← Общие книги

Общие книги · id 38209

مذكرات شاهد للقرن

مالك بن نبي

Полный текст (424 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

تناول (شوربة الفافوليا) (١) في ذلك المطعم الصغير؛ أمر كل مرة في الذهاب والإياب وأقضي أوقاتاً سعيدة أمام المبنى القديم الذي يحدث بالزمن الغابر. أصبحت لا يهمني شيء، فمرت ساعات انتظار القطار كأنها فراغ، ومرت الأشياء في الطريق دون أن تحدثني كالعادة. ووصلنا صباحاً إلى شقة مدام (بيري) المرأة الطيبة التي مسحت بظهر يدها دمعة تعالت على خدها عندما رأتني، لأنها تلقت نبأ وفاة والدتي من الأم (مورناس) قبل وصولي، وربما سكبت تلك الدمعة أيضاً على محنتها مع زوجها، ذلك الرجل الطيب المحبوب لطيبته في ذلك الحي، لولا أنه يعربد بالسكر في إحدى حانات الحي، عندما يكون انتهى من إنجاز مقاولة طلي في عمارة جديدة وفي انتظار أخرى. رجعت (لويزة) إلى ركنها على النافذة المطلة فوق شارع (فريدريك ميسترال)، ورجعت زوجي إلى شغلها المنزلي، وعدت- قبل افتتاح المدرسة - إلى علاقاتي الودية فزرت جمهورية (تريفيز) حيث لا زال (مرسولين) يجتر مرارة إخفاقه في قضية (الصداقة الفرنسية المغربية)، على الرغم من دعم مدام (دوفرانليو) الأدبي والمادي، ولا زال (جان سانشيز) يتعطر بتلاوة قصائد جدته المهداة إلى الإله شمس. وزرت أيضاً الحي اللاتيني. حيث لا يزال (فرديناند لوب) في حلقته من الطلبة، يتحدث عن الانتخاب المقبل لرياسة الجمهورية، ويمرح كعادته منذ ربع قرن، أنه سيرشح نفسه وفق برنامج سياسي ومقترحات دستورية ستغير مصير فرنسا ... وبينما بدأ مصير العالم يتغير فعلاً، بدأ (موسوليني) - بعد أن أجهدته

стр. 317

المطالبة بدون جدوى بعودة مقاطعة (الدوقية دوسافوي) و (الكونتية دو نيس) إلى التاج- بدأ يوجه النظر إلى أبعد، وبدأت حملة الحبشة القريبة تتهيأ بمظاهرات صاخبة بميدان (بلازا فنيشيا) حيث يلقي من شرفة فوق رؤوس الحشود المتظاهرة، كلمته المترددة. - إيطاليا! .. إيطاليا بروليتاريا وفاشيستا!! ... (١) أما شرق نهر الرون فكان الوضع في درجة الانفجار، كان الجيش الألماني بعد احتلال مقاطعة السار يشرع في الدخول إلى مقاطعة الرينان على نغمة مارش (خطوة الإوز)، بينما يقدم هتلر على الفور لدراسة مشروع تحصين هذه المنطقة بخط (سيجفريد) الذي سيشيد أمام خط (ماجينو) الفرنسي. بدأت إرهاصات العاصفة المقبلة كلها تتجمع في الأفق ... وكان زبائن المقاهي الباريسية يتحدثون فوق سطحها، عن فضيحة البنت (فيوليت فوزيير) التي قتلت أباها ونسبت له أمام المحكمة ميولاً فرويدية، وقد كان فرويد يومئذ يحتل منصة الموضة العقلية. ولم تبق لي في الوسط الطلابي الجزائري، إلا علاقاتي الخاصة بأصدقائي، فكانت بين (حمودة بن الساعي) وأخيه (صالح) قطيعة، يأتي الأول ويتشكى لي من أخيه، بدعوى أنه الأولى بالطاعة من طرف أخيه لأنه الأكبر في الأسرة، ولأنه على ما يبدو بقي متمسكاً عن غير شعور وعلى الرغم من احتكاكه بالفكر الديكارتي، بالأفكار الخاصة بقبيلته الأصلية. ومن المعلوم أن قبيلة اللمامشة تفرض الطاعة للوالد على الأبناء، ولأكبرهم إذا تغيب أو مات الوالد؛ ولم يكن (صالح) المهندس الزراعي المتخرج والأول في

стр. 318

دفعته والمتخلص بسبب تكوينه العلمي من كل ما تفرضه القبيلة، لم يكن على رأي أخيه في هذا الموضوع. كان يحرجني التدخل حاكم صلح بين أخوين، يرى كل منهما نفسه أنه على صواب، الأول باسم تقاليد نسختها الأيام، والثاني باسم حرية تقرير المصير التي رسخت الأيام معناها في الأذهان. بينما كان (علي بن أحمد) قد انتهى، في تلك الفترة، من قضاء شهر العسل لزواجه من صاحبة مكتبة صغيرة، ورجع إلى الحي اللاتيني ثائراً ساخطاً على كل شيء أكثر من ذي قبل. أما أنا فصرت مند افتتاح المدرسة، أواجه أزمة دراسية لم تكن في الحسبان: أصبحت غير قادر على أي عمل ذهني متواصل تلك السنة. فطلبت من المدير (سودريه) أن يجيزني لمدة غير معينة، فأدرك حالتي النفسية بعد موت والدتي، وقد كانت لي فكرة من وراى ذلك: إنني ما دمت مصمما على الهجرة إلى السعودية ألا يكون من الأجدى أن أدرس علم مسح الأرض (المساحة)؟ تلك علامة اضطرابي في تلك الفترة، لكن سلوكي لم يتغير من ناحية: كنت إذا ما بيّت مشروعاً لا أتخلف عن إنجازه، فاتصلت فوراً بمدرسة الأشغال العمومية لأسجل اسمي في دروسها بالمراسلة، لأنني قررت أن أسكن خارج باريس، فاتفق أن (أمي مورناس) قررت هي أن تشتري بقالة صغيرة في قرية (بروويه) في ريف قريب من دروكس وباريس، فقررت أن أسكن معها. وسكبت مدام بيري دمعة أخرى هذه المرة للفراق، وودعت زوجي والهرة (لويزه) وداع الحزين.

стр. 319

وذهبنا إلى (بروويه) وهناك تكونت لي علاقة مع الخوري، الذي كان بين التردد والإيمان، وبين الإباحة والتحريم في الأشياء التي لا يجيزها دينه، لمن يترهب. ولكن كانت زياراته لمنزلنا يوم الأحد، حين الغداء أو بعده، تعطيني فرصة الحديث معه في الأمور الغيبية، فكانت زوجي تستميت في سبيل إعلاء كلمة الإسلام على سواها، بينما تبقى أمها مُصغية لا تقول شيئاً- وربما لا تفهم شيئاً- في الموضوع، غير أنها عندما تظهر اهتمامها تقول في تلك اللحظة: - لعل شيئاً فوقنا ... لعل ... تقول هذه الكلمة دون أن تلهيها عن شغلها في إرجاع أثاث الأكل إلى خزانته أو غيره، ويستولي علي أحياناً الحنين إلى أصدقائي خاصة (حمودة وصالح) فأسافر إلى باريس. كانت الشركة الوطنية للخطوطى الحديدية تقدم تخفيضات على تذاكر الذهاب والإياب بمناسبة عطلة آخر الأسبوع، فأسافر عشية السبت وأعود عشية الأحد، ليس علي إلا تكاليف السفر المتواضعة جداً، لأنني كنت أنزل عند الصديقين أشاطرهما المنزل بفندق (بردوكس) حيث توالت أجيال الطلبة الذين يذهبون أحياناً بأجور غرفهم المتواضعة، فأنزل عند صديقيّ أشاطرهما أيضاً الطعام، لأن (صالحاً) كان يتقن طبخ الأرز بقليل من الزيت وكثير من الاقتصاد. فإذا جئت باريس كنت بطبيعة الحال أقضي تلك الليلة إلى ساعة متأخرة بـ (الهجار) المقهى الغربي الأول من نوعه بالحي اللاتيني، الذي دشنه صاحبه الجرائري منذ أربع سنوات، وكانت زبائنه من نوعين: هواة الموسيقا الفلكلورية والرقصات المغربية، وأصحاب النوايا السياسية. فكان النوع الأول ينصب في دهليز مهيأ على زعم صاحبه في إطار من ألف ليلة وليلة، يجلب السائح الأجنبي المتطفل بألوان مفرطة متراكة في لوحة

стр. 320

مزركشة تفتقر إلى الذوق، والنوع الثاني من هواة السياسة والمناقشات الفكرية، مجتمع في قاعة بالدور الأول تزعم هي الأخرى أنها مقتبسة من قصور هارون الرشيد، تجتمع فيها مجموعة من البشر من ذوي العيون اللامعة من الحمى، كتب على وجوهها الجوع والنقمة وما يصدر عن النفوس من عبارات مختلفة تتفجر أحياناً في مواقف مفجعة، مثلاً عندما تنطلق ذات يوم هذه البنت البلغارية مع أبناء جلدتها في حديث كان فيما يبدو على درجة من التأثير، جعلها تضرب بمعصمها باباً زجاجياً فمزقت شرايينها واستمرت مع ذلك في الحديث غير مستسلمة لمن يريد نجدتها حتى سقطت على الأرض. كنا نحن نجتمع في هذه القاعة على مضض من صاحب المقهى، لأنه يفضل زبائن الدهليز بسبب الأرباح التي يدرها عليه، وكنت أتجاذب الحديث مع (حمودة بن الساعي) عن الوضع في الجزائر، وعن كتاب (مسينيون) عن (الحلاّج) الذي كان موضوع الأخذ والرد في تلك الفترة. وربما كان مَن أمامنا من البلقانيين، يهيئ مؤامرة من نوع تلك التي سيذهب ضحيتها في تلك الأمسية رئيس الجمهورية الفرنسي (دوييرو) تحت طلقات (كركولوف) عضو المنظمات الوطنية الماسونية. وربما كانت البنت التي ضحت بمعصمها أو بحياتها- لا أدري- ربما كانت في ليلة من تلك الليالي تبرهن عن ضرورة تحطيم الأعداء. لم تكن صور الحياة في هذه الناحية من (الهجار) كلها من هذا النوع الأسطوري، بل كانت هناك صور أخرى صامتة هادئة، لا أدري إذا كانت تقل خطورة عن تلك في آخر المطاف. كان في تلك الفترة عامل جزائري بسيط اضطرته الظروف إلى مغادرة بيته بمدينة (سطيف)، لأن الحكومة أمرت بإقصائه بعد مشاجرة حدثت له مع رئيس شرطة المدينة، فاضطر إلى هجر عزبته وأسرته، وأن يعمل في باريس وتعرف عليّ وتعرفت عليه في مناسبة لا أتذكرها، فأصبح ينتهز فرصة وجودي

стр. 321

بباريس ليصغي إلى حديثي، كما يصغي المريد إلى شيخه. وإذا به يخبرني ذات مرة في (الهجار) بأن خطيبته تريد التعرف عليّ لأنه حدثها عما أخذ مني، فاتفقنا على الأمر، وعندما أتيت للموعد وجدت صديقي مع سيدتين قدم لي واحدة بوصفها خطيبته، والأخرى على أنها أخته، توسّمت على الفور أنهما يهوديتان، واستمر الحديث في الدين حتى قالت الخطيبة: إن خطيبي أخذ عنكم كثيراً، فأريد أيضاً أن أستفيد خاصة في تحديد مفهوم الله ... ما هو الله؟ أدركت على الفور مغزى السؤال: إنه الفخ الذي سبق لي أن تعرضت له مراراً بجمهورية (تريفيز): عندما يكون السائل لا يريد توضيحاً من المسؤول وإنما تعجيزه أمام شهود، كانت الخطيبة إنما تريد تعجيزي أمام خطيبها ليزول تأثيري المعنوي عليه، وكي تزول بيني وبينه صلة السر (١) التي تربط هذا المريد بشيخه. أدركت على الفور أنها تنتظر مني جواباً كلامياً يعطيها الفرصة للمناقشة والجدال، فأتيتها من حيث لا تنتظر، وقلت: - الله هو السبب، بلا سبب، لكل الأسباب. فرأيت المرأتين تطأطئان الرأس لأن منطق الجواب قطع عليهما السبيل فيما يبدو، ولم يكن ذلك الظرف الوحيد الذي قضى فيه هذا المنطق على بعض الأحابيل في أحاديث (الهجار). بل كان الظرف يتكرر كلما كان الحديث مع يهودي أو في القضية اليهودية، التي أصبحت موضوع الاهتمام في تلك الفترة، فكان صحافي باريسي- ربما من الصحافة اليسارية- يحتج ذات يوم على (أولئك الذين يتهمون اليهود بالعصبية) واستمر يستدل على رأيه بقصة، بينما كنت

стр. 322

أصغي إليه مع (عمار نارون) الطالب الذي قاد حركة الانشقاقيين في وسط الطلبة الجزائريين، فقال الصحافي: - إننا، في جمعية إسعاف للشباب المعسر بباريس، حاولنا مرة أن نساعد فتاة يهودية لم تجد شغلاً بباريس، فتقدمنا إلى أغنياء يهود من أجل تكاليف سفر عودتها إلى بيت أهلها بمراكش، فطلبنا من صندوق روتشيلد للإسعاف خمس مئة فرنك فلم يصرف إلا خمسين فرنكاً. أترون في هذا عصبية وتعصباً؟ ... لاحظت الثغرة في منطق الصحافي الطيب، فسألته: - عفواً يا سيدي ... وبالتالي هل رجعت البنت اليهودية إلى بيتها؟ أم لا؟ - طبعاً ... طبعاً ... إننا سفّرناها على أية حال ... فقلت: - هذا ما كنت متأكداً منه، ألا تعتقد أن السيد روتشيلد كان أيضاً، وربما أول من يكون متأكداً من ذلك؟ .. بحيث وفر لصندوقه أربع مئة وخمسين فرنكاً، وسفّر البنت على حسابكم ... وفوق كل هذا أعطاكم الصورة التي تدافع عنها بإخلاص. فسكت الصحافي حتى قطع السكوت (عمار نارون) فقال: - والله إنه لأمر عجيب، فعلاً ... ولا أدري مم تعجب. كانت فرص مقهى (الهجار) كثيرة متنوعة، تعرفت في إحداها على رجل شاب وزوجه قدمهما لي أحد خدم المقهى. - مسيو (سيريل أنا كليتو) من باريس، اعتنق وزوجه الإسلام ...

стр. 323

ولد (سيريل) قرب الحي اللاتيني، من أبوين نزحا من مقاطعة (الشارونت)، ليتولى الأب وظيفته في الجمرك الداخلي الذي أنشئ بباريس على إثر هزيمة ١٨٧١، وتولى استغلاله (روتشيلد)، لأنه قدم من ماله الضريبة الحربية التي فرضها (بيسمارك) على فرنسا بعد الهزيمة. وترعرع سيريل بين شارع (مونج) وشارع (سان ميشيل) في الحي الذي شيد به مسجد باريس سنة ١٩٢٥، وهو يذكر طفولته فيقول: - كنت طفلاً أذهب ألعب في الساحة التي بدأ فيها بناء المسجد، كان ذلك أول اتصالي بالإسلام .. صحيح أن اعتناق الإسلام، بين الفرنسيين مثل (إتيان دينية أو رونية جوجلاري) يترتب غالباً على ظروف طفيفة، من دون تدخل دعاة كما يحدث في اعتناق المسيحية بل بالعكس؛ وفي قصة سيريل بالذات نرى ممثلي الإسلام الرسميين يعملون أحياناً أو يستعملون لتنفير من يستدرجه الإسلام بدعوة خفية لروحه. نشأ (سيريل) بحكم تكوينه في مدرسة الفنون الجميلة، يهتم أولاً بالجانب الجمالي في الأشياء، فكان يسحره في طفولته وفي شبابه لباس المصلين الوافدين على المسجد يوم الجمعة، كما يسحره البناء الشرقي بتلك المنارات الشاهقة، وبزركشة المزلاج المتعدد الألوان، وسيل الخط العربي الأنيق على الجدران، والنافورات المتدفقة بين الزهور في صحن المسجد. ولكنه مع مر الأعوام بدأ يبحث عن شيء آخر في الإسلام. - ما هو هذا الدين؟ كان هذا السؤال يتردد في ذهنه، ويتطلب جواباً من ذي علم، وكان على رأس إدارة المسجد مديره المعروف سيدي (بن غبريط)، كما يسمونه في القصر

стр. 324

الملكي بالرباط، وكان يقوم بالشؤون الدينية فيه ثلاثة أئمة: واحد من تونس، وواحد من مراكش، والثالث من الجزائر، رجل تقي ولكنه يعدم الجواب على أي سؤال. فتقدم (سيريل) بسؤاله عن الإسلام، فكانت الصدمة بسبب سلوك منحرف من طرف المسؤول ستؤدي لو لم تكن سبقت له هداية الله إلى أن يفر من المسجد مرتداً على أعقابه، لاعناً نفاق المسلمين ... ولكن الله يهدي من يشاء، فتداركه بلطفه بعد الصدمة، فتعرف على رجل مصري أتى إلى باريس ليؤسس بها جريدة للدفاع عن الإسلام، وكان المصري، بوصعفه رجلاً أجنبياً مضطراً إلى استعارة اسم فرنسي للحصول على رخصة الجريدة، فأعاره (سيريل) اسمه. وصدرت الجريدة فعلاً تحت عنوان نسيته، غير أنني قرأت منها عددين أو ثلاثة قبل أن تختفي حوالي عام ١٩٣٠، على طريقة تلك النجوم المذنبة التي أضاءت حيناً سماء العالم الإسلامي ثم اختفت مثل مجلة (الإسلام الفتي) وجريدة (الشاب المسلم) في الجزائر بعد الحرب العالمية الثانية. اختفت الجريدة ولكن (سيريل) أصبح (محمد أناكليتو)، وزوجه امرأة طيبة من ضاحية باريس من أسرة متواضعة، ولكنها لا تستطيع بسبب منشئها الثقافي الاجتماعي اتباع خطوات زوجها في رحلته الروحية. فأصبح (أنا كليتو) هدف الود من طرف بعضهم، والسخط من الآخرين في وسطه، وربما كانت زوج الفراش في عمارته أسخَطَ الناس عليه، خصوصاً عندما تراه صباح الأعياد، يخرج من بيته في الزي العربي الجرائري، ليذهب إلى صلاة العيد في المسجد، وكانت تراقب عودته من وراء ستائر الشباك الشفافة، فتقول لمن حولها من نساء العمارة: - واأسفاه! واحسرتاه! لقد كان أقاربه من سكان العمارة الطيبين. إنه

стр. 325

باريس تحب الشيء الغريب في متاحفها، ولكنها تكرهه في منازلها. ولم تكن مدام (أنا كليتو) لتخفف من حدة الأمر حتى في بيتها، فقد أزالت منه كل الطابع الفرنسي: فعوضت الكراسي بالسجاد و (الطرابيزة) بالمائدة الشرقية، حتى نال التبديل زيها واعتقدت عندما رأيتها لأول مرة، أنها امرأة شرقية، وعلى رأسها منديل حرير مثل نسائنا بتبسة. ولكن لم يكن زوجها من النوع الذي يكترث بحب أو سخط باريس، بل كان يزيد في الطين بلة أنه يرى طبعاً في الإسلام الدين الأفضل، ولكنه يعطي لهذا المبدأ في التطبيق ما يضفي عليه لون التعصب، حتى إن معارك (هوميرية) كانت تنشأ بينه وبين زوجي حول الطماطم مثلاًحين يقول (أنا كليتو) بكل عنف وإخلاص: - مدام الصدّيق، إنني أؤكد لك أن الطماطم الفرنسية ليست شيئاً بالنسبة إلى الطماطم الجزائرية. وتصر زوجي: - يامسيو (أنا كليتو)، إنني مسلمة مخلصة لديني ... ولكنني أعترف أن الطماطم الفرنسية أقل حموضة، وأكثر لحماً. والأمر في الواقع كان كذلك، ولكن لا يستطيع أحد أن يجعل (أنا كليتو) يتراجع في رأيه عن أفضلية الطماطم الجزائرية، لأنها في نظره ليست الطماطم فحسب، بل طماطم أنبتها التراب الإسلامي. ولكن هذا التعصب في التفاصيل الطفيفة، لم يجعله قصير النظر في المشكلات الكبرى التي تواجه العالم الإسلامي، خاصة المشكلات ذات الطابع الحضاري، وقد انسجمت معه منذ لقائنا الأول بالهجار، وأصبحت أدين له

стр. 326

بما استفدت منه مباشرة أثناء مناقشاتنا، أو من مكتبته الإسلامية التي أتاحت لي مطالعات عمّقت نظري في هذه المشكلات. وفي تلك الفترة عثر (حموده) أو أخوه (صالح) - لا أدري- على عنوان (أوجين يونغ)، وزاره في غرفة قليلة الأثاث، لا يدخلها ضوء النهار إلا من نافذة صغيرة، تحت أحد سطوح باريس، ولا تنورها ليلاً الكهرباء، وأصبح الرجل النبيل الذي علم جيلي الكثير عن وضع العالم الإسلامي في الحقبة الاستعمارية، أصبح عجوزاً مريضاً ستنطفئ حياته في عزلة هذه الغرفة كما تنطفئ فيها الشمعة التي تضيئها ليلاً، بينما كان تبذير بعض الطلبة من العرب والمسلمين في الحي اللاتيني كافياً لحياة هذا المريض في لحظاته الأخيرة. بدأ محور (برلين روما) يصبح موضوع الاهتمامات والأحاديث السياسية في العالم، وكأن (موسوليني) قد أراد أن يضع في الكفة التي تليه أكثر ما يمكن من الوزن والاعتبار، فجهز بعثة الجنرال (نونيل) المشهور للقطب الشمالي، وقد انتهت بمأساة كادت تصبح فضيحة، عندما أسرّت بعض الألسنة أن أعضاء البعثة افترسوا أثناء المأساة المكتشف النرفيجي الكبير (أموندسين)، الذي شارك في المرحلة المشؤومة. فانتقم موسوليني من سوء الحظ بتجهيز بعثة أخرى تحت قيادة جنرال الطيران (ايطالو بالبو)، الذي قاد بنجاح أول سرب طائرات يعبر المحيط الأطلسي الجنوبي، في محاولة جماعية. بينما كانت الحرب الإسبانية في أشدها؛ انقسم الرأي العام في كل بلد أوربي إلى معسكرين؛ أحدهما ينادي بالديمقراطية والآخر ينادي بسقوطها. وكانت سفينة حربية ألمانية في مهمة تدريبية بالبحر الأبيض المتوسط،

стр. 327

فاغرقتها طائرات إسبانية منحازة للجمهورية، فأمر هتلر بقصف ميناء (جرنيكا). ولم يُرد (موسوليني) أن يبقى متفرجاً أمام الأحداث، فامر الجنرال (باو وليو) بالزحف على أرض الحبشة. ولكن أصبح الجيش الإيطالي يراوح مكانه لا يتقدم، فاهتز الرأي العام الأوربي لهذه الفضيحة أكثر مما اهتز للأولى. وفي هذه الأثناء حضرت مع (حموده وصالح)، محاضرة ألقاها (مسينيون) بقاعة (جمعية الطلبة المسيحيين الباريسيين)، فأدان الجريمة الإيطالية، لا من ناحية أخلاقية فحسب، ولكن من ناحية سياسية لأن بطء إنجازها يعرض الاعتبار الأوربي إلى الهزء في المستعمرات. لا أدري إن كانت تلك المناسبة هي التي سمعت فيها خليفة (ارنيست رينان) على كرسي (كوليج دوفرانس)، ومؤرخ الحلاج، يذكر وفاة (رشيد رضا)، فيسكت هنيهة ثم يتنفس الصعداء كأنه استراح، يقول: - آه! مات هذا الرجل. ومن المؤسف في ذلك اليوم، أن (علي بن أحمد) كان في القاعة، لأنه كان من الطلبة الذين يتتبعون تقلبات كل المحاضرين عن الإسلام في باريس، خصوصاً (مسينيون) لأنه حسب بعض الأقوال، كان هو الآخر يتتبع خطوات الطلبة المغاربة، وعلى أية حال كنت أخشى حضور (علي بن أحمد) ذلك اليوم، لما أعلم لقريبي من جرأة لسان، لا تليق في مكان يعرفني فيه الجميع، ولا تليق في كل الظروف. وإذا به يطلب الكلمة عند انتهاء المحاضر من كلامه، فتوقعنا النكير وقلنا جميعاً فيما بيننا:

стр. 328

- ياستار! ... ماذا سيقول (علي بن أحمد)؟ ياستار الفضيحة. فأعطيت له الكلمة، فقام بجنب (مسينيون) وولى إليه وجهه وقال: - أيها الأستاذ إنك كذبت عندما قلت ... وقلت ... فسالت قطرات عرق على جبيني، وكرر (حمودة)، واهتزت القاعة وهاجت، وصرخت: - أخرجوه! .. أخرجوه! .. فاتكأ (صالح) عليّ وقال لي: - ارتق كيفما استطعت ... يا صدّيق ... ارتق! .. فطلبت الكلمة متعمداً التواضع في كل حركة وكل كلمة، كأنني ألعب في مسرحية دور المتواضع، فكانت كلماتي البلسم الذي هدأ أعصاب الحاضرين، ولكنني لا أعتقد أنها كانت بلسماً على أعصاب (مسينيون)، فلا أدري حين انقلب من محاضرته على أينا كان أكثر حقداً على (علي بن أحمد) أم عليّ أنا؟ وبدأ الصيف يحط رحاله في البساتين والحقول، حول قرية (بروويه) الهادئة، وبدأت أشعة شمسه توقد النيران في العالم أو تزيد في وقودها. استبطأ موسوليني الجنرال (باودوليو)، فعوضه بصقر الجيش الإيطالي (غرازياني). فلوحت عصبة الأمم من جنيف بإنذار، فترك الوفد الإيطالي مقاعده، وأوصد وراءه الأبواب بعنف. فهددت لندن بغلق قناة السويس، فرد موسوليني بالمثل وتوعد أنه سيغرق باخرة مشحونة بالإسمنت في مجرى القناة.

стр. 329

وأعلن رئيس الحكومة الفرنسية وفاءه للمشروع الإيطالي. أطلق (النجاشي) نداء النجدة ووجهه إلى العالم بأسره، فتغافل عنه الرأي العام الإسلامي، بإيعاز من (شكيب أرسلان) الذي كان لا يرى سبيلاً لاتخاذ موقف، دون أن يكون موقفاً ضد (المحور) الذي كان ينتظر منه العون في مقاومة الاستعمار. كانت الحقبة التي بدأت فيها (برلين) و (باري (١)) تذيعان بالعربية. ثم وقف (غرازياني) بين جميع الآراء عندما احتل (أديس أبابا). وأسدل الستار مؤقتاً على القضية الحبشية. وأخذ العالم يدخل في الحقبة التي سبقت الحرب العالمية الثانية مباشرة. ... كانت الحقبة ممتلئة بأحداث ذات دلالة بالنسبة لمن كان فيها مهتماً بسبر تاريخ العالم، وبتاريخ إحدى الجهات مثل الغرب خصوصاً. وإذا كنت لا أدري التسلسل الزمني لتلك الأحداث بالضبط وذلك فيما يخص الجهة التي تهمنا، فإنني أعلم مع ذلك أنها من تلك الحقبة التي حوّلت العالم. بدأت المجموعة الطلابية المغربية، التي أثّرت في توجيه مجراها بالحي اللاتيني تعود إلى بلادها، وعلى رأسها إكليل الشهادات. رجع إلى مراكش (محمد الفاسي) و (بلفريج)، ورجع إلى تونس (بن ميلاد) و (بلهوان) و (صالح بن يوسف) وآخرون. حدث على أثر عودة الطلبة التونسيين، ارتفاع في درجة الاضطراب

стр. 330

السياسي بتونس، كانت نتيجته أن الشيخ (الثعالبي) احتفظ بقيادة حزب الدستور مع (محيي الدين القليبي)، ﵀، وانضم لهما الدكتور (بن ميلاد). وتولى (بورقيبة) مع (صالح بن يوسف) أمر جناح من الحركة الوطنية سيتم تشكيله تحت اسم (الدستور الجديد). ماذا كانت الجهات العليا بباريس تفكر؟ إنها كانت دون أي شك لا تريد خيراً للجميع، ولكننا إذا تبصّرنا نحن في الأمر بإمعان، نرى أن الاستعمار لو خُيِّر في تلك اللحظة، لَفَضَّل الجناح الجديد، كما ستؤكد ذلك الأيام له ولنا بعد ثلاثين سنة. يجب علينا أن نتصور الاستعمار كما هو، أي عقلية علمية مطبقة في المجال السياسي، فلا يمكنه- طبقاً لتفكيره الديكارتي- أن يلغي من حسابه مبدئياً احتمال الاستقلال. إن الاستعمار لواثق، تجاه هذا الاحتمال ولمواجهته في الوقت اللازم، مما بيده من وسائل الضغط والقمع، وستدل على خبرته في استعمال تلك الوسائل أيام (كانبون) المشؤومة والمشهورة. ولكن إذا احتُمل، بعد كل ضغط وكل قمع، أن يتحقق الاستقلال فلمن تُسلَّم على الأفضل مفاتيح القلعة؟ أمن الأليق بالنسبة لمصالحه العليا، أن يسلمها إلى (بورقيبة) أم إلى الشيخ (الثعالبي)؟ هذا هو كل السؤال .. فمن الواضح لمن يطرحه، أن (الثعالبي) سيرفع على القلعة راية الإسلام أو ما يشبهها.

стр. 331

بينما الآخر سيجعل منها ما فعل بها بالضبط: قلعة علمانية، وإذا لم يبق أي تردد في الأمر لدى الجهات الباريسية تجاه احتمال الاستقلال فيجب أن تُسلِّم المفاتيح إلى الحزب العلماني إذا آن الأوان. ولعل الانشقاق الذي حدث في تلك الحقبة، إنما هو نتيجة مسبقة تمهيداً لاحتمال قد تصيّره الأيام واقعاً تاريخياً. أما في مراكش فلم تُغَيّر عودة الطلبة وجهةَ السير في شيء، إلا أنها غيرت في سرعة خطواته، وفي اتساع مجاله إلى حركة شاملة تشمل كل الوطن وتهزهه هزاً عنيفاً، مستغلة (الظهير البربري (١)) بوصفه طاقة متفجرة، سيفجرها فعلاً الحزب الوطني في ضمير الشعب، وستأخذ صوراً رهيبة من السخط على الاستعمار، يضفي عليها الدين طابعاً خاصاً عندما تجتمع الحشود من المصلين في مساجد فاس وغيرها من المدن، وفي حلقات ذكر وابتهال وتضرّع إلى (الله اللطيف) تأخذ بمشاعر الذاكرين إلى درجة الشطحة الصوفية. وفي الجزائر كانت أيضاً هزات عنيفة، في صور غير متوقعة أحياناً، مثل قضية (سجائر جوب) .. كانت هذه السجائر هي المشهورة في البلاد، ولم تكن الدار الكبرى التي تصنعها في حاجة إلى وسائل الترويج لبضاعتها، فلم تكن تطلب المدخِّن بل كان المدخن يطلبها حتى أصبحت شروطها قاسية على الباعة ... وإذا بالمدخنين الجزائريين كلهم يعلنون ذات يوم، أنهم يرفضون (سجائر جوب) وقاموا يبصقون عليها في المدن والشوارع كلها.

стр. 332

حدث ذلك في ظروف تشبه الظرف الذي سبب أحداث الحي اليهودي بقسنطينة قبل سنة، ربما قال شخص ما: إن دار (جوب) تعمل لحساب الصهيونية بفلسطين ... ولكن كيف أدى هذا القول، في كل مدن وكل قرى الجزائر، في اليوم نفسه وفي اللحظة نفسها إلى هذه الهزة العنيفة؟ وفسر بعض الناس الظاهرة على أنها مؤامرة (دار بسطوس) المنافسة لـ (جوب) وأنها هي التي رسمت خطة المقاطعة بكل تفاصيلها. وعلق عليها البرفسور (بهلول) الأستاذ الجزائري بثانوية (سانت بارب) الكبرى بباريس، بأنه لا يجوز لنا أن نعير أهمية إلى (قضية أعقاب السجائر). كان المثقف الجزائري، مثل الدكتور (بومالي) بتبسة أو (بهلول) بباريس، يقوم دائماً بدور المنتقص من أهمية الأحداث المهمة. وعلى أية حال سجل التاريخ الجزائري (يوم جوب) بين الأيام التاريخية في تلك الحقبة، بوصفه تعبيراً شاملاً للضمير الوطني في ظرف معين، وأخذ الحدث بهذا السبب حجم قضية تهم الدولة، وخصوصاً الأوساط الاستعمارية، وربما حتى دار (بسطوس) أصبحت تهبط وتصعد نظرها في الأمر. هكذا كانت الأيام تجرف الأحداث المنذرة في العالم وفي المغرب العربي، وبدأت مجموعتنا تتفرق في الآفاق. لقد انتهى (بن عبد الله) من دراسة الحقوق تلك السنة فعاد إلى الوطن، ورأت الحكومة أن تزيد في تشتيت جمعنا، فمنحت وظيفة إلى (صالح) في هيئة تصدير الغلال الجزائرية، ثم فكرت في إقصائه أبعد من ذلك، فعينته مهندساً زراعياً بمستعمرة (كايين) بأمريكا. ولجأ أخوه (حمودة) إلى العمل في مصنع باريسي بصفة عامل ... وتبخر

стр. 333

(عمار نارون) لا أدري كيف، وبدأ طلبة يغازلون (مصالي حاج)، وبقي (علي بن أحمد) يضرب بنعله الحي اللاتيني يلعن (المصاليين) أحياناً والمناوئين لهم أخرى. وبدأت أفكر جدياً في الهجرة إلى الحجاز لأستقر بالطائف، فطلبت جواز السفر لي ولزوجي. وكنت- إذا جئت باريس- أنتهز الفرصة لزيارة (محمد أناكليتو)، ولزيارة الحي اللاتيني لالتقاط الأخبار عن الأحداث في الجزائر وفي العالم. واتفق لي أن التقيت هكذا بـ (بن كرتوسة) أحد الطلبة الجزائريين، كان ناظراً في إحدى المؤسسات التربوية بضاحية باريس، المختصة في ترفيه الأطفال مدة عطلة الصيف في روضة تابعة لها بريف مدينة (ليزيو)، فعرض عليَّ قائلاً: - لماذا لا تقضي الصيف معي في أجمل مناظر الطبيعة بـ (النرماندي)؟ فتقرر الأمر على ذلك مع مدير المؤسسة، إذ لم يكن لدي مانع منه وأنا في انتظار الجوازات، وأسرّ إلي صديقي عندما خرجنا: - إن المدير توسم في مظهرك أنه يخشى أن تكون صعباً مع أطفال المستعمرة الصيفية، ويخشى أن تنالهم منك بعض الشدة. لعل مظهري كان كذلك، ولكن عندما اطلعت على أحوال المستعمرة، تبين لي أن تقدير المدير كان تافهاً إلى حد بعيد. كانت المستعمرة جنة تولى أمرها خزنة للنار، فأصبحت جحيماً للأطفال تربى فيه، أعني تقتات فيه كالدواجن في أقفاصها، بأكثر ما يمكن من أرباح للمؤسسة، وأقل ما يمكن من بذل في كل شيء، لأن صاحبها كان يستطيع بفضل والد زوجه النائب بمجلس الأمة الفرنسي، الحصول على مثل هذه المقاولات من

стр. 334

السلطات المعنية بباريس، وتُسَلَّم هكذا أطفال المستعمرة الصيفية إلى أيدي مربين، بينهم من هو طبيب ألقت به ظروف خاصة على هامش التعليم، وآخرون وحوش ضارية جعلتهم على هامش المجتمع انحرافات موروثة. إذن كانت المستعمرة جحيماً، خُصّص فيه قسم لمن لا يمسك البول في النوم، وربما كانت رائحته تزيد الوحوش المكلفة به ضراوة. ولكن رائحة ذلك القسم وضراوة وحوشه وشراسة مدير المؤسسة نفسه، لم يكن كل ذلك يغطي الجانب الآخر، في تلك الحديقة المتسعة الأرجاء، وقد ألبست الطبيعة كل جزء في هذا المكان المشهور من النرماندي جمالاً يغطي مساوئ الإنسان. كان هذا الجانب جنة الأطفال وقد توليت أمرها مع (بن كرتوسة) حتى اعتاد الطفل من أي قسم كان، أن يولي وجهه نحوي إذا خشي وحشاً من الوحوش أو إذا احتاج الأمر. - مسيو الصدّيق أريد كذا وكذا ... كانت هكذا حياة الأطفال في تلك المستعمرة الصيفية، من ناحية جحيم ومن ناحية أخرى جنة. أتذكر بعد ثلث قرن الساعات السعيدة، كأنها كانت لشدة الأقدار، الاستراحة التي قضيت فيها تلك الساعات، قبل مواصلة السير على طريق عبدته الصعوبات والمحن. لم تكن أخبار تبسة تصلني تلك الفترة، وإذا بخطاب يصلني منها، يدعوني فيه إلى الحضور خالي (أحمد شاوش) (الطبيب الأهلي) الذي يقال عنه إنه تلقى موهبة التطبيب من سيدي الحاج (العربي الطيطاوني) كما يأخذ المريد الورد عن شيخه. خطرت بذهني تفسيرات كثيرة للخطاب، دون أن أعرف الصحيح منها،

стр. 335

بينما أقرأ وأعيد القراءة تحت شجرة صنوبر ضخمة، يقال عنها إنها عمرت ألف سنة، واشتهرت بأن الكاتب الفرنسي الكبير (دوماس) كان يأوي تحتها. واستقر عندي الرأي أن ألبي دعوة خالي (أحمد شاوش) على أية حال، فغادرت المستعمرة متجهاً إلى منزلي الجديد، لأن (أمي مورناس) كانت في هذه الأثناء، باعت دكانها وغيّرت السكن حسب عادة تنقلاتها، فوجدت زوجي مهتمة بإصلاح ما يتطلب الإصلاح؛ فبقيت معهما ريثما أخبرهما وأتهيأ للسفر. ... اجتمع مجلس العائلة، وبثّ في الأمر: - إن ابن أختي الصدّيق لا يليق به أن يبقى دون ولد، وخديجة لا تلد له، إذن يجب أن يتزوج امرأة أخرى ... هكذا قررت خالتي (مليحة) بمحضر والدي وخالي (أحمد شاوش)، ولهذا الأمر كتب لي هذا الأخير بتكليف من المجلس. فبذلت كل المجهود لإرجاع القوم إلى رشدهم عندما حضرت أمامهم، ولكن أختي الكبيرة لم تقبل الهزيمة في الموضوع كما حدث بينها وبين خديجة قبل سنتين حين قالت: إن والدتنا أوصتني في لحظاتها الأخيرة، بأن أقول لك: الأولاد ثم الأولاد. فعلاً كانت والدتي مصممة على أن يكون لها أحفاد من ابنها، فقررت أن أرضي الجميع بالقول على الأقل في انتظار الظروف السانحة، علماً بأن خديجة لم تعارض في الموضوع مبدئياً. ولكن فكري كان مشغولاً بأمرآخر: هل أحصل على الجوازات؟ كانت المدينة جادة داخل سورها في تغيرات مجدية أو تافهة، وأصبحت

стр. 336

الأسطوانات المصرية مطلوبة في كل المقاهي التبسية، حتى لم يبق لـ (عيسى الجرموني (١)) مستمعون إلا خارج السور، في تلك المقاهي التي أنشئت خارج السور، واحتفظت بكل الطابع القديم، لأن غالب زبائنها يفدون من العشائر حول المدينة كل ثلاثاء يوم السوق. واتضح أكثر في تبسة خط التوزيع الإيديولوجي، بين مريدي الشيخ الإمام (سي سليمان) ورواد الفكرة الإصلاحية: يجتمع أولئك حول شيخهم بعد كل صلاة عصر، عند صومعة المسجد العتيق في انتظار صلاة المغرب، ويجتمع هؤلاء حول الشيخ العربي التبسي بمخزن (سي الصادق بو ذراع). وكانت الخصومة حامية بين الطرفين، يضرمها من يصطاد في الماء العكر، كلما أوشكت على الانطفاء، حتى لا تفوت فرصة على منتفعي تلك الفترة التي بدأت فيها تفتح مقاهٍ وتفلح تجارات وتتكون ثروات تحت راية الإصلاح. ولاشك أن الحكومة كانت أكبر منتفع من الخصومة، فكانت تدس في المعسكرين من يضرم نارها. بينما بقي (حشيشي مختار) المقامر المحترف سابقاً، على خط التوزيع محايداً،- مع إدراكه للجانب السليم والجانب المريض من الناحيتين، ومع ميله المبدئي لصف الإصلاح. أما الشيخ (الصادق بن خليل) فإنه استمر في شغله مع الفتيات الأوربيات الطامحات في الزواج، المعتقدات ببساطة عقل عجيبة، أن الشيخ يستطيع بالتمائم والحروز تحريك القلوب وتقليبها، وكان من ناحية أخرى يشتغل مع شريكه اليهودي في المطبعة الصغيرة الوحيدة في المدينة، في طبع القوائم التجارية ودعوات الزواج وإعلان المآتم.

стр. 337

وخطر ببال الشريكين إصدار جريدة محلية، لا أتذكر أنني قرأت منها عدداً أو عددين، وقد كانت الفكرة (تقليعة الوقت)، حتى إنه أنشئت بقرية (أم البواقي) صحيفة باسم (صدى الحراكتة (١)) أشرف عليها (حساني رمضان)، ذلك الرجل البر الذي استعان بمثقف طائش وضعته بالتالي الحكومة تحت أقدامها. ولم تكن مدام (دوننسان) ترى في كل هذا جديداً، بينما حدث ذلك الصيف حدث صغير لا يخلو من دلالة على التغيير المستمر في العقول وفي البلاد. كانت امرأة فرنسية تتردد مع زوجها، على قرى الناحية بمتجر متنقل لهما يتاجران في (قمار العجلة)، فوصلا إلى تبسة كعادتهما في ذلك الفصل، وبدأت المرأة توزع تذاكرها وتدفع عجلة القمار، وتوزع الجائزة لمن ربحت تذكرته، في صف الزبائن المزدحم أمام المتجر قريباً من باب الساعة. كان كل الزبائن من الجزائريين الذين تعودت صاحبة القمار الإساءة إليهم بالكلمة اللاذعة في السنوات السابقة دون تحفظ، فأساءت لهم تلك الليلة الافتتاحية كعادتها، وربما كان أحد الشبان التبسيين بين الزبائن، لم ترق له كلمة السوء، فنقلها إلى النادي فأصبحت مع بعض الإضافات والتعليقات المحتملة في مثل هذا الظرف، قضية وطنية تهم الجميع. فنُعتت على الفور عجلة القمار وصاحبتها، بما يراه شبان النادي مناسباً، وتطوع بعضهم حتى إذا رأوا أحداً واقفاً أمام المتجر المتهم، أشير إليه أن يبتعد، فانفض كل من حول العجلة من أبناء العشائر، وذهبوا يستمعون (عيسى الجرموني) في أحد مقاهي السوق، ووقفت العجلة لا تدور.

стр. 338

فلم يبقَ أمام صاحبي المتجر المهجور إلا أن يهاجرا من المدينة بعد انتظار ليال قليلة، وظهر بتبسة وجه جديد، اسمه (باهي) على اسم صاحب المقهى المشهور. كان (باهي) الجديد من (البسطاء) كما تعبر لغة الشعب عن الذين لا يتصرفون بعقلهم، وكان قاموسه يتضمن ثلاث صرخات متوالية تعبر عن حالاته النفسية، حسبها يتخللها من ضحك خشن أو غضب. - ها! ... ها! ... ها! ... فإذا سمعت هذه الصرخات ورءاك، والتفتّ تجد (باهي) يمزح معك أو غاضباً عليك دون سبب. وعلى الرغم من بساطته هذه أو بسببها، اكتسب (باهي) شهرة خاصة لدى النساء، يقلن عنه: - إنه فيه البركة! ... انتقلت أخباره إلى قسنطينة، فأصبحت تدعوه الأسر اليهودية من أجل زواج بناتها، وبذلك أصبح من هذه الناحية من دون أن يشعر، منافساً للشيخ (الصادق بن خليل) في مهنة تزويج البنات العازبات. وبينما كان الناس يعيشون هكذا حياتهم اليومية، كل على مشربه وهواه، استمرت الطبيعة في عملها الفتاك حول المدينة، وبدأت معالم القفر تضفي على ريفها الطابع الصحراوي، واستمرت رقعة الغابة تتقلص وتتقهقر من الدائرة الخضراء التي كنت ألعب فيها مع أترابي في الصغر، حتى صار من يريد الفسحة بين أشجارها يمشي مسافة طويلة. وتغير أيضاً المنظر حول المدينة، بسبب الأبنية التي شيدت خارج السور،

стр. 339

مثل المدرسة التي شيدت عند باب قسنطينة سنة ١٩٣٠، في نطاق عيد مئة السنة على الاحتلال ثم أصبحت مدرسة بنات. وتغيرت أيضاً في المنظر الاجتماعي داخل السور وخارجه بعض الأشياء، لقد زالت حلقة تلاوة القرآن التي كانت تعقد منذ أجيال في صحن (سيدي بن سعيد) بعد كل صلاة عصر، لقد وارى التراب، واحداً بعد الآخر، الوجوه التي عرفتها في طفولتي ضمن تلك الحلقة وطوى الزمان ما كان حولها من التقاليد. كان جيل المقرئين الذين يحفطون القرآن الكريم عن ظهر قلب، يأتي بعضهم من عشيرة (اللمامشة) وبعضهم من قبيلة أولاد (سيدي يحيى) وآخرون من أولاد (سيدي عبيد)؛ ويتوزعون لحفظ الذكر الحكيم على حلقة (سيدي بن سعيد) داخل السور، وحلقة (سيدي عبد الرحمن) خارجه، ويتوزعون على الأسر الموسرة التي ترتب لهم وجبات الطعام، ثم ينقلبون من حيث أتوا بعد سنوات التحصيل، وعدد منهم يبقى في المدينة ليتولى بعض الحرف مثل غسل الأموات وتكفينهم وتلاوة القرآن عليهم، أو تحفيظ الصبيان. وكانت الطائفتان من هؤلاء (الجوانية (١)) تلتقيان في مباراة (الكورة) في فصل الربيع، خارج السور من ناحية (المرج). ولقد تآمرت الطبيعة والأيام على تغيير معالم صفحة من الحياة طواها التاريخ. لم تبق في المدينة أي أسرة تستطيع أن ترتب لطالب (جواني) وجبات الطعام، لأن الحرائق الكبرى في الغابات حول تبسة قبل الحرب العالمية الأولى، تسببت في تغيير المناخ الذي تطور إلى جفاف أفقر- بسنين كسنيّ يوىسف- كل

стр. 340

العائلان التي تعيش من الفلاحة، ثم لم يعد التطور الذي ألغى العادة المألوفة إلى أن يعوضها بعادة جديدة. لا زال طلب العلم يحرك الهمم في العشائر المجاورة. ولكن الطلبة الذين يفدون منها يتوزعون الآن على طرفي الخط الإيديولوجي في المدينة: فمنهم من ينتسب إلى المدرسة الإصلاحية التي يشرف عليها الشيخ (العربي التبسي)، ومنهم من يذهب إلى مدرسة أخرى يشرف عليها من يدعي أنه محافظ على التقاليد، وتشرف عليها في الحقيقة الحكومة. أما الأفكار التي كنت أحاول نشرها فكانت في تعويض فلاحة القمح والشعير بفلاحات أخرى، مثل التين الشوكي وشجر الصبار التي تتمشى مع تغير المناخ، لكنني ما كنت أجد لها أذناً صاغية، غير أذن (حشيشي مختار) ربما لأنه- مع التزامه الإصلاحي- بقي واعياً لنوعية المشكلات في البلاد. وفي هذه الأثناء كنت أكاتب زوجي وتكاتبني، فأخبرتني ذات يوم بأنها تسلمت الجوازين المنتظرين: الحمد لله! .. ربما لا يفهمني اليوم من يسمعني أحمد الله، المحمود على كل حال، لأنني حصلت على جواز سفر، بينما الأمر لم يكن في تلك الفترة سهلاً ولا عادياً، لأن الاستعمار كان شديد الحرص على بضاعته البشرية في المستعمرات خاصة البضاعة المتعلمة. فتأكدت لدي فكرة السفر إلى الحجاز، فراراً من العيش في أرض استعمار أو في أرض مستعمرة، لأنني سئمت فيها الوجوه والآفاق. ولم يكن والدي في حالة أطلب منه الإرشاد، لأنه أصبح منذ وفاة والدتي أجنبياً عن أمور الدنيا لا يهتم بها ولا يديرها، بل أصبحت الأسرة كلها كسفينة تتلاعب بها الأمواج، لأنها فقدت في والدتي اليد التي كانت ماسكة بمقودها.

стр. 341

وبدأت أتعرف في المدينة على وجه جديد، كان الدكتر (خالدي) طالباً في نهاية المرحلة الثانوية، يقضي عطلة الصيف عند أهله قبل أن يلتحق بجامعة (تولوز). ويبدو أنما أحد أساتذته بثانوية عنابة، أثرّ عليه بتوجيهات يسارية، ربما كانت تمهد لتأسيس الحزب الشيوعي الجزائري الذي سيتم بعد سنة، بعد مؤتمر (فيلوربان) للحزب الشيوعي الفرنسي، فما كان من الغريب أن يصدر إذن من باريس مثل تلك التوجيهات. ولكن المجتمع الجزائري كان في تلك الحقبة يتمتع بحصانته، متيقظاً على واجباته في المجال الإيديولوجي، يدافع في تقاليده، فاتصل بي صديقي النجار (سي مكي محمد)، وحدثني بشأن (خالدي) أثناء فسحة ليلية في اتجاه وادي (الناقوس): - إن (خالدي) في ذمتنا يا سي (الصدّيق)، لا يجوز لنا أن نسلم مثقفاً إلى التيارات الفكرية التي لا تتفق مع فكرتنا ومع شخصيتنا ومع تاريخنا. فتقرر أن نضيف (خالدي) إلى قائمة الشبان الذي يجب إنقاذهم من التيه الفكري، ونظراً لتكوينه وحرصه على الاطلاع والمطالعات، رأيت أن يكون المنقذ (نيتشه). ومن الغد في لقاء اتفقنا أو تآمرنا عليه، قدمت خالدي نسخة من كتب الفيلسوف الألماني، أظنها نسخة من كتاب (هكذا تكلم زرادشت). ورجعت هكذا نعجة تائهة، ردها نيتشه إلى القطيع الإصلاحي الذي يرعاه الشيخ (العربي التبسي) في المدينة من مخزن سي (الصادق بو ذراع)، فقد كانت تُتَّخذ تحت إشرافه كل التدابير والتقارير التي تهم الناس، خاصة ليلة رمضان وليلة الإفطار، عندما يمسي الشيخ متعلقاً بالهاتف إلى ساعة متأخرة:

стр. 342

- آلو ... آلو ... قسنطينة ... هل رأى أحد الهلال ... آلو ... الجزائر ... هل ... بينما تقضي البنت المكلفة بالهاتف بمصلحة البريد مع زميلاتها الأوربيات، أوقات تسلية على حساب صفاء المكالمة وأعصاب الشيخ الذي يصرخ: - آلو ... آلو ... إنني لا أسمع شيئاً ... بينما ينتظر الناس أمام المخزن التقرير الذي يعلن الصوم أو الإفطار، فتطلق الحكومة من طرفها التعليمات التي يكون أثرها في الغد تقسيم الأمة إلى شطرين من مفطرين وصائمين. أشبعت تبسة كل رغباتي البسيطة بين مخزن سي (الصادق بو ذراع) ومقهى (باهي)، وفسحاتي الليلية إلى وادي (الناقوس)، أشبعتها إلى حد السآمة، ولم يبق لي فيها وطر. فودعت الأهل والأصدقاء. ... لم تكن الطائرة وسيلة النقل العادية بين الجزائر وفرنسا، فكان وصولي صباحاً إلى مرسيليا على متن باخرة يجعلني أقضي فيها النهار، وكان ذلك اليوم إجازة للمشكلات، لأن السفر يعلق التفكير فيها ويؤجله إلى حين، فقد كنت أشعر عندما أنتقل من مكان إلى آخر أنني حر ريثما أصل. كنت هكذا كلما وصلت إلى مرسيليا، أشعر أنني حر من المشكلات، حر من الذهاب في تقليبها يميناً ويساراً، حر من البحث عن حلولها عبثاً. كان ذلك اليوم يوماً سعيداً لأنه يخلصني مؤقتاً من مسؤولياتي، ويخلصني أيضاً من ذلك الحائط المعنوي الذي يفصل في الجزائر بين منطقتي وجود تنتهي على حدودها عادات وتقاليد الطرفين، فلا ينظر أحد من نافذته إلى الطرف الثاني إلا بالريبة والتشكيك، كما تنظر مدام (دوننسان) من دكانها إلى حياتنا العادية وغير العادية بمدينة تبسة.

стр. 343

لا يرى هنا ذلك الحائط، حيث يذوب الفرد في وجود عام، ولا رقيب على سلوكه إلا ضميره، ما عدا بعض الشوارع التي أعدّتها جهات معنية لتعيد فيها العامل الجزائري إلى (وسطه) كما تقول، يعني حيث يجد نفسه في جو مصطنع يملؤه الذباب المتكدس عل بدن معلقة عند أبواب المطابخ، خاصة إلى جانب مقاهٍ أكل عليها الدهر وشرب، ويتكدس على (حصرها) (١) الرثة لاعبو (الدومينو) (٢)، ويتناثر على أرضها رماد (الوجق)، ليجد نفسه يعيش فعلاً وراء حائط يفصله عن العالم. ولكن ما عدا هذه الشوارع الملفقة تلفيقاً صريحاً من أجل إنكار ما تغير في الحياة الجزائرية منذ حقبة، فالجزائري العامل والمسافر الوافد على مرسيليا كان يجد نفسه، في حياة طليقة لا يفصلها إلى منطقتين حائط تبطنه من الناحيتين الشكوك والأحقاد، فيجد نفسه فرداً معتاداً في جمهور لا يفرض عليه تنفساً خاصاً. كنت إذن أعيش ذلك النهار متحرراً من كل المشكلات ومن كل المسؤوليات، من كل الاعتبارات التي ترزح بها حياة المرء العادية، حتى إنني إذا ما خطرت ببالي خاطرة تمتّ بصلة إلى الواقع، كنت أطردها عني في الحين، كما نطرد ذبابة تضايقنا. وكنت أسوغ هذا السلوك أمام ضميري، بكلمة يسمعها أحياناً من يكون ماشياً بجنبي على رصيف مرسيليا: - إنني سأنظر ذلك عند وصولي إلى (دروكس) .. لم نكن في الحقيقة في (دروكس) تلك الحقبة، ولكن في قرية صغيرة

стр. 344

قريبة منها اسمها (لوات كليري)، حيث تركتُ زوجي تقوم عل إصلاح بيت جديد اشترته (أمي مورناس) بعدما باعت دكانها بقرية (بروويه). وكان الفصل عند وصولي إلى (دروكس) تلك المرة، ومرات أخرى فصل إشراق التوديع، عندما تلبس الطبيعة حُلّة الخريف، في جو لا تفرط فيه أشعة الشمس ولا لذعات البرد الشتوي، فكنت إذا نزلت من قطار باريس في مثل هذا الفصل، أمشي على الأقدام المسافة الصغيرة بين المدينة والقرية، متمتعاً بكل ما تقدمه الطبيعة الخريفية على حافتي الطريق من زرابي خضراء مبثوثة، وطيور شادية في الغابة القريبة من الطريق، وحشرات دابة على حافته فيما سخرت له، بينما تحلق في السماء قطع سحاب لا تخلو منها، على عكس السماء الحادة التي تغطي قفر تبسة، الأمر الذي يزيد في شعوري بالارتياح عندما أنزل بمحطة القطار في (دروكس) متوجهاً إلى منزلي. وجدت زوجي هذه المرة، في نهاية إصلاحها للبيت الذي نقلت إليه (أمي مورناس)، وريثما أسلم على الجميع، وأمسح على رأس الهرة (لويزة) وهي تتثاءب وتمطط على أقدامها تحت يدي، قلت لزوجي: - أين الجوازات؟ - كأنك والله مسافر الآن، وكأن قطار مكة ينتظرك بمحطة (دروكس)، على مهلك حتى تشرب كأس قهوة وتستريح هنيهة بعد ليلة سفر متعبة .. كانت خديجة في مثل هذا الظرف صوت العقل المتزن، ولكنني أصبحت في الحالة النفسية التي يكون بها سجين وُعِد بمفتاح سجنه، ويريد أن يتأكد من إنجاز الوعد، ولا يفهم هذه الحالة من لم يعش تجربة، وخاصة من لم يعشها من أبناء المستعمرات، قبل أن يعلن ميثاق الأمم المتحدة بين حقوق الإنسان، حتى التنقل.

стр. 345

بينما كنت أعيشها كمأساة تخص كل أفراد أسرتي، خاصة والدي الذي ما زال بسببي يطلب دون جدوى الرجوع إلى وظيفة كلما شغر منصب، وكان مع ذلك حتى بعد وفاة والدتي يرسل إلي المبلغ الشهري الذي أعيش به بفرنسا .. وتخصني المأساة من باب أولى، وقد بدأت أتصور بعض خطوطها المتوقعة بعد دراستي، وكيف سأحاط بالإجحاف الذي أحاط بوالدي منذ سنين .. فكنت فعلاً في وضع السجين الذي ينتظر مفتاح السجن، فأخرجت خديجة الجوازين من درج خزانة أثاث الأكل وقدمتهما: - هاك، والله إنك مثل الطفل، لا ينام إلا ولعبته المفضلة في أحضانه .. فتسلمت الجوازين وتفحصتهما وذهبت إلى غرفة النوم، بينما بقيت زوجي في شغلها في الإصلاحات الأخيرة لبيت (أمي مورناس)، وتهيئة كل تفاصيل السفر، قد جهزت حتى الهرة (لويزة) بحقيبة تستطيع فيها التنفس، وجهزتنا بحقيبة منسوجة من خيوط الكافور للحفاظ على ملابسنا على عادة من يسافر من أوربا إلى البلاد الحارة المناخ. إن أوربا لم تستول فحسب على مستعمرات بل سنت قوانين لها، وكونت طبّاً صالحاً لمعالجة أمراضها وعلماً خاصاً بها في معاهد (العلوم الاستعمارية)، حيث يدرس من سيتوظف في الإدارة الاستعمارية، وخلقت بصورة عامة أسلوب حياة يطبعها الاستعمار في كل تفاصيلها، مثل قبعة المستعمر و (البنجالوف) (١) الذي يسكنه في إفريقيا أو آسيا، واخترعت حتى الحقيبة المنسوجة من مادة خاصة تستعملها زوج المستعمر لحفظ ملابس الأسرة من حشرات البلاد الحارة. وقد هيأت خديجة من ملابسها ما تحتاجه لفرش البيت، كأننا سنسكن (بنجالوف) عند وصولنا إلى الطائف، وعندما انتهت من هذا التجهيز ومن مهمتها نجاراً وبناء وبياضاً في بيت (أمي مورناس) قررت يوم السفر.

стр. 346

وأتى اليوم الموعود فتوجهت وحدي إلى باريس صباحاً، من أجل تأشيرات الدخول إلى مصر، وعلى أن تلحق بي في قطار العشية في بيت (أنا كليتو سيريل)، وخرجت وفي محفظتي الجوازات والمبلغ الكافي لحجز المكان في أول باخرة تغادر مرسيليا في وجهتنا. - لا أدري هل هناك شيطان خاص بأبناء المستعمرات، يتتبع خطواتهم أينما يتوجهون، وعلى أية حال لم يخطر مثل هذا ببالي ذلك الصباح وأنا أودع (أمي مورناس)، وأدلي بالتوصيات الأخيرة لزوجي، وأخرج من بيتي معتقداً أنه يكفي جزائرياً يعيش في ظل الاستعمار، أن يكون في جيبه جواز السفر وما يكفيه من النقود ليسافر فعلاً كأي انسان. وإذ اتبعني فعلاً في ذلك الصباح الشيطان، فإنه كان لاشك يضحك مني ويتهيأ ليعيش على حسابي أكبر مهزلة لعبها في حياته اللعينة. وصلت إلى باريس فتوجهت في الحين نحو السفارة المصرية، وكان السفير يومئذ (فخري باشا)، وعندما وصلت إلى بابها ودخلت، شعرت أنني وضعت أقدامي على أرض وطني العربي أو الإسلامي أو الاثنين معاً. فاستقبلني أحد السعاة وطلب مني تحريراً وتوقيع الاستمارات المعدة لطلب التأشيرات، فسلمتها له مع الجوازات ثم دلني ساعٍ آخر على قاعة الانتظار، فوجدت أوربيين وخاصة أوربيات لم أكن أعرف بعد ما يجذبهن لزيارة أبي الهول ولا سبب هوايتهن لمناظر النيل، ولا البضاعة الخاصة التي يروجنها على ضفتيه، تلك البضاعة التي- كما سأعلم فيما بعد- لها رواج كبير في البلاد العربية خاصعة اليوم، بعد اكتشاف البترول والسيارات (المرسيدس). ومن حين لآخر يظهر وجه الساعي في مدخل القاعة، فينادي أحد المنتظرين ثم يرجع ينادي آخر، وربما يكون قد أتى بعدي، ولم يخامر ذهني أن أعلق أي تعليق على ذلك متكسكاً بثقتي في البشر وبالصبر الجميل.

стр. 347

ولكن القاعة بدأت تفرغ حولي، وإذا بالساعي يناديني، فتنفست الصعداء فدخلت مكتباً متسع الأرجاء عميق الأغوار. إن مركبي الأفلام يعرفون استغلال هذه الظاهرة، في بعض مقاطع تركيبهم عندما يضعون بين زائر يدخل مكتباً ومن يستقبله فيه أكبر بعد ممكن، حتى تزيد كل خطوة من خطوات الزائر في التفاعل بين الشخصيتين، وترتفع بقدر ذلك درجة التأثير المسرحي في المقطع، خاصة إذا كان الزائر يشعر، أو من يقوم بدوره يشعر، أنه يسير في تلك الخطوات إلى مصيره. كان يستقبلني يومئذ قنصل مصر بباريس، وعندها وصلت وجدت الجوازين أمامه على مكتبه: - أتريد أن تسافر إلى مصر؟ شعرت بخبث السؤال، لأن نظرتي في وجه القنصل لم تكن مريحة، فأجبت: - إنني، إن شاء الله، مسافر إلى الحجاز كما ذكرت ذلك في الاستمارات .. - إنك إذن تستطيع الحجز على باخرة تذهب مباشرة إلى جدة دون أي حاجة إلى تأشيرة إلى مصر. - نعم سيدي كان ذلك أجدى، ولكن شركة (كوك) للأسفار أخبرتني أن المواصلات المباشرة مفقودة بين مرسيليا وجدة، وأشار علي موظفها بأنني سأجد بميناء السويس الباخرة التي تنقلني إلى ميناء الحجاز، فتوسمت في الرجل طبيعة ساذجة تجعله يتنعم بألم الآخرين، ولا يتراجع عن شر قدّره أو أُمر بتنفيذه، حتى كان من العبث أن يحاول المرء إيقاظ ضميره. فارتجت الأرض تحت أقدامي، فحوقلت، ورجعت وأخذت الجوازات

стр. 348

وخرجت، ونفسي تردد الترجيع في خطوة، وفي أخرى ((إن الرجل صنيعة))، لأن الجانب الشيطاني قد اتضح في الأمر: إن الاستعمار يستطيع أن يتمسك في بعض الحالات بمظاهر المشروعية، لأن خونة من بين العرب ومن بين المسلمين يتولون الأمر، للقيام بالدور الذي لا تسمح له به كبرياؤه في تلك الحالات. وستأتي عشرات الأعوام لتأكيد هذه الحقيقة المؤلمة بين الحقائق التي كشفتها لي الأيام. فخرجت من مكتب القنصل، وعندما صرت على الرصيف التفتّ ورائي لأقرأ على باب السفارة هذه اللافتة: سفارة المملكة المصرية ... يا لها من خدعة! .. انخدعت بها أيام كنت مع (فريد زين الدين) عضواً بالجمعية (السرية) التي تعمل من أجل (الوحدة العربية)، وبقيت أشعر بوخز الخدعة في نفسي ذلك اليوم كأنها من سخرية شيطان مُسَخَّر للعبث بأغلى ما تكنّه النفوس وتنطوي عليه الضمائر، خاصة أن الصدفة جعلتني ألتقي بالحي اللاتيني قبل بضعة أيام، بشاب يهودي نازح من أوربا الشرقية، تخرج من مدرستي واستقر منذ سنة مهندساً بمصر بتأشيرة قنصلها. يا لها من خدعة!. جعلتني أمشي على الرصيف كالثمل، بينما أفكاري السياسية تدور في عقلي كأنها اعترتها نوبة دوار. ولكن عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ... وكأنما الصدمة تسدل الستار على برنامج طالما فكرت في كل تفاصيله، وتزيحه عن أمر جديد أو مجدد في ذهني: - نعم، إذن ما عليَّ إلا أن أتم سنتي الأخيرة في المدرسة ... فتوجهت نحو البريد لأبرق لزوجي بأن تحضّر نفسها، وأنا أردد هذه الفكرة

стр. 349

كمرثية أرثي بها المشروع الذي قضى نحبه في السفارة المصرية، دون أن أتصور أن مشاريع أخرى ستلقى كذلك حتفها في ظروف مماثلة عبر الطريق. وساقتني خطواتي في حالة لاشعور إلى الحي اللاتيني، ربما لأني كانت في حاجة لإفشاء المصاب، ولمشاطرة المصيبة مع (حمودة بن الساعي وصالح). فقضيت معهما النهار بين الشكوى والتعليل، وأردنا في المساء أن نتناول قهوة في (كابولاد) مقهى الطلاب. وإذا بنا- ونحن متجهون إلى القاعة الخلفية- نجد في القاعة الأمامية حيث يجلس من تهمه التسلية، (مصالي حاج) مع بعض رفاقه من بينهم (إمعاش) و (سي الجيلالي) و (عبد الله) البقال المتنقل الذي انعقد في بيته قبل أربع سنوات، أول اجتماع حضرته من أجل دخول أو عودة (منظمة نجم شمال إفريقيا) للمسرح السياسي. فناداني الزعيم، حين رآني: - ياصديق! .. أنت لم تسافر للحجاز؟ - لا والله إن طريق مكة مقطوع! .. لا أدري كيف علق الزعيم على جوابي، ولكن جوابي يذكرني اليوم، بعد ثلث قرن، بكلمة رئيس الحكومة الفرنسية حينما قال أثناء الحرب العالمية الثانية: - إن طريق الحديد مقطوع! .. وكان يعني طريق الحديد النرويجي على ألمانيا. ومن الغد عدت إلى (لوات كليري) لأقول لزوجي أن تتهيأ لعودتنا إلى باريس لقضاء سنتي الأخيرة بالمدرسة.

стр. 350

عودتني خديجة وتعودت، ألا تتعجب من تقلبات الطريق منذ بدأت تسلكه معي، فقضينا الأيام التي تبقت قبل افتتاح المدرسة، في هذه الناحية الجميلة جداً على الضفة الشمالية لنهر (الأور)، قضيت أوقاتي أتفسح بين الغابات الصغيرة التي تحف القرية بمنطقة هادئة، يجد المرء نفسه على مساربها الخضراء مرتاحاً من متاعب الدنيا. ولعل اغتيال (أليكساندر) ملك يوغسلافيا، و (برتو) رئيس الجمهورية الفرنسية الذي كان في استقبال ضيفه بميناء مرسيليا، لعل هذا الحدث وقع في هذه الأثناء، غير أنني أتذكر بالضبط سؤال (أمي مورناس) عند رجوعي من إحدى هذه الجولات الريفية: - يا صديق، هل تعتقد أنه سيكون حرب بعد هذا الاغتيال؟ لا أدري ما كان جوابي، ولكنني تصورت من خلال سؤال (أمي) أنها من الجيل الذي شاهد اندلاع الحرب العالمية الأولى، على أثر اغتيال أرشدوق النمسة بقرية (سراييفو) من قرى البوسنة والهرسك بيوغوسلافيا الحالية. ثم انصرف اهتمامي واهتمام زوجي إلى قضية السكن بباريس، فاستأجرت على مقربة من مدرستي، غرفة عارية في الدور الأخير بعمارة لم يكن في مثلها تأجير هذه الغرف مستعملاً لأنها تابعة للشقق، ومعدة من أجل خدم أصحابها. وعلى الفور انتقلنا إليها، وبدأت زوجي مهمتها بوصفها مهندس تجميل، ونجاراً، وغرّاساً، فألبست الغرفة المتروكة تحت سقف عمارة ذات ستة أدوار، لباساً من الذوق والجمال جعلها تحفة تفاجئ الزائر عندما يكتشفها تحت هذا السقف. ومما زاد في سعادتنا أننا وجدنا ما يشبه جهاز تدفئة داخلي، لأن في هذا

стр. 351

الدور الأخير مداخن هذا الحناح من العمارة تجتمع كلها في هذا الدور داخل حائط غرفتنا، التي أصبحت تتمتع هكذا بتدفئة كافية دون أي تكليف. فوجدت هرتنا (لويزة) في هذا الجو كل ما يناسبها هرة سعيدة، ووجدت الوسط الذي أستطيع فيه العمل إلى ساعات متأخرة ليلاً وبدأت السنة. واستأنفت حلقات التدارس مع (حمودة بن الساعي) فكان يأتي صديقي كل مساء جمعة وحده أو مع أخيه (صالح)، لتناول الطعام معنا، وقد نوّعته زوجي بشيء جديد هو رأس الخروف، ولأن الباريسيين لا يحسنون طهيه الخاص فقد جعلوه في السوق يباع بأبخس الأثمان، فتفضله خديجة لهذا السبب أو لأنها أصبحت ماهرة في طهيه منذ أقامت بالجزائر، وحالما تبعد زوجي أواني الأكل تصبح الغرفة وكأنها أعدت للعمل الفكري فقط، فيخرج صديقي قصاصات جرائد خاصة بأمور تهم، أو قصاصات ورق مكتوبة بخط ناعم لا يقرؤه إلا هو، وتبدأ مداولات تلك الحلقة. ولم أكن أتصور إلى أي حد كانت هذه المداولات، وأحاديثي مع كل من يزورني على العموم تهم غيرنا، أعني السلطات العليا القائمة برعاية الطلبة الجزائريين بباريس. وستكشف لي هذا الاهتمام ملاحظتان، لاحظتهما زوجي في مدة وجيزة بعدما سكنا غرفتنا، فقد كنا بحكم الظروف نتناول ماءنا مع سكان الدور من حنفية واحدة، ونستعمل مرحاضاً واحداً مشتركاً ملاصقاً لغرفتنا بالذات. فلاحظت زوجي أن امرأة عجوزاً من سكان هذه الدور، تأتي إلى المرحاض، كلما حضر إلينا صديقي (حمودة بن الساعي) أو غيره من الزوار، فنشأ عندها تساؤل عن سبب تردد العجوز على المرحاض في المناسبات نفسها، وقامت بتحقيق سريع عن طبيعة المكان من الناحية السماعية، فتأكدت من أمر

стр. 352

هو أن المكان عندما تغلق نافذته الصغيرة يصبح صندوق صدى تدوي فيه حتى قطرة الندى، ويستطيع المرء أن يتتبع كل ما يقال في غرفتنا، فقررت أن تفتح تلك النافذة كلما أتانا زائر، فتأكدت هكذا من الأمر الثاني، وهو أن العجوز استمرت في مهمتها، فتأتي إلى المرحاض وتفتح النافذة التي أغلقتها زوجي، ثم تنساها مفتوحة عند ذهاب زائرنا. إذن لم يبق مجال للشك أن المكان كان مرصداً لا يخلو من أهمية، إذا عقدنا الصلة بين الزيارات الخاصة التي تحظى بها تلك العجوز من طرف شخصيات دينية تتردد على غرفتها البسيطة، وبين ما كان يدور في الجو العام في تلك الفترة، لقد أصبح أسقف باريس يحرك الرأي العام تجاه المسلمين متهماً إياهم بالتواطؤ مع النازية، بحكم منطق استعماري يتهم الإسلام بالتعكير كلما تعكر الجو الدولي بسبب قضية أو أخرى. لم يكن الأمر غريباً عن هذا المنطق تجاهي، بسبب السوابق وما تمليه الظروف الجديدة. واستمرت عجلة الأيام تدور كعادتها، وجاء عيد الميلاد واحتفل الناس برأس السنة كالأعوام الأخرى. وعبر فرانكو نهر (الروبيكون (١)) أعني مضيق جبل طارق على رأس الطابور الريفي، وأسدل الستار على مأساة الحبشة، وارتاح الضمير الأوربي من صرخات (النجاشي)، ولم يبق على وجه الخريطة شبر أرض غير ملون بأحد ألوان السيطرة الأوربية. واحتارت الباريسيات القائمات بشؤون منزلهن في أمر رئيس الحكومة (لافال)، هل يباركن في حياته مثل زوجي بسبب سياسته الاقتصادية التي أرخصت المعيشة، حتى أصبحت تشتري زجاجة

стр. 353

الزيت بثلاثة فرنكات، أم يلعنّه بسبب مساندته للاستعمار الإيطالي؟ في ذلك الجو الذي بدأت تجتمع فيه القوى السياسية التي ستكون (الجبهة الشعبية). لا أدري في أية منزلة من منازل صعوده كان نجم هتلر في تلك الفترة، غير أن العالم أصبح صندوق صدى لهتافات الجماهير الألمانية له، وأصبح كل من يقرأ صحيفة الصباح يردد في حديثه كلمات (ويلهيلمشتراسه).- وزارة الخارجية- وحروف (د. ن. ب) عنوان شركة الأنباء التي أذاعت أمواجها بلاغات (غوبلز) عن حريق (الريشتاخ)، وعن إلغاء معاهدة فرساي بالنسبة إلى تسليح ألمانيا، وعلى كل حدث هام من السلسلة التي ستقود العالم إلى الحرب العالمية الثانية. بينما كانت فرنسا تتأهب للانتخابات العامة التي سيكون لها أثر كبير في الاتجاه السياسي بالجزائر، بعد ظهور (الجبهة الشعبية) في مظاهراتها الصاخبة بميدان (البستيل) يوم ١٤ تموز (يوليو) ١٩٣٦؛ لقد استطاعت بعدها الحركة (المصالية) أن تعبر البحر الأبيض المتوسط، من الشاطئ الشمالي إلى الشاطئ الجزائري، لأن زعيمها (مصالي حاج) أسهم في تلك المظاهرة الفرنسية. وهكذا بدأت الجزائر تدخل في عهد جديد. وكان الحي اللاتيني بمثابة صدى العالم، يردد لنا أصداء كل هذه التغيرات التي كان لها أثر خاص على أعصاب (علي بن أحمد)، بينما يفرق البوليس الملاكمات التي تنشأ على الرصيف، بين الطلبة اليساريين المنتمين لـ (الجبهة الشعبية)، والطلبة اليمينيين المنادين بسقوطها على الرصيف الآخر. وفي هذه الأثناء وصل إلى باريس وفد من علماء الأزهر من أجل تحضير شهادة الدكتوراه تحت إشراف أساتذة الصربون، ومعهم بعثة من طلاب جامعة القاهرة لتحضير شهادات أخرى، وأتيح لي ولحمودة بن الساعي أن نتعرف على

стр. 354

هؤلاء الطلبة وأولئك العلماء- ومن بينهم الشيخ (التاج) والشيخ (دراز) ﵀ بمقهى الهجار، كما أتيح لي ولصديقي أن نساعد هؤلاء الوافدين في خطواتهم الأولى في اللغة الفرنسية، وأخذت منهم في الوقت نفسه ما يفيدني من معلومات عن الحياة في الشرق، حتى بالنسبة لشروط الانتساب إلى المعاهد الأزهرية، لأنني لم ألق البتة بفكرة الهجرة إلى الشرق عرض الحائط، فبقيت تخامرني فترة بوصفي مهندساً ينشئ هناك إحدى الصناعات، وأخرى طالباً أزهرياً يبحث في مناهج التفسير. وافتتح كعادته في شهر أيار (معرض باريس) وفيه يعرض أصحاب المصانع الصغرى، كل ما ابتكروه تلك السنة من الأدوات المنزلية إلى أجهزة الراديو، وكنت في تلك الفترة مهتماً بشمعة توليع محرك البنزين، يهمني تعويض الشمعة التي تؤدي خدمتها شهرين أو ثلاثة، بشمعة تدوم دوام حياة المحرك. وأعتقد، بعد ثلاثين سنة، أن المسألة لا زالت تستحق الاهتمام، غير أنني تركتها في الطريق الذي نشرت على حافته كثيراً من الأحلام. وكانت الصحافة الوطنية تعدنا كل أسبوع بحصتنا من الفرح والابتهاج، أو من السخط والاستنكار، حسب عنوان المقال أو اسم الجريدة. فتصل هكذا أنباء الوطن كتموجات صغيرة تموت على رصيف الحي اللاتيني. وإذا بموجة عارمة تكاد، ذات يوم، تلقي (علي بن أحمد) على قفاه فوق الرصيف، فصرخ: - يا للخيانة! .. يا للخونة! .. بينما يلتفت إليه المارة الفرنسيون متسائلين، عن الخائن الذي يشير هذا الرجل إليه، وهو يلوح بجريدة في يده فوق الرصيف، فأتى (حمودة بن الساعي) ليخبرني بالأمر، فبادرني: - إنها النجاسة! .. إنها النجاسة! ...

стр. 355

ويده تلوح بجريدة (اتحادية النواب)، فاطلعت على المقال المتهم؛ قطعاً لم تهزني بعد قضية دار (البا) قبل خمس سنوات، صدمة مثل التي هزتني ذلك اليوم، منذ قرأت عنوان المقال (أنا فرنسا) ورأيت اسم صاحبه (فرحات عباس). ولا شك أن الصدمة كانت كبيرة في الوطن، حسب الأنباء التي تواردت علينا، فرد الشيخ (عبد الحميد بن باديس) على (الزعيم) في مجلة (الشهاب)، رداً لم يسكن ثورة (علي بن أحمد)، ولم يشبع انتظارنا، فاتفق الرأي أثناء ندوة خاطفة انعقدت ببيتي، على أن أحرر باللغة الفرنسية رداً في جريدة الأمين العمودي (الدفاع). ولأول مرة في حياتي، واجهت عملية توليد الفعل في مقالة اخترت لها عنواناً (مثقفون أم مُثيقِفون؟) نحت فيه المفردة الثانية، في لحظة سانحة، حربةً أرشقها بكل جهدي في كبرياء وبلادة (الزعيم) معاً، لأنني كنت على وعي تام، مع (حمودة بن الساعي) بالمهزلة التي بدأت في الجزائر، ومن الاختلاس الكبير الذي بدأت خيوطه تظهر على مسرحنا السياسي منذ ظهرت عليه (اتحادية النواب)، كما كنت أدرك أن الصراع لم يكن صراع أفكار، وإنما صراع مصالح تشرف عليه السلطات العليا، متظاهرة بمقاومته أحياناً، عندما تعلن غضبها على هذا (العدو لفرنسا) أو ذاك، حتى يرى الشعب المغرور في تلك (العداوات) بطولات توجب عليه السمع والطاعة لأصحابها. كانت هذه حالتي النفسية أثناء تحرير المقال، عندما انتهيت منه في الليلة نفسها، وأيقظت زوجي لأقرأه عليها، قالت: - لا أعتقد أنه من تحريرك، بل أراه من وحي السماء. فعلاً لا زلت أتذكر إلى اليوم، أنني صببت في سطوره الجحيم الذي كان بين
следующие страницы →