← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 38213

أحكام النساء - مستخلصا من كتب الألباني

أبو مالك بن عبد الوهاب

Полный текст (402 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لعنت الواشمات .. (الحديث)؟ فقال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله؟! فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته! فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فقالت المرأة: فإني أرى شيئا من هذا على امرأتك الآن، قال: اذهبي فانظري. قال: فدخلت على امراة عبد الله فلم تر شيئا، فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئا، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها ". ثم وجدت للزيادة طريقا ثالثا من طريق مسروق: أن امرأة أتت عبد الله بن مسعود، فقالت: إني امراة زعراء أيصلح أن أصل في شعري؟ فقال: لا. قالت: أشيء سمعته من رسول الله ﷺ أو تجده في كتاب الله؟ قال: لا، بل سمعته من رسول الله ﷺ ، وأجده في كتاب الله، وساق الحديث. أخرجه النسائي (٢/ ٢٨١) هكذا، وأحمد (١/ ٤١٥) والطبراني في " المعجم الكبير " (٩/ ٣٣٧ / ٩٤٦٨) بتمامه نحو حديث علقمة، ومن الظاهر أن هذه المرأة هي أم يعقوب المذكورة في رواية علقمة، وكذلك هي هي في رواية قبيصة بن جابر (وهو ثقة مخضرم) قال: " كنا نشارك المرأة في السورة من القرآن نتعلمها، فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود في بيته في ثلاث نفر، فرأى جبينها يبرق! فقال: أتحلقينه؟ فغضبت، وقالت: التي تحلق جبينها امرأتك. قال: فادخلي عليها، فإن كانت تفعله فهي مني بريئة، فانطلقت، ثم جاءت فقالت: لا والله ما رأيتها تفعله، فقال عبد الله بن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله

стр. 177

عليه وسلم: فذكره. رواه الهيثم بن كليب في " مسنده " بسند حسن كما في " آداب الزفاف " (ص ٢٠٣ و ٢٠٤ - الطبعة الجديدة). (فائدة): قال الحافظ في "الفتح " (١٠/ ٣٧٢ - ٣٧٣): " قوله: " والمتفلجات للحسن " يفهم منه أن المذمومة من فعلت ذلك لأجل الحسن، فلو احتاجت إلى ذلك لمداواة مثلا جاز. قوله: " المغيرات خلق الله " هي صفة لازمة لمن يصنع الوشم والنمص والفلج، وكذا الوصل على إحدى الروايات ". وقال العيني في " عمدة القارىء " (٢٢/ ٦٣): " قوله: " المغيرات خلق الله تعالى " كالتعليل لوجوب اللعن ". فإذا عرفت ما سبق يتبين لك سقوط قول الشيخ الغماري في رسالته " تنوير البصيرة ببيان علامات الكبيرة " (ص ٣٠): " قلت: تغيير خلق الله يكون فيما يبقى أثره كالوشم والفلج، أو يزول ببطء كالتنميص، أما حلق اللحية فلا يكون تغييرا لخلق الله لأن الشعر يبدو ثاني يوم من حلقه .. ". أقول: فهذا كلام باطل من وجوه: الأول: أنه مجرد دعوى لا دليل عليها من كتاب أو سنة أو أثر، وقديما قالوا: والدعاوي ما لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء. الثاني: أنه خلاف ما يدل عليه زيادة " الواصلات "، فإن الوصل، ليس كالوشم وغيره مما لا يزول، أو يزول ببطء ولاسيما إذا كان من النوع الذي يعرف اليوم بـ (الباروكة) فإنه يمكن إزالتها بسرعة كالقلنسوة. الثالث: أن ابن مسعود ﵁ أنكر حلق الجبين واحتج بالحديث كما تقدم في رواية الهيثم، فدل على أنه لا فرق بين الحلق و

стр. 178

النتف من حيث أن كلا منهما تغيير لخلق الله. وفيه دليل أيضا على أن النتف ليس خاصا بالحاجب كما زعم بعضهم. فتأمل. الرابع: أنه مخالف لما فهمه العلماء المتقدمون، وقد مر بك قول الحافظ الصريح في إلحاق الوصل بالوشم وغيره. وأصرح من ذلك وأفيد، ما نقله (١٠/ ٣٧٧) عن الإمام الطبري قال: "لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص التماس الحسن، لا للزوج ولا لغيره، لمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما توهم البلج، أو عكسه، ومن تكون لها سن زائدة فتقلعها، أو طويلة فتقطع منها، أو لحية أو شارب أو عنفقة فتزيلها بالنتف، ومن يكون شعرها قصيرا أو حقيرا فتطوله، أو تغزره بشعر غيرها، فكل ذلك داخل في النهي، وهو من تغيير خلق الله تعالى. قال: ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والأذية كمن يكون لها سن زائدة، أو طويلة تعيقها في الأكل .. " إلخ. قلت: فتأمل قول الإمام: " أو عكسه "، و " أو لحية .. "، وقوله: " فكل ذلك داخل في النهي، وهو من تغيير خلق الله ". فإنك ستتأكد من بطلان قول الغماري المذكور، والله تعالى هو الهادي. هذا وفي رؤية ابن مسعود جبين العجوز يبرق دليل على أن " وجه المرأة ليس بعورة "، والآثار في ذلك كثيرة قولا وفعلا، وقد سقت بعضها في "جلباب المرأة المسلمة " وأما ما زعمه البعض بأنه لا دليل في هذه الرواية على ذلك، لأن العجوز من القواعد! فهو مما لا دليل عليه، فلا يلزم من كونها عجوزا أن تكون قاعدة كما لا يخفى، وإنما ذكرنا ذلك استشهادا، وفيما ذكر هناك من الأدلة كفاية.

стр. 179

حكم الذهب المحلق ٣٩ - تحريم خاتم الذهب ونحوه على النساء: واعلم أن النساء يشتركن مع الرجال في تحريم خاتم الذهب عليهن ومثله السوار والطوق من الذهب لأحاديث خاصة وردت فيهن (١) ... فيدخلن لذلك في بعض النصوص المطلقة التي لم تقيد بالرجال مثل الحديث الأول المتقدم آنفا وإليك الآن ما صح من الأحاديث المشار إليها: الأول: [من أحب أن يحلق حبيبه (٢) بحلقة من نار فليحلقه حلقة (٣) ... من ذهب ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقا من نار فليطوقه طوقا من ذهب ومن أحب أن يسور حبيبه سوارا من نار فليطوقه طوقا (وفي رواية: فليسوره سوارا) من ذهب ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها [العبوا بها العبوا بها] (٤) ... .

стр. 180

وهذا سند جيد رجاله ثقات رجال مسلم غير أسيد هذا فوثقه ابن حبان وروى عنه جماعة من الثقات وحسن له الترمذي في " الجنائز " وصحح له جماعة ولذا قال الذهبي والحافظ: " صدوق ". الثاني: عن ثوبان ﵁ قال: (جاءت بنت هبيرة إلى النبي ﷺ وفي يدها فتخ [من ذهب] [أي خواتيم كبار] فجعل النبي ﷺ يضرب يدها [بعصية معه يقول لها: أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار؟] فأتت فاطمة تشكو إليها قال ثوبان: فدخل النبي ﷺ على فاطمة وأنا معه وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب فقالت: هذا أهدى لي أبو حسن (تعني زوجها عليا ﵁ - وفي يدها السلسلة - فقال النبي ﷺ : يا فاطمة أيسرك أن يقول الناس: فاطمة بنت محمد في يدها سلسلة من نار؟ [ثم عذمها (١) ... عذما شديدا] فخرج ولم يقعد فعمدت فاطمة إلى السلسلة فباعتها فاشترت بها نسمة فأعتقتها فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار (٢).

стр. 181

الثالث: عن عائشة أن النبي ﷺ رأى في يد عائشة قلبين ملويين من ذهب فقال: القيهما عنك واجعلي قلبين من فضة وصفريها بزعفران (١) ... الرابع: عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: (جعلت شعائر (٢) ... من ذهب في رقبتها فدخل النبي ﷺ فأعرض عنها فقلت: ألا تنظر إلى زينتها فقال: عن زينتك أعرض [قالت: فقطعتها فأقبل علي بوجهه]. قال (٣) ... : زعموا أنه قال: ما ضر إحداكن لو جعلت خرصا (٤) من ورق ثم جعلته بزعفران (٥) ... .

стр. 182

وفي حديث أسماء بنت يزيد في قصة أخرى نحوه: وتتخذ لها جمانتين من فضة فتدرجه بين أناملها بشيء من زعفران فإذا هو كالذهب يبرق (١). ٤٠ - شبهات حول تحريم الذهب المحلق وجوابها. واعلم أن كثيرا من علماء أعرضوا عن العمل بهذه الأحاديث لشبهات قامت لديهم ظنوها أدلة ولا يزال كثيرون منهم يتمسكون بها على أنها حجج تسوغ لهم ترك هذه الأحاديث ولذلك رأيت أنه لا بد من حكاية تلك الشبهات والرد عليها كي لا يغتر بها من لا علم عنده بطرق الجمع بين الأحاديث فيقع في مخالفة الأحاديث الصحيحة المحكمة بدون حجة أو بينة فأقول: دعوى الإجماع على إباحة الذهب مطلقا للنساء وردها ١ - ادعى بعضهم الإجماع على إباحة الذهب مطلقا للنساء وهذا مردود من وجوه: الإجماع الصحيح: الأول: أنه لا يمكن إثبات صحة الإجماع في هذه المسألة وإن نقله البيهقي في [سننه) (٤/ ١٢٤) وغيره مثل الحافظ ابن حجر في [الفتح) ولكن هذا كأنه أشار لعدم ثبوته حين قال: (١٠/ ٢٦٠) في بحث خاتم الذهب:

стр. 183

(فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء) ويأتي قريبا ما يبطل هذا الإجماع وذلك لأنه لا يستطيع أحد أن يدعي أنه إجماع معلوم من الدين بالضرورة وغير هذا الإجماع مما لا يمكن تصوره فضلا عن وقوعه ولهذا قال الإمام أحمد ﵁: (من ادعى الإجماع فهو كاذب [وما يدريه؟] لعل الناس اختلفوا) رواه ابنه عبد الله في [مسائله) (ص ٣٩٠) وتفصيل القول في هذا الموضوع الخطير ليس هذا موضعه فليراجع من شاء التحقيق بعض كتب علم أصول الفقه التي لا يقلد مؤلفوها من قبلهم مثل: [أصول الأحكام لابن حزم (٤/ ١٢٨ - ١٤٤) وإرشاد الفحول للشوكاني] ونحوهما استحالة وجود إجماع صحيح على خلاف حديث صحيح دون وجود ناسخ صحيح. الثاني: لو كان يمكن إثبات الإجماع في الجملة لكان ادعاؤه في خصوص هذه المسألة غير صحيح لأنه مناقض للسنة الصحيحة وهذا مما لا يمكن تصوره أيضا لأنه يلزم منه اجتماع الأمة على ضلال وهذا مستحيل لقوله ﷺ : [لا تجتمع أمتي على ضلالة) ومثل هذا الإجماع لا وجود له إلا في الذهن والخيال, ولا أصل له في الوجود والواقع قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في [أصول الأحكام) (٢/ ٧١ - ٧٢): (وقد أجاز بعض أصحابنا أن يرد حديث صحيح عن النبي ﷺ ويكون الإجماع على خلافه قال: وذلك دليل على أنه منسوخ. وهذا عندنا خطأ فاحش متيقن لوجهين برهانيين ضروريين:

стр. 184

أحدهما: أن ورود حديث صحيح يكون الإجماع على خلافه معدوم لم يكن قط ولا هو في العالم فمن ادعى أنه موجود فليذكره لنا ولا سبيل له - والله - إلى وجوده أبدا والثاني: أن الله تعالى قد قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ , [الحجر: ٩] فمضمون عند كل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن ما تكفل الله بحفظه فهو غير ضائع أبدا لا يشك في ذلك مسلم وكلام النبي ﷺ كله وحي بقوله تعالى: ﴿) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] والوحي ذكر بإجماع الأمة كلها. والذكر محفوظ بالنص فكلامه ﵇ محفوظ بحفظ الله تعالى ضرورة منقول كله إلينا لا بد من ذلك فلو كان هذا الحديث الذي ادعى هذا القائل أنه مجمع على تركه وأنه منسوخ كما ذكر لكان ناسخه الذي اتفقوا عليه قد ضاع ولم يحفظ وهذا تكذيب لله في أنه حافظ للذكر كله ولو كان ذلك لسقط كثير مما بلغ ﵇ عن ربه وقد أبطل ذلك رسول الله ﷺ في قوله في حجة الوداع: اللهم هل بلغت؟) قال: (ولسنا ننكر أن يكون حديث صحيح وآية صحيحة التلاوة منسوخين إما بحديث آخر صحيح, وإما بآية متلوة ويكون الاتفاق على النسخ المذكور قد ثبت بل هو موجود عندنا إلا أننا نقول: لا بد أن يكون الناسخ لهما موجودا أيضا عندنا منقولا إلينا محفوظا عندنا مبلغا نحونا بلفظه قائم النص لدينا. لا بد من ذلك وإنما الذي منعنا منه فهو أن يكون المنسوخ محفوظا منقولا مبلغا إلينا ويكون الناسخ له قد سقط ولم ينقل إلينا لفظه

стр. 185

فهذا باطل عندنا لا سبيل إلى وجوده في العالم أبد الأبد لأنه معدوم البتة قد دخل - بأنه غير كائن - في باب المحال والممتنع عندنا. وبالله تعالى التوفيق) تقديم السنة على الإجماع الذي ليس معه كتاب أو سنة وقال العلامة المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة والسنة على الإجماع وجعل الإجماع في المرتبة الثالثة. قال الشافعي: الحجة كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الأئمة وقال في [كتاب اختلافه مع مالك): (والعلم طبقات: الأولى الكتاب والسنة الثابتة ثم الإجماع فيما ليس كتابا ولا سنة. . .). وقال ابن القيم أيضا في صدد بيان أصول فتاوى الإمام أحمد: (ولم يكن (يعني الإمام أحمد) يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت وكذلك الشافعي ونصوص رسول الله ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف ولو ساغ لتعطلت النصوص وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص (١).

стр. 186

قلت: وهذا ما فعله البعض هنا فقدموا ما زعموه إجماعا على النصوص المتقدمة مع أنه لا إجماع في ذلك وبيانه في الوجه التالي: الثالث: أنه قد ثبت ما ينقض بالإجماع المزعوم وهو ما روى عبد الرزاق في [المصنف) (١١/ ٧٠ / ١٩٩٣٥) وابن صاعد في [حديثه) (٣٥/ ١ - وهو بخط الحافظ ابن عساكر) وابن حزم (١٠/ ٨٢) بسند صحيح عن محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول لابنته: (لا تلبسي الذهب إني أخشى عليك اللهب) وروى ابن عساكر (١٩/ ١٢٤ / ٢) من طريقين آخرين أن ابنة لأبي هريرة قالت له: إن الجواري يعيرنني يقلن: إن أباك لا يحليك الذهب فقال: قولي لهن: إني أبي لا يحليني الذهب يخشى علي من اللهب. ورواه عبد الرزاق (١٩٩٣٨) نحوه وعلقه البغوي في [شرح السنة) (٣/ ٢١٠ / ٨٢) وحكى الخلاف في هذه المسألة فإنه بعد أن ذكر إباحة خاتم الذهب للنساء وتحليهن به عند الأكثرين قال: (وكره ذلك قوم). ثم ساق حديث أسماء بنت يزيد المتقدم بعضه في المتن (ص ٢٣٦) وتمامه في التعليق (٢٣٧) وما حكاه البغوي ﵀ من الكراهة عن أولئك الذين أشار إليهم من العلماء فهي الكراهة التحريمية؛ لأنه المعروف في اصطلاح السلف تبعا للأسلوب القرآني في عديد من الآيات الكريمة كقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ

стр. 187

وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]. وقد كنت شرحت هذه المسألة الهامة في كتابي: [تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد) (ص ٤٨ - ٥٥) وذكرت هناك بعض الأمثلة فلتراجع. وبين أيدينا مثال آخر قريب المنال وهو ما تقدم في بحث (خاتم الخطبة) أن الإمام أحمد والإمام إسحاق بن راهويه كرها خاتم الذهب للرجال فهذه الكراهة للتحريم أيضا لتصريح الأحاديث المتقدمة هناك به وكذلك الأمر في تحريم خاتم الذهب على النساء لأن الأدلة صريحة أيضا فمن أطلق كراهته عليهن فإنما يعني الكراهة الشرعية وهي التحريم فتأمل منصفا. وذكر ابن عبد الحكم في [سيرة عمر بن عبد العزيز) (ص ١٦٣) أن ابنة عمر بعثت إليه بلؤلؤة وقالت له: إن رأيت أن تبعث لي بأخت لها حتى أجعلها في أذني فأرسل إليها ثم قال لها: إن استطعت أن تجعلي هاتين الجمرتين في أذنيك بعثت لك بأخت لها. ومن الظاهر أن اللؤلؤة كانت محلاة بالذهب لأنها لا تقوم بنفسها ولا تحلى عادة إلا بها ويؤيد ذلك لفظة: [الجمرتين) فإنها مستوحاة من بعض أحاديث التحريم المتقدمة كحديث بنت هبيرة فثبت بطلان دعوى الإجماع في هذه المسألة.

стр. 188

دعوى نسخ الأحاديث المتقدمة وإبطالها: ٢ - وادعى آخرون نسخ هذه الأحاديث المحرمة بمثل قوله ﷺ : [أحل الذهب والحرير لإناث أمتي. . .) وهو حديث صحيح بمجموع طرقه وقد ذكرها الزيعلي في [نصب الراية) (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٥) ثم حققته في تخريج كتاب [الحلال والحرام) للأستاذ القرضاوي (رقم ٧٨) وهو ادعاء باطل لأن للنسخ شروطا كثيرة معروفة عند العلماء (١): منها أن يكون الخطاب الناسخ متراخيا عن المنسوخ. ومنها أن لا يمكن الجمع بينهما وهذان الشرطان منفيان هنا, أما الأول فلأنه لا يعلم تأخر هذا الحديث المبيح عن أحاديث التحريم, وأما الثاني فلأن الجمع ممكن بسهولة بين الحديث المذكور وما في معناه وبين الأحاديث المتقدمة ذلك؛ لأن الحديث مطلق وتلك مقيدة بالذهب الذي هو طوق أو سوار أو حلقة فهذا هو المحرم عليهن وما سوى ذلك من الذهب المقطع فهو المباح لهن وهو المراد بحديث حل الذهب لهن فهو مطلق مقيد بالأحاديث المشار إليها فلا تعارض وبالتالي فلا نسخ. ولذلك لم نر أحدا ممن ألف في الناسخ والمنسوخ أورد الأحاديث المذكورة فيما هو منسوخ كالحافظ أبي الفرج ابن الجوزي في رسالة [إخبار أهل الرسوخ في الفقه والتحديث بمقدار المنسوخ في الحديث) والحافظ أبي بكر الحازمي في كتابه [الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار) وغيرهما بل قد أشار ابن الجوزي ﵀ في مقدمة رسالته المشارة إليها إلى رد دعوى نسخ هذه الأحاديث فقال:

стр. 189

(أفردت في هذا الكتاب قدر ما صح نسخه أو احتمل وأعرضت عمَّا لا وجه لنسخه ولا احتمال, فمن سمع بخبر يدعى عليه النسخ وليس في هذا الكتاب فليعلم وهاء تلك الدعوى وقد تدبرته فإذا فيه أحد وعشرون حديثا) بل قال المحقق ابن القيم في [الأعلام) (٣/ ٤٥٨): (إن النسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة ولا شطرها). قلت: ثم ساقها وليس فيها شيء من هذه الأحاديث السابقة فثبت ضعف ادعاء احتمال نسخها فكيف الجزم بنسخها؟ وقد أشار لضعف دعوى النسخ ابن الأثير في [النهاية) بقوله تعليقا على حديث أسماء المشار إليه آنفا: (قيل: كان هذا قبل النسخ فإنه قد ثبت إباحة الذهب للنساء). فإن لفظة: [قيل) للتمريض كما هو معروف). وقال العلامة صدر الدين علي بن علاء الحنفي بعد أن حكى كلام ابن الجوزي الآنف الذكر: (وهذا هو الذي يشهد العقل بصدقه إذا سلم من الهوى, وقد ادعى كثير من الفقهاء في كثير من السنة أنها منسوخة. وذلك إما لعجزه عن الجمع بينها وبين ما يظن أنه يعارضها وإما لعدم علمه ببطلان ذلك المعارض وإما لتصحيح مذهبه ودفع ما يرد عليه من جهة مخالفة, ولكن نجد غيره قد بين

стр. 190

الصواب في ذلك لأن هذا الدين محفوظ ولا تجتمع هذه الأمة على ضلالة (١) ... . ولقد صدق ﵀ في كل ما ذكره فأنت ترى أن هذه الأحاديث المحرمة لا تتعارض مطلقا مع حديث حل الذهب للنساء؛ لأنه عام وتلك خاصة والخاص مقدم على العام كما هو مقرر في علم الأصول ولهذه القاعدة رجح الإمام النووي ﵁ في [شرح مسلم) و [المجموع) وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل مع أنه مخالف لمذهبه بل ومذهب الجمهور حتى ظن بعض المتعالمين في هذا العصر أنه لا يقول بالوضوء منه عالم من علماء المسلمين كما نشر ذلك في بعض الجرائد الدمشقية سنة ١٣٨٦ هـ تقريبا ولما ذكرنا قال ولي الله الدهلوي في [حجة الله البالغة) (٢/ ١٩٠) بعد أن ذكر أحاديث التحريم وحديث الحل: (معناه الحل في الجملة وهذا ما يوجبه مفهوم هذه الأحاديث ولم أجد لها معارضا) وأقره صديق حسن خان في [الروضة الندية) (٢/ ٢١٧ - ٢١٨) قلت: ومما يدلك على ضعف دعوى النسخ هذه أن بعض متعصبة الحنفية - وقد سبقت الإشارة إليه - لم ينظر إليها بعين الرضا مع أنه حكاها عن الجمهور الذين يقلدهم في هذه المسألة واحتج على ذلك بقوله - وقد وفق فيه -:

стр. 191

(إن النسخ لا يلجأ إلى القول به ما دام التوفيق بين الأحاديث ممكنا بحيث لا يرد شيء من الأدلة) وهذا حق لا ريب فيه وهو من المقرر في علم الأصول ولكنه مع الأسف لم يستقر عليه الدكتور بل رجع إلى ادعاء النسخ معارضا بذلك الأخذ بأحاديث التحريم فقال: (إن الفريقين لما تجاذبا دعوى النسخ احتجنا إلى النظر في التاريخ للترجيح بين المذهبين وتعيين الناسخ والمنسوخ والتاريخ يؤيد نظر الجمهور. فإنه لا شك في أن الصحابة في ابتداء الإسلام كانوا في أمس الحاجة للمال. . . ولقد قسم الأنصار أموالهم مناصفة بينهم وبين المهاجرين فكان التختم بالذهب في تلك الفترة بطرا وترفا فلما مضت الأيام وفتحت على رسول الله ﷺ الفتوحات صار الناس في رخاء العيش فأباح النبي ﷺ لبس الذهب لزوال المانع). قلت: وجوابي عليه من وجوه: الأول: أنه لم يذكر نصا تاريخيا يؤيد تأخر المبيح عن الحاظر يرجح به نظر الجمهور وإنما هو مجرد الدعوى أن الإباحة كانت بعد رخاء العيش فأين الدليل عليها؟ الثاني: هذه الدعوى لو صحت لزم منها أن يكون تحريم الذهب على الرجال قد شرع في الوقت الذي حرم على النساء إن لم يكن تقدم عليه وكل عاقل يفهم من قوله: [في ابتداء الإسلام) أنه يعني في مكة أو في أول الهجرة على أبعد تقدير وإذا كان كذلك فنحن نقطع ببطلان هذه الدعوى لأن تحريم الذهب على الرجال إنما كان في أواخر الأمر كما نص على ذلك

стр. 192

الحافظ الذهبي في [تلخيص المستدرك) (٣/ ٢٣١) ومما يشهد له ما أخرجه البخاري في [اللباس) وأحمد في [المسند) (٤/ ٣٢٨) عن المسور بن مخرمة: (أن أباه مخرمة قال له: يا بني إنه بلغني أن النبي ﷺ قدمت عليه أقبية فهو يقسمها فاذهب بنا إليه فذهبنا إليه. . . فخرج وعليه قباء من الديباج مزرر بالذهب فقال: يا مخرمة هذا خبأته لك فأعطاه إياه) وإنما أسلم مخرمة عام الفتح وذلك بعد ثمان سنين ونصف من الهجرة فهذا نص على أن الذهب كان مباحا إلى ما قبل وفاته ﷺ بسنة ونصف تقريبا ولولا ذلك لم يلبس ﷺ القباء المزرر بالذهب ولا وزعه على أصحابه كما هو ظاهر. الثالث: أنه لو صح قوله: [فأباح النبي ﷺ لبس الذهب لزوال المانع) لزم منه إباحة الذهب للرجال أيضا لزوال المانع أيضا وهذا باطل لا يقوله عالم وما لزم منه باطل فهو باطل. فإن قال: هذا غير لازم لأن علة تحريم الذهب على الرجال غير علة تحريمه على النساء. قلنا: ما هيه؟ ولا سبيل له إلى إثباتها أبدا إلا بمثل هذه الدعوى التي أثبت بها أختها وليست هي إلا مجرد رأي تفرد به الدكتور في آخر الزمان. وما يلجئ بعض الناس إلى مثل هذه المضايق والآراء إلا محاولتهم التخلص من معارضة النص الشرعي لمخالفته لمذهبهم وتقليدهم وعاداتهم فيقعون فيما هو أعظم منه ولو أنهم استسلموا لحكم الله ورسوله - كما هو المفروض في المسلم - لكان خيرا لهم ولم يقعوا في مثل ذلك.

стр. 193

وخلاصة البحث: أن القول بنسخ الأحاديث المحرمة للذهب على النساء مما لا دليل عليه بل هو مخالف لعلم الأصول والواجب الجمع بينها وبين الأحاديث المبيحة للذهب عليهن وذلك بحمل المطلق على المقيد أو العام على الخاص كما شرحنا وينتج منه أن الذهب كله حلال على النساء إلا المحلق منه كما يحرم عليهن استعمال أواني الذهب والفضة اتفاقا فلا نسخ عندنا خلافا لما فهمه الدكتور وأدار كل بحثه في كتابه عليه كما ينبئك به كلامه السابق في المعارضة المزعومة. والله الهادي لا رب سواه رد الأحاديث المتقدمة بأحاديث مبيحة والجواب عنها. ٣ - وقد يرد بعضهم هذه الأحاديث بأحاديث أخرى فيها إباحة المحلق من الذهب على النساء والجواب أن هذا كان قبل التحريم حتما وبيانه: أن من المعلوم بداهة أن النهي عن الشيء مما يحتمل التحليل والتحريم لا يكون إلا بعد أن يكون مسبوقا بالإباحة فالتمسك بها حينئذ فيه مخالفة صريحة لمنطوق الأحاديث المحرمة ومما يقرب هذا إلى المنصفين إن شاء الله تعالى أن هناك أحاديث يستفاد منها إباحة الذهب على الرجال أيضا ومع ذلك فلم يأخذ بها أحد من العلماء لمجيء النصوص المحرمة وقد سبق ذكر بعضها بل ذهبوا إلى أنها كانت قبل التحريم (١) ... وكذلك نقول نحن في الأحاديث المبيحة للذهب المحلق للنساء ولا فرق أنها كانت قبل التحريم ومن فرق بين هذه وتلك فهو متناقض أو متلاعب تقييد الأحاديث المتقدمة بمن لم يؤد الزكاة ورده.

стр. 194

٤ - وأجاب بعضهم (١) بأن الوعيد الوارد في الأحاديث المتقدمة إنما هو في حق من لا يؤدي زكاة تلك الحلي دون من أداها واستدل عليه بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان (أي سواران) غليظتان من ذهب فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله. أخرجه أبو داود (١/ ٢٤٤) والنسائي (١/ ٣٤٣) وأبو عبيد في [الأموال) (رقم ١٢٦٠) وإسناده حسن وصححه ابن الملقن (٦٥/ ١) وتضعيف ابن الجوزي له في [التحقيق) (٦/ ١٩٧ / ١) مردود عليه. ورواه النسائي في [السنن الكبرى) (ق ٥/ ١) عن عمرو بن شعيب به موصولا ثم رواه عنه مرسلا وقال: (الموصول أولى بالصواب) والجواب: إن هذا استدلال ضعيف جدا لأن الرسول ﷺ لم ينكر في هذه القصة لبس السوارين. وإنما أنكر عدم إخراج زكاتهما بخلاف الأحاديث المتقدمة فإنه أنكر اللبس ولم يتعرض لإيجاب الزكاة عليها والظاهر أن هذه القصة كانت في وقت الإباحة فكأنه ﷺ تدرج لتحريمها فأوجب الزكاة

стр. 195

عليها أولا ثم حرمها كما هو صريح الأحاديث السابقة. ولا سيما الحديث الأول من رواية أبي هريرة مرفوعا: (من أحب أن يحلق حبيبه بحلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب. . .) إلخ فإنه لا يدل دلالة قاطعة أن التحريم لنفس التحليق وما قرن معه لا لعدم إخراج زكاتها. والحق أن هذه القصة أفادت وجوب الزكاة على الحلي, ومثلها قصة عائشة الآتية في زكاة خواتيم الفضة. فهذه وتلك لا تدل على تحريم الاستعمال بل على وجوب زكاة المستعمل, فالتحريم وعكسه يؤخذ من أدلة أخرى فأخذنا تحريم الذهب المحلق عليهن الأحاديث المتقدمة وأخذنا إباحة الفضة من حديث أبي هريرة المتقدم ومن حديث عائشة المشار إليها وغيرها. وجملة القول أن هذا الحديث لا حجة فيه على ما ذكره المنذري لأنه لم ينص فيه على تحريم السوار إنما كان لأنه لم يؤد زكاته حتى يمكن أن يقال: إنه مفصل وتلك الأحاديث مجملة فيحمل المجمل على المفصل وإنما هي واقعة عين أفادت وجوب زكاة الحلي فلا يعارض ما أفادته الأحاديث السابقة من التحريم. تقييد آخر للأحاديث والجواب عنه. ٥ - وأجاب هذا البعض أيضا بجواب آخر (١) فقال: إن الوعيد المذكور إنما هو في حق من تزينت به وأظهرته واستدل بما رواه النسائي

стр. 196

وأبو داود عن ربعي بن حراش عن امرأته عن أخت لحذيفة أن رسول الله ﷺ قال: (يا معشر النساء أما لكن في الفضة ما تحلين به؟ أما إنه ليس منكن امرأة تتحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به) ولعل الدكتور وقع منه ذلك اتفاقا ولم يتعمده والجواب من وجهين: الأول: رد الحديث من أصله لعدم ثبوته فإن في سنده امرأة ربعي وهي مجهولة كما قال ابن حزم (١٠/ ٨٣) ولذلك ضعفته في [المشكاة) (٤٤٠٣) ثانيا: لو كانت العلة هي الإظهار لكان لا فرق في ذلك بين الذهب والفضة لاشتراكهما في العلة مع أن الحديث صريح في التفريق بينهما ولا قائل بحرمة خاتم الفضة على المرأة مع ظهوره فثبت بطلان التمسك بعلة الإظهار. ولهذا قال أبو الحسن السندي: (تظهره) يحتمل أن تكون الكراهة إذا ظهرت وافتخرت به لكن الفضة مثل الذهب في ذلك فالظاهر أن هذا لزيادة التقبيح والتوبيخ والكلام لإفادة حرمة الذهب (يعني: المحلق) على النساء مع قطع النظر عن الإظهار والافتخار).

стр. 197

وهذا كله يقال على افتراض صحة الحديث. وإلا فقد عرفت ضعفه فسقط الاستدلال به أصلا. رد الأحاديث بفعل عائشة والجواب عنه ٦ - ومن أعجب ما ردت به هذه الأحاديث الصحيحة قول بعض متعصبة الحنفية: (إن عائشة ﵂ كانت تلبس الخواتيم من الذهب كما رآها ابن أختها القاسم بن محمد وحدث بذلك وهذا الخبر عن عائشة رواه البخاري في صحيحه) وأقول: إطلاق عزو هذا الأثر للبخاري فيه نظر لأن المعروف عند العلماء أن العزو إلى البخاري مطلقا معناه أنه في [صحيحه) مسند وليس كذلك أمر هذا الأثر فإنه إنما ذكره معلقا بدون إسناد وذكر الحافظ في [الفتح) (١٠/ ٢٧١) أنه وصله ابن سعد في [الطبقات). وسكت عن سنده وهو عندي حسن فقال ابن سعد (٨/ ٤٨): أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو قال: سألت القاسم بن محمد قلت: إن ناسا يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن الأحمرين: المعصفر والذهب فقال: كذبوا والله لقد رأيت عائشة تلبس المعصفرات وتلبس خواتم الذهب. لكن رواه غير عبد العزيز بلفظ: كانت تلبس الأحمرين: المذهب (١) والمعصفر). أخرجه ابن سعد أيضا: وأخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن ابي

стр. 198

أويس عن سلميان بن بلال عن عمرو به وهذا الإسناد أصح لأن سليمان هذا أحفظ من عبد العزيز. فإن ثبت ذكر الخاتم في هذا الأثر عن عائشة فالجواب ما سيأتي وإلا فلا حجة فيه مطلقا لأن الرواية الأخرى - وهي الأصح - لا ذكر للخاتم فيها فهو على هذا مثل حديثها الآخر من طريق القاسم أيضا أن عائشة كانت تحلي بنات أختها الذهب ثم لا تزكيه. رواه أحمد في مسائل عبد الله (ص ١٤٥) وسنده صحيح فهذا محمول على الذهب المقطع وهو جائز لهن اتفاقا. ثم قال ذاك المذكور: (لا يتصور أن تلبس عائشة ﵂ الذهب الملحق ورسول الله ﷺ كل يوم معها وفي بيتها ثم لا ينهاها عنه). قلت: هذه مغالطة ظاهرة - ولعلها غير مقصودة - إذ ليس في الأثر المتقدم أن عائشة لبسته على علم منه ﷺ بل فيه أن القاسم بن محمد رآها تلبسه فمعنى ذلك أن لبسها إياه إنما كان بعد وفاته ﷺ لأن القاسم لم يدركه ﷺ ثم قال عطفا على ما سبق: (أو ينهى عنه رسول الله ﷺ ولا يبلغها؟ فهذا مستحيل قطعا) قلت: لا استحالة في ذلك إلا نظرا وهذا ليس يهمنا لأن الواقع خلافه فكم من سنن فعلية وأقوال نبوية خفيت على كبار الصحابة ﵃ ولولا صحة السند بذلك عنهم لقلنا كما قال المومأ إليه هاهنا ولا يتحمل هذا التعليق الإكثار من أمثلة ذلك فلنقتصر على مثالين منها:

стр. 199

١ - أن عائشة ترى أن الإقراء إنما هي الأطهار كما قال أحمد في [المسائل) (١٨٥) وروى مالك في [الموطأ) (٢/ ٩٦) بسند صحيح جدا عنها أنها قالت: (تدرون ما الإقراء؟ إنما الإقراء الأطهار) ونحوه في مسائل الإمام أحمد لابنه عبد الله (ص ٢٣١). أقول: وقد ثبت في السنة أن القرء إنما هو الحيض وبه قال الحنفية والرجل منهم فهل يرد حضرته مذهبه ولا سيما أنه موافق للسنة من أجل قول عائشة هذا؟ أم يجعل قولها دليلا على نسخ ذلك كما فعل في مسألتنا هذه؟ ٢ - قالت عائشة ﵂: دخل رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله قال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا أو ما شاء الله قال: هو حسبك من النار أخرجه أبو داود (١/ ٢٤٤) وغيره وإسناده على شرط الصحيح كما قال الحافظ في [التخليص) (٦/ ١٩) ومحمد بن عطاء الذي في إسناده هو محمد بن عمرو بن عطاء ثقة محتج به في [الصحيحين) كما في [الترغيب) وظنه ابن الجوزي في [التحقيق) (١/ ١٩٨ / ١) رجلا آخر فجهله وضعف الحديث من أجل ذلك فلا يلتفت إليه. فهذا الحديث صريح في إيجاب الزكاة على الحلي وهو حجة الذين ذهبوا إلى إيجابه ومنهم الحنفية.

стр. 200

ثم إنه قد ورد عن عائشة نفسها ما يعارض هذا الحديث وهو ما أخرجه مالك (١/ ٢٤٥) عن القاسم ابن محمد (راوي حديث الخاتم) أن عائشة كانت تل بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج من حليهن الزكاة. سنده صحيح جدا وتقدم نحوه من رواية أحمد. فهذه مخالفة صريحة عن عائشة ﵂ لحديثها فإذا جاز في حقها ذلك فبالأحرى أن تخالف حديث غيرها لم تروه هي وهي على كل حال مأجورة فماذا يقول المشار إليه في هذه المخالفة؟ أيدع الحديث والمذهب لقولها أم يتمسك بالحديث ويدع قولها معتذرا عنها بأي عذر مقبول كما هو الواجب؟ وعلى كل حال فقد ظهر لكل من له قلب أن ما كان يظنه مما [لا يتصور) أو أنه [مستحيل قطعا) قد أثبتناه بالأسانيد الصحيحة ولازم ذلك أن لا يتلفت المسلم إلى أي قول يخالف ما ثبت عنه ﷺ مهما كان شأن قائله فضلا وعلما وصلاحا لانتفاء العصمة وهذا من الأسباب التي تشجعنا على الاستمرار في خطتنا من التمسك بالكتاب والسنة وعدم الاعتداد بما سواهما. كما صنعنا في هذه المسألة التي أسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين للعمل بها وبكل ما ثبت عنه ﷺ . ترك الأحاديث لعدم العلم بها بمن عمل بها وجوابه ٦ - هذا ولعل فيمن ينصر السنة ويعمل بها ويدعو إليها من يتوقف عن العمل بهذه الأحاديث بعذر أنه لا يعلم أحدا من السلف قال بها فليعلم هؤلاء الأحبة أن هذا العذر قد يكون مقبولا في بعض المسائل التي يكون

стр. 201

طريق تقريرها إنما هو الاستنباط والاجتهاد فحسب لأن النفس حينئذ لا تطمئن لها خشية أن يكون الاستنباط خطأ. ولا سيما إذا كان المستنبط من هؤلاء المتأخرين الذين يقررون أمورا لم يقل بها أحد من المسلمين بدعوى أن المصلحة تقتضي تشريعها دون أن ينظروا إلى موافقتها لنصوص الشرع أولا مثل إباحة بعضهم للربا الذي سماه بـ (الربا الاستهلاكي) واليانصيب الخيري - زعموا - ونحوهما أما ومسألتنا ليست من هذا القبيل فإن فيها نصوصا صريحة محكمة لم يأت ما ينسخها - كما سبق بيانه - فلا يجوز ترك العمل بها للعذر المذكور. ولا سيما أننا قد ذكرنا من قال بها مثل أبي هريرة ﵁ وولي الله الدهلوي وغيرهما كما تقدم ولا بد أن يكون هناك غير هؤلاء ممن عمل بهذه الأحاديث لم نعرفهم لأن الله تعالى لم يتعهد لنا بحفظ أسماء كل من عمل بنص ما من كتاب أو سنة وإنما تعهد بحفظهما فقط كما قال: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون فوجب العمل بالنص سوءا علمنا من قال به أو لم نعلم ما دام لم يثبت نسخه كما هو الشأن في مسألتنا هذه وأختم هذا البحث بكلمة طيبة للعلامة المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى لها مساس كبير بما نحن فيه قال: في [إعلام الموقعين) (٣/ ٤٦٤ - ٤٦٥): (وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله ﷺ برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنا من كان ويهجرون فاعل ذلك وينكرون على من يضرب له الأمثال ولا يسوغون غير الانقياد له ﷺ والتسليم

стр. 202

والتلقي بالسمع والطاعة ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان. بل كانوا عاملين بقوله تعالى: ﴿) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] , وبقوله تعالى: ﴿) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: ٦٥]. وبقوله تعالى: ﴿) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]. وأمثالها فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا يقول: من قال هذا؟ دفعا في صدر الحديث ويجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفته وترك العمل به ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله ﷺ بمثل هذا الجهل وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله ﷺ وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة. والله المستعان)

стр. 203

صفة لباس المرأة إن تتبعنا الآيات القرآنية والسنة المحمدية والآثار السلفية في هذا الموضوع الهام قد بين لنا أن المرأة إذا خرجت من دارها وجب عليها أن تستر جميع بدنها وأن لا تظهر شيئا من زينتها حاشا وجهها وكفيها - إن شاءت - بأي نوع أو زي من اللباس ما وجدت فيه الشروط الآتية: الشرط الأول: (استيعاب جميع البدن إلا ما استثني) , فهو في قوله تعالى في [سورة النور: الآية ٣١]: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقوله تعالى في [سورة الأحزاب: الآية ٥٩]: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾. ففي الآية الأولى التصريح بوجوب ستر الزينة كلها وعدم إظهار شيء منها أمام الأجانب إلا ما ظهر بغير قصد منهن فلا يؤاخذن عليه إذا بادرن

стр. 204

إلى ستره قال الحافظ ابن كثير في (تفسيره): (أي: لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه قال ابن مسعود: كالرداء والثياب يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه لأن هذا لا يمكن إخفاؤه) وقد روى البخاري (٧/ ٢٩٠) ومسلم (٥/ ١٩٧) عن أنس ﵁ قال: (صحيح) (لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوب عليه بحجفة له. . . ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما (يعني الخلاخيل) تنقزان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم. . .) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (وهذه كانت قبل الحجاب ويحتمل أنها كانت عن غير قصد للنظر) قلت: وهذا المعنى الذي ذكرنا في تفسير: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] هو المتبادر من سياق الآية وقد اختلفت أقوال السلف في تفسيرها: فمن قائل: إنها الثياب الظاهرة. ومن قائل: إنها الكحل والخاتم والسوار والوجه وغيرها من الأقوال التي رواها ابن جرير في (تفسيره) (١٨/ ٨٤) عن بعض الصحابة والتابعين ثم اختار هو أن المراد بهذا الاستثناء الوجه والكفان فقال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك الوجه والكفين يدخل في ذلك - إذا كان كذلك - الكحل والخاتم والسوار والخضاب وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته, وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما

стр. 205

روي [الحديث منكر] عن النبي ﷺ أنه أباح لها أن تبدي من ذراعها قدر النصف فإذا كان ذلك من جميعهم إجماعا كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره وإذا كان لها إظهار ذلك كان معلوما أنه مما استثنى الله تعالى ذكره بقوله:: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] لأن كل ذلك ظاهر منها). وهذا الترجيح غير قوي عندي لأنه غير متبادر من الآية على الأسلوب القرآني وإنما هو ترجيح بالإلزام الفقهي وهو غير لازم هنا لأن للمخالف أن يقول: جواز كشف المرأة عن وجهها في الصلاة أمر خاص بالصلاة فلا يجوز أن يقاس عليه الكشف خارج الصلاة لوضوح الفرق بين الحالتين. أقول هذا مع عدم مخالفتنا له في جواز كشفها وجهها وكفيها في الصلاة وخارجها لدليل بل لأدلة أخرى غير هذه كما يأتي بيانه وإنما المناقشة هنا في صحة هذا الدليل بخصوصه لا في صحة الدعوى فالحق في معنى هذا الاستثناء ما أسلفناه أول البحث وأيدناه بكلام ابن كثير. ويؤيده أيضا ما في (تفسير القرطبي) (١٢/ ٢٢٩): (قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن ونحو ذلك فـ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه).

стр. 206

قال القرطبي: (قلت: هذا قول حسن إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال لها: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه فهذا أقوى في جانب الاحتياط ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها والله الموفق لا رب سواه). قلت: وفي هذا التعقيب نظر أيضا؛ لأنه وإن كان الغالب على الوجه والكفين ظهورهما بحكم العادة فإنما ذلك بقصد من المكلف, والآية حسب فهمنا إنما أفادت استثناء ما ظهر دون قصد فكيف يسوغ حينئذ جعله دليلا شاملا لما ظهر بالقصد؟ فتأمل. ثم تأملت فبدا لي أن قول هؤلاء العلماء هو الصواب وأن ذلك من دقة نظرهم ﵏ وبيانه: أن السلف اتفقوا على أن قوله تعالى:: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعود إلى فعل يصدر من المرأة المكلفة غاية ما في الأمر أنهم اختلفوا فيما تظهره بقصد منها فابن مسعود يقول: هو ثيابها أي: جلبابها. وابن عباس ومن معه من الصحابة وغيرهم يقول: هو الوجه والكفان منها. فمعنى الآية حينئذ: إلا ما ظهر عادة بإذن الشارع وأمره.

стр. 207

ألست ترى أن المرأة لو رفعت من جلبابها حتى ظهر من تحته شيء من ثيابها وزينتها - كما يفعل ذلك بعض المتجلببات السعوديات - أنها تكون قد خالفت الآية باتفاق العلماء فقد التقى فعلها هذا مع فعلها الأول وكلاهما بقصد منها لا يمكن إلا هذا فمناط الحكم إذن في الآية ليس هو ما ظهر دون قصد من المرأة - فهذا مما لا مؤاخذة عليه في غير موضع الخلاف أيضا اتفاقا - وإنما هو فيما ظهر دون إذن من الشارع الحكيم فإذا ثبت أن الشرع سمح للمرأة بإظهار شيء من زينتها سواء كان كفا أو وجها أو غيرهما فلا يعترض عليه بما كنا ذكرناه من القصد لأنه مأذون فيه كإظهار الجلباب تماما كما بينت آنفا. فهذا هو توجيه تفسير الصحابة الذين قالوا: إن المراد بالاستثناء في الآية الوجه والكفان وجريان عمل كثير من النساء في عهد النبي ﷺ وبعده كما سترى في النصوص الآتية المتواترة معنى. ويعود الفضل في التنبه لهذا التوجيه - بعد الله تعالى - إلى الحافظ أبي الحسن بن القطان الفاسي رحمه الله تعالى في كتابه القيم الفريد الذي أطلعني الله عليه وأنا أهيئ مقدمة هذه الطبعة الجديدة ألا وهو (النظر في أحكام النظر) فقد تكلم فيها بعلم واسع ونظر ثاقب على كل مسائله ومنها ما نحن فيه فنبهني على ما أشرت إليه قوله فيه (ق ١٤/ ٢): (وإنما نعني بالعادة هنا عادة من نزل عليهم القرآن وبلغوا عن النبي ﷺ الشرع وحضروا به خطاب المواجهة ومن لزم تلك العادة بعدهم إلى هلم جرا لا لعادة النسوان وغيرهم المبدين أجسادهم وعوراتهم).

стр. 208

قلت: فابن عباس ومن معه من الأصحاب والتابعين والمفسرين إنما يشيرون بتفسيرهم لآية: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ إلى هذه العادة التي كانت معروفة عند نزولها وأقروا عليها فلا يجوز إذن معارضة تفسيرهم بتفسير ابن مسعود الذي لم يتابعه عليه أحد من الصحابة لأمرين اثنين: الأول: أنه أطلق الثياب ولا قائل بهذا الإطلاق؛ لأنه يشمل الثياب الداخلية التي هي في نفسها زينة كما تفعله بعض السعوديات كما تقدم فإذن هو يريد منها الجلباب فقط الذي تظهره المرأة من ثيابها إذا خرجت من دارها. والآخر: أن هذا التفسير - وإن تحمس له بعض المتشددين - لا ينسجم مع بقية الآية وهي: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآية؛ فالزينة الأولى هي عين الزينة الثانية كما هو معروف في الأسلوب العربي: أنهم إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه فهو هو فإذا كان الأمر كذلك فهل الآباء ومن ذكروا معهم في الآية لا يجوز لهم أن ينظروا إلا إلى ثيابهن الباطنة؟ ولذلك قال أبو بكر الجصاص ﵀ في (أحكام القرآن) (٣/ ٣١٦): (وقول ابن مسعود في أن: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هو الثياب لا معنى له؛ لأنه معلوم أنه ذكر الزينة والمراد العضو الذي عليه الزينة. ألا ترى أن سائر ما تتزين به من الحلي والقلب والخلخال والقلادة يجوز أن تظهرها للرجال إذا لم تكن هي لابستها فعلمنا أن المراد مواضع الزينة كما قال في نسق الآية بعد هذا ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾

стр. 209

والمراد موضع الزينة فتأويلها على الثياب لا معنى له إذ كان مما يرى الثياب عليها دون شيء من بدنها كما يراها إذا لم تكن لابستها). وكأنه لهذا لم يعرج عليه الحافظ ابن القطان في كتابه الآنف الذكر وقد ذكره في جملة ما قيل في تفسير الآية كما ذكر أقوال العلماء والمذاهب حولها بتفصيل وتحرير وتحقيق فيها لا أعرف له مثيلا, ثم ساق بعض الأحاديث التي يمكن الاستدلال بها على جواز إبداء المرأة لوجهها وكفيها للأجانب. ومع أنه فاته الكثير من الأحاديث التي ذكرت في كتابنا هذا فقد ناقشها مناقشة دقيقة وميز صحيحها وسقيمها وما يصح الاستدلال به وما لا يصح من الناحية الفقهية دون أن يتحيز لفئة. ثم تكلم على الآية وفسرها تفسيرا بديعا يدل على أنه إمام في التفسير والفقه أيضا كما هو في الحديث فأفاد ﵀ أن النهي فيها مطلق من وجوه ذكرها وهي أربعة وفصل القول فيها تفصيلا رائعا ويهمنا هنا منها رابعها فقال (ق ١٥/ ١): (ومطلقة بالنسبة إلى كل ناظر ورد على إطلاقه منها استثناءان: أحدهما: على مطلق الزينة وخصص به منها (ما ظهر منها) فيجوز إبداؤه لكل واحد. والآخر: على مطلق الناظرين الذين يبدى لهم شيء من ذلك فخصص منهم البعولة ومن بعدهم). وبعد أن ساق قول ابن مسعود وأقوال الصحابة والتابعين المخالفة وأقوال المذاهب والأحاديث المشار إليها آنفا قال ملخصا للموضوع وموضحا رأيه فيه (ق ٢١/ ١):

стр. 210

(الأحاديث المذكورة في الباب إما أن تدل على إبدائها جميع ذلك (يعني: الوجه والكفين) أو بعضه دلالة يمكن الانصراف عنها بتحميل اللفظ أو القصة غير ذلك لكن الانصراف عما يدل عليه ظاهر اللفظ أو سياق القصة لا يكون جائزا إلا بدليل عاضد يصير الانصراف تأويلا وإذا لم يكن هناك دليل كان الانصراف تحكما. فعلى هذا يجب القول بما تظاهرت هذه الظواهر وتعاضدت عليه من جواز إبداء المرأة وجهها وكفيها لكن يستثنى من ذلك ما لا بد من استثنائه قطعا, وهو ما إذا قصدت بإبداء ذلك التبرج وإظهار المحاسن فإن هذا يكون حراما ويكون الذي يجوز لها إنما هو إبداء ما هو في حكم العادة ظاهر حين التصرف والتبذل فلا يجب عليها أن تتعاهده بالستر بخلاف ما هو في العادة (أي الشرعية) مستور إلا أن يظهر بقصد كالصدر والبطن فإن هذا لا يجوز لها إبداؤه ولا يعفى لها عن بدوه ويجب عليها ستره في حين التصرف كما يجب من ستره في حين الطمأنينة ويعضد هذه الظواهر وهذا المنزع قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾. فمعنى الآية: لا يبدين زينتهن في مواضعها لأحد من الخلق إلا ما كان عادة ظاهرة عند التصرف فما وقع من بدوه وإبدائه بغير قصد التبرج والتعرض للفتنة فلا حرج فيه) ثم قال (ق ٢١/ ٢): (ويتأيد المعنى الذي حملنا عليه الآية من أن الظاهر هو الوجه والكفان بقوله تعالى المتقدم متصلا به: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فإنه يفهم منه أن القرطة قد يعفيهن عند بدو وجوههن عن تعاهد سترها فتنكشف فأمرن أن يضربن بالخُمر على الجيوب حتى لا يظهر شيء من ذلك إلا الوجه الذي من شأنه أن يظهر حين التصرف, إلا أن يستر بقصد وتكلف

стр. 211

مشقة وكذلك الكفان وذكر أهل التفسير أن سبب نزول الآية هو أن النساء كن وقت نزولها إذا غطين رؤوسهن بالخمر يسدلنها خلفهن كما تصنع النبط فتبقى النحور والأعناق بادية فأمر الله سبحانه بضرب الخمر على الجيوب ليستر جميع ما ذكر وبالغ في امتثال هذا الأمر نساء المهاجرين والأنصار فزدن فيه تكثيف الخمر. . .). ثم ذكر حديث عائشة الآتي (ص ٧٨) لكن من رواية أبي داود بلفظ: (شققن أكنف (وقال ابن صالح: أكثف) مروطهن فاختمرن بها). وقال: (هذا إسناد حسن). ثم قال الحافظ ابن القطان رحمه الله تعالى: (فإن قيل: هذا الذي ذهبت إليه من أن المرأة معفو لها عن بدو وجهها وكفيها - وإن كانت مأمورة بالستر جهدها - يظهر خلافه من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ الآية؟ فالجواب أن يقال: يمكن أن يفسر هذا (الإدناء) تفسيرا لا يناقض ما قلناه وذلك بأن يكون معناه: يدنين عليهن من جلابيبهن ما لا يظهر معه القلائد والقرطة مثل قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾؛ فإن (الإدناء) المأمور به مطلق بالنسبة إلى كل ما يطلق عليه (إدناء) فإذا حملناه على واحد مما يقال عليه (إدناء) يقضي به عن عهدة الخطاب إذ لم يطلب به كل (إدناء) فإنه إيجاب بخلاف النهي والنفي).

стр. 212

ويلاحظ القراء الكرام أن هذا البحث القيم الذي وقفت عليه بفضل الله من كلام هذا الحافظ ابن القطان يوافق تمام الموافقة ما كنت ذكرته اجتهادا مني وتوفيقا بين الأدلة: أن الآية مطلقة كما ستراه مصرحا به (ص ٨٧) فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. نعم حديث عائشة عند أبي داود دليل واضح على جواز إظهار المرأة الوجه والكفين لولا أن فيه ما بيناه في التعليق إلا أنه من الممكن أن يقال: إنه يقوى بكثرة طرقه وقد قواه البيهقي, كما يأتي أدناه فيصلح حينئذ دليلا على الجواز المذكور. لا سيما وقد عمل به كثير من النساء في عهد النبي ﷺ حيث كن يكشفن عن وجوههن وأيديهن بحضرته ﷺ وهو لا ينكر ذلك عليهن وفي ذلك عدة أحاديث نسوق ما يحضرنا الآن منها: ١ - (صحيح) عن جابر بن عبد الله قال: (شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم فقامت امرأة من سطة النساء (أي: جالسة في وسطهن) سفعاء الخدين (أي: فيهما تغير وسواد) فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن).

стр. 213

٢ - (صحيح) عن ابن عباس [عن الفضل بن عباس]: (أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله ﷺ في حجة الوداع [يوم النحر] والفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ [وكان الفضل رجلا وضيئا. . . فوقف النبي ﷺ للناس يفتيهم]) الحديث وفيه: (فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها وكانت امرأة حسناء (وفي رواية: وضيئة) (وفي رواية: فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها) [وتنظر إليه] فأخذ رسول الله ﷺ بذقن الفضل فحول وجهه من الشق الآخر). وفي رواية لأحمد (١/ ٢١١) من حديث الفضل نفسه: (فكنت أنظر إليها فنظر إلي النبي ﷺ فقلب وجهي عن وجهها ثم أعدت النظر فقلب وجهي عن وجهها حتى فعل ذلك ثلاثا وأنا لا أنتهي) ورجاله ثقات لكنه منقطع إن كان الحكم بن عتيبة لم يسمعه من ابن عباس. وروى هذه القصة علي بن أبي طالب ﵁ وذكر أن الاستفتاء كان عند المنحر بعد ما رمى رسول الله ﷺ الجمرة وزاد: (فقال له العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما). ٣ - (صحيح) عن سهل بن سعد: (أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ [وهو في المسجد] فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي [فصمت فلقد رأيتها قائمة مليا أو قال: هوينا] فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعد

стр. 214

النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه, فلما رأت المرأة أنه لم يقصد فيها شيئا جلست) الحديث. ٤ - (صحيح) عن عائشة ﵂ قالت: (كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفن من الغَلس). ووجه الاستدلال بها هو قولها: (لا يعرفن من الغلس) فإن مفهومه أنه لولا الغلس لعرفن وإنما يعرفن عادة من وجوههن وهي مكشوفة فثبت المطلوب. وقد ذكر معنى هذا الشوكاني (٢/ ١٥) عن الباجي. ثم وجدت رواية صريحة في ذلك بلفظ: (وما يعرف بعضنا وجوه بعض) (صحيح). ٥ - (صحيح) عن فاطمة بنت قيس: (أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة (وفي رواية: آخر ثلاث تطليقات) وهو غائب. . . فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له. . فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك [عنده]. (وفي رواية: انتقلي إلى أم شريك - وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها الضيفان - فقلت: سأفعل فقال: لا تفعلي إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان فإني أكره أن يسقط خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن أم مكتوم [الأعمى]. . . وهو من البطن الذي

стр. 215

هي منه [فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك] , فانتقلت إليه فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي ينادي: الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله ﷺ فلما قضى صلاته جلس على المنبر فقال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال. . .) الحديث. وينبغي أن يعلم أن هذه القصة وقعت في آخر حياته ﷺ لأن فاطمة بنت قيس ذكرت أنها بعد انقضاء عدتها سمعت النبي ﷺ يحدث بحديث تميم الداري وأنه جاء وأسلم. وقد ثبت في ترجمة تميم أنه أسلم سنة تسع فدل ذلك على تأخر القصة عن آية الجلباب فالحديث إذن نص على أن الوجه ليس بعورة. ٦ - (صحيح) عن ابن عباس ﵄: (قيل له: شهدت العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم ولولا مكاني من الصغر ما شهدته حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى [قال: فنزل نبي الله ﷺ كأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم] ,ثم أتى النساء ومعه بلال [فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ﴾ [الممتحنة: ١٢]؛ فتلا هذه الآية حتى فرغ منها, ثم قال حين فرغ منها: أنتن على ذلك؟ فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن: نعم يا نبي الله قال:] فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة [قال: فبسط بلال ثوبه ثم قال: هلم لكن فداكن أبي وأمي] فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه (وفي
следующие страницы →