← Общие книги

Общие книги · id 38209

مذكرات شاهد للقرن

مالك بن نبي

Полный текст (424 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(العين الصافية) يتغير النظر تماماً، ويترك الكوخ مكانه إلى بيت الشعر، وتنتهي الحياة المستقرة العمرانية التعيسة تعقبها حياة الأجداد الرحل. لقد احتفظت حياة الرحل، على عكس حياة سكان الأكواخ، بكل كرامتها على الرغم من مضايقة العمران الاستعماري لها من ناحية الشمال، وزحف الصحراء عليها برمالها من الجنوب، فاحتفظت على الأقل بكرامتها وجمالها في جو عامر من الإيحاء الشعري، تُبْرِزُ فيه كصور للجلال والسكينة، الجمالَ ذا الخطوات الهادئة كأنها موزونة عل نسق حياة لا تقدر بالدقائق والثواني. وفي هذه اللوحة الزيتية، ترى الناس مشمرين في السهل يجمعون حصيلة حقولهم، حصيلة قليلة من شعير وقمح اغتصبوها بكدهم من أرض فقيرة عقوق، ولكنهم سيعودون بعد حين عند غروب الشمس، إلى منازلهم حيث تنعقد بعد العشاء، حلقاتهم للاسماع إلى ذكريات القبيلة التي تناقلتها عن الجدود، أو لاستماع ما قاله سيدي (علي بن الحفصي) في القرن الماضي. فمن لا يعرف في ناحية تبسة وخصوصاً في قبيلة أولاد (سيدي عبيد)، من لا يعرف أقوال سيدي (علي بن الحفصي)؟ إن القوم يعدونها تنبؤاً، ومفاتيح تُفتَح بها أسرار الأحداث، كما يفتح (ابن سيرين) ألغاز الأحلام: فلم يكن يحدث في تلك الناحية حدث هام إلا فسره مُسِنّ القوم وشيخهم على ضوء ما قاله سيدي (علي بن الحفصي) منذ قرن. إنني أتصور كيف كان هذا الجو البريء السعيد، يأخذ بمشاعر (ايزابيل ابرهارت (١)) ويصب في روحها ذلك السحر الذي تنفرد به كتبها، وأتصورها في تجولاتها خلال منازل هذه العشائر، تصغي إلى أحاديث السمر في هذا النزل ثم

стр. 282

تمتطي صباحاً فرسها متجهة بين باقات الشيح (١) وأكوام الحلفا، نحو نزل آخر للاستماع إلى ذكريات أخرى. إن هذا الجو يأسرني أيضاً كلما رجعت من غيبة طويلة، ويلوح جبل (قرص السكر)، كما تلوح من بعيد الصومعة التي تنذر المسافر بالوصول إلى بيته وإلى أهله. إن مدينة تبسّة تتجلى أكثر للمسافر عندما يأتي عن طريق سوق أهراس، من الاتجاه الذي تأتي منه قوافل الصحراء، لأنه يراها بأكملها مسطحة تحت جبل (بورمان). وها هو ذا سور المدينة العتيقة؛ وهأنذا قد نزلت عند باب قسنطينة. إن العادة في قرانا الصغيرة تقضي بأن يكون أطفال الحي هم الذين يعلنون للأسرة نبأ وصول المسافر، فما إن وصلت إلى ميدان (الرسول) حتى ترك الصبيان ألعابهم وانطلقوا يتسابقون إلى بيتي وهم يصرخون: - سي الصديق جاء!. سي الصديق جاء! ... وما وصلت إلى عتبة دارنا، بين مهرجان الأطفال المحتفلين بقدومي، ومن يهنئني من قدماء الجيران مثل (حشيشي مختار)، إلا وكانت والدتي في انتظاري في أعلى السلم متكئة على عكازها، والبشرى تشرق على وجهها، فمدت لي على عادتها يدها الحبيبة فقبلتها، وقبلتها هذه المرة لأنها أيضاً يد الحاجة التي تعلقت بحلقات الكعبة، وبشباك رسول الله بالمدينة. إن سعادة هذه اللحظة لا تقدر بثمن، بينما راحت أختاي تقبلانني، وأنا أتفرس في وجه الوالدة، فأجده أجمل ما رأيته قط، وعليه غشاوة من العطف والرقة لم أعرفهما من قبل عليه بهذه الدرجة.

стр. 283

وربما يعجب هنا أولئك المثقفون الذين أصبحوا لا يدركون لغة الشعب الجزائري المسلم، إنني لا أكتب هذه المذكرات من أجلهم، ولكن للشعب عندما يستطيع قراءة تاريخه الصحيح، أي عندما تنقضي تلك الخرافات التي تعرض أحياناً أفلاماً كاذبة، والتي سيكون مصيرها في صندوق المهملات مع مخلفات العهد الاستعماري. لم يكن والدي في انتظاري، لأن وصولي هذه الساعة لم يكن متوقعاً؛ وصل بعد أن أخبره بعض أطفال الحي بوصولي، ولم يكن من عادته الابتسام أمام صبيان، فهو من الآباء الجزائريين الذين يجمدون على العموم اندفاعات أطفالهم، ولكن كان أبي يشرق وجهه ابتساماً كل مرة أعود من الخارج، ربما لأن يوم وصولي كان دائماً عيداً للأسرة. تحدثنا طيلة العشاء عن حالتي الصحية وعن دراستي، بينما كنت متعطشاً لانطباعات والدتي عن الحج، أنتظر الساعة التي تعودتُها للحديث معها، فكانت أسعد ساعة هي تلك التي أمضيها قبل عودة أبي من فسحته الليلية في الحدىيث مع والدتي. خرج والدي تلك الليلة كعادته، وأذنت لي والدتي كعادتها بالخروج، بل أمرتني أن أخرج لأتسلى مع الأقران. ولم يأت عمدة المدينة وحاكمها بطاقة زهور لاستقبالي، ولكنني وجدت تبسة كأنها تجمّلت لاستقبالي تلك الليلة، وجدت فعلاً أصدقائي في انتظاري بميدان الرسول وقد انضم إليهم الجار (حشيشي مختار) الذي يسكن البيت الذي تركه والداه (با عيرود) و (ما حليمة) خراباً، وهو البيت الوحيد الذي نجا في هذا الحي من يد (كانبون) الملاك الفرنسي الكبير بتبسة. كان (با عيرود) مثل قدماء التبسيين، يقوم باود أهله مما يفلح من بقول في بستان له خارج السور، ومن حبوب لإعالة الأسرة بحقل له في عشيرته

стр. 284

الأصلية، وكانت (ما حليمة) تعين زوجها بتربية بعض الدواجن ترتع وتنقر ما تنقر في الميدان الذي لم يكن بعد أخذ اسمه الحالي، ولكنها تراقبها لوقايتها من العابثين، فتثور مشاجرات بينها وبين الأطفال، كما يحدث لـ (با عيرود) في بستانه عندما ينقض عليه الصبيان زمان الخس الروباني كأسراب العصافير. نشأ (مختار) في هذه الأسرة دون أن يتلقى مع إخوته الصغار- إذ كان هو كبيرهم - أي نوع من الدراسة في مكتب ولا في مدرسة، فنشأ على الطبيعة وعلى عادات الشارع مثل أطفال تبسة في تلك الفترة. فمن توجيه الشارع له أنه بدأ يسهم في غزوات أقرانه على البساتين حول السور حتى بستان (با عيرود)، ثم تصاعد نجمه للانضام إلى عصابات أطفال تغزو في السوق بعض الدكاكين السهلة المنال، يعرف أصحابها عندما يرون تجمعاً كهذا أن بضاعتهم المعروضة على الأرض من بطيخ وشمام، سينالها النهب. ولم تكن تبسة تعرض مثل هذه الجرائم على محكمة جنح الأطفال، وإنما كانت تصفيها حسب العرف. ثم وجه الشارع (مختاراً) إلى ممارسة اختلاس ماهر من نوع القمار، تكون غالباً ضحيته من شبان العشائر الذين يفدون على المدينة يوم السوق، حيث ينتظرهم (مختار) وأمثاله ليغروهم بلعبة (الورقة الحمراء رابحة)، فيمكرون بهم مكراً ماهراً فادحاً. وبالتالي أصبح مختار مقامراً عاكفاً في المقاهي الأوربية على القمار، فبدت عليه علامات اليسر وتأنق لباسه حتى أصبح أهالي المدينة يتضايقون منه بسبب معايشته الأوروبيين أكثر من ممارسة القمار. انتهى به توجيه الشارع إلى هذا الحد ومات والداه. ولكن آن أوان الإصلاح في الجزائر، وفي تبسة خاصة، فتولت الطبيعة

стр. 285

والفطرة التوجيه الجديد، وإذا بالتبسيين يشدهون ذات يوم، إذ يرون (مختاراً) يتقدم إلى لجنة الاكتتاب لبناء المدرسة بمبلغ عشرة آلاف فرنك وهو مبلغ معتبر في ذلك العهد، ومما يزيد من اعتبار الأمر أن أهالي المدينة لم يروه بعد ذلك اليوم يمارس قماراً ولا يتناول خمراً. هكذا أصبح (مختار) مناضلاً في حركة الإصلاح، وهكذا حتى (بنيني) تراجع عن الإدمان في تلك الفترة، ولم يبق ذلك الكائن التعيس الذي تفوح من فمه ومرقعاته رائحة الخمر، والذي يسوقه الشرطي (أنطونيني) إلى السجن كل مساء، إنه هو الآخر قد تعدل حاله. ولا أدري كيف يعبر اليوم بعض (التقدميين) في بلادنا الإسلامية عن هذا التحول الاجتماعي، لعلهم يسمونه (التقهقر). كنت متعطشاً تلك الليلة للإصلاح في هذا الجو المنقى، الذي لم تلوثه بعد الجراثيم (المصالية) ولا الأكاذيب الفدرالية (١) حتى أعلم قدر ما أستطيع ما يدور فيه. فتحدثنا عن أشياء كثيرة تخص تلك المرحلة التي أصبح فيها الشعب يتخذ من كل حجر وسيلة لبناء مدارسه ومساجده وأنديته، ويتخذ من كل حطب عصياً في وجه الاستعمار، لم تفقد مدينة تبسة تلك الحساسية السياسية التي اكتسبتها مند بداية القرن مع (عباس بن حمانة)، فكانت هي الأخرى تذكر اسم هتلر لا كمايذكر في العالم، هنا كمنقذ وهناك كالمسيح الدجال، فكان اسمه على الألسنة مقروناً بأحداث مقاطعة (السارجيث) التي ستعيد عاصمتها اسمها الجرماني (ساربروكن) بعد أن سماها الفرنسيون (سر لويس) بعد الحرب العالمية الأولى.

стр. 286

ودخلها أو سيدخلها جيش (الفيرماخت (١))، وعلى نغمات مارش (خطوة الإوز (٢)) يدقها الطنبور دقات مسترسلة. كانت سماء تبسة تشع فوق رؤوسنا- ونحن في الحديث- جمالاً مشرقاً؛ ونجومها تصب في قلبي ابتهاجاً لا أستطيع التعبير عنه. وكانت والدتي تنتظرني لتقص علي قصة حجها، ولم يكن والدي رجع بعد من فسحته، عندما رجعت إلى البيت: - قصي علي يا أمي ما رأيت وما سمعت وكل انطباعاتك. بادرت هكذا والدتي مجرد ما جلست كالعادة على طرف سريرها: - ماذا أقص عليك يا بني! كانت هذه العبارة على لسان والدتي تعني ازدحام ما تريد قوله، فأصغيت: - إيه!. دنيا أخرى. واسترسلت، وكنت أخشى أن تسكت عندما ترى دمعي، على الرغم من أن الغرفة كانت نصف مظلمة، كعادتنا في ليالي الصيف منعاً للحشرات، فلم نترك إلا إضاءة واحدة موقدة في الفناء. ولكن كان الحديث مؤثراً تهزني منه أحياناً هزات لا أستطيع كبتها، فأتظاهر بالعطش حتى أذهب إلى الشرفة حيث توجد برادات الماء فأطلق العنان للدمع، ولا شك أن والدتي كانت- دون أن يبدو شيء- تتبع تلك الحالات النفسية على وجهي، وما كانت لتفوت تلك المرأة التي تقدّر على عادتها كل حالة بنظرة ثاقبة، في لمحة بصر.

стр. 287

وكانت كأمها الحاجة زليخة، تتمتع بميزة القصاص الماهر، تللك الميزة النادرة عند من لا يقرأ ولا يكتب، فقصت عليّ قصة حجها، بكل ما تحتاجه القصة من تنوير في بعض نواحيها، وما تقتضي من تظليم في نواحي أخرى، كما تتطلب قصة يلتقي فيها عنصرا اللاهوت والناسوت. ولم تفتها بعض الملاحظات ذات الطابع الاجتماعي: - لم يرد وكيل فندق نزلنا فيه بالمدينة، أن يتسلم من يدي محفظة نقود وجدتها بالحرم فالتقطتها كي لا تضيع على الحاج صاحبها. وبيّن لنا صاحب الفندق أنه كان من الأليق تركها في مكانها كما تقتضي التعليمات السعودية. كان فعلاً العصر الذهبي للحركة الوهابية في الأرض المقدسة؛ وما قصة والدتي- مع أنها زادتني رسوخاً في (وهابيتي) - إلا إحدى القصص التى يتناقلها الحجاج كل سنة يحملونها إلى الآفاق الإسلامية. وكانت والدتي تختار في قصتها النبذة ذات الدلالة: - أردت أن أشتري أمَة لأحررها، فأبت علي ذلك، إلا إذا أخذتها معي إلى الجزائر. ففهمت أنها تخشى العسر أكثر مما تأبى الرق. وكانت التفاصيل التي لفتت نظرها وأثارت إعجابها أيام الحج متنوعة كثيرة جداً: - كنت ألاحظ بالحرم المكي أثناء صلواتي، أن أسراب الحمام التي تعيش فيه، لا تحلق فوق البيت عندما تطير، وإنما تطوف به طوافاً. لا أدري ما في هذه الملاحظة من دقة علمية مع علمي ما لوالدتي من تبصّر، ولكنها تدل على أن روح الحاج لها أسارها؛ ومن تقاليد الحجاج الموروثة أباً عن جد، أن يعود كل واحد بأكثر ما يمكن من الهدايا، فرجعت والدتي بهدايا

стр. 288

متنوعة، خصوصاً لي ولزوجي المقبلة ولأولادي المقبلين، حتى العقال البدوي والعباءة العربية ليوم ختان أول أبنائي، زيادة على المسابح الثمينة وأدوات منزلية غالية من خزف صيني وياباني وصينيات دمشقية: - وكل هذا لم أدفع عليه قرشاً واحداً للجمرك، لأننا عند نزولنا بميناء (عنابة) كنت متكئة عادتي على عكازي، فعندما رآني أصحاب الجمرك في هذه الهيئة أعفوني من الوقوف في رتل الحجاج. كانت فعلاً معاملة موظغي الجمرك الفرنسيين للحجاج تلفت النظر، ولكن لم يكن بين الحجاج في ذلك العهد مهربون محترفون، لا يحجون لبيت الله ولكن لدكاكين جدة ومكة والمدينة. أما قصص والدي، كما قصها عليّ تقسيطاً في الأيام التالية، فكانت ذات طابع سياسي، قال لي ذات يوم: كان طاقم الباخرة الفرنسي يحوطنا بكل عنايته ورعايته في الذهاب، حتى أن الربان تولى بصورة خاصة (لطيفة)، يغدق عليها كياسة وظرفاً، ثم تغير كل هذا في العودة ... (لطيفة) هي بنت أختي الكبرى، احتضنها والداي في المهد، وحجت معهما في سنتها الخامسة. وهكذا عشت مع والدي ووالدتي في جو عائلي سعيد، طيلة أسابيع، وكذلك مع أصدقائي؛ وكنت أراسل زوجي التي بقيت هذه المرة في فرنسا، مع الهرة (لويزة)، ضيفة عند أمها بمدينة (دروكس) مدة، ومدة أخرى بباريس في شقة مدام (بيري)، وكانت تراسلني هي الأخرى. لقد بدأ في المدينة اسم الدكتور (بن جلول) يتردد على الألسنة بوصفه

стр. 289

زعيماً، ولكن لم تظهر فيما بعد الانشقاقات الحزبية ولا مجرد المنافسات الفردية، حتى إن القطيعة التي تحدث بين صديقين، مثل (أحمد فيلالي) و (كافي مبارك)، كانت تعالج في دكان سي (بوذراع) الذي أصبح مقر هيئة أركان حرب الإصلاح المحلية. واستمرت التغيرات الاجتماعية تسير سيرها المعتاد، فآخر مقهى غير هيئته بتبسة في تلك الحقبة، عندما أخذت الآلة العصرية (البركولاتور) مكان (الوجق (١))، وأخذ الجلوس على الكرسي في المقهى مكان الجلوس على سجادة الحلقة، ثم استبدلت كل المقاهي بـ (البندير) و (الغائطة (٢)) وحتى (الفنوغراف) الذي اخترعه اديسون، المذياع الذي أخذ ينتشر في ذلك العهد. ولكن من يدقق الملاحظة يرى أيضاً أن عدد المقاهي بدأ يرتفع، كأنما التطور أخذ يتدرج نحو السوق الانتخابية التي ستفتح بابها على مصراعيه بعد سنة من ذلك التاريخ إذ دقت ساعة المزايدة في القيم الأخلاقية والاجتماعية التي اكتسبها الوطن خلالا الثلاثينات، والتي ستباع فعلاً بالمزايدة الديماغوجية التي أعلنتها اتحادية المرشحين. كما يلاحظ أيضاً أن الشباب بدأ يختلف أكثر من ذي قبل على مقاه خاصة به، تكونت فيها الإطارات التي ستدفع عجلة الحزب (المصالي). أما نحن فكنا نتردد على مقهى لجندي قديم تخلص من الجيش الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى، فأصبح بعد تقلبات كثيرة يملك أشهر مقهى بالمدينة. يجلب شبابها، لأن صاحبه (باهي (٣)) يعرف عن ظهر قلب كل ما قاله سيدي

стр. 290

(علي بن الحفصي)، ويفسر به كل أحداث تلك الفترة؛ حسبما تنقلها يومياً (جريدة قسنطينة) الفرنسية، فيختم بالتوالي تفسيره بهذه الصرخات: - برج! .. برج! .. برج! .. ولا شك أنه كان الوحيد الذي يفهم هذه الطلقات الصوتية، لأنه ربما نحتها اقتباساً عن نغمات الطنبور عندما كان بالجيش، وإنما كنا نفهمها نحن على أنها التعبير عن إعجابه بأقوال سيدي (بن الحفصي) على العموم، وخصوصاً عندما تفسر في نظره أحداث الزمن، وعلى أية حال بقي الإصلاح الاجتماعي يسير سيره، ولم تكن حلقات الشيخ (العربي التبسي) في تلك الفترة، يقل عدد مريديها عن مريدي حلقات (باهي). كان محور الحياة الدينية في المدينة يتحول من المسجد العتيق الذي تشرف عليه الحكومة، إلى المسجد الجديد الذي شيدته الأمة منذ سنتين، غير أن الشيخ (سليمان) إمام المسجد الحكومي بقي يتمتع بتقدير واعتبار جل السكان. أما الشيخ (الصادق بن خليل) فلا يزال يصنع الحروز والتعويذات للفتيات الأوربيات الباحثات الراغبات في الزواج. كما لا يزال (صادق شقة) هو الآخر، يعقد حلقته الخاصة في مقهى (باهي) نفسه، ويجري الحوار أحياناً بين الحلقتين فوق رؤوس الزبائن الذين يتسلون بهذه المناقشة (الإيديولوجية) المازحة بين جندي المشاة القديم، وضابط المشاة المتقاعد. أما مدام (دوننسان) فكانت تلاحظ بلا شك، هذه التطورات في الحياة الأهلية، ولكني لا أعتقد أنها بدأت بعد تفسرها وتفهمها. وبالتالي أتى أسبوع سباق الخيل السنوي الذي يعلن نهاية الصيف وعودة

стр. 291

الطلبة إلى مدارسهم. فبدأت أرى والدتي منغمسة في أمر يشغل بالها. هل هو الشعور بالفراق القريب؟ ... وذات يوم من بداية الخريف في عشية يشع فيها الاطمئنان والسكينة، كنت جالساً إلى جنبها قبل رجوع والدي من الشارع للعشاء وهي توصيني بصحتي، ثم رأيتها تطرق برأسها وتقول بصوت خافت: - يا صدّيق لماذا لا تقضي هذه السنة هنا؟ إن شتاء باريس قارس. وما عليك إلا أن تأتي بزوجك وتبقى معي. ثم سكتت كأن صوتها في نفسه الأخير، فبقيت مدهوشاً لسببنن: - لماذا والدتي، التي عرفتها لا تفرط أبداً في الواجب، تدعوني هذه المرة لأترك دراستي؟ ثم من أخبرها أتن تزوجت؟ كنت أردد في نفسي هذين السؤالين، دون أن أرى للأول غير تفسير واحد، هو أن حنو والدتي وعطفها عليَّ تغلبا على إرادتها أمام الفراق القريب، أما الآخر فسألت: - يا (ما) ومن أنبأك بأنني تزوجت؟ .. هل يعلم والدي ذلك؟ - لا يعلم أبوك شيئاً من هذا وسوف أقنعه. فطمأنني جوابها بالنسبة لوالدي، فأخذت يدها أقبلها وأحنو عليها، وقلت: - أتعلمين يا (ما) أن سنة دراسة لها حسابها. وكأن كلماتي وحنوي وقبلاتي أقصت ما كان يعتري نفسها، فظهر الابتسام والبشرى على وجهها الجميل، وقالت:

стр. 292

- أنت على صواب يا ولدي. فاذهب. وعاد والدي من الشارع واستمر العشاء في الأنس العائلي كالعادة، وخرجت كالعادة لقضاء الأمسية مع أصدقائي، ولأستمع معهم كالعادة إلى أم كلثوم و (باهي) وأقوال سيدي (علي بن الحفصي)، ونكت (صادق شقة) العابثة. فكانت أمسية مثل سابقاتها ولم تعد والدتي للموضوع، ولكن قبل سفري بيومين أو ثلاثة أتيت لأحييها بعد القيلولة كالعادة، وكانت في المطبخ و (لطيفة) بين يديها تعاونها على قدر سنها لتحضير العشاء فقالت لي: ياصدّيق .. أترى ما هو هذا، وهي تشير إلى حبة صغيرة على ثديها - يا (ما). هل رجعت تخشين كل شيء؟. هذا لا شيء. كان ذلك يقيني فخرجت منشرح الصدر كالعادة. وجاء يوم السفر وعندما وصلت إلى الباب وقبل أن أغلقه ورائي، ولّيت وجهي لأرى والدتي مرة أخرى وهي تسكب من أعلى درجنا، (ماء العودة) خلفي فلم يذُرْ في خلدي أنني أراها للمرة الأخيرة في هذه الدنيا. ... كانت زوجي تنتظر بفارغ الصبر قصص الحج، كما كنت لثلاثة أشهر من قبل أنتظرها، فقصصت عليها بالإجمال أولاً، ثم رجعنا إلى كل تفصيل على حدة، فأصبحت قصة حج والدتي موضوع حديثنا طيلة أسابيع، واطمأنت عندما أخبرتها أن والدتي علمت بزواجنا ورضيت به، لم يبق لدينا شك في مستقبلنا بعد دراستي، فأقول أنا: - سنذهب إلى الطائف إن شاء الله ونستقر هناك ... وتقول هي:

стр. 293

- أما أنا فأتولى فلاحة البقول وتربية الدواجن حسب قواعدنا في الغرب، وستكون والدتك راضية عني، فهل يرضى والدك؟ أيعيشان معنا؟ فاصنع لهما عشاً أؤثثه بيدي. كانت (خديجة) فعلاً نجارة Tapissier décorateur وفلاحة بساتين ولدا في جسم امرأة، ومنذ قضت في السنة الماضية فصل الصيف في أسرة جزائرية، أدركت الجانب الذي كانت بيوتنا تفقده في تلك الفترة، والذي يكمل حياة الأسرة، فتعرض علي برنامجها: - إنني أستطيع أيضاً أن نؤسس في الطائف مدرسة منزلية للبنات، فأعلمهن الخياطة ونسيج الإبرة. إن النساء في بلادك يتمتعن بكثير من الذوق الرقيق إذا ما ثابرن على العمل، وقد رأيت تحفاً رائعة من (دنتيل الجزائر) (١) تنشأ وتموت في المهد دون أن تتم بين أصابعهن. لأنهن يفتقرن إلى المثابرة ... وكنت من ناحيتي أقول: - لا أريد أن أشتغل بعد تحصيلي موظفاً في إدارة، بل صاحب أعمال مستقل، سأبتدئ بالقدر الممكن. فأصنع الإسمنت أو الصبغة أو العطور الفرنسية وأحول مخلفات عيد الأضحى بمنى إلى أسمدة .. و .. و ... وأستمر في دراسة استخدام الحرارة الصحراوية لعلها تصبح طاقة تفيد. وعلى هذا الأساس ما بدأت بجانب دراستي العادية أتردد مرتين في الأسبوع على الدروس الليلية في الكيمياء التطبيقية، بمعهد لاحق لمتحف الفنون والصناعات، كما بدأت مكتبتي الهندسية تُثرى من الكتب التطبيقية بقدرها يتكون في ذهني من مشروع أثناء حديثي مع زوجي، كنت في الحقيقة تلك السنة في حالة من

стр. 294

يريد ابتلاع كل العلم وكل التكنية، وأصبحتا فعلاً أعلم حتى عن حياة النحل ومعالجة بيوتها وعسلها الشيء الذي لا يتصوره فلاح جزائري. بينما كانت دروسي النظرية تسير من ناحيتها السير الحسن خاصة الرياضيات، والجدير بالذكر- لمن تهمه الملاحظة البيداغوجية- أنني على الرغم من حرصي على التحصيل في الرياضيات وتعلقي بها، لم أكن أرى فيها كثيراً من الجدوى في الجانب التطبيقي، إلى أن وزع على القسم مشروع آلة ضغط بوصفه موضوع امتحان جزئي، فكان لزاماً أن أستعمل الجهاز الرياضي لحل مشكلات الجهاز الميكانيكي، فأدركت منذ ذلك اليوم أن المعادلات هي مفتاح التطبيق، وأننا لا نقدر علماً حق قدره ما دمنا لا نعلمه إلا في صورته النظرية. كان (مرسولين) وبعض أصدقائي من جمهورية (تريفيز)، يزورونني من حين لآخر عشية الأحد، فكانت زوجي تقدم لهم بعض الحلويات من صنعها مع الشاي. وبقي (حموده بن الساعي) وفياً لعشائنا يوم الجمعة، وكان يستعذب مثل تلك الأكلة التي تقدمها لنا (خديجة) من عدس ولسان الضأن إشفاقاً على كيسها المتواضع. ثم تبتدئ محاوراتنا الإسلامية في ضوء الأطروحة التي كان يهيئها عن الغزالي، وكانت أفكار (زكي مبارك) في الموضوع تتردد بيننا، تغرينا بجدتها وحدتها ضد النزعات الصوفية، فنشاطر هجوم صاحبها على (حملة الراية الطروقية)، فتزداد حملة صديقي على الغزالي عنفاً ويكفهر وجهه ويصرخ: - إن معالجة المسلمين بهذه الطريقة تخدير لضميرهم أدى إلى ما أدى إليه؛ وبينما تواصل الهرة (لويزة) أحلامها على ركبتي مولاتها المنكبة على نسيج الإبرة كان كل واحد من أصدقائي يضيف بعداً لكياني الفكري، أناقش مع (حمودة)

стр. 295

القضية الإسلامية من ناحيتها الإيديولوجية، ومع أخيه (صالح) أناقشها من وجهتها الاجتماعية، ومع أحبابي من جمهورية (تريفيز) أتناول الموضوعات الثقافية، ويسليني صديقي (الباسكي) بحديثه عن سلوك بعض معارفه من طلاب مدرسة الفنون الجميلة، وكان طبعاً حديثي في المدرسة عن الأشياء التكنية. والأمر الجديد في علاقاتي الودية تلك السنة، كان (علي بن أحمد)، وهو مثلي من تبسة وتربطني به قرابة، وقد تقاطعت قبل ذلك خطوط حياتنا سنة ١٩٢٥، إذ دخل إلى (المدرسة) في الوقت الذي تخرجت منها، وعندما لاقيته صدفة سنة ١٩٣٠، بأحد شوارع (عنابة)، قرأت عليه قصيدة لي باللغة الفرنسية، قبل أن أمتطي الباخرة التي نقلتني إلى مرحلتي هذه، ثم ها هو ذا يأتيني نبؤه أثناء إجازتي الأخيرة بتبسة، في صورة العدد الأول من جريدة (صوت الشعب) التي صدرت ذلك الصيف في العاصمة الجزائرية، ولا أدري هل يتذكرها أي جزائري اليوم؟ لقد أصدرها (علي بن أحمد) مع بعض صغار صيادي السمك وبعض باعة البقول، كان هو يمدها بمادة العقل وهم يمدونها بالمال. لا أتذكر ما قرأت في العدد الذي وصلني منها، ولكنني أتذكر أنني شعرت من خلال لهجتها، أن صدورها عبّر عن مرحلة جديدة في تاريخ الصحافة الجزائرية الوطنية، التي انتقلت من المطالبة بحقوق الشعب إلى الهجوم الصريح على الاستعمار. كانت هذه النغمة جديدة فعلاً على صحافتنا، فكتبت على الفور أشكر وأهنئ (علي بن أحمد) على شجاعته، لأن (صوت الشعب) كان فعلاً حلقة الوصل في تطور صحافتنا، بين (العلم) و (الإقدام) وصحافة الرأي التي ستنشأ بعد الحرب العالمية الثانية.

стр. 296

ولكن الظروف المادية القاسية ومزاجه الخاص، لم تتركا أبداً (علي بن أحمد) يستقر في مشروع، فاختفى (صوت الشعب) بعد عددين أو ثلاثة. وهكذا فوجئت، أثناء عودتي الأخيرة من الجزائر، بوجوده في القطار الذي أخذته من مرسيليا، فقال لي: - إنني أذهب إلى باريس لأواصل دراستي. إنها لرياح ذلك الزمن، الرياح التي كانت تصرف إلى باريس كل جزائري تخفق أحلامه وتفشل مشاريعه في بلادي. فوجئت بشيء آخر، عندما علمت منه أن خطابي لم يصله، كما لم يصل إلى (بن عبد الله) في السنة السابقة، خطابي عن المعهد العربي المزمع إنشاؤه بإسبانيا. ولا شك أن هذه الخطابات أخدت طريقها إلى ملف ذلك السمك المفترس الصغير، من نوع (البروشية) الذي استمر في وثباته وتقلباته دون أن يشعر أن الشبكة تُلقى عليه أكثر فأكثر كل يوم. وعلى أية حال أضاف (علي بن أحمد) عنصراً جديداً، للجمع الجزائري الذي يسرح في الحي اللاتيني دون وجهة ولا توجيه، ولكنه كان العنصر الممتلئ حيوية وجرأة، يملأ رعباً تلك المستنقعات التي يرتع فيها ذلك السمك الهزيل الصغير الحقير، الذي يهيئه الاستعمار لبعض طبخه الخاص. وكان الحي اللاتيني في تلك الفترة من جانبه الجزائري، المستنقع الذي تتكون فيه الحشرات التي سيجرها التيار الجارف الذي انطلق من قاعة (بوهليبي)، حيث كانت الحشود من العمال الجزائريين تزدحم من أجل الاستماع إلى (مصالي حاج) والهتاف له.

стр. 297

فكان (علي بن أحمد) ضد الاستعمار، وضد المصاليين لا يؤمن بوطنيتهم، وضد العلماء لا يؤمن بإصلاحهم، وضد السيد (أمين الحسيني) معتقداً فيه شيئاً غريباً، هو يدعي أنه دخل السجن فعوضه الإنجليز بشخص آخر يشبهه وجهاً ويحمل اسمه. ولا ينتهي (علي بن أحمد) عند هذا الحد بل كان أيضاً ضد القسنطينين أبناء مسقط رأس والدته، لأنه لا يرى فيهم ما يتمنى من الخشونة. وبعبارة واحدة كان طبقاً لمزاجه، يقف من كل شيء موقف الضد ... فلم تكن لهذا السبب علاقتي به متصلة ولا حميمة دائماً، فلم أدعُه مرة لبيتي، وأعتقد أنه كان يغتاظ من ذلك، ولكن لم تكن لي الخيرة لأن مزاجي جعلني أتجنب الفوضى والإفراط، خصوصاً في الميدان الفكري والأخلاقي. وإنني أتذكر هذا متأسفاً على تفريط من طرفي تجاه رجل سيموت شهيداً على أية حال. كان هتلر يشغل الصدارة في أحاديث باريس، وذات صبيحة أعلنت الصحف الصباحية في عناوين ضخمة على صفحتها الأولى، إفلاس بنك القرض بمدينة (بايون). ربما بدا الحدث تافهاً ذلك اليوم، ولكن في عناوين صحف الغد ظهر اسم جديد (استافيسكي). - من هو؟ ردّد هذا السؤال ذلك اليوم كل من قرأ جريدة (البوتي بارسيان) من فراشي باريس. وأجابت الصحافة اليمينية في اليوم نفسه: - إنه يهودي نزح من بولونيا منذ ست سنوات فقط، ووصل إلى فرنسا وعلى كتفه حزمة لباسه الرث فقط.

стр. 298

فثارت ثائرة الرأي العام الذي اتهم من آزَرَهُ وأعانه. فانتحر ذلك اليوم أو في اليوم التالي، نائب مدينة (بايون) في مجلس الأمة الفرنسي. وبعد ثلاثة أيام أو أربعة نقلت الصحافة الكبرى: - إن (استافيسكي) قد انتحر!!. فردت الصحافة اليمنية، في اليوم نفسه: - إنهم نحروه للتغطية!!. ووردت في الصحافة نفسها، صورة مدام (استافيسكي) وعليها ملابس أغلى من ملابس (البيجوم) حرم الآغا خان، أوردها من يريد التوضيح للمسكين الذي له حتى في صندوق التوفير الفرنسي، أن حقه معرض للعبث والتلف. ودوت في جريدة (العمل الفرنسي) صرخات (دودي) بالويل والدمار، بينما أطلق (موراس) في الجريدة الملكية نفسها صواريخ جدلية رهيبة ضد النظام القائم. كلفت الحكومة وكيل الدولة (لويرانس) بالتحقيق، وإذا بجثته الهامدة ملقاة على خط سكة الحديد، فعلقت الصحافة الكبرى: - إنه انتحر!!. فرد الرأي العام: - إنهم نحروه!!. وبدأ الكولونيل (دولاروك) يهدد بالزحف على مجلس الأمة وكنسه، والتهب الشباب الجامعي حماسة وراءه؛ وصادف أن عربة تموين للجيش مرت بملتقى شارع (سان جيرمان) وشارع (سان ميشيل) في الحي اللاتيني، يقودها جنديان مراكشيان، فأوقفها الطلبة ينادون بحياة الجيش، بينما الجنديان

стр. 299

يبتسمان، دون أن يردا على تحية وهتاف الطلبة إلا بالابتسام لأنهما لا يتحدثان الفرنسية، وربما لا يفقهان معنى للموقف. وأراد (شياب) محافظ باريس في ذاك العهد، أن يعيد الهدوء للمدينة ويبعد السحب المتراكة، فنزلت على رأسه الصواعق: - اذهب يا (شياب)!! .. اذهب! .. هكذا صرخت المظاهرات الطلابية خلال اليومين الحاسمين الرابع والخامس، من شهر شباط (فبراير) عام ١٩٣٤. سقطت حكومة (شوطان)، ودعي الرئيس المتقاعد (دوميرج) من ريفه، كما دعي سنة ١٩٢٥ الرئيس (بوانكاريه) لإنقاذ الوطن من أزمة الفرنك. وكان والدي مهتماً بهذه الأحداث شأنه شأن كل جزائري يعتقد في تلك الفترة، أن كل تغيير حكومي في باريس سوف يغير مصيره، فكتب لي يسألني عن الوضع، وأتذكر أني أجبت أن فرنسا قد أخذت بذراع الشيخ (دوميرج) متكئة عليه نحو مصيرها ... واستمرت حياتي على نسقها لم يتغير فيها شيء، لأنني لم أكن أعلق على هذه الأحداث إلا اهتمام من يريد الاطلاع، بل كنت مهتماً أكثر بأنباء الجزائر، التي كانت تفيد أن النواب بدؤوا يستلمون مقاليد الحياة العامة، وأصبحت أتساءل: - هل تسلم جمعية العلماء المقاليد إلى تلك الفئة الحاملة للشهادات الجامعية؟ وربما لم يكن تخوفي من هذه الناحية نزيهاً كل النزاهة، إذ كان لي غرض يشاركني فيه (حمودة بن الساعي)، هو أن نكون نحن الاثنان، الوارثين لجمعية العلماء بعد دراستنا، لأننا نظن في أنفسنا الجدارة لخوض المعركة السياسية، مع المحافظة على الخط الإصلاحي ونتائجه في الوطن، الأمر الذي كنا نختلف فيه تماماً مع المثقفين الآخرين.

стр. 300

وكان مع هذا بيني وبين (حمودة بن الساعي) اختلاف في نقطة، هي أنه كان يريد أن يتولى الزعامة، بينما كان (علي بن أحمد) يخطئنا نحن الاثنين، ويعدّنا غير جديرين بها، ويدعي الزعامة لنفسه بسبب سوابقه منشئاً ومحرراً لجريدة (صوت الشعب). وما كان هذا الجدال الأخوي يهمني في شيء، إذ المهم في نظري هو فقط أن تسلم الحياة العامة من المثقفين لأنني كنت أتوقع منهم كل مكروه، وقد أكّدت الأحداث كل توقعاتي، وما كان لي أن أتفق معهم، ولا مع (مصالي حاج) في شيء، إذ كان رأيي السياسي قائماً على مبدأ، لم يتغير بل أكدته الأيام، هو أن نظاماً اجتماعياً ما لا يقوم إلا على نظام أخلاقي، حتى إن تلك المظاهرات الصاخبة لم تكن تغويني، بل على العكس كنت أظنها عقيمة ومضرة عندما تعطي لعقول غير مهيأة الفرصة لمعارك وهمية وبطولات تمثيلية. ومهما يكن فقد بقيت عجلة التاريخ تدور بما فيه الخير وما فيه الشر، وبقيت حياتي في بيتي وفي المدرسة كما هي، يوماً أفكر في عودتي للجزائر، ويوماً في انتقالي للطائف، وأصبحت عقدتنا الوهابية أنا وزوجي تزداد كل أسبوع يمر. وإذا بخبر يفاجئنا في صحيفة مسائية، (باريس- سوار) نقلت خبراً غريباً تقول فيه: إن أحداثاً صارمة تتهيأ في الجزيرة العربية، فانطلقت صرخة واحدة منا معاً: - آه ... إنهم يدبرون مؤامرة ضد عبد العزيز بن سعود ويحيكون مكيدة!! .. لقد صعقنا هذا النبأ ذات أمسية من شهر آذار (مارس) عام ١٩٣٤. ومنذ الغد بدأت تظهر المكيدة في الصحافة الكبرى التي تحدثت عن (القبائل المتوحشة المتعصبة التي تعيش بنجد)، لقد اتضح الأمر؛ وخاصة أن

стр. 301

الصحافة نفسها نقلت أنباء عن حملة (لرد الخطر) تتهيأ بميناء الحديدة باليمن. كان فعلاً الإمام يحيى يجمع في هذا الميناء كل سفينة، ويسلحها كيفما كان للهجوم على ميناء جدة وعزله أيام الحج بالذات. إذن كان الأمر في منتهى الوضوح: قد يستطيع الإمام يحيى، غفر الله له، أن يجمع تلك السفن الشراعية المعدة للنقل المحلي ولإخراج الصدف، ولكن من سلحها بل من رسم لها الخطة؟ كان الأمر واضحاً، أو لنقل على نصف وضوح، إذ كيف نستطيع التبين والتمييز بين خيوط يأتي بعضها من باريس وبعضها من روما والآخر من لندن. الأمر الذي لا شك فيه، والذي كنت حسب اعتقادي أعلم المسلمين به، هو أن الاستعمار كان يتضايق كثيراً من تولي الدولة السعودية على الأرض المقدسة، لأنها ستصبح هكذا منارة إشعاع للفكرة (الوهابية)، يعني في نظري سيطرة الفكرة الإسلامية الوحيدة التي تصلح بما فيها من طاقة متحركة، لتحرير العالم الإسلامي المنهار منذ سقوط خلافة بغداد. وهذه النظرة الاستعمارية كانت نظرة خبير لا يعلم مدى صحتها في تلك الحقبة، إلا من كان يتتبع عن كثب تداخل القابلية للاستعمار والاستعمار، بالإضافة إلى أن (موسوليني) كان يعلم أن التوسع الاستعماري لم يبق له مكاناً في خريطة العالم الإسلامي سوى اليمن، وفي إفريقيا سوى الحبشة، ومن ثمة نفهم اهتمامه بأمور اليمن وخشيته من السيطرة الوهابية عليها، فلا غرابة إذن أن نراه يفكر أولاً في تحصين مستعمرته المقبلة قبل أن يضفي عليها في مرحلة ثانية، اللون الأخضر لون الامبراطورية الفاشية على الخريطة. هذا كل ما في الأمر، ولكن هذه الحقيقة كانت تسوءني حتى من مجرد

стр. 302

تصوري بوصفي جزائرياً نازحاً إلى الطائف، إذ أصبحت القضية قضيتي وقضية خديجة وحتى قضية الهرة (لويزة). وأصبحت فعلاً هذه المأساة تملك أرجاء بيتنا الصغير، نتحدث عنها في الغداء والعشاء. - تنقل زوجي أصداء الشارع عنها، فنفسرها ونعلق عليها، وإذا بها تعود يوماً بنبأ: - بينما كنت على الرصيف إذ تلتقط أذني نبذة حديث بين رجلين عرفتهما يهوديين يتحدثان على باب حانوت، فسمعت أحدهما يقول: لا بد أن تحطم هذه القبائل (البربرية)، فثقلت رجلي كي أستمع أكثر، ولكن الرجلين قد تنبها ودخلا الدكان ... إذن هي أيضاً قضية اليهود وليست فحسب قضية موسوليني وقضيتي ... لا أستطيع على أية حال أن أصرخ: - النجدة!. النجدة يا عالم لهرتي (لويزة)! ... فقمت أصلي ركعتين لله متحصراً متذرعاً شاكياً من شر الاستعمار باكياً، ولكنني كنت دوماً على منهج الحديث ((اعقلْها وتوكل)). فأخذت ورقة وبدأت أحرر خطاباً مثيراً إلى سعادة سفير اليابان بباريس، أتوسل لحكومته أن تساند باسم التضامن الآسيوي المقدس أمام الدول الاستعمارية، ابن سعود في المعركة، وتؤيده. ثم قرأته على خديجة، التي استمعته ويدها تمسح رأس هرتها كعادتها عندما تستعدب كلاماً، فقالت عند نهاية قراءتي: - أجدت! .. أجدت! .. إنه مستعطف رقيق مثير إلى النهاية! ...

стр. 303

قد كان خطابي فعلاً مثيراً، ولكني أرى الآن أنه كان على جانب من البساطة يخجل أبسط البسطاء، وبطبيعة الحال لم يرسل جلالة (الميكادو) أسطوله لجدة لإنقاذ الموقف، بالإضافة إلى أن هذا الأسطول كان تلك الأيام مشغولاً في حصار موانئ الصين. هكذا وجد الموقف حله من طريق آخر، وإذا بصحف المساء تعلن في عناوين ضخمة، أن الحديدة سقطت في يد (الوهابيين)، وأن (الذرانيج) حرقوا في مينائها الأسطول الشراعي الذي جمّعه الإمام يحيى، وأن أمير المدينة فر سباحة وعلى ظهره خزينة الحكومة، وأن الأمير فيصل نقل الجيش السعودي على الآلاف من السيارات المعدة لنقل الحجاج، ليزحف على الساحل اليمني بينما أخوه سعود، ﵀، يتوجه إلى الناحية الجبلية. تركت هذه الأنباء الرأي العام مشدوهاً: - ياللويل ... ياللعار ... ياللمصيبة الشنعاء ... يالآمال فاشية استعمارية ذهبت هباء! .. بالنسبة إلى قادة السياسة الغربية، حتى المناوئين للفاشية، كان فعلاً دواء شراً من داء، إذ الوهابية وحدها على ما هي عليه شر لا محالة، ولكن وهابية وإحباط خطة استعمارية شرّان. أما في بيتي، فلم تزغرد خديجة لإعلان ابتهاجنا، لأنها لا تعرف كيف تزغرد النساء الجزائريات في ظرف السعادة والسرور، كما كنا لا نعرف في تلك الفترة التي ظهر فيها كتاب (ملحمة البترول (١))، ما سيكون في الجزيرة العربية بعد اكتشاف البترول في أرضها.

стр. 304

كنا نعيش في شقة مدام (بيري) حياتنا اليومية كما هي، دون تعقيدها بتوقعات المستقبل في العالم، مقتنعين بالأحلام التي تستقطبها الطائف في نفوسنا، وكان ذلك الأفق يكفينا. بالإضافة إلى أن الأحداث حولنا كانت تتوالى، يمحو اللاحق السابق منها في ذهننا، فها هو ذا يأتي من الجزائر نبأ يثير اهتمامنا أكثر من غيره؛ إن وفداً من اتحادية النواب سيحل قريباً في باريس، ليقدم مطالب الشعب الجرائري؛ وحسب ادعاء ذلك الوفد، فهذا يعني في الحقيقة أن يقدم بعض المقترحات المعقولة، خصوصاً في نطاق القانون الأهلي. بدأ الحي اللاتيني في طرفه الجزائري، يتهيأ لهذا الحدث، كل على حسب ميوله ورغباته: هناك من كان يرى الفرصة لإبداء ولائه للحكومة من أجل تحقيق أمله في الحصول على مركز في الإدارة، فيقف ضد الوفد على هذا الأساس، على مشرب (مصالي حاج)، الذي كان أيضاً بطبيعة الحال ضد الوفد؛ أما أنا مع (حمودة بن الساعي) و (بن عبد الله) فكنا غير مكترثين بالموضوع، وكان (علي بن أحمد) ضد الوفد وضد من يناوئه كعادته. وبالتالي وقفت الحكومة الفرنسية بين المتشاجرين الجزائريين كلهم، برفض رئيسها (كاميل شوتون) استقبال الوفد. وكانت تصلنا إلى باريس الصحافة الجزائرية: (الدفاع، جريدة الأمين العمودي)، و (الوفاق) للدكتور (بن جلول)، و (الصوت الأهلي) للزناتي، وحتى (مجلة المعلمين الجزائريين). علمنا من صحافتنا أن الصفعة التي ناولها (شوتون) للوفد أحدث ضجة كبيرة في الرأي العام الجزائري، وتسببت في تلك الموجة العارمة من السخط، التي يسميها التاريخ السياسي الجزائري (موجة التسليم العام)، بدأت فعلاً كل

стр. 305

هيئة منتخبة جزائرية تقدم استقالتها، فكان للحدث في الأوساط الاستعمارية صدى ثورة، وكان فعلاً أول ثورة وأول انتصار سجله الشعب الجزائري في ربيع ١٩٣٤. وفي الوقت الذي أوشكت السنة الدراسية على الامتحانات أتتني برقية من الجزائر، تطلب والدتي فيها حضور زوجي على الفور. سألتني زوجي: - ألك فكرة عن سبب إحضاري؟ لم تكن لدي فكرة واضحة للجواب على سؤال زوجي، لكنني أجبتها: - إن والدتي تعلم أنني سأنتهي من الامتحانات بعد شهر، لعلها تريدك لتحضير شبه وليمة زواج ليوم وصولي ... كنت فعلاً أعلم ما لوالدتي من ألوان رقيقة من اللطافة، فذهبت خديجة سعيدة، سعيدة بأنها ستتعرف على حماتها، وبدوري كنت بعد شهر سعيدلً بين ضوضاء المسافرين على رصيف محطة ليون، حيث أخذت القطار. ... كان وصولي إلى (عنابة) في الفترة التي كانت فيها (موجة التسليم) في أوجها، فذهبت أتلقى الأخبار من سي (الجندي) وسي (الجنيدي)، لما كنت أعلم ما لهذين الرجلين من يد بيضاء في توجيه وتسيير الحياة الشعبية المسلمة بمدينة (سيدي مروان). فذهبت إلى مكتب سي (الجنيدي) الذي كان يشتغل بالمحاماة، فوجدت الرجلين منكبين على تحرير الاستقالات الجماعية التي تقدمها المجالس النيابية على مختلف درجاتها، من سكان المدينة وضواحيها بجبل (الايدوغ). كان المكتب كأنه مركز تجنيد للناحية يجند فيه سي (الجندي) وسي (الجنيدي) الرأي العام ضد حكومة (شوتون)، ضد (شوتون) بالذات.

стр. 306

فكان لي أن أشاهد هذه المعجزة: إن عنابة نفسها المدينة التي امتصها الاستعمار وخدّرها الكحول و (ليال ولد الكرد)، أهذه المدينة نفسها أصبحت مناضلة؟ لم يبق فيها إلا نائب واحد لم يقدم استقالته هو النائب المالي، ربما تخلف للحفاظ على مصلحة أسرته في الشركتين الكبيرتين للتبغ والطماطم. كانت فعلاً معجزة! ... فانطلقت أستنشق الهواء الطلق في متنزه (برطانيا) وأستنشق معه الهبوب الجديد ... ولا أدري ما إذا كانت الحشود الأوربية المكدسة على سطوح المقاهي الأنيقة تشعر بما يدور حولها في الفلك. وفي الغد أخذني القطار الصغير إلى تبسة، فوجدت على رصيف المحطة وجوهاً كثيرة لفتت نظري. - على شرف من هذا التجمع؟ فنزلت، وبدأت الوجوه تهنئني بالقدوم، وتحييني. - إذن هم تجمعوا على شرفي! .. فزاد الجواب على سؤالي في سعادتي وأنا أغادر المحطة، بينما الشيخ (الصادق) يسير بجنبي ممسكاً بيدي، والآخرون وراءنا في اتجاه باب (سيدي بن (١) سعيد) على ذلك الطريق المختصر بين المحطة والمدينة. وإذا بفكرة تلمح في ذهني: - لماذا لا أرى والدي؟

стр. 307

قلت هذه الكلمات بصوت خافت، فأحسست بالشيخ (الصادق) يضغط على يدي، فشعرت بأنه البلاغ، فالتفت إلي الشيخ لأفهم من وجهه معنى البلاغ، فأطرق الرأس وزاد في الضغط على يدي وقال: - إنا لله وإنا إليه لراجعون ... فصرخت: - هل والدي؟ ... دون أن أتم الكلمة. - لا الوالدة ... رحمها الله .. فوقفت كأنما نزلت على رأسي صاعقة، وكأنما الأرض تزلزلت تحت أقدامي، وفي لمحة بصر تحولت عواطفي من السعادة القصوى إلى المصيبة الدهماء. - إنني لا أجد اليوم الوالدة في انتظاري كالعادة من أعلى درجنا ... لا أدري إن كانت هذه الخاطرة السبب في وقوفي كأن جبالاً حطت علي، فألقيت نفسي على كرسي عندما وصلنا إلى سطح مقهى ميدان البلدية، وجلس حولي بعض الأقارب والأصدقاء ... لابد من الوصول إلى البيت، فاستقبلتني أختاي والبكاء يخنقهما، واختفت زوجي لئلا ترى حزني، فوجدت والدي جالساً مع خالي (أحمد شاوش) في الغرفة التي لفظت فيها والدتي نفسها الأخير. قام والدي ليعزيني فأنساني مصابه مصابي، فعزيته: إنه فقد أصلح الزوجات، وفقدتُ خير الأمهات. وشعرت كأنما الظلام مخيم في البيت، وربما كان مخيماً بسبب عدم إشعال كل الأضواء، كما كانت تفعل والدتي يوم وصولي. كانت الضربة قاسية، ولكنني لم أشعر بعد بكل ألمها لأنها جديدة، كنت

стр. 308

تلك الليلة أولي كل اهتمامي لمواساة والدي الذي كان يبكي خلف منديل يخفي وجهه، وكان خالي (أحمد شاوش) الطبيب التقليدي المشهور والمحبوب في المدينة، يصرف كل جهد لمواساتنا جميعاً، بذكلر نبذ من حياة الرسول ﵊. فتظاهرت بالأكل أمام والدي، عندما ناولونا العشاء، وألح خالي (أحمد شاوش) على والدي بالخروج فخرج. لم يجرؤ أحد من أصدقائي أن يدق علي الباب كالعادة يوم وصولي، طلبت خديجة فوجدتها منهارة في الغرفة التي أعدتها والدتي منذ سنوات ليوم زفافي. لم أستطع أن أقول لها شيئاً يهدئها، فخرجت إذ أصبح لدي كل شيء لا يحتمل في هذا البيت، فذهبت كالسكران إلى حيث لا أدري، وإنما أتذكر الخطوات التي سرتها وحدي خارج السور، ولا أدري إذا كنت أسير مطاطئ الرأس على الأقدام، أم كنت أسير في ليل دامس لا أرى فيه النجوم. ولكنني أتذكر تلك الكلمة التي تترد في نفسي وبين شفتيّ: - أنا الآن ... يتيم عجباً لفكرة كهذه عند رجل شاب، ولكن عقله قد تشنج، شنجته المصيبة، بينما لم أشعر بكل صدمتها إلا في الغد عندما استيقظت من النوم، وقد كانت والدتي تراقب تلك اللحظة بالذات، فتأتي إلى غرفتي لتهدي لي أول ابتساماتها وأول عطفها. لم تأت والدتي ذلك اليوم فكانت الصدمة الكبرى، وتشنج فعلاً فكري، فأصبحت أقول: - لا ... إن والدتي ستفتح الباب ...

стр. 309

يظهر لي ويخفى علي عبث هذه الفكرة التي ستخامر عقلي كل الأيام التالية عندما أستيقظ باكياً، البكاء يقطع أنفاسي في النوم، وستدوم هذه الحالة سنوات إذ أجد نفسي كل صباح أنني كنت أبكي في النوم. ولم أجد حولي عصاً أتوكأ عليها في تلك الفترة، لا أبي يستطيع مؤازرتي لأنه فقد كل طاقة معنوية، ولا أختاي لأنها- غفر الله لهما- تعصبا تعصباً عنصرياً ضد زوجي. فزادت هذه المحن العائلية في محنتي، أريد أن أعقل من حولي، وكل من حولي فقد الرشد، وقد حزّ في نفسي خاصة أن الأسرة كلها اتفقت على بناء قبر فخم على جثمان والدتي، وعجزت في هذه النقطة بالذات، بينما كنت أقدم لوالدي تارة الدليل من الدين وتارة من اعتبار المجتمع. ولكن الحياة لم تفقد في تلك الفترة بالذات مصارف أخرى تلهي عن الأمر الداهم بأمور، وتسلي الأحياء عن ساكني القبور، كانت المعركة السياسية التي تركت صداها يدوي بعنابة يوم نزلت بها، تدوي في أرجاء القطاع القسنطيني عموماً ومدينة تبسة خاصة. كانت المدينة تموج على أثر استقالة كل نوابها، على مختلف درجاتهم، وكان (حشيشي مختار) يصول ويجول في النادي، وكان دكان سي (الصادق بو ذراع) كصندوق الصدى لكل ما يحدث في الوطن. ولا أدري إذا شعرت مدام (دوننسان) والسيدات المترددات على دكانها وناديها، بالعاصفة التي تجتاح البلاد. أما حاكم المدينة فلا شك أنه كان يتتبع عن كثب كل ما هب ودب، وكانت الأوساط الحكومية عموماً متأثرة كثيراً مما يدور، خصوصاً أن الحركة بدأت تمتد

стр. 310

لقطاع العاصمة، وأصبح لا يخفى على كل ذي رأي سديد، أن اللهب سوف يمتد إن لم تخمد ناره في القطاع القسنطيني، وفي تبسة أولاً وقبل كل شيء. لم تغير وفاة والدتي بعد الصدمة الأولى، كل عاداتي في المدينة، فبقيت أخرج في المساء بعد العشاء، غير أنني أتجول وحدي. كنت تلك الليلة أتنزه في اتجاه وادي (الناقوس) كالعادة، إذ صادفني على طريق قسنطينة، (عبد الحفيظ مسقالجي) أخو صهري عبد الحميد، وهو راجع من فسحته وكان ذا وجه بشوش يحبه الناس لبشاشته، فيلقبونه (غاندي) أو (القبائلي)، وأحياناً (استافيسكي) مداعبة له منذ أحداث باريس الأخيرة، والواقع أنني لم أره مرة غضب مع أحد، فكان تلك الليلة وهو في رجوعه قد عرفني قبل أن أعرفه بسبب نقص في التنوير، فتقدم وقدم لي من كان معه: - الصديق، ها هوذا الدكتور (بومالي) يصل الآن من قسنطينة ومعه أخبار. كنت أعرف الرجل الذي صافحني وبدأ على الفور الحديث: - إنني أصل فعلاً من قسنطينة. وقد كلفني رئيس اتحادية النواب بمهمة في تبسة. فحدقت أكثر في الرجل لأتبصر في مهمته. فواصل الحديث: - إن محافظ قسنطينة دعا اليوم رئيس الاتحادية وصرح له بأنه سيتخذ إجراءات صارمة، إن لم يتراجع النواب عن استقالاتهم، وأنه ربما يستعمل الجيش لقمع المدن والقرى المصرة على (التسليم). - إنك إذن قد أتيت بإنذار لمدينة تبسة .. يا دكتور. قلت له هذه الكلمات وحدقت فيه البصر، فتنحى من وجهي قليلاً وقال:

стр. 311

- لا. إنما رئيس الاتحادية هو الذي يرشد للصواب من أجل الصالح العام ... وفي تلك اللحطة أدركت تماماً الموقف: إن النخبة المثقفة ولجت بكل وضوح طريق الخيانة، وإن الاستعمار بدأ يستخدم الزعماء لإلقاء الحيرة والريبة في الضمائر، مفضلاً هذه الطريقة على (اتخاذ الإجراءات الصارمة) التي لا تزيد إرادة الشعب إلا صلابة. وفهم الدكتور (بومالي) أنني فهمته جيداً، فاعتذر بأنه مستعجل لأن الناس في انتظاره بالمدينة. والحق يقال إن الناس الطيبين أنفسهم، مثل قريبي (صالح حواس)، وسي (الصادق بو ذراع) كانوا يركنون لحلول التقاعس عندما يكون وراءها مسوغات كالتي تقدمها اتحادية النواب، ولا أدري أو لا أتذكر ما كان موقف الشيخ (العربي التبسي) وجمعية العلماء عموماً في الموضوع، فسيطر على الموقف الزعماء السياسيون فأخمدت الثورة. واستمر (صادق شقة) و (باهي) في ذكر نوادرهما في المقهى، واستمر السكير (فندرودي) يعلن في الميدان كل مساء بعد ثَمله المزايدة: - يامن يشتري عمدة بلدية تبسة! .. من يزيد؟ بينما ينتظر الشرطي (أنطونيني) متكئاً على إفريز هيكل (النجم المذنب) (١) قيام العمدة (بلفيسي) من مائدة القمار فينقلب هو لبيته، لأنه بقي دون شغل في المدينة منذ اعتنق الإصلاح سكيرها الأخير (بنيني) كان ذلك الصيف يمتاز بالأحداث ذات الدلالة على تغير البلاد المعنوي في وجهات شتى، فامتاز أحد هذه الأحداث بصدى خاص داخل الوطن وخارجه،

стр. 312

كانت الألفة في قسنطينة بين المسلمين واليهود تسود طيلة القرون قبل الاستعار، ثم بدأت الحياة تتعكر فيها بالتدريج على حساب المسلمين بسبب أذى اليهود لهم، حتى أصبح صريحاً مستفزاً كتحديات مقصودة خاصة تجاه صغار التجار المسلمين، يأتي غالبهم من ناحية القبائل الصغرى لتحصيل القوت في المدينة بسوق (رحبة الصوف)، فتأتي اليهودية لتشتري بيضاً أو بقولاً، فتتعمد الإساءة إما في تحديد السعر حسبما شاءت، أو في بقول تفحصها فحصاً عابثاً ثم تتركها مبعثرة على مائدة التاجر المسكين، أو ملقاة على الأرض، كأنما يريد اليهود أن يثأروا من عرب قسنطينة لإخوانهم يهود برلين، وذلك دون أن يردع رادع أو يزجر زاجر، بل كان أحياناً التاجر العربي هو الذي يقاد للزجر بنقطة البوليس بعد التعدي على كرامته. حتى فار التنور يوم حدَّثت يهودياً نفسه، أن يبول في صحن ذلك المسجد الصغير بحي الجزارين حيث يصلي صغار التجار في ذلك الحي، فانطلقت الصرخة: - إن اليهود يتعدون على حرمة مساجدنا!! فكان الصول والجول والهول وانفجر الوضع، وشرع في تهدئته دون جدوى، بعض الأحبار من طرف اليهود وبعض المشايخ، من بينهم الشيخ (بن باديس) من طرف المسلمين، فقال أحد المشايخ على سبيل التذكير بالحكمة الشعبية: - إخواني، إنكم تعلمون أن رؤوس الأيتام معرضة للضربات القاضية (١)! .. لا شك أن الرجل يحمل تحت عِمّته (الرجعية) الأفكار التي يحملها الدكتور (بومالي) تحت طربوشه (التقدمي).

стр. 313

فثارت ثائرة الشيخ (بن باديس): - من يقول إننا أيتام .. لسنا أيتاماً في أرض أجدادنا!! لم يخرج الاجتماع بطائل، ولكن تقرر أن يعقد اجتماع آخر بملعب المدينة ليحضره الشعب، من أجل تحديد صورة تعايش بين المسلمين واليهود؛ فحضرت في الغد الحشود، وإذا بخبر سيعزى فيما بعد للعنصر الأوربي، يُدَس بين الصفوف: - إن رئيس اتحادية النواب قد قتل! .. فانطلقت الصرخة: - قتله اليهود!! .. لم يشعر أحد أن هذه الصرخات كانت الكلمات الأولى لأسطورة سيكتبها الاستعمار على حساب الشعب الجزائري، بدمائه الزكية أحياناً: - اليهود قتلوا الزعيم! .. إنما تعني هذه الكلمات في منطق الصراع الفكري ومكره: - اعبدوا الزعيم! .. قدّسوا الصنم! .. انفض الاجتماع ولم يبق أحد يصغي لأحد، وسال الجمهور نحو المدينة، وتدفق سيله على حي اليهود، وعلى الخازن الكبرى التى يمتلكونها في الأحياء الأخرى، وهي مغلقة ذلك الأحد. وحدث الأمر المذهل قبل أن يستطيع الجيش التدخل وقبل أن يرتد لليهودي بصره، انتهى الأمر في خمس عشرة دقيقة. رفعت ستائر الحديد من أبواب المخازن الكبرى، وفرشت الشوارع بما فيها من غال ثمين في دقائق وجيزة.

стр. 314

وتخلل هذا مواقف أسطورية. مثلاً عند ما يرى رئيس الشرطة الفرنسي هؤلاء الجماعة من باعة البيض والبقول، يكسرون خزانة أكبر مخزن يهودي كأنها من الكرتون، ويأخذون ما فيها من أموال طائلة ويحرقونها أمامه. وربما كانت السلطات الاستعمارية مغتاظة أكبر اغتياظها من أن أحداً من هؤلاء الفقراء المسلمين لم يدنس يديه بالسرقة ذلك اليوم. كان ذلك يوم الخامس من آب (أغسطس) عام ١٩٣٤. وبقيت المدينة تموج في الغد والأيام التالية من الأسبوع، بأحداث كان لأحدها أسوأ أثر في الحياة السياسية الجزائرية المقبلة. حدث أثناء الأسبوع أن الزعيم رئيس اتحادية النواب ناول رئيس الشرطة ضربة رأس، وهو مثل ذلك العملاق الذي كان بجنب السيدة (حرم مصالي حاج) يوم تدشين حركة (نجم شمال إفريقيا) بباريس. فكانت الضربة التي صعد بها نجم الزعيم في السماء، وانتشر صيته في الآفاق، وقلما تلد الأحداث الكبرى فأراً، ولكنها ولدت فأراً في تلك الظروف وبدأ يعبث على الفور. إذ عندما وصل من السيد (أمين الحسيني) مبلغ لمعاضدة منكوبي قسنطينة من المسلمين، لم ير الفأر بداً من إرجاع ذلك المبلغ كيلا يظهر للسلطات الاستعمارية تواطؤ مع ما يشتم منه رائحة (الحركة الإسلامية). وهكذا بدأ الوطن يخرج رويداً رويداً من جادته إلى مسارب (الديماغوجية). ولم يكن العلماء على جانب من الخبرة بوسائل الاستعمار في مجال الصراع الفكري حتى يفطنوا إلى هذا الانحراف، ولم يكن لديهم من حدة المزاج وصرامة الإرادة ما يكفي حتى يتداركوا الموقف.

стр. 315

وربما كان هذا السبب الأول في فتور علاقاتي بهم، ولسوء التفاهم بيننا فيما بعد، خاصة بيني وبين الشيخ (العربي التبسي) ﵀. وبدأ الجو العائلي نفسه لا يسمح بالتنفس بالنسبة لي، كأنما وفاة والدتي زرعت حولي الفوضى والحيرة في العقول. فكان والدي يقضي جُلّ وقته في المقبرة ليتتبع بناء قبر والدتي، وكانت أختي الصغرى تنوبها حالات عصبية فظيعة من أثر المصيبة. كنت لا أستطيع الوقوف أمام هذا الانهيار الذي اجتاح أسرتي والذي ذاقت منه زوجي الأمرين. فأصبح جو تبسة لا يحتمل .. فقررت السفر دون أن يرى والدي في ذلك مانعاً، لأنه أصبح عاجزاً عن الأمر والنهي. وأتى يوم السفر ولم يسكب أحد (ماء العودة) بين قدميّ. ... العاصفة في البحر شيء رهيب عندما يملأ البرق الآفاق كأنه اكتسح العالم، ويدمدم الرعد ويتفجر، ويتردد صداه من كل ناحية، وترفع السفينة مقدمتها على الأمواج تارة كأنها صاعدة إلى فلك، ثم تغرسها في البحر تارة أخرى كأنها هابطة في أغواره البعيدة. ولكنني لم أكترث أو على الأصح لم أشعر بالخطر الذي يشعر به كل راكب على متن سفينة تواجه عاصفة أو إعصاراً. وعندما وصلنا إلى ميناء مرسيليا، وسمعت الربان يقول لزميل له: إن سفينته أوشكت على الغرق، أسفت لأنها لم تغرق فعلاً. ولم أكترث هذه المرة بالتقاليد التي نتبعها عادة عند إقامتي بمرسيليا تلك الساعات، قبل مغادرتي لها مساء على متن قطار باريس؛ لم تكن لي أي رغبة في

стр. 316

تناول (شوربة الفافوليا) (١) في ذلك المطعم الصغير؛ أمر كل مرة في الذهاب والإياب وأقضي أوقاتاً سعيدة أمام المبنى القديم الذي يحدث بالزمن الغابر. أصبحت لا يهمني شيء، فمرت ساعات انتظار القطار كأنها فراغ، ومرت الأشياء في الطريق دون أن تحدثني كالعادة. ووصلنا صباحاً إلى شقة مدام (بيري) المرأة الطيبة التي مسحت بظهر يدها دمعة تعالت على خدها عندما رأتني، لأنها تلقت نبأ وفاة والدتي من الأم (مورناس) قبل وصولي، وربما سكبت تلك الدمعة أيضاً على محنتها مع زوجها، ذلك الرجل الطيب المحبوب لطيبته في ذلك الحي، لولا أنه يعربد بالسكر في إحدى حانات الحي، عندما يكون انتهى من إنجاز مقاولة طلي في عمارة جديدة وفي انتظار أخرى. رجعت (لويزة) إلى ركنها على النافذة المطلة فوق شارع (فريدريك ميسترال)، ورجعت زوجي إلى شغلها المنزلي، وعدت- قبل افتتاح المدرسة - إلى علاقاتي الودية فزرت جمهورية (تريفيز) حيث لا زال (مرسولين) يجتر مرارة إخفاقه في قضية (الصداقة الفرنسية المغربية)، على الرغم من دعم مدام (دوفرانليو) الأدبي والمادي، ولا زال (جان سانشيز) يتعطر بتلاوة قصائد جدته المهداة إلى الإله شمس. وزرت أيضاً الحي اللاتيني. حيث لا يزال (فرديناند لوب) في حلقته من الطلبة، يتحدث عن الانتخاب المقبل لرياسة الجمهورية، ويمرح كعادته منذ ربع قرن، أنه سيرشح نفسه وفق برنامج سياسي ومقترحات دستورية ستغير مصير فرنسا ... وبينما بدأ مصير العالم يتغير فعلاً، بدأ (موسوليني) - بعد أن أجهدته

стр. 317

المطالبة بدون جدوى بعودة مقاطعة (الدوقية دوسافوي) و (الكونتية دو نيس) إلى التاج- بدأ يوجه النظر إلى أبعد، وبدأت حملة الحبشة القريبة تتهيأ بمظاهرات صاخبة بميدان (بلازا فنيشيا) حيث يلقي من شرفة فوق رؤوس الحشود المتظاهرة، كلمته المترددة. - إيطاليا! .. إيطاليا بروليتاريا وفاشيستا!! ... (١) أما شرق نهر الرون فكان الوضع في درجة الانفجار، كان الجيش الألماني بعد احتلال مقاطعة السار يشرع في الدخول إلى مقاطعة الرينان على نغمة مارش (خطوة الإوز)، بينما يقدم هتلر على الفور لدراسة مشروع تحصين هذه المنطقة بخط (سيجفريد) الذي سيشيد أمام خط (ماجينو) الفرنسي. بدأت إرهاصات العاصفة المقبلة كلها تتجمع في الأفق ... وكان زبائن المقاهي الباريسية يتحدثون فوق سطحها، عن فضيحة البنت (فيوليت فوزيير) التي قتلت أباها ونسبت له أمام المحكمة ميولاً فرويدية، وقد كان فرويد يومئذ يحتل منصة الموضة العقلية. ولم تبق لي في الوسط الطلابي الجزائري، إلا علاقاتي الخاصة بأصدقائي، فكانت بين (حمودة بن الساعي) وأخيه (صالح) قطيعة، يأتي الأول ويتشكى لي من أخيه، بدعوى أنه الأولى بالطاعة من طرف أخيه لأنه الأكبر في الأسرة، ولأنه على ما يبدو بقي متمسكاً عن غير شعور وعلى الرغم من احتكاكه بالفكر الديكارتي، بالأفكار الخاصة بقبيلته الأصلية. ومن المعلوم أن قبيلة اللمامشة تفرض الطاعة للوالد على الأبناء، ولأكبرهم إذا تغيب أو مات الوالد؛ ولم يكن (صالح) المهندس الزراعي المتخرج والأول في

стр. 318

دفعته والمتخلص بسبب تكوينه العلمي من كل ما تفرضه القبيلة، لم يكن على رأي أخيه في هذا الموضوع. كان يحرجني التدخل حاكم صلح بين أخوين، يرى كل منهما نفسه أنه على صواب، الأول باسم تقاليد نسختها الأيام، والثاني باسم حرية تقرير المصير التي رسخت الأيام معناها في الأذهان. بينما كان (علي بن أحمد) قد انتهى، في تلك الفترة، من قضاء شهر العسل لزواجه من صاحبة مكتبة صغيرة، ورجع إلى الحي اللاتيني ثائراً ساخطاً على كل شيء أكثر من ذي قبل. أما أنا فصرت مند افتتاح المدرسة، أواجه أزمة دراسية لم تكن في الحسبان: أصبحت غير قادر على أي عمل ذهني متواصل تلك السنة. فطلبت من المدير (سودريه) أن يجيزني لمدة غير معينة، فأدرك حالتي النفسية بعد موت والدتي، وقد كانت لي فكرة من وراى ذلك: إنني ما دمت مصمما على الهجرة إلى السعودية ألا يكون من الأجدى أن أدرس علم مسح الأرض (المساحة)؟ تلك علامة اضطرابي في تلك الفترة، لكن سلوكي لم يتغير من ناحية: كنت إذا ما بيّت مشروعاً لا أتخلف عن إنجازه، فاتصلت فوراً بمدرسة الأشغال العمومية لأسجل اسمي في دروسها بالمراسلة، لأنني قررت أن أسكن خارج باريس، فاتفق أن (أمي مورناس) قررت هي أن تشتري بقالة صغيرة في قرية (بروويه) في ريف قريب من دروكس وباريس، فقررت أن أسكن معها. وسكبت مدام بيري دمعة أخرى هذه المرة للفراق، وودعت زوجي والهرة (لويزه) وداع الحزين.

стр. 319

وذهبنا إلى (بروويه) وهناك تكونت لي علاقة مع الخوري، الذي كان بين التردد والإيمان، وبين الإباحة والتحريم في الأشياء التي لا يجيزها دينه، لمن يترهب. ولكن كانت زياراته لمنزلنا يوم الأحد، حين الغداء أو بعده، تعطيني فرصة الحديث معه في الأمور الغيبية، فكانت زوجي تستميت في سبيل إعلاء كلمة الإسلام على سواها، بينما تبقى أمها مُصغية لا تقول شيئاً- وربما لا تفهم شيئاً- في الموضوع، غير أنها عندما تظهر اهتمامها تقول في تلك اللحظة: - لعل شيئاً فوقنا ... لعل ... تقول هذه الكلمة دون أن تلهيها عن شغلها في إرجاع أثاث الأكل إلى خزانته أو غيره، ويستولي علي أحياناً الحنين إلى أصدقائي خاصة (حمودة وصالح) فأسافر إلى باريس. كانت الشركة الوطنية للخطوطى الحديدية تقدم تخفيضات على تذاكر الذهاب والإياب بمناسبة عطلة آخر الأسبوع، فأسافر عشية السبت وأعود عشية الأحد، ليس علي إلا تكاليف السفر المتواضعة جداً، لأنني كنت أنزل عند الصديقين أشاطرهما المنزل بفندق (بردوكس) حيث توالت أجيال الطلبة الذين يذهبون أحياناً بأجور غرفهم المتواضعة، فأنزل عند صديقيّ أشاطرهما أيضاً الطعام، لأن (صالحاً) كان يتقن طبخ الأرز بقليل من الزيت وكثير من الاقتصاد. فإذا جئت باريس كنت بطبيعة الحال أقضي تلك الليلة إلى ساعة متأخرة بـ (الهجار) المقهى الغربي الأول من نوعه بالحي اللاتيني، الذي دشنه صاحبه الجرائري منذ أربع سنوات، وكانت زبائنه من نوعين: هواة الموسيقا الفلكلورية والرقصات المغربية، وأصحاب النوايا السياسية. فكان النوع الأول ينصب في دهليز مهيأ على زعم صاحبه في إطار من ألف ليلة وليلة، يجلب السائح الأجنبي المتطفل بألوان مفرطة متراكة في لوحة

стр. 320

مزركشة تفتقر إلى الذوق، والنوع الثاني من هواة السياسة والمناقشات الفكرية، مجتمع في قاعة بالدور الأول تزعم هي الأخرى أنها مقتبسة من قصور هارون الرشيد، تجتمع فيها مجموعة من البشر من ذوي العيون اللامعة من الحمى، كتب على وجوهها الجوع والنقمة وما يصدر عن النفوس من عبارات مختلفة تتفجر أحياناً في مواقف مفجعة، مثلاً عندما تنطلق ذات يوم هذه البنت البلغارية مع أبناء جلدتها في حديث كان فيما يبدو على درجة من التأثير، جعلها تضرب بمعصمها باباً زجاجياً فمزقت شرايينها واستمرت مع ذلك في الحديث غير مستسلمة لمن يريد نجدتها حتى سقطت على الأرض. كنا نحن نجتمع في هذه القاعة على مضض من صاحب المقهى، لأنه يفضل زبائن الدهليز بسبب الأرباح التي يدرها عليه، وكنت أتجاذب الحديث مع (حمودة بن الساعي) عن الوضع في الجزائر، وعن كتاب (مسينيون) عن (الحلاّج) الذي كان موضوع الأخذ والرد في تلك الفترة. وربما كان مَن أمامنا من البلقانيين، يهيئ مؤامرة من نوع تلك التي سيذهب ضحيتها في تلك الأمسية رئيس الجمهورية الفرنسي (دوييرو) تحت طلقات (كركولوف) عضو المنظمات الوطنية الماسونية. وربما كانت البنت التي ضحت بمعصمها أو بحياتها- لا أدري- ربما كانت في ليلة من تلك الليالي تبرهن عن ضرورة تحطيم الأعداء. لم تكن صور الحياة في هذه الناحية من (الهجار) كلها من هذا النوع الأسطوري، بل كانت هناك صور أخرى صامتة هادئة، لا أدري إذا كانت تقل خطورة عن تلك في آخر المطاف. كان في تلك الفترة عامل جزائري بسيط اضطرته الظروف إلى مغادرة بيته بمدينة (سطيف)، لأن الحكومة أمرت بإقصائه بعد مشاجرة حدثت له مع رئيس شرطة المدينة، فاضطر إلى هجر عزبته وأسرته، وأن يعمل في باريس وتعرف عليّ وتعرفت عليه في مناسبة لا أتذكرها، فأصبح ينتهز فرصة وجودي
следующие страницы →