وذكر في (التهذيب) في الرواة عنه: محدوجا ,وهو مجهول كما سبق وعمر بن عمير بن محدوج ولم أجد له ترجمة.
وبالجملة: فكل من روى عن جسرة غير معروف بالعدالة - حاشا أفلت- فيكف تجعل روايته عنها توثيقا لها. نعم قد صرح بتوثيقها العجلي وابن حبان حيث ذكرها في (الثقات) وتساهله في التوثيق وكذا العجلي معروف لدى من يتبع كلامهما في الرواة المختلف فيهم.
ولذلك ترى الحافظ لم يعتمد على توثيقهما بالرغم من نقله ذلك عنهما في (التهذيب) فقال في (التقريب):
(إنها مقبولة).
يعني أن حديثها ضعيف إذا تفردت كما ذكر في المقدمة وهو قوله:
(السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله وإليه الإشارة بلفظ: (مقبول) حيث يتابع وإلا فلين الحديث).
ومما سبق بيانه تعلم أن قول الشوكاني أن الحديث صحيح تبعا لابن خزيمة غير صحيح وقوله:
(قال ابن سيد الناس: ولعمري إن التحسين لأقل مراتبه لثقة رواته ووجود الشواهد له من خارج).
ففيه نظر أيضا؛ لأن هذه الشواهد كَلا شواهد؛ لأن مدارها على جسرة كما سبق. فلم يرد الحديث من غير طريقها من وجه مقبول وإلا لذهبنا إليه
стр. 107
نعم رواه ابن حزم من طريق محمد بن الحسن بن زبالة عن سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ لم يكن أذن لأحد أن يجلس في المسجد ولا يمر فيه وهو جنب إلا علي بن أبي طالب.
ثم قال:
(ومحمد بن الحسن مذكور بالكذب وكثير بن زيد مثله)
كذا قال وكثير بن زيد هو الأسلمي السهمي ولم ينحط إلى هذه المنزلة ولم يتهم بالكذب, وإنما هو مختلف فيه وثقه بعضهم وضعفه آخرون وفي (التقريب):
(صدوق يخطئ).
وقال في ابن زبالة:
(كذبوه).
فهو علة الحديث.
والمطلب بن عبد الله هو المخزومي وهو كثير التدليس والإرسال كما قال الحافظ فالحديث مرسل أيضا.
وأخرجه الترمذي والبزار أيضا كما في (تخريج الكشاف) من طريق سالم بن أبي حفصة عن عطية عن أبي سعيد مرفوعا:
(يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك). وقال:
стр. 108
(حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وسمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث فاستغربه).
قلت: وهذا سند ضعيف لأن عطية هو العوفي ضعيف.
وسالم بن أبي حفصة صدوق في الحديث إلا أنه شيعي غال كما في (التقريب) وقال البزار:
(كان شيعيا لكنه لم يترك ولم يتابع على هذا) (١).
ثم رواه البزار من رواية الحسن بن زياد عن خارجة بن سعد عن أبيه سعد مثله سواء وقال:
(لا نعلمه عن سعد إلا بهذا الإسناد).
قلت: والحسن بن زياد هو اللؤلؤي تلميذ أبي حنيفة وقد كذبه جماعة الأئمة كابن معين وغيره
فتبين مما تقدم أنه لا يثبت أي حديث في تحريم دخول الحائض وكذا الجنب إلى المسجد والأصل الجواز فلا ينقل عنه إلا بناقل صحيح تقوم به الحجة. لا سيما وقد صح ما يؤيد هذا الأصل وهو قوله ﵊ المذكور في الاصل: (ناوليني الخمرة من المسجد) وغيره مما يأتي:
قال ابن حزم:
стр. 109
(وجائز للحائض والنفساء أن يتزوجا وأن يدخلا المسجد وكذلك الجنب؛ لأنه لم يأتي نهي عن شيء من ذلك وقد قال ﷺ : (المؤمن لا ينجس) وقد كان أهل الصفة يبيتون في المسجد بحضرة رسول الله ﷺ وهم جماعة كثيرة ولا شك في أن فيهم من يحتلم فما نهوا قط عن ذلك.
وقال قوم: لا يدخل المسجد الجنب والحائض إلا مجتازين. هذا قول الشافعي وذكروا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء / ٤٣] فادعوا أن زيد بن أسلم أو غيره قال: معناه: لا تقربوا مواضع الصلاة.
قال ابن حزم: ولا حجة في قول زيد ولو صح أنه قاله لكان خطأ منه لأنه لا يجوز أن يظن أن الله تعالى أراد أن يقول: لا تقربوا مواضع الصلاة. فيلبس علينا قوله فيقول: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ وروي أن الآية في الصلاة نفسها عن علي بن أبي طالب وابن عباس وجماعة.
وقال مالك: لا يمر فيه أصلا.
وقال أبو حنيفة وسفيان: لا يمرا فيه فإن اضطرا إلى ذلك تيمما ثم مرا فيه واحتج من منع ذلك بحديث. . .)
قلت: فساق حديث عائشة وأم سلمة والمطلب بن عبد الله المتقدم آنفا وقال:
(وهذا كله باطل).
стр. 110
ثم بين عللها بنحو ما سبق ثم ما روى من طريق البخاري بسنده عن عائشة أم المؤمنين:
أن وليدة سوداء كانت لحي من العرب فأعتقوها فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت فكان لها خباء في المسجد أو حفش. قال ابن حزم:
(فهذه امرأة ساكنة في مسجد النبي ﷺ والمعهود من النساء الحيض فما منعها ﵊ من ذلك ولا نهى عنه وكل ما لم ينه ﵊ عنه فمباح). قال:
(ولو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض لأخبر بذلك ﵊ عائشة إذ حاضت فلم ينهها إلا عن الطواف بالبيت فقط ومن الباطل المتيقن أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها ﵊ عن ذلك ويقتصر على منعها من الطواف. وهذا قول المزني وداود وغيرهما)
وفي (تفسير القرطبي):
(ورخصت طائفة في دخول الجنب المسجد واحتج بعضهم بقول النبي ﷺ : (المؤمن ليس بنجس) قال ابن المنذر: وبه نقول).
قلت: وتوسط بعضهم فقال بجواز الدخول إذا توضأ ففي (تفسير العماد ابن كثير):
(وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد لما روى هو وسعيد بن منصور في (سننه) بسند صحيح: أن
стр. 111
الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال سعيد بن منصور: ثنا عبد العزيز بن محمد - هو الدراوردي - عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة. وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. والله أعلم).
قلت: ورواه الدارمي من حديث جابر بلفظ:
(كنا نمشي في المسجد ونحن جنب لا نرى بذلك بأسا).
أخرجه من طريق ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عنه.
ورجاله ثقات. لكن ابن أبي ليلى سيء الحفظ.
وأبو الزبير مدلس وقد عنعنه.
وقد رواه عنه هشيم أيضا بنحوه.
أخرجه البيهقي.
ولعل الوضوء مستحب لعمل الصحابة. والله أعلم
وبالجملة فلا دليل على تحريم دخول الحائض وكذا الجنب المسجد والأصل الجواز وقد اقترن به ما يؤيده كما سبق. والله تعالى ولي التوفيق.
[الثمر المستطاب ٢/ ٧٢٨ - ٧٥٥].
стр. 112
إمامة المرأة
قوله: " وعن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء وتقف وسطهن رواه البيهقي "
قلت: في " السنن الكبرى " (١/ ٤٠٨ و٣/ ١٣١) من طريق الحاكم وهو في " المستدرك " (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤) وفيه ليث وهو ابن أبي سليم ومن طريقه عبد الرزاق (٣/ ١٢٦) وابن أبي شيبة (١/ ٢٢٣) دون امامة النساء.
لكن هذه الزيادة تابعه عليها ابن أبي ليلى عن عطاء عن عائشة أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٨٩)
فأحدهما يقوي الآخر ولها طريق أخرى من حديث رائطة الحنفية أن عائشة أمت نسوة في المكتوبة فأمتهن بينهن وسطا
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٤١) والدارقطني (١/ ٤٠٤) والبيهقي (٣/ ١٣١)
وقال النووي في " المجموع " (٤/ ١٩٩):
" إسناده صحيح " كذا قال وأقره الزيلعي في " نصب الراية " (٢/ ٣١) وأما الحافظ فسكت عن إسناده في " التلخيص " (٢/ ٤٢) وهو أقرب فإن رائطة هذه لم أجد لها ترجمة وفي طبقتها ما في " التهذيب ": " رائطة بنت مسلم.
روت عن أبيها وعنها ابنها عبد الله بن الحارث بن أبزى المكي "
стр. 113
وقال الحافظ في " التقريب ": " لا تعرف ".
فمن المحتمل أن تكون هي هذه أو غيرها فأنى لإسنادها الصحة؟
ولها شاهد من رواية حجيرة بنت حصين قالت: " أمتنا أم سلمة في صلاة العصر قامت بيننا "
رواه عبد الرزاق أيضا وابن أبي شيبة (٢/ ٨٨) والبيهقي ورجاله ثقات غير حجيرة هذه فلم أعرفها ومع ذلك صححه النووي أيضا وسكت الحافظ عنه أيضا.
لكن يقويه ما عند ابن أبي شيبة من طريق قتادة عن أم الحسن أنها رأت أم سلمة زوج النبي " ﷺ " تؤم النساء تقوم معهن في صفهن.
قلت: وهذا إسناد صحيح رواته ثقات معروفون من رجال الشيخين غير أم الحسن هذه وهو البصري واسمها خيرة مولاة أم سلمة وقد روى عنها جمع من الثقات ورمز لها في " التهذيب " بأنها ممن روى لها مسلم وذكرها ابن حبان في " الثقات " (٤/ ٢١٦)
وبالجملة فهذه الآثار صالحة للعمل بها ولا سيما وهي مؤيدة بعموم قوله ﷺ : " إنما النساء شقائق الرجال " كما تقدم فيما نقلناه لك من كلام الشوكاني في " السيل الجرار " فتذكره فإنه مهم.
[تمام المنة ص ١٥٣ , ١٥٤].
стр. 114
أين تقف المرأة في الصف ؟
٩١٧ - " أخروهن من حيث أخرهن الله. يعني النساء ".
[السلسلة الضعيفة والموضوعة]
قال ﵀:
لا أصل له مرفوعا. وقد أشار إلى ذلك الحافظ الزيلعي في " نصب الراية " (٢/ ٣٦) بقوله: " حديث غريب مرفوعا. وهو في " مصنف عبد الرزاق "موقوف على ابن مسعود فقال: أخبرنا سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعا، فكانت المرأة (لها الخليل) تلبس القالبين فتقوم عليهما، تقول بهما لخليلها، فألقي عليهن الحيض، فكان ابن مسعود يقول: أخروهن من حيث أخرهن الله. قيل: فما القالبان؟ قال: أرجل من خشب يتخذها النساء يتشرفن الرجال في المساجد، ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في (معجمه) ".
قلت: ورواه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣/ ٣٦ / ٢) من طريق زائدة أيضا عن الأعمش به، إلا أنه لم يذكر أبا معمر في سنده. ثم ذكر الزيلعي أن بعض الجهال (كذا) من فقهاء الحنفية كان يعزوه إلى " مسند رزين " و " دلائل النبوة " للبيهقي. قال: " وقد تتبعته فلم أجده فيه لا مرفوعا ولا موقوفا ".
стр. 115
وأفحش من هذا الخطأ أن بعضهم عزاه للصحيحين كما نبه عليه الزركشي، ونقله السخاوي (٤١) وغيره عنه، ونقل الشيخ علي القاريء في " الموضوعات " عن ابن الهمام أنه قال في شرح الهداية ": لا يثبت رفعه، فضلا عن شهرته، والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود كما في " كشف الخفاء " (١/ ٦٧). قلت: والموقوف صحيح الإسناد، ولكن لا يحتج به لوقفه، والظاهر أن القصة من الإسرائيليات.
ومن العجائب أن الحنفية أقاموا على هذا الحديث مسألة فقهية خالفوا فيها جماهير العلماء، فقالوا: إن المرأة إذا وقفت بجانب الرجل أو تقدمت عليه في الصلاة أفسدت عليه صلاته، وأما المرأة فصلاتها صحيحة، مع أنها هي المعتدية! بل ذهب بعضهم إلى إبطال الصلاة ولو كانت على السدة فوقه محاذية له! وقد استدلوا على ذلك بالأمر في هذا الحديث بتأخيرهن، ولا يدل على ما ذهبوا إليه البتة، وذلك من وجوه:
أولا: أن الحديث موقوف فلا حجة فيه كما سبق.
ثانيا: أن الأمر وإن كان يفيد الوجوب فهو لا يقتضي فساد الصلاة، بل الإثم كما سيأتي عن الحافظ.
ثالثا: أنه لو اقتضى فساد الصلاة فإنما ذلك إذا خالف الرجل الأمر ولم يؤخر المرأة أو لم يتقدم عليها، أما إذا دخل في الصلاة ثم اعتدت المرأة ووقفت بجانبه، أو تقدمت عليه، فلا يدل على بطلان صلاته بوجه من الوجوه، بل لو قيل ببطلان صلاة المرأة في هذه الحالة لم يبعد، لو كان صح رفع الحديث، ومع ذلك فهم لا يقولون ببطلان صلاتها!
стр. 116
وهذا من غرائب أقوال الحنفية التي لا يشهد لصحتها أثر ولا نظر! نعم من السنة أن تتأخر المرأة في الصلاة عن الرجال كما روى البخاري وغيره عن أنس بن مالك قال: " صليت خلف النبي ﷺ ، أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ وأمي أم سليم خلفنا ".
قال الحافظ في " شرحه " (٢/ ١٧٧): " وفيه أن المرأة لا تصف مع الرجل، وأصله ما يخشى من الافتتان بها، فإذا خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور.
وعن الحنفية: تفسد صلاة الرجل دون المرأة، وهو عجيب، وفي توجيهه تعسف، حيث قال قائلهم، دليله قول ابن مسعود هذا، والأمر للوجوب، وحيث ظرف مكان، ولا مكان يجب تأخرهن فيه إلا مكان الصلاة، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل، لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها! وحكاية هذا تغني عن تكلف جوابه. والله المستعان، فقد ثبت النهي عن الصلاة في الثوب المغصوب، وأمر لابسه أن ينزعه، فلو خالف فصلى فيه ولم ينزعه أثم وأجزأته صلاته، فلم لا يقال في الرجل الذي حاذته المرأة ذلك، وأوضح منه لوكان لباب المسجد صفة مملوكة فصلى فيها شخص بغير إذنه مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوة واحدة صحت صلاته وأثم، وكذلك الرجل مع المرأة التي حاذته، ولاسيما إن جاءت بعد أن دخل في الصلاة فصلت بجنبه ".
стр. 117
كِتَابُ اَلْجَنَائِزِ
صفة كفن المرأة
٤٢ - ولا يجوز المغالاة في الكفن ولا الزيادة فيه على الثلاثة لأنه خلاف ما كفن فيه رسول الله ﷺ كما تقدم في المسألة السابقة وفيه إضاعة للمال وهو منهي عنه ولا سيما والحي أولى به قال رسول الله ﷺ :
(صحيح) (إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال).
ويعجبني بهذه المناسبة ما قاله العلامة أو الطيب في (الروضة الندية):
(١/ ١٦٥):
(وليس تكثير الأكفان والمغالاة في أثمانها بمحمود فإنه لولا ورود الشرع به لكان من إضاعة المال لأنه لا ينتفع به الميت ولا يعود نفعه على الحي ورحم الله أبا بكر الصديق حيث قال: (إن الحي أحق بالجديد) لما قيل له عند تعيينه لثوب من أثوابه في كفنه: (إن هذا خلق).
٤٣ - والمرأة في ذلك كالرجل إذ لا دليل على التفريق.
[أحكام الجنائز ص ٨٥].
وأما حديث (حديث ليلى بنت قائف الثقفية قالت: " كنت فيمن غسل أم كلثوم ابنة النبي ﷺ عند وفاتها فكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم
стр. 118
أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر " رواه. أبو داود). ص ١٧٠ ضعيف. رواه أبو داود (٣١٥٧) وأحمد (٦/ ٣٨٠) من طريق نوح ابن حكيم الثقفي - وكان قارئا للقرآن - عن رجل من بني عروة بن مسعود يقال له داود قد ولدته أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ عن ليلى بنت قائف الثقفية به قلت: وهذا سند ضعيف نوح هذا مجهول كما في (التقريب)
[إرواء الغليل ٧٢٣]
زيارة القبور
النساء كالرجال في استحباب زيارة القبور
٧٧٢ - (قوله ﷺ " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الموت " رواه مسلم وللترمذي: " فإنها تذكر الآخرة"). ص ١٧٩
صحيح أخرجه مسلم (٣/ ٦٥) وأبو نعيم في " مستخرجه " (٥/ ٣٧ / ١) والنسائي (١/ ٢٨٦) وابن ماجه (١٥٧٢) وابن أبي شيبة (٤/ ١٣٩) والبيهقي (٤/ ٧٦) وأحمد (٢/ ٤٤١) من حديث أبي هريرة قال: " زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستاذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزورا القبور فإنها تذكر الموت ".
стр. 119
وأما الترمذي فأخرجه (١/ ١٩٦) من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكركم الآخرة ".
ورواه البيهقي أتم منه بلفظ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا ونحن معه قريبا من ألف راكب فقام فصلى ركعتين ثم أقبل علينا وعيناه تذرفان, فقام إليه عمر رضى الله عنه ففداه بالأب والأم وقال له: مالك يا رسول الله! قال: قال إني استأذنت ربي في استغفاري لأمي فلم يأذن لي فبكيت لها رحمة لها من النار وإنى كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولتزدكم زيارتها خيرا ".
وكذا رواه أحمد (٥/ ٣٥٥) من طريق زهير عن زبيد بن الحارث اليامي عن محارب بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه به والزيادة لأحمد وكذا البيهقي في رواية وإسناده صحيح على شرط مسلم وقد أخرجه في صحيحه (٣/ ٦٥، ٥/ ٨٢) إلا أنه لم يسق لفظه وإنما أحال على لفظ آخر مختصر قبله من طريق أبي سنان وهو ضرار بن مرة عن محارب بن دثار به. وهكذا رواه النسائي (١/ ٢٨٥) وأحمد أيضا (٥/ ٣٥٠) بلفظ: " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ".
وفي رواية لأحمد (٥/ ٣٥٦ - ٣٥٧) من طريق أيوب بن جابر عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن بريدة عن أبيه قال: " خرجت مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بودان قال: مكانكم حتى آتيكم فانطلق ثم جاءنا وهو سقيم فقال: إني أتيت قبر أم محمد. . . " الحديث نحوه.
стр. 120
وأيوب هذا ضعيف لكن تابعه سفيان (وهو الثوري) عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: " لما فتح رسول الله ﷺ " مكة أتى حرم قبر فجلس إليه فجلس (الأصل: فجعل) كهيئة المخاطب وجلس الناس حوله فقام وهو يبكى فتلقاه عمر - وكان من أجرأ الناس عليه فقال: بأبي أنت وأمي يارسول الله ما الذي أبكاك؟ قال: هذا قبر أمي سألت ربي الزيارة فأذن لي وسألته الاستغفار فلم يأذن لي فذكرتها فذرفت نفسي فبكيت قال: فلم ير يوما كان أكثر باكيا منه يومئذ ".
أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٣٩): حدثنا محمد بن عبد الله الاسدي عن سفيان به.
قلت: وهذا سند صحيح على شرط مسلم أيضا إلا الاسدي هذا هو ثقة كما قال ابن معين وأبو داود وغيرهما ولم يتفرد به فقد أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٩، ٣٦١) من طريق أبي جناب عن سليمان بن بريدة عن أبيه: أن رسول الله ﷺ غزا غزوة الفتح فخرج يمشي إلى القبور حتى إذا أتى إلى أدناها جلس إليه كأنه يكلم انسانا. . . " الحديث نحوه. ورجاله ثقات غير أن أبا جناب هذا واسمه يحيى بن أبي حية قال الحافظ في " التقريب ": " ضعفوه لكثرة تدليسه ". وسليمان بن بريدة قد تابعه أخوه عبد الله وعنه سلمة بن كهيل بلفظ: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن في زيارتها عظة وعبرة "
أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٦) من طريق محمد بن إسحاق عن سلمة به. ورجاله ثقات لولا عنعنة ابن اسحاق. لكنه لم يتفرد به فقد أخرجه النسائي (١/ ٢٨٦) من طريق أخرى عن المغيرة بن سبيع حدثني عبد الله بن بريدة به بلفظ: ". . . فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرا ".
стр. 121
والمغيرة هذا ثقة وكذلك بقية الرجال فالسند صحيح.
[إرواء الغليل ٧٧٢].
١١٨ - وتشرع زيارة القبور للاتعاظ بها وتذكر الاخرة شريطة أن لا يقول عندها ما يغضب الرب سبجانه وتعالى كدعاء المقبور والاستغاثة به من دون الله تعالى، أو تزكيته والقطع له بالجنة، ونحو ذلك، وفيه أحاديث.
الأول: عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله (ص): (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، [فإنها تذكركم الاخرة]، [ولتزدكم زيارتها خيرا]، [فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجرا]). أخرجه مسلم (٥٣/ ٦، ٦/ ٨٢) وأبو داود (٢/ ٧٢، ١٣١) ومن طريقة البيهقي (٤/ ٧٧) والنسائي (١/ ٢٨٥، ٢٨٦، ٢/ ٣٢٩، ٣٣٠) وأحمد (٥/ ٣٥٠، ٣٥٥، ٣٥٦، ٣٦١).
والزيادة الأولى والثانية له، ولأبي داود الأولى بنحوها وللنسائي الثانية والثالثة.
قال النووي ﵀ في (المجموع) (٥/ ٣١٠): والهجر: الكلام الباطل، وكان النهي أولا لقرب عهدهم من الجاهلية فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل، فلما استقرت قواعد الاسلام، وتمهدت أحكامه، واشتهرت معالمه أبيح لهم الزيارة، واحتاط (ص) بقوله: (ولا تقولوا هجرا).
قلت: ولا يخفي أن ما يفعله العامة وغيرهم عند الزيارة من دعاء الميت والاستغاثة به وسؤال الله بحقه لهو من أكبر الهجر والقول الباطل، فعلى العلماء أن يبينوا لهم حكم الله في ذلك، ويفهموهم الزيارة المشروعة والغاية منها.
стр. 122
وقد قال الصنعاني في (سبل السلام) (٢/ ١٦٢) عقب أحاديث في الزيارة والحكمة منها: (الكل دال على مشروعية زيارة القبور وبيان الحكمه فيها، وأنها للاعتبار - ... ، فإذا خلت من هذه لم تكن مرادة شرعا).
الثاني: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): (إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة.
[ولا تقولوا ما يسخط الرب]).
أخرجه أحمد (٣/ ٣٨، ٦٣، ٦٦) والحاكم (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥) وعنه البيهقي (٤/ ٧٧) ثم قال: (صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
ورواه البزار أيضا والزيادة له كما في (مجمع الهيثمي) (٣/ ٥٨) وقال: (وإسناده رجاله رجال الصحيح).
قلت: وهي عند أحمد بنحوها من طريق أخرى، وإسنادها لا بأس به في المتابعات، ولها شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ البزار أخرجه الطبراني في (المعجم الصغير) (ص ١٨٣) ورجاله موثقون.
الثالث: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص):
(كنت نهتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الاخرة، ولا تقولوا هجرا).
أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٦) بسند حسن، ثم رواه (١/ ٣٧٥، ٣٧٦) وأحمد (٣/ ٢٣٧ ٢٥٠) من طريق أخرى عنه بنحوه، وفيه ضعف.
وفي الباب عن أبي هريرة ﵁، وسيأتي.
стр. 123
١١٩ - والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور، لوجوه:
الأول: عموم قوله (ص) ( .. فزوروا القبور) فيدخل فيه النساء.
وبيانه: أن النبي (ص) لما نهى عن زيارة القبور في أول الأمر.
فلا شك أن النهي كان شاملا للرجال والنساء معا، فلما قال (كنت نهيتكم عن زيارة القبور) كان مفهوما أنه كان يعني الجنسين ضرورة أنه يخبرهم عما كان في أول الأمر من نهي الجنسين، فإذا كان الأمر كذلك، كان لزاما أن الخطاب في الجملة الثانية من الحديث وهو قوله: (فزوروها) إنما أراد به الجنسين أيضا.
ويؤيده أن الخطاب في بقية الأفعال المذكورة في زيادة مسلم في حديث بريدة المتقدم آنفا: (ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا)، أقول: فالخطاب في جميع هذه الافعال موجه إلى الجنسين قطعا، كما هو الشأن في الخطاب الأول: (كنت: نهيتكم)، فإذا قيل بأن الخطاب في قوله (فزوروها) خاص بالرجال، اختل نظام الكلام وذهبت طراوته، الامر الذي لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم، ومن هو أفصح من نطق بالضاد، ﷺ ، ويزيده تأييدا الوجوه الآتية:
الثاني: مشاركتهن الرجال في العلة التي من أجلها شرعت زيارة القبور: (فإنها ترق القلب وتدمع العين) وتذكر الآخرة).
الثالث: أن النبي (ص) قد رخص لهن في زيارة القبور، في حديثين حفظتهما لنا أم المؤمنين عائشة ﵂:
стр. 124
١ - عن عبد الله بن أبي مليكة: (أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله (ص) نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم: ثم أمر بزيارتها).
وفي رواية عنها (أن رسول الله (ص) رخص في زيارة القبور).
أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٦) وعنه البيهقي (٤/ ٧٨) من طريق بسطام بن مسلم عن أبي التياح يزيد بن حميد عن عبد الله بن أبي مليكة، والرواية الأخرى لابن ماجه (١/ ٤٧٥) قلت: سكت عنه الحاكم، وقال الذهبي (صحيح)، وقال البوصيري في (الزوائد) (٩٨٨/ ١): (إسناده صحيح رجاله ثقات).
وهو كما قالا.
وقال الحافظ العراقي في (تخريج الاحياء) (٤/ ٤١٨): (رواه ابن أبي الدنيا في (القبور) والحاكم بإسناد جيد) (١)
стр. 125
٢ - عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما: ألا أحدثكم عني وعن أمي؟ فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال: قالت عائشة: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله (ص)؟ قلنا: بلى: قالت:
(لما كانت ليلتي المتي كان النبي (ص) فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظهر أنه قد رقدت، فأخذ رداءه رويدا، وانتعل رويدا، وفتح الباب [رويدا]، فخرج، ثم أجافه رويدا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت: وتقنعت إزاري (١)، ثم انطلقت على اثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، وأسرع فأسرعت.
فهرول فهرولت.
стр. 126
فأحضر فأحضرت، فسبقته، فدخلت، فليس إلا أن اضجعت، فدخل فقال، مالك يا عائش (١) حشيا (٢) رابية؟ قالت: قلت: لا شئ [يا رسول الله]، قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته [الخبر]، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم، فلهزني في صدري لهزة (٣) ... أوجعتي، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله!؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، [قال]: نعم قال: فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني - فأخفاه منك، فأجبته، فأخفيته منك، ولم يكن ليدخل عليك، وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك ,وخشيت أن تستوحشي - فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون).
أخرجه مسلم (٣/ ١٤) والسياق له والنسائي (١/ ٢٨٦ /، ٢/ ١٦٠، ١٦٠ - ١٦١) وأحمد (٦/ ٢٢١) والزيادات له إلا الأولى والثالثة فإنها للنسائي (٤).
стр. 127
_________
=والنهي إنما كان في أول الامر في مكة، ونحن نجزم بهذا وإن كنا لا نعرف تاريخا يؤيد ذلك، لأن الاستنتاج الصحيح يشهد له، وذلك من قوله صل الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم) إذ لا يعقل في مثل هذا النهي أن يشرع في العهد المدني، دون العهد المكي الذي كان أكثر ما شرع فيه من الأحكام إنما هو فيما يتعلق بالتوحيد والعقيدة، والنهي عن الزيارة من هذا القبيل لأنه من باب سد الذرائع، وتشريعه إنما يناسب العهد المكي لان الناس كانوا فيه، حديتي عهد بالإسلام، وعهدهم بالشرك قريبا، فنهاهم ﷺ عن الزيارة لكي لا تكون ذريعة إلى الشرك، حتى إذا استقر التوحيد في قلوبهم، وعرفوا ما ينافيه من أنواع الشرك أذن لهم الزيارة، وأما أن يدعهم طيلة العهد المكي على عادتهم في الزيارة، ثم ينهاهم عنها في المدينة فهو بعيد جدا عن حكمة التشريح، ولهذا جزمنا بأن النهي إنما كان تشريعه في مكة، فإذا كان كذلك فأذنه لعائشة بالزيارة في المدينة دليل واضح على ما ذكرنا، فتأمله فانه شئ انقدح في النفس، ولم أر من شرحه على هذا الوجه، فان أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.
وأما استدلال صاحب رسالة (وصية شرعية) على ذلك بقوله (ص ٢٦): (وقد أقر الرسول ﷺ ابنته فاطمة ﵂ على زيارة قبر عمها حمزة ﵁.
فهو استدلال باطل، لأن الإقرار المذكور لا أصل له في شئ من كتب السنة، وما أظنة إلا وهما من المؤلف، فإن المروي عنها ﵂ إنما هو زيارة فقط ليس في ذكر للاقرار المزعوم أصلا، ومع ذلك فلا يثبت ذلك عنها، فإنه من رواية سليمان بن داود عن جعفر بن محمد عن أبيه على بن الحسين عن أبيه أن فاطمة بنت النبي صلي الله عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده.
هكذا أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٧) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٧٨) وقال: (كذا قال، وقد قيل عن سليمان بن داود عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه دون ذكر على بن الحسين عن أبيه فيه، فهو منقطع).
وقال الحاكم: (رواته عن آخرهم ثقات)! ورده الذهبي بقوله:
(قلت: هذا منكر جدا، وسليمان ضعيف).
قلت: وأنا أظنه سليمان بن داود بن قيس الفراء المدني، قال أبو حاتم (شيخ لا أفهمه فقط كما ينبغي) وقال الأزدي: (تكلم فيه) ولهذا أورده الذهبي في (الضعفاه)، وحكى
стр. 128
الرابع: إقرار النبي (ص) المرأة التي رآها عند القبر في حديث أنس ﵁: (مر رسول الله (ص) بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال لها: اتقي الله واصبري .. ) رواه البخاري وغيره، وقد مضى بتمامه في المسألة (١٩) (ص ٢٢)، وترجم له (باب زيارة القبور).
قال الحافظ في (الفتح): وموضع الدلالة منه أنه (ص) لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة).
وقال العيني في (العمدة) (٣/ ٧٦): (وفيه جواز زيارة القبور مطلقا، سواء كان الزائر رجلا أو امرأة: وسواء كان المزور مسلما أو كافرا، لعدم الفصل في ذلك).
стр. 129
وذكر نحوه الحافظ أيضا في آخر كلامه على الحديث فقال عقب قوله (لعدم الاستفصال في ذلك): (قال النووي: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب الحاوي: لا تجوز زيارة قبر الكافر وهو غلط (١).انتهى).
وما دل عليه الحديث من جواز زيارة المرأة هو المتبادر من الحديث، ولكن إنما يتم ذلك إذا كانت القصة لم تقع قبل النهي، وهذا هو الظاهر، إذا تذكرنا ما أسلفناه من بيان أن النهي كان في مكة، وأن القصة رواها أنس وهو مدني جاءت به أمه أم سليم إلى النبي (ص) حين قدم المدينة، وأنس ابن عشر سنين، فتكون القصة مدنية، فثبت أنها بعد النهي.
فتم الاستدلال بها على الجواز، وأما قول ابن القيم في (تهذيب السنن) (٤/ ٣٥٠): (وتقوى الله، فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها النهي عن الزيارة).
فصحيح لو كان عند المرأة علم بنهي النساء عن الزيارة وأنه استمر ولم ينسخ، فحينئذ يثبت قوله: (ومن جملتها النهي عن الزيارة) أما وهذا غير معروف لدينا فهو استدلال غير صحيح، ويؤيده أنه لو كان النهي لا يزال مستمرا لنهاها رسول الله (ص) عن الزيارة صراحة وبين ذلك لها، ولم يكتف بأمرها بتقوى الله بصورة عامة، وهذا ظاهر إن شاء الله تعالى.
١٢٠ - لكن لا يجوز لهن الاكثار من زيارة القبور والتردد عليها، لان ذلك قد يفضي بهن إلى مخالفة الشريعة، من مثل الصياح والتبرج واتخاذ القبور مجالس للنزهة، وتضييع الوقت في الكلام الفارغ، كما هو مشاهد
стр. 130
اليوم في بعض، البلاد الاسلامية، وهذا هو المراد - إن شاء الله - بالحديث المشهور: (لعن رسول الله (ص) (وفي لفظ: لعن الله) زوارات القبور).
وقد روي عن جماعة من الصحابة: أبو هريرة، حسان بن ثابت، وعبد الله ابن عباس.
١ - أما حديث أبي هريرة، فهو من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه عنه.
أخرجه الترمذي (٢/ ١٥٦ - تحفة) وابن ماجه (١/ ٤٧٨) وابن حبان (٧٨٩) والبيهقي (٤/ ٧٨) والطيالسي (١/ ١٧١ - ترتيبه) وأحمد (٢/ ٣٣٧)، واللفظ الاخر للطيالسي والبيهقي، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح، وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي في زيارة القبور.
فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء.
وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور في النساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن).
قلت: ورجال إسناد الحديث ثقات كلهم، غير أن في عمر بن أبي سلمة كلاما لعل حديثه لا ينزل به عن مرتبة الحسن، لكن حديثه هذا صحيح لما له من الشواهد الآتية.
٢ - وأما حديث حسان بن ثابت، فهو من طريق عبد الرحمن بن بهمان عن عبد الرحمن بن ثابث عن أبيه به.
стр. 131
أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٤١) وابن ماجه (١/ ٤٧٨) والحاكم (١/ ٣٧٤) والبيهقي وأحمد (٢/ ٢٤٣) وقال البوصيري في (الزوائد) (ق ٩٨/ ٢): (إسناده صحيح، رجاله ثقات).
كذا قال، وابن بهمان هذا لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، وهما معروفان بالتساهل في التوثيق، وقال ابن المديني فيه: (لا نعرفه)، ولذا قال الحافظ في (التقريب): (مقبول) يعني عند المتابعة، ولم أجد له متابعا، لكن الشاهد الذي قبله وبعده في حكم المتابعة، فالحديث مقبول.
٣ - وأما حديث ابن عباس، فهو من طريق أبي صالح عنه باللفظ الاول إلا أنه قال: (زائرات القبور) وفي رواية (زوارات).
أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٤٠) وأصحاب السنن الاربعة وابن حبان (٧٨٨) والحاكم والبيهقي والطيالسي والرواية الاخرى لهما، وأحمد (رقم ٢٠٣٠، ٢٦٠٣، ٢٩٨٦،٣١١٨) وقال الترمذي: (حديث حسن، وأبو صالح هذا مولى أم هاني بنت أبي طالب واسمه باذان، ويقال: باذام).
قلت: وهو ضعيف بل اتهمه بعضهم، وقد أوردت حديثه في (سلسلة الاحاديث الضعيفة) لزيادة تفرد بها فيه، وذكرت بعض أقوال الائمة في حاله فيراجع (٢٢٣).
فقد تبين من تخريج الحديث أن المحفوظ فيه إنما هو بلفظ (زوارات) لاتفاق حديث أبي هريرة وحسان عليه, وكذا حديث ابن عباس في رواية الأكثرين، على ما فيه من ضعف فهي إن لم تصلح للشهادة فلا تضر، كما لا يضر في الاتفاق المذكور الرواية الأخرى من حديث ابن عباس, كما هو
стр. 132
ظاهر، وإذا كان الأمر كذلك فهذا اللفظ (زوارات) إنما يدل على لعن النساء اللاتي يكثرن الزيارة.
بخلاف غيرهن فلا يشملهن اللعن، فلا يجوز حينئذ أن يعارض بهذا الحديث ما سبق من الأحاديث الدالة على استحباب الزيارة للنساء، لأنه خاص وتلك عامة.
فيعمل بكل منهما في محله، فهذا الجمع أولى من دعوى النسخ، وإلى نحو ما ذكرنا ذهب جماعة من العلماء، فقال القرطبي:
(اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج.
وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الاذن لهن، لان تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء).
قال الشوكاني في (نيل الأوطار) (٤/ ٩٥): (وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر) (١). [أحكام الجنائز ص ٢٢٩].
стр. 133
كِتَابُ اَلصِّيَامِ
حكم الحامل والمرضع
٩١٢ - (يقول إبن عباس في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾
ليست بمنسوخة هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم) رواه البخاري.) صحيح.
رواه البخاري في (التفسير) من (صحيحه) (٨/ ١٣٥ - فتح) والدارقطني (٢٥٠) من طريق زكريا بن إسحاق حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء سمع إبن عباس يقول
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ
стр. 134
مِسْكِينٍ﴾ قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعما مكان كل يوم مسكينا).
ورواه النسائي (١/ ٣١٨ - ٣١٩) من طريق ورقاء عن عمرو بن دينار به نحوه ولفظه: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ يكلفونه ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ طعام مسكين آخر ليست بمنسوخة ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لا يرخص في هذا إلا للذي لا يطيق الصيام أو مريض لا يشفى).
قلت: وإسناده صحيح. ورواه الدارقطني (٢٤٩) وقال: (إسناده صحيح ثابت) وأخرجه إبن جرير في تفسيره (٣/ ٤٣١ / ٢٧٧٨) عن ابن أبى نجيح عن عمرو بن دينار به مثل رواية ورقاء مع بعض اختصار.
قلت: وإسناده صحيح أيضا. ثم رواه بسند مثله عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقول: ليست بمنسوخة.
ثم أخرج هو (٢٧٥٢، ٢٧٥٣) وإبن الجارود في (المنتقى) (٣٨١) والبيهقي (٤/ ٢٣٠) من طرق عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعما كل يوم مسكينا ولا قضاء عليهما ثم نسخ ذلك في هذه الاية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة لذا كانا لا يطيقان الصوم والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكينا).
ورواه أبو داود (٢٣١٨) من طريق إبن أبي عدي عن سعيد به إلا أنه اختصره اختصارا مخلا ولفظه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ
стр. 135
مِسْكِينٍ﴾ قال: كانت رخصته للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا والحبلى والمرضع إذا خافتا - قال أبو داود: يعنى على أولادهما - أفطرتا وأطعمتا).
ووجه الاخلال أنه اختصر جملة (وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم) فصارت الرواية تعطي الترخيص للشيخ والمرأة بالإفطار وهما يطيقان الصوم والواقع أن هذا منسوخ بدليل رواية الجماعة عن ابن عروبة وما قبلها من الروايات! وإسناد هذه الرواية صحيح على شرط الشيخين وأما رواية أبي داود فهي شاذة وقد وقع فيها (عروة) بدل (عزرة) وهو تصحيف بدليل رواية الجماعة وأيضا فقد رواه البيهقي من طريق أبي داود فقال (عزرة) على الصواب. وقد تصحف هذا الاسم أيضا في تفسير الطبري من الطبعة الأولى كما نبه عليه محققه الأستاذ الفاضل محمود ومحمد شاكر في تعليقه عليه طبعة دار المعارف بمصر, ثم تصحف أيضا في أحد الموضعين المشار إليهما من هذه الطبعة (٢٧٥٣)! ومن روايات الحديث ما عند الطبري (٢٧٥٨) من طريق عبدة وهو ابن سليمان الكلابي عن سعيد بن أبي عروبة بسنده المتقدم عن ابن عباس قال: (إذا خافت الحامل على نفسها والمرضع على ولدها في رمضان قال: يفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكينا ولا يقضيان صوما).
قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم. وفي رواية له بالسند المذكور عن إبن عباس: (أنه رأى أم ولد له حاملا أو مرضعا فقال: أنت بمنزلة الذي لا يطيق عليك أن تطعمي مكان كل يوم مسكينا ولا قضاء عليك). زاد في رواية أخرى (٢٧٦١) عن سعيد به: أن هذا إذا خافت
стр. 136
على نفسها). واه الدارقطني (٢٥٠) من طريق روح عن سعيد به بلفظ: (أنت من الذين لا يطيقون الصيام عليك الجزاء وليس عليك القضاء).
وقال الدارقطني: (إسناده صحيح). ثم روى من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن إبن عباس وإبن عمر قال:
(الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي). وقال: (وهذا صحيح).
قلت: ورواه إبن جرير (٢٧٦٠) من طريق علي بن ثابت عن نافع عن ابن عمر مثل قول ابن عباس في الحامل والمرضع.
قلت: وسنده صحيح ولم يسق لفظه وقد رواه الدارقطني من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر: (أن امرأته سألته وهي حبلى فقال: أفطري وأطعمي عن كل يوم مسكينا ولا تقضى). وإسناده جيد ومن طريق عبيد الله عن نافع قال: (كانت بنت لابن عمر تحت رجل من قريش وكانت حاملا فأصابها عطش في رمضان فأمرها إبن عمر أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكينا). وإسناده صحيح.
ومنها ما عند الدارقطني وصححه من طريق منصور عن مجاهد عن ابن عباس قرأ: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) يقول: (هو الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام فيفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا نصف صاع من حنطة). وأخرجه (٢٤٩) من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: (إذا عجز الشيخ الكبير عن الصيام أطعم عن كل يوم مدا مدا).
وقال: (إسناد صحيح).
ومن شواهد الحديث: عن معاذ بن جبل قال: (أما أحوال الصيام فان رسول الله ﷺ قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة
стр. 137
أيام وصيام يوم عاشوراء ثم إن الله فرض عليه الصيام فانزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فاجزى ذلك عنه ثم إن الله أنزل الآية الاخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فاثبت الله صيامه على المقيم الصحيح, ورخص فيه للمريض وللمسافر وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام. فهذان حولان. . .) الحديث.
أخرجه أبو داود (٥٠٧) وإبن جرير (٢٧٣٣) والحاكم (٢/ ٧٧٤) والسياق له والبيهقي (٤/ ٢٠٠) وأحمد (٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧) من طريق المسعودي: حدثني عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل. وقال الحاكم: (صحيح الاسناد). وافقه الذهبي.
قلت: وفيه نظر فإن المسعودي كان اختلط ثم إنه منقطع وبه أعله البيهقي فقال عقبه: (هذا مرسل عبد الرحمن لم يدرك معاذ بن جبل). وبه أعله البيهقي. وبذلك أعله الدارقطني والمنذري.
وقد ذكرت كلامهما في (صحيح أبي داود) (رقم ٥٢٤).
لكن قد جاء بعضه من طريق غير المسعودي فراجع المصدر المذكور. ومنها: عن قتادة أن أنسا ضعف قبل موته فافطر وأمر أهله أن يطعموا مكان كل يوم مسكينا. أخرجه الدارقطني بسند صحيح
стр. 138
وأخرج من طريق أخرى عن أنس نحوه ولفظه: (عن أنس بن مالك أنه ضعف عن الصوم عاما فصنع جفنة ثريد ودعا ثلاثين مسكينا فاشبعهم) وسنده صحيح أيضا. وعلق البخاري بنحوه.
وعن مالك عن نافع أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها فقال: (تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من حنطة). أخرجه الشافعي (١/ ٢٦٦) ومن طريق البيهقي (٤/ ٢٣٠) وهو في (الموطا) (١/ ٣٠٨ / ٥٢) بلاغا أن عبد الله بن عمر سئل. . .
وعن أبي هريرة قال: (من أدركه الكبر فلم يستطع أن يصوم رمضان فعليه لكل يوم مد من قمح) أخرجه الدارقطني وفيه عبد الله بن صالح وفيه ضعف.
(تنبيه): استدل المؤلف رحمه الله تعالى بحديث إبن عباس هذا على أن العاجز عن الصيام لكبر أو مرض مزمن يطعم عن كل يوم مسكينا وهذا صحيح يشهد له حديث إبن عمر وأبي هريرة. غير أن في قول إبن عباس في هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ... ﴾ ليست منسوخة, وأن المراد بها الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصيام إشكالا كبيرا ذلك لأن معنى ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي يستطيعون بمشقة, فكيف تفسر حينئذ بأن المراد بها من لا يستطيع الصيام. لا سيما وابن عباس نفسه يذكر في رواية عزرة أن الآية نزلت في الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان أي يستطيعان الصوم ثم نسخت فكيف تفسر الآية بتفسيرين متناقضين (يستطيعون) و (لا يستطيعون)؟!
وأيضا فقد جاء عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: (لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر
стр. 139
ويفتدي [فعل] حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها). أخرجه الستة إلا ابن ماجه وفي رواية عنه قال:
(كنا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أخرجه مسلم. ويشهد له حديث معاذ المتقدم.
فهذا يبين لنا أن في حديث ابن عباس إشكالا آخر وهو أنه يقول: أن الرخصة التي كانت في أول الأمر إنما كانت للشيخ أو الشيخة وهما يطيقان الصيام وحديث سلمة ومعاذ يدلان على أن الرخصة كانت عامة لكل مكلف شيخا أو غيره. وهذا هو الصواب قطعا لأن الآية عامة فلعل ذكر إبن عباس للشيخ والشيخة لم يكن منه على سبيل الحصر بل التمثيل وحينئذ فلا اختلاف بين حديثه والحديثين المذكورين.
ويبقى الخلاف في الإشكال الأول قائما لأن الحديثين المشار إليهما صريحان في نسخ الآية. وابن عباس يقول ليست بمنسوخة ويحملها على الذين لا يستطيعون الصيام كما سبق بيانه! فلعل مراد إبن عباس ﵁ أن حكم الفدية الذي كان خاصا بمن يطيق الصوم ويستطيعه ثم نسخ بدلالة القرآن كان هذا الحكم مقررا أيضا في حق من لا يطيق الصوم ولا يستطيعه, غير أن الأول ثبت بالقرآن وبه نسخ, وأما الآخر فإنما ثبتت مشروعيته بألسنة لا بالقرآن ثم لم ينسخ, بل استمرت مشروعيته إلى يوم القيامة فأراد ابن عباس ﵁ أن يخبر عن الفرق بين الحكمين: بأن الأول نسخ والآخر لم ينسخ ولم يرد أن هذا يثبت بالقرآن بآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾؛ وبذلك يزول الإشكال إن شاء الله تعالى.
стр. 140
ويؤيد ما ذكرته أن ابن عباس - في رواية عزرة - بعد أن ذكر نسخ الآية المذكورة قال: (وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكينا).
ففى قوله: (ثبت) إشعار بأن هذا الحكم في حق من لا يطيق الصوم كان مشروعا كما كان مشروعا في حق من يطيق الصوم فنسخ هذا واستمر الآخر وكل من شرعيته واستمراره إنما عرفه ابن عباس من السنة وليس من القرآن. ويزيده تأييدا أن ابن عباس أثبت هذا الحكم للحبلى والمرضع لذا خافتا. ومن الظاهر جدا أنهما ليسا كالشيخ والشيخة في عدم الاستطاعة بل إنهما مستطيعتان ولذلك قال لأم ولد له أو مرضع.: (أنت بمنزلة الذي لا يطيق) كما سبق. فمن أين أعطاهما ابن عباس هذا الحكم مع تصريحه بان الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ منسوخة ذلك من السنة بلا ريب.
ويشهد لما سبق ذكره حديث معاذ فانه بعد أن أفاد نسخ الآية المذكورة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال: (فاثبت الله صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام).
فقد أشار بقوله (وثبت الإطعام) إلى مثل ما أشار إليه حديث إبن عباس. وبذلك يلتقي الحديثان حديث معاذ وسلمة مع حديث ابن عباس ويتبين أن في حديثه ما يوافق الحديثين, وفيه ما يوافق حديث معاذ ويزيد على حديث سلمة وهو ثبوت الإطعام على العاجز عن الصيام فاتفقت الأحاديث ولم تختلف والحمد لله على توفيقه.
وإذا عرفت هذا فهو خير مما ذكره الحافظ في (الفتح) (٤/ ١٦٤): (أن ابن عباس ذهب إلى أن الآية المذكورة محكمة, لكنها مخصوصة
стр. 141
بالشيخ الكبير). لما عرفت أن ابن عباس صرح بأن الآية منسوخة لكن حكمها منسحب إلى العاجز عن الصيام بدليل السنة لا الكتاب لما سبق بيانه وقد توهم كثيرون أن ابن عباس يخالف الجمهور الذين ذهبوا إلى نسخ الآية وانتصر لهم الحافظ ابن حجر في (الفتح) فقال (٨/ ١٣٦) تعليقا على رواية البخاري عن ابن عمر أنه قرأ ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: (هو صريح في دعوى النسخ ورجحه إبن المنذر من جهة قوله ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال له ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مع أنه لا يطيق الصيام).
قلت: وهذه حجة قاطعة فيما ذكر وهو يشير بذلك إلى الرد على ابن عباس ومثله لا يخفى عليه مثلها, ولكن القوم نظروا إلى ظاهر الرواية المتقدمة عن ابن عباس عند البخاري الصريحة في نفي النسخ ولم يتأملوا في الرواية الأخرى الصريحة في النسخ ثم لم يحاولوا التوفيق بينهما وقد فعلنا ذلك بما سبق تفصيله.
وخلاصته: أن يحمل النفي على نفي نسخ الحكم لا الآية والحكم مأخوذ من السنة ويحمل النسخ عليها. وبذلك يتبين أن ابن عباس ﵁ ليس مخالفا للجمهور. وهذا الجمع مما لم أقف عليه في كتاب فإن كان صوابا فمن الله, وإن كان خطا فمن نفسي. واستغفر الله من كل ما لا يرضيه.
[إرواء الغليل ٤/ ٢٢]
стр. 142
اعتكاف المرأة
إباحة اعتكاف المرأة وزيارتها زوجها في المسجد:
ويجوز للمرأة أن تزور زوجها وهو في معتكفه وأن يودعها إلى باب المسجد لقول صفية ﵂:
" كان النبي ﷺ معتكفا (في المسجد في العشر الأواخر من رمضان) فأتيته أزوره ليلا (وعنده أزواجه فرحن) فحدثته (ساعة) ثم قمت لأنقلب (فقال: لا تعجلي حتى أنصرف معك) فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد (حتى إذا كان عند باب المسجد الذي عند باب أم سلمة) فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال النبي ﷺ : (على رسلكما إنها صفية بنت حيي فقالا: سبحان الله يا رسول الله قال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا أو قال: شيئا أخرجه الشيخان وأبو داود والزيادة الأخيرة له وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (٢١٣٣ و٢١٣٤)]
بل يجوز لها أن تعتكف مع زوجها أو لوحدها لقول عائشة ﵂:
(اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة مستحاضة (وفي رواية أنها أم سلمة) من أزواجه فكانت ترى الحمرة والصفرة فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي) [(٦١: رواه البخاري وهو مخرج في
стр. 143
" صحيح أبي داود " (٢١٣٨) والرواية الأخرى لسعيد بن منصور كما في " الفتح " (٤/ ٢٨١) لكن سماها الدارمي (١/ ٢٢: (زينب). والله أعلم]
وقال أيضا:
(كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده) [(٦٢: أخرجه الشيخان وغيرهما وسبق تخريجه (ص ٣٥) التعليق رقم (٢)]
قلت: وفيه دليل على جواز اعتكاف النساء أيضا ولا شك أن ذلك مقيد بإذن أوليائهن بذلك وأمن الفتنة والخلوة مع الرجال للأدلة الكثيرة في ذلك والقاعدة الفقهية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
[قيام رمضان ص ٣٩]
стр. 144
كِتَابُ اَلزَّكَاةُ
هل في الحلي زكاة ؟
٢٩٧٨ - " يا فاطمة! (هي بنت قيس) إن الحق [ ] لم يبق لك شيئا. قاله صلىالله عليه وسلم لها حين قالت: خذ من طوقي الذهبي ما فرض الله ".
[الصحيحة]
قال ﵀:
أخرجه أبو الشيخ في جزئه " انتقاء ابن مردويه " (٨٣/ ٣٠ - طبع الرشد)، قال:
حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث حدثنا محمد بن المغيرة حدثنا النعمان حدثنا أبو بكر: أخبرني شعيب بن الحباب عن الشعبي قال: سمعت فاطمة بنت قيس ﵂ تقول: أتيت النبي ﷺ بطوق فيه سبعون مثقالا من ذهب، فقلت: يا رسول الله! خذ منه الفريضة التي جعل الله فيه. قالت: فأخذ رسول الله ﷺ مثقالا وثلاثة أرباع مثقال، فوجهه. قالت: فقلت:
يا رسول الله! خذ منه الذي جعل الله فيه. قالت: فقسم رسول الله على هذه الأصناف الستة، وعلى غيرهم، فقال: فذكره. [قالت:] قلت: يا رسول الله! رضيت لنفسي ما رضي الله به ورسوله. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات من رجال " التهذيب " إلى (النعمان) وهو ابن عبد السلام الأصبهاني.
стр. 145
وأما الراوي عنه محمد بن المغيرة فهو الأصبهاني صاحب النعمان، ترجمه أبو الشيخ في " طبقات الأصبهانيين " (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤) وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " (٢/ ١٨٥ - ١٨٦) برواية جمع من الثقات عنه، وذكرا أنه كان صاحب عبادة وتهجد، صحب النعمان، وسمع عامة أصوله، توفي سنة (٢٣١)، وذكره ابن حبان في " الثقات " (٦/ ١٠٥). وأما شيخ أبي الشيخ (إبراهيم بن محمد بن الحارث)، فقد ترجمه أبو الشيخ في " الطبقات " أيضا (٢/ ١٣٦) وكذا أبو نعيم (١/ ١٨٨ - ١٨٩)، حدث عنه أبو بكر البرذعي ومحمد بن يحيى بن منده، سمع من سعيد بن منصور وذهب سماعه، وكان عنده كتب النعمان عن محمد بن المغيرة.
قال أبو الشيخ: " وحضرت مجلسه فجاء أبو بكر البزار، فأخرج إليه كتب النعمان، فانتخب عليه، وكتب عنه عن أبيه ". قال: " وكتبنا عنه من الغرائب ما لم نكتب إلا عنه ". ثم ساق له حديثا واحدا، وهو أبو إسحاق، يعرف بـ (ابن نائلة)، من أهل المدينة، و (نائلة) أمه، وساق له أبو نعيم أحاديث أخرى، عن شيوخ سبعة له عنه، منهم الطبراني، وله في " المعجم الأوسط " أربعة أحاديث (٣٠٨١ - ٣٠٨٤ - بترقيمي) وآخر في " المعجم الصغير " رقم (٢٧٥ - الروض النضير). توفي سنة (٢٩١).
قلت: وفي الحديث دلالة صريحة على أنه كان معروفا في عهد النبي ﷺ وجوب الزكاة على حلي النساء، وذلك بعد أن أمر ﷺ بها في غير ما حديث صحيح كنت ذكرت بعضها في" آداب الزفاف "، ولذلك جاءت فاطمة بنت قيس ﵂ بطوقها إلى النبي ﷺ ليأخذ زكاتها منه، فليضم هذا الحديث إلى تلك،