← Общие книги

Общие книги · id 38209

مذكرات شاهد للقرن

مالك بن نبي

Полный текст (424 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كانت هجرة (الروس البيض) تصل أمواجها، الواحدة تلو الأخرى إلى باريس، أحياناً بعد منعرجات ومنعطفات طويلة، وكان الرجل الذي أشار إليه صديقي من أولئك المهاجرين، قد قذفته الثورة بعيداً عن وطنه، وكان كثير من مواطنيه النبلاء يصلون مثله إلى باريس فيلبسون لباس سائق سيارة الأجرة، أو يفتحون مطعماً روسياً. وأصبحت بَاريس في تلك الفترة تحب أكل (الكفيار) وشرب (الفدكة) والاستماع إلى (البلاليكة)؛ وها هو ذا الرجل المهاجر منسجم في الوسط الفرنسي كأنه في بلاده أكثر من كل (أهلي) ينزح من المستعمرات الفرنسية. ها هو ذا يوم امتحان الدخول لمعهد الدراسات الشرقية قد أتى. وكانت في هذه الفترة قد حولت مسكني من الفندق الأول، إلى آخر أقرب منه، إلى باب (سان دونيس)، في شارع القمر حيث توجد مدرسة اللاسلكي قريباً من مسكني الجديد، ولم أكن أشعر أن الأقدار كانت تنسج خيوط حياتي. فاستيقظت ذاك اليوم مبكراً، ولم أكن أشعر بأي رعب تجاه الامتحان، فتوجهت بكل اطمئنان وهدوء إلى المعهد فوصلت قبل الوقت، واستطعت التعرف على بعض الإخوان من المرشحين، وتعرفت على الخصوص بشاب من ناحية (الباسك)، مرشح مثلي لقسم العربية. ونوديّ علينا فدخلنا، ولم تبد لي أية صعوبة في الاختبارات ولكن النتيجة كانت خيبة أمل: لم أنجح!! .. وليس هذا كل ما في الأمر، بل لقد طلبني مدير المعهد، وفي هدوء مكتبه الوقور شرع يشعرني بعدم الجدوى من الإصرار على الدخول إلى معهده، فكان الموقف يجلي لنظري بكل وضوح هذه الحقيقة: إن الدخول لمعهد الدراسات الشرقية لا يخضع- بالنسبة لمسلم جزائري- لمقياس علمي وإنما لمقياس سياسي.

стр. 212

ونزلت كلمات المدير على طموحي نزول سكين المقصلة على عنق المعدّم، فكان هذا الفصل الأول من مأساة خيبة الأمل وعدم جدوى العمل وحدي؛ وفي ذلك اليوم لم يتحطم فقط أملي بل شعرت أن حلم والدتي ووالدي تحطم أيضاً على صخرة الإرادة المقرَّرة في خفاء لدى الدوائر التي تسهر على المصالح الاستعمارية العلية. لقد أدركت في تلك اللحظة نفسها ما سيتبع عبارات المدير من نتائج عملية دون أن أحللها، إذ لم أكن بعد قد اكتسبت خبرة هذا التحليل، الذي يريني اليوم بكل وضوح درجة القرابة بين هذه العبارات وما قاله لي قبل سنة مدير شؤون الطرق بمدينة (تبسة)، عندما سألته عن شروط الإسهام في المزايدة التي تجري كل سنة تحت إشرافه لإصلاح الطرق، أو لفتح طرقات جديدة في الناحية، وقد اهتممت حينئذ باستغلال وسيلة نقل كانت لدي أستطيع بها نقل مواد الطرق من أحجار وغيرها. ولكن عوض أن يدلي إليّ بالمعلومات المطلوبة، أدلى إليّ سيادته بنصيحة: - الأفضل أن تبيع ما عندك من وسائل نقل إلى مسيو (كانبون) أو مسيو (سبيتري) فإن المزايدة بين أيديهما. واليوم بعد أربعين سنة، أرى بكل وضوح أن الرجلين، المدير المتواضع لشؤون الطرق بتبسة والمدير المحترم لمعهد الدراسات الشرقية، إنما يتكلمان لغة واحدة (لغة الاستعمار): فهذا حرمني من أن أصبح مقاولاً في مصلحة الطرق وذاك حرمني من فتح مكتب محاماة بتبسة بعد سنوات الدراسة بباريس. ولم أكن أشعر أن الأقدار كانت تحيك أمرها بطريقتها، ولا أتذكر اليوم كم مرّ عليّ حينذاك من وقت عشته وأنا لا أعلم كيف أوجه خطواتي، وذلك قبل أن يزورني صديقي الفنان، وإذا (رونيه) يزورني ليقص عليّ ملاحمه الغرامية

стр. 213

كعادته، وقصصت عليه قصتي؛ كنا متكئين على حرف نافذة الغرفة المطلة على شارع القمر، إذا بفوج من طلبة مدرسة اللاسلكي يخرج، وإذا (رونيه) يقول لي بعد لحظات تيه: - لماذا يا صديق، لا تغير اتجاهك وتنتسب إلى هذه المدرسة؟ لم يكن ذلك ليخطر ببالي، ولكننني أدركت أهمية الإشارة: - أتصحبني يا (رونيه) إلى مكتب المدرسة نسأل عن شروط الانتساب؟ ونزلنا حالاً، وأدّت لي موظفة المكتب المؤدبة كل المعلومات، ولئلا أنسى منها شيئاً قدمت لي كراسة المدرسة المطبوعة، فدرستها تلك الليلة فصلاً فصلاً وسطراً سطراً، فكان الانتساب على درجات مختلفة، من مهندس لاسلكي إلى مصلح الأجهزة، حسب إمكانيالت المرشح الرياضية ومدة الدراسة التي يريدها؛ شعرت أن إمكانياتي متواضعة لأنني تركت الرياضيات مند سنتي الأولى بمدرسة قسنطينة، ونسيت حتى مبادئ هذا العلم منذ عشر سنوات، فقررت إذن أن أنتسب إلى درجة مساعد مهندس، شرط أن أستعيد على الأقل المبادئ في الفترة التي بقيت حتى دخول الفوج الثاني للسنة الدراسية حسب نظام المدرسة، إذ سبقني الفوج الأول بشهر. وكان علي إذن أن أسرع الخطوات حتى أستطيع السير مع الركب في كانون الثاني المقبل، وقد ساعدني الحظ أثناء تجولاتي السابقة، إذ وقفت يوماً أمام مكتبة تعرض كتب الأب (مورو) الذي كان ينشر في تلك الفترة سلسلته الشهيرة (لتفهم). كنت أريد أن أفهم كل شيء: الجبر والهندسة والكهرباء والطبيعة والميكانيك، وكانت كل هاته المواد فعلاً معروضة في سلسلة الأب (مورو) بطريقة تزيد أو تنقص تعمقاً، ولكنها دائماً واضحة مقربة السبيل، لا يكلّ هذا

стр. 214

المبسط الجديد الذي كان مديراً لمرصد (بورجس) ولا يمل، من تبسيط الأشياء المعدة في كتبه ذات الغلاف الأحمر التي أخذت شهرة فريدة في الآفاف المدرسية. وانطلقت يحركني إيمان الوارد على دين جديد، فكانت هذه الفترة الدراسية بالنسبة لي لا تقف عند حدود تهيئتي لدخول مدرسة اللاسلكي، بل غيرت جذرياً اتجاهي الفكري، إذ أنها أسكنت في نفسي شيطان العلوم؛ ولم يكن الأب (مورو) قد فتح أمامي باب مدرسة معينة، بل فتح لي باب عالم جديد يخضع فيه كل شيء إلى القياس الدقيق للكم والكيف، ويتسم فيه الفرد أول ما يتسم، بميزات الضبط والملاحظة. وكنت بهذا الطريق أيضاً، أدخل الحضارة الغربية من باب آخر، بعد أن دخلت من باب (وحدة الشبان المسيحيين الباريسيين). وأصبحت أتردد على متحف الصناعات والفنون، ولكن بنظرة جديدة للأشياء، لذلك لم يصبح المتحف مجرد مكان جمعت فيه غرائب وعجائب ما أنتجه الفن والصناعة، ولكنه المستودع المقدس الذي أودعت فيه هذه الحضارة، أعلى ما أنتجته عبقريتها العلمية والتكنولوجية بوصفها شهادات أمام التاريخ على مراحلها المختلفة. فلما دخلت إلى مدرسة اللاسلكي، كنت الرجل غير الذي نزل قبل ثلاثة أشهر بباريس في صبيحة من شهر أيلول (سبتمبر) الماضي. لم تعد تجذبني أحلام الآفاق البعيدة، ولم يستملني مركز اجتماعي مرموق، لم يعد لي من حلم غير تحصيل العلم، وأصبحت أشعر كأنني حُمّلت جميع آثام مجتمع يبحث عن الخلاص من بؤسه، كأنني بالنسبة لذلك المجتمع كبش فداء شاعر بثقل ما حمّله من مسؤوليات ومحن وآمال ليحقق له الخلاص بفضل دراسته. فانكببت على تحصيل العلم بلهفة من يرى كل ما في وطنه وفي المجتمع

стр. 215

الإسلامي من جهل ومن أصناف الانحطاط، ولا يمكن لأحد أن يكون كبش فداء لقوم، دون أن يتصور بطريقة ما أنه المنقذ المبعوث إليهم. هكذا كانت حالتي يوم دخلت مدرسة اللاسلكي ... ... كانت اللاسلكي في بدايتها إذ ذاك، فزودتني المدرسة، مقابل مبلغ معين، بكل الأدوات التي تحتاج إليها الدروس التطبيقية، في صندوق يكتب عليه الطالب اسمه ليبقى في الورشة. هكذا تم تجهيزي للمرحلة الجديدة، وانتظمت فيها حياتي بين غرفتي أعمل بوصفي إنساناً لا يمهل ولا يهمل، والمدرسة أتبع الدروس، و (الوحدة) ألتقي الأقران وأتناول معهم وجبات الطعام. وكل ناحية من هذه النواحي الثلاث أصبحت تستقطب حياتي بصورة ما، فأجد نفسي في الغرفة أعيش مع أهلي، أتذكرهم كما وقع بصري على صورة والدتي ووالدي التي أخذتها من تبسة، وكأنني أكتشف جمال والدتي الوقور للمرة الأولى، لأن أصدقائي الباريسيين يجدونها امرأة ذات هيئة وهيبة، عندما ينظرون ملامحها في الصورة التي أمامي على المكتب، فكانت والدتي كأنها حاضرة معي، يدفعني حضورها إلى العمل ويذكرني أنها تنتظر رجوع ابنها مكللاً بالنجاح، حاصلاً على الشهادات التي تحقق المركز المرموق، فيزداد نشاطي حرارة، وتصميمي على تحصيل درجة مهندس مساعد. ولعل طموحاً غامضاً بدأ منذ تلك الفترة يخامر نفسي، يحدثني بتحصيل درجة أعلى ويجعلني أتساءل عن مؤهلاتي الفطرية: - هل أنا ذكي؟

стр. 216

لقد أصبح هذا السؤال يتردد في نفسي، بصورة أعنف من تلك التي عرفتها في المدرسة بقسنطينة وفي السنوات التالية، عندما كنت أردد: - ماذا أفعل؟ فهذه صورة الأب (مورو) على كتبه أمامي لو اتخذتها مقياساً أقيس به درجة ذكائي بالنسبة إلى ذكائه، إذ أنه في نظري الدرجة المثلى. فأوازن اتساع جبيني حسبما أراه على ظل رأسي كما تعكسه أشعة النور الكهربائي على جدار الغرفة، مع اتساع جبين الفلكي الشهير كما أراه في الصورة، فيكون بعد ذلك جوابي على سؤال (هل أنا ذكي) حسب ظروف اليوم، وحسب المقدار الذي هضمته من الجبر والميكانيك والمثلثات. أما في المدرسة فلقد أصبح صندوقي للجهاز التطبيقي، صندوق الأحلام. كنت إذا فتحته على المنضدة وتناولت منه أدوات العمل لألحم خيوط السلك أو أقطعها أو أمدها حسب زوايا معينة، كنت أعمل هذه الأعمال وأنا أشعر بنشوة الطفل البريء الذي وضع في يده جهاز لعب جديد أكثر تعقيداً من ذي قبل. لم تكن تلك الساعات في الورشة مجرد لعب، بل كانت ممتلئة بشعور الوارد على دين جديد، يقوم بطقوسه في معبد هذه الحضارة الآلية التكنية. ولم تكن أيضاً تخلو من ملاحظات وبواكر تفكير اجتماعي بدأت تخامر عقلي. فبينما تلك الأدوات البسيطة في يدي أشعر بأنها ليست لمجرد اللعب، بل هي دلائل على مقدار تطور المجتمع، لأن المجتمع البدائي آلته اليد والإصبع. يقال أحياناً عن الشعب الفرنسي إنه ذو دعابة، هوايته ترقيع الأشياء أو صنعها بنفسه، بما لديه من وسائل في بيته؛ والواقع أن الفرنسي، ما إن يخرج من مكتبه أو مصرفه حتى يصير في بيته نجاراً وحداداً وكهربائياً ومصلح أقفال ومفاتيح، فتراه يدق أو يخرم ثقباً في حائط. فلعله بذلك يصنع شيئاً بكلفة أكثر

стр. 217

من ثمنه لو اشتراه جديداً، أو كلف به صاحب المهنة، ولكنه يبرهن بذلك على أنه رجل الحضارة التكنية التي تحلل الذرة وترسل الصواريخ. ولا ريب أن الأطفال ينشؤون في هذا الاتجاه منذ صغرهم، إذ الهدية الأولى التي تقدمها لهم الأسرة لعب (الميكانو). يقابل ذلك أنه في الجزائر على سبيل المثال وفي الفترة التي نتحدث عنها، لا يجد رجل الريف في بيته إذا أراد إصلاح آلة محراثه للحرث، مطرقة ولا مسماراً ولا قطعة سلك، بينما يتسلى رجل الحاضرة بلعب (الدومينو) والأوراق. لم أكن في تلك الفترة لأقف كثيراً عند هذه الملاحظات العابرة، وإنما كنت أتناول بكل اغتباط تلك الأدوات التي صنعتها الحضارة التي استخدمت النار والحديد، وأتذوق أثناء عملي كل ما في اللحظة من عذوبة بسيطة. أما (الوحدة) فلأنها كانت تغذي في نفسي الجانب الروحي، وتعرض على فكري اهتمامات وموضوعات أخرى: كنت في جوها الخاص أعقد الصلة تلقائياً بين القيم الاجتماعية والتكنية، التي أشاهدها وأتدوقها في الشارع وفي المدرسة، والقيم التي أراها في هذا الجو، الذي يجد فيه الشباب (الوحدوي) روحه المسيحية في دقيقة التهجد عندما يقيمها (هنري نازيل)، وكنت بدوري اكتشفت خلال تلك الدقيقة، ما تنطوي عليه الروح المسيحية من حرارة في عقيدتها، ومن طاقة على الإشعاع. وربما كشفت لي هذه الملاحظات عن جوانب في روحي المسلمة لم أكن أشعر بها قبل بالحدة نفسها، إذ لم تكن روحي الموحِّدة تتسع للمفاهيم الثالوثية التي يحملها إخواني (الوحدويون)، وبدأت فعلاً تدور بيني وبينهم محاورات تدخل موضوعات جديدة في جو (الوحدة) وتساؤلات جديدة عند رفاقي. وربما بدأ (مرسولين) يتأثر بأفكاري، لأنه أصبح يُبدي بعض التفاهم مع

стр. 218

(حنوز) ذلك الشاب الجزائري الذي اعتنق المسيحية في طفولته البائسة، حتى انفجر يوماً بينهما ذلك الوضع في شبه مشاجرة كلامية، أثناء نوع من التقويم الروحي لمجموعتنا قام به (مرسولين) وهو يعد على أصابعه. - الصديق مسلم وريمون كاثوليكي، وأنا ما أدري ما أنا ... و (حنوز) بروتستانتي، فقاطعه على الفور (حنوز) وعلامات الغضب بادية على وجهه: - من قال لك إنني بروتستانتي؟، فشعرت أنه أخذ بدون شعور، في طريق العودة إلى دين أجداده، وقد كنا مجتمعين في غرفة صغيرة أظنها غرفة (ريمون) لأنه كان يسكن داخل (الوحدة) عندما دار هذا الحوار. ومن الطبيعي أن يصل صدى مثل هذه المحاورات داخل الوحدة إلى من يهمه الأمر، ولا ريب أن (نازيل) قد فكر إذن في كيفية صيانة الأرواح الداخلة تحت رعايته، فرأيته يوماً يبادرني بالحديث أمام أصدقائي ليدحض بحجته نظرياتي الإسلامية ويكشف أمامهم مقدار ضعفها. فدار الحديث بيني وبينه، وكانت نتيجته في آخر المطاف غير ما كان ينتظر، لأن المنطق المسيحي بما يتخلله من تعقيد قد ولى أمام منطق الإسلام السليم: لم تكن العقيدة الثالوثية تستطيع الجدال مع العقيدة الموحِّدة الإسلامية. ولم أكن أشعر حينئذ أنني كنت أضع الأقدام في مجال حرام، في الوقت الذي كان فيه الاستعمار يخطط لإرساء أمره نهائياً في الشمال الإفريقي بتنصير أهاليه. وكأنما كان حواري مع (نازيل) تكذيباً لخططه في صورة مصغرة. ما زلت الشاب الفاقد لخبرة الأشياء، فلم أدرك خطورة موقفي في نظام استعماري لا يترك مجالاً لأفكار الرجل المستعمَر ولا لعقيدته. ***

стр. 219

كنت في هذه الأثناء عقدت بعض الصداقات بمدرسة اللاسلكي، من بينها صداقة مع شاب يهودي نزح مع أسرته من رومانيا، غداة الحرب العالمية الأولى، عندما استولى السوفيات على مقاطعة (بساربيا) ومسقط رأسه بمدينة (كتشينيف). كنا نذهب كل عشية سبت إلى سوق البرغوث (١) بباب (كلينيانكور)، وفيه يتسكع الباحثون عن خردوات يشترون منها بالثمن البخس، ما يصلحون به آلة أو يلفقون به جهازاً، فكنا نحن نبحث عن أجهزة لاسلكي قديمة لنفككها ونركبها من جديد حتى نتمرن في مهنتنا. وكان صديقي يدعوني أحياناً إلى بيته، فتستقبلني عمته وبناتها بكل كياسة ويقدمن لي غالباً الشاي بالليمون، وأتيح لي خلال تلك الزيارات أن أكون فكرة أقرب للواقع عن المشكلة اليهودية في العالم. كان كل فرد في هذه الأسرة يحصّل قوته بكد يديه وعرق جبينه، وكانت إذ ذاك تقليعة الأحذية المشبكة شائعة بين السيدات بباريس وفي العالم، فكانت أسرة صديقي (كرليك) تشتغل طيلة النهار في إحدى غرف الشقة، التي صارت بسبب ذلك ورشة تعمل فيها الآنسات لحساب متجر من تلك المتاجر الضخمة المشهورة في باريس، بينما كانت الأم العجوز تقوم بشؤون المنزل. وكان صديقي هو الذي يذهب للمتجر الكبير مرة في الأسبوع، لتموين الورشة من الأشرطة الجلدية الملونة، وليأتي بأجر قريباته. كان فكري وأنا منكب في ناحية من الشقة على جهاز الراديو، أفكك أو أصلح، يراقب صعود جنس للاستيلاء على العالم، كنت أشعر بأن البنتين كانتا من النوع المثقف جعلتهما الضرورة تحصّلان القوت بعمل اليد، وألاحظ لهما رأياً

стр. 220

مدققاً في الأشياء قلما يطرحانه في الحديث، فيدور أحياناً الحديث في الدين أو السياسة دون أن تترك البنتان العنان لجهر القول في الموضوع، ولكن صدق الشاعر الجاهلي زهير: ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تُعلم رحنا ذات يوم نتحدث عن نظريات (فرويد) في الأحلام، وانطلق كل واحد يذكر بعض ما رأى، فذكرت بدوري: - إنني رأيت مناماً: أصعد إلى النجوم ... وإذا بكبرى البنتين تقاطعني: - صحيح؟ هل صحيح أنك رأيت هذا؟ كررتِ السؤال مرتين أو ثلاثاً، وقبل أن يرجع لي نفسي قالت: - إذا كان صحيحاً فإنك ستصير رجلاً مشهوراً. ففهمت أنها تؤمن بالعهد القديم أكثر مما تؤمن بفرويد، فقد فسرت الحلم بكل وضوح حسب قصة يوسف في الكتاب المقدس، بينما كانت هذه العانس اليهودية تصرح في كل حديث دار على الدين قبل ذلك، بأنها لم تلقن أي شيء ديني في طفولتها بـ (كتشينيف). وإذا بزلة لسان تكشف لي فجأة، عن أن السيدة لا تعلم تاريخ النبوة في العهد القديم وحسب بل تؤمن بهذا الكتاب كما أومن أنا بالقرآن. لماذا لا يريد اليهودي أن يكشف عن ذاته؟ مهما يكن الأمر، فالسؤال يذكرني حادثاً آخر جرى في الأسرة، فبينما كنا مجتمعين معاً في الورشة إذا الجرس يدق، فذهبت العجوز إلى الباب، وإذا صوت الزائر والزائرة يجعل البنتين تتركان الشغل وتلحقان بأمهما، فبقيت وحدي في

стр. 221

الورشة مع طفل صغير لقريبة من الأسرة، وكان الطفل يبتسم لي فداعبته: - لماذا تبتسم؟ - لأن أمي قالت لي أن أبتسم للناس حتى ولو كرهتهم. فهذا الاعتراف البريء لطفل في الثالثة أو الرابعة من عمره، واعتراف قريبته عن زلة لسان في يوم سبق، تركا في نفسي بعض الحيرة: لقد بدأت المشكلة اليهودية تتكون في ذهني. لم تكن الجزائر بعيدة عن ذاكرتي جداً، إذ بقي بيني وبين الوطن الرابط الروحي قوياً. ما زلت أعبر عن أفكاري الإصلاحية وأفكاري الوطنية وأجهر بموقفي ضد الاستعمار، حتى في المناسبات التافهة عندما كنت أتسكع مع صديقي الباسكي، على أرصفة الشوارع الكبيرة يوم الأحد على مدار السنة، وكنا على أعقاب الشتاء في متوسط الربيع، وكانت الأشجار تنفض بقايا الجليد، وبدأت العصافير تواصل معاركها الغرامية بكل جرأة قريباً من أقدام المارة على الرصيف. وفي هذه الأثناء وصل من تبسة (عبد المجيد خالدي)، الذي سيكون - لحسن الحظ ولسوئه- الصلة بيني وبين الحي اللاتيني، إذ أنني سأعود هنا إلى الوسط الجرائري ومشكلاته مع مشكلات العالم الإسلامي. وفي الوقت الذي اكتشفت فيه الحي اللاتيني، كان ميداناً لصراع محتدم يقود معركته من الطرف التونسي (صالح بن يوسف وثامر وسليمان بن سليمان)، ومن الطرف المراكشي (بلفريج ومحمد الفاسي) اللذان كانا يهدفان مع الإخوان التونسيين، إلى توحيد الصف بين طلبة الشمال الإفريقي المسلمين، فأسسوا من أجل ذلك أول مركز يحمل هذا العنوان بشارع الودرو رولان).

стр. 222

وبطبيعة الحال كانت الإدارة الاستعمارية بالمرصاد، تعمل على إخفاق المشروع، وتسخّر من أجل ذلك الانفصاليين من الطلبة الجزائريين المتمسكين بالبربرية، وبعضهم تمسكوا بمسيحية جوفاء انقادوا إليها بغية الدنيا بدوافع انتهازية صرفة، فكانت على الصعيد الطلابي تدور المعركة بين (الوحدويين) والمنشقين، الذين كانوا في أغلبهم من الجزائريين المنضمين لوحدة إقليمية جرائرية تضم أيضاً أبناء مستعمِري الجزائر. كان عل رأس المنشقين (عمار نارون) الذي يعمل بإيعاز الإدارة، تحت إشراف رئيس المجلس البلدي لمدينة باريس (المسيو كولين)، وكان على اتصال بالأوساط الاستعمارية العليا المستعدة لتحقيق رغبات أي منشق، وكان صدر أكثر من طالب جزائري يجيش بالرغبات ... هذه صورة وجيزة للصراع المحتدم في الحي اللاتيني بين الطرفين في تلك الفترة، عندما وضعت فيه أقدامي واتخذت في المعركة موقفاً ضد الانفصاليين، دون أن يخطر ببالي أن لموقفي هذا أي صلة بوضع أبي موظفاً صغيراً بالجزائر. لم يكن عدد الطلبة الجزائريين في الحي اللاتيني كبيراً، إذ لم يصل بعد إلى باريس الجيل الذي منه أصدقائي (بن الساعي وعلي بن أحمد وبن شيكو وعمر عياش)، فلم يتبعني في الحلبة إلا طالب الحقوق (بن عبد الله)، بدافع الولاء والصداقة أكثر من الدافع الفكري أو السياسي. أعلنت انضمامي ولكنني أخفيت شيئاً مقرراً في نفسي، هو أنني عندما تنتصر فكرة الوحدة سأكون حلقة الوسط بينها وبين (وحدة الشبان المسيحيين الباريسيين) ليتلقى فيها بنو قومي دروساً في أمور ربما عجزت حينذاك عن تسميتها، وإنما أسميتها اليوم دروساً في الفعالية وفي الأسلوب أو بكلمة واحدة: (في الحضارة).

стр. 223

تلك كانت رغبتي في تلك الفترة، ولكن لم تسعفني الظروف على تحقيقها، إذ لم يتبعني في المغامرة على تلك الضفة المسيحية إلا (محمد بن الساعي وهادي نويرة) الوزير الحالي للمالية بتونس، وقد اتبعاني فيما بعد بخطوات مترددة. لا أدري إن لاحظت- ولكن كان بإمكاني أن ألاحظ من هذه المناسبة- أن النخبة الإسلامية قد استولى عليها حب الظهور في المراتب السياسية، فقد أهملت المشكلات الرئيسية التي يواجهها العالم الإسلامي اليوم، بينما لو كان لهذه النخبة نصيب من الإدراك والنزاهة والتواضع لحلت تلك المشكلات منذ ثلاثين سنة. ولكن القوم كانوا يتصارعون على أن يصبحوا (زعماء) و (أبطال) المعارك الانتخابية، فسلكوا بشعوبهم ملتويات السياسة ومنعرجاتها بدعوى أنهم يختصرون الطريق، في حين أنهم زادوا في طولها. إنني اليوم أرى هذا بكل وضوح، أما في تلك الفترة البعيدة فكان حسبي أن أدعو فقط. فدعوت في الحي اللاتيني للإصلاح والوهابية والوحدة الغربية أي للشعارات المختلفة التي كانت تغطي معنى واحداً (الإسلام). وكان صدى تلك الدعوة يصل إلى جمهورية (تريفيز)، فلم يتخلف (مرسولين) - الذي كان بوازع عرقه النرماندي لا يقعد حتى يُصيّر كل فكرة عملاً- عن اتخاذ التدابير لإنشاء مجلة شهرية توزع على الوحدويين بالحي اللاتيني وعلى أصدقاء جمهورية (تريفيز)، ولم تكن السيدة (دوفرانليو) الأم المربية لمرسولين لتتخلف بدورها عن تأييد كل مشروع خيري، فقدمت المساعدة المالية للمجلة فظهر عدد منها بتقديم مني، وزع حتى في الجرائر. وبدأت باريس تعد عدتها وتجمل وجهها لاستقبال زوار معرض المستعمرات، الذي أقيم بباب (فنسين)، إشادة بالعهد الاستعماري وبلوغه الأوج، وامتد للقطار الجوفي خط جديد فُتح بابه- البابا المذهب- استعداداً ليوم التدشين.

стр. 224

وكان المقاولون في ذلك الربيع ١٩٣١ يسارعون في أرجاء المعرض لإنهاء أشغالهم في اليوم الموعود. وجُمع داخل سور المعرض كل ما يجعله أكبر متحف يعرض فيه، ما يطبعه الاستعمار بطابعه الخاص وأساليبه المختلفة وما تنتجه المستعمرات من خيرات، وما أنتجته من فنون من أبسط كوخ إفريقي على ضفة النيجر، حتى أروع صورة في البناء، مثل معبد (أنكور) الذي تبوأ مركز المعرض بهيكله الشامخ، إذ يراه الزائر من كل أطراف المعرض، بينما لم يشيد إلا على نسبة الربع من حجمه الحقيقي. وانطلقت في الآفاق داخل فرنسا وخارجها، حملة إعلان صاخبة، وبدأ كل من يمتّ بصلة إلى التجارة في باريس، يهيئ نفسه لاستغلال المناسبة كيفما استطاع. وذات يوم أتى صديقي الباسكي ليتناول معي الغداء بمطعم (الوحدة) وإذا به يقول لي: هل مررت أمام دار الـ (با). دار الـ (با) متجر كبير للملابس الجاهزة، على مقربة من شارع (تريفيز)، في مقتطع شارع (مونت مارتر) وشارع (سان دونيس)، ولم أكن ذلك اليوم أتيت من الناحية التي يشير إليها صديقي، فاستمر قائلاً: - أتعلم أن دار الـ (با) قد غلفت وجه عمارة تبنى الآن أمامها، بلافتة ضخمة يذكر فيها اسم النبي محمد ... بنوع من الاستخفاف؟ فلم أفهم ... أي صلة بين محمد، والملابس الجاهزة، ودار البا، وحق المعرض كله؟ .. فعلاً، لم أفهم.

стр. 225

ولكن ما إن تناولنا آخر لقمة حتى خرجنا فوجدت فعلاً الجدار من الخشب الذي يقام احتياطياً على وجه كل عمارة جديدة، تغطيه لافتة تتضمهن إعلاناً شعرياً لا أتذكر وزنه ولا نصه، وإنما أتذكر منه البيت الأخير (ومحمد مات بعدما اعترف أن لا إله إلا البا)، الذي ترك في ذاكرتي أثر الجرح. لقد كان فعلاً جرحاً لم أستطع تحمله ذلك اليوم، ولم أعرف كيف أشفي غليلي، ولا على من أصب غضبي بسببه، غير أن فكرة غامضة توجهني إلى الحي اللاتيني بعد أن نقلت على كراستي نص الإعلان الشنيع، فحاولت أن أصب غضي في ضمير إخواني الطلبة الجزائريين فلم أوفق، وانقلب غضبي في ضميري إلى هيجان الكلب المسعور فتوجهت إلى مسجد باريس، لعلي أجد مديره المشرف على الشؤون الإسلامية، فلم أجده. ولم يبق إلا أن أسلم الورقة التي نقلت عليها شعر البا إلى إمام المسجد، راجياً منه أن يسلمها للمدير (السيد بن غبريط) حالما يعود. ورجعت إلى غرفتي في ساعة متأخرة ليلاً والأسى يصك عظامي، وألقيت نفسي على السرير يؤرقني الألم، وعندما أطفأت النور انطلقت من شفتيّ لعنة على من يتجرأ هذه الجرأة العمياء على حرمة النبي، وانتهت اللعنة في صورة تضرّع: - يا الله ... إن النبي تمس كرامته ولا تزلزل الأرض!! ولم تكد هذه الكلمات تمر في فكري حتى شعرت بسريري يتأرجح، وفجأة نسيت دار البا واللافتة والطلبة ولم يبق في ذهني إلا فكرة واحدة: - هذا شخص تحت السرير!. فولعت النور على الفور، ولم يكن أحد تحت السرير بطبيعة الحال، ولكنني لم أشك فيما شعرت به من تأرجح دون أن أفسر الأمر بوجه. وفي الغداة شرعت في تحقيق لأتأكد، فسألت جيراني في الدور فلم يشعر

стр. 226

أحدهم بشيء، ولكنني لما كنت كل يوم أحد أطالع الجريدة فتناولتها وأنا على سطح المقهى، وإذا بمقطع صغير ينقل نبأ عن مرصد (جرنويش): إن هذا المرصد سجل الليلة هزة صغيرة. وكانت ساعة الهزة تنطبق مع حركة سريري. هذا هو الأمر، أفضي به كما هو لمن يريد أن يتأمله ولن يريد أن يهزأ منه. بقيت هذه الذكرى من أيام المعرض مقترنة في ذهني بأخرى. افتُتح المعرض بعد أسابيع، وكان الزائر الذي يدخل من الباب الرئيسي، يشاهد مباشرة على يساره جناحاً لـ (الآباء البيض)، تعرض فيه نسخ العهد القديم والعهد الجديد، ولكن الجناح كان يوزع أيضاً كتاباً صدر في تلك الفترة تحت عنوان (الرسائل الجزائرية) يتناول صاحبه، المحامي الجزائري لدى محاكم باريس، العادات والتقاليد الإسلامية بنقد فيه التشويه والتشنيع، كأنما هذا المحامي الجزائري لدى محاكم باريس، أراد بكتابه تقديم مرافعة ضد الإسلام، زلفى وقربى من (الآباء البيض) لينال على أيديهم الزبائن الذين لم يكسبهم لمجرد موهبته، إذ لم تكن له أي موهبة في الفصاحة والبلاغة. لقد فتح المعرض أبوابه في غضون الربيع. وتوالت أيامه إلى الخريف، وفي هذه الفترة أصبح الرجل المستعمر- الجزائري والمراكشي والتونسي والهندي والهندي الصيني والسنيغالي والسوداني- موضوع الأحاديث في أكثر عواصم الدنيا تمسكاً بأمر سيدة الموضة، أعني باريس. ولكن الرجل الذي لفت أكثر الأنظار في المعرض بلا جدال، كان من قبيلة (الطوارق) - إحدى عشائر الصحراء الجزائرية- فكان مع رهط من عشيرته على ظهر جمالهم وفي هيئتهم الخاصة، يتقدم معهم الموكب الفلكلوري الذي يطوف في كل أرجاء المعرض ليلة كل سبت فيثيرون إعجاب المتفرجين، وكان يشتغل سائر

стр. 227

الأيام بتنزيه الزوار على ظهر جمله، ولقد كان هذا الطارقي أجمل صورة رأيتها إطلاقاً لهذا النوع من الرجال، فكان أكثر زبائنه من السيدات، وأعتقد أن إعجابهن كان يتجه للرجل أكثر منه لجمله. ولقد كان معبد (أنكور) تحفة المعرض الكبرى، وكان الطارقي تحفته الصغرى، ولكن الأمر الأهم بالنسبة للزوار الجزائريين كان بلا ريب كتاب (الرسائل الجزائرية)، لأنه يندرج في تلك الملابسات التي كانت فيها الإدارة الاستعمارية تهيئ (الظهير البربري)، كخطوة أولى لتنصير مراكش. ووفد من (تبسة) بعض المعارف وأعطوني أخبار الأهل، فقررت قضاء الصيف بباريس، لا من أجل مواصلة الدراسة، حسب النظام الخاص بمدرسة اللاسلكي، ولكن من أجل المعرض الذي أصبح مجال ملاحظاتي وتأملاتي عن (الشعوب المقيدة)، وعن الصور الكريكاتورية التي تعطى عنهم، خصوصاً عن الشعوب الإسلامية. وأكثر ما يلفت نظري، دور اليهودي يتخذ مثلاً من اللون والزي العربي ما يعرض به نفسه بوصفه عربياً، في صورة تحط بكرامته في نظر المتفرجين؛ وأحياناً أخرى تراه يستمع إلى قطعة موسيقية أو يتتبع دوراً تمثيلياً في مقهى مراكش، فيرفع صوته. هذا حسن ... حسن بالنسبة للعرب!! فكنت على إدراك تام لأهية هذا العمل، يغتنم اليهودي بمهارة عجيبة كل فرصة لانتقاص العربي، وأدرك خاصة أن الأوربيين والمسلمين على حد سواء، لم يكونوا يفقهون معنى لهذا النسيج الدقيق في أغوار نفوسهم. إن باريس تصوغ كل انطباعاتها الحسنة والسيئة. في (موضة) ... فكان (الرجل المستعمَر) موضة الوقت، حتى في ميدان الزواج. ولقد كانت كل الأسر

стр. 228

الفرنسية ذات الشأن تطالع (المجلة المصورة)، فكنت يوماً أطالع أحد أعدادها على سطح مقهى (كل شيء بخير) إذا بنظري يقع على إعلان: (شاعرة فرنسية تريد الزواج من أمير شرقي). فتصورت وراء هذا الإعلان الغريب، التوقعات التي ربما تحدث للسيدة المخاطرة فيما إذا وقع على خبرها، أحد فرسان المغامرات، فقررت أن أحيطها علماً قبل أن تكون نتيجة مخاطرتها على حساب المسلمين فكاتبتها عن طريق المجلة، حسب الإعلان. وبعد أيام قليلة، كنت عائداً من المدرسة إذ بمراقبة الفندق تناديني من مكتبها تناديني من مكتبها: - أيها الصديق إن سيدة تنتظرك في الصالون. وإذا بهذه الشاعرة التي ربما اكتشفت الشرق في قصة ألف ليلة وليلة ولا تدري عن وضعه الراهن شيئاً، ولعلها وجدت في خطابي لهجة الناصح فأتت تشكرني، وبالمناسبة ذكرت لي ما ورد عليها من طلبات زواج، منها واحدة من مهراجا برز إليها قطعاً من صفحات ألف ليلة وليلة، وأخرى من أمير ليبي، لاشك أنه من الأصل نفسه، وقرأت علي الخطابات الغرامية، فلم يبق لدي شك أن السيدة ستغدو ضحية لأحد هؤلاء الفرسان، وربما لاحظت على وجهي ما يختلج في نفسي، وبعد أيام عادت مرة أخرى إلى الفندق: - إنني أتيتك هذه المرة بخبر سار، إنك لا شك تعرف الأمير (شريف)، لأنك من تبسة كما قلت لي ... ومن لا يعرف (الأمير شريف) بمدينة تبسة؟ وكيف أنجو بذمتي من هذا المأزق؟ فقلت:

стр. 229

- يا سيدتي، نعم أنا من تبسة أعني من ناحيتها، وليس لأسرتي المتواضعة علاقة بالأسر التي تحمل لقب الإمارة، ولكنك تستطيعين الاتصال بشيخ مدينة تبسة، فإنه قطعاً خير مني في إرشادك إلى (الأمير). قلت هذا بكل صفاء نية، ولكن الله يهدي من يشاء، فقصة الشاعرة الطيبة مع (الأمير) الوهمي ستنتهي بعد سنة باختلاس رزقها ... أغلق المعرض أبوابه واستدرجني الحي اللاتيني من جديد إلى مشكلات لا صلة لها بدراستي، وعادت (جمعية الطلبة الوحدويين) لنشاطها، ولم تكن قضية المنشقين قد فصلت بعد، وأخد الصراع بين الطائفتين يزداد عنفاً مع عودة السنة الدراسية، وعادت الإدارة الاستعمارية في الحي اللاتيني تلقي شباكها لتصطاد من الطلبة الجزائريين المنشقين، وعدت كسمكة مفترسة من نوع البروشي الصغير، أنقض على تلك الشباك أمزق منها بأنيابي الصغيرة ما أمزق دون أن أشعر أن الخيوط التي أمزقها، كانت تترك في مصيري ومصير أسرتي البريئة جروحاً لا تبرأ ولا تندمل. وفي هذه الأثناء وصل إلى باريس (حموده بن الساعي)، رأيته في اجتماع للطلبة (الوحدويين) بمركز (لودرو رولان). فشعرت أنه تجنب تعرفي عليه قبل أن أعرفه، وسأكشف هذا المرض المتفشي في النخبة الجزائرية، مرض التجاهل تلك الظاهرة الاجتماعية التي طالما شغلت بالي فما بعد. ولكنني لم أقف عند هذه الظاهرة في هذه الظروف بالذات، وإنما وجدت نفسي مرتاحاً جداً فحمدت الله على وجود صديقي بين ظهرانينا، لأنني أستطيع معه القيام بمهمات لا يعينني عليها غيره. وبعد نهاية الجلسة صاحبته إلى غرفته بميدان (البانطئوون)، وفي الطريق عرض علي أفكاره وعرضت عليه أفكاري في الأمور التي كانت موضوع الحديث في

стр. 230

الأوساط الطلابية، فوجدت أننا على وتيرة واحدة في أهمها، وإن كان لفت نظري بعض التحفظ عند صديقي بالنسبة للإصلاح والوهابية .. كان صديقي لا ينتظر منهما المعجزات وكنت أراهما معجزتين، وما عدا اختلافنا في درجة التفاؤل والتشاؤم، كنا من مشرب واحد فيما يخص دور الإسلام في النهوض بالشعوب الإسلامية، ودور الطالب في هذه النهضة. ولكن يجب على هذا الطالب أن يشق الطريق السليم، فبيتنا الأمر بيننا على أن نضع معالم الطريق. ومن أجل ذلك قررنا أن يتولى صديقي جمع المعلومات والوثائق، لأن ذلك في نطاق عمله بوصفه طالب فلسفة يتردد يومياً على المكتبات. ولم أكن أعلم إذ ذاك أن العمل الجماعي بما يفرض من تبعات، إنما هو من المقومات التي فقدها المجتمع الإسلامي ثم لم يسترجعها بعد، خصوصاً بين مثقفيه، وكنت أجهل أيضاً فيما يخص شخص صديقي أنه كان يعاني حالة عدم اتزان مشؤوم يجمع بين طموح جبار وإرادة واهية، فقد كان طموحه يعرقله عن العمل المشترك الخاضع للإرادتين، وضعف إرادته يعطله عن العمل الفردي المتواصل. ولكنه مع ذلك كان الوحيد من جيلي الجزائري، الذي أستطيع العمل الفكري معه لأن شيطان المعرفة قد استولى عليه منذ صباه، حتى أنني اعتقدت تلك الليلة، أننا سوف نقوم بعمل سيبقى أثره في المجتمع الجزائري. فقضينا الليلة نتحدث عن مشروعات فكرية وسياسية لم يكتب لها أن ترى النور على أيدينا، كما تصورتها عقولنا. ولكن بعد أربعين سنة عندما تعود لي اليوم بعض ذكريات تلك الفترة، أدرك أنني على أية حال، أدين لـ (حموده بن الساعي) باتجاهي كاتباً متخصصاً في شؤون العالم الإسلامي، حتى لو أنني لم أنجز معه أي عمل بعيد المدى، يجب أن

стр. 231

أقول إنني أنجزت معه كل الأعمال اليومية الخاصة بالطلبة المغاربة بالحي اللاتيني، في الوقت الذي بدأت في وسطهم الإرهاصات المبشرة بظهور الحركات الوطنية. ومن ناحية أخرى يجب أن أقول، إن تحولي عن دراستي خاصة أيام العرض، قد زاد بصحبته منذ أصبحت مهتماً بالفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ، أكثر من اهتمامي بمواد مدرسة اللاسلكي ... لم يبق للأفق البعيد أي تأثير في توجيهي، ولكنني بدأت أشعر بآفاق جديدة لا زالت غامضة، ولم أكن أستطيع التعبير عنها بكلمات ولكنها تؤثر بوخزها في نفسي على توجيهي العام. إن باريس مدينة تُخشى عواقبها، فبدأت أفكر كيف أحصن نفسي من مغرياتها. وذات يوم- وأنا في غرفتي أمام النافذة- إذ انطلق من أعماقي دعاء وتضرع إلى الله ... كان يوم الجمعة من عام ١٩٣١ وقد تولى الله الأمر فهداني إلى زوجي وهداها هي، فسمت نفسها خديجة، وأخذت على الفور زمام حياتي المادية في البيت؛ ولكن بقيت حياتي الدراسية متأثرة متصدعة من مشكلات الحي اللاتيني ومما يترتب على صلاتي بـ (وحدة الشبان المسيحيين)؛ ومن ناحية أخرى فإنني بدأت أشعر بطموح جديد يبعدني عن مدرسة اللاسلكي في اتجاه علمي آخر، ربما أوحت لي به كتب الأب (مورو) وزياراتي إلى متحف الفنون والصناعات، وبدأ يقل ترددي على المدرسة وهجرت تماماً أسرة الزميل. وكل ما تحقق بالنسبة لي في هذه الفترة، هو أنني أصبحت أتابع مناقشاتي مع (حموده بن الساعي) تحت سقف بيتي، فتهيئ لنا زوجي الشاي على النمط المغربي، ثم تواصل في ركنها شغل الإبرة وهي تتتبع ما نقول لتراجعني في بعضه بعد ذهاب صديقي. وفي الحي اللاتيني بدأت تفد وجوه جديدة ... وصل (سحلي وبومنجل)

стр. 232

وغيرهما، وكأنما شيطان المعرفة بدأ يوسوس إلى المثقفين الجزائرين، ويستدرجهم إلى آفاق جديدة بحثاً عن العلم أو عن مركز مرموق، فوصل بدوره (كسوس) وأراد أن يكون لهذه المناسبة صدى يذكر، لأن الرجل كان على ما أعتقد يتطلع إلى منصب سياسي، فألقى بنادي الطلبة المغاربة محاضرة، لم يختر مكان إلقائها عن مبدإ وإنما لمجرد الشهرة، إذ أنه كان فيما عدا ذلك على مذهب الطلبة المنشقين، ومع ذلك فقد كان لمحاضرته فضل كبير في تصفية الجو بين الطلاب الجزائريين؛ لم يبق في تلك الليلة واحد منهم بقناعِهِ وعرف القوم كل فريق بسيماهم: فريق (الواقعيين) مثل (عمار نارون) الذي كان على رأس المنشقين، وفريق (المثاليين)، مثل (بن الساعي) ومثلي. ويجب هنا أن نحدد مصطلحنا: فـ (الواقعي) هو الطالب المستعد لكل التواطؤات مع الإدارة الاستعمارية و (المثالي) هو المستعد لرفض كل تواطؤ. لقد كانت المحاضرة فرصة لاحظت خلالها مع (بن الساعي) كيف كان المحاضر وفريقه يتبادلون النظرات وإشارات التلميح فوق رؤوس الملأ، وإشارات وتلميحات أسهم فيها بعض الطلبة التونسيين. وتبودلت أيضاً في فريقنا نظرات وإيماءات منها تلميح للمحاضر ورفقائه، وساد القاعة جو أوحى لي أن أتقدم بعد نظرة تبادلتها مع (حموده بن الساعي)، بإعلان عنوان محاضرة ألقيها المرة المقبلة، كأن الموقف كان يفرض رد الفعل، فاخترت (لماذا نحن مسلمون) بعنوان أتذكر أن اختياره ترك في القاعة أثراً حسناً. ... كانت المحاضرة في أواخر كانون الأول (ديسمبر) عام ١٩٣١، فتناولت فيها

стр. 233

الموضوع مستنداً إلى تاريخ الشمال الإفريقي. وما كان فريق (الواقعيين) ليترك فرصة كهذه تمر دون رد فعل، فعندما انتهيت انطلق فعلاً صوت يقول: - لماذا تلتفت للماضي، في الوقت الذي يهمنا فيه المستقبل؟ .. لم تكن هذه السماجات نادرة في وسطهم، فهي إلى اليوم من تراثهم تتكرر على ألسنتهم أو تحت أقلامهم، غير أن الظرف لم يدع مجالاً للسكوت عن السماجة هذه المرة، فأطقت ناراً على (الواقعيين) مرتجلاً كلامي، لا يهمني أتبادل (عمار نارون) و (كسوس) نظر المتواطئين بينهما أم لا، وإنما استرسلت كأنما ريح عاصفة تدفعني وروح تمدني بالكلمات، وأعتقد أنني حلقت في سماء المنطق الغلاب والشعر الخلاب، أتذكر إلى اليوم من بين ما قلت هذه الكلمات: - إن الروح تصنع المادة! .. ولا أدري إذا كنت فهمت في تلك اللحظة الوجدانية، ما قلته كما أفهمه اليوم، وإنما أتدكر أن عيني (حموده بن الساعي) كانت تبرقان وتقعان كالصاعقة على (الواقعيين) في كل جملة أقولها. فسادت في الجو وفي القاعة لحظات ملهمة لا أستطيع تصويرها، ولما انتهيت رأيت (صالح بن يوسف) يحتضنني قائلاً: - إنني أقبلك لا من أجل محاضرتك، ولكن لتعقيبك المرتجل عليها. هل كان هذا الطالب التونسي هو الآخر من المثاليين؟ إنني أطرح السؤال بعد أربعين سنة، لأنني رأيته بعد سنوات قد أصبح (واقعياً). إن الحلبة السياسية قد حققت فعلاً، في البلاد الإسلامية معجزات من المسخ! ومهما يكن الأمر في ذلك المساء فإن (الواقعيين) لم يكونوا عندما خرجنا من المحاضرة، ليجرؤوا على مبادلتنا النظر.

стр. 234

وبت سعيداً ... وبعد ثلاثة أيام اتفق لي أن أذهب تلك الصبيحة، لأتناول القهوة بجمهورية (تريفيز) من أجل مطالعة الصحف، حالما وصلت وجلست بقاعة المطالعة إذا بشخص يتقدم، ولو كان جاءني اليوم لعرفته بنوع قبعته المكورة: - صباح الخير، أنت السيد الصديق؟ قال هذه الكلمات وأخرج هويته: كان من البوليس. لم يحدث في نفسي أي شعور خاص أذكره اليوم، فبقيت أنصت لرجل البوليس: - ماذا تصنع بباريس؟ - طالب ... وتتابعت أسئلته وأجوبتي وهو يكتب على محضر، ثم سأل سؤاله الأخير: - من ينفق عليك؟ - أبي ... وانقلب الرجل ذو القبعة المكورة، دون أن أضع في ذهني أي صلة بين هذا الحادث التافه ومحاضرتي أمام الطلبة، وخصوصاً بينه وبين مركز أبي الموظف الصغير بالجزائر، ولا بينه وبين مستقبلي. وبعد بضعة أيام أخبرني (حمودة بن الساعي)، أنه بلغه من طالب جزائري، بالحي اللاتيني أن البروفسور (مسينيون) يرغب أن يراني، وربما عمد الطالب الجزائري إلى أن يبلغني الخبر عن طريق صديقي حتى لا أعرف صلته بالبروفسور، وعلى أية حال اعتراني شعور بالكبرياء لم أتنازل عنه لتلبية دعوة غير مباشرة وبالتالي فإنني فهمت مغزاها ...

стр. 235

هكذا تبتدئ الفاجعات الكبرى، بحدث تافه غالباً، ولكنني لم أكن بعد أدرك ذلك، بل لا زلت أتلذذ بانتصاري بنادي الطلبة، وأنعم باللقب الجديد الذي أهدانيه (محمد الفاسي) الذي أطلق عليَّ منذ تلك المحاضرة (زعيم الوحدة المغربية)، وأصبحت فعلاً وجهاً من وجوه هذه الوحدة، فقد اجتمعت على اسمي أغلبية أصواتها يوم ترشيح أعضاء هيئتها، ولا أدري كيف أصبح (محمد الفاسي) بعد ذلك رئيساً لها، وإنما أتذكر أن (بلفريج) والمرحوم (ثامر) أقنعاني بذلك وبأن أكون نائبه، ففضلت بدوري أن يكون (حموده بن الساعي) نائب الرئيس. وربما كنت في تلك الفترة، أعاني أزمة نفسية تجعلني أتعالى على (مسينيون) من ناحية وأتواضع لـ (حموده بن الساعي) من ناحية أخرى. والأمر الذي لا شك فيه هو أن السمك المفترس الصغير، كان يمزق بعض خيوط شبكة الاستعمار بينما تمزق هي أوداجه دون أن يشعر بذلك. كانت المناقشات الفلسفية مع (حموده بن الساعي) تجري مجراها، ومضت زوجي تفتن من أجل توفير جميع وسائل الراحة لي داخل البيت حتى من الناحية الفكرية، إذ كانت تأتي على الأشياء التي أشاهدها في عالمي الجديد، بشهادة من يعرفها من داخلها. لقد كنت أرى في تلك الأشياء القيم الحضارية التي أصبحت الشغل الشاغل بالنسبة لي من الناحية النظرية، ولكن زوجي ألبستها لباسها الإنساني وصيرتها ملموسة أمامي. لقد أصبحت في الحقيقة أعيش في الورشة المختصة بالجانب التطبيقي لملاحظاتي عن البيئة الجديدة، وبصياغة توقعي واستطلاعي الشخصي تجاهها، سواء من حيث الفكر والسلوك أو من حيث ما أزكي من فضائلها وما أرفض من رذائلها.

стр. 236

وكم استفدت من هذه المدرسة مدرسة المعايشة، إذ يصير التلميذ أستاذاً أحياناً والأستاذ تلميذاً أحياناً أخرى. ولكن ما لبثنا كثيراً نستنشق هذه السعادة البسيطة الجدية، حتى دق الباب نبأ من تبسة، يخبرني والدي أن رئيسه حاكم المدينة، أمر بنقله إلى مكان آخر، ويسألني هل يستطيع (مسينيون) التدخل لإصلاح وضعه في الإدارة ... وكيف لا يستطيع البروفسور، وهو المستشار الخبير للحكومة الفرنسية للشؤون الإسلامية؟ ولكن لا بد أن أدق بابه، بينما كنت في تلك الفترة على جانب من الاعتزاز يجعلني أتخيل أن الأبواب يجب أن تفتح أمامي وحدها، ودون أن أدقها؛ فاضطررت على أية حال إلى دق جرس الهاتف لأطلب موعداً من المستشرق الكبير، الذي حدد لي موعداً ربما لمصلحة معينة، وربما للتواضع اللائق بكل رجل ثقافة وعلم؛ فدخلت لأول مرة بيته في شارع مسيو، حيث يقضي يومه ويتصفح ويحلل كل تلك المخطوطات العربية ذات الورق الأصفر أو المصفر من القدم، المتراكمة على مكتبه. بينما يدق على مقربة من منزله جرس كانيسة (سان سولبيس) معلناً أوقات الصلوات في الصباح والعشية. ما جلست إلا قليلاً حتى دق جرس الباب وقام الأستاذ الكبير فتغيب هنيهة، ثم رجع يستأذنني: - إنه السيد (حسني الأحمق)، هل ترى مانعاً إذا أدخلته للمكتب معنا؟ تذكرت صاحب كتاب (الرسائل الجزائرية) فقلت بصرامة ودون تلطف: - لا يا سيدي، لا أريد أن أراه ... لقد فاتني أن موقفي كان في منتهى عدم الذوق واللياقة، بالإضافة إلى كونه خطأ سياسياً، بينما لم يبد على وجه (مسينيون) أي تغير واستمر في حديثه معي كأن شيئاً لم يكن.

стр. 237

إنني أستعيد في ذاكرتي، بعد أربعين سنة هذه الصورة، فالحقيقة أنني أخجل من هذا السلوك، وأرى كم كانت السمكة المفترسة الصغيرة لا تشعر بالخطورة ولا حتى باللياقة. وقبل كل شيء، لم أكن أشعر ذلك اليوم أنه في تلك اللحظة، كانت تنطق الموجة الأولى من العاصفة الهوجاء التي ستجتاح مصير أسرتي ومصيري، فتحطمت رخوة لينة بفتور على شفتي (مسينيون) الذي اصطحبني إلى الباب يودعني بكلمات لطيفة. ونقل والدي من منصبه إلى غيره وبهذا لا تستطيع والدتي المريضة أن تلحق به، وكان الأمر مبيتاً على ذلك من طرف رئيسه، مما اضطر معه والدي إلى طلب إجازة بقي فيها إلى يومنا هذا، وهو عجوز تجاوز الثمانين من العمر إذ ضاعت حقوقه كلها بوصفه موظفاً. كنت أتأثر من هذه المحن التي بدأت تنصب على أهلي بسببي، دون أن أغير سلوكي بسببها، بل كانت الأحداث نفسها تزيدني تصلباً وتحدياً في نظر الإدارة الاستعمارية، التي بدأت في ذلك الشهر بالذات شهر شباط (فبراير) عام ١٩٣٢، تولي اهتامها في الأوساط الطلابية بصدى حدث وقع بعاصة الجزائر حيث أمر الحاكم بمنع أي نشاط لجمعية العلماء في مساجد الوطن. استأجرت في هذه الأثناء غرفة مفروشة، في شقة أيِّم قرب باب فرساي وانتقلت إليها مع زوجي، وإذا بطرد منشورات يأتيني من الجزائر أرسله لي (رونيه جوجلاري)، ذلك الفرنسي الذي اعتنق الإسلام واتخذ لقب (محمد الشريف). لقد تعوّد الرجل أيام شبابه بباريس، أن يوزع على الطلبة في الحي اللاتيني منشورات (شارلس موراس) زعيم الحزب الملكي الفرنسي، فهو الآن

стр. 238

يضع حدة مزاجه وحرارة إيمانه في خدمة قضية الإصلاح بالجزائر، ويعيش كاتب خطابات للأميين بالمقاهي الجزائرية الشعبية. وكان الطرد يحتوي منشورات لعلها من تحريره، ولكن باسم جمعية العلماء، تتضمن احتجاجاً حاراً على الإدارة الاستعمارية التي أمرت بمنع أي نشاط إصلاحي داخل المساجد؛ وكان (محمد الشريف) يرجوني في خطاب خاص توزيع تلك المنشورات بباريس. فاجتمعت مع (حموده بن الساعي) و (بن عبد الله) في مقهى (الهجار) بالحي اللاتيني، وانضم إلينا بعض العاملين على البر من الطلبة الجزائريين، وتسلم كل واحد نصيبه من المنشورات لنوزعها، وانطلقنا نمسح شوارع باريس ودروبها على الأقدام، إذ لم يكن لدينا غير ذلك من وسائل النقل، نضع المنشور غالباً في صناديق بريد أولئك المزمع الاتصال بهم، من الصحافيين والنواب وأعضاء مجلس الشيوخ، وكل من له اسم في حي (سان جيرمان). ولا شك أن باريسيين وباريسيات، لا يعرفون عن جمعية العلماء ولا عن الإسلام ولا عن الإصلاح شيئاً، قد فوجئوا بوجود منشورنا في صندوق بريدهم ذات صباح. إنني أتصور دهشتهم في ذلك الصباح، أما عن الأثر الحقيقي لمنشورنا، فإنه لم يكن له إلا صدى واحد في صحيفة (محمد الشريف جوجلاري) اليمينية الملكية التي تناولتنا- لا أتذكر تحت أي عنوان ولا بأي قلم- بالإشارة إلى بعض الحيّات من المسلمين ... الخ. أما الصحافة اليسارية والتقدمية الديمقراطية ففضلت الصمت ... هذا كل ما كان في الأمر، لا بل إن أهم ما في الأمر كان بالطبع خافياً عن الأنظار في خفايا وزوايا الدوائر الاستعمارية التي أسست، بشارع (لوكونت) من أجل تتبع مثل هذه الأمور، قسماً خاصاً أصبحنا نسميه على وجه التبسيط (شارع لوكونت)،

стр. 239

ولا شك أن هذا القسم تتبع خطواتنا في كل هذه الفترة، من أولها إلى آخرها، مقدراً كل خطوة حسب تسعيرة دفتره الخاص لهذه الحسابات. ولكنني لم أكن بعد أعلم شيئاً عن هذا الدفتر لأقدر ما أضيف لرصيدي بهذه المناسبة. وعلى أية حال فقد كان في الحي اللاتيني وفي باريس بل في العالم ما يلهيني عن هذه التقديرات والحمد لله. لقد بدأ (شرق نصر الدين) يُظْهر في السماء نجم هتلر داعية العنف المطلق، في حين بدأت تشيع على أرصفة باريس لعبة (يويو) بين الأطفال والكبار. وفي هذه الأثناء وصل غاندي والعنزة مرضعته، عائدين من مؤتمر مائدة مستديرة عقد في شتاء ذلك العام حول مشكلات الهند. فقرر المهاتما أن يحط عصا الترحال ريثما يلقي بباريس محاضرة أسهمت في تحضيرها جمعيتنا وحضرها خيرة القوم بباريس من السيدات والرجال: أما السيدات فليزددن معرفة بالعنزة المرضعة، وأما الرجال وكانوا من أهل العلم والفن والسياسة فليستمعوا لصوت داعية اللاعنف، وليستخلصوا من المناسبة ما يستخلصون كل حسب هواه أو هوايته أو مصلحته. وهكذا نرى (دنييل هاليغي) على سبيل المثال، يستخلص منها تلك العبارات التي قدم بها كتاباً لـ (هنري ماسيس) الذي حاز على الشهرة، وكان بعنوان (دفاع عن الغرب)، وكان أولى لهذا الكتاب أن يصدر تحت عنوان (هجوم على الشرق والشرقيين) بسبب مقدمته؛ فقد تولى صاحبها اليهودي تشويه الروح الشرقية أكثر مما تولى صاحب الكتاب تمجيد الروح الغربية. أما أهل النحت في الصلب والخزف فصوروا ما شاؤوا غاندي قائماً أو قاعداً، من تماثيل صغيرة معروضة في واجهات الدكاكين الكبيرة والصغيرة.

стр. 240

إن باريس تحول كل شيء إلى (تقليعة). فكان غاندي وعترته إلى جانب لعبة الـ (يويو) تقليعة الساعة. وفي الحي اللاتيني حدث أمر، أخذ أيضاً يشغلني على حساب دراستي تلك السنة. لقد بدأ نجم (مصالي حاج) في الظهور. وفكر الزعيم في بعث منظمة (نجم شمال إفريقيا) الذي أفل بباريس منذ ذهاب الأمير خالد ﵀ إلى الشرق، فاتصل (مصالي) بجمعية الطلبة بواسطة الدكتور (بن ميلاد) - حسبما أتذكر- وتم الاتصال بممثلى الجمعية في غرفة من فندق (الهجار) لأن صاحبه يدعي القرابة من الأمير خالد، ويتظاهر بأفكاره السياسية؛ لم يحضر صديقي (حموده بن الساعي) هذا الاجتماع بسبب تحفظه إزاء كل نشاط سياسي منظم، فتم الاتصال بين الزعيم وبعض الطلبة في تلك الغرفة، في صورة مباراة في الفصاحة تحدث خلالها البهلوان- الذي سيصبح وزير الشباب التونسي- عن سقراط وأرسطو، وأبرز من خلالها كل منا ما عنده من ذخيرة ... ثم اتفقنا مع الزعيم على موعد آخر في غرفة أحد مريديه، وهو بقال بشارع (سان جاك)، اجتمعنا بين سرير النوم وكوم بطاطس وميزان البيع، لنقرر مصير (نجم شمال إفريقيا) المزمع بعثه بأكثر ما يمكن من الأبهة والإعلان حسب رغبة (مصالي حاج)، ولم أكن أعلم أن هذه الرغبة السامية كانت العرض للمرض الجديد الذي سيجتاح الجزائر، والذي سيبدد كل طاقاتها في الظهور والتظاهر والمظاهرات كأنما لم يكن، في نظر (الزعيم) سوى هذا الوجه من النشاط السياسي الذي استولى على الوطن طيلة ربع قرن. وللقائل الحق أن يقول إن المرض الجديد كان من بعض جوانبه شفاء، إذا قدرنا أن الجزائر خرجت من العدم لتدخل في عهد التظاهر، بالإضافة إلى أن المظاهرات الصاخبة وما تخللها من حملات انتخابية تشرف عليها الإدارة الاستعمارية، كان لها الفضل على أية حال في توعية الشعب الجزائري إزاء بعض

стр. 241

المشكلات المطروحة. ولكن هذا التقدير خطأ لأن الجزائر لم تنطلق من نقطة الصفر، بل انطلقت من ميدان المعارك الطاحنة التي خاضها الشعب تحت لواء الإصلاح، ولواء المؤتمر الإسلامي الذي سيأتي ذكره لتدخل ميدان الانتخابات، لذا فإنني لا أرى في تلك الحركات الحزبية مُسرّعاً لخطوات الشعب نحو الثورة في النهاية، بل على العكس أراها مسؤولة عن تعطيل أوانها إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. هذه هي الحقيقة أمام التاريخ ... فلولا تدخل مصالي حاج في الأمر، لما وجدت الجزائر نفسها أمام كثير من المشكلات التي عانتها بعد الاستقلال سنة ١٩٦٢ ... ولكن فلنترك التاريخ يتابع مراحله، ولنبق في مرحلة اجتماعنا بغرفة البقال بشارع (سان جاك) من أجل تحضير أولى (مظاهرات) الحزب الوطني ... لقد اتفق الرأي على أن تكون في صورة مهرجان يقام في إحدى قاعات العمارة الكبرى التي تشغلها منظمة الماسونية الفرنسية (الشرق الكبير Le Grand orient). كُتِب للحزب الوطني أن يكون مهده في هذا المقر، والآن بعد أربعين سنة وقد علمتني الأيام ما علمتني، يجب أن أقول إن أمراً كهذا يتركني محتاراً! ومهما يكن في الأمر، فها نحن أولاء مجتمعون للمرة الثانية في غرفة البقال، من أجل تحضير ذلك اليوم المشهود، فكنا طرفين: من طرف (العمال) الزعيم أولاً وصديقنا صاحب الغرفة و (سي الجيلالي) الذي كان يمثل الاستقامة نفسها، و (إيماش: رأس الثور) كما كنا نسميه لحجم رأسه، وربما جاء بملامح طفولية على وجهه؛ ومن طرف الطلبة كنت مع (بن ميلاد) وتونسي آخر من كلية الصيدلة، أتذكر فقط أنه كان محدودب الظهر، وكان دوماً يذكرني بكتاب فكتور هوجو (أحدب نوتردام).

стр. 242

واتفقنا على برنامج منوع من موسيقا ورقص، وطبعاً خطاب الزعيم الذي فاجأنا باقتراح فسح المجال أيضاً لتمثيلية قصيرة، ودون أن ينتظر تقرير الرأي في الموضوع، أخرج من جيبه كراسة مطوية وبدأ يقرأ لنا تمثيليته، فكانت ذات بناء ثقيل وبلاغة ركيكة، لو سمعها (اسخيلوس) لأصابته نوبة عصبية في قبره ولثار على الفور من مرقده ليثأر لفن التراجيدية من زعيم (نجم شمال إفريقيا). فتقرر أن الفكرة لا تخلو على أية حال من أهمية إذا كان قالبها الأدبي مقبولاً، فاتفق القوم على تحريرها على هذا الأساس، وكلفت كذلك. وجاء اليوم الموعود وأكتظت القاعة بالحاضرين، حتى بعض أصدقائي من (وحدة الشبان المسيحيين) قد حضروا مثل (مرسولين)، وتقرر أن يكون المهرجان كله تحت إشراف الأمير خالد بصورة رمزية، تتمثل في أن يبعث صورته تلك الليلة مع أول عدد من جريدة (الأمة) الذي صدر بتلك المناسبة، أو عاد للظهور بعد اختفائه منذ ذهاب الأمير خالد للشرق؛ وتولى تنسيق الحفلة (جلاب) الطالب الجزائري، فأخذ يدق بعصاه الأخشاب المسرحية ليعلن فصولها كل مرة. رفع الستار عن راقصة تولى أحدهم اختيارها من بنات باريس، لأنه لم تكن في تلك الفترة نساء جزائريات يقمن بمثل هذه المهمات. فأدارت الباريسية بطنها الفسيح، ورفعت وهبطت صرَّتها في أرجائه المتسعة. وأقلع البطن الأبيض السمين الضخم يدور حول الصرة كرحا حول قطبها. تصوروا ميدان (كنكورد) بفنائه الشاسع يقلع ويدور حول المسلة التي في وسطه، منذ أتى بها نابليون من مصر. لم تظهر فيما أعتقد هذه الرقصة البذيئة في مظهر أقبح منه في ذلك اليوم، فقد خلعت على الجو من الإثارة الغريزية ما قد يكون شعر به إمام مسجد

стр. 243

باريس لأنه كان في الصف الأول، مباشرة أمام الأخشاب، فانطلقت من الجمهور صرخات الاستياء فنزل الستار. وكانت حرم الزعيم (مصالي حاج) وعليها ملامح السيدة الحيية الوقور، مع زوجي في الغرفة الخاصة التي يستطيع المتفرج منها تتبع ما يدور على المسرح مباشرة من وراء شباك لا يُرى من خلاله، فشعرت أن المرأتين تنفستا الصعداء عند نزول الستار. ودق (جلاب) الضربات المعلنة لدورنا في التمثيلية، وقد كنت نسيت أن أعنونها، فلم يتردد لحظة واحدة عن تقديمها: - (الحاكم الطيب) (١)، تمثيلية ذات منظر واحد! كان (بن ميلاد) في دور الحاكم وكنت ترجمانه، أما الطالب الصيدلي التونسي فلا أدري في أي دور، وكان المجرم المقبوض عليه جزائرياً طبعاً، يقوم بدوره مراهق من جبال القبائل، فقام أحسن قيام بدور كبش الفداء. ثم دقت العصا وجاء دور الزعيم، ولا أدري كيف قدمه (جلاب)، إن قدمه فربما كان الخطاب مطولاً؛ ولكنني أعجبت به بقدر ما كان ينسينا ركاكة المثقفين، حتى إنني عندما قال ((قد يكون تفاوت بين الأفراد، ولكن لا تفاوت بين الشعوب)) كدت أصرخ إعجاباً، وكنت أثناء الخطاب أنتقل في القاعة للاطلاع على انطباع المستمعين، وصادف أنني كنت في الغرفة الخاصة جانب زوجي، عندما تناول الخطيب جرائم الاستعمار، فرأيت جانب مدام (مصالي) عملاقاً، لعله من حرس زوجها، قوي البنية، عالي القامة، ينفعل عند ذكر الاستعمار فيلوح برأسه وكأنه يهدد عدواً قائماً أمامه:

стр. 244

- والله ... أضرب الاستعمار بالرأس .. ضربة ... ولا شك أن رأس هذا الثور قد يكون عندما يهوي على خصم، مثل مطرقة الحداد الكبرى، ولكن أتكفي في القضية ضربة رأس؟ ويا أسفاه كان لهذا الحدث البسيط أثر سيئ في فكري بالنسبة إلى مستقبل الحركة (الوطنية) في بلادنا، إذ قدرت أنها ستحل معظم المشكلات على هذا النمط؛ وقد ازددت تشاؤماً تلك الليلة عندما- رأيت (الزعيم)، بعد أن أنهى خطابه، ينزوي مع الرجل العملاق إلى جانبه على شرفة تطل على أخشاب المسرح، وقد غير هيئته، فلبس نوعاً أنيقاً من العباءات المسمى (قشابية) وحذاءً أبيض من نوع (البلغة) وتطربش الطربوش الأحمر، وأشرف في هذه الهيئة يطل على الحاضرين، بدلاً من أن يجلس بينهم؛ فرأيته تلك اللحظة وقد جعل لنفسه منصة يظهر عليها للعباد، ترفعه عليهم وتعزله عنهم. واستمرت الحفلة في فصولها، ولكن كلما وقع بصري على الشرفة شعرت بحرجح وربما وقع تلك الليلة في أعماق لا شعوري التمزق الأول بيني وبين الحزب الوطني، مع ما سيبقى بيني وبينه من صلات عذبة أحياناً ومُرّة أخرى. كان (شكيب أرسلان) في هذه الفترة لاجئاً في جنيف، فقد كان يواصل صراعه البطولي دون أن يكل أو يمل، ويصدر مع رفيق محنة من مصر جريدة (الأمة العربية)، فتصل بعض أعدادها إلى الجزائر حيث قرأتها، وقد كانت تصل أيضاً إلى الحي اللاتيني فنقرؤها في جمعيتنا. وإذا بوجه جديد يظهر في هذه الجمعية. هكذا تعرفت على (فريد زين الدين) الذي شغل منصب نائب وزير خارجية الجمهورية العربية المتحدة زمن الوحدة، بين سوريا ومصر، وكان حينذاك الطالب النجيب الذي يعد دكتوراه في الحقوق، ويستعد للعودة إلى

стр. 245

مسقط رأسه في جبل الدروز حيث دارت حوالي سنة ١٩٢٥ معارك، هزت جيلي في الجزائر مع صدى معارك الريف، وكانت فيها يد لشكيب أرسلان. كان فريد زين الدين على صلة به مكلفاً من طرفه، بدعوة الطلبة العرب الموجودين بالعاصمة الفرنسية لتشكيل جمعية (الوحدة العربية)، وكأنما كانت هذه الدعوة كما يتبين للقارئ مقدمة للجامعة العربية الحالية، فشرع من أجل ذلك يتصل بالطلبة المغاربة. وفي نهاية المطاف أصبح (محمد الفاسي وبلفريج والطوريس) يمثلون مراكش في الوحدة و (بن ميلاد) مع بعض مواطنيه يمثلون تونس، وأصبحت أنا أمثل الجزائر. وكانت سوريا مع لبنان، ممثّلة في شخص فريد زين الدين وبعض مواطنيه ممن يقرضون الشعر. فكانوا عند افتتاح أو ختام كل جلسة، يشنفون مسامعنا بآخر قصيدة لهم في تمجيد العرب. وكانت هذه الجلسات (السرية) تجري مداولاتها في قاعة مقهى فرنسي، على مرأى ومسمع من البنات أو الشبان المشتغلين في القاعة، فنستمع إلى قطعة بلاغية أو شعرية تترك في النفوس موجة حماسية، أشبه شيء بالموجات التي انطقت من إذاعة (صوت العرب) وهزت النفوس، قبيل حزيران عام ١٩٦٧، وكان من أسوأ آثار تلك الموجات أنها لا تفقد المستمع وحدة الشعور، بل تفقده أحياناً المتكلم نفسه، مثلما حدث يوماً لـ (لطوريس) إذ انطلق في صولة كلامية أثارت تصفيقاً فصفق هو معنا. وكان في ذلك من الإغراء ما يجعل كل طالب مغربي يتنفس الصعداء إذا لم تتح له فرصة الانخراط في جمعيتنا السرية، فقد أتاني ذات يوم (هادي نويرة)

стр. 246

الوزير التونسي الحالي للمالية (١)، وعيناه تهرقان الدمع والأسى يقطع صوته، يرجوني أن أقدمه إلى (فريد زين الدين). زاد هذا النشاط في تفاقم الأمر بالنسبة لدراستي، ولكنه لم يعطل شيئاً من مناقشاتي مع (حموده بن الساعي)، كان يزورني في بيتي كل يوم جمعة في المساء، يصحبه أحياناً أخوه (صالح) الذي التحق بدوره بباريس، فنتناول العشاء سوياً، وكانت زوجي تصنع المعجزات في الاقتصاد سائر الأيام لتحقق تلك المأدبة الأسبوعية، فتصنع لنا أكلة من العدس ولسان الضأن، كانت تتقنها حتى ترضي الضيوف بأقل تكاليف، فكنا- والحق يقال- نلتهمها التهاماً. ثم تبتدئ جلسة العمل، فتجلس زوجي في ركنها بعد أن تُناولنا القهوة، وتلحق بها هرتنا (لويزة) لتغطّ على ركبتيها في نومها بينما تستأنف سيدتها نسيجها اليدوي بالإبرة، ولم يكن موضوع المناقشة محدداً من قبل، وغالباً ما تحدده الورقة الصغيرة التي يخرجها (حموده بن الساعي) من جيبه، وقد تكون أحياناً ملاحظة له أثناء مطالعته في الأسبوع أو مجرد مقال مقتطع من جريدة. فيدور بيننا الحديث ويدوم أحياناً إلى الواحدة ليلاً، وكانت لصديقي عادة قد تعودها تجعله يضع قطعة من السكر في فنجانه ويحركها طالما أتكلم، ثم يترك الملعقة كلما تناول هو الحديث، وهكذا دواليك إلى نهاية الجلسة، فيترك غالباً فنجانه دون أن يكون قد تناول قهوته، وكان ذلك يسليني كثيراً لأنني كنت أتصور تأوهات زوجي المقتصدة في كل مرة يتناول صديقي بها السكر من السكرية، دونما شعور منه. كانت هذه المناقشات متنوعة، علمية أحياناً، وسياسية أخرى ودينية اجتماعية غالباً، أو مجرد نقد لتسيير الأمور في الجزائر من طرف المسؤولين عن

стр. 247

المعركة الإصلاحية أو عن الحركة الوطنية. ولكن المناقشات كانت كلها تدور حول محور الإسلام، الأمر الذي جعلني أستفيد كثيراً من خبرة صديقي وسعة اطلاعه في الموضوع، لأنه قلما كان يغيب عنه أمر في الميدان الذي يُعنى به (معهد الدراسات الإسلامية) في (الصربون) ... فكان يدخلني معه في هذا الميدان بصفة مريد مبتدئ، ولكنني ربما كنت أفيده من ناحية تنسيق ومنهجية الأفكار، يساعدني على ذلك الأسلوب الرياضي الذي انطبعت به، حتى كان أحياناً هذا الأسلوب نفسه موضوع نقاش حاد بيننا، وذلك عندما ينتقد صديقي جفاف الفكر الهندسي، المناقض للأسلوب الوجداني أو البسكالي على حد تعبيره، لأنه كان فعلاً على مذهب (الغزالي) و (بسكال) في التفكير. كان يحدث لنا إذا كان الجو مساعداً، أن أخرج معه مباشرة بعد العشاء، ويستمر النقاش بين بيتي والحي اللاتيني، على طول شارع (فوجيرار) أطول شوارع باريس، وقد خرجت ذات ليلة، أشيعه ونحن نسفه سلوك أغنيائنا الذين ينعمون بجميع أنواع النعم ويتركون إخوانهم الفقراء لجميع أنواع الشقاء. وإذا باقتراح ينبع من صلب الحديث: لماذا لا نوجه خطاباً مفتوحاً للضمير الجزائري؟ ونقول فيه ... فكانت الكلمات تتوارد على لساني معبرة، أخّاذة، لطيفة، مشفقة، مؤثرة، راجية، عنيفة، شديدة، مقنعة ... وأول من اقتنع كان صديقي (حموده بن الساعي) فقال: - لماذا لا نذهب على الفور إلى مقهى نسجل فيه هذه الكلمات؟ فكنا كالدجاجة التي أخذها المخاض لتلد بيضتها. فدخلنا إلى مقهى، ولكن لما وضعنا بيضتنا على ورقة، فكأنما فقدت فكرتنا تلك الدرجة من الحرارة التي حركت مشاعر صديقي وأثرت حتى في صوتي عندما كنت أقولها. قررنا على أية حال أن نرسل منها بعض النسخ، نسخ منها صديقي اثنتين

стр. 248

أو ثلاثاً ونسخت مثله، وأرسلناها على الفور، من بينها نسخة إلى جريدة (الدفاع) التي بدأ يصدرها (العمودي) بالجزائر، ونسخة إلى مجلة (الشهاب)، وأخرى إلى جريدة (الصوت الأهلي) وواحدة خاصة إلى أسرة غنية بالعاصمة. وانتظرنا بباريس الصدى ... ولكن العالم دخل في عهد (الواقعية) فلم يرجع لنا أي صدى. لقد كانت الأحداث نفسها لا تتركنا نقف عند خيبة ظننا في أمر، فكان إخواننا الطلبة المراكشيون قد شرعوا في إصدار مجلة (المغرب) ضمت لجنة تحريرها (أوجين لونجي)، حفيد ماركس، واسماً غريباً (ابن أمية) يبدو أن صاحبه إسباني من سلالة عربية عريقة، وحتى رئيس الجمهورية الإسبانية في ذلك العهد (مسيو زمور). ربما كان ذلك في نطاق مخطط سياسي جديد للحكومة الإسبانية، إذ قررت سلطات مدريد تأسيس معهد عربي في قرطبة أو في غرناطة، ووجهت دعوة لجمعيتنا لحضور يوم تدشينه في شهر أيلول (سبتمبر) أو تشرين الأول (أكتوبر) من تلك السنة، وكلفتها أن تدعو من طرفها من تريد من الشخصيات الإسلامية. فوزعت على بعض الطلبة مسؤوليات الدعوة، فكان عليّ أن أقوم بالدعوات الخاصة بعمالة قسنطينة، وتكفل الطالب (بن عبد الله) بعمالة الجزائر. وبدأت السنة الدراسية تأخذ منعطفها الأخير، دون أن أبْذُل في دروسي العُشر من الوقت الذي بدلته لاستماع خطب (الطوريس)، وقصائد إخواننا الشعراء السوريين، ولمناقشاتنا (السرية) في جمعية الوحدة العربية. كنت في الحقيقة أرغب في تغيير اتجاهي لأن أستاذ الرياضيات بمدرسة اللاسلكي كان يشير علي- لما شاهد من استعدادي للدراسات النظرية- بأن ألتحق

стр. 249

بمدرسة أخرى متخصصة في الكهرباء والميكانيك، كانت في نظره أجدى بتكويني العلمي لأنها أعلى مستوى وذلك بفضل مديرها مسيو (سودريه) الذي سيصبح فيها بعد، وسيبقى على الرغم من بعض الظروف المؤسفة، نموذج رجل العلم الفرنسي في نظري. وبدأنا نتهيأ للرحيل بعد الترتيبات الأخيرة، فكان (حموده بن الساعي) بعد أن ألقى محاضرة لفتت الأنظار وذلك تحت عنوان (القرآن والسياسة)، بجمعية الطلبة الوحدويين يستعد لإعادة إلقائها في (نادي الترقي) الذي تأسس منذ وقت قريب بمدينة الجرائر، مستدلاً على أن العاصمة قد تدرجت في حركة الإصلاح فدخلت في عهد (النهضة). ولقد نال هذا التحضير الكثير من اهتهامنا إذ كنا حريصين على الاحتفاظ بإكليل الغار الذي تُوِّجنا به في نظر زملائنا بعد محاضرته ومحاضرتي، حتى غدا كلانا وبكل صراحة يستشم في نفسة رائحة الزعامة. واليوم بعد أربعين سنة لا أشك في أن الإدارة الاستعمارية بشارع (لوكونت) كانت هي الأخرى تستشم هذه الرائحة فينا. ولكن كيف يعقل أن السمك الصغير المغتر بعضلاته وهو يقفز فيمزق هنا وهناك بعض خيوط الشبكة، لم يكن يشعر بأنها تمزقه؟ لم يكن ذلك ممكناً لأن الخبرة لا تأتي إلا من التجارب وحدها. ومهما يكن من أمر، فقد بدأ الحي اللاتيني يخلو من الطلبة، وشعرت أنني لم أرَ أهلي منذ سنتين، فشرعت في ترتيبات السفر فذهبت إلى مدرسة الكهرباء والميكانيك لأسجل اسمي للفصل المقبل، فاستقبلني مقيدها أحسن استقبال، وأشار عليَّ بالمواد التي تجب مراجعتها في العطلة الصيفية، فكان ذلك أول لقاءٍ لي بهذا العلاّمة، الذي سأتعلم منه أكثر من أي كتاب في حياتي، وإنني لأتذكر على

стр. 250

وجه الخصوص التواضع النبيل الذي لاقاني به والذي أراه الفضيلة الأولى عند رجل العلم الحقيقي، كما شاهدته فيه ذلك اليوم وهو يقول: إننا عوّدنا الطلبة في هذه المدرسة أن يسألونا في الفصل، أو يطرحوا أسئلتهم في دفتر مُعَدّ لذلك، وقد يحدث أن يعسر علينا الجواب على الفور، فنأخد عندئذ وقتاً للتمعن في القضية، وربما للرجوع لبعض المراجع ... استمعت منه هذه الكلمات، فكانت أول وأكبر درس أخذته عنه. ... وجدت وجه العاصمة (الجزائر) في صيف عام ١٩٣٢، قد تغير عما عرفته، وما كنت في الحقيقة أعرفه قبل ذلك إلا قليلاً، لأن أهالي الجنوب القسنطيني لم تكن لهم حاجة بالعاصمة قبل الحرب العالمية الأولى، خصوصاً منهم التبسيين الذين كانوا يقضون أمورهم الإدارية بقسنطينة، ويتوجهون لطلب العلم إلى (توزر) أو (نفطة) في الجنوب التونسي، إن لم تسمح لهم إمكانياتهم بالالتحاق بجامع الزيتونة بتونس؛ ومن كان به مرض كافٍ يسافر إليها أيضاً للمعالجة على يد الأطباء الإيطاليين. لم أكن أعرف جيداً قاعدة (خير الدين بربروس)، وقد رأيتها لأول مرة سنة ١٩٢٧ عندها توجهت إلى (أفلو)، ولم يكن الجزائري يشعر في العاصمة عند وصوله إليها، أنه في منزله وعقر بيته؛ إذ كان القوم في الأحياء الشعبية يتكلمون فيها لغة هجيناً من مفردات عربية وإسبانية وفرنسية، أما في الأحياء الأخرى فيتكلمون اللغة الفرنسية. وقلما كان الجزائري أثناء تجواله داخل المدينة يتعدى بخطواته حداً معيناً، وكانت إدارة البريد هي الحد بين الحياة الجزائرية والحياة الفرنسية.
следующие страницы →