Полный текст (402 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
مشقة وكذلك الكفان وذكر أهل التفسير أن سبب نزول الآية هو أن النساء كن وقت نزولها إذا غطين رؤوسهن بالخمر يسدلنها خلفهن كما تصنع النبط فتبقى النحور والأعناق بادية فأمر الله سبحانه بضرب الخمر على الجيوب ليستر جميع ما ذكر وبالغ في امتثال هذا الأمر نساء المهاجرين والأنصار فزدن فيه تكثيف الخمر. . .).
ثم ذكر حديث عائشة الآتي (ص ٧٨) لكن من رواية أبي داود بلفظ: (شققن أكنف (وقال ابن صالح: أكثف) مروطهن فاختمرن بها). وقال:
(هذا إسناد حسن).
ثم قال الحافظ ابن القطان رحمه الله تعالى:
(فإن قيل: هذا الذي ذهبت إليه من أن المرأة معفو لها عن بدو وجهها وكفيها - وإن كانت مأمورة بالستر جهدها - يظهر خلافه من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ الآية؟
فالجواب أن يقال:
يمكن أن يفسر هذا (الإدناء) تفسيرا لا يناقض ما قلناه وذلك بأن يكون معناه: يدنين عليهن من جلابيبهن ما لا يظهر معه القلائد والقرطة مثل قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾؛ فإن (الإدناء) المأمور به مطلق بالنسبة إلى كل ما يطلق عليه (إدناء) فإذا حملناه على واحد مما يقال عليه (إدناء) يقضي به عن عهدة الخطاب إذ لم يطلب به كل (إدناء) فإنه إيجاب بخلاف النهي والنفي).
стр. 212
ويلاحظ القراء الكرام أن هذا البحث القيم الذي وقفت عليه بفضل الله من كلام هذا الحافظ ابن القطان يوافق تمام الموافقة ما كنت ذكرته اجتهادا مني وتوفيقا بين الأدلة: أن الآية مطلقة كما ستراه مصرحا به (ص ٨٧) فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
نعم حديث عائشة عند أبي داود دليل واضح على جواز إظهار المرأة الوجه والكفين لولا أن فيه ما بيناه في التعليق إلا أنه من الممكن أن يقال: إنه يقوى بكثرة طرقه وقد قواه البيهقي, كما يأتي أدناه فيصلح حينئذ دليلا على الجواز المذكور. لا سيما وقد عمل به كثير من النساء في عهد النبي ﷺ حيث كن يكشفن عن وجوههن وأيديهن بحضرته ﷺ وهو لا ينكر ذلك عليهن وفي ذلك عدة أحاديث نسوق ما يحضرنا الآن منها:
١ - (صحيح) عن جابر بن عبد الله قال:
(شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم فقامت امرأة من سطة النساء (أي: جالسة في وسطهن) سفعاء الخدين (أي: فيهما تغير وسواد) فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن).
стр. 213
٢ - (صحيح) عن ابن عباس [عن الفضل بن عباس]:
(أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله ﷺ في حجة الوداع [يوم النحر] والفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ [وكان الفضل رجلا وضيئا. . . فوقف النبي ﷺ للناس يفتيهم]) الحديث وفيه:
(فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها وكانت امرأة حسناء (وفي رواية: وضيئة) (وفي رواية: فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها) [وتنظر إليه] فأخذ رسول الله ﷺ بذقن الفضل فحول وجهه من الشق الآخر). وفي رواية لأحمد (١/ ٢١١) من حديث الفضل نفسه:
(فكنت أنظر إليها فنظر إلي النبي ﷺ فقلب وجهي عن وجهها ثم أعدت النظر فقلب وجهي عن وجهها حتى فعل ذلك ثلاثا وأنا لا أنتهي) ورجاله ثقات لكنه منقطع إن كان الحكم بن عتيبة لم يسمعه من ابن عباس.
وروى هذه القصة علي بن أبي طالب ﵁ وذكر أن الاستفتاء كان عند المنحر بعد ما رمى رسول الله ﷺ الجمرة وزاد:
(فقال له العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما).
٣ - (صحيح) عن سهل بن سعد:
(أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ [وهو في المسجد] فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي [فصمت فلقد رأيتها قائمة مليا أو قال: هوينا] فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعد
стр. 214
النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه, فلما رأت المرأة أنه لم يقصد فيها شيئا جلست) الحديث.
٤ - (صحيح) عن عائشة ﵂ قالت:
(كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفن من الغَلس).
ووجه الاستدلال بها هو قولها: (لا يعرفن من الغلس) فإن مفهومه أنه لولا الغلس لعرفن وإنما يعرفن عادة من وجوههن وهي مكشوفة فثبت المطلوب. وقد ذكر معنى هذا الشوكاني (٢/ ١٥) عن الباجي.
ثم وجدت رواية صريحة في ذلك بلفظ: (وما يعرف بعضنا وجوه بعض) (صحيح).
٥ - (صحيح) عن فاطمة بنت قيس:
(أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة (وفي رواية: آخر ثلاث تطليقات) وهو غائب. . . فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له. . فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك [عنده].
(وفي رواية: انتقلي إلى أم شريك - وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها الضيفان - فقلت: سأفعل فقال: لا تفعلي إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان فإني أكره أن يسقط خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن أم مكتوم [الأعمى]. . . وهو من البطن الذي
стр. 215
هي منه [فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك] , فانتقلت إليه فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي ينادي: الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله ﷺ فلما قضى صلاته جلس على المنبر فقال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال. . .) الحديث.
وينبغي أن يعلم أن هذه القصة وقعت في آخر حياته ﷺ لأن فاطمة بنت قيس ذكرت أنها بعد انقضاء عدتها سمعت النبي ﷺ يحدث بحديث تميم الداري وأنه جاء وأسلم.
وقد ثبت في ترجمة تميم أنه أسلم سنة تسع فدل ذلك على تأخر القصة عن آية الجلباب فالحديث إذن نص على أن الوجه ليس بعورة.
٦ - (صحيح) عن ابن عباس ﵄:
(قيل له: شهدت العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم ولولا مكاني من الصغر ما شهدته حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى [قال: فنزل نبي الله ﷺ كأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم] ,ثم أتى النساء ومعه بلال [فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ﴾ [الممتحنة: ١٢]؛ فتلا هذه الآية حتى فرغ منها, ثم قال حين فرغ منها: أنتن على ذلك؟ فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن: نعم يا نبي الله قال:] فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة [قال: فبسط بلال ثوبه ثم قال: هلم لكن فداكن أبي وأمي] فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه (وفي
стр. 216
رواية: فجعلن يلقين الفتخ والخواتم) في ثوب بلال ثم انطلق هو وبلال إلى بيته).
٧ - (صحيح) عن سبيعة بنت الحارث:
(أنها كانت تحت سعد بن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع وكان بدريا فوضعت حملها قبل أن ينقضي أربعة أشهر وعشر من وفاته فلقيها أبو السنابل بن بعكك حين تعلت من نفاسها وقد اكتحلت [واختضبت وتهيأت] فقال لها: اربعي على نفسك - أو نحو هذا - لعلك تريدين النكاح؟ إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك قالت: فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ما قال أبو السنابل بن بعكك فقال: قد حللت حين وضعت).
٨ - (حديث حسن أو صحيح) عن عائشة ﵂:
(أن امرأة أتت النبي ﷺ تبايعه ولم تكن مختضبة فلم يبايعها حتى اختضبت).
٩ - (صحيح) عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس:
ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ قالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي.
قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك) فقالت: أصبر فقالت: إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف فدعا لها.
١٠ - (صحيح) وعن ابن عباس أيضا قال:
(كانت امرأة تصلي خلف رسول الله ﷺ حسناء من أحسن الناس [قال ابن عباس: لا والله ما رأيت مثلها قط] فكان بعض
стр. 217
القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه [وجافى يديه] فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
١١ - (صحيح) عن ابن مسعود قال:
رأى رسول الله ﷺ امرأة فأعجبته فأتى سودة وهي تصنع طيبا وعندها نساء فأخلينه فقضى حاجته ثم قال: (أيما رجل رأى امرأة تعجبه فليقم إلى أهله فإن معها مثل الذي معها).
١٢ - (حسن) عن عبد الله بن محمد عن امرأة منهم قالت:
دخل علي رسول الله ﷺ وأنا آكل بشمالي وكنت امرأة عسرى فضرب يدي فسقطت اللقمة فقال: (لا تأكلي بشمالك وقد جعل الله ﵎ لك يمينا) أو قال: (وقد أطلق الله لك يمينا).
١٣ - (صحيح) عن ثوبان ﵁ قال:
جاءت بنت هبيرة إلى النبي ﷺ وفي يدها فتخ من ذهب [أي: خواتيم كبار] فجعل النبي ﷺ يضرب يدها بعصية معه يقول:
(أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار؟. . .) الحديث
ففي هذه الأحاديث دلالة على جواز كشف المرأة عن وجهها وكفيها فهي تؤيد حديث عائشة المتقدم وتبين أن ذلك هو المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] كما سبق (ص ٥١).
стр. 218
على أن قوله تعالى فيما بعد: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] يدل على ما دلت عليه بعض الأحاديث السابقة من عدم وجوب ستر المرأة لوجهها؛ لأن (الخمر) جمع خمار وهو ما يغطى به الرأس.
و (الجيوب) جمع (الجيب) وهو موضع القطع من الدرع والقميص وهو من الجوب وهو القطع فأمر تعالى بلي الخمار على العنق والصدر فدل على وجوب سترهما ولم يأمر بلبسه على الوجه فدل على أنه ليس بعورة ولذلك قال ابن حزم في (المحلى) (٣/ ٢١٦ - ٢١٧):
(فأمرهن الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب وهذا نص على ستر العورة والعنق والصدر وفيه نص على إباحة كشف الوجه لا يمكن غير ذلك).
إبطال دعوى أن هذه الأدلة كلها كانت قبل فرضية الجلباب:
أقول: فإن قيل: إن ما ذكرته واضح جدا غير أنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل فرض الجلباب فلا يصح الاستدلال حينئذ إلا بعد إثبات وقوعه بعد الجلباب. وجوابنا عليه من وجهين:
الأول: أن الظاهر من الأدلة أنه وقع بعد الجلباب وقد حضرنا في ذلك حديثان:
الأول: (صحيح) حديث أم عطية ﵂:
(أن النبي ﷺ لما أمر النساء أن يخرجن لصلاة العيد قالت أم عطية: إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: لتلبسها أختها من جلبابها). متفق عليه.
стр. 219
ففيه دليل على أن النساء إنما كن يخرجن إلى العيد في جلابيبهن وعليه فالمرأة السفعاء الخدين كانت متجلببة. ويؤيده الحديث الآتي وهو:
الحديث الثاني: حديثها أيضا قالت:
(لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جمع نساء الأنصار في بيت ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب فقام على الباب فسلم عليهن فرددن السلام فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليكن فقلن: مرحبا برسول الله ﷺ وبرسوله فقال: تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن ولا تعصين في معروف؟ فقلن: نعم فمد عمر يده من خارج الباب ومددن أيديهن من داخل ثم قال اللهم اشهد وأمرنا (وفي رواية: فأمرنا) أن نخرج في العيدين العتق والحيض ونهينا عن اتباع الجنائز ولاجمعة علينا فسألته عن البهتان, وعن قوله: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: هي النياحة).
ووجه الاستشهاد به إنما يتبين إذا تذكرنا أن آية بيعة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ﴾ [الممتحنة: ١٢] إنما نزلت يوم الفتح كما قال مقاتل (الدر) (٦/ ٢٠٩) ونزلت بعد آية الامتحان, كما أخرجه ابن مردويه عن جابر (الدر) (٦/ ٢١١) وفي (البخاري) عن المسور أن آية الامتحان نزلت في يوم الحديبية وكان ذلك سنة ست على الصحيح كما قال ابن القيم في (الزاد) وآية الحجاب إنما نزلت سنة ثلاثة وقيل: خمس حين بنى ﷺ بزينب بنت جحش كما في ترجمتها من (الإصابة).
стр. 220
فثبت من ذلك أن أمر النساء بالخروج إلى العيد إنما كان بعد فرض الجلباب ويؤيده أن في حديث عمر أنه لم يدخل على النساء وإنما بايعهن من وراء الباب وفي هذه القصة أبلغهن أمر النبي ﷺ النساء بأن يخرجن للعيد وكان ذلك في السنة السادسة عقب رجوعه ﷺ من الحديبية بعد نزول آية الامتحان والبيعة كما تقدم وبهذا تعلم معنى قول أم عطية في أول حديثها الثاني: (لما قدم رسول الله ﷺ المدينة) أي: من الحديبية ولا تعني قدومه إليها من مكة مهاجرا كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة. فتأمل.
الوجه الآخر: إذا فرضنا عجزنا عن إثبات ما ذكرنا فإن مما لا شك فيه عند العلماء أن إقراره ﷺ المرأة على كشف وجهها أمام الرجال دليل على الجواز وإذا كان الأمر كذلك فمن المعلوم أن الأصل بقاء كل حكم على ما كان عليه حتى يأتي ما يدل على نسخه ورفعه, ونحن ندعي أنه لم يأت شيء من ذلك هنا بل جاء ما يؤيد بقاءه واستمراره كما سترى فمن ادعى خلاف ذلك فهو الذي عليه أن يأتي بالدليل الناسخ وهيهات هيهات.
على أننا قد أثبتنا فيما تقدم من حديث الخثعمية أن الحادثة كانت في حجة النبي ﷺ وهي كانت بعد فرض الجلباب يقينا وما أجابوا عنها تقدم إبطاله بما لا يبقي شبهة.
ويؤيد ذلك قوله تعالى في صدر الآية المتقدمة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ....... وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [النور: ٣٠ - ٣١]؛ فإنها تشعر بأن في المرأة شيئا مكشوفا يمكن النظر إليه.
стр. 221
فلذلك أمر تعالى بغض النظر عنهن وما ذلك غير الوجه والكفين, مثلها قوله ﷺ : (صحيح) (إياكم والجلوس بالطرقات. . . . فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
وقوله: (الحديث حسن) (يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة)
وعن جرير بن عبد الله قال:
(صحيح) (سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؟ فأمرني ﷺ أن أصرف بصري).
هذا وقد ذكر القرطبي (١٢/ ٢٣٠) وغيره في سبب نزول هذه الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. (أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة, وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر كما يصنع النبط. فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك. فأمر الله تعالى بلي الخمار على الجيوب).
وعن عائشة ﵂ قالت:
(صحيح) (يرحم الله نساء المهاجرين الأول لما أنزل الله:: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾؛ شققن مروطهن فاختمرن بها (وفي رواية: أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها).
стр. 222
وعن الحارث بن الحارث الغامدي قال:
(صحيح) ([قلت لأبي ونحن بمنى:] ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء القوم قد اجتمعوا على صابئ لهم قال: فنزلنا (وفي رواية: فتشرفنا) فإذا رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به وهم يردون عليه [قوله] ويؤذونه حتى انتصف النهار وتصدع عنه الناس وأقبلت امرأة قد بدا نحرها [تبكي] تحمل قدحا [فيه ماء] ومنديلا فتناوله منها وشرب وتوضأ ثم رفع رأسه [إليها] فقال: يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك [غلبة ولا ذلا] قلت: من هذه؟ قالوا: [هذه] زينب بنته).
ثم إن قوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] , يدل على أن النساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن أيضا, وإلا لاستطاعت إحداهن أن تبدي ما تخفي من الزينة (وهي الخلاخيل) ولاستغنت بذلك عن الضرب بالرجل, ولكنها كانت لا تستطيع ذلك؛ لأنه مخالفة للشرع مكشوفة. ومثل هذه المخالفة لم تكن معهودة في عصر الرسالة ولذلك كانت إحداهن تحتال بالضرب بالرجل لتعلم الرجال ما تخفي من الزينة فنهاهن الله تعالى عن ذلك وبناء على ما أوضحنا قال ابن حزم في (المحلى) (٣/ ٢١٦):
(هذا نص على أن الرجلين والساقين مما يخفى ولا يحل إبداؤه) ويشهد لهذا من السنة حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (حسن صحيح) (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرا
стр. 223
فقالت: إذن تنكشف أقدامهن قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه).أخرجه الترمذي (٣/ ٤٧) وقال: (هذا حديث حسن صحيح).
وفي الحديث رخصة للنساء في جر الإزار لأنه يكون أستر لهن وقال البيهقي:
(وفي هذا دليل على وجوب ستر قدميها) , وعلى هذا جرى العمل من النساء في عهده ﷺ وما بعده وترتب عليه بعض المسائل الشرعية فقد أخرج مالك وغيره.
(صحيح) عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ قالت أم سلمة: قال رسول الله ﷺ :
(يطهره ما بعده).
وعن امرأة من بني عبد الأشهل قالت:
(صحيح) (قلت: يا رسول الله إن لنا طريقا إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى قال: فهذه بهذه)
ومن أجل ذلك كان من شروط المسلمين الأولين على أهل الذمة أن تكشف نساؤهم عن سوقهن وأرجلهن لكي لا يتشبهن بالمسلمات كما جاء في (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) (ص ٥٩)
ثم إن الله تعالى بعد أن بين في الآية السابقة - آية النور - ما يجب على المرأة أن تخفي من زينتها أمام الأجانب ومن يجوز أن تظهرها أمامهم أمرها في الآية الأخرى إذا خرجت من دارها أن تلتحف فوق ثيابها وخمارها
стр. 224
بالجلباب أو الملاءة لأنه أستر لها وأشرف لسيرتها وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٩].ولما نزلت خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية.
والجلباب: هو الملاءة التي تلتحف به المرأة فوق ثيابها على أصح الأقوال وهو يستعمل في الغالب إذا خرجت من دارها كما روى الشيخان وغيرهما عن أم عطية ﵂ قالت:
(صحيح) (أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحيض وذوات الخدور فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: لتلبسها أختها من جلبابها).
قال الشيخ أنور الكشميري في (فيض الباري) (١/ ٣٨٨) تعليقا على هذا الحديث:
(وعلم منه أن الجلباب مطلوب عند الخروج وأنها لا تخرج إن لم يكن لها جلباب. والجلباب رداء ساتر من القرن إلى القدم. وقد مر مني أن الخمر في البيوت والجلابيب عند الخروج وبه شرحت الآيتين في الحجاب: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] والثانية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩])
وقال في المكان الذي أشار إليه (١/ ٢٥٦) بعد أن فسر الجلباب والخمار بنحو ما تقدم:
стр. 225
فإن قلت: إن إدناء الجلباب يغني عن ضرب الخمر على جيوبهن قلت: بل إدناء الجلباب فيما إذا خرجت من بيتها لحاجة وضرب الخمر في عامة الأحوال فضرب الخمر محتاج إليه).
قلت: وتقييده الخمر بالبيوت فيه نظر لأنه خلاف الظاهر من الآية الأولى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ ......... وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ .... ﴾ [النور: ٣١] فإن النهي عن الضرب بالأرجل قرينة واضحة على أن الأمر بضرب الخمر خارج الدار أيضا وكذلك قوله في صدر الآية: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ... الآية [النور: ٣١].
فالحق الذي يقتضيه العمل بما في آيتي النور والأحزاب أن المرأة يجب عليها إذا خرجت من دارها أن تختمر وتلبس الجلباب على الخمار؛ لأنه كما قلنا سابقا أستر لها وأبعد عن أن يصف حجم رأسها وأكتافها وهذا أمر يطلبه الشارع. كما سيأتي بيانه عند الكلام على (الشرط الرابع) والذي ذكرته هو الذي فسر به بعض السلف آية الإدناء ففي (الدر) (٥/ ٢٢٢). (وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ قال: يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت به رأسها ونحرها).
واعلم أن هذا الجمع بين الخمار والجلباب من المرأة إذا خرجت قد أخل به جماهير النساء المسلمات, فإن الواقع منهن إما الجلباب وحده على رؤوسهن ,أو الخمار وقد يكون غير سابغ في بعضهن كالذي يسمى اليوم بـ
стр. 226
(الإشارب) بحيث ينكشف منهن بعض ما حرم الله عليهن أن يظهرن من زينتهن الباطنة كشعر الناصية أو الرقبة مثلا.
وإن مما يؤكد وجوب هذا الجمع حديث ابن عباس:: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية. واستثنى من ذلك: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾ الآية.
وتمام الآية: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠].
وفي رواية عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: (أن يضعن من ثيابهن) قال: الجلباب. وكذا قال ابن مسعود.
قلت: فهذا نص في وجوب وضع الجلباب على الخمار على جميع النساء إلا القواعد منهن (وهن اللاتي لا يطمع فيهن لكبرهن) فيجوز لهن أن لا يضعن الحجاب على رؤوسهن.
أفما آن للنساء الصالحات حيثما كن أن يتنبهن من غفلتهن ويتقين الله في أنفسهن ويضعن الجلابيب على خمرهن؟
ومن الغريب حقا أن لا يتعرض لبيان هذا الحكم الصريح في الكتاب والسنة كل الذين كتبوا اليوم - فيما علمت - عن لباس المرأة مع توسع بعضهم على الأقل في الكلام على أن وجه المرأة عورة مع كون ذلك مما اختلف فيه, والصواب خلافه كما تراه مفصلا في هذا الكتاب والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 227
ثم إن قوله: (والجلابيب عند الخروج) لا مفهوم له إذ إن الجلباب لستر زينة المرأة عن الأجانب, فسواء خرجت إليهم أو دخلوا عليها فلا بد على كل حال من أن تتجلبب ويؤيد هذا ما قاله قيس بن زيد:
(صحيح) (إن رسول الله ﷺ طلق حفصة بنت عمر. فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها فتجلببت فقال رسول الله ﷺ : إن جبريل أتاني فقال لي: أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة)
هذا ولا دلالة في الآية على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره, بل غاية ما فيها الأمر بإدناء الجلباب عليها وهذا كما ترى أمر مطلق فيحتمل أن يكون الإدناء على الزينة ومواضعها التي لا يجوز لها إظهارها حسبما صرحت به الآية الأولى. وحينئذ تنتفي الدلالة المذكورة ويحتمل أن يكون أعم من ذلك, فعليه يشمل الوجه.
وقد ذهب إلى كل من التأويلين جماعة من العلماء المتقدمين وساق أقوالهم قي ذلك ابن جرير في (تفسيره) والسيوطي في (الدر المنثور) ولا نرى فائدة كبرى بنقلها هنا, فنكتفي بالإشارة إليها. ومن شاء الوقوف عليهما فليرجع إليهما.
ونحن نرى أن القول الأول أشبه بالصواب لأمور:
الأول: أن القرآن يفسر بعضه بعضا. وقد تبين من آية النور المتقدمة أن الوجه لا يجب ستره فوجب تقييد الإدناء هنا بما عدا الوجه توفيقا بين الآيتين.
стр. 228
الآخر: أن السنة تبين القرآن فتخصص عمومه وتقيد مطلقه وقد دلت النصوص الكثيرة منها على أن الوجه لا يجب ستره فوجب تفسير هذه الآية على ضوئها وتقييدها بها.
فثبت أن الوجه ليس بعورة يجب ستره , وهو مذهب أكثر العلماء كما قال ابن رشد في (البداية) (١/ ٨٩) ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد كما في (المجموع) (٣/ ١٦٩) وحكاه الطحاوي في (شرح المعاني) (٢/ ٩) عن صاحبي أبي حنيفة أيضا وجزم في (المهمات) من كتب الشافعية أنه الصواب كما ذكره الشيخ الشربيني في (الإقناع) (٢/ ١١٠).
لكن ينبغي تقييد هذا بما إذا لم يكن على الوجه وكذا الكفين شيء من الزينة لعموم قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] , وإلا وجب ستر ذلك. ولا سيما في هذا العصر الذي تفنن فيه النساء بتزيين وجوههن وأيديهن بأنواع من الزينة والأصبغة مما لا يشك مسلم - بل عاقل ذو غيرة - في تحريمه وليس من ذلك الكحل والخضاب لاستثنائهما في الآية كما تقدم.
ويؤيد هذا ما أخرجه ابن سعد (٨/ ٢٣٨ - ٢٣٩) من طريق سفيان عن منصور عن ربعي بن خراش عن امرأة عن أخت حذيفة وكان له أخوات قد أدركن النبي ﷺ قالت:
(خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر النساء أليس لكن في الفضة ما تحلين؟ أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به.
стр. 229
قال منصور: فذكرت ذلك لمجاهد فقال: قد أدركتهن وإن إحداهن لتتخذ لكمها زرا تواري خاتمها).
وليس استشهادي في هذه الرواية بالحديث المرفوع وإن كان صريحا في ذلك - لأن في إسناده المرأة التي لم تسم - وإنما هو بقول مجاهد: (تواري خاتمها) , فهو نص صريح فيما ذكرت والحمد لله على توفيقه.
ثم رأيت قول مجاهد بسند آخر صحيح عنه في (مسند أبي يعلى) (٦٩٨٩).
هذا وقد أبان الله تعالى عن حكمة الأمر بإدناء الجلباب بقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]؛ يعني أن المرأة إذا التحفت بالجلباب عرفت بأنها من العفائف المحصنات الطيبات فلا يؤذيهن الفساق بما لا يليق من الكلام, بخلاف ما لو خرجت متبذلة غير مستترة فإن هذا مما يطمع الفساق فيها والتحرش بها, كما هو مشاهد في كل عصر ومصر.
فأمر الله تعالى نساء المؤمنين جميعا بالحجاب سدا للذريعة.
وأما ما أخرجه ابن سعد (٨/ ١٧٦): أخبرنا محمد بن عمر عن ابن أبي سبرة عن أبي صخر عن ابن كعب القرظي قال:
(ضعيف جدا) (كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن فإذا قيل له؟ قال: كنت أحسبها أمة فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن).
стр. 230
فلا يصح بل هو ضعيف جدا لأمور:
الأول: أن ابن كعب القرظي - واسمه محمد - تابعي لم يدرك عصر النبوة فهو مرسل.
الثاني: أن ابن أبي سبرة وهو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة ضعيف جدا قال الحافظ في (التقريب):
(رموه بالوضع).
والثالث: ضعف محمد بن عمر وهو الواقدي وهو مشهور بذلك عند المحدثين بل هو متهم.
وفي معنى هذه الرواية روايات أخرى أوردها السيوطي في (الدر المنثور) وبعضها عند ابن جرير وغيره , وكلها مرسلة لا تصح؛ لأن منتهاها إلى أبي مالك وأبي صالح والكلبي ومعاوية بن قرة والحسن البصري ولم يأت شيء منها مسندا , فلا يحتج بها ,ولا سيما أن ظاهرها مما لا تقبله الشريعة المطهرة ,ولا العقول النيرة؛ لأنها توهم أن الله تعالى أقر إماء المسلمين - وفيهن مسلمات قطعا - على حالهن من ترك التستر ولم يأمرهن بالجلباب ليدفعن به إيذاء المنافقين لهن.
ومن العجائب أن يغتر بعض المفسرين بهذه الروايات الضعيفة فيذهبوا بسببها إلى تقييد قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] بالحرائر دون الإماء, وبنوا على ذلك أنه لا يجب على الأمة ما يجب على الحرة من ستر الرأس والشعر بل بالغ بعض المذاهب فذكر أن عورتها مثل عورة الرجل: من السرة إلى الركبة وقالوا:
стр. 231
(فيجوز للأجنبي النظر إلى شعر الأمة وذراعها وساقها وصدرها وثديها).وهذا - مع أنه لا دليل عليه من كتاب أو سنة - مخالف لعموم قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]؛ فإنه من حيث العموم كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية [النساء: ٤٣] ولهذا قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره: (البحر المحيط) (٧/ ٢٥٠):
(والظاهر أن قوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء, والفتنة بالإماء أكثر؛ لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح).
وسبقه إلى ذلك الحافظ ابن القطان في (أحكام النظر) (ق ٢٤/ ٢) وغيره. وما أحسن ما قال ابن حزم في (المحلى) (٣/ ٢١٨ - ٢١٩):
(وأما الفرق بين الحرة والأمة فدين الله واحد والخلقة والطبيعة واحدة كل ذلك في الحرائر والإماء سواء حتى يأتي نص في الفرق بينهما في شيء فيوقف عنده). قال:
(وقد ذهب بعض من وهل في قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك؛ لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يتعرضوهن).
стр. 232
ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد الذي هو إما زلة عالم, أو وهلة فاضل عاقل ,أو افتراء كاذب فاسق؛ لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين وهذه مصيبة الأبد وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة, وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة ولا فرق ,وأن تعرض الحرة في التحريم كتعرض الأمة ولا فرق ولهذا وشبهه وجب أن لا يقبل قول أحد بعد رسول الله ﷺ إلا بأن يسنده إليه ﵇.
ولا يعارض ما تقدم حديث أنس:
(صحيح) (أن النبي ﷺ لما اصطفى لنفسه من سبي خيبر صفية بنت حيي قال الصحابة: ما ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد؟ فقالوا: إن يحجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد. فلما أراد أن يركب حجبها حتى قعدت على عجز البعير فعرفوا أنه تزوجها (وفي رواية: وسترها رسول الله ﷺ وحملها وراءه وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه)
نقول: لا مخالفة بين هذا الحديث وبين ما اخترناه من تفسير الآية لأنه ليس فيه نفي الجلباب وإنما فيه نفي (الحجاب) ولا يلزم منه نفي الجلباب مطلقا إلا احتمالا ويحتمل أن يكون المنفي الجلباب الذي يتضمن حجب الوجه أيضا كما هو صريح قوله في الحديث نفسه: (وجعل رداءه على ظهرها ووجهها) ويقوي هذا الاحتمال أيضا ما سيأتي بيانه.
فهذه الخصوصية هي التي كان بها يعرف الصحابة حرائره ﵇ من إمائه وهي المراد من قولهم المتقدم سلبا وإيجابا: (إن يحجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد).
стр. 233
فيتضح من هذا أن معنى قولهم: (وإن لم يحجبها) أي: في وجهها فلا ينفي حجب سائر البدن من الأمة وفيه الرأس فضلا عن الصدر والعنق فاتفق الحديث مع الآية والحمد لله على توفيقه.
والخلاصة: أنه يجب على النساء جميعا أن يتسترن إذا خرجن من بيوتهن بالجلابيب لا فرق في ذلك بين الحرائر والإماء ويجوز لهن الكشف عن الوجه والكفين فقط لجريان العمل بذلك في عهد النبي ﷺ مع إقراره إياهن على ذلك.
ومن المفيد هنا أن نستدرك ما فاتنا في الطبعات السابقة من الآثار السلفية التي تنص على جريان العمل بذلك أيضا بعد النبي ﷺ فأقول:
١ - (صحيح) عن قيس بن أبي حازم قال:
(دخلت أنا وأبي على أبي بكر ﵁ وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم عنده أسماء بنت عميس تذب عنه وهي [امرأة بيضاء] موشومة اليدين, كانوا وشموها في الجاهلية نحو وشم البربر فعرض عليه فرسان فرضيهما فحملني على أحدهما وحمل أبي على الآخر).
٢ - (إسناده جيد في الشواهد) عن أبي السليل قال:
جاءت ابنة أبي ذر وعليها مجنبتا صوف سفعاء الخدين ومعها قفة لها فمثلت بين يديه وعنده أصحابه فقالت: يا أبتاه زعم الحراثون والزراعون أن أفلسك هذه بهرجة فقال: يا بنية ضعيها فإن أباك أصبح بحمد الله ما يملك من صفراء ولا بيضاء إلا أفلسه هذه.
стр. 234
٣ - (سنده لا بأس به في الشواهد) عن عمران بن حصين قال:
كنت مع رسول الله ﷺ قاعدا إذ أقبلت فاطمة رحمها الله فوقفت بين يديه فنظرت إليها وقد ذهب الدم من وجهها فقال: ادني يا فاطمة فدنت حتى قامت بين يديه فرفع يده فوضعها على صدرها موضع القلادة وفرج بين أصابعه ثم قال:
(اللهم مشبع الجاعة ورافع الوضيعة لا تجع فاطمة بنت محمد ﷺ
قال عمران: فنظرت إليها وقد غلب الدم على وجهها وذهبت الصفرة كما كانت الصفرة قد غلبت على الدم.
قال عمران:
لقيتها بعد فسألتها؟ فقالت: ما جعت بعد يا عمران.
٤ - (سنده حسن) عن قبيصة بن جابر قال:
(كنا نشارك المرأة في السورة من القرآن نتعلمها فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود [في بيته] في ثلاث نفر فرأى جبينها يبرق فقال: أتحلقينه؟ فغضبت وقالت: التي تحلق جبينها امرأتك قال: فادخلي عليها فإن كانت تفعله فهي مني بريئة فانطلقت ثم جاءت فقالت: لا والله ما رأيتها تفعله فقال عبد الله بن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(لعن الله الواشمات والمستوشمات. . . .) ألخ.
стр. 235
٥ - (صحيح) عن أبي أسماء الرحبي أنه دخل على أبي ذر [الغفاري ﵁] وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مسغبة. . . قال: فقال:
(ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السويداء. . .)
٦ - وفي (تاريخ ابن عساكر) (١٩/ ٧٣ / ٢) وفي قصة صلب ابن الزبير أن أمه (أسماء بنت أبي بكر) جاءت مسفرة الوجه متبسمة.
٧ - (صحيح) عن أنس قال:
دخلت على عمر بن الخطاب أمة قد كان يعرفها لبعض المهاجرين أو الأنصار وعليها جلباب متقنعة به فسألها: عتقت؟ قالت: لا. قال: فما بال الجلباب؟ ضعيه عن رأسك إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين فتلكأت فقام إليها بالدرة فضرب رأسها حتى ألقته عن رأسها.
٨ - (صحيح) عن عمر بن محمد أن أباه حدثه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: أن أروى خاصمته في بعض داره فقال: دعوها وأباها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه في سبع أرضين يوم القيامة) اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن
زيد فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها.
٩ - (صحيح) عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت عائشة ﵂ تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا.
١٠ - (حسن) عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال:
стр. 236
أرسلني علي بن الحسين إلى الربيع بنت معوذ أسألها عن وضوء رسول الله ﷺ وكان يتوضأ عندها فأتيتها فأخرجت إلي إناء يكون مدا , فقالت: بهذا كنت أخرج لرسول الله ﷺ للوضوء. . الحديث.
١١ - (صحيح) عن عروة بن عبد الله بن قشير:
أنه دخل على فاطمة بنت علي بن أبي طالب قال: فرأيت في يديها مسكا غلاظا في كل يد اثنين اثنين. قال: ورأيت في يدها خاتما. . . إلخ
١٢ - (إسناده جيد) وعن عيسى بن عثمان قال:
كنت عند فاطمة بنت علي فجاء رجل يثني على أبيها عندها فأخذت رمادا فسفت في وجهه.
١٣ - (سنده جيد) وعن يحيى بن أبي سليم قال:
رأيت سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبي ﷺ عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
١٤ - (صحيح) عن ميمون - هو ابن مهران - قال:
دخلت على أم الدرداء فرأيتها مختمرة بخمار صفيق قد ضربت على حاجبها. قال: وكان فيه قصر فوصلته بسير. قال: وما دخلت في ساعة صلاة إلا وجدتها مصلية.
стр. 237
١٥ - (سنده جيد في الشواهد) عن معاوية ﵁:
دخلت مع أبي على أبي بكر ﵁ فرأيت أسماء قائمة على رأسه بيضاء ورأيت أبا بكر ﵁ أبيض نحيفا.
١٦ - (سنده حسن) عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال:
(جاءت امرأة إلى سمرة بن جندب فذكرت أن زوجها لا يصل إليها فسأل الرجل فأنكر ذلك وكتب فيه إلى معاوية ﵁ قال: فكتب: أن زوجه امرأة من بيت المال لها حظ من جمال ودين. . . قال: ففعل. . . قال: وجاءت المرأة متقنعة. . .).
مشروعية ستر الوجه:
هذا ثم إن كثيرا من المشايخ اليوم يذهبون إلى أن وجه المرأة عورة لا يجوز لها كشفه, بل يحرم وفيما تقدم في هذا البحث كفاية في الرد عليهم ويقابل هؤلاء طائفة أخرى يرون أن ستره بدعة وتنطع في الدين كما قد بلغنا عن بعض من يتمسك بما ثبت في السنة في بعض البلاد اللبنانية فإلى هؤلاء الإخوان وغيرهم نسوق الكلمة التالية:
ليعلم أن ستر الوجه والكفين له أصل في السنة وقد كان ذلك معهودا في زمنه ﷺ كما يشير إليه ﷺ بقوله:
(صحيح) (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (تفسير سورة النور) (ص ٥٦):
(وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن).
стр. 238
والنصوص متضافرة عن أن نساء النبي ﷺ كن يحتجبن حتى في وجوههن, وإليك بعض الأحاديث والآثار التي تؤيد ما نقول:
١ - (صحيح) عن عائشة قالت:
(خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها, وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين. قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق (هو العظم إذا أخذ منه معظم اللحم) فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر: كذا وكذا قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال: إنه أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن).
٢ - (صحيح) وعنها أيضا في حديث قصة الإفك قالت:
(. . . فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان ابن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت (وفي رواية: فسترت) وجهي عنه بجلبابي. . .) الحديث.
٣ - (صحيح) عن أنس في قصة غزوة خيبر واصطفائه ﷺ صفية لنفسه قال:
(فخرج رسول الله ﷺ من خيبر ولم يعرس بها, فلما قرب البعير لرسول الله ليخرج وضع رسول الله ﷺ رجله لصفية لتضع قدمها على فخذه فأبت ووضعت ركبتها على فخذه وسترها
стр. 239
رسول الله ﷺ وحملها وراءه وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه).
٤ - (حسن في الشواهد) عن عائشة قالت:
(كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه).
٥ - (صحيح) عن أسماء بنت أبي بكر قالت:
(كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام).
٦ - عن صفية بنت شيبة قالت:
(رأيت عائشة طافت بالبيت وهي منتقبة).
٧ - عن عبد الله بن عمر قال:
(لما اجتلى النبي ﷺ صفية رأى عائشة منتقبة وسط الناس فعرفها).
٨ - (حسن) عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف:
(أن عمر بن الخطاب أذن لأزواج النبي ﷺ في الحج في آخر حجة حجها وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف قال: كان عثمان ينادي: ألا لا يدنو إليهن أحد ولا ينظر إليهن أحد وهن في الهوادج على الإبل. فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب وكان عثمان وعبد الرحمن بذنب الشعب فلم يصعد إليهن أحد).
стр. 240
ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه قد كان معروفا في عهده ﷺ , وأن نساءه كن يفعلن ذلك وقد استن بهن فضليات النساء بعدهن وإليك مثالين على ذلك:
١ - (صحيح) عن عاصم الأحول قال:
(كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا: وتنقبت به فنقول لها: رحمك الله قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ هو الجلباب قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ فتقول: هو إثبات الحجاب).
٢ - عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي قال:
حضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالري سنة ست وثمانين ومائتين وتقدمت امرأة فادعى وليها على زوجها خمسمائة دينار مهرا فأنكر فقال القاضي: شهودك. قال:
قد أحضرتهم. فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته فقام الشاهد وقال للمرأة:
قومي. فقال الزوج:
تفعلون ماذا؟ قال الوكيل:
ينظرون إلى امرأتك وهي مسفرة لتصح عندهم معرفتها. فقال الزوج:
وإني أشهد القاضي أن لها علي هذا المهر الذي تدعيه ولا تسفر عن وجهها.
стр. 241
فردت المرأة وأخبرت بما كان من زوجها - فقالت:
فإني أشهد القاضي: أن قد وهبت له هذا المهر وأبرأته منه في الدنيا والآخرة.
فقال القاضي:
يكتب هذا في مكارم الأخلاق.
فيستفاد مما ذكرنا أن ستر المرأة لوجهها ببرقع أو نحوه مما هو معروف اليوم عند النساء المحصنات أمر مشروع محمود. وإن كان لا يجب ذلك عليها ,بل من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج. ومما تقدم بيانه يتضح ثبوت الشرط الأول في لباس المرأة إذا خرجت ألا وهو أن يستر جميع بدنها إلا وجهها وكفيها.
(فائدة هامة):
قوله تعالى في آية النور المتقدمة في أول هذا الشرط: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [٣١] يعني: المؤمنات كما قال مجاهد وغيره من السلف خلافا لبعض المعاصرين فإنه زعم أن المعنى: الصالحات من النساء سواء كن مسلمات أو كافرات.
قال الشوكاني في (فتح القدير) (٤/ ٢٢):
(وإضافة النساء إليهن تدل على اختصاص ذلك بالمؤمنات).
وقال البيهقي في كتاب (الآداب) (ص ٤٠٧ - لبنان): (وأما قوله: ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ فقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي عبيدة بن
стр. 242
الجراح: إن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات ومعهن نساء من أهل الكتاب فامنع ذلك).
وفي رواية أخرى:
(فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها).
قلت: الرواية الأولى عند البيهقي في (السنن) (٧/ ٩٥) من طريق عيسى بن يونس: ثنا هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي عن عبادة بن نسي الكندي قال: كتب عمر. . . ألخ
ورواه ابن جرير أيضا (١٨/ ٩٥).
قلت: ورجاله ثقات لكنه منقطع فإن عبادة لم يدرك عمر ﵁ بينهما نسي والد عبادة
هكذا رواه سعيد بن منصور في (سننه) كما في (تفسير ابن كثير) (٣/ ٢٨٤) ومن طريقه البيهقي: ثنا إسماعيل بن عياش عن هشام بن الغاز عن عبادة بن نسي عن أبيه عن الحارث بن قيس قال: كتب عمر. . . ألخ.
الرواية الأخرى:
ورجاله ثقات غير نسي فإنه لم يوثقه غير ابن حبان (٥/ ٤٨٢):
وقال الحافظ في (التقريب):
(مجهول).
стр. 243
قلت: لكن المعنى المذكور متفق عليه بين المفسرين المحققين, كابن جرير وابن كثير والشوكاني وغيرهم ممن لا يخرج عن التفسير المأثور ولا يعتد بآراء الخلف.
إذا تبين ذلك فاعلم: أن من الخطورة بمكان ما ابتلي به كثير من أغنياء المسلمين اليوم من استخدامهم النساء الكافرات في بيوتهم لأنه لا يخلو الأمر من أن يقع الزوجان , أو أحدهما في الفتنة والمخالفة للشريعة
أما الزوج فواضح لأنه يخشى أن يزني بها وبخاصة أنه لا عفة عندهن بحكم كونهن كافرات لا يحرمن ولا يحللن كما صرح بذلك القرآن الكريم بحق أهل الكتاب. فكيف يكون حال الوثنيات كالسيريلانكيات اللاتي لا كتاب لهن؟
وأما بالنسبة للزوجة ,فمن الصعب جدا على أكثر مسلمات هذا الزمان -زوجات وبنات بالغات- أن يحتجبن من تلك الخادمات كما تحتجب من الرجال إلا من عصم الله وقليل ما هن.
ولو أننا فرضنا سلامة الزوجين من الفتنة فلن يسلم أولادهما من التأثر بأخلاقهن وعاداتهن المخالفة لشريعتنا. هذا إذا لم يقصدن إفساد تربيتهم وتشكيكهم في دينهم كما سمعنا بذلك عن بعضهن.
هذا ولقد بلغني عن أحد المفتين - والعهدة على الراوي - أنه سئل عن استخدامهن فأجاب بالجواز لأنهن عنده بمنزلة السبايا والجواري اللاتي استحلت شرعا بملك اليمين. فأخشى ما أخشاه أن يصل الأمر بمثل هذا المفتي أن يستحل أيضا وطأهن قياسا على ملك اليمين وبخاصة أن هناك من أسقط الحد عمن زنى بخادمته - ولو كانت مسلمة - بشبهة استئجاره إياها قال ذلك بعض الآرائيين القدامى.
стр. 244
فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا ما أردت بيانه للناس حول هذه المسألة لعل الله ينفع بها من قد يكون غافلا عنها ,وينفع من كان معرضا عن العمل بها وهو سبحانه ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق.
الشرط الثاني:
(أن لا يكون زينة في نفسه).
لقوله تعالى في الآية المتقدمة من سورة النور: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ فإنه بعمومه يشمل الثياب الظاهرة إذا كانت مزينة تلفت أنظار الرجال إليها ويشهد لذلك قوله تعالى في [الأحزاب: ٣٣]: ﴿) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.
وقوله ﷺ :
(صحيح) (ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا وأمة أو عبد أبق فمات وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤونة الدنيا فتبرجت بعده فلا تسأل عنهم).
و (التبرج: أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها وما يجب عليها ستره مما تستدعي به شهوة الرجل).
والمقصود من الأمر بالجلباب إنما هو ستر زينة المرأة فلا يعقل حينئذ أن يكون الجلباب نفسه زينة وهذا كما ترى بين لا يخفى ولذلك قال الإمام الذهبي في (كتاب الكبائر) (ص ١٣١):
стр. 245
(ومن الأفعال التي تلعن عليها المرأة: إظهار الزينة والذهب واللؤلؤ تحت النقاب وتطيبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت ولبسها الصباغات والأزر الحريرية والأقبية القصار مع تطويل الثوب وتوسعة الأكمام وتطويلها , وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه ويمقت فاعله في الدنيا والآخرة ولهذه الأفعال التي قد غلبت على أكثر النساء قال عنهن النبي ﷺ : اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء).
قلت: وهو حديث صحيح أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث عمران ابن حصين وغيره وزاد أحمد وغيره من حديث ابن عمرو مرفوعا:
(والأغنياء).
وهذه الزيادة منكرة كما حققته في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) برقم (٢٨٠٠) من المجلد السادس يسر الله طباعته.
قلت: ولقد بالغ الإسلام في التحذير من التبرج إلى درجة أنه قرنه بالشرك والزنى والسرقة وغيرها من المحرمات وذلك حين بايع النبي ﷺ النساء على أن لا يفعلن ذلك فقال عبد الله بن عمرو ﵁:
(حسن) (جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام فقال: أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك ولا تنوحي ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى)
стр. 246
واعلم أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا بلون غير البياض أو السواد كما يتوهم بعض النساء الملتزمات وذلك لأمرين:
الأول: قوله ﷺ :
(طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه. . .)
وهو مخرج في (مختصر الشمائل) (١٨٨).
والآخر: جريان العمل من نساء الصحابة على ذلك وأسوق هنا بعض الآثار الثابتة في ذلك مما رواه الحافظ ابن أبي شيبة في (المصنف) (٨/ ٣٧١ - ٣٧٢):
١ - عن إبراهيم وهو النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي ﷺ فيراهن في اللحف الحمر.
٢ - عن ابن أبي مليكة قال:
رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر.
٣ - عن القاسم - وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق:
أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة.
وفي رواية عن القاسم:
أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر وهي محرمة.
٤ - عن هشام عن فاطمة بنت المنذر:
أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة.
стр. 247
٥ - عن سعيد بن جبير:
أنه رأى بعض أزواج النبي ﵌ تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة.
الشرط الثالث:
(أن يكون صفيقا لا يشف).
لأن الستر لا يتحقق إلا به وأما الشفاف فإنه يزيد المرأة فتنة وزينة وفي: ذلك يقول ﷺ :
(سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العنوهن فإنهن ملعونات).
زاد في حديث آخر:
(لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا).
قال ابن عبد البر:
(أراد ﷺ النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر فهن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة) وعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت:
(رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها فشقته عائشة عليها وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟ ثم دعت بخمار فكستها).
(صحيح) وعن هشام بن عروة:
стр. 248
(أن المنذر بن الزبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بكسوة من ثياب مروية وقوهية رقاق عتاق بعدما كف بصرها قال: فلمستها بيدها ثم قالت: أف ردوا عليه كسوته قال: فشق ذلك عليه وقال: يا أمه إنه لا يشف. قالت إنها إن لم تشف فإنها تصف).
وعن عبد الله بن أبي سلمة:
(أن عمر بن الخطاب ﵁ كسا الناس القباطي ثم قال:
لا تدرعها نساؤكم فقال رجل: يا أمير المؤمنين قد ألبستها امرأتي فأقبلت في البيت وأدبرت فلم أره يشف. فقال عمر: إن لم يكن يشف فإنه يصف).
وفي هذا الأثر والذي قبله إشارة إلى أن كون الثوب يشف أو يصف كان من المقرر عندهم أنه لا يجوز وأن الذي يشف شر من الذي يصف ولذلك قالت عائشة ﵂:
(إنما الخمار ما وارى البشرة والشعر).
(صحيح) وقالت شميسة:
(دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق ودرع وخمار ونقبة قد لونت بشيء من عصفر)
من أجل ذلك كله قال العلماء:
ويجب ستر العورة بما لا يصف لون البشرة. . . من ثوب صفيق أو جلد أو رق فإن ستر بما يظهر فيه لون البشرة من ثوب رقيق لم يجز؛ لأن الستر لا يحصل بذلك.
стр. 249
وقد عقد ابن حجر الهيتمي في (الزواجر) (١/ ١٢٧) بابا خاصا في لبس المرأة ثوبا رقيقا يصف بشرتها وأنه من الكبائر ثم ساق فيه الحديث المتقدم (ص ١٢٥) ثم قال: (وذكر هذا من الكبائر ظاهر لما فيه من الوعيد الشديد ولم أر من صرح بذلك. إلا أنه معلوم بالأولى مما مر في تشبههن بالرجال).
قلت: وتأتي الأحاديث في لعن المتشبهات بالرجال عند الكلام على الشرط السادس.
الشرط الرابع:
(أن يكون فضفاضا غير ضيق, فيصف شيئا من جسمها)؛لأن الغرض من الثوب إنما هو رفع الفتنة. ولا يحصل ذلك إلا بالفضفاض الواسع, وأما الضيق فإنه وإن ستر لون البشرة فإنه يصف حجم جسمها أو بعضه ويصوره في أعين الرجال. وفي ذلك من الفساد والدعوة إليه ما لا يخفى فوجب أن يكون واسعا وقد قال أسامة بن زيد:
(حسن) (كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال: مالك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي فقال: مرها فلتجعل تحتها غلالة فإني أخاف أن تصف حجم عظامها).
فقد أمر ﷺ بأن تجعل المرأة تحت القبطية غلالة - وهي شعار يلبس تحت الثوب - ليمنع بها وصف بدنها والأمر يفيد الوجوب كما تقرر في الأصول ولذلك قال الشوكاني في شرح هذا الحديث (٢/ ٩٧) ما نصه:
стр. 250
(والحديث يدل على أنه يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه, وهذا شرط ساتر العورة. وإنما أمر بالثوب تحته؛ لأن القباطي ثياب رقاق لا تستر البشرة عن رؤية الناظر بل تصفها).
وهو كما ترى قد حمل الحديث على الثياب الرقيقة الشفافة التي لا تستر لون البشرة فهو على هذا يصلح أن يورد في الشرط السابق ولكن هذا الحمل غير متجه عندي بل هو وارد على الثياب الكثيفة التي تصف حجم الجسم من ليونتها ولو كانت غير رقيقة وشفافة وذلك واضح من الحديث لأمرين:
الأول: أنه قد صرح فيه بأن القبطية كانت كثيفة أي: ثخينة غليظة فمثله كيف يصف البشرة ولا يسترها عن رؤية الناظر؟ ولعل الشوكاني ﵀ ذهل عن هذا القيد (كثيفة) في الحديث ففسر القبطية بما هو الأصل فيها
الثاني: أن النبي ﷺ قد صرح فيه بالمحذور الذي خشيه من هذه القبطية فقال:
(إني أخاف أن تصف حجم عظامها).
فهذا نص في أن المحذور إنما هو وصف الحجم لا اللون.
فإن قلت: فإذا كان الأمر كما ذكرت وكانت القبطية ثخينة فما فائدة الغلالة؟
قلت: فائدتها دفع ذلك المحذور لأن الثوب قد يصف الجسم ولو كان ثخينا إذا كان من طبيعته الليونة والانثناء على الجسد كبعض الثياب الحريرية والجوخ المعروفة في هذا العصر فأمر ﷺ بالشعار من أجل ذلك.
следующие страницы →