الوزير التونسي الحالي للمالية (١)، وعيناه تهرقان الدمع والأسى يقطع صوته، يرجوني أن أقدمه إلى (فريد زين الدين).
زاد هذا النشاط في تفاقم الأمر بالنسبة لدراستي، ولكنه لم يعطل شيئاً من مناقشاتي مع (حموده بن الساعي)، كان يزورني في بيتي كل يوم جمعة في المساء، يصحبه أحياناً أخوه (صالح) الذي التحق بدوره بباريس، فنتناول العشاء سوياً، وكانت زوجي تصنع المعجزات في الاقتصاد سائر الأيام لتحقق تلك المأدبة الأسبوعية، فتصنع لنا أكلة من العدس ولسان الضأن، كانت تتقنها حتى ترضي الضيوف بأقل تكاليف، فكنا- والحق يقال- نلتهمها التهاماً.
ثم تبتدئ جلسة العمل، فتجلس زوجي في ركنها بعد أن تُناولنا القهوة، وتلحق بها هرتنا (لويزة) لتغطّ على ركبتيها في نومها بينما تستأنف سيدتها نسيجها اليدوي بالإبرة، ولم يكن موضوع المناقشة محدداً من قبل، وغالباً ما تحدده الورقة الصغيرة التي يخرجها (حموده بن الساعي) من جيبه، وقد تكون أحياناً ملاحظة له أثناء مطالعته في الأسبوع أو مجرد مقال مقتطع من جريدة. فيدور بيننا الحديث ويدوم أحياناً إلى الواحدة ليلاً، وكانت لصديقي عادة قد تعودها تجعله يضع قطعة من السكر في فنجانه ويحركها طالما أتكلم، ثم يترك الملعقة كلما تناول هو الحديث، وهكذا دواليك إلى نهاية الجلسة، فيترك غالباً فنجانه دون أن يكون قد تناول قهوته، وكان ذلك يسليني كثيراً لأنني كنت أتصور تأوهات زوجي المقتصدة في كل مرة يتناول صديقي بها السكر من السكرية، دونما شعور منه.
كانت هذه المناقشات متنوعة، علمية أحياناً، وسياسية أخرى ودينية اجتماعية غالباً، أو مجرد نقد لتسيير الأمور في الجزائر من طرف المسؤولين عن
стр. 247
المعركة الإصلاحية أو عن الحركة الوطنية. ولكن المناقشات كانت كلها تدور حول محور الإسلام، الأمر الذي جعلني أستفيد كثيراً من خبرة صديقي وسعة اطلاعه في الموضوع، لأنه قلما كان يغيب عنه أمر في الميدان الذي يُعنى به (معهد الدراسات الإسلامية) في (الصربون) ... فكان يدخلني معه في هذا الميدان بصفة مريد مبتدئ، ولكنني ربما كنت أفيده من ناحية تنسيق ومنهجية الأفكار، يساعدني على ذلك الأسلوب الرياضي الذي انطبعت به، حتى كان أحياناً هذا الأسلوب نفسه موضوع نقاش حاد بيننا، وذلك عندما ينتقد صديقي جفاف الفكر الهندسي، المناقض للأسلوب الوجداني أو البسكالي على حد تعبيره، لأنه كان فعلاً على مذهب (الغزالي) و (بسكال) في التفكير.
كان يحدث لنا إذا كان الجو مساعداً، أن أخرج معه مباشرة بعد العشاء، ويستمر النقاش بين بيتي والحي اللاتيني، على طول شارع (فوجيرار) أطول شوارع باريس، وقد خرجت ذات ليلة، أشيعه ونحن نسفه سلوك أغنيائنا الذين ينعمون بجميع أنواع النعم ويتركون إخوانهم الفقراء لجميع أنواع الشقاء.
وإذا باقتراح ينبع من صلب الحديث: لماذا لا نوجه خطاباً مفتوحاً للضمير الجزائري؟ ونقول فيه ... فكانت الكلمات تتوارد على لساني معبرة، أخّاذة، لطيفة، مشفقة، مؤثرة، راجية، عنيفة، شديدة، مقنعة ...
وأول من اقتنع كان صديقي (حموده بن الساعي) فقال:
- لماذا لا نذهب على الفور إلى مقهى نسجل فيه هذه الكلمات؟
فكنا كالدجاجة التي أخذها المخاض لتلد بيضتها. فدخلنا إلى مقهى، ولكن لما وضعنا بيضتنا على ورقة، فكأنما فقدت فكرتنا تلك الدرجة من الحرارة التي حركت مشاعر صديقي وأثرت حتى في صوتي عندما كنت أقولها.
قررنا على أية حال أن نرسل منها بعض النسخ، نسخ منها صديقي اثنتين
стр. 248
أو ثلاثاً ونسخت مثله، وأرسلناها على الفور، من بينها نسخة إلى جريدة (الدفاع) التي بدأ يصدرها (العمودي) بالجزائر، ونسخة إلى مجلة (الشهاب)، وأخرى إلى جريدة (الصوت الأهلي) وواحدة خاصة إلى أسرة غنية بالعاصمة.
وانتظرنا بباريس الصدى ... ولكن العالم دخل في عهد (الواقعية) فلم يرجع لنا أي صدى.
لقد كانت الأحداث نفسها لا تتركنا نقف عند خيبة ظننا في أمر، فكان إخواننا الطلبة المراكشيون قد شرعوا في إصدار مجلة (المغرب) ضمت لجنة تحريرها (أوجين لونجي)، حفيد ماركس، واسماً غريباً (ابن أمية) يبدو أن صاحبه إسباني من سلالة عربية عريقة، وحتى رئيس الجمهورية الإسبانية في ذلك العهد (مسيو زمور).
ربما كان ذلك في نطاق مخطط سياسي جديد للحكومة الإسبانية، إذ قررت سلطات مدريد تأسيس معهد عربي في قرطبة أو في غرناطة، ووجهت دعوة لجمعيتنا لحضور يوم تدشينه في شهر أيلول (سبتمبر) أو تشرين الأول (أكتوبر) من تلك السنة، وكلفتها أن تدعو من طرفها من تريد من الشخصيات الإسلامية.
فوزعت على بعض الطلبة مسؤوليات الدعوة، فكان عليّ أن أقوم بالدعوات الخاصة بعمالة قسنطينة، وتكفل الطالب (بن عبد الله) بعمالة الجزائر.
وبدأت السنة الدراسية تأخذ منعطفها الأخير، دون أن أبْذُل في دروسي العُشر من الوقت الذي بدلته لاستماع خطب (الطوريس)، وقصائد إخواننا الشعراء السوريين، ولمناقشاتنا (السرية) في جمعية الوحدة العربية.
كنت في الحقيقة أرغب في تغيير اتجاهي لأن أستاذ الرياضيات بمدرسة اللاسلكي كان يشير علي- لما شاهد من استعدادي للدراسات النظرية- بأن ألتحق
стр. 249
بمدرسة أخرى متخصصة في الكهرباء والميكانيك، كانت في نظره أجدى بتكويني العلمي لأنها أعلى مستوى وذلك بفضل مديرها مسيو (سودريه) الذي سيصبح فيها بعد، وسيبقى على الرغم من بعض الظروف المؤسفة، نموذج رجل العلم الفرنسي في نظري.
وبدأنا نتهيأ للرحيل بعد الترتيبات الأخيرة، فكان (حموده بن الساعي) بعد أن ألقى محاضرة لفتت الأنظار وذلك تحت عنوان (القرآن والسياسة)، بجمعية الطلبة الوحدويين يستعد لإعادة إلقائها في (نادي الترقي) الذي تأسس منذ وقت قريب بمدينة الجرائر، مستدلاً على أن العاصمة قد تدرجت في حركة الإصلاح فدخلت في عهد (النهضة).
ولقد نال هذا التحضير الكثير من اهتهامنا إذ كنا حريصين على الاحتفاظ بإكليل الغار الذي تُوِّجنا به في نظر زملائنا بعد محاضرته ومحاضرتي، حتى غدا كلانا وبكل صراحة يستشم في نفسة رائحة الزعامة.
واليوم بعد أربعين سنة لا أشك في أن الإدارة الاستعمارية بشارع (لوكونت) كانت هي الأخرى تستشم هذه الرائحة فينا.
ولكن كيف يعقل أن السمك الصغير المغتر بعضلاته وهو يقفز فيمزق هنا وهناك بعض خيوط الشبكة، لم يكن يشعر بأنها تمزقه؟
لم يكن ذلك ممكناً لأن الخبرة لا تأتي إلا من التجارب وحدها.
ومهما يكن من أمر، فقد بدأ الحي اللاتيني يخلو من الطلبة، وشعرت أنني لم أرَ أهلي منذ سنتين، فشرعت في ترتيبات السفر فذهبت إلى مدرسة الكهرباء والميكانيك لأسجل اسمي للفصل المقبل، فاستقبلني مقيدها أحسن استقبال، وأشار عليَّ بالمواد التي تجب مراجعتها في العطلة الصيفية، فكان ذلك أول لقاءٍ لي بهذا العلاّمة، الذي سأتعلم منه أكثر من أي كتاب في حياتي، وإنني لأتذكر على
стр. 250
وجه الخصوص التواضع النبيل الذي لاقاني به والذي أراه الفضيلة الأولى عند رجل العلم الحقيقي، كما شاهدته فيه ذلك اليوم وهو يقول:
إننا عوّدنا الطلبة في هذه المدرسة أن يسألونا في الفصل، أو يطرحوا أسئلتهم في دفتر مُعَدّ لذلك، وقد يحدث أن يعسر علينا الجواب على الفور، فنأخد عندئذ وقتاً للتمعن في القضية، وربما للرجوع لبعض المراجع ...
استمعت منه هذه الكلمات، فكانت أول وأكبر درس أخذته عنه.
...
وجدت وجه العاصمة (الجزائر) في صيف عام ١٩٣٢، قد تغير عما عرفته، وما كنت في الحقيقة أعرفه قبل ذلك إلا قليلاً، لأن أهالي الجنوب القسنطيني لم تكن لهم حاجة بالعاصمة قبل الحرب العالمية الأولى، خصوصاً منهم التبسيين الذين كانوا يقضون أمورهم الإدارية بقسنطينة، ويتوجهون لطلب العلم إلى (توزر) أو (نفطة) في الجنوب التونسي، إن لم تسمح لهم إمكانياتهم بالالتحاق بجامع الزيتونة بتونس؛ ومن كان به مرض كافٍ يسافر إليها أيضاً للمعالجة على يد الأطباء الإيطاليين.
لم أكن أعرف جيداً قاعدة (خير الدين بربروس)، وقد رأيتها لأول مرة سنة ١٩٢٧ عندها توجهت إلى (أفلو)، ولم يكن الجزائري يشعر في العاصمة عند وصوله إليها، أنه في منزله وعقر بيته؛ إذ كان القوم في الأحياء الشعبية يتكلمون فيها لغة هجيناً من مفردات عربية وإسبانية وفرنسية، أما في الأحياء الأخرى فيتكلمون اللغة الفرنسية.
وقلما كان الجزائري أثناء تجواله داخل المدينة يتعدى بخطواته حداً معيناً، وكانت إدارة البريد هي الحد بين الحياة الجزائرية والحياة الفرنسية.
стр. 251
فعندما وصلت هذه المرة، وكانت زوجي معي وقد قررنا أن تتعرف على بلادي، وجدت وجه المدينة قد تغيّر، فشعرت بذلك منذ الكلمات الأولى بيني وبين الحمّال الذي تكلف بحقائبنا منذ نزولنا من الباخرة، لم يكن الحمّال يتكلم لغة عربية يراعي فيها قواعد الإعراب، ولكنها سليمة من حيث المفردات واللهجة، كلغتنا الدارجة في نواحي تبسة ...
ولقد أخذ يزداد إعجابي به وهو يقودنا إلى فندق الحمامات، لما لاحظت في هيئته من سمات الكرامة النفسية، حتى وصلنا تحت لافتة (نادي الترقي)، وربما كانت أول لافتة بالخط العربي في العاصمة، فقال دليلنا:
- أنا من مريدي الشيخ (العقبي) في هذا النادي حيث يعطي درسه كل مساء.
ولم تكن ظاهرة التغير التي شاهدتها على وجه رجل الشارع وفي هيئته وكلامه، وفي هذه اللافتة المكتوبة بالخط العريض، لم تكن تعني إلا شيئاً واحداً هو أن موجة الإصلاح قد وصلت إلى هنا، وأيقنت أن هذا التغير البسيط ستتلوه تغيرات جذرية لا محالة ولو لم أكن بعد أتصورها، ولم تكن تتصورها في ذلك الحين الإدارة الاستعمارية كما ثبت ذلك فعلاً بعد عشرين سنة. وبالفعل فإن السلطات لم تكن على بصيرة مما بدأ يحدث نصب عينيها.
ولكن الواقع لم يتركنا يوماً من الأيام لأحلامنا وضربنا في المجهول. وقد كان همي أن أرتب أمر زوجي في أسرة مسلمة تقضي فيها وقت العطلة، وذلك كيلا أفاجئ والدتي بزواجي عسى أن أهيئ فكرها بالتدريج قبل عودتي من تبسة، وكان في ذهني أن أستعين في هذه الترتيبات بالشيخ (العقبي)، وها هو ذا الحمّال يدلني عليه، فانطلقت إليه بعدما رتبت أمر زوجي بالفندق، فوجدته في درسه اليومي وسط حلقة أكثرها من عمال الميناء ومن صغار صيادي السمك
стр. 252
بينهم بعض وجوه الجزائر من الأسر القليلة التي انضمت تحت لواء الإصلاح، في الوقت الذي كان فيه يعرِّض نفسه لسخط الإدارة، خصوصاً إذا تبرع المتبرع بماله لـ (مدرسة البنين) التي كان يديرها الشاعر الجزائري الكبير الشيخ (حُمَّ العيد)، وكان الأبناء يؤمونها كل يوم، بينما يؤم آباؤهم كل مساء حلقة الشيخ (العقبي).
هذا هو الوجه الجديد الذي وجدته لمدينة الجزائر ذلك الصيف من سنة ١٩٣٢، ولم يكن لي أن أبقى فيها إلا ريثما أنتهي من مصالحي بشأن زوجي وقد وجدت فعلاً لها- بفضل الشيخ الطيب العقبي- مكاناً لائقاً في أسرة كريمة بضاحية القبة، أما بشأن المحاضرة التي سيلقيها صديقي (حموده بن الساعي)، بمناسبة انعقاد مؤتمر الطلبة المغاربة بمدينة تلمسان، فكان علي أن أهيئ جوها.
ثم سلكت الطريق إلى تبسة، فاتفق أن رجلاً فرنسياً كان يوم سفري بمحطة القطار في توديع أسرة من أقاربه تأخذ القطار نفسه، فأوصاني بها بسبب صعوبات تواجه المسافر على هذا الخط عندما يجب عليه أن يغير القطار في قرية (وادي رحمون)، ليمتطي القطار الذي يتجه إلى تبسة، حدثت فعلاً هذه الصعوبات عند وصولنا إلى (وادي رحمون)، بعدما نقلتُ متاعي ورجعت لنقل متاع الأسرة، تحرك القطار الذي غيرنا إليه، فلو قصدت العربة التي فيها السيدات الموصى بهن لفاتني، فامتطيت أول عربة كانت تجاهي في آخره، ولم يكن حَلّ غير هذا حتى لو كنت قرداً مرَّنه سيرك.
ولكن عندما وصلت إلى السيدات بمتاعهن، تفضلت الصغيرة فقالت لأمها:
- إنه لذكي، دون أن توجه لي أي شكر.
لا شك أنها وجدت القرد ذكياً، فشكرتها أنا لشهادتها بذكائي، ولكن شعرت حالاً أنني عدت إلى جو الاعتبارات الخاصة الذي فارقته مند سنتين.
стр. 253
واستمر القطار الصغير يدفدف في طريقه، واستمر المنظر يعرض علي لوحاته، تلك اللوحات الخاصة بالجنوب القسنطيني.
ها هي ذي قمة جبل (سيدنا عبد الله) عند أحد منعرجات جبل (حلوفة)، وقد سماها الفرنسيون (قرص السكر) بسبب شكلها الحلزوني، تبرز لي مرة أخرى في إحدى عوداتي.
واستمر القطار يدفدف عبر سهل تبسة حيث لا زال في تلك الساعة بعض الفلاحين يقيمون حصادهم أكواماً صغيرة لينقلوها على ظهر البغال والحمير، بينما كانت المواشي ترعى في الحقول المحصودة، والهدوء يسود والسكينة تخيم على هذا المنظر العتيق.
وكنت في شوق جارف لأرى أمي. فوجدت والدي في انتظاري بالمحطة مع بعض أصدقائه؛ وعندما توجهنا مثل العديدين نحو المدينة- كان بجانبي صهري الذي كان شريكي في الطاحون التي أسسناها بناحية جساس (١)، فبدأ يذكر لي تفاصيل حياته وحياة الأسرة منذ فارقتها، وكانت أفكاري، وصهري يواصل الحديث، كأنها ترقص في أحشائي من الفرح، لأن كل شيء كان بخير والحمد لله.
استطاع صهري بعد نكبتنا الاقتصادية سنة ١٩٣٠، أن يؤمن قوت أطفاله في شغل مع شركة تصدير للحلفاء مقرها بالمدينة، ولعله أراد مزيداً من الضمان لمصير أسرته، فتعلق ببركة شيخه (سيدي التجاني) أكثر مما كان عليه، وبما أنني ازددت أثناء إقامتي بفرنسا تعلقاً بالفكرة الإصلاحية المغايرة تماماً للطرق الصوفية، فقد شعرت ببرودة وفتور بيننا، سيكون لها أثر في علاقاتنا
стр. 254
الفكرية؛ ولكن علاقاتنا العائلية ستبقى على أية حال كما هي، كما شعرت بذلك وهو يذكر لي أنباء سارة عن الأسرة، من بينها أن سكننا تغير من ذلك الزقاق المحدود الذي تركته قبل سنتين إلى شارع (الرسول)، هذا الاسم الذي أضفته تبسة على أحد شوارعها، بفضل أحد أعضاء مجلس البلدية المسلمين (حشيشي مختار)، ليس بالسمة الوحيدة التي تتسم بها وحدها إلى اليوم من بين مدن الجزائر، والتي تعبر عن أنها مدينة إصلاحية، أي في المضمون السياسي مدينة مناضلة كما كانت تفهم ذلك جيداً السلطات الاستعمارية، فكانت تخص سكانها برعاية خاصة.
فرحت بأني أصبحت من سكان شارع (الرسول)، وزادت فرحتي عندما علمت أن بيتنا الجديد الذي وضعت تخطيطه والدتي الأمية قد شيد كما كنت أتمنى، فزال عني الكابوس الذي لم يفارقني بباريس منذ أخبرني والدي بما حدث له مع رئيسه.
وصلت إذن في أطيب الظروف النفسية إلى المنزل، فاستقبلتني والدتي بقبلتها الحنون، وهي متكئة على عكازيها بأعلى الدرج، وزوّرتني على الفور بيت زواجي:
- لا حول ولا قوة إلابالله ... لو تعلم أنني تزوجت؟
وسرعان ما طرد هذا التخمين من نفسي، طرده السرور المنتشر في البيت المنبثق من كل العيون حولي، غير أنني لم أستطع في هذا الجو السعيد أن أنسى ما تسبب سلوكي بباريس لوضع أسرتي بالجزائر، فكنت أشعر بهذا الإثم حتى في تلك اللحظة.
وكانت والدتي تتمتع بصحة جيدة، ما عدا عطب رجلها، فهذا على أية حال ينسي ذاك، أو يخفف من حدته، خصوصاً أن لي بتبسة تلك الليلة أكثر من مصرف للتخمين.
стр. 255
كانت والدتي لا تخفى عليها خافية في صدري، فعندما خرج والدي لفسحة الليل مع أصدقائه، من باب قسنطينة إلى جسر وادي (الناقوس) طبقاً لعرف التبسيين في فصل الصيف، أشارت عليّ بالخروج حتى لا تتركني في حرج الخروج كمن يؤثر لقاء الأصدقاء فيتخلص من الأسرة.
كان فعلاً قريبي (صالح حواس) و (عمار سني) في انتظاري على سطح متنزه (كارنو) تجاه شارع الرسول، فوجدت تبسة جميلة، إنني خُلِقت أهوى سحر النجوم ونجوم سماء تبسة على وجه الخصوص، لأن تلألؤها يوحي للقلوب أشياء خالدة لا تستطيع التعبير عنها لغة الأحياء، وكأنما صورة تبسة تعكس للتبسيين معنى هذا الحوار الصامت، فلو أن المدينة فقدت لا قدر الله ما حولها من هذه الأحجار العتيقة لفقدت معها روحها.
لقد بدأ في تلك الفترة يستولي شوق مبهم على النفوس في ذلك الجيل الذي لم يعد يقتنع بالحياة البسيطة والسعيدة التي كانت لآبائه، إذ بدأ يتكون في أعماق نفسه شعور جديد، شعور المأساة، الذي لا تشبعه إلا التغيرات الحاسمة والكوارث الكبرى. إنه شعور منعطفات التاريخ ساعة الرحيل.
ولطالما سرت تحت وخزه قبل عشر سنوات، عندما كنت في شوارع قسنطينة أفكر مع زميلي (شوات)، كيف نستولي على هذا أو ذاك القصر من قصور المستعمرين أو كيف نفجر مخزن البارود، ونحن لا نعلم حتى أين يوجد.
ولم يكن في الحقيقة جيلي وحده يحمل المأساة في أحشائه، بل يحملها ذلك العصر كله الذي تفجرت تحت أقدامه الحرب العالمية الثانية.
ما كان حديثي يوماً يدور مع أصدقائي حول عبث الشباب، فكان تلك الليلة كله منصباً عن ملاحظاتي وانطباعاتي بباريس، فتحدثت عن (وحدة الشبان المسيحيين) وعن الانشقاقات التي حاولت وتحاول الإدارة الاستعمارية إحداثها في صف الطلبة المغاربة.
стр. 256
فبقي صديقي (شريف سنوسي) الخياط غارقاً في إعجابه بي كعادته، وقريبي (صالح حواس) و (عمار سني) يسألانني عن ظروف اختفاء مجلة (مرسولين) بعد ظهور عدد واحد منها وصل إلى تبسة، بينما تذكر الشيخ (الصادق) تكوينه الأزهري، فأخد مثل بئر معطلة يتحرك جهازها الآن لجر الماء بعد عشرين سنة، يتذكر ما تبقى في أعماقه من علم ليناقشني به بصدد الكلام عن الشبان المسيحيين.
أما صديقي صاحب المقهى- وكنا نسميه (ولد جدنا) - الذي ما زالت قدمه راسخة بزاوية القادرية، فقد فضل الصمت حتى لا يتوروط في نظرياتي الإصلاحية الوهابية الوحدوية.
وقد انضاف لمجموعة أصدقائي بتبسة عضو جديد هو النجار (محمد المكي) الذي أصبح منشط الحركات الثقافية، وكان يمتاز بحاسيته نحو كل ما هو جديد، فرأيته تلك الليلة مهتماً بما في حديثي من نقد الحالة الاجتماعية والركود عندنا، نقداً يكشف بضراوة مواطن المرض حتى في حركتنا الإصلاحية على الرغم من إيماني بها، فرأيت (محمد المكي) مهتماً بهذا النقدى الذي لم يكن مقبولاً لدى مثقفينا، كأنهم تحالفوا مع الاستعمار من أجل إبقاء الأمور على ما هي عليه في باطنها، بعد مسحها وتزويقها من الخارج، لتبقى تحت تصرفه كل ترهاتنا وكل انحرافاتنا الخلقية وكل ثغراتنا العقلية. ولكن لم يكن الوقت كافياً بعد لتقويم كل الضرر الذي ألحقه هؤلاء (المدافعون عن الشرف الوطني) بالوطن طيلة ثلاثين سنة، كنا فقط في بدايتها، وسيصبح في نظري صديقي المكي أوضح مثل بسبب نزاهته، على هذا الاستعداد المتناقض الطرفين، إذ كان يتقبل من الناحية العقلية كل النقد الذي أوجهه دون أن يرى جدواه من الناحية السياسية، ولقد استمر فينا هذا المرض حتى عهد الحكومة المؤقتة الجزائرية التي كانت تفرض على
стр. 257
كل جزائري قانون الصمت ولو شاهد المنكرات لئلا يستفيد- حسب زعمها- الاستعمار من كلامنا، والله يعلم كم استفاد من صمتنا.
ولكن الفترة كانت خصبة تم فيها بناء المدرسة الإصلاحية والمسجد، وأسهم في البناء كل حسب مقدوره، وتطوع من تطوع، فتولى صديقي (المكي) كل ما يتصل بأعمال النجارة مجاناً، ولم يكن أمراً هيناً، حتى إن امرأة عجوزاً أتت بديك لها، هو كل ما لديها من الرزق.
وكانت عودة الشيخ (العربي التبسي)، من مدينة (سيق) منتظرة ليوم التدشين القريب، وانضم تحت لواء الإصلاح حتى عرابدة تبسة ومدمنوها العاكفون على الخمر، مثل (بنيني وفندرودي وبيريلا) وغيرهم من عُبّاد باخوس، كما انضم كثير من الذين يعيشون في كنف الاستعمار.
ونقل نادي الشبيبة الإسلامية لافتته من مقره الصغير الذي تأسس فيه سنة ١٩٢٥، إلى مقره الجديد في الميدان الرئيسي وأصبح يزاحم المقاهي الأوربية الكبرى، وبالتالي كانت الملامح الاجتماعية كلها تتغير في المدينة بينما بقيت في سيرها الإصلاحي منذ غادرتها قبل سنتين، إن الفكرة الإصلاحية التي تسربت في بعض عائلاتها قبيل عشر سنوات مع الشيخ (سليمان) - وكانت الميزة التي تميز بعض الأفكار المتنورة، أو التقدمية كما نقول اليوم- أصبحت تملأ شوارع المدينة، فلم تعد مدام (دوننسان) تشاهد ذلك المنظر، عندما يتحرك من زاوية (١) الطريقة القادرية الموكب الصاخب الذي يصحب العريس إلى بيته ليلة الزفاف، وذلك لأن سيدي الشافعي شيخ الطريقة، انضم هو الآخر تحت راية الإصلاح، وأغلق باب الزاوية دون أن يفكر أحد في فتحه، احتراماً لذلك الشيخ الوقور ...
стр. 258
وكانت تبسة تنتظر أيضاً الشيخ (الإبراهيمي)، إذ قيل إنه سيأتي، ثم أتى وألقى درساً سيبقى أشهراً حدثاً يُذكر في مساوات الناس، خصوصاً أن سيدي الشافعي هو الذي افتتح الدرس بسؤال ألقاه. إن مدام (دوننسان) والسيدات اللواتي يجتمعن حولها في دكانها، الذي كان نادياً ومرصداً لمراقبة الحياة الأهلية، قد بدأن قطعاً يلاحظن هذه التغيرات، التي كان من شأنها أن تغير تلقائياً العلاقات النفسية القديمة بين المستعمرين وأهل البلاد، إذ كان الأولون يعتقدون أن لهم ملكوت الأرض بلا منازع، والآخرون يعتقدون أن لهم ملكوت السماء، فأصبح أُولئك يعدون سلطانهم لا يستحيل الوصول إليه للنيل منه، وهؤلاء يعلمون أن دخول الجنة ليس بالمجان والدعاء الصالح فقط.
وتوالت أيام إقامتي بتبسة في هذا الجو السعيد، لم يعكره سوى نبأ لا يعني ظاهره شيئاً ولكن ...
كانت جريدة (قسنطينة) تصل إلى تبسة كل يوم في الساعة الحادية عشرة، فيطلع فيها التبسيون على الأنباء اليومية، فطالعتها كعادتي ذلك اليوم وأنا على سطح أحد مقاهي الميدان الرئيسي، وإذا بنبأ صغير يقع تحت نظري، مفاده أن السيد (هيريو) رئيس الحكومة الفرنسية إذ ذاك، ذهب للاستجمام بمحطة (سان سبستيان) على الحدود الإسبانية، هذا كل ما في ثلاثة أو أربعة السطور.
ولكن مقارنات الأحوال في تلك الفترة جعلتني أرى من النبأ أكثر من هذا، خصوصاً الحملة الصاخبة التي قامت بها الصحافة الاستعمارية- مثل جريدة (قسنطينة) - ضدى الحكومة الاسبانية منذ فشا أمر تأسيس المعهد العربي بقرطبة أو غرناطة، ولأن نبأ استجمام (هيريو) قد اقترن ما في ذهني بنبأ آخر نقلته الصحيفة في اليوم نفسه، أو في عدد سابق، مضمونه: أن الحكومتين الفرنسية والإسبانية، تعاقدتا على صفقة موالح، فخطر ببالي أن مدريد عوضت مشروع المعهد العربي بصفقة رابحة تصدرها إلى فرنسا، وأن السيد (هيريو) ذهب
стр. 259
يستجم من أجل ذلك. وليس لدي طبعاً أي برهان قطعي على ذلك، لكنني أتذكر أنني حررت من مكاني خطاباً إلى صديقي (بن عبد الله) أشير عليه بين جد ومزاح، بألا يوجه الدعوات من أجل تدشين المعهد، الذي لم يفتتح فعلاً كما توقعت.
ولكن الأمر الأهم في هذا والأكثر دلالة، هو أنني عندما لاقيت من بعد صديقي بباريس وسألته عن خطابي، قال لي: إنه لم يصله؛ ولا أدري إذا أوليت هذا الحدث البسيط بعض الأهمية، ولكني اليوم بعد أربعين سنة أدرك تماماً معناه، كما أدرك قلة خبرتي في نطاق الصراع الفكري في ذلك اعهد، فقد أرى ذلك السمك المفترس الصغير يستمر في عبثه دون اكتراث بعواقب الأمور، بالنسبة لمصيره وبالنسبة لأسرته الحنون.
كانت والدتي حنوناً جداً، تولي صحتي كل الاهتمام دون أن تشعرني بذلك، فقررت ولم تقل إنه من أجلي، أن تستجم بمحطة (قربس)، قرب تونس، وكانت العائلات التبسية تتردد عليها لما يقال عن مياهها المتنوعة من صلاحية طبية، ولسبب آخر هو تواضع التكاليف، لأن العائلة المسلمة تستطيع بثمن يُحتمل، استئجار بيت كامل يتضمن الحمام ومرافق الطبخ والإسكان، فتأتي العائلة بزادها وتقضي مدة الاستجمام بأقصى ما يمكن من الاقتصاد.
ذهبنا إلى (قربس)، ومعنا كل ما نحتاجه سوى الماء، لأن المقيمين يشترون كل صباح مقدارهم الكافي من ماء عين (أقطر)، وقد اتفق لي يوماً أن أشاهد معجزة لهذا الماء مشاهدة العيان، إذ كانت والدتي تضع منه كل صباح ما يفي بحاجتنا في إناء كبير من النوع المسمى (المطلي) (١)، كان يستخدم للغرض نفسه بتبسة عدة سنين، فتكونت في داخله طبقة كلسية لا تزول بالتنظيف العادي، ولا حتى بآلة مثل السكين.
стр. 260
وإذا بوالدتي تفاجأ كل صباح، بأن ماء (عين أقطر) يعكر حالما تضعه في ذلك الإناء، فتلقي به. وتنظف الإناء لتضع فيه ماءً جديداً نشتريه فيتعكر بدوره، ودامت هذه الظاهرة تشغل بالها عدة أيام بعد وصولنا، حتى وضعت ذات صباح الماء كالعادة، وإذا بطبقة الكلس تنزل كلها مرة واحدة في قعر الإناء ... فتحدثنا كثيراً بعد ذلك عن صلاحية ماء (أقطر) العجيب لتحليل الحصى.
واستمرت الأيام سعيدة هكذا أمام أجمل مناظر الطبيعة، لأن المحطة تمتاز بأنها على سفح جبل وعلى شاطىء البحر، بحيث يستنشق المقيم روائح النبات العطرية والهواء المشحون برائحة اليود.
كنت أتنزه تارة في الجبل وتارة على شاطئ البحر، وأُراجع المواد التكنية التي أشار إليها مسيو (سودريه)، خصوصاً (الترمو ديناميك)، وأُفكر أحياناً أخرى في هذا الجو الهادئ المخيم عليه السكون، إلاّ مرة في الأسبوع في اليوم الذي تأتي فيه بعض الأسر القروية التونسية لتقضي نذورها تحت قبة شيخ هو وليّ المكان، فترتفع عندئذ أصوات الزائرين وخصوصاً الزائرات، ويدق الدف تحت القبة حسب تقليد متوارث.
دامت هذه الفترة السعيدة واحداً وعشرين يوماً، فأرادت والدتي أن تزيد بعض الأيام في الاستجمام، وفكرت أنا بالرحيل، وذات صبيحة ودعتُ والدي وسكبت والدتي بين قدميّ (ماء العودة).
سافرت فوجدت زوجي قد تأقلمت حتى في الملبس، لأنها وجدت صنفاً جديداً للأناقة في لباس السيدات المسلمات، حتى الحجاب؛ وتأقلمت أيضاً هرتنا (لويزة) التي كانت قد اعتادت عزلة الشقة بباريس، فأصبحت تعدو وترتفع في بستان الأسرة الكريمة المستضيفة لها ولمولاتها.
стр. 261
أما المدينة فلا زال يدوي فيها صدى مؤتمر الطلبة المسلمين الذين مروا عليها في الذهاب والإياب من تلمسان، حيث انعقد ذلك المؤتمر الأول والأخير.
لماذا سيكون الأخير؟ إن كثيراً من نشاطاتنا سارت على هذا القانون قانون المد والجزر مرة واحدة، لماذا؟ فلنترك الأمر للأيام تفسره لنا؛ أما الآن فالجزائر لا زالت تدوي بصداه وبإعلان اعتناق (اتيان دينيه) الإسلام في حفلة خاصة أقيمت قبل بضعة أشهر بنادي الترقي.
وبعبارة أخرى استمرت عملية التصفية التي وضحت الخط الفاصل بين طرفين: طرف من صغار الصيادين وعمال الموانئ مع بعض وجوه المدينة يمثل سير الإصلاح في الوطن ومقره هنا بنادي الترقي حول الشيخ العقبي، وطرف آخر هو تلك الفئة من الانتهازيين الذين لن تشملهم هداية الله، إلا يوم تصوب في صدورهم رشاشات الجهاد سنة ١٩٥٤ وما بعد.
ووجدت أيضاً بنادي الترقي صدى محاضرة صديقي (حموده بن الساعي)، وكأنما رسمت أيضاً هذه المحاضرة منعطفاً ذا دلالة على تلك الفترة، إذ أنها كانت ظاهرة جديدة في هذا الجو المتطور، تدل فيه على أن الجيل الجديد من الطلبة الجزائريين بدأ يكتب ويتكلم اللغة العربية، سواء أتقنها أم لم يتقنها، عل عكس الجيل السابق الذي كان لا يستعملها، سواء كان يجهلها أو يتجاهلها، فلم يتكلم (فرحات عباس) إلى الشعب الجزائري بلغة آبائه، إلا يوم دقت ساعة المزاحمة الانتخابية والمزايدة الديماغوجية بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي الحقيقة كان صديقي (حموده) قد أتقن العربية في محاضرته عن (السياسة والقرآن) كما علمت ذلك من بعض الحاضرين من الشبان الذين تعرفت عليهم بالنادي، غير أن صدمة صغيرة عكرت سروري عندما سألت الشيخ العقبي ففاجأني برأي غريب:
стр. 262
إنني لا أعتقد أن هذه المحاضرة من تحرير (حموده بن الساعي) ولا من بنات فكره، فبعض جملها سبق وتكرر على مسمعي كأنني طالعتها في إحدى المجلات الشرقية.
لم أكن قد عرفت بعد أنها حالة مرضية تعتري غالبية حاملي الثقافة عندنا، فإن كانت ثقافتهم تقليدية فمثلهم الأعلى في الشرق، وإن كانت عصرية فمثلهم في فرنسا.
وبالأحرى لم أكن أعرف أن هذه الحالة المرضية تعتري كل مثقفي العالم الإسلامي، إذ تراهم يعانون مركب نقص نحو الثقافة الغربية، وإنما تتخذ عندنا هذه الحالة ازدواجية بسبب ما يعاني الشباب الجزائري تجاه (طه حسين) من ناحية، وتجاه (فرنسوا فانوق) من ناحية أخرى، لأن التكوين غالباً ما يكون أدبياً.
وهي بالتالي ظاهرة عامة: إن كل مجتمع فقد حضارته يفقد بذلك كل أصالة في التفكير، أو في السلوك أمام أفكار الآخرين.
...
لقد أسرني الخريف في باريس مرة أخرى، وشعرت بسحره منذ أن نزلنا في محطة (ليون) ذلك الصباح الذي طوانا بين جنبيه ضباب كثيف. استأجرنا موقتاً غرفة بفندق صغير على ضفة نهر السين الشمالية، أي في محيط الحي اللاتيني، وذهبت لزيارتي الأولى للأصدقاء بجمهورية (تريفيز)، بينما ذهبت زوجي للبحث عن غرفة تكون أقرب ما يمكن من مدرستي لننتقل إليها نهائياً.
والتقينا كما تواعدنا في المساء، وتقرر أن ننتقل إلى غرفة استأجرتها زوجي قرب باب (فرساي) وميدان (كنفنسيون)، في شقة تسكنها أسرة يشتغل فيها الأب مقاولاً والأم تشغل يومها في دكان عطور تديره تحت شقتها، فتبدو هذه
стр. 263
وكأنها شاغرة، الأمر الذي يروق لزوجي لأن المطبخ سيكون تحت تصرفها وحدها طيلة النهار.
انتقلنا من الغد وأعجبني السكن بسبب نظافة العمارة وهدوء المكان في هذا الشارع، كما أعجبت فيما يبدو الهرة (لويزة) بالمكان الذي احتلته فوراً على طرف نافذة المطبخ، فيصبح هناك مرصدها فوق رؤوس المارة القليلين بشارع (فريدريك مسترال).
وفي انتظار يوم افتتاح مدرستي، قررت زوجي أن تغتنم الفرصة لتعرفني على أمها، الأرملة التي توفي زوجها أثناء الحرب في معركة (فردان)، والتي تزوجت بمدينة (دروكس) على بعد ثمانين كيلو متراً من باريس.
كانت الفرصة ثمينة جداً، بالنسبة لي، لأن من يعرف باريس فقط لا يعرف إلا فرنسا ذات الوجه الملمع المهيَّأ، الذي مر بكل عمليات التجميل بشوارعها المتقنة التبليط، وأسطح مقاهيها المكتظة في النهار والليل، وبقطارها الجوفي (المترو) الذي ينقل تلك الحشود من البشر ممن لا يعرف فيها الواحد اسم الآخر، وبمخازنها الكبرى فلا يعرف البائع المشتري، وببناتها المشمرات كأنهن يتحدين المارة.
إن هذه الحياة المضطربة المصطنعة لا تعطي صورة صحيحة عن الحضارة الفرنسية، وإنما توجد هذه الصورة بنماذجها الأصيلة وأصولها البعيدة في الريف، في الطبيعة حيث تكونت صلة الإنسان بالتراب على مدى القرون.
توجهنا إلى (دروكس) والهرة (لويزة) معنا طبعاً، في حافلة امتطيناها بباب فرساي، وسرعان ما وجدنا أنفسنا بين جمهور غير الجمهور المألوف، بين القروي والقروية ومن أرياف (النرماندي) أو (لابوص)، عائدين من قضاء
стр. 264
مصلحة لهم بباريس في ملابس روعي فيها جانب الراحة أكثر من الأناقة، فيشعر المرء من أول وهلة أن المصلحة تهمهم أكثر من المظهر.
وترى وجوه القوم كأنما نحتها الهواء الطلق وكتب عليها علامات الصحة الجيدة، وحالما جاوزت الحافلة محطة فرساي، بدأ الريف الفرنسي ينشر لوحته الخضراء أمامنا، ويستلم من محطة لأخرى حصته من أولئك الركاب القرويين.
لم يكن ممكناً بباريس التعرف على هذا الوجه الحقيقي للحياة الفرنسية، وهذه هي المرة الأولى التي أتعرف فيها عليه، وبقدر ما سيزيد اكتشافي، أرى الملامح التي أوحت إلى (سولي) وزير هنري الرابع في أوائل القرن السابع عشر، ذلك الشعار الذي وضعه أساساً لسياسته: الحراثة والمرعى هما الضرعان اللذان تحتلبهما فرنسا.
واليوم أدرك تمام الإدراك، أنهما الضرعان اللذان رضعهما عصر النهضة، وأن النهضة الفرنسية بالذات، هي بنت هذا الإرضاع.
والآن بعد أربعين سنة- عندما تعود لفكري تلك الذكريات- أتصور أن الأقدار التي سخرتني وسيلة تعرفت خديجة بواسطتها على الإسلام، قد سخرتها هي لأتعرف بواسطتها على الوجه الأصيل للحضارة الفرنسية، في هذا الريف حيث استقبلتني أمها استقبالاً حل كل عقدة بيننا، وجعلني أتقبل دون تردد العرف الذي يقضي بأن الصهر زوج البنت ينادي أمها: يا أمي.
فقدمتني (أمي) إلى زوجها السيد (مورناس)، وهو رجل قروي بكل معنى الكلمة كان يمتلك في الناحية مطحنة، ثم أصبح يعيش هو و (أمي) من راتب تقاعدي ( Rente) شهري كوناه بأسهم اشترياها من سوق الأسهم بالثمن الذي بيعت به المطحنة وبما اقتصدا أثناء عملهما.
وهذا النوع من المتقاعدين يبلغ عددهم الملايين من تجار كبار أو صغار
стр. 265
وأصحاب مصانع كبرى أو صغرى وفلاحين، تقاعدوا في سن معينة حسب عرف شائع في أوروبا وفي فرنسا خصوصاً، يكونون طبقة لها دورها في تطور الاقتصاد خلال القرنين الأخيرين.
كان الواحد منهم- صاحب جرابة الصوف (١) كما يسمونه في الأرياف- يضع ما يكتسب بين يدي قاض موثق (النوتير) ليتصرف فيه أحسن ما يمكن التصرف، فيستثمر ما وضع بين يديه في عمليات اقتصادية محلية، ليجلب لصاحب (الجراب) أكثر ما يمكن من أرباح، تكون له مورداً شهرياً أو سنوياً فيتقاعد معتمداً عليه.
ولهذا ترى (بلغراس) - وهو لا شك أبرع كاتب عن الحياة الاجتماعية الفرنسية في القرن الماضي- تجمع غالباً قصصه، بين الوجوه القروية أو الحضرية التي تتشخصها ثلاث شخصيات: القس الذجما يتصرف في الأرواح، والطبيب الذي يتصرف في الأجسام، و (النوتير) الذي يتصرف في الأموال.
ولكن عندما دقت ساعة التصنيع في منتصف القرن الماضي، خرجت وظيفة (النوتير) من يديه، ليتولاها صاحب المصرف على نطاق أوسع في مشروعات اقتصادية كبرى، وذلك عندما تحول الإنتاج من الورشات اليدوية إلى المصانع الميكانيكية الكبرى، وتحول بسبب ذاك المال الفردي من الحقل المحلي إلى رأس المال الذي لا ينتسب لفلان، ولا تحد حقله حدود مكان.
كانت (أمي) من هذه الطبقة التي حركت قبل قرن، عجلة الرخاء في العهد الاقتصادي الجديد، ولكنني وجدتها في الفترة التي بدأت فيها عملية الرخاء تطحنُ مَنْ حَرَّكهَا، كانت الفترة صعبة جداً بالنسبة إلى هؤلاء المتقاعدين، لأن
стр. 266
فرنسا كانت لا تزال تعاني رواسب الأزمة الاقتصادية الكبرى التي اجتاحت العالم سنة ١٩٢٩، وكان أثرها في الجزائر ما كان، حتى تخلصنا أنا وصهري من (المطحنة) ذات الرحا التي أسسناها بدوار جساس، وطحنتنا في آخر المطاف.
وأصبح المتقاعد الفرنسي، في تلك الفترة لا يستطيع التوفيق بين مورده المستقر- على أحسن الأحوال- وأسعار هي نتيجة حالة اقتصادية سائرة إلى التدهور، فأصبح يفكر كيف يعوض نقص مورده تجاه ارتفاع الأسعار.
لقد عزمت (أمي) أن تعود مع زوجها إلى ممارسة بعض النشاط القروي الذي يناسب سنهما، ورأت أنها تستطيع تربية الدواجن والأرانب، ومن أجل ذلك غيرت سكنها من بيت لا مرافق فيه إلى بيت جديد، كان قطعاً مزرعة بكل مرافقها لإسكان الحيوان مع بعض الحقول لتغذيتها.
استقبلتني (أمي) هاهنا، مع زوجي والهرة (لويزة) التي تحولت على الفور إلى قطة برية، تعيش أوقاتها في أرجاء العزبة الرحيبة، تقتنص فراخ الدواجن فتنالها مناقير الأمهات.
أما أنا فأصبحت أسرح ماشياً في تلك الممرات الخضراء المتجمعة بين الحقول في الاتجاهات المختلفة، إلى المداشر الصغيرة الموجودة حول مدينة (دروكس)، ووجدت تلك الروائح الريفية التي طالما كنت أستنشقها أثناء تنقلاتي بريف تبسة مع الشيخ (بلجودي)، أو بريف (أفلو) مع الشيخ (بن عزوز)، وكانت الأسرة أثناء وجبات الطعام تجتمع تحت صولجان مدام (مورناس) فنفرش المائدة، وتعين لكل واحد مقعده وتتولى توجيه الحديث أثناء الطعام.
كانت هذه المرأة- التي سميتها (أمي) من دون تردد منذ اللحظة الأولى - امرأة من طراز خاص: لو وُلِدَتْ رجلاً لنجحت في الصفقات التجارية، أو نبغت في السيرك؛ كانت من أصل باريسي تجيد النكتة، ولكنها ورثت من
стр. 267
آبائها الفلاحين بضاحية العاصمة كل ما تمتاز به أجيال فلاحي (جزيرة فرنسا) كما تسمى تلك الضاحية، من مثابرة في العمل وروح الكد، فلم تزل- في تلك الفترة التي وصلت فيها إلى بيتها- تضحك وتضحك، تسلي نفسها وتسلي الآخرين، مع أن موت (كروجير)، رجل الأعمال السويدي الذي كان انتحاره إحدى نتائج الأزمة الاقتصادية، قد مسّ كثيراً من المتقاعدين الفرنسيين مساً بليغاً و (أمي) بوجه خاص، لأنها كانت صاحبة بعض الأسهم في شركة (كروجير)، ولكنه لم يمس خفة روحها واستعدادها إلى اغتنام الفرصة المناسبة المسلية.
وأتيح لي أن ألاحظ بهذه المناسبة، الفرق بين (أمي) وبين خديجة زوجي، التي كانت من أصل برجوني، وكانت بسبب ذلك، أميل إلى العزلة والتأمل والسكون، الأمر الذي يحدث أحياناً بعض سوء التفاهم بين المرأتين.
وهذا جانب جديد اكتشفته في الحياة الفرنسية، مع (أمي) الباريسية القروية، المرأة التي تتقن تربية الدواجن وتسمي كل نبات بري باسمه خيراً مما يفعل صيدلي أو عطار، ومن ناحية أخرى تقرأ (بلزاك) وتضم بحنو جلّ كتبه في مكتبة صغيرة رتبتها لنفسها في ركن من خزانة أثاث الأكل.
فاطلعت بفضلها على بعض الجوانب الخفية التي لا تبصرها العين بالعاصمة، وهكذا تم اكتشافي للحياة الفرنسية كما تبرز على الطبيعة، دون عملية التقطير التي تجري عليها بباريس.
وحان يوم عودتنا، فرجعت (لويزة) إلى مرصدها فوق شارع (فريدريك ميسترال) من دون أي اكتراث بتغير المكان، وأصبحت زوجي تتردد على دكان مدام (بيري) صاحبة شقتنا، لتقضي معها العشيات حتى أعود من المدرسة ولعل العرق البرجوني قد جذب المرأتين.
стр. 268
ولم تكن امرأة تبدع في بيتها مثل خديجة وتتقن إتقانها، من ناحية النظافة والتجميل كان ترتيب الأشياء ميزة لها على وجه الخصوص، فقد طُلب منها ذات يوم في أحد تنقلاتها بين الجزائر وفرنسا، أن تفتح حقيبتها لموظف الجمارك، فعندما فتحتها وشاهد الموظف دقة ترتيبها وجماله، عدّ من العبث أن ينقضه بتفتيش على لا شيء فقال:
- أغلقي سيدتي حقيبتك، إنني لا أريد أن أضع يدي في هذا البناء الدقيق. كان ذلك صحيحاً، وقد كنت أشاهد ذلك في بيتي، حيث لا يسمح لي بالدخول إلا وأقدامي على قطعة قماش سوف أجدها عند الباب، حتى لا يخدش نعلي البلاط الخشن الممسوح بمادة تجعله يبرق كمرآة.
وما ننتهي من الأكل، حتى تصبح المائدة وسط الغرفة لتوضع عليها تحفة فيها طاقة من الزهور، تشتريها زوجي كل مرة حين تذهب إلى سوق باب فرساي، حتى القطة (لويزة) عندما تغادر مرصدها وتأتي إلى الغرفة، تصبح هي الأخرى مجرد تحفة يراها الزائر في بيت عرائس، وإذا قلت إن (أمي) لو وُلدت رجلاً لنجح في الصفقات التجارية أو نبغ في السيرك، فإنني أقول إن ابنتها لو ولدت كذلك، لكانت فناناً ماهراً في فن التجميل، وربما تفوقه بما تصنع بيدها من آيات من الذوق ببعض خشب وبعض قماش مزركش من نوع الكريتون الرخيص جداً.
إنني أذكر هذه التفاصيل لأنني أعدها دالة على التطور النفسي الذي سيجعلني أشد الناس نفوراً لكل ما يسيء لذوق الجمال، ولأنها تفسر ثورتي على بعض جوانب تخلفنا التي تصبح موضوع السخرية في بعض المجلات، بإيعاز تلك الأوساط التي تتدخل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لإبقاء الوضع على ما هو عليه، باسم الوفاء للتقاليد عندما نحاول نحن، تحت أي راية تقدمية، أن نغيره، غير أن الاستعدادات التي تدفعني إلى هذا الموقف كانت أصيلة في نفسي، لم
стр. 269
أكتسبها اكتساباً بدأت معه تغيير بعض مظاهري منذ وجودي بمدرسة قسنطينة، وإنما وجودي بفرنسا ومعايشتي لزوجي طوّرا هذه الاستعدادات الوراثية إلى أفكار اجتماعية واضحة.
كانت الحياة المنزلية تبتدئ بالنسبة لي، عندما أعود مساء من المدرسة، فآخذ استراحة قصيرة أتناول أثناءها كأس شاي، وأتجاذب الحديث مع (خديجة) حول القضية الجزائرية أو حول الدين، وكان يروق لها، بعدما أصلي المغرب، أن تستمع لما أتلو من القرآن دون أن تفهم بطبيعة الحال؛ غير أنها تتذوق جرس التلاوة نفسها، ويحدث أن تطرح بهذا الصدد سؤال المريد المبتدئ، أو تبدي رأيها في موازنة الإسلام والمسيحية بطريقة تفيدني أحياناً، أو تلفت نظري إلى أشياء لا تفقد أهمية بالنسبة لمن لا يحتقر الشيء البسيط لبساطته، فقد لفتت نظري ذات يوم إلى أن الهرة (لويزة)، كانت إذا قفزت إلى المائدة، لتحل مكانها على ركبتي مولاتها، وكان المصحف مفتوحاً بيننا، نراها تتياسر أو تتيامن كأنها لا تريد أن تضع أقدامها على المصحف في طريقها.
وتنتهي هذه الاستراحة بعد العشاء، عندما ترفع أدوات الأكل من على المائدة لتعود إلى عملها.
كانت (خديجة) في الأسابيع الأولى فرحة متفائلة بما أبذل في العمل، لأنها تقدره بالوقت الذي ضاع في السنة السابقة، ولكن مع مرور الأيام وعندما رأت أن خط السير لم يتغير، ولم يترك لها من وقتي إلا القليل، حتى أصبحت تشعر أنها تعيش مع (لويزة)، وجدتني مبالِغاً حتى بالنسبة لصمتي، لأنني كنت أستمر في العمل إلى الساعة الثانية ليلاً أحياناً، إذا ما كنت مع مشكلة رياضية في صراع محتدم إلى درجة البكاء.
هكذا كان الجو حولي مملوءاً حرارة وطموحاً، مما تصرفه زوجي في قضايا
стр. 270
الدين وما أصرفه أنا في الرياضيات، حتى ألحت علي زوجي، تفادياً لصمتي وعطفاً علي، أن أخصص مساء السبت للتسلية مع أصدقائي، فأذهب إما إلى جمهورية (تريفيز) حيثما أجد (مرسولين) أو أذهب قليلاً إلى الحي اللاتيني، لأن علاقتي بـ (حمودة بن الساعي) كانت حينذاك فاترة بسبب محاضرته في نادي الترقي، فلم أكن في نظر صديقي حاسماً في دفاعي عن شرفه عندما وصمه الشيخ (العقبي) بتلفيقها من مصادر مختلفة، وقد كان أخوه (صالح) من رأيه.
ولكن ضرورات الصراع لم تتركنا طويلاً على هذا الوضع، فجمعتنا مرة أخرى وحدة الصف، دون أن أتذكر من منا كان الأول في التغلب على كبريائه، وعلى كل كان صديقي في حاجة إليّ ليقرأ عليَّ الوريقات الصغيرة التي يملؤها بانطباعاته وتأملاته خلال الأسبوع، وكنت في حاجة إليه لتبادل الرأي حول (نيتشه)، وقد اكتشفته في ترجمة لـ (هاليغي)، أو حول (سبينوزا) الذي شغلني أيضاً في دراسة قيمة تتناول حياته، تلميذاً لـ (ابن ميمون) وبالتالي بالنسبة للمدرسة الإسلامية في عصره. ولقد كانت فعلاً بروق الأول وصواعقه وأفكار الثاني الملتوية المتسربة تشغل بالي كثيراً في تلك الحقبة.
وكان (نيتشه) يشغلني خصوصاً لأن صواعقه كانت تدوي فعلاً في تلك الفترة التي ستفجر فيها الحرب العالمية الثانية، لم تكن الانتخابات العامة لرياسة الجمهورية بألمانية قد أعطت سوى مهلة لأوربا بنجاح المرشال (هندنبورغ)، ولكن الصحافة الألمانية نفسها قد عبرت عن حقيقة تلك الانتخابات منذ الغد، عندما أعطت نتيجتها في عناوين لاذعة هزلية تقول: ((كسب (هندنبورغ) عشرة ملايين من الأصوات ولكن عمر هتلر أربعون سنة)).
وبالتالي قدر للمرشال العجوز بطل معارك (تاننبرغ) أن يكون هو الذي يدعو بنفسه هتلر مستشاراً إلى جانبه يوم ٣٠ كانون الثاني (يناير) ١٩٣٣.
стр. 271
وبدأ (أينشتين) يحضر حقائبه ليتوجه نحو سويسرا في الانتظار، ودخل العالم عامه الأول من تلك الأزمة السياسية التي كان مآلها انفجار الحرب العالمية الثانية.
وبدأت الأفكار العربية الوحدوية التي حركها (فريد زين الدين) بالحي اللاتيني تخمد بعد ذهابه.
وبدأت الموسيقا الوطنية في البلاد العربية تعزف على النوطة (القومية)، وبرهن (مصالي حاج) أنه يجيد هذا العزف، وصارت فعلاً بين يديه، جمعية (نجم شمال إفريقيا) آلة تصغي لعزفها الجماهير من عمالنا الذين يعملون بين يديه بباريس؛ فقد بدأت السلطات الاستعمارية تهتم بشأنها أكثر من ذي قبل، وبدأ أفراد الفئة الطلابية الجزائرية يفكرون في تحديد خط سيرهم حسب ما تجري به الرياح السانحة.
أعتقد أنها السنة التي نشأت فيها فعلاً الاتجاهات القومية الأولى لطلابنا في الحي اللاتيني؛ وللقائل أن يقول: ((لماذا لم يصبح (عمار نارون)، قائد الانشقاقيين في الفترة السابقة، هو الآخر وطنياً قومياً؟)).
ربما لأنه لم يكن يجيد العزف ولأنه يفقد حاسة الشم فلم يشتم من أين تأتي الريح السانحة. ومهما يكن فقد بدأت في الجزائر نفسها تنشأ صورة أخرى للوطنية، تلك الصورة التي تجسدت في مؤسس وحدة المرشحين بقسنطينة مع (فرحات عباس) والدكتور (بومالي) ومن لف لفهم، وتورط فيها حتى ذلك الرجل النزيه الدكتور (سعدان) ﵀ الذي ساقته الحظوظ السيئة ذات يوم، إلى ذلك الغاب حيث تصيد الذئاب.
وهكذا بدأت في تلك الفترة تنشأ صورة القومية الجزائرية بجناحيها: الجناح الكادح الطامح إلى البرجوازية في ذات قيادته المتواطئة مع الحركة اليسارية الفرنسية، والجناح البرجوازي المتواطئ مع الاستعمار.
стр. 272
وبقي الإصلاح يسعى في شق طريقه بين الطرفين، دون أن يشعر أنه سيقدم ذات يوم استقالته المعنوية للجناح القومي البرجوازي الذي يتقبلها منه بكل سرور، ثم يكون عرضة للجناح الكادح الذي يطحنه ويدوسه بالأقدام، لأنه عرّض نفسه لذلك بتسليم مسؤولياته.
لم يكن (حمودة بن الساعي) وأخوه منتسبين لأحد هذه الأطراف، بينما كنت أنتسب للطرف الإصلاحي، لأنه كان يمثل في نظري الصورة الجزائرية للفكرة الوهابية التي كنت أرى فيها منقذ العالم الإسلامي.
أما (خديجة) فكانت على مذهبي كانت تطالع كل ما يكتب أو يصدر من المكتبات عن (عبد العزيز بن سعود)، وهكذا قرأت معها كتاب الكابتن الانجليزي (أرمسترونج) عن حياة العاهل الراحل (عبد العزيز آل سعود).
ولم تكن هذه النوافذ عن العالم لتلهيني في تلك الفترة عن مهماتي الشخصية في دروسي وفي المدرسة، وقد بقي تكويني الخاص جنباً إلى جنب مع ملاحظاتي العامة في الجو المدرسي، فاكتشفت يوماً فيوماً ما تتيحه لي الفرص. كنت أراقب نفسي وأراقب أقراني ربما بسبب مركب نقص تجاههم، نتج عن تقدمي في العمر بالنسبة إليهم، لأنني انفصلت عن التعلم مدة خمس السنوات التي بقيتها موظفاً وتاجراً في الجزائر بعد دراستي الشتوية، الأمر الذي جعلني أفرض على نفسي الجهد جهدين لأتخلص من مركب النقص، الذي لم يفارقني إلا في اليوم الذي طرح فيه (سودريه) على طريقته الفذة في أخذ مقياس مدرسته في التكوين، سؤالاً ماكراً في الرياضة فكنت الوحيد الذي أجاب عليه.
سعدت كثيرا ذلك اليوم، ولكني لاحظت أن المدير لم تلح كثيراً على وجهه علامات السرور في تلك المناسبة، وكأنما خاب أمله.
لاح لي وجه الاستعمار من الناحية النفسية هذه المرة، لأنني كنت متأكداً
стр. 273
من استقامة (سودريه) الكاملة من الناحية الأخلاقية، غير أنني لم أكن أعلم أن النفوس لها أغوار لا شعورية تخفى حتى على صاحبها، بينما لم أكن أشعر بأي حرج نفسي مع أقراني، بل كانت معاملاتي معهم سليمة من الطرفين، كانت أسلم من معاملاتي مع بعض المشارقة من بينهم، فقد كانت تحدث لي منهم بعض المفاجآت أحياناً، مثلما حدث لي ذات يوم مع أحدهم عرفته من القسم باسم (جيم) كما يسمي نفسه؛ وكنت أعتقده من أصل أمريكي لأنه لم يكن يحسن الفرنسية، وإنما كان ذكياً جداً، وإذا بي أكتشف ذات يوم، ولا أتذكر كيف اكتشفت أنه شاب لبناني اسمه (عمر عجم)، ولكنه (أَمْرَك) اسمه كي يخفي أصله، تماماً كما كان تلميذ آخر يخفي أو ينفي صلته بالعربية والعروبة، فيقول لمن يسأله عن جنسيته: ((أنا فينيقي)).
والجدير بالذكر أن من أقوم من تعرفت عليهم من الطلبة، أبناء المستعمرات أو الشبيهة بمستعمرات، كانوا من الجنس الأصفر، من الصين أو من الهند الصينية، فتكونت هكذا تلقائياً جبهة ضد الاستعمار داخل المدرسة، كنت تقريباً زعيمها دون لقب.
وربطتني بشاب صيني علاقة صداقة خاصة، بينما كنا من الوجهة السياسية على تناقض كبير، لأنني كنت موالياً لليابان أرى فيه المنقذ الوحيد للشعوب الشرقية، حتى إنني لو طلب اليابان الاستيلاء على الجزائر لرخصت له بذلك من أجل القضاء على الاستعمار الغربي، بينما كان صديقي يواجه الاستعمار الياباني بالذات.
ولكننا كنا على الرغم من هذا التناقض أصدقاء بكل معنى الكلمة، وذلك لسلامة الضمير لدى الطرفين: فكان يشكو لي ضراوة الاستعمار ذي البشرة الصفراء، وكنت أشكو له الاستعمار الأبيض، وخاصة في الوقت نفسه أن صديقي كان أثناء مناجاتنا على حذر يبدو لي مفرطاً في حذره، فكان يفضل أن
стр. 274
يحدثني في فناء لا مساكن فوقه ولا تحته ولا جدار حوله، فكان يأخذني غالباً إلى ميدان (البانطئوون) الواسع الأرجاء لمناجاتنا السياسية، لأننا نكون في وسطه بعيدين عن مسامع المارة، كنت ألاحظ ذلك دون أن يبدو لي جانب منطقي لملاحظتي إلا يوماً بعد عشرين سنة، كنت مع صديقي (صالح بن الساعي) وجماعة من طلبة جزائريين نتناجى بغرفة نزل في القاهرة حول مسيرة الثورة الجزائرية، إذ قام صديقي ليغلق علينا باب الغرفة، فتذكرت فجأة كم كان صديقي الصيني أقرب لمنطق الحذر، فصرخت لصالح: ((أرجوك أن تترك الباب مفتوحاً، وإن استطعت أن تزيل الجدران من حولنا فافعل، لأن الجدران قد تكون أحياناً وراءها آذان صاغية.))
ومهما يكن فاليوم بعد أربعين سنة أرى بصورة أوضح جوهر اختلافي مع صديقي الصيني، إذ كان يطرح قضية البلاد المستعمَرة بتعبير السياسة، وكنت أطرحها من الوجهة الحضارية.
وكان حولي في المدرسة وجوه أخرى ذات سمات معبرة، من بينها طلبة يهود نزحوا مع أسرهم من ملاح (١) (كراكوفيا) وغيرها من مدن الشرق الأوربي، ليتخرجوا ثم ليتوزعوا في عواصم الغرب، حتى في عواصم الشرق العربي، بعد أن يتخذوا جنسيات جديدة ..
وكان خاصة شاب يهودي تخرج فيما بعد (الأول) في فوجه، كان قد قدم للتحصيل على التكنية من أجل تأسيس وطن يهودي بفلسطين، لا أتذكر اسمه وإنما أتذكر أنه يستحق التقدير أكثر من أي طالب عربي اسمه (س) في ذلك الجيل التائه؛ كان يعكف في القسم عندما يخرج منه أقرانه في الساعة الثانية
стр. 275
عشرة، فيأخذ من حقيبته قطعة خبز، ويبدأ يتناول لقمة من الخبز اليابس ونصيباً من دروس الصباح، كان هكذا يراجع مواد الدروس في يومها كل يوم، حتى يرجع الطلبة من الغداء، وربما أثناء تناوله الخبز اليابس والرياضيات، يفكر في الشيء الذي يصنعه على ضفة البحر الميت ... ثم ... وعسى ... ولعل ... من يدري؟
لم تكن بيني وبينه صداقة، لأنني اشتممت فيه رائحة الصهيونية منذ اللحظة الأولى، ولكنني كنت أقدره، وأعتقد أنه كان يقدرني على الرغم مما كنت أبدي له من استياء حول فكرة (الوطن القومي اليهودي) بكل صراحة.
وكان أيضاً طالب يوغسلافي أكبرنا سناً، قد ترك بزّة ضابط في الجيش، ليأتي هنا من أجل تكوينه التكني، عندما شرعت بلاده في نهضتها الصناعية، فكان المدير مسيو (سودريه) لا يناديه إلا برتبته:
- يا (كومندان) ..
وهكذا تتابعت الأيام في تلك السنة بالنسبة لي، بينما كانت الصحافة في باريس تصب كل صباح في وطاب فَرّاشي العمارات، الأخبار اليومية عن الراقصة الزنجية (جوزفين باكر)، وعن تنقلات (أينشتين) الذي أصبح اسمه يتردد حتى على ألسنة البسطاء لما أعطته الدعاية من شهرة، خصوصاً الوسط الجامعي حيث أصبح من المقدسات، إلا على بعض الأساتذة مثل البروفسور (بواس) الذي استمر ضد نظرية (النسبية).
وعلا أيضاً في سماء الأدب بباريس اسم (أندريه جيد)، فأخذ كتابه (الغذاء الأرضي) يعلو صيته في الأوساط المتنعمة، كما كان يجري الحديث في هذه الأوساط مجراه عن عملية جراحية يجريها الأخوان (فرونوف) بدعوى أنهما يعيدان للعجوز شهوات الشباب وطاقته، حتى بدأ يفد عليهما من كل صوب،
стр. 276
من أميركا وأوربا، كل رجل ذو ثروة كبيرة يرغب في زواج جديد؛ وكان للقصة صداها في الجانب الفلسفي، إذ تقوم العملية الجراحية على نقل أعضاء جنسية للقرد الشنبنزي، فذهب كل من سبق له أن سمع بنظرية (دارون) في روايتها الشعبية، إلى أن الإنسان أصله فعلاً من القرد.
ولا زالت التعليقات عن حرق مجلس الأمة الألماني (الريشتاغ) تجري مجراها بين من يبرئ ذمة (ديمتروف) وبين من يدينه، كما أدانته مع شلة من رفقائه الشيوعيين محكمة (لايبسيش) النازية، فلم تزد هذه التعليقات إلا توتراً في الحالة الدولية في الوقت الذي كان فيه الاهتمام العلمي متعلقاً بالتجارب الأولى في ميدان التلفزيون، وبتجارب المهندس الفرنسي (جورج كلود) عن استخدام الطاقة الحرارية في البحار، بينما يرتفع صيت نظرية الميكانيكية المذبذبة، وتحقق لصاحبها (دو بروري) جائزة نوبل.
ولم يتعلق اهتمامي كما تعلق بتجارب (جورج كلود):
(يستخدم الحرارة البحرية)، لماذا لا نستخدم الحرارة الصحراوية؟ كان هذا السؤال يتردد في ذهني في تلك الفترة، لأن المجال العربي صحراوي على العموم، وأصبحت أولي شطراً من وقتي لدراسة (الترموديناميك) خاصة.
وهكذا عاش جيلي، دون أن يتصور أنه يعيش، تحولاً كبيراً في جميع اتجاهات التاريخ.
وفي هذه الأثناء أتاني من تبسة نبأ سفر والدي ووالدتي لأداء فريضة الحج، فتمنيت لو اصطحبتهما من أجل التمهيد لانتقالي بعد الدراسة إلى المملكة العربية السعودية الفتية، لأنني بدأت أشعر بصورة ما أن صعوبات كثيرة ستقوم في وجهي بالنسبة إلى تقرير مصيري مهندساً أشارت إلى اسمه السلطات الاستعمارية بسبب انحيازه لأفكار معينة، أو كما نقول اليوم، بسبب التزامه، وربما لرأيه في
стр. 277
القضية اليهودية، إذ كان لي فعلاً فيها رأي يزيد من خطورتي في نظر تلك السلطات، بالإضافة إلى أنها وجدتني ملتزماً نحو (الوهابية) والوطنية والإصلاح ونحو التكنولوجيا، أي نحو كل شيء تكرهه من طرف جزائري، بينما القضية اليهودية أصبحت في سياستها المحك الذي تقدر به الاعتدال في سلوك الفرد، خصوصاً إن كان من أبناء المستعمرات.
لهذا كله، فوجئت بنبأ سفر والديّ بوصفه فرصة ثمينة ضاعت علي، ولم يبق لدي إلا الرجوع لله في الأمر وانتظار اليوم السعيد الذي أراهما فيه بعد عودتهما من الحج، وعودتي من فرنسا لأستمع منهما إلى أخبار الحجاز، فقد أصبح يأتيني نداء الأفق البعيد الذي كان في السنوات السابقة يأتيني من (تمبوكتو)، أو من أستراليا.
وكانت السنة الدراسية تأخذ منعطفها نحو الامتحانات، بعد إجازة الربيع التي قضيتها مع زوجي وهرتنا (لويزة) عند أمي (مورناس).
وبدأت ليالي المراجعة تستمر حتى الساعة الثانية، وتعودت خديجة أن تهيئ لي، قبل أن تضطجع القهوة في (ترموس)، مع خبز وجبن طعام سحور.
وكان في تلك الفترة جبننا المفضل من نوع (المونستير)، فأصبحت خديجة تشتريه لي أكثر من غيره.
وذات ليلة من ليالي المراجعة، استمر عملي طويلاً بعد السحور، فما رفعت رأسي من الشغل حتى أحسست كأنني مصروع، صرعتني رائحة الجبن لأنني تنفست طويلاً في جوه دون أن أشعر، كمن يتنفس في جو من أكسيد الكربون، فكانت آخر مرة أكلت فيها من (المونستير) إلى اليوم.
ولعله كان يليق بمن يصنع هذا النوع الخطير من الجبن، أن يضع على غلافه هذا التنبيه (يُؤكل ولا يُشم).
стр. 278
كانت كل البواخر التي تعمل بين الموانئ الفرنسية والجزائرية تحمل في قمة عمودها الرئيسي العلم الفرنسي، وعلى مقدمتها اسم أحد الولاة الذين تولوا الولاية العامة بالقصر الصيفي (١) منذ سنة ١٨٣٠.
وكانت الباخرة التي تصل مدينة عنابة بمرسيليا، ترسي أولاً بمدينة (سكيكده) حيث ينقل أكثر المسافرين الأوربيين من الدرجة الأولى والثانية، فينقلبون بوسائلهم الخاصة إلى اتجاهاتهم المختلفة بعمالة قسنطينة.
أما فوج الشرق القسنطيني فكان مثلي من ركاب الدرجة الرابعة، يقضي ليلته على العنبر فتفاجئه صباح الغد حملة تنظيف الباخرة وتطرده من سباته مع حاجاته وحقائبه، سيول الماء الموجهة ومكانس المنظفين؛ ثم تقلع الباخرة من جديد نحو ميناء (عنابة) حيث ينزل آخر راكب لينقلب عشية إلى وجهته في شرق العمالة.
أما أنا فكنت أقضي النهار بمدينة (سيدي مروان (٢))، لأن القطار المتجه نحو تبسة لا يخرج منها إلا مرة واحدة في الصباح، فتكون لدي فرصة جسّ نبض (عنابة)، فكان السكون يخيم تحت سمائها، لا تتحرك تحته العاصفة التي اجتاحت معظم نواحي قسنطينة، ولا يهب تحته روح الإصلاح كأنه لم يصل إليها بعد، بل ما زالت الطرق الصوفية منتشرة فيها، وقد كانت الزاوية (العليوية) هي الثانية في القطر الجزائري بعد زاوية (مستغانم)، وما امتص الاستعمار مدينة مثلها، فقد أصبحت الأسرتان المسلمتان صاحبتا الاعتبار فيها، لا همّ لهما غير الاندماج في الوسط الأوربي للحفاظ على مكانتهما، على النقيض من الأسر المسلمة الأخرى في القطاع القسنطيني التي بدأت تفكر في استعادة مكانتها على
стр. 279
أساس الوطنية والدين، وتبعاً لهذا الوضع الخاص كانت (عنابة) مدينة تستهلك من الكحول ما لا يقدر، خصوصاً مناسبات الأعراس التي أصبحت كأنها نذر الإله باخوس تقام على نغمات الفنان المشهور (ولد الكرد).
إذا أردنا الحقيقة على وجهها الكامل، يجب أن نقول إن الإسلام لم يفقد سلطانه الروحي في (عنابة) في تلك الفترة، وإنما نراه كأنه هاجر إلى البيوت المتواضعة التي كانت حياتها الروحية في فلك زاوية (بن عليوه)، وهناك يشار إليه بإصبع الريبة من طرف المصلحين، ولا تطمئن إليه السياسة الاستعمارية.
هذا هو وجه (عنابة) من الطرف الجزائري في تلك الفترة.
ولكن من كانت لديه بعض المقاييس لموازنة الأشياء، ما كان ليفوته أن الطرف الأوربي هو الآخر أخذ في التدهور في (عنابة). إذ أخذ يفقد قيمه الحضارية والأخلاقية كأن المدينة التي ميّعت في جو من بخار الكحول التقاليد الإسلامية، لم تسمح للتقاليد الأوربية أن تتأقلم كما تأقلمت في مدن أخرى مثل الجزائر، حيث لم يفقد الأوربي مظاهر حضارته على الأقل.
كانت أستطيع هذه الموازنات لأن معايشتي مع زوجي أكسبتني حجر المحك، أو زادت كثيراً مما اكتسبته في (الوحدة المسيحية للشبان الباريسيين).
وكانت مناسبات تجعلني أتناول هذا المحك في حالات بسيطة، وأثناء سفري هذه المرة من (عنابة) إلى (تبسة) عندما شاطرت موظفاً فرنسياً سيارة استأجرها هو لعودته إلى تبسة، اغتنمت معه الفرصة بفضل السائق الجزائري، فبدا لي منذ أول لحظة ما يشذ في سلوكه بالنسبة للذوق الفرنسي، إذ رأيته يركب جانب السائق لا تواضعاً ولكن كبرياء، مثل عالم من علماء الإصلاح الجزائري، لم يتواضع أن يركب معي من خلف، ثم بدأ يكلمني في وضع غير
стр. 280
مريح فيضطر للالتفات، وكلما عجزت العبارة عن أداء فكرته، رأيته يكملها بحركات جسده، حركة اليد والرأس وحتى الرجل.
فكانت الملاحظة تلفت اهتمامي لدور الحركة بوصفها وسيلة تعبير في سن الصغر أو في أوساط متخلفة، وقد كان السيد الموظف في نظري أثناء السفر، صورة لتخلف الوسط الاستعماري بالنسبة إلى سير الحضارة الغربية نفسها في بلاده.
ومهما يكن فإن الانسان لا يفقد في أي ظرف كان، ما خصه الله به من تكريم، وهذا ما كنت أشعر به إلى جانب الموظف في السيارة التي استأجرها خاصة له؛ غير أن وجه والدتي بقي يبتسم لي من أعلى درجنا طوال الطريق، فكانت السيارة تسرع وتعرض علي ذات اليمين وذات الشمال مناظر الطبيعة الصيفية، بينما كان السائق في شغل بطرف من عمامته مصمم، لكي يرفعه بيده على جبينه، خشية أن يسقط مرة أخرى على عينيه.
إن الوجود الاستعماري ينتهي مع الإقطاعات الكبرى، الممتدة من سهول (عنابة) إلى تلول (بو شقوف)، ثم من سوق أهراس تبتدئ حقول صغيرة يمتلكها مع بعض القطعان من المواشي الصغيرة من غنم ومعز، الفلاح الجزائري الذي يسكن أكواخاً سقفها من الديس (١) منفردة أو متجمعة على هيئة مداشر وقرى صغيرة لم يكن يصلها ببعضها بعضاً، سوى مسالك لم يعبّدها إلا حافر البغل والحار، وتصلها الآن سيارات (سيتروين) التي تولت مسؤولية التعبيد والتوسيع لتلك الدروب بعجلاتها.
ثم رويداً رويداً ينتهي مجال النبات وتنتهي الغابة الكثيفة، من شجر الزين إلى شجيرات من الصنوبر، قليلة ضئيلة موزعة هنا وهناك؛ ومنذ قرية
стр. 281
(العين الصافية) يتغير النظر تماماً، ويترك الكوخ مكانه إلى بيت الشعر، وتنتهي الحياة المستقرة العمرانية التعيسة تعقبها حياة الأجداد الرحل.
لقد احتفظت حياة الرحل، على عكس حياة سكان الأكواخ، بكل كرامتها على الرغم من مضايقة العمران الاستعماري لها من ناحية الشمال، وزحف الصحراء عليها برمالها من الجنوب، فاحتفظت على الأقل بكرامتها وجمالها في جو عامر من الإيحاء الشعري، تُبْرِزُ فيه كصور للجلال والسكينة، الجمالَ ذا الخطوات الهادئة كأنها موزونة عل نسق حياة لا تقدر بالدقائق والثواني.
وفي هذه اللوحة الزيتية، ترى الناس مشمرين في السهل يجمعون حصيلة حقولهم، حصيلة قليلة من شعير وقمح اغتصبوها بكدهم من أرض فقيرة عقوق، ولكنهم سيعودون بعد حين عند غروب الشمس، إلى منازلهم حيث تنعقد بعد العشاء، حلقاتهم للاسماع إلى ذكريات القبيلة التي تناقلتها عن الجدود، أو لاستماع ما قاله سيدي (علي بن الحفصي) في القرن الماضي.
فمن لا يعرف في ناحية تبسة وخصوصاً في قبيلة أولاد (سيدي عبيد)، من لا يعرف أقوال سيدي (علي بن الحفصي)؟ إن القوم يعدونها تنبؤاً، ومفاتيح تُفتَح بها أسرار الأحداث، كما يفتح (ابن سيرين) ألغاز الأحلام: فلم يكن يحدث في تلك الناحية حدث هام إلا فسره مُسِنّ القوم وشيخهم على ضوء ما قاله سيدي (علي بن الحفصي) منذ قرن.
إنني أتصور كيف كان هذا الجو البريء السعيد، يأخذ بمشاعر (ايزابيل ابرهارت (١)) ويصب في روحها ذلك السحر الذي تنفرد به كتبها، وأتصورها في تجولاتها خلال منازل هذه العشائر، تصغي إلى أحاديث السمر في هذا النزل ثم
стр. 282
تمتطي صباحاً فرسها متجهة بين باقات الشيح (١) وأكوام الحلفا، نحو نزل آخر للاستماع إلى ذكريات أخرى.
إن هذا الجو يأسرني أيضاً كلما رجعت من غيبة طويلة، ويلوح جبل (قرص السكر)، كما تلوح من بعيد الصومعة التي تنذر المسافر بالوصول إلى بيته وإلى أهله.
إن مدينة تبسّة تتجلى أكثر للمسافر عندما يأتي عن طريق سوق أهراس، من الاتجاه الذي تأتي منه قوافل الصحراء، لأنه يراها بأكملها مسطحة تحت جبل (بورمان).
وها هو ذا سور المدينة العتيقة؛ وهأنذا قد نزلت عند باب قسنطينة.
إن العادة في قرانا الصغيرة تقضي بأن يكون أطفال الحي هم الذين يعلنون للأسرة نبأ وصول المسافر، فما إن وصلت إلى ميدان (الرسول) حتى ترك الصبيان ألعابهم وانطلقوا يتسابقون إلى بيتي وهم يصرخون:
- سي الصديق جاء!. سي الصديق جاء! ...
وما وصلت إلى عتبة دارنا، بين مهرجان الأطفال المحتفلين بقدومي، ومن يهنئني من قدماء الجيران مثل (حشيشي مختار)، إلا وكانت والدتي في انتظاري في أعلى السلم متكئة على عكازها، والبشرى تشرق على وجهها، فمدت لي على عادتها يدها الحبيبة فقبلتها، وقبلتها هذه المرة لأنها أيضاً يد الحاجة التي تعلقت بحلقات الكعبة، وبشباك رسول الله بالمدينة.
إن سعادة هذه اللحظة لا تقدر بثمن، بينما راحت أختاي تقبلانني، وأنا أتفرس في وجه الوالدة، فأجده أجمل ما رأيته قط، وعليه غشاوة من العطف والرقة لم أعرفهما من قبل عليه بهذه الدرجة.
стр. 283
وربما يعجب هنا أولئك المثقفون الذين أصبحوا لا يدركون لغة الشعب الجزائري المسلم، إنني لا أكتب هذه المذكرات من أجلهم، ولكن للشعب عندما يستطيع قراءة تاريخه الصحيح، أي عندما تنقضي تلك الخرافات التي تعرض أحياناً أفلاماً كاذبة، والتي سيكون مصيرها في صندوق المهملات مع مخلفات العهد الاستعماري.
لم يكن والدي في انتظاري، لأن وصولي هذه الساعة لم يكن متوقعاً؛ وصل بعد أن أخبره بعض أطفال الحي بوصولي، ولم يكن من عادته الابتسام أمام صبيان، فهو من الآباء الجزائريين الذين يجمدون على العموم اندفاعات أطفالهم، ولكن كان أبي يشرق وجهه ابتساماً كل مرة أعود من الخارج، ربما لأن يوم وصولي كان دائماً عيداً للأسرة.
تحدثنا طيلة العشاء عن حالتي الصحية وعن دراستي، بينما كنت متعطشاً لانطباعات والدتي عن الحج، أنتظر الساعة التي تعودتُها للحديث معها، فكانت أسعد ساعة هي تلك التي أمضيها قبل عودة أبي من فسحته الليلية في الحدىيث مع والدتي. خرج والدي تلك الليلة كعادته، وأذنت لي والدتي كعادتها بالخروج، بل أمرتني أن أخرج لأتسلى مع الأقران.
ولم يأت عمدة المدينة وحاكمها بطاقة زهور لاستقبالي، ولكنني وجدت تبسة كأنها تجمّلت لاستقبالي تلك الليلة، وجدت فعلاً أصدقائي في انتظاري بميدان الرسول وقد انضم إليهم الجار (حشيشي مختار) الذي يسكن البيت الذي تركه والداه (با عيرود) و (ما حليمة) خراباً، وهو البيت الوحيد الذي نجا في هذا الحي من يد (كانبون) الملاك الفرنسي الكبير بتبسة.
كان (با عيرود) مثل قدماء التبسيين، يقوم باود أهله مما يفلح من بقول في بستان له خارج السور، ومن حبوب لإعالة الأسرة بحقل له في عشيرته
стр. 284
الأصلية، وكانت (ما حليمة) تعين زوجها بتربية بعض الدواجن ترتع وتنقر ما تنقر في الميدان الذي لم يكن بعد أخذ اسمه الحالي، ولكنها تراقبها لوقايتها من العابثين، فتثور مشاجرات بينها وبين الأطفال، كما يحدث لـ (با عيرود) في بستانه عندما ينقض عليه الصبيان زمان الخس الروباني كأسراب العصافير.
نشأ (مختار) في هذه الأسرة دون أن يتلقى مع إخوته الصغار- إذ كان هو كبيرهم - أي نوع من الدراسة في مكتب ولا في مدرسة، فنشأ على الطبيعة وعلى عادات الشارع مثل أطفال تبسة في تلك الفترة.
فمن توجيه الشارع له أنه بدأ يسهم في غزوات أقرانه على البساتين حول السور حتى بستان (با عيرود)، ثم تصاعد نجمه للانضام إلى عصابات أطفال تغزو في السوق بعض الدكاكين السهلة المنال، يعرف أصحابها عندما يرون تجمعاً كهذا أن بضاعتهم المعروضة على الأرض من بطيخ وشمام، سينالها النهب.
ولم تكن تبسة تعرض مثل هذه الجرائم على محكمة جنح الأطفال، وإنما كانت تصفيها حسب العرف.
ثم وجه الشارع (مختاراً) إلى ممارسة اختلاس ماهر من نوع القمار، تكون غالباً ضحيته من شبان العشائر الذين يفدون على المدينة يوم السوق، حيث ينتظرهم (مختار) وأمثاله ليغروهم بلعبة (الورقة الحمراء رابحة)، فيمكرون بهم مكراً ماهراً فادحاً.
وبالتالي أصبح مختار مقامراً عاكفاً في المقاهي الأوربية على القمار، فبدت عليه علامات اليسر وتأنق لباسه حتى أصبح أهالي المدينة يتضايقون منه بسبب معايشته الأوروبيين أكثر من ممارسة القمار.
انتهى به توجيه الشارع إلى هذا الحد ومات والداه.
ولكن آن أوان الإصلاح في الجزائر، وفي تبسة خاصة، فتولت الطبيعة
стр. 285
والفطرة التوجيه الجديد، وإذا بالتبسيين يشدهون ذات يوم، إذ يرون (مختاراً) يتقدم إلى لجنة الاكتتاب لبناء المدرسة بمبلغ عشرة آلاف فرنك وهو مبلغ معتبر في ذلك العهد، ومما يزيد من اعتبار الأمر أن أهالي المدينة لم يروه بعد ذلك اليوم يمارس قماراً ولا يتناول خمراً.
هكذا أصبح (مختار) مناضلاً في حركة الإصلاح، وهكذا حتى (بنيني) تراجع عن الإدمان في تلك الفترة، ولم يبق ذلك الكائن التعيس الذي تفوح من فمه ومرقعاته رائحة الخمر، والذي يسوقه الشرطي (أنطونيني) إلى السجن كل مساء، إنه هو الآخر قد تعدل حاله.
ولا أدري كيف يعبر اليوم بعض (التقدميين) في بلادنا الإسلامية عن هذا التحول الاجتماعي، لعلهم يسمونه (التقهقر).
كنت متعطشاً تلك الليلة للإصلاح في هذا الجو المنقى، الذي لم تلوثه بعد الجراثيم (المصالية) ولا الأكاذيب الفدرالية (١) حتى أعلم قدر ما أستطيع ما يدور فيه.
فتحدثنا عن أشياء كثيرة تخص تلك المرحلة التي أصبح فيها الشعب يتخذ من كل حجر وسيلة لبناء مدارسه ومساجده وأنديته، ويتخذ من كل حطب عصياً في وجه الاستعمار، لم تفقد مدينة تبسة تلك الحساسية السياسية التي اكتسبتها مند بداية القرن مع (عباس بن حمانة)، فكانت هي الأخرى تذكر اسم هتلر لا كمايذكر في العالم، هنا كمنقذ وهناك كالمسيح الدجال، فكان اسمه على الألسنة مقروناً بأحداث مقاطعة (السارجيث) التي ستعيد عاصمتها اسمها الجرماني (ساربروكن) بعد أن سماها الفرنسيون (سر لويس) بعد الحرب العالمية الأولى.