بالشيخ الكبير). لما عرفت أن ابن عباس صرح بأن الآية منسوخة لكن حكمها منسحب إلى العاجز عن الصيام بدليل السنة لا الكتاب لما سبق بيانه وقد توهم كثيرون أن ابن عباس يخالف الجمهور الذين ذهبوا إلى نسخ الآية وانتصر لهم الحافظ ابن حجر في (الفتح) فقال (٨/ ١٣٦) تعليقا على رواية البخاري عن ابن عمر أنه قرأ ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: (هو صريح في دعوى النسخ ورجحه إبن المنذر من جهة قوله ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال له ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مع أنه لا يطيق الصيام).
قلت: وهذه حجة قاطعة فيما ذكر وهو يشير بذلك إلى الرد على ابن عباس ومثله لا يخفى عليه مثلها, ولكن القوم نظروا إلى ظاهر الرواية المتقدمة عن ابن عباس عند البخاري الصريحة في نفي النسخ ولم يتأملوا في الرواية الأخرى الصريحة في النسخ ثم لم يحاولوا التوفيق بينهما وقد فعلنا ذلك بما سبق تفصيله.
وخلاصته: أن يحمل النفي على نفي نسخ الحكم لا الآية والحكم مأخوذ من السنة ويحمل النسخ عليها. وبذلك يتبين أن ابن عباس ﵁ ليس مخالفا للجمهور. وهذا الجمع مما لم أقف عليه في كتاب فإن كان صوابا فمن الله, وإن كان خطا فمن نفسي. واستغفر الله من كل ما لا يرضيه.
[إرواء الغليل ٤/ ٢٢]
стр. 142
اعتكاف المرأة
إباحة اعتكاف المرأة وزيارتها زوجها في المسجد:
ويجوز للمرأة أن تزور زوجها وهو في معتكفه وأن يودعها إلى باب المسجد لقول صفية ﵂:
" كان النبي ﷺ معتكفا (في المسجد في العشر الأواخر من رمضان) فأتيته أزوره ليلا (وعنده أزواجه فرحن) فحدثته (ساعة) ثم قمت لأنقلب (فقال: لا تعجلي حتى أنصرف معك) فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد (حتى إذا كان عند باب المسجد الذي عند باب أم سلمة) فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال النبي ﷺ : (على رسلكما إنها صفية بنت حيي فقالا: سبحان الله يا رسول الله قال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا أو قال: شيئا أخرجه الشيخان وأبو داود والزيادة الأخيرة له وهو مخرج في " صحيح أبي داود " (٢١٣٣ و٢١٣٤)]
بل يجوز لها أن تعتكف مع زوجها أو لوحدها لقول عائشة ﵂:
(اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة مستحاضة (وفي رواية أنها أم سلمة) من أزواجه فكانت ترى الحمرة والصفرة فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي) [(٦١: رواه البخاري وهو مخرج في
стр. 143
" صحيح أبي داود " (٢١٣٨) والرواية الأخرى لسعيد بن منصور كما في " الفتح " (٤/ ٢٨١) لكن سماها الدارمي (١/ ٢٢: (زينب). والله أعلم]
وقال أيضا:
(كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده) [(٦٢: أخرجه الشيخان وغيرهما وسبق تخريجه (ص ٣٥) التعليق رقم (٢)]
قلت: وفيه دليل على جواز اعتكاف النساء أيضا ولا شك أن ذلك مقيد بإذن أوليائهن بذلك وأمن الفتنة والخلوة مع الرجال للأدلة الكثيرة في ذلك والقاعدة الفقهية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
[قيام رمضان ص ٣٩]
стр. 144
كِتَابُ اَلزَّكَاةُ
هل في الحلي زكاة ؟
٢٩٧٨ - " يا فاطمة! (هي بنت قيس) إن الحق [ ] لم يبق لك شيئا. قاله صلىالله عليه وسلم لها حين قالت: خذ من طوقي الذهبي ما فرض الله ".
[الصحيحة]
قال ﵀:
أخرجه أبو الشيخ في جزئه " انتقاء ابن مردويه " (٨٣/ ٣٠ - طبع الرشد)، قال:
حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث حدثنا محمد بن المغيرة حدثنا النعمان حدثنا أبو بكر: أخبرني شعيب بن الحباب عن الشعبي قال: سمعت فاطمة بنت قيس ﵂ تقول: أتيت النبي ﷺ بطوق فيه سبعون مثقالا من ذهب، فقلت: يا رسول الله! خذ منه الفريضة التي جعل الله فيه. قالت: فأخذ رسول الله ﷺ مثقالا وثلاثة أرباع مثقال، فوجهه. قالت: فقلت:
يا رسول الله! خذ منه الذي جعل الله فيه. قالت: فقسم رسول الله على هذه الأصناف الستة، وعلى غيرهم، فقال: فذكره. [قالت:] قلت: يا رسول الله! رضيت لنفسي ما رضي الله به ورسوله. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات من رجال " التهذيب " إلى (النعمان) وهو ابن عبد السلام الأصبهاني.
стр. 145
وأما الراوي عنه محمد بن المغيرة فهو الأصبهاني صاحب النعمان، ترجمه أبو الشيخ في " طبقات الأصبهانيين " (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤) وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " (٢/ ١٨٥ - ١٨٦) برواية جمع من الثقات عنه، وذكرا أنه كان صاحب عبادة وتهجد، صحب النعمان، وسمع عامة أصوله، توفي سنة (٢٣١)، وذكره ابن حبان في " الثقات " (٦/ ١٠٥). وأما شيخ أبي الشيخ (إبراهيم بن محمد بن الحارث)، فقد ترجمه أبو الشيخ في " الطبقات " أيضا (٢/ ١٣٦) وكذا أبو نعيم (١/ ١٨٨ - ١٨٩)، حدث عنه أبو بكر البرذعي ومحمد بن يحيى بن منده، سمع من سعيد بن منصور وذهب سماعه، وكان عنده كتب النعمان عن محمد بن المغيرة.
قال أبو الشيخ: " وحضرت مجلسه فجاء أبو بكر البزار، فأخرج إليه كتب النعمان، فانتخب عليه، وكتب عنه عن أبيه ". قال: " وكتبنا عنه من الغرائب ما لم نكتب إلا عنه ". ثم ساق له حديثا واحدا، وهو أبو إسحاق، يعرف بـ (ابن نائلة)، من أهل المدينة، و (نائلة) أمه، وساق له أبو نعيم أحاديث أخرى، عن شيوخ سبعة له عنه، منهم الطبراني، وله في " المعجم الأوسط " أربعة أحاديث (٣٠٨١ - ٣٠٨٤ - بترقيمي) وآخر في " المعجم الصغير " رقم (٢٧٥ - الروض النضير). توفي سنة (٢٩١).
قلت: وفي الحديث دلالة صريحة على أنه كان معروفا في عهد النبي ﷺ وجوب الزكاة على حلي النساء، وذلك بعد أن أمر ﷺ بها في غير ما حديث صحيح كنت ذكرت بعضها في" آداب الزفاف "، ولذلك جاءت فاطمة بنت قيس ﵂ بطوقها إلى النبي ﷺ ليأخذ زكاتها منه، فليضم هذا الحديث إلى تلك،
стр. 146
لعل في ذلك ما يقنع الذين لا يزالون يفتون بعدم وجوب الزكاة على الحلي، فيحرمون بذلك الفقراء من بعض حقهم في أموال زكاة الأغنياء! وقد يحتج به بعضهم على جواز الذهب المحلق للنساء، والجواب هو الجواب المذكور في الأحاديث المشار إليها آنفا، فراجعه إن شئت في " الآداب ". على أن هذا ليس فيه أنها تطوق به، بخلاف بعض تلك الأحاديث، فيحتمل أن فاطمة ﵂ كان قد بلغها الحكمان:
النهي عن طوق الذهب، فانتهت منه، ووجوب الزكاة، فبادرت إلى النبي ﷺ ليأخذ منه الزكاة، وهذا هو اللائق بها وبدينها ﵂.
تنبيه بخصوص حديث:
جابر " ليس في الحلي زكاة " رواه. الطبراني) ص ١٩٥. باطل. أخرجه ابن الجوزي في " التحقيق " (١/ ١٩٦ / ١ - ٢) من طريق إبراهيم بن أيوب قال: حدثنا عافية بن أيوب عن ليث بن سعد عن أبي الزبير من جبر مرفوما به. وقال: " قالوا عافية ضعيف قلنا: ما عرفنا أحدا طعن فيه "
قلت: كذا قال ولا يخفى ما فيه من التسامح في النقد فإن للمخالف أن يقول له: (فهل علمت أحدا وثقه فإنه لا يلزم من عدم معرفة الراوي بطعن أنه ثقة فإن بين ذلك منزلة أخرى وهي الجهالة؟! " وهذا ظاهر بين. وقد ذكر الزيلعي في " نصب الراية " (٢/ ٣٧٤) هذا الحديث من طريق ابن الجوزي ثم لم يذكر كلام ابن الجوزي المذكور مشيرا إلى أنه غير مرض عنده وأيد ذلك بقوله: " قال البيهقي في " المعرفة ": (قلت: فذكر الحديث من طريق عافية) فباطل لا (أصل له إنما يروى عن جابر من قوله
стр. 147
وعافية بن أيوب مجهول فمن احتج به مرفرعا كان معزرا بذنبه وداخلا فيما نعيب به المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين. انتهى.
وقال الشيخ في " الإمام ": ورأيت بخط شيخنا المنذري ﵀: وعافية بن أيوب لم يبلغني فيه ما يوجب تضعيفه. قال الشيخ: ويحتاج من يحتج به إلى ذكر ما يوجب تعديله. انتهى ".
قلت: وكلام الشيخ - وهو ابن دقيق العيد - أعدل ما رأيت من الكلام فيه فلا بد لمن احتج به أن يثبت توثيق عافبة ويبدو أن ذلك من غير الممكن فقد جرى كل من وقفت على كلامه في هذا الحديث على أنه مجهول ولم يأت بما يثبت توثيقه.
ولكني رأيت ابن أبي حاتم قال في " الجرح والتعديل " (٣/ ٢ / ٤٤): " سئل أبو زرعة عن عافية بن أيوب؟ فقال: هو مصري ليس به بأس ". ولذلك قال الحافظ في (اللسان) عقب قول أبي زرعة هذا: " فليس هذا بمجهول ". وهذا هو الصواب وفيه رد على الذهبي في قوله: " تكلم فيه ما هو بحجة وفيه جهالة ". فكأنه لم يقف - كغيره - على توثيق أبي زرعة المذكور وهو إمام حجة لا مناص من التسليم لقوله. ولكن هل يصير الحديث بذلك صحيحا؟ والجواب: لا فإن في سنده. علة أخرى فإنه من إبراهيم بن أيوب الراوي له عن عافية فقد ذكره أبو العرب في " الضعفاء " ونقل عن أبي الطاهر أحمد بن محمد بن عثمان المقدسي أنه قال: إبراهيم بن أيوب حوراني ضعيف. قال أبو العرب: وكان أبو الطاهر من أهل النقد والمعرفة بالحديث بمصر وقال أبو حاتم: لا أعرفه ".
فهذا هي علة الحديث؛ وإن الباحث المدقق ليعجب من ذهول كل من تكلم على الحديث عنها وانصرافهم إلى تعليله بما ليس بعلة قادحة. وذلك
стр. 148
كله مصداق لقول القائل: " كم ترك الأول للآخر. وللحديث علة أخرى وهي الوقف فقال ابن أبي شيبة (٤/ ٤٧): عبدة بن سليمان عن عبد الملك عنه أبي الزبير عن جابر قال: لا زكاة في الحلي. قلت: إنه يكون فيه ألف دينار؟ قال: يعار ويلبس"
قلت: وهذا سند صحيح على شرط مسلم وأبو الزبير قد صرح بالسماع وقد تابعه عمرو بن دينار قال: " سمعت رجلا يسأل جابر بن عبد الله عنه الحلي: أفيه الزكاة؟ فقال جابر: لا فقال: وإن كان يبلغ ألف دينار؟ فقال جابر: كثير ".
أخرجه الشافعي (١/ ٢٣٩) وأبو عبيد (٤٤٢/ ١٢٧٥) وإسنادهما صحيح على شرط الشيخين, وأخرجه الدارقطني (٢٠٥) من طريق أبي حمزة عن الشعبي عن جابر قال: " ليس في الحلي زكاة "
وبهذا السند عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ قال: (في الحلي زكاة). وقال الدارقطني: (أبو حمزة هذا ميمون ضعيف الحديث.
قلت: فتبين مما تقدم أن الحديث رفعه خطأ وأن الصواب وفقه على جابر. وأن في الباب ما يخالفه وهو حديث فاطمة بنت قيس مرفوعا وهو وإن كان ضعيف الإسناد فقد جاءت له شواهد قوية تشهد له بالصحة أذكر بعضها:
١ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " أتت امرأة من أهل اليمن رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها في يدها مسكتان من
стр. 149
ذهب فقال: هل تعطين زكاة هذا؟ قالت: لا قال: أيسرك أن يسورك الله بهما بسوارين من نار؟ ".
أخرجه أبو داود (١٥٦٣) والنسائي (١/ ٣٤٣) والترمذي (١/ ١٢٤) وأبو عبيد (٤٣٩/ ١٢٦٠) وابن أبي شيبة (٤/ ٢٧) والبيهقي (٤/ ١٤٠) وأحمد (٢/ ١٧٨، ٢٠٤، ٢٠٨) من طرق عن عمرو به. قلت: وإسناده إلى عمرو عند أبي داود والنسائي وأبي عبيد جيد وصححه ابن القطان كما في " نصب الراية " (٢/ ٣٧٠).
٢ - عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: " دخلنا على عائشة زوج النبي ﷺ فقالت: دخل على رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله قال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا أو ما شاء الله قال: هو حسبك من النار ".
أخرجه أبو داود (١٥٦٥) والدارقطني (٢٠٥) والحاكم (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠) والبيهقي (٤/ ١٣٩) عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عبد الله بن شداد. وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
وكلام الشيخ ابن دقيق العيد في " الإمام) على ما نقله الزيلعي (٢/ ٣٧١) يشعر أنه على شرط مسلم فقط فقد قال: " ويحيى بن أيوب (أحد رواته) أخرج له مسلم. . والحديث على شرط مسلم ". ويحيى بن أيوب هو الغافقي أبو العباس المصري وقد أخرج له البخاري أيضا.
стр. 150
هذا ومحمد بن عمرو بن عطاء ثقة أيضا محتج به في الصحيحين وقد وقع في سند الدارقطني (محمد بن عطاء) منسوبا إلى جده فقال فيه: " مجهول " وتبعه على ذلك ابن الجوزي في " التحقيق " (١/ ١٩٨ / ١) وهو ذهول منهما رده الأئمة من بعدهما كالزيلعي والعسقلاني وغيرهما.
(تنبيه على أوهام):
١ - عزا المؤلف حديث الباب إلى الطبراني وذلك وهم منه أو ممن نقله عنه فليس الحديث عند الطبراني ولم أجد أحدا غيره عزاه إليه ولا أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد ". وقد سبق للمؤلف مثل هذا الوهم في الحديث (٤٨) فراجعه إن شئت.
٢ و ٣ - عزاه السيوطي في " الجامع الكبير " (٢/ ١٥٤ / ٢) الدارقطني عن جابر وفاطمة بنت قيس. وفيه وهمان: الأول: أن حديث جابر ليس مرفوعا عند الدارقطني كما رأيت. الثاني: أن حديث فاطمة لفظه عنده " في الحلي زكاة " ليس فيه " ليس " فهو في إثبات الزكاة لا في نفيها وكذلك عزاه في " نصب الراية " (٢/ ٣٧٣) للدارقطني.
[إرواء الغليل ٨١٧]
стр. 151
عدم عطية المرأة إلا بإذن زوجها
٢٥٧١ - " إذا ملك الرجل المرأة لم تجز عطيتها إلا بإذنه ".
[الصحيحة]
قال ﵀:
أخرجه الطيالسي (ص ٢٩٩ رقم ٢٦٦٧): حدثنا حماد حدثنا حبيب المعلم عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، وهذا سند حسن. وورد بلفظ: "
لا يجوز لامرأة "، وقد مضى برقم (٨٢٥) مع بعض الشواهد. ثم وجدت له شاهدا قويا آخر، وكان ذلك من دواعي إعادته هنا، وهو ما أخرجه عبد الرزاق في " مصنفه " (٩/ ١٢٥ / ١٦٦٠٧) عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يجوز لامرأة شيء في مالها إلا بإذن زوجها إذا هو ملك عصمتها ". قلت: وهذا إسناد صحيح مرسل، فهو شاهد قوي لأحاديث الباب الموصولة.
ثم رواه عن رجل عن عكرمة مرسلا نحوه. واعلم أن هذا الحديث قد عمل به قوم من السلف كما حكاه الطحاوي في " شرح المعاني " (٢/ ٤٠٣) ورواه ابن حزم في " المحلى " (٨/ ٣١٠ - ٣١١) عن أنس بن مالك وأبي هريرة وطاووس والحسن ومجاهد، قال: " وهو قول الليث بن سعد، فلم يجز لذات الزوج عتقا، ولا حكمافي صداقها، ولا غيره إلا بإذن زوجها، إلا الشيء اليسير الذي لابد لها منه في صلة رحم، أو ما يتقرب به إلى الله ".
стр. 152
ثم ذكر أقوال العلماء الآخرين مع مناقشة أدلتهم، واختار هو جواز تصرف المرأة في مالها دون إذن زوجها. وساق في تأييد ذلك بعض الأحاديث الصحيحة, كحديث ابن عباس الذي فيه أن النبي ﷺ أمر النساء في خطبة العيد بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي الخاتم والخرص والشيء. ولا حجة في شيء من ذلك، لأنها وقائع أعيان يحتمل كل منها وجها لا يتعارض مع حديث الترجمة، وما في معناه عند إمعان النظر، فتأمل معي إلى حديث ابن عباس هذا مثلا، فإن فيه التصريح بأن تصدقهن كان تنفيذا لأمر النبي ﷺ ، فلو فرض أنهن لم يكن مأذونا لهن بالتصدق من أزواجهن، بل فرض نهيهم إياهن عن الصدقة، ثم أمرهم ﷺ بها، فهل من قائل بأن نهيهم مقدم على أمره ﷺ ، مع أنه لا نهي منهم، كل مافي الأمر أن النبي ﷺ نهى النساء أن يتصدقن بغير إذن أزواجهن، فإذا أمرهن بالتصدق في مناسبة ما، فلا شك حينئذ أن هذا الأمر يكون مخصصا لنهيهم، هذا لو فرض تقدمه على الأمر ولا دليل على ذلك. والحقيقة أن ابن حزم معذور فيما ذهب إليه؛ لأنه هو الأصل الذي تدل عليه النصوص التي ذكرها، ولو أن حديث الترجمة وما في معناه صح عنده لبادر إلى العمل بها لأنها تضمنت زيادة حكم على الأصل المشار إليه. ولكنه ﵀ أعل الحديث بأنه صحيفة منقطعة.
وهذا خلاف ما عليه جماهير علماء الحديث، وفي مقدمتهم الإمام أحمد من الاحتجاج بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأنه موصول، وأما جوابه عنه بأنه لو صح منسوخ فقد عرفت الجواب عنه، ثم كيف ينسخ الجزء الكل، أي الخاص العام؟! ثم إن هذا الحديث جهله و
стр. 153
تجاهله جل الدعاة اليوم الذين يتحدثون عن حقوق المرأة في الإسلام، ليس لأنه ترجح لديهم مذهب المخالفين له، بل لأن هذا المذهب يوافق ما عليه الكفار، فيريدون تقريب الإسلام إليهم بأنه جاء بما يوافقهم في تصرف المرأة في مالها، وهم يعلمون أن ذلك لا ينفعهم فتيلا، لأنهم يسمحون لها أن تتصرف أيضا في غير مالها، فهي تزوج نفسها بنفسها، بل وأن تتخذ أخدانا لها!!
وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].
стр. 154
كِتَابُ اَلْحَجِّ
ما يجوز فعله للمحرمة وما لا يجوز
قال ﵀:
وأما المرأة فلا تنزع شيئا من لباسها المشروع إلا أنها لا تشد على وجهها النقاب (١) والبرقع أواللثام أوالمنديل ولا تلبس القفازين (٢) وقد قال ﷺ :
" لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين " (٣) ويجوز للمرأة أن تستر وجهها بشيء كالخمار أوالجلباب تلقيه على رأسها وتسدله على وجهها. وإن كان يمس الوجه على الصحيح ولكنها لا تشده عليها كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى.
[مناسك الحج ص١٢]
стр. 155
عمرة الحائض
١٩٨٤ - " طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك ". ... [الصحيحة]
قال ﵀:
أخرجه مسلم (٤/ ٣٤) وأبو داود (١٨٩٧) عن عبد الله بن أبي نجيح عن عطاء- وقال مسلم: عن مجاهد - عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها:
فذكره. لفظ عطاء، ولفظ مجاهد: أنها حاضت بـ (سرف)، فتطهرت بعرفة، فقال لها رسول الله ﷺ : " يجزيء عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك ". ثم أخرج مسلم وأحمد (٦/ ١٢٤) من طريق عبد الله بن طاووس عن أبيه عن عائشة " أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم (النفر): " يسعك طوافك لحجك وعمرتك ". فأبت، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج ".
قلت: فالعمرة بعد الحج إنما هي للحائض التي لم تتمكن من الإتيان بعمرة الحج بين يدي الحج لأنها حاضت كما علمت من قصة عائشة هذه، فمثلها من النساء إذا أهلَّت بعمرة الحج كما فعلت هي ﵂، ثم حال بينها وبين إتمامها الحيض، فهذه يشرع لها العمرة بعد الحج، فما يفعله اليوم جماهير الحجاج من تفاهتهم على العمرة بعد الحج، مما لا نراه
стр. 156
مشروعا؛ لأن أحدا من الصحابة الذين حجوا معه ﷺ لم يفعلها. بل إنني أري أن هذا من تشبه الرجال بالنساء، بل بالحيض منهن! ولذلك جريت على تسمية هذه العمرة بـ (عمرة الحائض) بيانا للحقيقة.
٢٦٢٦ - " أردف أختك عائشة فأعمرها من التنعيم، فإذا هبطت الأكمة فمرها فلتحرم، فإنهاعمرة متقبلة ". [الصحيحة]
أخرجه الحاكم (٣/ ٤٧٧) من طريق داود بن عبد الرحمن العطار: حدثني عبد الله بن عثمان بن خثيم عن يوسف بن ماهك عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيها أن النبي ﷺ قال له: فذكره. وسكت عنه. وقال الذهبي: " قلت: سنده قوي ".
قلت: وقد أخرجه أحمد أيضا (١/ ١٩٨): حدثنا داود بن مهران الدباغ: حدثنا داود - يعني العطار - به. وأخرجه أبو داود أيضا وغيره وهو في " صحيح أبي داود " برقم (١٥٦٩). وقد أخرجه البخاري (٣/ ٤٧٨) ومسلم (٤/ ٣٥) من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن أبي بكر مختصرا.
وكذلك أخرجاه من حديث عائشة نفسها، وفي رواية لهما عنها قالت: فاعتمرت، فقال:
" هذه مكان عمرتك ". وفي أخرى: بنحوه قال: " مكان عمرتي التي أدركني الحج ولم أحصل منها ". وفي أخرى: " مكان عمرتي التي أمسكت عنها ". وفي أخرى: "جزاء بعمرة الناس التي اعتمروا ". رواها مسلم. وفي ذلك إشارة إلى سبب أمره ﷺ لها بهذه العمرة بعد الحج. وبيان ذلك: أنها كانت أهلت بالعمرة في حجتها مع
стр. 157
النبي ﷺ ، إما ابتداءً أو فسخا للحج إلى العمرة (على الخلاف المعروف)، فلما قدمت (سرف) - مكان قريب من مكة -حاضت، فلم تتمكن من إتمام عمرتها والتحلل منها بالطواف حول البيت، لقوله ﷺ لها - وقد قالت له: إني كنت أهللت بعمرة فكيف أصنع بحجتي؟
قال: - " انقضي رأسك وامتشطي وأمسكي عن العمرة وأهلي بالحج، واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي ولا تصلي حتى تطهري. (وفي رواية: فكوني في حجك، فعسى الله أن يرزقكيها) "، ففعلت، ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمرة، وقال لها ﷺ كما في حديث جابر: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعا "، فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، وذلك يوم النفر، فأبت، وقالت: أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟ وفي رواية عنها: يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد؟ وفي أخرى: يرجع الناس (وعند أحمد (٦/ ٢١٩): صواحبي، وفي أخرى له (٦/ ١٦٥ و٢٦٦): نساؤك) بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة؟ وكان ﷺ رجلا سهلا إذا هويت الشيء تابعها عليه، فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن، فأهلت بعمرة من التنعيم.
فقد تبين مما ذكرنا من هذه الروايات - وكلها صحيحة -أن النبي ﷺ إنما أمرها بالعمرة عقب الحج بديل ما فاتها من عمرة التمتع بسبب حيضها، ولذلك قال العلماء في تفسير قوله ﷺ المتقدم: " هذه مكان عمرتك " أي: العمرة المنفردة التي حصل لغيرها التحلل منها بمكة، ثم أنشأوا الحج مفردا.
стр. 158
إذا عرفت هذا، ظهر لك جليا أن هذه العمرة خاصة بالحائض التي لم تتمكن من إتمام عمرة الحج، فلا تشرع لغيرها من النساء الطاهرات، فضلا عن الرجال.
ومن هنا يظهر السر في إعراض السلف عنها، وتصريح بعضهم بكراهتها، بل إن عائشة نفسها لم يصح عنها العمل بها، فقد كانت إذا حجت تمكث إلى أن يهل المحرم ثم تخرج إلى الجحفة فتحرم منها بعمرة، كما في " مجموع الفتاوى " لابن تيمية (٢٦/ ٩٢). وقد أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " (٤/ ٣٤٤) بمعناه عن سعيد بن المسيب أن عائشة ﵂ كانت تعتمر في آخر ذي الحجة من الجحفة. وإسناده صحيح. وأما ما رواه مسلم (٤/ ٣٦) من طريق مطر: قال أبو الزبير: فكانت عائشة إذا حجت صنعت كما صنعت مع نبي الله ﷺ . ففي ثبوته نظر، لأن مطرا هذا هو الوراق فيه ضعف من قبل حفظه، لاسيما وقد خالفه الليث بن سعد وابن جريج كلاهما عن أبي الزبير عن جابر بقصة عائشة، ولم يذكرا فيها هذا الذي رواه مطر، فهو شاذ أو منكر، فإن صح ذلك فينبغي أن يحمل على ما رواه سعيد بن المسيب، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الاختيارات العلمية " (ص ١١٩): " يكره الخروج من مكة لعمرة تطوع، وذلك بدعة لم يفعله النبي ﷺ ، ولا أصحابه على عهده، لا في رمضان ولا في غيره، ولم يأمر عائشة بها، بل أذن لها بعد المراجعة تطييبا لقلبها، وطوافه بالبيت أفضل من الخروج اتفاقا، ويخرج عند من لم يكرهه على سبيل الجواز ".
وهذا خلاصة ما جاء في بعض أجوبته المذكورة في "مجموع الفتاوى " (٢٦/ ٢٥٢ - ٢٦٣)، ثم قال (٢٦/ ٢٦٤): "
стр. 159
ولهذا كان السلف والأئمة ينهون عن ذلك، فروى سعيد بن منصور في " سننه " عن طاووس - أجل أصحاب ابن عباس - قال: " الذين يعتمرون من التنعيم ما أدري أيؤجرون عليها أم يعذبون؟ قيل: فلم يعذبون؟ قال: لأنه يدع الطواف بالبيت، ويخرج إلى أربعة أميال ويجيء، وإلى أن يجيء من أربعة أميال [يكون] قد طاف مائتي طواف، وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شيء ". وأقره الإمام أحمد. وقال عطاء بن السائب: " اعتمرنا بعد الحج، فعاب ذلك علينا سعيد بن جبير ". وقد أجازها آخرون، لكن لم يفعلوها ... ".
وقال ابن القيم ﵀ في " زاد المعاد " (١/ ٢٤٣): " ولم يكن ﷺ في عمره عمرة واحدة خارجا من مكة كما يفعل كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عمره كلها داخلا إلى مكة، وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاث عشرة سنة، لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجا من مكة في تلك المدة أصلا، فالعمرة التي فعلها رسول الله ﷺ وشرعها فهي عمرة الداخل إلى مكة، لا عمرة من كان بها فيخرج إلى الحل ليعتمر، ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إلا عائشة وحدها من بين سائر من كان معه، لأنها كانت قد أهلت بالعمرة فحاضت، فأمرها فأدخلت الحج على العمرة وصارت قارنة، وأخبرها أن طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة قد وقع عن حجتها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن ترجع صواحباتها بحج وعمرة مستقلين فإنهن كن متمتعات ولم يحضن ولم يقرن، وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها، ولم يعتمر هو من التنعيم في تلك الحجة ولا أحد ممن كان معه " اهـ.
стр. 160
قلت: وقد يشكل على نفيه في آخر كلامه، ما في رواية للبخاري (٣/ ٤٨٣ - ٤٨٤) من طريق أبي نعيم: حدثنا أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة، فذكر القصة -، وفيه: " فدعا عبد الرحمن فقال: اخرج بأختك الحرم فلتهل بعمرة، ثم افرغا من طوافكما ".
لكن أخرجه مسلم (٤/ ٣١ - ٣٢) من طريق إسحاق بن سليمان عن أفلح به، إلا أنه لم يذكر: " ثم افرغا من طوافكما ". وإنما قال: " ثم لتطف بالبيت ". فأخشى أن يكون تثنية الطواف خطأ من أبي نعيم، فقد وجدت له مخالفا آخر عند أبي داود (١/ ٣١٣ - ٣١٤) من رواية خالد - وهو الحذاء - عن أفلح به نحو رواية مسلم، فهذه التثنية شاذة في نقدي لمخالفة أبي نعيم وتفرده بها دون إسحاق بن سليمان وخالد الحذاء وهما ثقتان حجتان. ثم وجدت لهما متابعا آخر وهو أبو بكر الحنفي عند البخاري (٣/ ٣٢٨) وأبي داود.
ويؤيد ذلك أنها لم ترد لفظا ولا معنى في شيء من طرق الحديث عن عائشة، وما أكثرها في " مسند أحمد " (٦/ ٤٣ و ٧٨ و ١١٣ و ١٢٢ و ١٢٤ و ١٦٣ و ١٦٥ و ١٧٧ و ١٩١ و٢١٩ و ٢٣٣ و ٢٤٥ و ٢٦٦ و ٢٧٣) وبعضها في " صحيح البخاري " (٣/ ٢٩٧ و ٣٢٤ و٤٦٤ و ٤٧٧ - ٤٧٨ و ٤٨٢ و ٤/ ٩٩ و ٨/ ٨٤) ومسلم (٤/ ٢٧ - ٣٤) وكذا لم ترد في حديث جابر عند البخاري (٣/ ٤٧٨ - ٤٨٠) ومسلم (٤/ ٣٥ - ٣٦) وأحمد (٣/ ٣٠٩ و ٣٦٦) وكذلك لم ترد في حديث الترجمة لا من الوجه المذكور أولا، ولا من الطريق الأخرى عند الشيخين وغيرهما. نعم في رواية لأحمد (١/ ١٩٨) من طريق ابن أبي نجيح أن أباه حدثه أنه أخبره من سمع عبد الرحمن بن أبي بكر يقول:
стр. 161
قال رسول الله ﷺ ... فذكره نحوه. إلا أنه قال: " فأهلا وأقبلا، وذلك ليلة الصدر "، لكن الواسطة بين أبي نجيح وعبد الرحمن لم يسم، فهو مجهول، فزيادته منكرة، وإن سكت الحافظ في " الفتح " (٣/ ٤٧٩) على زيادته التي في آخره: " وذلك ليلة الصدر "، ولعل ذلك لشواهدها.
والله أعلم.
وجملة القول: أنه لا يوجد ما ينفي قول ابن القيم المتقدم أنه لم يعتمر بعد الحج أحد ممن كان مع النبي ﷺ سوى عائشة، ولذلك لما نقل كلامه مختصرا الحافظ في " الفتح " لم يتعقبه إلا بقوله (٣/ ٤٧٨): " وبعد أن فعلته عائشة بأمره دل على مشروعيته "! ومن تأمل ما سقناه من الروايات الصحيحة، وما فيها من بيان سبب أمره ﷺ إياها بذلك تجلى له يقينا أنه ليس فيه تشريع عام لجميع الحجاج، ولو كان كما توهم الحافظ لبادر الصحابة إلى الإتيان بهذه العمرة في حجته ﷺ وبعدها، فعدم تعبدهم بها، مع كراهة من نص على كراهتها من السلف كما تقدم لأكبر دليل على عدم شرعيتها.
اللهم إلا من أصابها ما أصاب السيدة عائشة ﵂ من المانع من إتمام عمرتها. والله تعالى ولي التوفيق. وإن مما ينبغي التنبه له أن قول ابن القيم المتقدم: " إنما كانت عمره كلها داخلا إلى مكة "، لا ينافيه اعتماره ﷺ من (الجعرانة)، كما توهم البعض لأنها كانت مرجعه من الطائف، فنزلها، ثم قسم غنائم حنين بها، ثم اعتمر منها.
стр. 162
التلبية
قال ﵀:
١٧ - والنساء في التلبية كالرجال لعموم الحديثين السابقين فيرفعن أصواتهن ما لم يخش الفتنة ولأن عائشة كانت ترفع صوتها حتى يسمعها الرجال فقال أبوعطية: سمعت عائشة تقول: إني لأعلم كيف كانت تلبية رسول الله ﷺ ثم سمعتها تلبي بعد ذلك: " لبيك اللهم لبيك. . . " إلخ (١) ... . وقال القاسم بن محمد: خرج معاوية ليلة النفر فسمع صوت تلبية فقال: من هذا؟ قيل: عائشة أم المؤمنين اعتمرت من التنعيم. فذكر ذلك لعائشة فقالت: لوسألني لأخبرته (٢) ... .
حكم تغطية الوجه
١٠٢٢ - قال ﷺ : (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين). رواه أحمد والبخاري). صحيح. وهو قطعة عن حديث ابن عمر المتقدم برقم (١٠١٢).
стр. 163
١٠٢٣ - (ماروي عن أسماء: (أنها تغطيه)). ص ٢٤٦ صحيح. أخرجه مالك (١/ ٣٢٨ / ١٦) عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق).
قلت: وهذا إسناد صحيح. ورواه على بن مسهر عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمشط قبل ذلك في الاحرام). أخرجه الحاكم (١/ ٤٥٤) وقال: (صحيح على شرط الشيخين). ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وله شاهد من حديث عائشة قالت: (المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تتلثم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت). أخرجه البيهقى (٥/ ٤٧) بسند صحيح. قلت: وروى ابن الجارود (٤١٨) عنها مختصرا بلفظ: (تلبس المحرمة ما شاءت إلا البرقع). وفي سنده يزيد ابن أبى زياد وفيه ضعف كما يأتي في الحديث بعده.
[إرواء الغليل]
بحث قيم في هذه المسألة:
فأقول وبالله وحده أستعين:
لم ينطق بكلمة " الإجماع " في هذه المسألة أحد من أهل العلم فيما بلغني وأحاط به علمي إلا هذا الشيخ وما حمله على ذلك إلا شدته وتعصبه لرأيه وإغماضه لعينيه عن كل ما يخالفه من النصوص فإن الخلاف فيها قديم لا يخلو منه كتاب من الكتب المتخصصة في بحث الخلافيات ولو كان
стр. 164
في وقتي متسع لألفت رسالة خاصة أرد فيها ما تيسر لي من أقوالهم في هذه المسألة ,ولكن لا بد لي من أن أنقل هنا بعضها مما يدل على بطلان الإجماع الذي ادعاه.
فأقول:
الأول: قال ابن حزم في كتابه " مراتب الإجماع " (ص ٢٩) ما نصه: واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويديها عورة واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما أعورة هي أم لا؟
وأقره شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى.
الثاني: قال ابن هبيرة الحنبلي في " الإفصاح " (١/ ١١٨ - حلب): واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدها فقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا وجهها وكفيها. وهو قول أحمد في إحدى روايتيه والرواية الأخرى: كلها عورة إلا وجهها خاصة. وهي المشهورة واختارها الخرقي وفاتته رواية ثالثة وهي: أنها كلها عورة حتى ظفرها. كما يأتي مع بيان رد ابن عبد البر لها قريبا.
الثالث: جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة " تأليف لجنة من العلماء منهم الجزيري في بحث حد عورة المرأة (١/ ١٦٧ - الطبعة الثانية): أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي أو امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين فإنهما ليسا بعورة ,فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة "
стр. 165
ثم استثنى من ذلك مذهب الشافعية وفيه نظر ظاهر لما تقدم في " الإفصاح " وغيره مما تقدم ويأتي.
الرابع: قال ابن عبد البر في " التمهيد " (٦/ ٣٦٤) - وقد ذكر أن المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين وأنه قول الأئمة وأصحابهم وقول الأوزاعي وأبي ثور -:
" على هذا أكثر أهل العلم وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: كل شيء من المرأة حتى ظفرها "
ثم قال ابن عبد البر:
هذا خارج عن أقاويل أهل العلم لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله منها تباشر الأرض به وأجمعوا على أنها لا تصلى متنقبة ولا عليها أن تلبس قفازين في الصلاة (١) ... وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك عورة, وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة وقد روي نحو قول أبي بكر هذا عن أحمد بن حنبل (٢).
стр. 166
قلت: وقد كنت نقلت فيما يأتي من الكتاب (ص ٨٩) عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على أن وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله وأنه مذهب الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد فبعض هذه الأقوال من هؤلاء العلماء الكبار كافية لإبطال دعوى الشيخ الإجماع فكيف بها مجتمعة؟ وإذا كان الإمام أحمد يقول فيما صح عنه: " من ادعى الإجماع فهو كاذب وما يدريه لعل الناس اختلفوا؟ ". إذا كان هذا قوله فيمن لا يدري الخلاف فماذا كان يقول يا ترى فيمن يدري الخلاف ثم يدعي الإجماع؟
فإن قيل: فمن أين يكون له أن الشيخ يعلم الخلاف المذكور ومع ذلك فهو يتجاهله ويكابر؟
فأقول: علمت ذلك من كتابه الذي رد عليه ثانيا.
أما الأول فإنه نقل (ص ١٥٧) عن الحافظ ابن كثير: أن الجمهور فسر آية الزينة بالوجه والكفين أعاد ذلك (ص ٢٣٤).
وأما الآخر فقد ذكرت في غير موضع من كتابي من قال من العلماء بخلاف إجماعه المزعوم مثل ابن جرير وابن رشد والنووي ومنهم ابن بطال (١) ... الذي نقلت عنه فيما يأتي في الكتاب (ص ٦٣) أنه استدل بحديث الخثعمية أن ستر المرأة وجهها ليس فرضا.
стр. 167
تأويل الشيخ لكلام العلماء وتعطيله إياه:
فتجاهل الشيخ ذلك كله ولم يتعرض له بجواب اللهم إلا جوابه الذي يؤكد لكل القراء أنه مكابر عنيد وهو قوله (ص ٢٣٦):
إن المذهب الذي نسبه الألباني لأكثر العلماء - ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه - إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليست بحضرة الرجال الأجانب
وقلده في هذا القول جمع ممن يمشي في ركابه كابن خلف في " نظارته " وأخيرا محمد بن إسماعيل الإسكندراني في " عودة الحجاب " (٣/ ٢٢٨) وغيرهما كثير والله المستعان.
ونظرة سريعة في قول ابن بطال المذكور يكفي في إبطال جواب الشيخ هداه الله وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الشيخ خريت ماهر - ولا فخر - في تضليل قرائه وصرفهم عن الاستفادة من أقوال علمائهم بتأويله إياها وإبطال دلالاتها الصريحة تماما كما يفعل أهل الأهواء بتعطيلهم لنصوص الكتاب والسنة وأقوال الأئمة المتعلقة بالأسماء والصفات الإلهية وهذا شيء يعرفه الشيخ منهم فيبدو أنه قد سرت عدواهم إليه - حفظه الله - ولو في مجال الأحكام هداه الله.
وتأكيدا لهذا الذي ذكرت لا يسعني هنا إلا أن أذكر مذاهب الأئمة الذين افترى الشيخ عليهم بتأويله لكلامهم على خلاف مرادهم فأقول:
стр. 168
أولا: مذهب أبي حنيفة:
قال الإمام محمد بن الحسن في " الموطأ " (ص ٢٠٥ بشرح التعليق الممجد - هندية):
ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتستدل الثوب سدلا من فوق خمارها. وهو قول أبي حنيفة والعمامة من فقهائنا.
وقال أبو جعفر الطحاوي في " شرح المعاني " (٢/ ٣٩٢ - ٣):
أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﷺ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمه الله تعالى.
ثانيا: مذهب مالك "
روى عنه صاحبه عبد الرحمن ابن القاسم المصري في " المدونة " (٢/ ٢٢١) نحو قول الإمام محمد في المحرمة إذا أرادت أن تسدل على وجهها وزاد في البيان فقال:
فإن كانت لا تريد سترا فلا تسدل.
ونقله ابن عبد البر في " التمهيد " (١٥/ ١١١) وارتضاه
وقال بعد أن ذكر تفسير ابن عباس وابن عمر لآية: (إلا ما ظهر منها) بالوجه والكفين (٦/ ٣٦٩):
وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب. (قال:) فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها.
стр. 169
تأمل قوله: " وغير صلاتها ".
وفي " الموطأ " رواية يحيى (٢/ ٩٣٥):
سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ قال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله.
قال الباجي في " المنتقى شرح الموطأ " (٧/ ٢٥٢) عقب هذا النص:
يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها.
ثالثا: مذهب الشافعي:
قال في كتابه " الأم " (٢/ ١٨٥):
المحرمة لا تخمر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي.
وقال البغوي في " شرح السنة " (٩/ ٢٣):
فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضا عند خوف الفتنة.
فهل هذه النصوص - أيها الشيخ - في الصلاة؟
رابعا: مذهب أحمد:
روى ابن صالح في " مسائله " (١/ ٣١٩) عنه قال:
стр. 170
المحرمة لا تخمر وجهها ولا تنتقب, والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها.
قلت: فقوله: " ليس به بأس " يدل على جواز السدل فبطل قول الشيخ بوجوبه كم بطل تقييده للرواية الأخرى عن الإمام الموافقة لقول الأئمة الثلاثة بأن وجهها وكفيها ليسا بعورة كما تقدم في كلام ابن هبيرة وقد أقرها ابن تيمية في " الفتاوى " (١٥/ ٣٧١) وهو الصحيح من مذهبه كما تقدم عن " الإنصاف " وهو اختيار ابن قدامة كما تقدم في " البحث الأول " وعلل ذلك بقوله:
لو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما بالنقاب لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء.
ومثل هذا التعليل ذكر في كثير من الكتب الفقهية وغيرها ك " البحر الرائق " لابن نجيم المصري (١/ ٢٨٤) وتقدم نحوه عن الشوكاني في أول هذا " البحث الخامس " (٢٧).
ومما سبق يتبن للقراء الكرام أن أقوال الأئمة الأربعة متفقة على تخيير المرأة المحرمة في السدل على وجهها وعدم إيجاب ذلك عليها خلافا للمتشددين والمقلدين هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فقد دل قول مالك في " الموطأ " وقول ابن عبد البر: " وغير صلاتها " على بطلان تأويل التويجري المذكور وكذلك تخيير الأئمة المحرمات بالسدل لأن ذلك خارج الصلاة.
стр. 171
فأريد الآن أن أبين لقرائنا الأفاضل علما كتمه المذكورون - أو جهلوه وأحلاهما مر - أن سلف الأئمة رحمهم الله تعالى - فيما سبق - أم المؤمنين عائشة ﵂ قولا وفعلا.
أما القول: فهو:
(صحيح) " المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران ولا تتبرقع لا تلثم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت " (١)
أخرجه البيهقي في " سننه " (٥/ ٤٧) بسند صحيح وعزاه إليه الحافظ في " الفتح " (٤/ ٥٢ - ٥٣) ساكتا عليه فهو ثابت عنده فهو شاهد قوي لحديثها المتقدم في هذا " البحث الخامس " صفحة (٢٧ - ٢٨): " يا أسماء إذا بلغت المرأة المحيض. . . ". وكذلك يشهد له حديثها الآتي.
وأما الفعل فهو ما جاء في حديث عمرتها من التنعيم مع أخيها عبد الرحمن قالت:
" فأردفني خلفه على جمل له قالت: فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بعلة الراحلة (٢) قلت له: وهل ترى من أحد ..... "
стр. 172
(صحيح).
أخرجه مسلم (٤/ ٣٤) والنسائي في " السنن الكبرى " (٢/ ٢٢٣ - المصورة) والطيالسي أيضا في " مسنده " (١٥٦١) لكن بلفظ:
فجعلت أحسر عن خماري فتناولني بشيء من يده.
فسقط منه قولها: " عنقي " ورواية مسلم أصح سندا وأرجح متنا كما بينته في " المقدمة " ولذلك لم يعزه الشيخ إلى مسلم وتبعه على ذلك بعض المقلدة - كالمدعو درويش في " فصله " (ص ٤٣) -؛لأنها حجة عليهم من جهة أن الخمار لا يغطي الوجه لغة كما تقدم وكونها معتمرة فلا يجوز لها أن تلثم به كما قالت آنفا فتغطيتها لوجهها بالسدل - كما في بعض الروايات - فعل منها نقول به ولكن لا يدل على الوجوب خلافا لزعم المخالفين.
قلت: فبطل بهذا البيان تأويل الشيخ المذكور لمخالفته أقوال أئمة الفقه المصرحة بجواز الكشف عن الوجه في الصلاة وخارجها بحضرة الرجال ولتعليل بعضهم الجواز بحاجة المرأة إلى البيع والشراء والأخذ والإعطاء وبجواز المؤاكلة أيضا وكل هذه الأقوال يحملها الشيخ على الصلاة وليس بحضرة الرجال فما أبطله من تأويل بل تعطيل. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[الرد المفحم ص ٣٠]
стр. 173
كِتَابُ اَللِّبَاسِ وَالزِينَة
الحرير مباح للنساء
١٨٦٥ - " الذهب والحرير حلال لإناث أمتي، حرام على ذكورها".
[الصحيحة]
قال::
رواه سمويه في " الفوائد " (٣٥/ ١): حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا عباد حدثنا سعيد بن أبي عروبة حدثني ثابت عن زيد بن ثابت بن زيد بن أرقم قال: حدثتني عمتي أنيسة بنت زيد بن أرقم عن أبيها زيد بن أرقم مرفوعا.
ومن هذا الوجه أخرجه الطحاوي في " شرح المعاني " (٢/ ٢٤٥) والطبراني في " الكبير " (٥١٢٥) ,والعقيلي في " الضعفاء " (ص ٦٢) وقال: " وهذا يروى بغير هذا الإسناد بأسانيد صالحة ".
قلت: ورجاله ثقات غير أنيسة بنت زيد بن أرقم، فلم أعرفها. وثابت ابن زيد بن ثابت، روى العقيلي عن عبد الله بن أحمد قال: " سألت أبي عنه؟ فقال: روى عنه ابن أبي عروبة، وحدثنا عنه معتمر، له أحاديث مناكير، قلت: تحدث عنه؟ قال: نعم، قلت: أهو ضعيف؟ قال: أنا أحدث عنه ". وقال ابن حبان: " الغالب على حديثه الوهم لا يحتج به إذا انفرد ". وبه أعله الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٥/ ١٤٣).
стр. 174
والحديث صحيح؛ لأن له شواهد يتقوى بها كما أشار إلى ذلك العقيلي في كلامه السابق، وقد خرجتها في " إرواء الغليل " (٢٧٧) و " غاية المرام في تخريج الحلال والحرام " (٧٨).
وهو من حيث دلالته ليس على عمومه ,بل قد دخله التخصيص في بعض أجزائه، فالذهب بالنسبة للنساء حلال إلا أواني الذهب كالفضة، فهن يشتركن مع الرجال في التحريم اتفاقا وكذلك الذهب المحلق على الراجح عندنا، عملا بالأدلة الخاصة المحرمة، ودعوى أنها منسوخة مما لا ينهض عليه دليل كما هو مبين في كتابي " آداب الزفاف في السنة المطهرة " ومن نقل عني خلاف هذا فقد افترى. وكذلك الذهب والحرير محرم على الرجال، إلا لحاجة لحديث عرفجة بن سعد الذي اتخذ أنفا من ذهب بأمر النبي ﷺ
وحديث عبد الرحمن بن عوف الذي اتخذ قميصا من حرير بترخيص النبي ﷺ له بذلك.
أحكام الشعر
٢٧٩٢ - " لعن الله الواشمات والمستوشمات [والواصلات] والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله ".
[الصحيحة]
قال ﵀:
أخرجه الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم من حديث ابن مسعود ﵁.
стр. 175
وهو مخرج في " آداب الزفاف " (ص ٢٠٣ - الطبعة الجديدة) من مصادر مطبوعة ومخطوطة، فلا داعي لإعادة تخريجه هنا، وإنما أوردته لزيادة (الواصلات)،فقد خفيت على بعض المعاصرين، فرتب على ذلك حكما يخالف حكم الوشم وغيره من المقرونات معه كما يأتي بيانه.
والحديث عندهم جميعا من رواية علقمة عن ابن مسعود، والزيادة المذكورة لأبي داود (٤١٦٩) بسنده الصحيح عن جرير عن منصورعن إبراهيم عنه. وله متابع قوي، أخرجه البخاري (٤٨٨٧) من طريق سفيان (هوالثوري) قال: ذكرت لعبد الرحمن بن عابس حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ﵁ قال: " لعن رسول الله ﷺ الواصلة "، فقال: " سمعته من امرأة يقال لها أم يعقوب عن عبد الله مثل حديث منصور ".
قلت: حديث منصور هو حديث الترجمة، فهذه طريق أخرى صحيحة إلى علقمة - غير طريق أبي داود - تقويها، وترفع عنها احتمال قول بعض ذوي الأهواء بشذوذها. ويزيدها قوة رواية عبد الرحمن بن عابس عن أم يعقوب، قال الحافظ في " فتح الباري " (١٠/ ٣٧٣): " (تنبيه): أم يعقوب هذه لا يعرف اسمها، وهي من بني أسد بن خزيمة، ولم أقف لها على ترجمة، ومراجعتها ابن مسعود تدل على أن لها إدراكا.
والله أعلم ".
قلت: وقصة المراجعة كما في " الصحيحين "
عقب الحديث: " قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك
стр. 176
لعنت الواشمات .. (الحديث)؟ فقال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله؟! فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته! فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فقالت المرأة: فإني أرى شيئا من هذا على امرأتك الآن، قال: اذهبي فانظري. قال: فدخلت على امراة عبد الله فلم تر شيئا، فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئا، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها ".
ثم وجدت للزيادة طريقا ثالثا من طريق مسروق: أن امرأة أتت عبد الله بن مسعود، فقالت: إني امراة زعراء أيصلح أن أصل في شعري؟ فقال: لا. قالت: أشيء سمعته من رسول الله ﷺ أو تجده في كتاب الله؟ قال: لا، بل سمعته من رسول الله ﷺ ، وأجده في كتاب الله، وساق الحديث.
أخرجه النسائي (٢/ ٢٨١) هكذا، وأحمد (١/ ٤١٥) والطبراني في " المعجم الكبير " (٩/ ٣٣٧ / ٩٤٦٨) بتمامه نحو حديث علقمة، ومن الظاهر أن هذه المرأة هي أم يعقوب المذكورة في رواية علقمة، وكذلك هي هي في رواية قبيصة بن جابر (وهو ثقة مخضرم) قال: " كنا نشارك المرأة في السورة من القرآن نتعلمها، فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود في بيته في ثلاث نفر، فرأى جبينها يبرق! فقال: أتحلقينه؟ فغضبت، وقالت: التي تحلق جبينها امرأتك. قال: فادخلي عليها، فإن كانت تفعله فهي مني بريئة، فانطلقت، ثم جاءت فقالت: لا والله ما رأيتها تفعله، فقال عبد الله بن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله
стр. 177
عليه وسلم: فذكره. رواه الهيثم بن كليب في " مسنده " بسند حسن كما في " آداب الزفاف " (ص ٢٠٣ و ٢٠٤ - الطبعة الجديدة).
(فائدة): قال الحافظ في "الفتح " (١٠/ ٣٧٢ - ٣٧٣): " قوله: " والمتفلجات للحسن " يفهم منه أن المذمومة من فعلت ذلك لأجل الحسن، فلو احتاجت إلى ذلك لمداواة مثلا جاز. قوله: " المغيرات خلق الله " هي صفة لازمة لمن يصنع الوشم والنمص والفلج، وكذا الوصل على إحدى الروايات ". وقال العيني في " عمدة القارىء " (٢٢/ ٦٣): " قوله: " المغيرات خلق الله تعالى " كالتعليل لوجوب اللعن ". فإذا عرفت ما سبق يتبين لك سقوط قول الشيخ الغماري في رسالته " تنوير البصيرة ببيان علامات الكبيرة " (ص ٣٠): " قلت: تغيير خلق الله يكون فيما يبقى أثره كالوشم والفلج، أو يزول ببطء كالتنميص، أما حلق اللحية فلا يكون تغييرا لخلق الله لأن الشعر يبدو ثاني يوم من حلقه .. ".
أقول: فهذا كلام باطل من وجوه: الأول:
أنه مجرد دعوى لا دليل عليها من كتاب أو سنة أو أثر، وقديما قالوا: والدعاوي ما لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء.
الثاني: أنه خلاف ما يدل عليه زيادة " الواصلات "، فإن الوصل، ليس كالوشم وغيره مما لا يزول، أو يزول ببطء ولاسيما إذا كان من النوع الذي يعرف اليوم بـ (الباروكة) فإنه يمكن إزالتها بسرعة كالقلنسوة.
الثالث: أن ابن مسعود ﵁ أنكر حلق الجبين واحتج بالحديث كما تقدم في رواية الهيثم، فدل على أنه لا فرق بين الحلق
و
стр. 178
النتف من حيث أن كلا منهما تغيير لخلق الله. وفيه دليل أيضا على أن النتف ليس خاصا بالحاجب كما زعم بعضهم. فتأمل.
الرابع: أنه مخالف لما فهمه العلماء المتقدمون، وقد مر بك قول الحافظ الصريح في إلحاق الوصل بالوشم وغيره. وأصرح من ذلك وأفيد، ما نقله (١٠/ ٣٧٧) عن الإمام الطبري قال: "لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص التماس الحسن، لا للزوج ولا لغيره، لمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما توهم البلج، أو عكسه، ومن تكون لها سن زائدة فتقلعها، أو طويلة فتقطع منها، أو لحية أو شارب أو عنفقة فتزيلها بالنتف، ومن يكون شعرها قصيرا أو حقيرا فتطوله، أو تغزره بشعر غيرها، فكل ذلك داخل في النهي، وهو من تغيير خلق الله تعالى. قال: ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والأذية كمن يكون لها سن زائدة، أو طويلة تعيقها في الأكل .. " إلخ.
قلت: فتأمل قول الإمام: " أو عكسه "، و " أو لحية .. "، وقوله: " فكل ذلك داخل في النهي، وهو من تغيير خلق الله ". فإنك ستتأكد من بطلان قول الغماري المذكور، والله تعالى هو الهادي.
هذا وفي رؤية ابن مسعود جبين العجوز يبرق دليل على أن " وجه المرأة ليس بعورة "، والآثار في ذلك كثيرة قولا وفعلا، وقد سقت بعضها في "جلباب المرأة المسلمة "
وأما ما زعمه البعض بأنه لا دليل في هذه الرواية على ذلك، لأن العجوز من القواعد! فهو مما لا دليل عليه، فلا يلزم من كونها عجوزا أن تكون قاعدة كما لا يخفى، وإنما ذكرنا ذلك استشهادا، وفيما ذكر هناك من الأدلة كفاية.
стр. 179
حكم الذهب المحلق
٣٩ - تحريم خاتم الذهب ونحوه على النساء:
واعلم أن النساء يشتركن مع الرجال في تحريم خاتم الذهب عليهن ومثله السوار والطوق من الذهب لأحاديث خاصة وردت فيهن (١) ... فيدخلن لذلك في بعض النصوص المطلقة التي لم تقيد بالرجال مثل الحديث الأول المتقدم آنفا وإليك الآن ما صح من الأحاديث المشار إليها:
الأول: [من أحب أن يحلق حبيبه (٢) بحلقة من نار فليحلقه حلقة (٣) ... من ذهب ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقا من نار فليطوقه طوقا من ذهب ومن أحب أن يسور حبيبه سوارا من نار فليطوقه طوقا (وفي رواية: فليسوره سوارا) من ذهب ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها [العبوا بها العبوا بها] (٤) ... .
стр. 180
وهذا سند جيد رجاله ثقات رجال مسلم غير أسيد هذا فوثقه ابن حبان وروى عنه جماعة من الثقات وحسن له الترمذي في " الجنائز " وصحح له جماعة ولذا قال الذهبي والحافظ:
" صدوق ".
الثاني: عن ثوبان ﵁ قال:
(جاءت بنت هبيرة إلى النبي ﷺ وفي يدها فتخ [من ذهب] [أي خواتيم كبار] فجعل النبي ﷺ يضرب يدها [بعصية معه يقول لها: أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار؟] فأتت فاطمة تشكو إليها قال ثوبان: فدخل النبي ﷺ على فاطمة وأنا معه وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب فقالت: هذا أهدى لي أبو حسن (تعني زوجها عليا ﵁ - وفي يدها السلسلة - فقال النبي ﷺ : يا فاطمة أيسرك أن يقول الناس: فاطمة بنت محمد في يدها سلسلة من نار؟ [ثم عذمها (١) ... عذما شديدا] فخرج ولم يقعد فعمدت فاطمة إلى السلسلة فباعتها فاشترت بها نسمة فأعتقتها فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار (٢).