واعلم أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا بلون غير البياض أو السواد كما يتوهم بعض النساء الملتزمات وذلك لأمرين:
الأول: قوله ﷺ :
(طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه. . .)
وهو مخرج في (مختصر الشمائل) (١٨٨).
والآخر: جريان العمل من نساء الصحابة على ذلك وأسوق هنا بعض الآثار الثابتة في ذلك مما رواه الحافظ ابن أبي شيبة في (المصنف) (٨/ ٣٧١ - ٣٧٢):
١ - عن إبراهيم وهو النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي ﷺ فيراهن في اللحف الحمر.
٢ - عن ابن أبي مليكة قال:
رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر.
٣ - عن القاسم - وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق:
أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة.
وفي رواية عن القاسم:
أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر وهي محرمة.
٤ - عن هشام عن فاطمة بنت المنذر:
أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة.
стр. 247
٥ - عن سعيد بن جبير:
أنه رأى بعض أزواج النبي ﵌ تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة.
الشرط الثالث:
(أن يكون صفيقا لا يشف).
لأن الستر لا يتحقق إلا به وأما الشفاف فإنه يزيد المرأة فتنة وزينة وفي: ذلك يقول ﷺ :
(سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العنوهن فإنهن ملعونات).
زاد في حديث آخر:
(لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا).
قال ابن عبد البر:
(أراد ﷺ النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر فهن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة) وعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت:
(رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها فشقته عائشة عليها وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟ ثم دعت بخمار فكستها).
(صحيح) وعن هشام بن عروة:
стр. 248
(أن المنذر بن الزبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بكسوة من ثياب مروية وقوهية رقاق عتاق بعدما كف بصرها قال: فلمستها بيدها ثم قالت: أف ردوا عليه كسوته قال: فشق ذلك عليه وقال: يا أمه إنه لا يشف. قالت إنها إن لم تشف فإنها تصف).
وعن عبد الله بن أبي سلمة:
(أن عمر بن الخطاب ﵁ كسا الناس القباطي ثم قال:
لا تدرعها نساؤكم فقال رجل: يا أمير المؤمنين قد ألبستها امرأتي فأقبلت في البيت وأدبرت فلم أره يشف. فقال عمر: إن لم يكن يشف فإنه يصف).
وفي هذا الأثر والذي قبله إشارة إلى أن كون الثوب يشف أو يصف كان من المقرر عندهم أنه لا يجوز وأن الذي يشف شر من الذي يصف ولذلك قالت عائشة ﵂:
(إنما الخمار ما وارى البشرة والشعر).
(صحيح) وقالت شميسة:
(دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق ودرع وخمار ونقبة قد لونت بشيء من عصفر)
من أجل ذلك كله قال العلماء:
ويجب ستر العورة بما لا يصف لون البشرة. . . من ثوب صفيق أو جلد أو رق فإن ستر بما يظهر فيه لون البشرة من ثوب رقيق لم يجز؛ لأن الستر لا يحصل بذلك.
стр. 249
وقد عقد ابن حجر الهيتمي في (الزواجر) (١/ ١٢٧) بابا خاصا في لبس المرأة ثوبا رقيقا يصف بشرتها وأنه من الكبائر ثم ساق فيه الحديث المتقدم (ص ١٢٥) ثم قال: (وذكر هذا من الكبائر ظاهر لما فيه من الوعيد الشديد ولم أر من صرح بذلك. إلا أنه معلوم بالأولى مما مر في تشبههن بالرجال).
قلت: وتأتي الأحاديث في لعن المتشبهات بالرجال عند الكلام على الشرط السادس.
الشرط الرابع:
(أن يكون فضفاضا غير ضيق, فيصف شيئا من جسمها)؛لأن الغرض من الثوب إنما هو رفع الفتنة. ولا يحصل ذلك إلا بالفضفاض الواسع, وأما الضيق فإنه وإن ستر لون البشرة فإنه يصف حجم جسمها أو بعضه ويصوره في أعين الرجال. وفي ذلك من الفساد والدعوة إليه ما لا يخفى فوجب أن يكون واسعا وقد قال أسامة بن زيد:
(حسن) (كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال: مالك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي فقال: مرها فلتجعل تحتها غلالة فإني أخاف أن تصف حجم عظامها).
فقد أمر ﷺ بأن تجعل المرأة تحت القبطية غلالة - وهي شعار يلبس تحت الثوب - ليمنع بها وصف بدنها والأمر يفيد الوجوب كما تقرر في الأصول ولذلك قال الشوكاني في شرح هذا الحديث (٢/ ٩٧) ما نصه:
стр. 250
(والحديث يدل على أنه يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه, وهذا شرط ساتر العورة. وإنما أمر بالثوب تحته؛ لأن القباطي ثياب رقاق لا تستر البشرة عن رؤية الناظر بل تصفها).
وهو كما ترى قد حمل الحديث على الثياب الرقيقة الشفافة التي لا تستر لون البشرة فهو على هذا يصلح أن يورد في الشرط السابق ولكن هذا الحمل غير متجه عندي بل هو وارد على الثياب الكثيفة التي تصف حجم الجسم من ليونتها ولو كانت غير رقيقة وشفافة وذلك واضح من الحديث لأمرين:
الأول: أنه قد صرح فيه بأن القبطية كانت كثيفة أي: ثخينة غليظة فمثله كيف يصف البشرة ولا يسترها عن رؤية الناظر؟ ولعل الشوكاني ﵀ ذهل عن هذا القيد (كثيفة) في الحديث ففسر القبطية بما هو الأصل فيها
الثاني: أن النبي ﷺ قد صرح فيه بالمحذور الذي خشيه من هذه القبطية فقال:
(إني أخاف أن تصف حجم عظامها).
فهذا نص في أن المحذور إنما هو وصف الحجم لا اللون.
فإن قلت: فإذا كان الأمر كما ذكرت وكانت القبطية ثخينة فما فائدة الغلالة؟
قلت: فائدتها دفع ذلك المحذور لأن الثوب قد يصف الجسم ولو كان ثخينا إذا كان من طبيعته الليونة والانثناء على الجسد كبعض الثياب الحريرية والجوخ المعروفة في هذا العصر فأمر ﷺ بالشعار من أجل ذلك.
стр. 251
والله تعالى أعلم.
وقد أغرب الشافعية فقالوا:
(أما لو ستر اللون ووصف حجم الأعضاء فلا بأس كما لو لبس سروالا ضيقا) قالوا:
(ويستحب أن تصلي المرأة في قميص سابغ وخمار وتتخذ جلبابا كثيفا فوق ثيابها ليتجافى عنها ولا يتبين حجم أعضائها).
والقول بالاستحباب فقط ينافي ظاهر الأمر فإنه للوجوب كما تقدم وعبارة الإمام الشافعي ﵁ في (الأم) قريب مما ذهبنا فقد قال: (١/ ٧٨): (وإن صلى في قميص يشف عنه لم تجزه الصلاة. . . فإن صلى في قميص واحد يصفه ولم يشف كرهت له ولا يتبين أن عليه إعادة الصلاة. . . والمرأة في ذلك أشد حالا من الرجل إذا صلت في درع وخمار يصفها الدرع وأحب إلي أن لا تصلي إلا في جلباب فوق ذلك وتجافيه عنها لئلا يصفها الدرع).
وقد قالت عائشة ﵂:
(صحيح) (لا بد للمرأة من ثلاثة أثواب تصلي فيهن: درع وجلباب وخمار وكانت عائشة تحل إزارها فتجلبب به).
وإنما كانت تفعل ذلك لئلا يصفها شيء من ثيابها وقولها: (لا بد) دليل على وجوب ذلك ,وفي معناه قول ابن عمر ﵄: (صحيح) (إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة).
стр. 252
وهذا يؤيد ما سبق أن ذهبنا إليه من وجوب الجمع بين الخمار والجلباب على المرأة إذا خرجت.
(انظر ص ٨٤ - ٨٥).
ومما يحسن إيراده هنا استئناسا ما روي عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت:
يا أسماء إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء أن يطرح على المرأة الثوب فيصفها فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله ﷺ ألا أريك شيئا رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبا فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله تعرف به المرأة من الرجل. فإذا مت أنا فاغسليني أنت وعلي ولا يدخل علي أحد فلما توفيت غسلها علي وأسماء ﵄.
فانظر إلى فاطمة بضعة النبي ﷺ كيف استقبحت أن يصف الثوب المرأة وهي ميتة فلا شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح فليتأمل في هذا مسلمات هذا العصر اللاتي يلبسن من هذه الثياب الضيقة التي تصف نهودهن وخصورهن وإلياتهن وسوقهن وغير ذلك من أعضائهن ثم ليستغفرن الله تعالى وليتبن إليه وليذكرن قوله ﷺ :
(صحيح) (الحياء والإيمان قرنا جميعا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر).
الشرط الخامس:
(أن لا يكون مبخرا مطيبا).
لأحاديث كثيرة تنهى النساء عن التطيب إذا خرجن من بيوتهن ونحن نسوق الآن بين يديك ما صح سنده منها:
стр. 253
١ - (إسناده حسن) عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ :
(أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية).
٢ - (صحيح) عن زينب الثقفية أن النبي ﷺ قال: (إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيبا).
٣ - (صحيح) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة).
٤ - (صحيح) عن موسى بن يسار عن أبي هريرة:
(أن امرأة مرت به تعصف ريحها فقال: يا أمة الجبار المسجد تريدين؟ قالت: نعم قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم قال: فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(ما من امرأة تخرج إلى المسجد تعصف ريحها فيقبل الله منها صلاة حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل)
ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث على ما ذكرنا العموم الذي فيها.
فإن الاستعطار والتطيب كما يستعمل في البدن يستعمل في الثوب أيضا لا سيما وفي الحديث الثالث ذكر البخور؛ فإنه بالثياب أكثر استعمالا وأخص.
وسبب المنع منه واضح وهو ما فيه من تحريك داعية الشهوة وقد ألحق به العلماء ما في معناه كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة وكذا الاختلاط بالرجال.
стр. 254
وقال ابن دقيق العيد:
(وفيه حرمة التطيب على مريدة الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال).
قلت: فإذا كان ذلك حراما على مريدة المسجد, فماذا يكون الحكم على مريدة السوق والأزقة والشوارع؟ لا شك أنه أشد حرمة وأكبر إثما وقد ذكر الهيتمي في (الزواجر) (٢/ ٣٧) أن خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة من الكبائر ولو أذن لها زوجها.
ثم إن هذه الأحاديث عامة تشمل جميع الأوقات وإنما خص بالذكر العشاء الآخرة في الحديث الثالث لأن الفتنة وقتها أشد فلا يتوهمن منه أن خروجها في غير هذا الوقت جائز. وقال ابن الملك:
(والأظهر أنها خصت بالنهي؛ لأنها وقت الظلمة وخلو الطريق والعطر يهيج الشهوة فلا تأمن المرأة في ذلك الوقت من كمال الفتنة. بخلاف الصبح والمغرب فإنهما وقتان فاضحان وقد تقدم أن مس الطيب يمنع المرأة من حضور المسجد مطلقا).
الشرط السادس:
(أن لا يشبه لباس الرجل).
لما ورد من الأحاديث الصحيحة في لعن المرأة التي تتشبه بالرجل في اللباس أو غيره. وإليك ما نعلمه منها:
١ - (صحيح) عن أبي هريرة قال:
стр. 255
(لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل).
٢ - عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال)
٣ - (صحيح) عن ابن عباس قال:
(لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: أخرجوهم من بيوتكم. قال: فأخرج النبي ﷺ فلانا وأخرج عمر فلانا).
وفي لفظ: (لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال).
٤ - (صحيح الإسناد) عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
(ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث).
٥ - (صحيح) عن ابن أبي مليكة - واسمه عبد الله بن عبيد الله - قال: قيل لعائشة ﵂: إن المرأة تلبس النعل؟ فقالت:
(لعن رسول الله ﷺ الرجلة من النساء).
стр. 256
وفي هذه الأحاديث دلالة واضحة على تحريم تشبه النساء بالرجال وعلى العكس وهي عامة تشمل اللباس وغيره إلا الحديث الأول فهو نص في اللباس وحده وقد قال أبو داود في (مسائل الإمام أحمد) (ص ٢٦١): (سمعت أحمد سئل عن الرجل يلبس جاريته القرطق؟ قال: لا يلبسها من زي الرجال لا يشبهها بالرجال).
قال أبو داود:
(قلت لأحمد: يلبسها النعل الصرارة؟ قال: لا إلا أن يكون لبسها للوضوء. قلت: للجمال؟ قال: لا. قلت: فيجز شعرها؟ قال: لا)
وقد أورد الذهبي تشبه المرأة بالرجال وتشبه الرجال بالنساء في (الكبائر) (ص ١٢٩) وأورد بعض الأحاديث المتقدمة ثم قال:
(فإذا لبست المرأة زي الرجال من المقالب والفرج والأكمام الضيقة فقد شابهت الرجال في لبسهم فتلحقها لعنة الله ورسوله ولزوجها إذا أمكنها من ذلك أو رضي به ولم ينهها؛ لأنه مأمور بتقويمها على طاعة الله ونهيها عن المعصية لقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ , ولقول النبي ﷺ :
(صحيح) (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الرجل راع في أهله ومسؤول عنهم يوم القيامة) متفق عليه وهو مخرج في (غاية المرام) (٢٦٩). وتبعه على ذلك الهيتمي في (الزواجر) (١/ ١٢٦) ثم قال: (عد هذا من الكبائر واضح لما عرفت من هذه الأحاديث الصحيحة وما فيها من الوعيد الشديد والذي رأيته لأئمتنا أن ذلك التشبه فيه قولان:
أحدهما: أنه حرام وصححه النووي بل صوبه.
стр. 257
وثانيهما: أنه مكروه وصححه الرافعي في موضع والصحيح بل الصواب ما قاله النووي من الحرمة بل ما قدمته من أن ذلك كبيرة ثم رأيت بعض المتكلمين على الكبائر عده منها وهو ظاهر).
وقال الحافظ في (الفتح) (١٠/ ٢٧٣ - ٢٧٤) عند شرح حديث ابن عباس المتقدم برقم (٣) باللفظ الثاني: (لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال) ما مختصره:
(قال الطبري: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها لا التشبه في أمور الخير. قال: والحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله: (المغيرات خلق الله).
فثبت مما تقدم أنه لا يجوز للمرأة أن يكون زيها مشابها لزي الرجل فلا يحل لها أن تلبس رداءه وإزاره ونحو ذلك كما تفعله بعض بنات المسلمين في هذا العصر من لبسهن ما يعرف ب (الجاكيت) و (البنطلون) وإن كان هذا في الواقع أستر لهن من ثيابهن الأخرى الأجنبية. فاعتبروا يا أولي الأبصار.
الشرط السابع:
(أن لا يشبه لباس الكافرات).
стр. 258
لما تقرر في الشرع أنه لا يجوز للمسلمين - رجالا ونساء - التشبه بالكفار سواء في عباداتهم أو أعيادهم أو أزيائهم الخاصة بهم. وهذه قاعدة عظيمة في الشريعة الإسلامية خرج عنها اليوم مع الأسف كثير من المسلمين حتى الذين يعنون منهم بأمور الدين والدعوة إليه جهلا بدينهم أو تبعا لأهوائهم أو انجرافا مع عادات العصر الحاضر وتقاليد أوروبا الكافرة حتى كان ذلك من أسباب ذل المسلمين وضعفهم وسيطرة الأجانب عليهم واستعمارهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. لو كانوا يعلمون.
وينبغي أن يعلم أن الأدلة على صحة هذه القاعدة المهمة كثيرة في الكتاب والسنة, وإن كانت أدلة الكتاب مجملة فالسنة تفسرها وتبينها كما هو شأنها دائما.
ومن الآيات قوله تعالى في [الجاثية: ١٦ - ١٨] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ*وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ* ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (الاقتضاء) (ص ٨):
(أخبر أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيا من بعضهم على بعض, ثم جعل محمدا ﷺ على شريعة من الأمر شرعها له وأمره باتباعها ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون وقد دخل في ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ كل من خالف
стр. 259
شريعته. و (أهواؤهم): هو ما يهوونه وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك فهم يهوونه.
وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه. ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم ويسرون به ويودون أن لو بذلوا مالا عظيما ليحصل ذلك. ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم في أهوائهم وأعون على حصول مرضاة الله في تركها وأن موافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره. فإن (من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه) وأي الأمرين كان حصل المقصود في الجملة وإن كان الأول أظهر.
ومن هذا الباب قوله تعالى في [الرعد: ٣٦ - ٣٧]:
٢ - ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ*وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ﴾ والضمير في (أهواءهم) يعود -والله أعلم- إلى ما تقدم ذكره وهم الأحزاب الذين ينكرون بعضه, فدخل في ذلك كل من أنكر شيئا من القرآن من يهودي أو نصراني أو غيرهما. وقد قال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الرعد: ٣٧] ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم اتباع لأهوائهم, بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك).
стр. 260
وقال تعالى في [الحديد: ١٦]:
٣ - ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
قال شيخ الإسلام (ص ٤٣):
(فقوله: ﴿وَلا يَكُونُوا﴾ نهي مطلق عن مشابهتهم وهو خاص أيضا في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي)
وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية (٤/ ٣١٠):
(ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية).
ومن ذلك قوله تعالى في [البقرة: ١٠٤]:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال الحافظ ابن كثير (١/ ١٤٨):
(نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص- عليهم لعائن الله-, فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا قالوا: راعنا ويورون بالرعونة كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
стр. 261
[النساء: ٤٦].
وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون: (السام عليكم) والسام هو الموت ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ (وعليكم)؛ وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم علينا, والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا).
وقال شيخ الإسلام عند هذه الآية ما مختصره (ص ٢٢):
(قال قتادة وغيره: كانت اليهود تقوله استهزاء فكره الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم وقال أيضا: كانت اليهود تقول للنبي ﷺ : راعنا سمعك يستهزئون بذلك وكانت في اليهود قبيحة. فهذا يبين أن هذه الكلمة نهي المسلمون عن قولها لأن اليهود كانوا يقولونها وإن كانت من اليهود قبيحة.
ومن المسلمين لم تكن قبيحة لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم).
وفي الباب آيات أخرى وفيما ذكرنا كفاية فمن شاء الوقوف عليها فلينظرها في (الاقتضاء) (ص: ٨ - ١٤ و ٢٢ و ٤٢).
فتبين من الآيات المتقدمة أن ترك هدي الكفار والتشبه بهم في أعمالهم وأقوالهم وأهوائهم من المقاصد والغايات التي أسسها وجاء بها القرآن الكريم, وقد قام النبي ﷺ ببيان ذلك وتفصيله للأمة وحققه في أمور كثيرة من فروع الشريعة, حتى عرف ذلك اليهود الذين كانوا في مدينة النبي ﷺ وشعروا أنه ﵇ يريد أن يخالفهم في كل شؤونهم الخاصة بهم كما روى أنس بن مالك ﵁:
стр. 262
(صحيح) (إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية؛ فقال رسول الله ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه فجاء أسيد ابن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما).
وأما السنة فالنصوص فيها كثيرة طيبة في تأييد القاعدة المتقدمة وهي لا تنحصر في باب واحد من أبواب الشريعة المطهرة كالصلاة مثلا, بل قد تعدتها إلى غيرها من العبادات والآداب والاجتماعيات والعادات, وهي بيان وتفصيل لما أجمل في الآيات السابقة ونحوها. كما قدمت الإشارة إليه
فثبت مما تقدم أن مخالفة الكفار وترك التشبه بهم من مقاصد الشريعة الإسلامية العليا فالواجب على كل مسلم رجالا ونساء أن يراعوا ذلك في شؤونهم كلها وبصورة خاصة في أزيائهم وألبستهم لما علمت من النصوص الخاصة فيها وبذلك يتحقق صحة الشرط السابع في زي المرأة.
الشرط الثامن:
(أن لا يكون لباس شهرة).
لحديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 263
(من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ثم ألهب فيه نارا).
وإلى هنا ينتهي بنا الكلام على الشروط الواجب تحققها في ثوب المرأة وملاءتها وخلاصة ذلك:
أن يكون ساترا لجميع بدنها إلا وجهها وكفيها على التفصيل السابق وأن لا يكون زينة في نفسه ولا شفافا ولا ضيقا يصف بدنها ولا مطيبا ولا مشابها للباس الرجال ولباس الكفار ولا ثوب شهرة.
стр. 264
كِتَابُ اَلنِّكَاحِ
تحريم مصافحة الأجنبية
٢٢٦ - " لأن يطعن في رأس رجل بمخيط من حديد خير من أن يمس امرأة لا تحل له ". ... [الصحيحة]
قال ﵀:
رواه الروياني في " مسنده " (٢٢٧/ ٢): أنبأنا نصر بن علي: أنبأنا، أبي، أنبأنا شداد ابن سعيد عن أبي العلاء قال: حدثنى معقل بن يسار مرفوعا.
قلت: وهذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين غير شداد بن سعيد، فمن رجال مسلم وحده، وفيه كلام يسير لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن، ولذلك فإن مسلما إنما أخرج له في الشواهد وقال الذهبي في " الميزان ": " صالح الحديث "
وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق يخطىء ".
وأبو العلاء هو يزيد بن عبد الله بن الشخير.
والحديث قال المنذري في " الترغيب " (٣/ ٦٦):
" رواه الطبراني، والبيهقي، ورجال الطبراني ثقات رجال الصحيح ".
стр. 265
وقد روي مرسلا من حديث عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي. قال: قال رسول الله ﷺ :
" لأن يقرع الرجل قرعا يخلص إلى عظم رأسه خير له من أن تضع امرأة يدها على رأسه لا تحل له، ولأن يبرص الرجل برصا حتى يخلص البرص إلى عظم ساعده خير له من أن تضع امرأة يدها على ساعده لا تحل له ".
أخرجه أبو نعيم في " الطب " (٢/ ٣٣ - ٣٤) عن هشيم عن داود بن عمرو أنبأ عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي.
قلت: وهذا مع إرساله أو إعضاله، فإن هشيما كان مدلسا وقد عنعنه.
(المخيط) بكسر الميم وفتح الياء: هو ما يخاط به كالإبرة والمسلة ونحوهما.
وفي الحديث وعيد شديد لمن مس امرأة لا تحل له، ففيه دليل على تحريم مصافحة النساء لأن ذلك مما يشمله المس دون شك، وقد بلي بها كثير من المسلمين في هذا العصر وفيهم بعض أهل العلم، ولو أنهم استنكروا ذلك بقلوبهم، لهان الخطب بعض الشيء، ولكنهم يستحلون ذلك، بشتى الطرق والتأويلات، وقد بلغنا أن شخصية كبيرة جدا في الأزهر قد رآه بعضهم يصافح النساء، فإلى الله المشتكى من غربة الإسلام.
بل إن بعض الأحزاب الإسلامية، قد ذهبت إلى القول بجواز المصافحة المذكورة، وفرضت على كل حزبي تبنيه، واحتجت لذلك بما لا يصلح، معرضة عن الاعتبار بهذا الحديث، والأحاديث الأخرى الصريحة في عدم مشروعية المصافحة.
стр. 266
٥٢٩ - " إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة ".
[الصحيحة]
قال ﵀:
أخرجه مالك (٢/ ٩٨٢ / ٢) وعند النسائي في " عشرة النساء " من " السنن الكبرى " له (٢/ ٩٣ / ٢) وكذا ابن حبان (١٤) وأحمد (٦/ ٣٥٧) عن محمد ابن المنكدر عن أميمة بنت رقيقة أنها قالت: " أتيت رسول الله ﷺ في نسوة نبايعه على الإسلام، فقلن: يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله ﷺ : فيما استطعتن وأطقتن قالت: فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا هلم نبايعك يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : فذكره.
وأخرجه النسائي في " المجتبى " (٢/ ١٨٤) والترمذي (١/ ٣٠٢) وابن ماجه (٢٨٧٤) وأحمد والحميدي في مسنده (٣٤١) من طريق سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر به إلا أن الحميدي والترمذي اختصراه وزاد هذا بعد قوله: " هلم نبايعك ": " قال سفيان: تعني صافحنا " وهي عند أحمد بلفظ: " قلنا يا رسول الله ألا تصافحنا؟ ".
وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
قلت: وإسناده صحيح. وتابعهما محمد بن إسحاق: حدثني محمد ابن المنكدر به.
стр. 267
وزاد في آخره: " قالت: ولم يصافح رسول الله ﷺ منا امرأة "
أخرجه أحمد والحاكم (٤/ ٧١) بسند حسن.
وله شاهد من حديث أسماء بنت يزيد مثله مختصرا. أخرجه الحميدي (٣٦٨) وأحمد (٦/ ٤٥٤، ٤٥٩) والدولابي في " الكنى " (٢/ ١٢٨) وابن عبد البر في " التمهيد " (٣/ ٢٤ / ١) وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " (١/ ٢٩٣) من طريق شهر بن حوشب عنها. وفيه عند أحمد: " فقالت له أسماء: ألا تحسر لنا عن يدك يا رسول الله؟ فقال لها إني لست أصافح النساء ". وشهر ضعيف من قبل حفظه وهذه الزيادة تشعر بأن النساء كن يأخذن بيده ﷺ عند المبايعة من فوق ثوبه ﷺ ، وقد روي في ذلك بعض الروايات الأخرى ولكنهامراسيل كلها ذكرها الحافظ في " الفتح " (٨/ ٤٨٨)، فلا يحتج بشيء منها لاسيما وقد خالفت ما هو أصح منها كذا الحديث والآتي بعده وكحديث عائشة في مبايعته ﷺ للنساء قالت: " ولا والله ما مست يده ﷺ يد امرأة قط في المبايعة ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك "
أخرجه البخاري. وأما قول أم عطية ﵂: " بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا أن لا يشركن بالله شيئا ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها، فقالت: أسعدتني فلانة .... ".
الحديث أخرجه البخاري.
стр. 268
فليس صريحا في أن النساء كن يصافحنه ﷺ , فلا يرد بمثله النص الصريح من قوله ﷺ هذا وفعله أيضا الذي روته أميمة بنت رقيقة وعائشة وابن عمر كما يأتي. قال الحافظ: " وكأن عائشة أشارت بذلك إلى الرد على ما جاء عن أم عطية، فعند ابن خزيمة وابن حبان والبزار والطبري وابن مردويه من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن عن جدته أم عطية في قصة المبايعة، قال: فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللهم أشهد. وكذا الحديث الذي بعده حيث قالت فيه " قبضت منا امرأة يدها، فإنه يشعر بأنهن كن يبايعنه بأيديهن
ويمكن الجواب عن الأول بأن مد الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع المبايعة وإن لم تقع مصافحة. وعن الثاني بأن المراد بقبض اليد التأخر عن القبول، أو كانت المبايعة تقع بحائل، فقد روى أبو داود في " المراسيل " عن الشعبي أن النبي ﷺ حين بايع النساء أتى ببرد قطري فوضعه على يده وقال: لا أصافح النساء .... ". ثم ذكر بقية الأحاديث بمعناه وكلها مراسيل لا تقوم الحجة بها. وما ذكره من الجواب عن حديثي أم عطية هو العمدة على أن حديثها من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن ليس بالقوي لأن إسماعيل هذا ليس بالمشهور وإنما يستشهد به كما بينته في " حجاب المرأة المسلمة " (ص ٢٦ طبع المكتب الإسلامي).
وجملة القول: أنه لم يصح عنه ﷺ أنه صافح امرأة قط حتى ولا في المبايعة فضلا عن المصافحة عند الملاقاة، فاحتجاج البعض لجوازها بحديث أم عطية الذي ذكرته مع أن المصافحة لم تذكر فيه وإعراضه عن الأحاديث الصريحة في تنزهه ﷺ عن
стр. 269
المصافحة لأمر لا يصدر من مؤمن خلص، لاسيما وهناك الوعيد الشديد فيمن يمس امرأة لا تحل له كما تقدم في الحديث (٢٢٩).
ويشهد لحديث أميمة بنت رقيقة الحديث الآتي. وبعد كتابة ما تقدم رأيت إسحاق بن منصور المروزي قال في " مسائل أحمد وإسحاق " (٢١١/ ١): " قلت (يعني لأحمد): تكره مصافحة النساء قال: أكرهه. قال إسحاق: كما قال، عجوز كانت أو غير عجوز إنما بايعهن النبي ﷺ على يده الثوب ".
ثم رأيت في " المستدرك " (٢/ ٤٨٦) من طريق إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن ابن عجلان عن أبيه عن فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.
" أن أبا حذيفة بن عتبة ﵁ أتى بها وبهند بنت عتبة رسول الله ﷺ تبايعه، فقالت: أخذ علينا، فشرط علينا، قالت: قلت له: يا ابن عم هل علمت في قومك من هذه العاهات أو الهنات شيئا؟ قال أبو حذيفة: إيها فبايعنه، فإن بهذا يبايع، وهكذا يشترط. فقالت: هند: لا أبايعك على السرقة إني أسرق من مال زوجي فكف النبي ﷺ يده وكفت يدها حتى أرسل إلى أبي سفيان، فتحلل لها منه، فقال أبو سفيان: أما الرطب فنعم وأما اليابس فلا ولا نعمة! قالت: فبايعناه ثم قالت فاطمة: ما كانت قبة أبغض إلي من قبتك ,ولا أحب أن يبيحها الله وما فيها, وو الله ما من قبة أحب إلي أن يعمرها الله يبارك وفيها من قبتك، فقال رسول الله ﷺ . وأيضا والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده ".
стр. 270
قال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي.
قلت: وإسناده حسن وفي محمد بن عجلان وإسماعيل بن أبي أويس كلام لا يضر إن شاء الله تعالى. وهذا الحديث يؤيد أن المبايعة كانت تقع بينه ﷺ وبين النساء بمد الأيدي كما تقدم عن الحافظ لا بالمصافحة، إذ لو وقعت لذكرها الراوي كما هو ظاهر.
جواز كلام النساء مع الرجال
٢٦٨٠ - " ما من امرأة تقدم ثلاثا من الولد تحتسبهن إلا دخلت الجنة. فقالت امرأة منهن: أو اثنان؟ قال: أو اثنان ". ... [الصحيحة]
قال::
أخرجه الإمام أحمد (٢/ ٢٤٦): حدثنا سفيان حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: جاء نسوة إلى رسول الله ﷺ فقلن: يا رسول الله! ما نقدر عليك في مجلسك من الرجال، فواعدنا منك يوما نأتيك فيه. قال:
" موعدكن بيت فلان ". وأتاهن في ذلك اليوم، ولذلك الموعد. قال: فكان مما قال لهن، يعني: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، و (سفيان) هو ابن عيينة، وقد أخرجه في " صحيحه " (٨/ ٣٩) من طريق أخرى عن سهيل به مختصرا، ولفظه: إن رسول الله ﷺ قال لنسوة من الأنصار: "
стр. 271
لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة ". فقالت امرأة منهن:
أو اثنين يا رسول الله؟ قال: " أو اثنين ". وهو رواية لأحمد (٢/ ٣٧٨).
والحديث في " الصحيحين " من حديث أبي سعيد نحوه، وهو في كتابي " مختصر صحيح البخاري " (٩٦ - كتاب / ٩ - باب) وقد مضى تحت الحديث (٢٣٠٢). وفيه فوائد كثيرة، أذكر بعضها:
١ - أن من مات له ولدان دخل الجنة وحجباه من النار، وليس ذلك خاصا بالإناث آباء وأولادا، لأحاديث أخرى كثيرة تعم الجنسين، وتجد جملة طيبة منها في " الترغيب والترهيب " (٣/ ٨٩ - ٩١) ويأتي بعد هذا أحدها.
٢ - فيه فضل نساء الصحابة وما كن عليه من الحرص على تعلم أمور الدين.
٣ - وفيه جواز سؤال النساء عن أمر دينهن، وجواز كلامهن مع الرجال في ذلك، وفيما لهن الحاجة إليه.
٤ - جواز الوعد، وقد ترجم البخاري للحديث بقوله: " هل يجعل للنساء يوما على حدة في العلم؟ ".
قلت: وأما ما شاع هنا في دمشق في الآونة الأخيرة من ارتياد النساء للمساجد في أوقات معينة ليسمعن درسا من إحداهن، ممن يتسمون بـ (الداعيات) زعمن، فذلك من الأمور المحدثة التي لم تكن في عهد النبي ﷺ ولا في عهد السلف الصالح، وإنما المعهود أن
стр. 272
يتولى تعليمهن العلماء الصالحون في مكان خاص كما في هذا الحديث، أو في درس الرجال حجزة عنهم في المسجد إذا أمكن، وإلا غلبهن الرجال، ولم يتمكن من العلم والسؤال عنه. فإن وجد في النساء اليوم من أوتيت شيئا من العلم والفقه السليم المستقى من الكتاب والسنة، فلا بأس من أن تعقد لهن مجلسا خاصا في بيتها أو بيت إحداهن، ذلك خير لهن، كيف لا والنبي ﷺ قال في صلاة الجماعة في المسجد: " وبيوتهن خير لهن "، فإذا كان الأمر هكذا في الصلاة التي تضطر المرأة المسلمة أن تلتزم فيها من الأدب والحشمة ما لا تكثر منه خارجها فكيف لا يكون العلم في البيوت أولى لهن، لاسيما وبعضهن ترفع صوتها، وقد يشترك معها غيرها فيكون لهن دوي في المسجد قبيح ذميم. وهذا مما سمعناه وشاهدناه مع الأسف. ثم رأيت هذه المحدثة قد تعدت إلى بعض البلاد الأخرى كعمان مثلا. نسأل الله السلامة من كل بدعة محدثة.
تحريم نكاح المتعة
٣٨١ - " نهى عن المتعة، وقال: ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعطى شيئا فلا يأخذه ". ... [الصحيحة]
قال ﵀:
أخرجه مسلم (٤/ ١٣٤) من طريق معقل عن ابن أبي عبلة عن عمر ابن عبد العزيز قال: حدثنا الربيع بن سبرة عن أبيه أن رسول الله ﷺ ... فذكره
стр. 273
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات، ليس فيهم من ينبغي النظر فيه سوى معقل هذا وهو ابن عبيد الله الجزري.
قال الذهبي فيه: " صدوق ضعفه ابن معين ".
وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق يخطىء ".
قلت: فمثله يكون حديثه في مرتبة الحسن لذاته، أو لغيره على الأقل، ولم يتفرد بهذا الحديث، فقد أخرجه مسلم وغيره من طرق عن الربيع بن سبرة، لكن ليس فيها ذكر تأييد التحريم إلى يوم القيامة، إلا في هذه وفي طريق أخرى سأذكرها إن شاء الله، ومن أجل هذه الزيادة أوردت الحديث في هذه " السلسلة " وإلا فأحاديث النهي عن المتعة أشهر من أن تخرج هنا، وإن أنكرتها طائفة من الناس، اتباعا لأهوائهم، ولا ينفع البحث معهم إلا بعد وضع منهج علمي لنقد أحاديث الفريقين على ضوئه، وهيهات هيهات.
والطريق التي أشرت إليها يرويها عبد العزيز بن عمر (بن عبد العزيز):
حدثني الربيع بن سبرة به بلفظ:
" أنه كان مع رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ".
أخرجه مسلم (٤/ ١٣٢) والدارمي (٢/ ١٤٠) وابن ماجه (١٩٦٢) والطحاوي (٢/ ١٤) وابن أبي شيبة في " المصنف " (٧/ ٤٤ / ١) و
стр. 274
ابن الجارود (٦٩٩) والبيهقي (٧/ ٢٠٣) وأحمد (٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥، ٤٠٥ - ٤٠٦).
وفي عبد العزيز هذا كلام يسير نحو الكلام في معقل، فأحدهما يقوى حديث الآخر
لاسيما وقد وجدت له شاهدا من حديث جابر، يرويه صدقة بن عبد الله عن إسماعيل بن أمية عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال:
" خرجنا ومعنا النساء اللاتي استمتعنا بهن، فقال رسول الله ﷺ : هن حرام إلى يوم القيامة، فودعننا عند ذلك، فسميت بذلك ثنية الوداع، وما كانت قبل ذلك إلا ثنية الركاب ".
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١/ ١٧٤ / ٢)،وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥):
" وفيه صدقة بن عبد الله، وثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه أحمد وجماعة وبقية رجاله رجال الصحيح ".
وجملة القول: أن الحديث بمجموع طرقيه وهذا الشاهد صحيح بلا ريب، والله تعالى هو الموفق.
(تنبيه):
جاء في كثير من طرق هذا الحديث أن التحريم كان يوم الفتح وهو الصواب وجاء في بعضها أنه كان في حجة الوداع وهو شاذ كما حققته في " إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل " رقم (١٩٥٩، ١٩٦٠).
стр. 275
١٠١٠ - " نهى عن المتعة (زمان الفتح متعة النساء)، وقال: ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة ". ... [الصحيحة]
قال ﵀:
رواه مسلم (٤/ ١٣٤) والباغندي في " مسند عمر " ص (١٢) عن عمر بن عبد العزيز قال: حدثنا الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه مرفوعا. والزيادة التي بين المعكوفتين رواية لمسلم من طريق ابن شهاب عن الربيع ابن سبرة.
وله شاهد بلفظ: " هن حرام إلى يوم القيامة. يعني النساء المتمتع بهن ". رواه الطبراني في " الأوسط " (١/ ١٧٤ / ٢) عن صدقة بن عبد الله عن إسماعيل بن أمية عن محمد ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: خرجنا ومعنا النساء اللاتي استمتعنا بهن، فقال رسول الله ﷺ : فذكره. قال: فودعننا عند ذلك، فسميت بذلك ثنية الوداع، وما كانت قبل ذلك إلا ثنية الركاب. وأعله الهيثمي في " المجمع " (٤/ ٢٦٤) بقوله: " وفيه صدقة بن عبد الله وثقه أبوحاتم وغيره وضعفه أحمد وجماعة وبقية رجاله رجال الصحيح ".
قلت: وفي هذا الإطلاق تسامح فإن شيخ الطبراني أحمد بن مسعود ليس من رجال الصحيح بل إني لم أعرفه ولعله أحمد بن مسعود الوزان من شيوخ بن المظفر، ترجمه الخطيب (٥/ ١٧١) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
стр. 276
قلت: والحديث نص صريح في تحريم نكاح المتعة تحريما أبديا، فلا يغتر أحد بإفتاء بعض أكابر العلماء بإباحتها للضرورة، فضلا عن إباحتها مطلقا مثل الزواج كما هو مذهب الشيعة.
١٩٠٢ - (لمسلم عن سبرة " أمرنا رسول الله في ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة ثم لم نخرج حتى نهانا عنها "). ص ١٧٥ صحيح.
أخرجه مسلم (٤/ ١٣٢ - ١٣٣) والبيهقي من طريق عبد الملك بن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن جده قال: فذكره. وتابعه عمارة بن غزية عن الربيع بن سبرة به أتم منه ولفظه: " أن أباه غزا مع رسول الله ﷺ فتح مكة قال: فأقمنا بها خمس عشرة (ثلاثين بين ليلة ويوم) , فأذن لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء, فخرجت أنا ورجل من قومي ولي عليه فضل في الجمال , وهو قريب من الدمامة مع كل واحد منا برد , فبردي خَلِق. وأما برد ابن عمى فبرد جديد غض حتى إذا كنا بأسفل مكة ,أو بأعلاها فتلقتنا فتاة مثل البكرة العنطنطة فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟ قالت: وماذا تبذلان؟ فنشر كل واحد منا برده فجعلت تنظر إلى الرجلين وبراها صاحبي تنظر إلى عطفها فقال: إن برد هذا خلق وبري ﷺ جديد غض فتقول: برد هذا لا بأس به ثلاث مرار أو مرتن, ثم استمتعت منها فلم أخرج حتى حرمها رسول الله ﷺ ".
أخرجه مسلم (٤/ ١٣١ - ١٣٢) والبيهقي وأحمد (٣/ ٤٠٥) وزاد بعد قوله: (أن يستمتع منك أحدنا "؟: " قالت: وهل يصلح ذلك؟ قال: قلنا: نعم ".
стр. 277
وهو رواية لمسلم. وتابعه عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد قال: سمعت أبي ربيع ابن سبرة يحدث عن أبيه سبرة بن معبد: " أن نبي الله ﷺ عام فتح مكة أمر أصحابه بالتمتع من النساء قال: فخرجت أنا وصاحب لي. . . " الحديث نحوه
أخرجه مسلم والبيهقي (٧/ ٢٠٢) وأحمد (٣/ ٤٠٤).
١٩٠٣ - (حكى عن ابن عباس: " الرجوع عن قوله بجواز المتعة ") ٢/ ١٧٥. ضعيف.
أخرجه الترمذي (٢٠٩ - ٢١٠) والبيهقي (٧/ ٢٠٥ - ٢٠٦) من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن ابن عباس قال: " إنما كانت المتعة في أول الاسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شيئه حتى نزلت الآية ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ".
هذا لفظ الترمذي وقال البيهقي: " وتصلح له شأنه حتى نزلت هذه الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية, فنسخ الله الأولى فحرمت المتعة وتصديقها من القرآن ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ,وما سوى هذا الفرج فهو حرام ". وسكت عليه هو والترمذي! وموسى بن عبيدة ضعيف وكلن عابدا. ولذلك قال الحافظ في " الفتح " (٩/ ١٤٨): ". . . فإسناده ضعيف وهو شاذ مخالف لما تقدم من علة إباحتها.
стр. 278
قلت: يشير إلى ما أخرجه البخاري عن أبي جمرة قال: " سمعت ابن عباس يسأل عن متعة النساء؟ فرخص فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قلة أو نحوه فقال ابن عباس: نعم ".
وأخرجه الطحاوي (٢/ ١٥) والبيهقي (٧/ ٢٠٤) بلفظ: " إنما كان ذلك في الجهاد والنساء قليل. . . ". وليس عندهما " فرخص ".
وهذا بظاهره يدل على أنه رجع عن القول بإباحة المتعة إطلاقا إلى القول بعدم جوازها مطلقا أو مقيدة بحال عدم وجود الضرورة وكأنه رجع إلى ذلك بعد أن عارضه جماعة من الصحابة في إطلاقه القول بإباحتها فروى البخاري (٤/ ٣٤١) عن محمد بن علي: " أن عليا ﵁ قيل له: ان إبن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسا فقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأنسية ".
وأخرج مسلم وغيره دون ذكر ابن عباس فيه. وفي رواية لمسلم عنه: " سمع علي بن أبي طالب يقول لفلان: إنك رجل تائه نهانا رسول الله ﷺ . . .). فذكره.
وكذلك رواه النسائي (٧/ ٩٠). ورواه أحمد (١/ ١٤٢) بلفظ: " قال لابن عباس وبلغه أنه رخص في متعه النساء فقال له علي بن أبي طالب: إن رسول الله قد نهى. . . ".
ورواه الطبراني في " الأوسط " (١/ ١٧٤ / ١) بلفظ: " تكلم علي وابن عباس في متعة النساء فقال له علي: إنك امرؤ تائه. . . "
وعن سالم بن عبد الله قال: " أتي عبد الله بن عمر فقيل له ابن عباس يأمر بنكاح المتعة فقال ابن عمر: سبحان الله! ما أظن أن ابن عباس يفعل
стр. 279
هذا قالوا: بلى إنه يأمر به قال: وهل كان ابن عباس إلا غلاما صغيرا إذ كان رسول الله ﷺ ثم قال ابن عمر: نهانا عنها رسول الله ﷺ وما كنا مسافحين ".
قلت: وإسناده قوي كما قال الحافظ في " التلخيص " (٣/ ١٥٤). وعن نافع عن ابن عمر: " سئل عن المتعة؟ فقال: حرام فقيل له: إن ابن عباس يفتي بها فقال: فهلا سرموم (١) ... بها في زمان عمر ". أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٤٤) بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وعن ابن شهاب أخبرني عن عروة بن الزبير: " أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال: إن ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل فناداه فقال: إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين (يريد رسول الله ﷺ فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك ".
قال ابن شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله أنه بينا هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة فأمره بها فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلا ما هي والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين قال ابن أبي عمرة: إنها كانت رخصة في أول الاسلام لمن اضطر إليها كالميتة والدم ولحم الخنزير ثم أحكم الله الدين ونهى عنها ".
أخرج مسلم (٤/ ١٣٣ - ١٣٤) والبيهقي (٧/ ٢٠٥) وفي رواية له: " يعرض بابن عباس ". وزاد في آخرها: " قال ابن شهاب: وأخبرني عبيد الله: أن ابن عباس كان يفتي بالمتعة ويغمص ذلك عليه أهل العلم فأبى ابن
стр. 280
عباس أن ينتكل عن ذلك حتى طفق بعض الشعراء يقول:. . . . . . . يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس؟ هل لك في ناعم خود مبتلة تكون مثواك حتى مصدر الناس. قال: فازداد أهل العلم بها قذرا ولها بغضا حين قيل فيها الأشعار ".
قلت: وإسنادها صحيح. رلها طريق أخرى عنده بنحوه وزاد: " فقال ابن عباس: ما هذا أردت وما بهذا أفتيت إن المتعة لا تحل إلا لمضطر ألا إنما هي كالميتة والدم ولحم الخنزير ". وفيه الحسن بن عمارة وهو متروك كما في " التقريب ". ثم روى من طريق ليث عن ختنه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في المتعة: " هي حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير " وليث هو ابن أبي سليم وهو ضعيف أيضا.
وجملة القول: أن ابن عباس ﵁ روي عنه في المتعة ثلاثة أقوال:
الأول: الإباحة مطلقا.
الثاني: الإباحة عند الضرورة.
والآخر: التحريم مطلقا وهذا مما لم يثبت عنه صراحة بخلاف القولين الأولين فهما ثابتان عنه. والله أعلم
[الإرواء]
стр. 281
تحريم نكاح الرجل ابنته من الزنى
٣٨٧ - " ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام ".
[الضعيفة]
قال ﵀:
لا أصل له.
قاله الحافظ العراقي في " تخريج المنهاج " ونقله المناوي في " فيض القدير "
وأقره، وقد استدل بهذا الحديث على تحريم نكاح الرجل ابنته من الزنى، وهو قول الحنفية وهو وإن كان الراجح من حيث النظر، لكن لا يجوز الاستدلال عليه بمثل هذا الحديث الباطل، وقد قابلهم المخالفون بحديث آخر وهو:
٣٨٨ - " لا يحرم الحرام، إنما يحرم ما كان بنكاح حلال ".
باطل.
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١/ ١٧٣ / ٢ من زوائد المعجمين) وابن عدي في " الكامل " (٢٨٧/ ٢) وابن حبان في " الضعفاء " (٢/ ٩٩) والدارقطني (ص٤٠٢) والبيهقي (٧/ ٢٦٩) من طريق المغيرة بن إسماعيل بن أيوب بن سلمة عن عثمان بن عبد الرحمن الزهري عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت:
стр. 282
" سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يتبع المرأة حراما، أينكح ابنتها، أو يتبع الابنة حراما، أينكح أمها؟ قالت: قال رسول الله ﷺ ... " فذكره، قال البيهقي: تفرد به عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي هذا وهو ضعيف، قاله يحيى بن معين وغيره من أئمة الحديث.
قلت: بل هو كذاب، قال ابن حبان:
كان يروي عن الثقات الموضوعات، وكذبه ابن معين في رواية عنه، وقال عبد الحق في " الأحكام " (ق ١٣٨/ ٢) والهيثمي في " المجمع " (٤/ ٢٦٩):
وهو متروك، وكذا قال الحافظ في " التقريب " وزاد: وكذبه ابن معين.
قلت: والراوي عنه المغيرة بن إسماعيل مجهول كما قال الذهبي.
والحديث ذكره ابن أبي حاتم في " العلل " (١/ ٤١٨) من طريق المغيرة بن إسماعيل عن عمر بن محمد الزهري عن ابن شهاب به ثم قال:
قال أبي: هذا حديث باطل، والمغيرة بن إسماعيل وعمر هذا، هما مجهولان.
قلت: كذا وقع في " العلل ": عمر بن محمد الزهري بدل عثمان بن عبد الرحمن الزهري فلا أدري أهكذا وقع في روايته، أم تحرف على الناسخ والطابع، وقد استدل بالحديث الشافعية وغيرهم على أنه يجوز للرجل أن يتزوج ابنته من الزنى, وقد علمت أنه ضعيف فلا حجة فيه، والمسألة اختلف فيها السلف، وليس فيها نص مع أحد الفريقين، وإن كان
стр. 283
النظر والاعتبار يقتضي تحريم ذلك عليه، وهو مذهب أحمد وغيره ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية فانظر " الاختيارات " له (١٢٣ - ١٢٤)، وتعليقنا على الصفحة (٣٦ - ٣٩) من كتابنا " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد "
الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها
١٨٨٢ - (عن أبي هريرة مرفوعا " لا تجمعوا بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ". متفق عليه) ٢/ ١٦٥. صحيح.
قال ﵀:
وله عنه طرق: الأولى: عن الأعرج عن أبي هريرة به بلفظ: " لا يجمع بين. . . "
أخرجه البخاري (٣/ ٤٢٣) ومسلم (٤/ ١٣٥) ومالك (٢٠/ ٥٣٢ / ٢٠) والنسائي (٢/ ٨١) والبيهقي (٧/ ١٦٥) وأحمد (٢/ ٤٦٢ و ٤٦٥ و ٥٢٩ و ٥٣٢) كلهم عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج به.
الثانية: عن قبيصة بن ذؤيب أنه سمع أبا هريرة يقول: " نهى أن تنكح المرأة على عمتها والمرأة وخالتها ". أخرجه الشيخان وأبو داود (٢٠٦٦) والنسائي والبيهقي وأحمد (٢/ ٤٠١ و ٤٥٢ و ٥١٨).
الثالثة: عن محمد بن سيرين عنه بلفظ: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ". أخرجه مسلم والنسائي والترمذي (١/ ٢١٠) وابن
стр. 284
ماجه (١٩٢٩) والبيهقي وأحمد (٢/ ٤٣٢ و ٤٧٤ و ٤٨٩ و ٥٠٨) وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
الرابعة: عن عراك بن مالك عنه. أخرجه مسلم والنسائي والبيهقي. الخامسة: عن أبي سلمة عنه. أخرجه مسلم والنسائي والبيهقي وأحمد (٢/ ٢٢٩ و ٣٩٤ و ٤٢٣).
السادسة: عن عبد الملك بن يسار عنه. أخرجه النسائي.
السابعة: عن الشعبي عنه. أخرجه البخاري ٣/ ٤٢٢) تعليقا وأبو داود (٢٠٦) موصولا وكذا النسائي (٢/ ٨٢) والترمذي (١/ ٢١٠) وعبد الرزاق (١٠٧٥٨) وابن أبي شيبة (٧/ ٣٣ / ٢) وابن الجارود (٦٨٥) والبيهقي (٧/ ١٦٦) وأحمد (٢/ ٤ ٢٦) من طرق عن داود بن أبي هند عن الشعبي به ولفظه: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها ولا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى ". وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم وإن خولف داود في إسناده. كما يأتي قريبا.
وللحديث شواهد كثيرة عن جماعة من الصحابة منهم جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وابن عمرو وأبو سعيد وابن عمر وعلي.
١ - حديث جابر يرويه عاصم عن الشعبي سمع جابرا به. أخرجه البخاري (٣/ ٤٢٢) والنسائي (٢/ ٨٢) وابن أبي شيبة (٧/ ٣٣ / ٢)
стр. 285
والبيهقي والطيالسي (رقم ١٧٨٧) وأحمد (٣/ ٣٣٨ و ٣٨٢). ويرويه ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر به. أخرجه النسائي.
٢ - حديث عبد الله بن عباس يرويه عكرمة عنه. أخرجه أحمد (١/ ٢١٧ و ٣٧٢) وأبو داود (٢٠٦٧) وابن حبان (١٢٧٥) والترمذي وقال: " حديث حسن صحيح ".
٣ - حديث عبد الله بن عمرو يرويه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٣٤ / ١) وأحمد (٢/ ١٧٩ و ١٨٢ و ١٨٩ و ٢٠٧) والطبراني في " الأوسط " (١/ ١٧٣ / ٢)
قلت: وإسناده حسن.
٤ - حديث أبي سعيد يرويه محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن سليمان بن يسار عنه. أخرجه ابن ماجه (١٩٣٠) وابن أبي شيبة وأحمد (٣/ ٦٧).
قلت: ورجاله ثقات. ويرويه أبو حنيفة: حدثني عطية عن أبي سعيد الخدري به. أخرجه الطبراني في " الأوسط " وقال: " لم يروه عن عطية إلا أبو حنيفة ".
٥ - حديث ابن عمر يرويه جعفر بن برقان عن الزهري عن سالم عن أبيه. أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٣٤ / ١): قلت: وسنده حسن. ويرويه زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عن نافع عنه. أخرجه الطبراني.
٦ - حديث علي يرويه ابن لهيعة ثنا عبد الله بن هبيرة السبائي عن عبد الله ابن زرير الغافقي عنه. أخرجه أحمد (١/ ٧٧ - ٧٨).
[الإرواء]