناته وقصصه.
وجدت تبسة تغلي بحمى الإصلاح. لقد بُني المسجد الجديد والمدرسة. وقد جُمعت التبرعات من الناس من أجل البناء.
стр. 182
وامرأة عجوز من الزاوية تبرعت بديك معتذرة بأن ذلك هو كل ما لديها. كُلٌّ قد أسهم بحسب قدرته. وكان هنالك من أسهم لكي يراهن على المستقبل. فالمستقبل حتى تلك اللحظة كان في اتجاه إرادة الشعب. فكان للمرء أن يصبح مكافحاً في سبيل الإصلاح لخدمة هذا الشعب أو لاستغلاله.
حتى (المقدم) الشريف الوقور مقدم الطريقة القادرية في تبسة، أقفل زاوية تبسة بمحض إرادته ووضع المفتاح تحت الباب ليصبح معلماً بسيطاً للقرآن في المدرسة.
و (باهي) لم يعد يستطيع أن يقذف (البندير (١)) في الفضاء بطريقة بهلوانية، وقد تعود أن يضرب عليه ضرباً يهدئ به الغضب الذي كان يحدث له مثيله وهو يضرب على الطبل قبل تسريحه من الجيش.
فهذا القَنَّاص العجوز أضحى إصلاحياً ومقهاه غدا مركزاً للدعاية الإصلاحية. الحديث حول الأفكار الجديدة بلغ مداه حتى في العائلات. فأمي أضحت ذات نزعة إصلاحية وأبي أيضاً، وجدتي الحاجة (زليخة) كانت تستمع إلى المناقشات ثم تتجه إلى التسبيح بسُبحتها. وصهري زوج أختي الكبرى بقي جامداً على حالاته المرابطية. وهذا ما أورث البرود بيني وبينه، بينما لم يكن لزوج أختي الصغرى مشاركة في هذه الأمور.
في المدينة أضحى النادي القلب الذي تنظم نبضاته جريان الأفكار وانتشارها. فالتبسيون كانوا يجتمعون فيه في الظروف التي تهم الناس جميعاً. وكان رجال القبائل اليحياوية والليموشية يترددون عليه أيضاً حين يؤمون سوق المدينة، وكانوا يحملون معهم الأفكار التي ينشرونها، ليبذروها في الدواوير خلال السهرات تحت الخيمة كما تنقل أسراب النحل رحيق الأزهار حين تمتصها.
стр. 183
وفي هذه السنة ظهر في تبسة المسرح الجزائري لأول مرة، حين أمَّت المدينة فرقة (المزهر البوني) التي أسسها في عنابة سي (الجندي) وكان يعمل وكيلاً قضائياً.
كان مرور هذه الفرقة في المدينة حدثاً ثقافياً كما نقول نحن اليوم، لكنه حدث سياسي كذلك. ذلك أن سي (الجندي) كان يفكر في كل شيء عدا التمثيل؛ لكنه كان بإمكان هذا المسرح أن يساعد على إحياء اللغة العربية وأمجاد الماضي. وقد خلفت هذه الزيارة في رؤوس شباب المدينة فكرة تأسيس فرقة مسرحية تبسية.
كانت السيدة (دوننسان Denoncin) ترى جيداً التحولات في وسط سكان البلاد ( Indigène)، لكنها لم تكن تدرك مغزاها. والإدارة ذاتها لم تكن أكثر إدراكاً منها لحقيقة ما يجري. إذ كانت في مراقبتها للأمور ترى أنها تترك مستعمريها سكان البلاد لأعمالهم الصبيانية هذه.
لكنه في تلك الفترات بالذات وصل أول فيلم مصري إلى قسنطينة، إنه فيلم (الوردة البيضاء) وكان هذا حقاً إنتاجاً صبيانياً.
لقد أضاع (جورج أبيض) جهوده في مشاهد صبيانية، والمنتج المصري أنفق أمواله وهو لا يدري أن مخرجه الإيطالي قد هزّأ موضوع الفيلم بشطحة ساخرة من آلة تصويره.
وعلى الرغم من ذلك كله فإن جميع شباب المنطقة قد هبُّوا إلى قسنطينة لمشاهدة الفيلم، وكنت أنا بالطبع من بين أبناء تبسة الذين لم تفتهم هذه الفرصة.
لكن النظام الاستعماري استمر في توسيع سلطانه على الأرض والناس معاً.
ومنذ الحرائق الكبرى للغابات المحيطة بتبسة بدأ الريف يأخذ شيئاً فشيئاً
стр. 184
مظهر الصحراء. وسيارات (السيتروين والرينو) امتصت ميزانية الناس الهزيلة بالمحروقات. وهي تشق أرجاء هذا الريف بطرقاتها.
لقد وضعت هذه السيارات حداً لتلك الصيغ من صلات المودَّة التي نشأت بين الدوار والمدينة: إذ كان رجل الخيمة من أبناء الريف مضطراً أيام السوق أن يقضي الليل تحت سقف ابن المدينة، وكان هذا الأخير في الفصل الجميل يحب أن يقضي بضعة أيام تحت خيمة صديقه من أبناء الريف.
فالمواصلات السريعة كان لها الأثر الذي عمّ العالم كله: لقد ضاعفت من الاتصالات لكنها جعلتها سطحية. وهكذا فإن رسائل (مدام دو سافيني Madame de Savigné)، وصلات الأسفار التي حققها ابن بطوطة والمسعودي لم تعد ممكنة في عصر المحرك الانفجاري.
وبالنسبة لي فقد بقيت المشكلة المطروحة: ما العمل؟
فـ (أفلو) لم تكن غير مرحلة لا شك أنها استهوتني، لكنها تظل مرحلة في الحياة.
وبقدر ما أضحت تمبوكتو وأوستراليا بعيدتي المنال، فإن أفكاري بدأت تتجه نحو التجارة.
لقد وجدت في (أفلو) فرصة في هذا المجال: إنه (جذر القنطس pyrèthre) يباع غالياً في تبسة وقسنطينة، ثم يصدر منها إلى فرنسا لصناعة المواد القاتلة للحشرات في زمن لم يكن فيه قد عرف مبيد (د. د. ت D.D.T).
وكنت بالاتفاق مع السي (عمر) ابن القاضي أشتري هذه الجذور من جبل (عمور) بعشرة فرنكات للكيلو الواحد، وكنت أبيعه بحوالي عشرين فرنكاً في تبسة.
стр. 185
إنني أدلي هنا بهذا الاعتراف الصغير لأولئك الذين يتحدثون اليوم في الجزائر عن استغلال الإنسان للإنسان، حتى يتقنوا هذا الاستغلال بصورة أفضل.
وإليكم تفصيلاً مضحكاً. فحين مروري بقسنطينة تقابلت مع (دورنون)، الذي سألني عما أنوي فعله إذا كنت، أرغب في البقاء بـ (أفلو) فأجبته ببراءة:
- سأتاجر بالـ ( pyrèthre) يا سيدي المدير؛ وصرخ بشيء من الذعر:
- تتاجر بتهريب الأسلحة؟
وقد أدركلت على الفور بأنه قد خلط بين ( pyrèthre) ومركبات (كبريت الحديد pyrites)؛ فأوضحت له نواياي السلمية حتى يطمئن إلى مستقبل الاستعمار في الجزائر. ألم نكن في عام ١٩٢٨ أليس كذلك؟.
اطمأن دورنون، ولعله كان يفكر في مهر بناته لذلك فقد عرض عليّ أن نفتح سوية (كشكاً) لبيع الدخان. وأجبته: إننا نستطيع سيدي المدير أن نهتم بتربية الخرفان فهذه تجارة أربح.
بدت له الفكرة مغرية، وهي قد أغرتني أكثر لكن المدير حققها في النهاية مع مدرس من تبسة. فقد عرف هذا الأخير أن يقنع المدير بأن مستقبل بناته في الزواج سيكون أضمن، حين يكون الأمر في يديه من أن يكون في يدي.
وهكذا بقيت أبحث عن مستقبلي. وفيما أنا أوزع وقتي بين أمي التي أحب صحبتها كثيراً، والنادي الذي كنت أحرك فيه مع أصدقائي الأفكار الجديدة، ومقهى (باهي) حيث كنت أستمع للأسطوانة المصرية، كان السؤال الدائم يُقلِّب في ذهني وجوهه: (ما العمل)؟
كنت أقرأ أيضاً أعداد (العصر الجديد) التي عادت الإدارة فسمحت بإصدارها. وكنت أغترف منها ذلك الغذاء الروحي الذي يروي تعطشي لمعرفة
стр. 186
أنباء العالم الإسلامي. فالصحافة الوطنية في تلك الفترة لم تكن بعد تملأ صفحاتها عن الحزب والمناضل.
ومن حين إلى آخر كنت أقرأ جريدة (صوت المساكين La Voix des humbles) وكنت أمُجُّ كثيراً هذا العنوان.
كان ثمة جديد في جبهة الإصلاح. فالشيخ (العقبي) استدعته بعض العائلات الميسورة في الجزائر، فقد أرادت بدون شك أن تمنح مدينتها عالماً كما كان لقسنطينة عالمها.
لقد أنشأ (العقبي) في الجزائر (نادي الترقي)، وقد بلغ الجدل بين الإصلاح والمرابطية أقصى العنف. وقد أسس المرابطيون صحيفة تنطق بلسانهم أعتقد أن اسمها (السنة).
الشيخ (مبارك الميلي) و (أبو يعلى الزواوي) كانا بَطَلَيَّ المفضلين في تلك المعركة. كان للأول عنف الاقتناع بالعقيدة وللثاني وضوح الأفكار.
حرارة الإصلاح بدأت تجتاح وهران. فالناس في بلدة (سان دوني دوسيج St Denis - du -Sig .. ) بنوا مدرسة دعوا من أجل إدارتها الشيخ (العريي التبسي). وكان (باش آغا) المنطقة (بوشيحا) يدلي بنصيبه من تلك المبادرة، إذ كان يغطّي من جيبه الخاص ميزانية المدرسة وإدارتها.
كانت هذه سمات ذلك العصر، فقد كان الناس يلتزمون بملء اختيارهم دون أن يدخلوا في حسابهم رأي الإدارة.
عطلتي شارفت على النهاية.
وفي محكمة تبسة وقد حافظت على صلاتي؛ أبلغت بأن وظيفة عدل فارغة في
стр. 187
(شاتودان Chateaudun) فتقدمت إليها. لكن عطلتي انتهت قبل أن يأتي جواب النائب العام في الجزائر.
وفي الصباح غادرت تبسة عائداً إلى (أفلو)، وأمي متكئة على عكازيها صبت بين قدمي (ماء العودة) عند سلم المنزل، إذ لم تكن تستطيع النزول لتشيعني حتى الباب.
حين وردت موافقة النائب العام كان رحيلي من (أفلو) مؤثراً. فالقاضي الهمام (بن عزوز) بكى لافتقاده نزيلاً يأكل على مائدته طيلة عام بالمجان. ابنه سي عمر انهار أيضاً واتهمني بالعقوق إذ طلبت نقلي من أفلو، حقاً فقد جُبِلْتُ لأعيش بين هؤلاء القوم أولي الشهامة في حياتهم البسيطة والنبيلة معاً.
لكنني كنت أحمل بين جوانحي عذاباً لا تخفف منه (أفلو). وهكذا كان رحيلي ضرورياً.
ولكن تصوروا لو أنكم تسكنون في بناء جميل في جناح تدخله الشمس من كل جانب، وتسرحون النظر في طيور السماء ونجومها، وفجأة ترون أنفسكم قد أودعتم في كهوف ذلك البناء لتسكنوها.
كنت تماماً في ذلك الوضع منذ وصولي إلى (شاتودان)، كانت هذه البلدة مركزاً كبيراً للمستعمرين، كل شيء فيها يخضع لقانون الاستعمار.
أما حياة السكان الأصليين فكانت نوعاً من الإقامة في أرض أجنبية، كانت فارغة من كل محتوى أصيل وصحيح، كإنتج مصطنع يمثل في ظاهره شيئاً ما لكنه ليس في حقيقته الشيء نفسه. لم يدعُ أحد من القوم ذلك العَدْلَ الشاب الذي وصل به الأمر إلى درجة لا يعرف معها أين يسكن. وفراشي أخرجني والحمد لله مرة أخرى من هذا المأزق. لقد مددته على مقعد قاعة محفوظات المحكمة. وكان في المدينة امرأة يهودية عجوز قد اتخذت من دارها لتعيش هي
стр. 188
وزوجها دائم السكر نوعاً من المكان، تقدم فيه طعاماً يومياً لصغار موظفي المنطقة، صغار حجاب ( Chaouch) المستعمِر أولئك الذين لا تسمح لهم إمكانياتهم بارتياد المطاعم الأوربية.
وبما أن هذه المرأة طباخة جيدة فقد أصبحت من زبائنها الدائمين. في المحكمة كان (الباش عدل) لا يفيق من سكره. أما العدل الآخر فكان يعد نفسه لبلوغ القمة: أن يصبح قاضياً.
كان ذلك موضوعه الوحيد في كل حديث.
أما القاضي فلم يكن لديه من هدف آخر إلا أن يزيد عدد الهكتارات التي يشتريها في منطقة (قلما)، موطنه الأصلي في كل عام، من الموارد التي تأتيه خارج مرتبه (الرشوات).
وحين شاءت الإدارة الفرنسية أن تمنحه وسام (جوقة الشرف) مكافأة له على أخلاقه العالية وفضائله، فقد قادوه إلى منزله في نهاية الاحتفال محمولاً على عربة وهو ثَمِل.
أما خارج عملي فقد وجدت صحبتي في وكيل قضائي ذي أصل قسنطيني، و (خجا) وحدة إدارية مختلطة، كان أولاده أسن مني، ومساعد طبيب وموظف في بنك.
كنت أجدهم كل مساء في مقهى يديره زوجان من أصل مالطي. كانت الزوجه فاتنة الجمال. والشباب المفتون بها يطلب من أجل عينيها الجميلتين كؤوس خمر اليانسون ( Anisétte)، يشربونها واحدة تلو الأخرى حتى التاسعة مساء ثم ينصرف كل منهم يتجشأ سكره.
أما كيف تمكنت من المحافظة على نفسي في هذا الوسط فالله وحده يعلم.
стр. 189
وأحياناً كنت أفرَ بنفسي إلى مقهى يديره (مستعمر) عربي مؤثراً الحصير والدومينو.
هنا كان لي صحبة آخرون يلعبون بالورق ( La ronda) حتى منتصف الليل. وكان ثمة ساعٍ للبريد يقص حكايات من نسج خيال كفيل بأن يُغْني أعمال الروائي الإنكليزي (كونن دويل Conan Doyle (١)) ويرفدها بالمزيد. كان ساعي البريد هذا ذا فن في حبك الروايات يتجاور التصور.
لقد كانت الحياة الثقافية في (شاتودان Chateaudin) تتلخص في تجشؤات (اليانسون) وحَلِف لاعبي الورق، وحكايات الأشباح.
كانت طباختي اليهودية وحدها تذكرني بشيء إنساني في هذا الوسط غير الإنساني. وأعتقد أنها استشفّت ما يدور في خلدي من أفكار. وكانت من حين إلى آخر تسألني عما أرغب فيه من طعام. وكان يحزنها عدم اكتراثي بشؤون ألوان الطعام وتذوقها حين أجيبها:
- آه تعلمين أن طبخك رائع، وأنا حيال ألوانه ليس لي شيء خاص. في خاتمة المطاف لم أستطع البقاء أكثر مما بقيت. وقد وقع لي حادث مع كاتب بمحكمة الصلح كورسيكي الأصل كان النقطة التي طفح بها الكأس.
كان يكيده أن (جزائرياً Indigène) لا يحييه وهو يلتقي به في الطريق. وكنت فعلاً لا أحييه لأنني لاحظت بأنه هو الآخر لا يرد التحية.
وهكذا سمح الكاتب لنفسه أن يستدعي إلى مكتبه سائر أعضاء المحكمة واحداً تلو الآخر، واستدعاني في آخرهم. وحين دخلت مكتبه وجدت القاضي والباش عدل واقفين أمام مكتبه. فاتخذت على الفور قراري: أستقيل ولكن بعد أن ألقِّنَ هذا الشخص درساً.
стр. 190
اتخذ هذا الحادث مظهر التطاول على السيادة الوطنية. ونائب عام قسنطينة تدخل في الأمر. وهكذا قدمت فعلاً استقالتي.
وهنا انتهت مرحلة من حياتي.
...
كان صهري زوج أختي الكبرى يعمل على تأسيس مطحنة في منطقة تبسة. وقد اشترك مع (قساس) قائدى قرية (دوار) للعمل سوية في المطحنة.
وإذ عدت إلى تبسة أحمل معي السؤال (ما العمل؟) فقد انضم إلى الشركة عنصر ثالث وأضاف وتراً إلى تناغم نشاطها.
قررنا لاحتياجات المطحنة أن نحصل بالتقسيط على سيارة نقل صغيرة طراز (سيتروين)، ونستعملها كذلك في أعمال النقل العام فنحقق بذلك ربحاً مجزياً.
الناقلة الصغيرة والمطحنة أعطيانا مجتمعين ما سمح لنا بأن نسدد الأقساط في مواعيد استحقاقاتها. لقد كانت سنة خير وبركة.
لكن من أوتي خبرة في اتجاهات تجارة ( Indigène ابن المستعمرات) يعرف أن فيها شيئاً من العدوى. فإذا ما افتتح رجل مقهى ونجح، فإن الناس جميعاً يندفعون نحو هذه الصناعة. وإذا ما ازدهر صالون (جزائري Indigène) في الحلاقة الحديثة أضحى الناس جميعاً حلاقين.
هكذا انتشرت عدوى الناقلة الصغيرة والطاحونة في منطقة تبسة. وكان لدى مزاحمينا ميزة الخبرة المكتسبة، وبدلاً من أن يديروا المطحنة بالبنزين كان الأوفر لهم أن يجهزوها بالديزل الذي يعمل على المازوت.
وكان عام ١٩٢٩ عام كساد التجارة العالمية. فالأسعار تدهورت خصوصاً في
стр. 191
إطار منتجات البلدان المستعمَرة: الأصواف والجلود والحبوب .. إلخ وكان من المحتم أن نتأثر بذلك كله.
وبقدر ما كان سعر البنزين محافظاً على مستواه كان ثمن الشعير أعني عملة الدفع في المطحنة لا يفي بثمن البنزين، فقد كان الناس وفقاً للعادات يدفعون أجرة الطحن حصة من المادة المطحونة.
طرحت المشكلة مع صهري، ولم يكن لها سوى أحد حلين اثنين: أن نسرق الزبون؛ أي أن نأخذ أكثر من العُشر المتعارف عليه من كمية الحبوب المطحونة، كيما نحقق ربحاً إضافياً كما تفعل غالبية المطاحن الأخرى، أو أن نترك مطحنتنا لمن سيكون أكثر انسجاماً مع هذا الواقع.
وأذكر تلك المحاورة كأنما جرت اليوم على كومة من أكياس الشعير تحت سقف المطحنة:
- لا أستطيع أن أسرق .....
- وأنا أيضاً لا أستطيع السرقة أبداً.
قررنا إذن ترك المطحنة لشريكنا الثالث القائد. واحتفظ صهري بالناقلة التي أضحى يحسن قيادتها مع مرور الزمن. ففي الوضع الذي كنا فيه كنت أفكر في صهري أكثر مما في نفسي لأنه كان صاحب عائلة وأولاد.
تبسة غدت خانقة، لقد سئمت النادي ومقهى (باهي) وحكاياته حتى نفسي أيضاً. وكنت أُسَرِّي عن نفسي أحياناً بالذهاب بضعة أيام إلى (دوار) الأرانب عند صديقي القائد (الأكحل).
كانت هذه الجولات تفعل في نفسي الكثير من الخير، لكنها لم تكن تحل مشكلتي. مرت الأسابيع كذلك الشهور وقد تسنى لي مع القائد (الاكحل) أن
стр. 192
أقوم برحلات أبعد في ذلك الجزء من المنطقة التبسية حيث تبدأ الصحراء. وكنت أعود منها أسود كالفحم. كان ذلك في صيف عام ١٩٣٠.
في الجزائر كانت الإدارة تهيئ لأعياد مئة عام من استعمار الجزائر. وقد احتدم الجدل بين المندوبين الماليين حول استعمال الميزانية المخصصة لهذه الأعياد.
طالب الناس باستعمال هذه المبالغ لبناء المدارس لكن المستعمرين لم يعيروا أذناً لهذا الطلب. والمحافظ (بورد Bordes) الذي قالت ألسنة السوء إنه احتفظ لنفسه بجزء لا بأس به منها، قرر أن يستعمل الباقي في إعداد الملابس العسكرية التي تعود لعام ١٨٣٠، للعرض الذي سيقام يوم الاحتفال المئوي بتلك الذكرى.
في ذلك اليوم قررت عدم الخروج من منزلي. سمعت الفرقة الموسيقية تجوب المدينة في الليل، بينما كانت جدتي لأمي تسبح بسُبحتها، وأمي مستلقية على ظهرها بسبب مرضها تتأمل كعادتها في نجوم سماء تبسة الصافية. لقد شاهدت من شرفة المنزل الشهب النارية التي كانوا يطلقونها من ساحة القصبة تلك الليلة.
لقد دخلت الجرائر القرن الثاني من الاستعمار. في ذلك الزمن كنا نقرأ كتاب (إنسان يعيش على ماضيه Un homme se penche sur son passé) ولم أعد أعرف اسم مؤلفه.
لقد نال جائزة (كونكور Gon court) لذلك العام. وقرأت أيضاً كتاب ( Partir, C'est mourir un peu السفر ضرب من الموت) فقررت إذن السفر. إنه هذه المرة ليس شغفاً بالبعيد ولكنه كان قراراً محدداً. لقد أخفيت مشروعي عن أمي، ولكن شيئاً لا يخفى على قلب الأم.
وعندما كنت عائداً إلى المنزل مساءً نادتني أمي إلى غرفتها. كانت مستلقية على سريرها ولم يكن بمقدورها سوى أن تنام أو أن تقف على عكازين.
стр. 193
كان والدي جالساً بقربها على كرسيه، قالت لي:
- صدّيق أتريد الرحيل؟
وبقيت صامتاً. فأردفَتْ:
- إذن اذهب إلى باريس لتتابع دروسك؛ وأكمل والدي فكرتها:
- إنك تعرف (بن ستيتي)، إنه بعد أن أنهى دراسته في المدرسة التحق لمدة عام بمدرسة (اللغات الشرقية)، وبذلك أُعفي من شهادة الدراسة الثانوية وسمح له بالتسجيل في كلية الحقوق. ثم أردف والدي قائلاً:
- سوف نرسل لك كل شهر ما تحتاجه.
وأقلّتني الباخرة بعد أيام ثلاثة إلى عنابة ( Bône) في طريقي إلى باريس.
стр. 194
القسم الثاني
الطالب
(١٩٣٠ - ١٩٣٩)
стр. 195
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقَدّمة
ليست هذه المقدمة من أجل تقديم هذا الكتاب للقارئ، على حسب التقليد الذي يلتزمه كاتب عندما ينشر له شيء من تأليفه.
وإنما هي لمجرد التفسير للظرف الغريب، الذي وقع فيه في يدي، المخطوط الذي أنشر منه اليوم الجزء الثاني.
إن لكل امرئ خلالاً يسلكها، وقد يحدث لي مما تعودت، أن أصلي صلاة العصر في تلك اللحظة الجوفاء عندما يخرج الناس من المسجد بعد صلاتهم خلف الإمام.
فأصلي وحدي ... والمكان إذن ليس فيه أحد غيري، وأختار هذه اللحظة لأعتكف فيها.
وكنت في ذلك المسجد القسنطيني الملاصق لـ (دار الباي) والذي صار طيلة قرنٍ الكنيسة الكبرى ثم عاد إلى أهالي قسنطينة منذ الاستقلال.
وكنت حينذاك قد عدت إلى الوطن منذ ثلاثة أيام أو أربعة فقط من الهجرة التي فرضتها، على كثير من الجزائريين، سنوات الثورة، فألقيت وأنا أخلع نعلي عند باب المسجد نظرة على داخله، ولم يكن للمكان حديث يشعر به المرء من خلال أُبهة بنائه، وإنما كان يتحدث له حديث تاريخه المضطرب، ووقع بصري على مكان هادئ بين المنبر والمحراب، بعيداً عن ضوضاء الشارع فاتجهت إليه
стр. 196
وكبّرت فيه، بينما كانت النوافذ ذات الزجاج الملون توزع بين أعمدة المسجد ضوءاً متخافتاً يزيد في الهدوء الذي يحيطني.
وربما كنت في السجدة الثانية، وقد تعودت أثناء هجرتي إلى الشرق الإطالة في السجود، كما يتعود ذلك بعض حجيجنا من المغاربة عندما يصلّون خلال رحلتهم بعض صلواتهم في مسجد سيدنا الحسين، قرب الأزهر الشريف.
وبينما أنا في هذه السجدة سمعت قدماً تطأ الزريبة خلفي وطئاً خفيفاً، ثم تنسحب القدم.
وأرفع رأسي من السجود، فينطلق بصري تلقائياً إلى جانبي الأيمن، فأرى عند ركبتي شيئاً ملفوفاً ..
فاسترسلت في صلاتي حسب نسقها، حتى سلمت.
ثم التفت عن يميني وعن شمالي، فلم أر أحداً. إن من وضع قرب ركبتي الشيء الملفوف قد اختفى .. ولكن ما هو هذا الشيء؟ تحسّست من خلال الغلاف السميك من الورق ما يحتويه، فشعرت أنه ورق ..
وفتحته، فإذا بصفحات مكتوبة كتابة ناعمة ولكنها واضحة، قرأت على الصفحة الأولى عنواناً:
(مذكرات شاهد للقرن).
وقرأت صفحة .. ثم صفحتين ..
أمر غريب! .. إن كل جزائري يتناول القلم قد يستطيع كتابة مثله شريطة أن يكون من الجيل الذي أنا منه.
فقرأت صفحات أخرى .. وهأنذا أجد اسماً، لعله يكون اسم المؤلف: (الصديق).
стр. 197
من هو الصديق؟
إنه يقدم نفسه، منذ الصفحة الأولى، على أنه من مواليد قسنطينة سنة ١٩٠٥، إذن هو رجل من مسقط رأسي وفي سني.
لا تزيدني قراءة الخطوط أكثر من هذا .. هل يجب أن أرجع هذا المخطوط إلى صاحبه؟ ولكن لأي امرئ اسمه (الصديق) أرجعه؟
ألست أرجعه له بطريقه ما، إذا نشرته؟ ولعلي بذلك أكون قد لبيت رغبته!
فعليه، أرجو أن يتقبل القارئ هذا الكتاب من جزائري أراد أن يخاطبه من وراء حجاب.
الجزائر ٥ أيار (مايو) ١٩٦٥
مالك بن نبي
стр. 198
لم تكن أفكاري قد اتسقت بعد مع وضعي الجديد، منذ نرلت في صبيحة يوم من شهر أيلول (سبتمبر) عام ١٩٣٠ بمحطة ليون بباريس، ولم تكن الأمور تقررت نهائياً في نفسي منذ فارقت قبل أسبوع أهلي، وودّعت الأقران بتِبِسَّة، وإنما الشيء الوحيد الذي قررته هو أنني لا أعود هذه المرة إلى الوراء مثلما عدت المرة الأخيرة، بعد النكسة التي أصابتني مع رفيقي (قاواو) في صيف ١٩٢٥.
عزمت على ألا أتراجع، وهذا العزم هو الشيء الوحيد الذي كان واضحاً لدي، إلى درجة نسبية لا تجعلني أخطط ما يستتبع نزولي باريس؛ بحيث لم أتوجه- عندما وضعني القطار على أحد أرصفة المحطة تلك الصبيحة- إلى الحي اللاتيني حيث ينزل كل طالب علم أو يعود بعدها يقضي الراحة الصيفية في بيته.
وإنما تذكرت زميل الدراسة ذاك، الذي كان هو الآخر قد استولى عليه حلم الآفاق البعيدة مثلي، والذي يضطجع الآن في مقبرة مدينة (سوق أهراس)، بعد أن عاد من باريس في عام ١٩٢٣ بمرض صدري، فتذكرت أنه سكن أثناء إقامته الباريسية، بحي (كورسيل) قرب تلك الحديقة الجميلة التي أعطت اسمها للحي كله، ومحطة القطار الجوفي ( Métro) بقربها؛ وتذكرت أنه كان يكاتبني من هذه الناحية فتعمدت التوجه إليها، وصرت أنتقل من فندق استُنفد تأجير غرفه إلى آخر بحثاً عن غرفة، والقدر يسوقني حتى وجدت بعيداً عن (كورسيل) في المنطقة العاشرة من باريس، غرفة مناسبة في فندق متواضع قرب باب (سان دونيس)، في شارع تؤمه بنات السوء المترقبات للزبون المتوقع في كل ذي بنطال من المارة فينادينه:
стр. 199
- هل تأتي يا عزيزي!
ولا ريب أنني كنت في نظرهن، ببزّتي الخارجة عن الذوق المألوف بلونها المشرق، أحد نزلاء الأرجنتين أو البرازيل، أعني النزيل المشحون بالدولارات، فكانت دعواتهن تقرع أذني كلما خرجت هن الفندق أو عدت إليه.
هكذا استقبلتني باريس، بوجه بناتها الطائشات الكاسيات العاريات العارضات لزينتهن وعِرْضهن دون أي شعور بالإثم.
ولكن لباريس وجوه أخرى لا يكتشفها المرء عند نزوله. وقد كانت تجولاتي الأولى مجرد محاولات غير جريئة للتعرف عليها في العالم الجديد الذي أصبحت فيه ...
ولقد ألقت بي خطواتي، أثناء أحد تلك التجولات الاستطلاعية، قريباً من معهد الدراسات الشرقية، فاغتنمت الفرصة لتسجيل اسمي للامتحان المزمع إجراؤه في منتصف تشرين الأول (أكتوبر) أو في أوائل تشرين الثاني (نوفبر).
فكان إذن لدي ما يكفي من الوقت للاطلاع على أحوال باريس، وقد يُفاجأ المرء أحياناً بما يرى من تلاؤم بين ما يجيش في باطنه، وما يدور حوله؛ وربما تكون هذه الملاحظه مجرد انطباع ذاتي، ولكن كنت فعلاً أشعر أن فصل الخريف في باريس يصب في النفس المضطربة بلسماً يهدئها، وبقي شعوري هذا إلى اليوم ... إنني أحب خريف باريس الفصل الذي تستيقظ فيه المدينة كل صباح كسولاً لتمزق ما على وجهها من ضباب كثيف ثم تنطلق لأشغالها تحت أوراق أشجارها المتناثرة.
إن للفصول طابعها النفسي، فالخريف يحدّث النفوس بالوداع والحنين، وربما كان هذا الشعور يلتئم مع وضعي في تلك الفترة الانتقالية بين ماض قريب ومستقبل لا زال غامضاً.
стр. 200
لقد بدأت بحياتي اليومية فرتبتهما في انتظار يوم امتحان الدخول إلى معهد الدراسات الشرقية، أتناول وجبة الغداء قرب محطة (كاديه) للقطار الجوفي في مطعم صغير مع زبائنه العمال، الذين يأتي كل رهط منهم في لباس مهنته على حسب عادة القوم، ليتناولوا قطعة لحم على الطريقة الإنجليزية (بفتيك) يضيف إليها الذوق الفرنسي بعض بطاطس مقلية مع زجاجة نبيذ.
بدأت هكذا في هذا الوسط العمالي، ملاحظاتي عن الحياة الفرنسية، الشيء الذي لم يُتَح لي أثناء إقامتي الخاطفة في صيف ١٩٢٥. إنني آخذ هذه المرة من الوقت ما يكفي للتمعن في الأشياء والتدقيق في تفاصيلها، إذ لم يكن معهد الدراسات الشرقية يتطلب مني أي تحضير.
لقد صفا الجو لاهتماماتي الاستطلاعية وتجولاتي الاكتشافية التي ساقتني ذات يوم إلى متحف الفنون والصناعات، بقرب باب (سان دونيس)، حيث وقفت تلك العشية أفكر لأول مرة في الجوانب التكنولوجية للحضارة، وأنا أشاهد بين روائع المتحف، القاطرة الأولى التي تحركت بالطاقة البخارية والطائرة التي عبر عليها (بليرويو) بحر المانش.
وكنت أحياناً أقضي العشية في الناحية نفسها على سطح مقهى (كل شيء بخير)، أتتبع ببصري المتسكعين الباريسيين التائهين على الرصيف، يودعون جو الصيف في أيامه الأخيرة، وذلك قبل أن يرتدوا معاطفهم ويسرعوا في خطاهم تحت وابل الأمطار المقبلة.
لم أكن بعد أرى الروابط التي تربط هؤلاء القوم بمحيطهم، ولكنني بدأت أشعر عل نحو ما بسعادتهم، أو على الأقل باطمئنانهم، في هذا المحيط الحميم، وأشعر أنني أجني عليه بكل ما تتضمن حياتي من مشكلات خاصة، وما يختلج في نفسي من خواطر لا تمر على بال هؤلاء القوم المتنعمين؛ ولا زلت في تلك الفترة
стр. 201
أتناول وجبات الغداء في المطعم الذي ذكرت، أما العشاء فكنت ألقفه في بيتي أتناول خبزاً وجبناً حرصاً على الاقتصاد.
ولكن تجولاتي اليومية بدأت دائرتها تتسع يوماً فيوماً وبدأت تكتسب جرأة، أتعرض بسببها أحياناً لطوارئ مما يتعرض لها رجل الأرياف الذي يحط رحله بباريس للمرة الأولى.
أتيت ذات صباح لأخذ القطار الجوفي، وأنا لا أدري كيف أسلك طريقي، وأردت أن أتأكد من اتجاه الخط بالنسبة لوجهتي، فسألت السيدة التي تراقب التذاكر عند البويب فأشارت بيدها:
- لا، سيدي، على الرصيف الآخر المقابل.
فاتبع بصري إشارتها الواضحة، ولم يبق علي إذن إلا أن أنزل بين الرصيفين وأن أعبر الخطين المكهربين، ثم أن أصعد من الناحية الأخرى من الرصيف الآخر؛ وربما خطر بذهني في تلك اللحظة أن الباريسيين ليسوا على جانب من المنطق العملي، إذ يفرضون على من يخطئ الاتجاه السليم رياضة بدنية شاقة، إن لم نقل خطرة، ولكن لامجال للتردد فإشارة المراقبة كانت واضحة، فحركت ساقي للتنفيذ وتوجهت إلى حيث أنزل بين الرصيفين، حتى اقتربت من الدرج، وإذا بصرخة تنطلق ورائي:
- احبس (١) يا سيدي!
إن المراقبة لم تترك هذا الرجل الغريب ببزّته المشرقة وشأنه، وربما توسمت في وجهه نوعاً من البراءة تعرف به الغريب، فرجعت نحوها فاستمرت تفسر:
- يا سيدي إن نزلت هكذا بين الرصيفين فإنك ستتعرض إلى تيار ست مئة
стр. 202
فولت، أرجوك أن تخرج من حيث أتيت وتدخل من الناحية الأخرى من باب الدخول.
لا أدري إذا ما فهمت في تلك اللحظة أن الأشياء تؤتى من أبوابها، ولكن القصة تعبر عن ذلك.
وحدث لي حادث آخر في ميدان (كنكورد)، فقد ذهبت لاكتشافه ذات عشية عند الغروب، في ساعة يكتظ فيها مرور السيارات بسبب الخروج من العمل، وها هي ذي المصابيح تضيء بنورها الكهربائي محيط الميدان الفسيح دون أن تزيح الظلام المخيم على وسطه تماماً، فعزمت أن أعبر إلى الناحية الأخرى، ولم أكن على خط مرور المارة، فانتظرت أن ينقطع سيل السيارات من ناحيتي، وانطلقت في فضاء الميدان الشاسع فلم أقطع إلا ستة أو سبعة أمتار حتى رجع السيل وطوقتني السيارات من كل جانب، خط يسير أمامي وخط ورائي، لا يترك كل خط إلا قدر القدمين لهذا الرجل المذهول، الذي يبدو للناظر أنه امرؤ يريد الانتحار، كما يبدو أن سائقي باريس لا يحبون من يأتي ليلقي بنفسه تحت عجلاتهم، فكانت كل سيارة تتجنبني قدر الإمكان، بينما سائقها يصرخ في وجهي:
- يا عبيط! ... يا بليد! ...
وهو حينئذ كأنه يثأر لنفسه من الصدمة التي أصابته من جراء هذا (العبيط البليد) صاحب البزة المشرقة ..
...
إن صُبيحات باريس الخريفية تتمطط في خرق من ضباب يغشّي أسطحة المدينة وجدرانها إلى التاسعة، فيبقى التنوير الكهربائي في غرف حراس العمارات وفي المقاهي، التي تقدم للزبائن الذاهبين إلى الشغل قهوتهم إلى ساعة متأخرة.
стр. 203
وكنت في صبيحة أحد الأيام قد تناولت قهوتي بين أُولئك الزبائن الذين حين يطلبون (سوداء) فإنما يعنون قهوة، وحين يطلبون (أبيض) أو (أحمر) فإنما يريدون خمراً معيناً بلونه؛ وكنت أحرص على التزام العادات الشفوية بباريس، متذوقاً روح التيسير والتبسيط التي أشاهدها عند الباريسيين الذين يتجنبون الإطناب والتعقيد، بدليل أنه، عندما أنشئت في أوائل القرن الشبكة الأولى للمواصلات الداخلية تحت الأرض، وسميت رسمياً يوم التدشين (المتروبوليتان)، رأيناهم يتركون هذه اللفظة الطويلة الرنانة ويقولون فقط (المترو) بالترخيم.
إنني أستعذب فعلاً هذا الميل الطبيعي للتبسيط ما دام في الحدود السليمة.
وقد كان علي صبيحة ذاك اليوم، أن أذهب إلى شارع (تريفيز) وفاء لـ (إبراهيم خالدي) الذي كلفني، قبل مغادرتي تبسة، أن أتصل بصديق له هو الآخر من قدماء (المدرسة) في حاجة بينهما.
ولم يكن المكان بعيداً عن الفندق، فقد دلني عليه أحد المارة، فوصلت شارع (تريفيز) وبدأت أرقب أرقام العمارات حتى لا يفوتني الرقم الذي أريد، وإذا نظري يقع على لافتة في مدخل ضخم، يُصعَد إليه ببضع درجات، فقرأت من اللافتة سطراً واحداً: وجبة الطعام، أربعة فرنكات وخمسة وسبعون سنتيماً؛ وفوق رأسي من أعلى المدخل مصباح معلق فوق الرصيف، على زجاجه من الجانبين خمسة أحرف أبجدية سوداء كبيرة يضيئها المصباح حين يوقد، ليلفت نظر المارة ليللاً قرأت الحروف دون أن أفهم فحواها، بينما لا يبدو المحل مطعماً، فقررت الدخول لأن ثمن الوجبة يهمني جداً. دفعت الباب الزجاجي الكبير الذي يفصل، بين المدخل حيث اللافتة وداخل المحل، فوجدت نفسي في قاعة واسعة فيها مصباح ما يزال مضاءً ينير مقدمتها، بينما كان باقي الصالة في الظلام بسبب العتمة المتطاولة تلك الصبيحة.
стр. 204
لم أبصر أحداً في البداية، فوقفت متردداً في مدخل القاعة بينما يكاد الباب الذي دفعته ينغلق برفق من خلفي.
وها هو ذا وجه يبرز من الجانب المظلم:
- ماذا تريد يا سيدي؟
وإذا الوجه الذي قال لي هذه الكلمات يبدو كأنما أضاء بابتسامته البشوشة ما يحيطني:
- إني رأيت اللافتة قدام الباب وثمن الوجبة.
قلت هذه الكلمات بشيء من الخجل بدده عني جواب صاحب الوجه:
- نعم سيدي، إذا أردت أن تتناول الوجبات هنا فيجب أن تنتسب ...
- آه: إذن ما هذا المحل؟
واستمر الشاب يبتسم أثناء هذا الحوار وهو يجيب على سؤالي:
- هذه هي (الوحدة المسيحية للشبان الباريسيين).
ففهمت الحروف المكتوبة على الصباح عند مدخل المحل، بينما استرسل الشاب:
- إن أردت الانتساب لوحدتنا سأدلك.
ثم دلّني على شباك ظهر فيه فوراً صاحبه الذي كان في مكتب خلفي، بينه وبين الشباك فاصل زجاجي، فقدّمني إليه الشاب، فناولني صاحب الشباك استمارة راجياً أن أدلي فيها بالمعلوت المطلوبة، وقد كان علي أن أعرّف بديني وأن أذكر من يزكيني من الناحية الأخلاقية.
стр. 205
هذه اللحظة كانت تعرّضني لأول اختبار أخلاقي يواجهني في العالم الجديد الذي أصبحت أعيش فيه. لقد كنت خلال زيارتي الأولى لفرنسا، قبل خمس سنوات، أدعى (يوليوس) في الرهط الذي جعلهم اليهودي القسنطيني تحت يده، ولم يكن ذلك عن اختيار مني أو طواعية، بينما لم أكن هذه المرة أمام من يريد التصرف في ضميري، وإنما أمام ضميري فقط، فذكرت ديني بكل وضوح.
وقد أصبحت هكذا عضواً مسلماً في (الوحدة المسيحية)، وما كان لأمر كهذا أن يكون عادياً في سجلات المنظمة.
لا أدري كيف كان انطباع الموظف الذي سجل اسمي، ولكني شعرت أن الشاب البشوش الذي دلني زاد اهماماً بأمري منذ تلك اللحظة، اهتهاماً، تخالطه المودة والفضول، فتقدم ليطلعني على مرافق المنظمة.
فاتبعته ونحن نتجاذب الحديث، يسألني عن الجزائر والإسلام، وأسأله عن تفاصيل الحياة في هذا المحل.
كانت هذه الوحدة تُدار وتُنظَّم شؤونها طبقاً لضرورات شباب يدرس أو يعمل بعيداً عن بيوت الأهل، قادني الدليل اللطيف إلا الدور الأسفل، حيث توجد قاعة التدخين التي يتناول فيها الشبان القهوة بعد الغداء أو في الصباح، ويستطيع الزائر الدخول من هذه القاعة عبر أبواب اتصال، إلى قاعة للمحاضرات تستعمل إلى جانب ذلك لعرض الأشرطة السينمائية، أو إقامة التمثيليات على مسرحها.
ثم نرلت معه إلى دور تحتي سفلي حيث توجد قاعة الرياضة بكل أجهزتها، من بينها مسبح يتسع لمباريات، ثم صعدنا إلى الدور الثاني فوجدنا الموظفين تلك الساعة يهيئون الصحف في قاعة المطالعة، لمن يطالعها من شبان (الوحدة) عندما يأتون لوجبة الغداء، وقد يفضلون مطالعة صحيفة على الوقوف في صف
стр. 206
الوافدين على المطعم المزدحم تلك الساعة، ووجدنا في الدور الثالث عمال المطعم يُعدون قاعة الأكل التي يتوالى فيها كل يوم الوافدون للطعام فوجاً بعد فوج.
وكان لهذه الجمهورية المصغَّرة، جمهورية (تريفيز) كما يقول أعضاؤها، نشاط ثقافي مستر تدور بعض فعالياته في قاعة محاضرات إضافية في الدور الثاني خلال المناسبات العادية، وتخصص القاعة الكبرى المناسبات الثقافية الخاصة التي تترك أثرها البليغ في تاريخ الجمهورية، أو لطقوس الحياة الروحية مساء كل أحد.
وكان دليلي البشوش يشرح لي كل هذه التفاصيل، كما يُلَقَّن الوارد على شيخه عندما يعطيه سر الورد لأول مرة.
والآن بعد أربعين سنة أرى بكل وضوح أن الريح التي دفعتني في شهر أيلول (سبتمبر) ١٩٣٠، لم تكن تدفعني لمغامرة في أفق بعيد، ولا إلى مرتبة اجتماعية تحققها لي شهادة (معهد الدراسات الشرقية)، إنما كانت تدفعني إلى هذا المكان الذي تكامل فيه تكويني الروحي، ولا بد من القول للحقيقة إن ضميري تفتح فيه إلى كل المشكلات التي شغلت حياتي حتى هذه الساعة.
وبدأت صفحة حياتي الجديدة في اليوم نفسه، فقد تناولت وجبة الغداء على مائدة لا يعرفني أحد ممن حولها من شبان (الوحدة)، وتناولت القهوة بقاعة التدخين بين مدخنين لا أعرف منهم أحداً.
ولكن في هذا الوسط لا تغيب شاردة ولا نادرة عن ملاحظة المسؤولين. وفي اليوم الثاني وربما في اليوم الثالث، بينما أتناول قهوتي بعد الغداء، إذا برجل شاب يقف إلى جانبي مبتسماً:
- أراك منعزلاً أليس لك بعد أصدقاء؟
стр. 207
ذلك الرجل هو السيد (هنري نازيل) الذي يدير مع زوجه اللطيفة روحياً ومادياً شؤون (جمهورية تريفيز).
أجل لم تتكون لي بعد علاقة صداقة في الوسط الجديد، لقد كان الأمر بادياً للأنظار، فقد كان الجزائري- في تلك الحقبة- بمجرد دخوله وسطاً أوربياً، ينزوي في قوقعته، وذلك بسبب أفكاره المسبقة عن الآخرين وأفكار الآخرين المسبقة عنه. وتاريخ قوقعتي بدأ ذلك اليوم البعيد من أيام طفولتي، فبينما كنت ألعب على رصيف بمدينة تبسة إذ أصابني رجل أوربي بركلة، ولكن بقدر ما كان (نازيل) يتكلم معي كان يظهر رأسي تدريجياً من القوقعة كالسلحفاة عندما يمر الخطر، وذهب (نازيل) إلى شأنه، واعداً بأن يأتيني برفقائه في الغد.
كانت الفترة التي قضيتها بباريس منذ وصولي إلى يوم امتحان (معهد الدراسات الشرقية) على وشك الانتهاء. وبقي الخريف ينشر على الأرصفة الباريسية أوراق الشجر الأخيرة. وأصبحت وجهاً مألوفاً في الحي الذي أسكنه، لا تخاطبني بناته بسوء، ولا أوجه لهن النظر الشزر عندما أخرج من الفندق. ولعل الفضل في هذا الانسجام مع الوسط الجديد يعود إلى روح (الوحدة) الذي بدأ يطبع سلكوي الاجتماعي.
وعرّفني (نازيل) فعلاً كما وعد وفي الوقت المحدد، على بعض (الوحدويين) الذين أصبحوا أعز أصدقائي، وغدونا لا نتفارق فكونت مجموعتنا في نظر الآخرين ما أسموه (المجموعة).
لقد كانت المجموعة ذات تركيب متنوع وذات عروق متباينة، كان (حنوز) شاباً جزائرياً من عرق بربري، اعتنق المسيحية وهو طفل يرتع مع أقرانه في جبال القبائل؛ وكان (مرسولين) من ناحية نرمندية، جريئاً لبقاً مثل أهل عرقه، قد عاش يتيهأ صغيراً في مسقط رأسه قبل أن ينزح إلى باريس،
стр. 208
حيث تبنته سيدة يقاسمها حياتها هوايتها الموسيقى وواجباتها بوصفها سيدة بيت ترك لها زوجها الفقيد المركيز (دوفرانليو) اسماً بين العائلات النبيلة التي تقطن حي سان جرمان.
وهذه المرأة النبيلة التي تبنت صديقنا (مرسولين) تبنت كذلك مجموعتنا التي كانت تضم أيضاً (ريمون)، إذ تزوجت أمه في شرق فرنسا بعد وفاة الأب، وهو الآن مساعد موثق مشهور بباريس، وكانت ميزته الصمت مثل أصحاب مهنته غير أنه كان رقيق الشعور كابن عائلة مؤدبة، ثم (جان سانشيز) الذي كان يفخر بجدته الشاعرة العجوز التي تهدي قصائدها للإله (بعل)، وربما يفخر باعتباره يمتّ لعرق إسباني تعتريه الخيلاء والكبرياء، ثم (بنيجن) الجرماني الأصل وآخرون.
فأضفتُ إلى (المجموعة) واحداً ربما كان أغربهم لأنه مسلم جزائري. وكان هؤلاء الأفراد كلهم يلتحمون فيما بينهم بفضل الروح التي تبثها (الوحدة) بين كل أفرادها، من (نازيل) إلى أصغر شبل تقوده أمه من يده لعشاء ليلة الأحد، إذ كانت هذه المناسبة تجمع أسبوعياً، كل أعضاء جمهورية (تريفيز) في مأدبة تنتهي دائماً بطلب الحاضرين.
- كلمة يا (نازيل)! كلمة يا (نازيل)!
يخرج هذا الطلب من كل الصدور بنفس واحد ووزن واحد، فيقوم دائماً (نازيل) ليقدم التحيات وبلاغاً خاصاً بحياة الجمهورية.
وكانت هذه الألوان الاجتماعية غريبة عني بأنسها وبساطتها، لم أعهدها حول عالم من علمائنا ولا زعيم من رعمائنا.
ويتبع أحياناً هذا العشاء مهرجان سينمائي أو تمثيلية في القاعة الكبرى، حيث يجد كل مشارك قسماً من الإنجيل على مقعده ليسهم في الطقس الذي يقام قبل المهرجان، فيصعد حينئذ (نازيل) على أخشاب المسرح ليقيم الطقس بكل خشوع.
стр. 209
كنت في هذه الفترة تعرفت أيضاً على مصور زيتي شاب اسمه (رونيه)، يتأهب للزواج من فتاة يزور أهلها من حين إلى آخر، فأخذني مرة في إحدى زياراته لأسرة خطيبته، وكانت أسرة برجوازية بكل ما تتضمن الكلمة من جوانب مدح أو ذم في تلك الفترة التي كانت فيها البرجوازية هي الأمينة على تقاليد المجتمع الفرنسي، والمحافظة على كل سخافاته في آن واحد.
لقد أثارت زيارتي كل الاهتمام وكانت موضوع الملاحة من طرف الأم الأيّم وبناتها مع شيء من الاستغراب، لأنني لم أكن أقدم بلحمي ودمي الصورة الذهنية التي ألفها القوم عن (أهلي) الجرائر، كما صورتها لهم روايات أو صحافة ذلك العهد. وقد تناست الأسرة الكريمة حتى اللون المشرق لبزّتي، مع أن الأم قد حدّقت وصعّدت فيّ النظر من أقدامي إلى رأسي عندما وصلت، غيرأنني لاحظت - عندما دار الحديث طليّاً عن أحوال الأدب، وذكر بمجرد الصدفة اسم (ربندرانات طاغور)، وتكلمتُ عنه ما تكلمت- لاحظت أن أصغر البنات سنا قاطعتني قائلة:
- آه! تعرفون (طاغور)؟
فصوبت لها الأم نظرة قاسية، تظاهرتُ بأنني لم أرها. وكانت زياراتي إلى هذه الأسرة مع صديقي (رونيه) تكشف لي عن الحياة الأوربية من الداخل في نطاق عائلي، بينما لم أكن في الجرائر أعرفها إلا من الخارج، وكانت اتصالاتي داخل (الوحدة) تكشف لي عن الجانب الروحي الذي لم أكن ألمسه البتة في الإطار الاستعماري، كأنما الموظف الإداري الذي يمتطي الباخرة بمرسيليا متوجهاً إلى الجزائر، يتجرد من كل ميزاته الحضارية.
لم أتعرف بعد على الحي اللاتيني، ولكن ساقتني الصدفة خلال عشية في أحد تجولاتي، إلى ضفة السين حيث يقوم سوق الكتب المستعملة، وتقوم الزبائن
стр. 210
المتسكعة أمام تلك الدكاكين الغريبة، كل دكان يكون له صندوق من الحديد يفتحه صاحبه ليعرض كتبه، ويغلقه عليها عندما يقفل راجعاً قبل الغروب، حيث لا إنارة في هذا السوق العجيب. فأصبحت أتردد عليه مع من يتردد، فأقف أطالع حتى أنسى أحياناً البائع الذي يترك كلاً وشأنه، دون أن يزعج أحداً يحجز كتاباً ومكاناً أمام صندوقه، وتمر الساعات الصامتة تقطعها من حين لآخر صرخة سيدة تمر وراء صف القراء الواقفين:
- الله! .. الله! ..
إن صاحبة الصرخة قد أصابتها، فوق شعرها أو فوق معطفها الجميل، فُضالة ألقاها عصفور من أعلى الشجرة. العصافير الباريسية هي بدون مواربة (أقبح سكان باريس)، تنشر الذعر على أرصفة المدينة في حدائقها عندما تتخلص مما في بطونها، خاصة فوق رؤوس السيدات.
كانت تلك العشيات الخريفية، من فترة انتظاري الدخول لمعهد الدراسات الشرقية، خصبة جداً في الانطباعات من كل نوع، تلك الانطباعات التي كونت بالنسبة لي المعلومات الأولية عن وسطي الجديد.
ذهبت ذات يوم مع (رونيه) إلى حفلة استقبال أقامتها أسرة خطيبته. وقد أخذ صديقي باقة زهور طبقاً للعرف الذي كنت أجهله، لأننا بـ (تبسة) أو (أفلو) عندما ندعى لمأدبة، نذهب لنأكل (كسكوسي) ونشرب لبناً دون أن نفكر- في الزهور لسيدة البيت، ولم يكن مع هذا ليفوتني رونق ورِقة العرف في الوسط الجديد. فوجدنا عند وصولنا جماعة من سيدات جالسات ورجال واقفين، هذا يدخن وذاك يأكل من لذائذ صغيرة أعدت خصيصاً، وتلك تتحدث بينما يصل مدعوون آخرون، وكان صديقي مهتماً بالجانب الشكلي، ككل من يداعب مهنة التصوير، فوجه اهتمامي إلى أحد الحاضرين وكانت تبدو عليه الكياسة والملاحة بوجه خاص.
стр. 211
كانت هجرة (الروس البيض) تصل أمواجها، الواحدة تلو الأخرى إلى باريس، أحياناً بعد منعرجات ومنعطفات طويلة، وكان الرجل الذي أشار إليه صديقي من أولئك المهاجرين، قد قذفته الثورة بعيداً عن وطنه، وكان كثير من مواطنيه النبلاء يصلون مثله إلى باريس فيلبسون لباس سائق سيارة الأجرة، أو يفتحون مطعماً روسياً. وأصبحت بَاريس في تلك الفترة تحب أكل (الكفيار) وشرب (الفدكة) والاستماع إلى (البلاليكة)؛ وها هو ذا الرجل المهاجر منسجم في الوسط الفرنسي كأنه في بلاده أكثر من كل (أهلي) ينزح من المستعمرات الفرنسية.
ها هو ذا يوم امتحان الدخول لمعهد الدراسات الشرقية قد أتى. وكانت في هذه الفترة قد حولت مسكني من الفندق الأول، إلى آخر أقرب منه، إلى باب (سان دونيس)، في شارع القمر حيث توجد مدرسة اللاسلكي قريباً من مسكني الجديد، ولم أكن أشعر أن الأقدار كانت تنسج خيوط حياتي.
فاستيقظت ذاك اليوم مبكراً، ولم أكن أشعر بأي رعب تجاه الامتحان، فتوجهت بكل اطمئنان وهدوء إلى المعهد فوصلت قبل الوقت، واستطعت التعرف على بعض الإخوان من المرشحين، وتعرفت على الخصوص بشاب من ناحية (الباسك)، مرشح مثلي لقسم العربية.
ونوديّ علينا فدخلنا، ولم تبد لي أية صعوبة في الاختبارات ولكن النتيجة كانت خيبة أمل: لم أنجح!! ..
وليس هذا كل ما في الأمر، بل لقد طلبني مدير المعهد، وفي هدوء مكتبه الوقور شرع يشعرني بعدم الجدوى من الإصرار على الدخول إلى معهده، فكان الموقف يجلي لنظري بكل وضوح هذه الحقيقة: إن الدخول لمعهد الدراسات الشرقية لا يخضع- بالنسبة لمسلم جزائري- لمقياس علمي وإنما لمقياس سياسي.
стр. 212
ونزلت كلمات المدير على طموحي نزول سكين المقصلة على عنق المعدّم، فكان هذا الفصل الأول من مأساة خيبة الأمل وعدم جدوى العمل وحدي؛ وفي ذلك اليوم لم يتحطم فقط أملي بل شعرت أن حلم والدتي ووالدي تحطم أيضاً على صخرة الإرادة المقرَّرة في خفاء لدى الدوائر التي تسهر على المصالح الاستعمارية العلية.
لقد أدركت في تلك اللحظة نفسها ما سيتبع عبارات المدير من نتائج عملية دون أن أحللها، إذ لم أكن بعد قد اكتسبت خبرة هذا التحليل، الذي يريني اليوم بكل وضوح درجة القرابة بين هذه العبارات وما قاله لي قبل سنة مدير شؤون الطرق بمدينة (تبسة)، عندما سألته عن شروط الإسهام في المزايدة التي تجري كل سنة تحت إشرافه لإصلاح الطرق، أو لفتح طرقات جديدة في الناحية، وقد اهتممت حينئذ باستغلال وسيلة نقل كانت لدي أستطيع بها نقل مواد الطرق من أحجار وغيرها.
ولكن عوض أن يدلي إليّ بالمعلومات المطلوبة، أدلى إليّ سيادته بنصيحة:
- الأفضل أن تبيع ما عندك من وسائل نقل إلى مسيو (كانبون) أو مسيو (سبيتري) فإن المزايدة بين أيديهما.
واليوم بعد أربعين سنة، أرى بكل وضوح أن الرجلين، المدير المتواضع لشؤون الطرق بتبسة والمدير المحترم لمعهد الدراسات الشرقية، إنما يتكلمان لغة واحدة (لغة الاستعمار): فهذا حرمني من أن أصبح مقاولاً في مصلحة الطرق وذاك حرمني من فتح مكتب محاماة بتبسة بعد سنوات الدراسة بباريس.
ولم أكن أشعر أن الأقدار كانت تحيك أمرها بطريقتها، ولا أتذكر اليوم كم مرّ عليّ حينذاك من وقت عشته وأنا لا أعلم كيف أوجه خطواتي، وذلك قبل أن يزورني صديقي الفنان، وإذا (رونيه) يزورني ليقص عليّ ملاحمه الغرامية
стр. 213
كعادته، وقصصت عليه قصتي؛ كنا متكئين على حرف نافذة الغرفة المطلة على شارع القمر، إذا بفوج من طلبة مدرسة اللاسلكي يخرج، وإذا (رونيه) يقول لي بعد لحظات تيه:
- لماذا يا صديق، لا تغير اتجاهك وتنتسب إلى هذه المدرسة؟
لم يكن ذلك ليخطر ببالي، ولكننني أدركت أهمية الإشارة:
- أتصحبني يا (رونيه) إلى مكتب المدرسة نسأل عن شروط الانتساب؟
ونزلنا حالاً، وأدّت لي موظفة المكتب المؤدبة كل المعلومات، ولئلا أنسى منها شيئاً قدمت لي كراسة المدرسة المطبوعة، فدرستها تلك الليلة فصلاً فصلاً وسطراً سطراً، فكان الانتساب على درجات مختلفة، من مهندس لاسلكي إلى مصلح الأجهزة، حسب إمكانيالت المرشح الرياضية ومدة الدراسة التي يريدها؛ شعرت أن إمكانياتي متواضعة لأنني تركت الرياضيات مند سنتي الأولى بمدرسة قسنطينة، ونسيت حتى مبادئ هذا العلم منذ عشر سنوات، فقررت إذن أن أنتسب إلى درجة مساعد مهندس، شرط أن أستعيد على الأقل المبادئ في الفترة التي بقيت حتى دخول الفوج الثاني للسنة الدراسية حسب نظام المدرسة، إذ سبقني الفوج الأول بشهر.
وكان علي إذن أن أسرع الخطوات حتى أستطيع السير مع الركب في كانون الثاني المقبل، وقد ساعدني الحظ أثناء تجولاتي السابقة، إذ وقفت يوماً أمام مكتبة تعرض كتب الأب (مورو) الذي كان ينشر في تلك الفترة سلسلته الشهيرة (لتفهم).
كنت أريد أن أفهم كل شيء: الجبر والهندسة والكهرباء والطبيعة والميكانيك، وكانت كل هاته المواد فعلاً معروضة في سلسلة الأب (مورو) بطريقة تزيد أو تنقص تعمقاً، ولكنها دائماً واضحة مقربة السبيل، لا يكلّ هذا
стр. 214
المبسط الجديد الذي كان مديراً لمرصد (بورجس) ولا يمل، من تبسيط الأشياء المعدة في كتبه ذات الغلاف الأحمر التي أخذت شهرة فريدة في الآفاف المدرسية.
وانطلقت يحركني إيمان الوارد على دين جديد، فكانت هذه الفترة الدراسية بالنسبة لي لا تقف عند حدود تهيئتي لدخول مدرسة اللاسلكي، بل غيرت جذرياً اتجاهي الفكري، إذ أنها أسكنت في نفسي شيطان العلوم؛ ولم يكن الأب (مورو) قد فتح أمامي باب مدرسة معينة، بل فتح لي باب عالم جديد يخضع فيه كل شيء إلى القياس الدقيق للكم والكيف، ويتسم فيه الفرد أول ما يتسم، بميزات الضبط والملاحظة.
وكنت بهذا الطريق أيضاً، أدخل الحضارة الغربية من باب آخر، بعد أن دخلت من باب (وحدة الشبان المسيحيين الباريسيين).
وأصبحت أتردد على متحف الصناعات والفنون، ولكن بنظرة جديدة للأشياء، لذلك لم يصبح المتحف مجرد مكان جمعت فيه غرائب وعجائب ما أنتجه الفن والصناعة، ولكنه المستودع المقدس الذي أودعت فيه هذه الحضارة، أعلى ما أنتجته عبقريتها العلمية والتكنولوجية بوصفها شهادات أمام التاريخ على مراحلها المختلفة.
فلما دخلت إلى مدرسة اللاسلكي، كنت الرجل غير الذي نزل قبل ثلاثة أشهر بباريس في صبيحة من شهر أيلول (سبتمبر) الماضي.
لم تعد تجذبني أحلام الآفاق البعيدة، ولم يستملني مركز اجتماعي مرموق، لم يعد لي من حلم غير تحصيل العلم، وأصبحت أشعر كأنني حُمّلت جميع آثام مجتمع يبحث عن الخلاص من بؤسه، كأنني بالنسبة لذلك المجتمع كبش فداء شاعر بثقل ما حمّله من مسؤوليات ومحن وآمال ليحقق له الخلاص بفضل دراسته.
فانكببت على تحصيل العلم بلهفة من يرى كل ما في وطنه وفي المجتمع
стр. 215
الإسلامي من جهل ومن أصناف الانحطاط، ولا يمكن لأحد أن يكون كبش فداء لقوم، دون أن يتصور بطريقة ما أنه المنقذ المبعوث إليهم.
هكذا كانت حالتي يوم دخلت مدرسة اللاسلكي ...
...
كانت اللاسلكي في بدايتها إذ ذاك، فزودتني المدرسة، مقابل مبلغ معين، بكل الأدوات التي تحتاج إليها الدروس التطبيقية، في صندوق يكتب عليه الطالب اسمه ليبقى في الورشة.
هكذا تم تجهيزي للمرحلة الجديدة، وانتظمت فيها حياتي بين غرفتي أعمل بوصفي إنساناً لا يمهل ولا يهمل، والمدرسة أتبع الدروس، و (الوحدة) ألتقي الأقران وأتناول معهم وجبات الطعام.
وكل ناحية من هذه النواحي الثلاث أصبحت تستقطب حياتي بصورة ما، فأجد نفسي في الغرفة أعيش مع أهلي، أتذكرهم كما وقع بصري على صورة والدتي ووالدي التي أخذتها من تبسة، وكأنني أكتشف جمال والدتي الوقور للمرة الأولى، لأن أصدقائي الباريسيين يجدونها امرأة ذات هيئة وهيبة، عندما ينظرون ملامحها في الصورة التي أمامي على المكتب، فكانت والدتي كأنها حاضرة معي، يدفعني حضورها إلى العمل ويذكرني أنها تنتظر رجوع ابنها مكللاً بالنجاح، حاصلاً على الشهادات التي تحقق المركز المرموق، فيزداد نشاطي حرارة، وتصميمي على تحصيل درجة مهندس مساعد. ولعل طموحاً غامضاً بدأ منذ تلك الفترة يخامر نفسي، يحدثني بتحصيل درجة أعلى ويجعلني أتساءل عن مؤهلاتي الفطرية:
- هل أنا ذكي؟