يحظى الأب أو الولي بالشرط الأوفر، والحظ الأكبر، وإلا أعضلها! وهذا لا يجوز لنهي القرآن عنه.
الصداق إذا لم يدخل بها
١٠١٩ - " من كشف خمار امرأة ونظر إليها فقد وجب الصداق، دخل بها أو لم يدخل بها " [الضعيفة]
قال ﵀:
ضعيف.
أخرجه الدارقطني في " سننه " (٤١٩) من طريق ابن لهيعة: أخبرنا أبو الأسود عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
قلت: وهذا سند ضعيف، لإرساله، ولضعف ابن لهيعة، ومن طريقه علقه البيهقي (٧/ ٢٥٦) وقال:
وهذا منقطع، وبعض رواته غير محتج به.
يعني ابن لهيعة، لكن قد أخرجه هو من طريق عبد الله بن صالح: حدثني الليث:
حدثني عبيد الله بن أبي جعفر عن صفوان بن سليم عن عبد الله بن يزيد عن محمد بن ثوبان بلفظ:
من كشف امرأة فنظر إلى عورتها فقد وجب الصداق.
стр. 317
وهذا سند رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن صالح فمن رجال البخاري وحده، وفيه ضعف، لكنه قد توبع، فقال ابن التركماني في " الجوهر النقي":
أخرجه أبو داود في " مراسيله " عن قتيبة عن الليث بالسند المذكور، وهو على شرط الصحيح، ليس فيه إلا الإرسال ".
وقال الحافظ في " التلخيص " (ص ٣١١):
رواه أبو داود في " المراسيل " من طريق ابن ثوبان ورجاله ثقات.
قلت: فهو ضعيف لإرساله، وقد صح موقوفا، فأخرجه الدارقطني وعنه البيهقي من طريق عبد الله بن نمير: حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال:
" إذا أجيف الباب، وأرخيت الستور، فقد وجب المهر.
ورجاله كلهم ثقات معروفون رجال مسلم غير علي بن عبد الله بن مبشر شيخ الدارقطني فلم أجد له ترجمة، ولكنه أخرجه وهو والبيهقي من طريق أخرى عن عمر وقرن معه البيهقي عليا ﵄، فهو عن عمر ثابت، وله عند الدارقطني طريق أخرى ثم أخرجه الدارقطني من طريق ابن أبي زائدة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر مثله.
قلت: وسنده صحيح.
وهو في " الموطأ " (٢/ ٦٥) بإسنادين منقطعين عن عمر وزيد بن ثابت.
стр. 318
وجملة القول أن الحديث ضعيف مرفوعا، صحيح موقوفا، ولا يقال: فالموقوف شاهد للمرفوع لأنه لا يقال بمجرد الرأي، لأمرين:
الأول: أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فهي بإطلاقها تشمل التي خلا بها، وما أحسن ما قال شريح: " لم أسمع الله تعالى ذكر في كتابه بابا ولا سترا، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق ".
الثاني: أنه قد صح خلافه موقوفا، فروى الشافعي (٢/ ٣٢٥): أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن ليث بن أبي سليم عن طاووس عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
ومن طريق الشافعي رواه البيهقي (٧/ ٢٥٤).
قلت: وهذا سند ضعيف، لكن قد جاء من طريق أخرى عن طاووس، أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور: حدثنا هشيم: أنبأ الليث عن طاووس عن ابن عباس أنه كان يقول في رجل أدخلت عليه امرأته ثم طلقها فزعم أنه لم يمسها، قال: عليه نصف الصداق.
قلت: وهذا سند صحيح فبه يتقوى السند الذي قبله، والآتي بعده عن علي بن أبي طلحة، بخلاف ما نقله ابن كثير (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩) عن البيهقي أنه قال في الطريق الأولى:
وليث وإن كان غير محتج به، فقد رويناه من حديث ابن أبي طلحة عن ابن عباس، فهو مقوله:
стр. 319
وهذا معناه أنه يرى أن الليث في رواية هشيم عنه هو ابن أبي سليم أيضا، لكن الحافظ المزي لم يذكر في ترجمة ابن أبي سليم أنه روى عنه هشيم، وإنما عن الليث عن سعد، والله أعلم.
ثم أخرج البيهقي عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (١) الآية. فهو الرجل يتزوج المرأة وقد سمى لها صداقا، ثم يطلقها من قبل أن يمسها، والمس الجماع، لها نصف الصداق، وليس لها أكثر من ذلك.
قلت: وهذا ضعيف منقطع، ثم روى عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود قال:
لها نصف الصداق، وإن جلس بي رجليها، وقال:
وفيه انقطاع بين الشعبي وابن مسعود، فإذا كانت المسألة مما اختلف فيه الصحابة، فالواجب حينئذ الرجوع إلى النص، والآية مؤيدة لما ذهب إليه ابن عباس على خلاف هذا الحديث، وهو مذهب الشافعي في " الأم " (٥/ ٢١٥)، وهو الحق إن شاء الله تعالى.
стр. 320
آداب الجماع
١ - ملاطفة الزوجة عند البناء بها:
يستحب له إذا دخل على زوجته أن يلاطفها كأن يقدم إليها شيئا من الشراب ونحوه لحديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت:
إني قينت (١) عائشة لرسول الله ﷺ ثم جئته فدعوته لجلوتها (٢) ... فجاء فجلس إلى جنبها فأتي بعس [(٣) لبن فشرب ثم ناولها النبي ﷺ فخفضت رأسها واستحيت قالت أسماء: فانتهرتها وقلت لها: خذي من يد النبي ﷺ قالت: فأخذت فشربت شيئا ثم قال لها النبي ﷺ : أعطي تربك (٤) قالت أسماء: فقلت: يا رسول الله بل خذه فاشرب منه ثم ناولنيه من يدك فأخذه فشرب منه ثم ناولنيه قالت: فجلست ثم وضعته على ركبتي ثم طفقت أديره وأتبعه بشفتي لأصيب منه شرب النبي ﷺ ثم قال لنسوة عندي: [ناوليهن) فقلن: لا نشتهيه فقال ﷺ ] لا تجمعن جوعا وكذبا.
стр. 321
٢ - وضع اليد على رأس الزوجة والدعاء لها:
وينبغي أن يضع يده على مقدمة رأسها عند البناء بها أو قبل ذلك وأن يسمي الله ﵎ ويدعو بالبركة ويقول ما جاء في قوله ﷺ :
(إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما [فليأخذ بناصيتها] [وليسم الله ] [وليدع بالبركة] وليقل:
اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه (١) وإذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروه سنامه وليقل مثل ذلك (٢).
قلت: وفي الحديث دليل على أن الله خالق الخير والشر خلافا لمن يقول - من المعتزلة وغيرهم - بأن الشر ليس من خلقه ﵎ وليس في كون الله خالقا للشر ما ينافي كماله تعالى بل هو من كماله ﵎
وتفصيل ذلك في المطولات ومن أحسنها كتاب " شفاء العليل في القضاء والقدر والتعليل " لابن القيم فليراجعه من شاء.
стр. 322
وهل يشرع هذا الدعاء في شراء مثل السيارة؟ وجوابي: نعم لما يرجى من خيرها ويخشى من شرها.
٣ - صلاة الزوجين معا:
ويستحب لهما أن يصليا ركعتين معا لأنه منقول عن السلف. وفيه أثران:
الأول: عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال:
(تزوجت وأنا مملوك فدعوت نفرا من أصحاب النبي ﷺ فيهم ابن مسعود وأبو ذر وحذيفة قال: وأقيمت الصلاة قال: فذهب أبو ذر ليتقدم فقالوا: إليك قال: أو كذلك؟ قالوا: نعم (١).
قال: فتقدمت بهم وأنا عبد مملوك وعلموني فقالوا: (إذا دخل عليك أهلك فصل ركعتين ثم سل الله من خير ما دخل عليك وتعوذ به من شره ثم شأنك وشأن أهلك (٢).
الثاني: عن شقيق قال:
стр. 323
(جاء رجل يقال له: أبو حريز (١) فقال: إني تزوجت جارية شابة [بكرا] وإني أخاف أن تفركني (٢) ... فقال عبد الله (يعني ابن مسعود):
(إن الإلف من الله والفرك من الشيطان يريد أن يكره إليكم ما أحل الله لكم فإذا أتتك فأمرها أن تصلي وراءك ركعتين. زاد في رواية أخرى عن ابن مسعود:
(وقل: اللهم بارك لي في أهلي وبارك لهم في اللهم اجمع بيننا ما جمعت بخير وفرق بيننا إذا فرقت إلى خير].
أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في المصدر السابق وكذا عبد الرزاق في " مصنفه " وسنده صحيح وأخرجه الطبراني بسندين صحيحين والزيادة مع الرواية الأخرى له ورواه في " الأوسط " كما في الجمع بينه وبين " الصغير " من طريق الحسين بن واقد عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال:
" إذا دخلت المرأة على زوجها يقوم الرجل فتقوم من خلفه فيصليان ركعتين ويقول: اللهم بارك لي في أهلي وبارك لأهلي في اللهم ارزقهم مني
стр. 324
وارزقني منهم اللهم اجمع بيننا ما جمعت في خير وفرق بيننا إذا فرقت في خير ".
وقال: " لم يروه عن عطاء إلا الحسين "
قلت: يعني مرفوعا وعطاء بن السائب كان اختلط وقد رواه عنه حماد ابن زيد به نحوه موقوفا عليه وهو الصواب لأن حماد بن زيد روى عن عطاء قبل أن يختلط ولذلك أوردناه في المتن وهي الرواية الأخرى عن ابن مسعود.
ثم رأيته من طريق آخر عن ابن مسعود عند الثقفي فانظر: " إذا تزوج أحدكم. " من " المعجم ".
وله شاهد مرفوع عن سلمان أخرجه ابن عدي وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " والبزار في " مسنده " بسند ضعيف تكلمت عليه في " معجم الحديث " بلفظ: " إذا تزوج أحدكم. . . " ورواه ابن عساكر عنه وعن ابن عباس.
وروى عبد الزراق عن ابن جريج قال:
حدثت أن سلمان الفارسي تزوج امرأة فلما دخل عليها وقف على بابها فإذا هو بالبيت مستور فقال:
ما أدري أمحموم بيتكم أم تحولت الكعبة إلى (كندة) والله لا أدخله حتى تهتك أستاره, فلما هتكوها. . . دخل. . . ثم عمد إلى أهله فوضع يده على رأسها. . . فقال: هل أنت مطيعتي رحمك الله؟ قالت: قد جلست مجلس من يطاع قال: إن رسول الله ﷺ قال لي: " إن تزوجت يوما فليكن أول ما تلتقيان عليه من طاعة الله " فقومي فلتصل
стр. 325
ركعتين فما سمعتني أدعو فأمني, فصليا ركعتين وأمنت, فبات عندها فلما أصبح جاءه أصحابه فانتحاه رجل من القوم فقال: كيف وجدت أهلك؟ فأعرض عنه ثم الثاني ثم الثالث, فلما رأى ذلك صرف وجهه إلى القوم وقال:
رحمكم الله فيما المسألة عما غيبت الجدران والحجب والأستار؟ بحسب امرئ أن يسأل عما ظهر إن أخبر أو لم يخبر.
وفي إسناده انقطاع كما هو ظاهر.
٤ - ما يقول حين يجامعها:
وينبغي أن يقول حين يأتي أهله:
(بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا قال ﷺ :
(فإن قضى الله بينما ولدا لم يضره الشيطان أبدا " (١).
٥ - كيف يأتيها:
ويجوز له أن يأتيها في قبلها من أي جهة شاء من خلفها, أو من أمامها لقول الله ﵎: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: كيف شئتم مقبلة ومدبرة وفي ذلك أحاديث أكتفي باثنين منها:
الأول عن جابر ﵁ قال:
стр. 326
(كانت اليهود تقولك إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [فقال رسول الله ﷺ :
مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج] (١).
الثاني: عن ابن عباس قال:
(كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم وكان من أمر أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلا على حرف (٢) وذلك أستر ما تكون المرأة , فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات, فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى شري (٣) أمرها فبلغ ذلك رسول الله ﷺ .
فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾
أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات. يعني بذلك موضع الولد.
стр. 327
٦ - تحريم الدبر: ويحرم عليه أن يأتيها في دبرها لمفهوم الآية السابقة: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ , والأحاديث المتقدمة وفيه أحاديث أخرى:
الأول: عن أم سلمة ﵂ قالت:
(لما قدم المهاجرون المدينة على الأنصار تزوجوا من نسائهم وكان المهاجرون (١) يجبون (٢) وكانت الأنصار لا تجبي فأراد رجل من المهاجرين امرأته على ذلك فأبت عليه حتى تسأل رسول الله ﷺ قالت: فأتته فاستحيت أن تسأله فسألته أم سلمة فنزلت:
(نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) وقال: لا إلا في صمام (٣) ... واحد (٤).
الثاني: عن ابن عباس ﵁ قال:
(جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت. قال: وما الذي أهلكك؟ قال: حولت رحلي الليلة (٥)
стр. 328
فلم يرد عليه شيئا فأوحي إلى رسول الله ﷺ هذه الآية: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم يقول: أقبل وأدبر واتقي الدبر والحيضة " (١).
الثالث: عن خزيمة بن ثابت ﵁:
(أن رجلا سأل النبي ﷺ عن إتيان النساء في أدبارهن أو إتيان الرجل امرأته في دبرها؟ فقال النبي ﷺ : حلال. فلما ولى الرجل دعاه أو أمر به فدعي فقال: كيف قلت؟ في أي الخربتين أوفي الخرزتين أو في أي الخصفتين؟ (٢) أمن دبرها في قبلها؟ فنعم أم من دبرها في دبرها؟ فلا فإن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن" (٣) ... .
الرابع: [لا ينظر الله إلى رجل يأتي امرأته في دبرها] (٤).
стр. 329
الخامس: [ملعون من يأتي النساء في محاشهن. يعني: أدبارهن] (١).
السادس: [من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد] (٢).
стр. 330
٧ - الوضوء بين الجماعين:
وإذا أتاها في المحل المشروع ثم أراد أن يعود إليها توضأ لقوله ﷺ :
(إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ [بينهما وضوءا] وفي رواية: وضوءه للصلاة) [فإنه أنشط في العود] (١)
٨ - الغسل أفضل:
لكن الغسل أفضل من الوضوء لحديث أبي رافع أن النبي ﷺ طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه قال: فقلت له: يا رسول الله ألا تجعله غسلا واحدا؟ قال: (هذا أزكى وأطيب وأطهر] (٢).
٩ - اغتسال الزوجين معا:
ويجوز لهما أن يغتسلا معا في مكان واحد ولو رأى منه ورأت منه وفيه أحاديث:
الأول: عن عائشة ﵂ قالت: (كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء بيني وبينه واحد [تختلف أيدينا فيه] فيبادرني حتى أقول: دع لي دع لي قالت: وهما جنبان] (٣).
стр. 331
١٠ - الثاني: عن معاوية بن حيدة قال:
قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: [احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك]. قال: قلت: يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: (إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها].
قال: فقلت: يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: (الله أحق أن يستحيى منه من الناس] (١).
والحديث ترجم له النسائي بـ " نظر المرأة إلى عورة زوجها ", وعلقه البخاري في " صحيحه " في " باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة ومن تستر فالستر أفضل " ثم ساق حديث أبي هريرة في اغتسال كل من موسى وأيوب ﵉ في الخلاء عريانين, فأشار فيه إلى أن قوله في الحديث: " الله أحق أن يستحيى منه " محمول على ما هو الأفضل والأكمل وليس على ظاهره المفيد للوجوب قال المناوي:
" وقد حمله الشافعية على الندب وممن وافقهم ابن جريج فأول الخبر في " الآثار " على الندب قال: لأن الله تعالى لا يغيب عنه شيء من خلقه عراة أو غير عراة "
وذكر الحافظ في " الفتح " نحوه فراجعه إن شئت (١/ ٣٠٧).
стр. 332
١٠ - توضؤ الجنب قبل النوم:
ولا ينامان جنبين إلا إذا توضآ وفيه أحاديث:
الأول: عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن [يأكل أو] ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة) (١).
الثاني: عن ابن عمر ﵄:
(أن عمر قال: يا رسول الله أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ).
وفي رواية: (توضأ واغسل ذكرك ثم نم).
وفي رواية: (نعم ليتوضأ ثم لينم حتى يغتسل إذا شاء).
وفي أخرى: (نعم ويتوضأ إن شاء) (٢).
الثالث: عن عمار بن ياسر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 333
(ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر والمتضمخ (١) ... بالخلوق [والجنب إلا أن يتوضأ " (٢)
١١ - حكم هذا الوضوء:
وليس ذلك على الوجوب وإنما للاستحباب المؤكد لحديث عمر أنه سأل رسول الله ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: (نعم ويتوضأ إن شاء) ابن حبان في صحيحه (٣).
ويؤيده حديث عائشة قالت:
(كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء [حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل] (٤).
стр. 334
وفي رواية عنها:
(كان يبيت جنبا فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فيقوم فيغتسل فأنظر إلى تحدر الماء من رأسه ثم يخرج فأسمع صوته في صلاة الفجر ثم يظل صائما قال مطرف: فقلت لعامر: في رمضان؟ قال: نعم سواء رمضان أو غيره (١)
١٢ - تيمم الجنب بدل الوضوء:
ويجوز لهما التيمم بدل الوضوء أحيانا لحديث عائشة قالت:
(كان رسول الله ﷺ إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ
أو تيمم (٢).
стр. 335
١٣ - اغتساله قبل النوم أفضل:
واغتسالهما أفضل لحديث عبد الله بن قيس قال:
(سألت عائشة قلت: كيف كان ﷺ يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل ربما اغتسل فنام وربما توضأ فنام.
قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة) (١)
١٤ - تحريم إتيان الحائض:
ويحرم عليه أن يأتيها في حيضها (٢) لقوله ﵎: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً (٣) فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا
стр. 336
تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (١) فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وفيه أحاديث:
الأول: من قوله ﷺ :
(من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) (٢)
الثاني: عن أنس بن مالك قال:
(إن اليهود كانت إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها (٣) ... في البيت فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية؛ فقال رسول الله ﷺ : جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء غير النكاح فقالت اليهود: ما يريد هذا الرجل ألا يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر إلى النبي ﷺ فقالا يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا ننكحهن في المحيض؟ فتمعر (٤)
стр. 337
وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد (١) ... عليهما فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله ﷺ فبعث في آثارهما فسقاهما فظننا أنه لم يجد عليهما (٢)
١٥ - كفارة من جامع الحائض:
من غلبته نفسه فأتى الحائض قبل أن تطهر من حيضها فعليه أن يتصدق بنصف جنيه ذهب إنكليزي تقريبا أو ربعها لحديث عبد الله بن عباس ﵁ عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال:
(يتصدق بدينار أو نصف دينار) (٣) ... .
وذهب على العمل بالحديث جماعة آخرون من السلف ذكر أسماءهم الشوكاني في النيل وقواه
стр. 338
١٦ - ما يحل له من الحائض:
ويجوز له أن يتمتع بما دون الفرج من الحائض وفيه أحاديث:
الأول: قوله ﷺ :
(اصنعوا كل شيء إلا النكاح) (١).
والحديث قطعة من حديث أنس المتقدم في المسألة (١٤).
الثاني: عن عائشة ﵂ قالت:
(كان رسول الله ﷺ يأمر إحدانا إذا كانت حائضا أن تتزر ثم يضاجعها زوجها وقالت مرة: يباشرها (٢).
الثالث: عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: إن النبي ﷺ :
(كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبا [ثم صنع ما أراد] (٣) ... .
стр. 339
١٧ - متى يجوز إتيانها إذا طهرت:
فإذا طهرت من حيضها وانقطع الدم عنها جاز له وطؤها بعد أن تغسل
موضع الدم منها فقط, أو تتوضأ, أو تغتسل: أي ذلك فعلت جاز له إتيانها (١) ... لقوله ﵎ في الآية السابقة: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
١٨ - جواز العزل:
ويجوز له أن يعزل عنها ماءه وفيه أحاديث:
الأول: عن جابر ﵁ قال:
(كنا نعزل (٢) ... والقرآن ينزل) وفي رواية:
(كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا) (٣)
الثاني: عن أبي سعيد الخدري قال:
(جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن لي وليدة (٤) وأنا أعزل عنها وأنا أريد ما يريد الرجل وإن اليهود زعموا: [أن الموءودة
стр. 340
الصغرى العزل) فقال رسول الله ﷺ : [كذبت يهود [كذبت يهود] لو أراد الله أن يخلقه لم تستطع أن تصرفه (١) ... .
الثالث:
عن جابر أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا (٢) وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل (٣) ... فقال:
(اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها) فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت فقال:
(قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها (٤).
١٩ - الأولى ترك العزل:
ولكن تركه أولى لأمور:
الأول:
أن فيه إدخال ضرر على المرأة لما فيه من تفويت لذتها (٥) , فإن وافقت عليه ففيه ما يأتي وهو:
стр. 341
الثاني: أنه يفوت بعض مقاصد النكاح وهو تكثير نسل أمة نبينا ﷺ وذلك قوله ﷺ :
(تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر (١) ... بكم الأمم (٢).
ولذلك وصفه النبي ﷺ بالوأد الخفي حين سألوه عن العزل فقال:
(ذلك الوأد الخفي) (٣).
ولهذا أشار ﷺ إلى أن الأولى تركه في حديث أبي سعيد الخدري أيضا قال: (ذكر العزل عند رسول الله ﷺ فقال: ولم يفعل ذلك أحدكم؟ - ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم - فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها
стр. 342
(وفي رواية) فقال: وإنكم لتفعلون وإنكم لتفعلون وإنكم لتفعلون؟ ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة) (١).
стр. 343
كِتَابُ اَلطَّلَاقِ
حكم الطلاق
١٤٧ - " تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له العرش ".
[الضعيفة]
قال ﵀:
موضوع.
أخرجه الخطيب في " تاريخ بغداد " (١٢/ ١٩١) ومن طريقه ابن الجوزي (٢/ ٢٧٧) في ترجمة عمرو بن جميع عن جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي بنأبي طالب مرفوعا، وقال: عمرو كان يروي المناكير عن المشاهير والموضوعات عن الأثبات.
قلت: وهو كذاب وقد تقدم له أحاديث، وجويبر ضعيف جدا وتقدم له شيء، وبهذا أعله ابن الجوزي وقال: لا يصح.
والحديث أورده الصغاني في " الموضوعات " (ص ٨).
وأقر ابن الجوزي السيوطي في " اللآليء " (٢/ ١٧٩) فالعجب منه كيف أورده من رواية ابن عدي في " الجامع الصغير " الذي اشترط في مقدمته أن يصونه مما تفرد به كذاب أو وضاع! وأعجب من هذا استدراك الشيخ العجلوني في " الكشف " (١/ ٣٠٤) على حكم الصغاني عليه
стр. 344
بالوضع بقوله: لكن عزاه في " الجامع الصغير " لابن عدي بسند ضعيف عن علي! وكيف لا يكون هذا الحديث موضوعا، وقد طلق جماعة من السلف بل صح أن النبي ﷺ طلق زوجته حفصة بنت عمر ﵄؟!.
جواز تطليق الرجل لزوجته ولو كانت صوّامة قوّامة:
٢٠٠٧ - " كان طلق حفصة، ثم راجعها ".
[الصحيحة]
قال ﵀:
أخرجه داود (٢٢٨٣) والنسائي (٢/ ١١٧) والدارمي (٢/ ١٦٠ - ١٦١) وابن ماجة (٢٠١٦) وأبو يعلى في " مسنده " (١/ ٥٣) والحاكم (٢/ ١٩٧) والبيهقي (٧/ ٣٢١ - ٣٢٢) عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن صالح بن صالح عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عمر مرفوعا. وقال الحاكم:
" صحيح على شرط الشيخين " ووافقه الذهبي.
وأقول: وهو كما قالا، وصالح هو ابن صالح بن حي. وله عند أبي يعلى طريق أخرى فقال: حدثنا أبو كريب أخبرنا يونس بن بكير عن الأعمش عن أبي صالح عن ابن عمر قال: " دخل عمر على حفصة وهي تبكي، فقال لها: وما يبكيك؟ لعل رسول الله ﷺ طلقك،
стр. 345
إن كان طلقك مرة، ثم راجعك من أجلي، والله لئن طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدا ".
وبهذا الإسناد أخرجه البزار (ص ١٥٦) نحوه. ثم قال: حدثناه أحمد بن يزداد الكوفي: حدثنا عمر بن عبد الغفار حدثنا الأعمش به.
والإسناد الأول لا بأس به، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أن يونس ابن بكير إنما أخرج له البخاري تعليقا، ثم هو صدوق يخطىء كما في " التقريب ".
وقد تابعه عمر بن عبد الغفار، ولكني لم أعرفه. ثم تذكرت أنه لعله عمرو -بالواو - بن عبد الغفار، فرجعت إلى ترجمته من " الميزان "، فإذا هو هذا وهو الفقيمي، قال أبو حاتم: " متروك الحديث ".
قلت: فلا يفرح بمتابعته. وللحديث شواهد مختصرة نحو حديث الترجمة:
الأول: عن هشيم: أنبأ حميد عن أنس قال: " لما طلق النبي ﷺ حفصة أمر أن يراجعها، فراجعها ". أخرجه أبو يعلى (٣/ ٩٥٧) والحاكم (٢/ ١٩٧)، وقال: " صحيح على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
وأخرجه الدارمي أيضا لكنه لم يذكر الأمر، وأعل الحديث بما لا يقدح. وله عند الحاكم (٤/ ١٥) طريق أخرى، لكنها ضعيفة.
الثاني: عن موسى بن جبير عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عاصم ابن عمر مرفوعا:
стр. 346
أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٨) وكذا الطبراني كما في " مجمع الهيثمي "، وقال:" ورجاله ثقات".
قلت: وفي هذا الإطلاق للتوثيق نظر بين، فإن موسى هذا - وهو الأنصاري المدني- لم يوثقه غير ابن حبان، ومع أنه معروف بالتساهل في التوثيق، فإن تمام كلامه في كتابه " الثقات " (٧/ ٤٥١): " يخطىء ويخالف ". فإذا كان كذلك، فهو ليس من الثقات الذين يحتج بهم كما هو الشأن فيمن وثق مطلقا، وإنما هو ممن ينتخب حديثه في الشواهد والمتابعات، ولاسيما قد قال فيه ابن القطان:" لا يعرف حاله ".
الثالث: عن قيس بن زيد: " أن النبي ﷺ طلق حفصة بنت عمر، فدخل عليها خالاها قدامة وعثمان ابنا مظعون، فبكت، وقالت: والله ما طلقني عن شبع، وجاء النبي ﷺ فقال: قال لي جبريل ﵇: راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة ".
أخرجه أبو نعيم في" الحلية " (٢/ ٥٠) والحاكم من طريق حماد بن سلمة: أنبأ أبو عمران الجوني عن قيس بن زيد.
قلت: سكت عنه الحاكم ثم الذهبي، ولعل ذلك لوضوح علته وهي قيس بن زيد هذا، قال ابن أبي حاتم (٣/ ٢ / ٩٨): " روى عن النبي ﷺ مرسلا، لا أعلم له صحبة. روى عنه أبو عمران الجوني ".
الرابع: عن الحسن بن أبي جعفر عن عاصم عن زر عن عمار بن ياسر قال: " أراد رسول الله ﷺ أن يطلق حفصة، فجاء جبريل
стр. 347
فقال: لا تطلقها، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة ". أخرجه أبو نعيم
قلت: ورجاله ثقات غير الحسن بن أبي جعفر وهو الجعفري، قال الحافظ: " ضعيف الحديث، مع عبادته وفضله ".
قلت: فإذا ضم إلى المرسل الذي قبله ارتقى حديثه إلى مرتبة الحسن إن شاء الله تعالى وقد رواه مرة عن ثابت عن أنس ﵁: " أن النبي ﷺ طلق حفصة تطليقة، فأتاه جبريل عليه الصلاة السلام، فقال: يا محمد!
طلقت حفصة وهي صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة؟ ". أخرجه الحاكم، وسكت عنه لم عرفت من حال الحسن بن أبي جعفر.
وجملة القول، أن تطليقه ﷺ لحفصة ثابت عنه من طرق، وكونه أمر بإرجاعها ثابت من حديث أنس الصحيح، وقول جبريل له: " راجعها فإنها صوامة ... " إلخ، حسن كما ذكرنا.
والله أعلم.
(فائدة): دل الحديث على جواز تطليق الرجل لزوجته ولو أنها كانت صوامة قوامة ,ولا يكون ذلك بطبيعة الحال إلا لعدم تمازجها وتطاوعها معه، وقد يكون هناك أمور داخلية لا يمكن لغيرها الاطلاع عليها، ولذلك، فإن ربط الطلاق بموافقة القاضي من أسوأ وأسخف ما يسمع به في هذا الزمان! الذي يلهج به كثير من حكامه وقضاته وخطبائه بحديث: " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " وهو حديث ضعيف كما بينته في غير ما موضع مثل " إرواء الغليل " (رقم ٢٠٤٠).
стр. 348
الطلاق بلفظ ثلاثًا
٣٧٧٦ - (أيما رجل طلق امراته ثلاثاً عند الأقراء أو ثلاثاً مبهمةً، لم تحل له حتي تنكح زوجاً غيره).
[الضعيفة]
قال ﵀:
ضعيف جداً: أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١/ ١٣٣/١)، والبيهقي في "سننه " (٧/ ٣٣٦) عن محمد بن حميد الرازي: نا سلمة بن الفضل، عن عمرو بن أبي قيس، عن إبراهيم بن عبد الأعلي، عن سويد ابن غفلة قال:
كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي ﵁ فلما قتل علي ﵁ قالت: لتهنئك الخلافة! قال: بقتل علي تظهرين الشماتة؟!
اذهبي فأنت طالق، يعني ثلاثاً، قال: فتلفعت بثيابها، وقعدت حتي قضت عدتها، فبعث إليها ببقية بقيت لها من صداقها، وعشرة آلاف صدقة، فلما جاءها الرسول قالت: (متاع قليل من حبيب مفارق)، فلما بلغه قولها، بكي، ثم قال: لولا أني سمعت جدي، أو حدثني أبي، أنه سمع جدي يقول: (فذكره) لراجعتها. وقال البيهقي:
" وكذلك روي عن عمرو بن شمر، عن عمران بن مسلم وإبراهيم بن عبد الأعلي، عن سويد بن غفلة ".
стр. 349
قلت: وقال الكوثري في رسالته " الإشفاق " (ص ٢٨) - بعد ماعزاه للطبراني والبيهقي - عقبه:
" وإسناده صحيح، قله ابن رجب الحنبلي الحافظ بعد أن ساق الحديث في كتابه: (بيان مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة) (١).
ولم يتعقبه بشيء، مما يدل علي أنه موافق له علي التصحيح، وهذا أمر عجيب، لاسيما من ابن رجب، فإن الإسناد لا يحتمل التحسين، فضلاً عن التصحيح! فإن سلمة بن الفضل صدوق كثير الخطأ. ومحمد بن حميد الرازي ضعيف كما في " التقريب" بل الرازي قد اتهمه غير واحد بالكذب، وتساهل البعض في إعطائه حقه من الجرح، فقد قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٤/ ٣٣٩):
رواه الطبراني وفي رجاله ضعف، وقد وثقوا.
فإن قال قائل: أفلا يتقوي الحديث بطريق عمرو بن شمر التي علقها البيهقي؟
فأقول: كلا، فإن عمرا هذا كذب يروي الموضوعات عن الثقات، فلا يستشهد به ولا كرامة.
واعلم أنه لا يوجد حديث صحيح في إيقاع الطلاق بلفظ ثلاثاً ثلاثاً فلا نغتر بكلام الكوثري في كتابه " الإشفاق " فإنه غير مشفق علي نفسه، فإنا يصحح فيه ما ليس يصح كهذا الحديث، ويتأول النصوص الصحيحة
стр. 350
الصريحة بما يتفق مع انحرافه عن السنة، كتأويله حديث ابن عباس في " صحيح مسلم " علي أنه في غير الدخول بها! ومن أراد مفرق الحق في هذه المسألة فليراجع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم وغيرهما من أئمة السنة والذابين عنها.
ما روي عن ابن عباس في الطلاق بلفظ ثلاث:
٢٠٥٥ - (عن مجاهد قال: (جلست عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس. وان الله قال: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) وانك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا عصيت ربك فبانت منك امرأتك) رواه أبو داود) ٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦. صحيح.
أخرجه أبو داود (٢١٩٧) ومن طريقه البيهقي (٧/ ٣٣١): حدثنا حميد بن مسعدة ثنا إسماعيل أخبرنا أيوب عن عبد الله بن كثير عن مجاهد به وزاد في آخره: (وإن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قبل عدتهن).
قلت: وهذا إسناد صحيح كما قال الحافظ في (الفتح) (٩/ ٣١٦) وهو على شرط مسلم وقال أبو داود عقبه: (روى هذا الحديث حميد الأعرج وغيره عن مجاهد عن ابن عباس. ورواه شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وأبوب وابن جريج جميعا عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وابن جريج عن عبد الحميد بن رافع عن عطاء عن ابن عباس.
стр. 351
ورواه الأعمش عن مالك ابن الحارث عن ابن عباس. وابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس كلهم قالوا في الطلاق الثلاث إنه أجازها قال: وبانت منك. نحو حديث إسماعيل عن أيوب عن عبد الله بن كثير).
قال أبو داود: (وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: (إذا قال (أنت طالق ثلاثا) بفم واحد فهى واحدة).
ورواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة هذا قوله لم يذكر ابن عباس وجعله قول عكرمة).
ثم قال أبو داود: (وقول ابن عباس هو أن الطلاق الثلاث تبين من زوجها مدخولا بها وغير مدخول بها لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره هذا مثل خبر الصرف قال فيه ثم إنه رجع عنه. يعنى ابن عباس).
ثم ساق أبو داود بإسناده الصحيح عن طاوس:: (أن أبا الصهباء قال لأبن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي ﷺ وأبن بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم). وأخرجه مسلم في (صحيحه) والنسائي وأحمد وغيرهم.
وخلاصة كلام أبي داود أن ابن عباس ﵁ كان له في هذه المسألة وهي الطلاق بلفظ ثلاث قولان كما كان له في مسألة الصرف قولان فكان يقول في أول الأمر بجواز صرف الدرهم بالدرهمن والدينار بالدينارين نقدا ثم بلغه نهيه ﷺ عنه فترك قوله وأخذ بالنهي فكذلك كان له في هذه المسألة قولان:
أحدهما: وقوع الطلاق بلفظ ثلاث. وعليه أكثر الروايات عنه. والآخر: عدم وقوعه كما في رواية عكرمة عنه. وهي صحيحة.
стр. 352
وهي وإن كان أكثر الطرق عنه بخلافها؛ فإن حديث طاوس عنه المرفوع يشهد لها. فالأخذ بها هو الواجب عندنا لهذا الحديث الصحيح الثابت عنه من غير طريق وإن خالفه الجماهير فقد انتصر له شيخ الأسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما فمن شاء تفصيل القول في ذلك فليرجع إلى كتبهما ففيها الشفاء والكفاية إن شاء الله تعالى.
[الإرواء]
تنبيه: على حديث:-
١١٣٤ - " كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها، قال (يعني عمر): أجيزهن عليهم ".
[الضعيفة]
قال ﵀:
منكر بهذا السياق.
أخرجه أبو داود (٢١٩٩) وعنه البيهقي (٧/ ٣٣٨ - ٣٣٩): حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان: حدثنا أبو النعمان: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحد عن طاووس:
" أن رجلا يقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة
стр. 353
على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر؟ وقال ابن عباس: بلى كان الرجل .. ".
قلت: وهذا إسناد معلول عندي بأبي النعمان واسمه محمد بن الفضل السدوسي ولقبه عارم، وهو وإن كان ثقة فقد كان اختلط، وصفه بذلك جماعة من الأئمة منهم أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم، وقال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤/ ١/٥٩):
" سمعت أبي يقول: اختلط في آخر عمره، وزال عقله فمن سمع منه قبل الاختلاط فسماعه صحيح ".
قلت: وهذا الحديث من رواية ابن مروان وهو أبو جعفر الدقيقي الثقة، ولا ندري أسمع منه قبل الاختلاط أم بعده؟ وهذا عندي أرجح، فقد خولف عارم في إسناده ومتنه. فرواه سليمان بن حرب عن حماد بن زيد فقال: عن أيوب عن إبراهيم ابن ميسرة عن طاووس به، إلا أنه لم يذكر فيه:
" قبل أن يدخل بها ".
أخرجه مسلم (٤/ ١٨٢) والبيهقي (٧/ ٣٣٦).
وقال ابن أبي شيبة (٥/ ٢٦): نا عفان بن مسلم قال: نا حماد بن زيد به.
ورواه محمد بن أبي نعيم: نا حماد بن زيد به.
أخرجه الدارقطني (٤٤٣)، وابن أبي نعيم صدوق.
فهي زيادة شاذة إن لم نقل منكرة، تفرد بها عارم.
стр. 354
ويؤكد ذلك أن عبد الله بن طاووس قد روى الحديث عن أبيه كما رواه سليمان بن حرب بإسناده عنه بدون الزيادة.
أخرجه مسلم والنسائي (٢/ ٩٦) والطحاوي (٢/ ٣١) والدارقطني
(٤٤٤) والبيهقي وأحمد (١/ ٣١٤) والحاكم أيضا (٢/ ١٩٦) وقال:
" صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي.
قلت: وهو كما قالا، إلا أنهما وهما في استدراكهما على مسلم.
قلت: فهذه الروايات الصحيحة تدل على أن عارما إنما حدث بالحديث بعد الاختلاط، ولذلك لم يضبطه، فلم يحفظ اسم شيخ أيوب فيه، وزاد تلك الزيادة فهي لذلك شاذة غير محفوظة لمخالفته الثقات فيها، وقد خفيت هذه العلة على العلامة ابن القيم ; فصحح إسناد الحديث في " زاد المعاد " (٤/ ٥٥)، وانطلى ذلك على المعلق عليه (٥/ ٢٤٩ و ٢٥١)، وأعله المنذري في " مختصر السنن " (٣/ ١٢٤) بقوله:
" الرواة عن طاووس مجاهيل ".
وإذا عرفت ذلك فلا يجوز تقييد لفظ الحديث الصحيح بها، كما فعل البيهقي، بل ينبغي تركه على إطلاقه فهو يشمل المدخول بها وغير المدخول بها، وإليك لفظ الحديث في " صحيح مسلم ":
" كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم ".
стр. 355
قلت: وهو نص لا يقبل الجدل على أن هذا الطلاق حكم محكم ثابت غير منسوخ لجريان العمل عليه بعد وفاته ﷺ في خلافة أبي بكر، وأول خلافة عمر، ولأن عمر رضي الله لم يخالفه بنص آخر عنده بل باجتهاد منه ولذلك تردد قليلا أول الأمر في مخالفته كما يشعر بذلك قوله: " إن الناس قد استعجلوا .. فلو أمضيناه عليهم .. "، فهل يجوز للحاكم مثل هذا التساؤل والتردد لو كان عنده نص بذلك؟!
وأيضا، فإن قوله: " قد استعجلوا " يدل على أن الاستعجال حدث بعد أن لم يكن، فرأى الخليفة الراشد، أن يمضيه عليهم ثلاثا من باب التعزيز لهم والتأديب، فهل يجوز مع هذا كله أن يترك الحكم المحكم الذي أجمع عليه المسلمون في خلافة أبي بكر وأول خلافة عمر، من أجل رأي بدا لعمر واجتهد فيه، فيؤخذ باجتهاده، ويترك حكمه الذي حكم هو به أول خلافته تبعا لرسول الله ﷺ وأبي بكر؟! اللهم إن هذا لمن عجائب ما وقع في الفقه الإسلامي، فرجوعا إلى السنة المحكمة أيها العلماء، لا سيما وقد كثرت حوادث الطلاق في هذا الزمن
كثرة مدهشة تنذر بشر مستطير تصاب به مئات العائلات.
وأنا حين أكتب هذا أعلم أن بعض البلاد الإسلامية كمصر وسوريا قد أدخلت هذا الحكم في محاكمها الشرعية، ولكن من المؤسف أن أقول: إن الذين أدخلوا ذلك من الفقهاء القانونيين لم يكن ذلك منهم بدافع إحياء السنة، وإنما تقليدا منهم لرأي ابن تيمية الموافق لهذا الحديث، أي إنهم أخذوا برأيه لا لأنه مدعم بالحديث، بل لأن المصلحة اقتضت الأخذ به زعموا، ولذلك فإن جل هؤلاء الفقهاء لا يدعمون أقوالهم واختياراتهم التي يختارونها اليوم بالسنة، لأنهم لا علم لهم بها، بل قد استغنوا عن ذلك