درجات الإيثار
ذكر الإمام الهروي ﵀ في كتابه منازل السائرين أن للإيثار ثلاثة درجات:
- الدرجة الأولى: (أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يحرم عليك دينا ولا يقطع عليك طريقا ولا يفسد عليك وقتا) (١).
قال ابن القيم ﵀ في شرحه لهذه الدرجة: (يعني: أن تقدمهم على نفسك في مصالحهم مثل أن تطعمهم وتجوع وتكسوهم وتعرى وتسقيهم وتظمأ بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين). (٢)
- الدرجة الثانية: (إيثار رضى الله تعالى على رضى غيره وإن عظمت فيه المحن وثقلت به المؤن وضعفت عنه الطول والبدن) (٣).
قال ابن القيم ﵀: (هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته ولو أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء وأعلاها للرسل عليهم صلوات الله وسلامه وأعلاها لأولي العزم منهم وأعلاها لنبينا ﷺ (٤).
- الدرجة الثالثة: (إيثار إيثار الله تعالى فإن الخوض في الإيثار دعوى في الملك ثم ترك شهود رؤيتك إيثار الله ثم غيبتك عن الترك) (٥).
قال الإمام ابن القيم ﵀: (يعني بإيثار إيثار الله: أن تنسب إيثارك إلى الله دون نفسك وأنه هو الذي تفرد بالإيثار لا أنت فكأنك سلمت الإيثار إليه فإذا آثرت غيرك بشيء فإن الذي آثره هو الحق لا أنت فهو المؤثر حقيقة .... وقوله: ثم ترك شهود رؤيتك إيثار الله يعني أنك إذا آثرت إيثار الله بتسليمك معنى الإيثار إليه: بقيت عليك من نفسك بقية أخرى لابد من الخروج عنها وهي أن تعرض عن شهودك رؤيتك أنك آثرت الحق بإيثارك وأنك نسبت الإيثار إليه لا إليك ... وقوله: ثم غيبتك عن الترك يريد: أنك إذا نزلت هذا الشهود وهذه الرؤية: بقيت عليك بقية أخرى وهي رؤيتك لهذا الترك المتضمنة لدعوى ملكك للترك وهي دعوى كاذبة إذ ليس للعبد شيء من الأمر ولا بيده فعل ولا ترك وإنما الأمر كله لله) (٦).
стр. 107
موانع اكتساب صفة الإيثار
موانع اكتساب الإيثار المتعلق بالخالق:
يقول ابن القيم ﵀ في الموانع التي تجعل النفس تتخلف عن هذا النوع من الإيثار:
(والنقص والتخلف في النفس عن هذا يكون من أمرين:
١ - أن تكون جامدة غير سريعة الإدراك بل بطيئة ولا تكاد ترى حقيقة الشيء إلا بعد عسر وإن رأتها اقترنت به الأوهام والشكوك والشبهات والاحتمالات فلا يتخلص له رؤيتها وعيانها.
٢ - الثاني أن تكون القريحة وقادة دراكة لكن النفس ضعيفة مهينة إذا أبصرت الحق والرشد ضعفت عن إيثاره فصاحبها يسوقها سوق العليل المريض كلما ساقه خطوة وقف خطوة أو كسوق الطفل الصغير الذي تعلقت نفسه بشهواته ومألوفاته فهو يسوقه إلى رشده وهو ملتفت إلى لهوه ولعبه لا ينساق معه إلا كرها) (١).
موانع اكتساب الإيثار المتعلق بالخلق:
١. ضعف إيمان واليقين, فكما أن الإيمان القوي يدفع صاحبه للبذل والعطاء والإيثار فإن ضعفه يكون سبباً في الأثرة والشح.
٢. الشح المطاع, لذا ذكر الله في الآية التي مدح فيها أهل الإيثار أن من يوفق في الوقاية من شح نفسه فقد أفلح.
٣. حب النفس, وتملك الأثرة على القلب.
٤. قسوة القلب وجموده, فمن رق قلبه ولانت طباعه سهل عليه أمر الإيثار.
٥. ضعف الهمة والزهد في الذكر الحسن.
стр. 108
الوسائل المعينة على اكتساب الإيثار
الوسائل المعينة على اكتساب الإيثار المتعلق بالخالق:
ذكر ابن القيم ﵀ أمور تجعل من هذا الإيثار أمراً سهلاً على النفس خفيفاً على الروح فقال:
(والذي يسهله على العبد أمور:
- أحدها: أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة ليست بجافية ولا قاسية بل تنقاد معه بسهولة.
- الثاني: أن يكون إيمانه راسخاً ويقينه قوياً فإن هذا ثمرة الإيمان ونتيجته.
- الثالث: قوة صبره وثباته.
فبهذه الأمور الثلاثة ينهض إلى هذا المقام ويسهل عليه دركه) (١).
الوسائل المعينة على اكتساب الإيثار المتعلق بالخلق:
قال الإمام ابن القيم: (فإن قيل فما الذي يسهل على النفس هذا الإيثار فإن النفس مجبولة على الأثرة لا على الإيثار قيل يسهله أمور:
- أحدها: رغبة العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها فإن من أفضل أخلاق الرجل وأشرفها وأعلاها الإيثار وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبه ومحبته كما جبلها على بغض المستأثر ومقته لا تبديل لخلق الله
- الثاني: النفرة من أخلاق اللئام ومقت الشح وكراهته له.
- الثالث: تعظيم الحقوق التي جعلها الله للمسلمين بعضهم على بعض فهو يرعاها حق رعايتها ويخاف من تضييعها ويعلم أنه إن لم يبذل فوق العدل لم يمكنه الوقوف مع حده فإن ذلك عسر جدا بل لا بد من مجاوزته إلى الفضل أو التقصير عنه إلى الظلم فهو لخوفه من تضييع الحق والدخول في الظلم يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضره ويكتسب به جميل الذكر في الدنيا وجزيل الأجر في الآخرة مع ما يجلبه له الإيثار من البركة وفيضان الخير عليه فيعود عليه من إيثاره أفضل مما بذله ومن جرب هذا عرفه ومن لم يجربه فليستقرأ أحوال العالم والموفق من وفقه الله (٢).
стр. 109
نماذج من إيثار رسول الله ﷺ :
أخذ رسول الله ﷺ من جميع الأخلاق أوفر الحظ والنصيب, فما من خلق إلا وقد تربع المصطفى ﷺ على عرشه, وعلا ذروة سنامه, ففي خلق الإيثار كان هو سيد المؤثرين وقائدهم , بل وصل الحال به ﷺ أنه لم يكن يشبع لا هو ولا أهل بيته بسبب إيثاره ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر ﵀: (والذي يظهر أنه ﷺ كان يؤثر بما عنده فقد ثبت في الصحيحين أنه كان إذا جاءه ما فتح الله عليه من خيبر وغيرها من تمر وغيره يدخر قوت أهله سنة ثم يجعل ما بقي عنده عدة في سبيل الله تعالى ثم كان مع ذلك إذا طرأ عليه طارئ أو نزل به ضيف يشير على أهله بإيثارهم فربما أدى ذلك إلى نفاد ما عندهم أو معظمه) (١).
وإليك أخي الكريم بعض الصور من إيثار رسول الله ﷺ :
- عن سهل بن سعد، قال: ((جاءت امرأة ببردة، قال: أتدرون ما البردة؟. فقيل له: نعم، هي الشملة، منسوج في حاشيتها. قالت: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، اكسنيها. فقال: (نعم). فجلس النبي ﷺ في المجلس، ثم رجع فطواها، ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتها إياه، لقد علمت أنه لا يرد سائلا. فقال الرجل: والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت. قال سهل: فكانت كفنه)) (٢).
- وعن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: ((إنّا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاءوا النّبيّ ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: أنا نازل ثمّ قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيّام لا نذوق ذواقا فأخذ النّبيّ ﷺ المعول فضرب في الكدية فعاد كثيبا أهيل أو أهيم فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت في النّبيّ ﷺ شيئا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ فقالت: عندي شعير وعناق فذبحت العناق وطحنت الشّعير حتّى جعلنا اللّحم بالبرمة. ثمّ جئت النّبيّ ﷺ والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافيّ قد كادت أن تنضج. فقلت: طعيّم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال: كم هو؟ فذكرت له فقال: كثير طيّب قال: قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التّنّور حتّى آتي، فقال: قوموا. فقام المهاجرون والأنصار فلمّا دخل على امرأته. قال: ويحك جاء النّبيّ ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم. فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا. فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللّحم ويخمّر البرمة والتّنّور إذا أخذ منه، ويقرّب إلى أصحابه ثمّ ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتّى شبعوا وبقي بقيّة. قال: كلي هذا وأهدي فإنّ النّاس أصابتهم مجاعة)) (٣).
стр. 110
- وعن أنس بن مالك- ﵁ قال: ((قال أبو طلحة لأمّ سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفا أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم. فأخرجت أقراصا من شعير ثمّ أخرجت خمارا لها فلفّت الخبز ببعضه، ثمّ دسّته تحت يدي ولاثتني ببعضه ثمّ أرسلتني إلى رسول الله ﷺ . قال: فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه النّاس فقمت عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : آرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم. قال: بطعام؟ قلت: نعم. فقال رسول الله ﷺ لمن معه: قوموا فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتّى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة: يا أمّ سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالنّاس وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتّى لقي رسول الله ﷺ : فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسول الله ﷺ : هلمّي يا أمّ سليم ما عندك، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففتّ، وعصرت أمّ سليم عكّة فأدمته، ثمّ قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول، ثمّ قال: ائذن لعشرة فأذن لهم، فأكلوا حتّى شبعوا ثمّ خرجوا، ثمّ قال: ائذن لعشرة فأذن لهم، فأكلوا حتّى شبعوا ثمّ خرجوا، ثمّ قال: ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتّى شبعوا ثمّ خرجوا، ثمّ قال: ائذن لعشرة فأكل القوم كلّهم حتّى شبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلا)) (١).
- وعن أبي هريرة- ﵁ أنّه كان يقول: ((الله الّذي لا إله إلّا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع. وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يوما على طريقهم الّذي يخرجون منه فمرّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلّا ليشبعني، فمرّ ولم يفعل، ثمّ مرّ أبو القاسم ﷺ فتبسّم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي. ثمّ قال: يا أبا هرّ قلت: لبّيك رسول الله قال: الحق ومضى. فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل فوجد لبنا في قدح فقال: من أين هذا اللّبن؟ قالوا: أهداه لك فلان- أو فلانة- قال: أبا هرّ قلت: لبّيك يا رسول الله. قال: الحق إلى أهل الصّفّة فادعهم لي. قال- وأهل الصّفّة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد. إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هديّة أرسل إليهم وأصاب منها، وأشركهم فيها- فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللّبن في أهل الصّفّة؟ كنت أحقّ أن أصيب من هذا اللّبن شربة أتقوّى بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللّبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بدّ فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: يا أبا هرّ، قلت: لبّيك يا رسول الله. قال: خذ فأعطهم. فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى، ثمّ يردّ عليّ القدح حتّى انتهيت إلى النّبيّ ﷺ وقد روي القوم كلّهم. فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إليّ فتبسّم فقال: أبا هرّ، قلت: لبّيك يا رسول الله. قال: بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله. قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت. فقال: اشرب، فشربت فما زال يقول: اشرب. حتّى قلت: لا والّذي بعثك بالحقّ ما أجد له مسلكاً. قال: فأرني فأعطيته القدح فحمد الله وسمّى وشرب الفضلة)) (٢).
стр. 111
نماذج من إيثار الصحابة رضوان الله عليهم:
ضرب الصحابة أروع أمثلة الإيثار وأجملها, ومن يتأمل في قصص إيثارهم يحسب ذلك ضربا من خيال لولا أنه منقول لنا عن طريق الأثبات وبالأسانيد الصحيحة الصريحة.
وإليك بعضاً من النماذج التي تروي لنا صوراً رائعة من الإيثار:
ضيف رسول الله ﷺ :
- عن أبي هريرة- ﵁ ((أنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلّا الماء. فقال رسول الله ﷺ : من يضمّ- أو يضيف- هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ فقالت: ما عندنا إلّا قوت صبياني. فقال: هيّئي طعامك وأصبحي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيّأت طعامها وأصبحت سراجها ونوّمت صبيانها، ثمّ قامت كأنّها تصلح سراجها فأطفأته فجعلا يريانه أنّهما يأكلان فباتا طاويين فلمّا أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال: ضحك الله اللّيلة- أو عجب من فعالكما- فأنزل الله وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:٩] (١).
الأنصار ... إيثار منقطع النظير
أقبل المهاجرون إلى المدينة لا يملكون من أمر الدنيا شيئاً, قد تركوا أموالهم وما يملكون خلف ظهورهم وأقبلوا على ما عند الله يرجون رحمته ويخافون عذابه, فاستقبلهم الأنصار الذين تبوؤا الدار, وأكرموهم أيما إكرام ولم يبخلوا عليهم بشيء من حطام الدنيا بل قاسموهم الأموال والزوجات ... في صورة يعجز عن وصفها اللسان, ويضعف عن تعبيرها البيان:
- فعن أنس بن مالك ﵁ قال: ((لما قدم المهاجرون المدينة نزلوا على الأنصار في دورهم فقالوا: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم نزلنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أبذل في كثير منهم لقد أشركونا في المهنأ وكفونا المؤنة ولقد خشينا أن يكونوا ذهبوا بالأجر كله فقال رسول الله ﷺ : كلا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم به عليهم)) (٢).
- وهذا عبد الرحمن بن عوف ((لما قدم المدينة آخى النّبيّ ﷺ بينه وبين سعد بن الرّبيع الأنصاريّ وعند الأنصاريّ امرأتان فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك دلّوني على السّوق ... )) (٣).
إيثار ... حتى بالحياة
وقد وصل الحال بصحابة رسول الله ﷺ أن آثروا إخوانهم بحياتهم .. وهذا غاية الجود ومنتهى البذل والعطاء.
- يقول حذيفة العدويّ، انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمّ لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه، فإذا أنا به، فقلت: أسقيك؟ فأشار إليّ أن نعم. فإذا رجل يقول آه. فأشار ابن عمّي إليّ أن انطلق به إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فسمع به آخر فقال: آه. فأشار هشام: انطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمّي فإذا هو قد مات. رحمة الله عليهم أجمعين
стр. 112
- وفي غزوة اليرموك قال عكرمة بن أبي جهل: قاتلت رسول الله ﷺ في مواطن وأفر منكم اليوم؟ ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا، وقتل منهم خلق منهم ضرار بن الأزور ﵃ ... فلما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجيء إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعا ولم يشربها أحد منهم، ﵃ أجمعين. (١)
صور من إيثار أم المؤمنين عائشة ﵂
- لما طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵄ قال لابنه عبدالله: (اذهب إلى أمّ المؤمنين عائشة ﵂ فقل: يقرأ عمر بن الخطّاب عليك السّلام، ثمّ سلها أن أدفن مع صاحبيّ. قالت كنت أريده لنفسي فلأوثرنّه اليوم على نفسي. فلمّا أقبل قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين. قال:
ما كان شيء أهمّ إليّ من ذلك المضجع فإذا قبضت فاحملوني، ثمّ سلّموا ثمّ قل: يستأذن عمر ابن الخطّاب فإن أذنت لي فادفنوني، وإلّا فردّوني إلى مقابر المسلمين.) (٢).
- ودخل عليها مسكين فسألها وهي صائمة وليس في بيتها إلّا رغيف، فقالت لمولاة لها: أعطيه إيّاه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إيّاه. قالت: ففعلت. قالت: فلمّا أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يهدي لنا: شاة وكفنها. فدعتني عائشة فقالت: كلي من هذا، فهذا خير من قرصك). (٣)
ابن عمر نموذج آخر من نماذج الإيثار الفذة
- مرض ابن عمر فاشتهى عنبا -أول ما جاء العنب-فأرسلت صفية -يعني امرأته-فاشترت عنقودًا بدرهم، فاتبع الرسولَ السائل، فلما دخل به قال السائل: السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه. فأعطوه إياه. ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقودًا فاتبع الرسولَ السائلُ، فلما دخل قال السائل: السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه. فأعطوه إياه. فأرسلت صفية إلى السائل فقالت: والله إن عُدتَ لا تصيبُ منه خيرًا أبدًا. ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به.
- وَاشْتَهَى يوماً سَمَكَةً، وَكَانَ قَدْ نَقِهَ مِنْ مَرَضٍ فَالْتُمِسَتْ بِالْمَدِينَةِ فَلَمْ تُوجَدْ حَتَّى وُجِدَتْ بَعْدَ مُدَّةٍ وَاشْتُرِيَتْ بِدِرْهَمٍ وَنِصْفٍ فَشُوِيَتْ وَجِيءَ بِهَا عَلَى رَغِيفٍ فَقَامَ سَائِلٌ بِالْبَابِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لِلْغُلَامِ لُفَّهَا بِرَغِيفِهَا وَادْفَعْهَا إِلَيْهِ فَأَبَى الْغُلَامُ فَرَدَّهُ وَأَمَرَهُ بِدَفْعِهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ: كُلْ هَنِيئًا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَدْ أَعْطَيْتُهُ دِرْهَمًا وَأَخَذْتُهَا، فَقَالَ لُفَّهَا وَادْفَعْهَا إِلَيْهِ وَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ الدِّرْهَمَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَيُّمَا امْرِئٍ اشْتَهَى شَهْوَةً فَرَدَّ شَهْوَتَهُ وَآثَرَ عَلَى نَفْسِهِ غُفِرَ لَهُ أَوْ غَفَرَ اللهُ لَهُ)) (٤)
стр. 113
عمر يختبر إيثار أصحاب رسول الله ﷺ
- أخذ عمر بن الخطّاب ﵁ أربعمائة دينار، فجعلها في صرّة، ثمّ قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجرّاح، ثمّ تلكّأ ساعة في البيت حتّى تنظر ماذا يصنع بها. فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: وصله الله ورحمه، ثمّ قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السّبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتّى أنفدها. فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره فوجده قد أعدّ مثلها لمعاذ بن جبل. وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل، وتلكّأ في البيت ساعة حتّى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: ﵀ ووصله، وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا، فاطّلعت امرأة معاذ فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا. ولم يبق في الخرقة إلّا ديناران فنحا بهما إليها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسرّ بذلك عمر وقال: إنّهم إخوة! بعضهم من بعض) (١).
أخي وعياله أحوج ..
- قال ابن عمر ﵁: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ رأس شاة، فقال: إنّ أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منّا. فبعث به إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتّى تداولها أهل سبعة أبيات حتّى رجعت إلى الأوّل فنزلت وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩]
إيثار ... حتى للحيوان
- خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيه غلام أسود يعمل فيه إذ أتى الغلام بقوته فدخل الحائط كلب ودنا من الغلام فرمى إليه الغلام بقرص فأكله ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكله وعبد الله ينظر إليه فقال يا غلام كم قوتك كل يوم قال ما رأيت قال فلم آثرت به هذا الكلب قال ما هي بأرض كلاب إنه جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت أن أشبع وهو جائع قال فما أنت صانع اليوم قال أطوي يومي هذا فقال عبد الله بن جعفر أُلام على السخاء إن هذا الغلام لأسخى مني فاشترى الحائط والغلام وما فيه من الآلات فأعتق الغلام ووهبه منه (٢)
стр. 114
نماذج من إيثار السلف ﵏:
وعلى نفس الطريق سار سلف الأمة وصالحوها يحذون حذو القذة بالقذة ويتبعون آثار من سبقهم من صحابة رسول الله ﷺ , وإليك أخي الكريم نماذج من إيثارهم ﵏:
- عن أبي الحسن الأنطاكيّ: أنّه اجتمع عنده نيّف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الرّيّ، ومعهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم، فكسروا الرّغفان، وأطفئوا السّراج، وجلسوا للطّعام، فلمّا رفع فإذا الطّعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئا، إيثارا لصاحبه على نفسه
- قال الهيثم بن جميل: جاء فضيل بن مرزوق ـ وكان من أئمة الهدى زهدا وفضلا ـ إلى الحسن بن حيي فأخبره أن ليس عنده شيء فقام الحسن فأخرج ستة دراهم، وأخبره أنَّه ليس عنده غيرها فقال: سبحان الله أليس عندك غيرها وأنا آخذها، فأخذ ثلاثة وترك ثلاثة ".
- وروي أن مسروقا أدان دينا ثقيلا وكان على أخيه خيثمة دين قال فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم (١)
- وقال عباس بن دهقان ما خرج أحد من الدنيا كما دخلها إلا بشر بن الحرث فإنه أتاه رجل في مرضه فشكا إليه الحاجة فنزع قميصه وأعطاه إياه واستعار ثوبا فمات فيه (٢)
هذا غيض من فيض وما أغفلناه أكثر مما ذكرناه ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
стр. 115
نماذج من إيثار العلماء المعاصرين:
ابن باز .. بقية من إيثار السلف
يقول محمد بن موسى وهو يتحدث عن الشيخ ابن باز ﵀: (والذي بيده ليس له ولو سئل ما سئل, فربما سئل مالاً فأعطاه, وربما أتته الهدية في المجلس فسأله أحد الحاضرين إياها فأعطاها إياه, بل كثيراً ما يبتدر من بجانبه بالهدية التي تقدم لسماحته بل ربما سئل عباءته التي يلبسها فأعطاها من سأله إياها) (١).
- ويقول: الشيخ عبدالمحسن بن سعد الباز_أحد أقارب سماحة الشيخ، _ أن سماحة الشيخ، وهو يطلب العلم عند المشايخ في مقتبل عمره_كان إذا سلم عليه أحد دعاه إلى غدائه أو عشائه، ولا يحتقر ما يضعه للناس، ويجعل الله في طعامه خيراً كثيراً (٢).
يؤثرون له بعيونهم .. والجزاء من جنس العمل
كان الشيخ ابن باز ﵀ قريباً من الناس .. محبباً إليهم .. ومن أعجب قصص الإيثار التي حصلت مع الشيخ قصتان:
- أولاها: لرجل مسلم من بلجيكا وهو مغربي الأصل قدم على سماحة الشيخ فلما مثل أمام سماحته قال:
يا سماحة الشيخ أنا فلان من محبيك وقد جئتك مهدياً لك إحدى عيني ولقد سألت طبيباً مختصاً فقال لي: لا مانع وسوف أذهب إلى المستشفى وإلى الطبيب المختص لنزعها وإهدائها لك.
فقال له سماحة الشيخ: يا أخي بارك الله لك في عينيك , ونفعك بهما, نحن راضون بما كتب الله لنا.
- وفي عام ١٤١٨هـ جاء رجل من السودان وأخذ يتجول بين المكاتب في دار الإفتاء في الرياض وهو يقول: لم أجد من يتجاوب معي ولا من يدخلني على سماحة الشيخ, قال الشيخ محمد بن موسى الموسى: فقلت له: وماتريد من سماحته.
فقال: أنا أتيت إلى سماحته مهدياً إليه إحدى عيني أدخلوني على سماحته, فأخذت بيده وأدخلته عليه فلما رآه وسلم عليه قال: يا سماحة الشيخ أنا من بلاد السودان جئت إليك مهدياً إحدى عيني فتفضل بقبولها وخذ إحداها. فشكر له سماحة الشيخ صنيعه ومحبته وقال:
بارك الله لك في عينيك , نحن راضون بما كتب الله لنا (٣).
стр. 116
أقوال وحكم في الإيثار ..
- قال أحدهم: لَا تُوَاكِلَنَّ جَائِعًا إلَّا بِالْإِيثَارِ، وَلَا تُوَاكِلَنَّ غَنِيًّا إلَّا بِالْأَدَبِ، وَلَا تُوَاكِلَنَّ ضَيْفًا إلَّا بِالنَّهْمَةِ وَالِانْبِسَاطِ (١)
- وقال أبو سليمان الدارني: لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له.
- وقال أيضاً: إني لألقم اللقمة أخا من إخواني فأجد طعمها في حلقي (٢)
- قال أبو حفص: الإيثار هو أن يقدم. حظوظ الإخوان على حظوظه في أمر الدنيا والآخرة.
- وقال بعضهم: الإيثار لا يكون عن اختيار، إنما الإيثار أن تقدم حقوق الخلق أجمع على حقك، ولا تميز في ذلك بين أخ وصاحب ذي معرفة.
- وقال يوسف بن الحسين: من رأى لنفسه ملكاً لا يصح منها الإيثار، لأنه يرى نفسه أحق بالشيء برؤية ملكه، إنما الإيثار ممن يرى الأشياء كلها للحق؛ فمن وصل إليه فهو أحق به، فإذا وصل شيء من ذلك إليه يرى نفسه ويده فيه يد أمانة يوصلها إلى صاحبها أو يؤديها إليه (٣).
стр. 117
الإيثار في واحة الشعر ..
قال الشاعر:
عجبت لبعض الناس يبذل وده ... ويمنع ما ضمت عليه الأصابع
إذا أنا أعطيت الخليل مودتي ... فليس لمالي بعد ذلك مانع
وقال آخر:
وتركي مواساة الأخلاء بالذي ... تنال يدي ظلم لهم وعقوق
وإني لأستحيي من الله أن أرى ... بحال اتساع والصديق مضيق
وقال آخر:
من كان للخير مناعاً فليس له ... عند الحقيقة إخوان وأخدان (١)
وقال علي بن محمد التهامي:
أُسد ولكن يؤثرون بزادهم ... والأُسد ليس تدين بالإيثار
يتزين النادي بحسن وجوههم ... كتزيُّن الهالات بالأقمار
وقال أحمد محرم:
المال للرجل الكريم ذرائعٌ ... يبغي بهن جلائل الأخطار
والناس شتى في الخلال وخيرهم ... من كان ذا فضلٍ وذا إيثار
وقال آخر:
إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى يخال غنياً وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
وقال حاتمٌ الطائي:
أكلف يدي من أن تنال أكفهم ... إذا ما مددناها وحاجاتنا معا
وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا (٢) ...
стр. 118
التأني أو (الأناة)
• فوائد التأني.
• صور التأني.
• التأني في واحة الشعر ...
стр. 119
فوائد التأني
١ - دلالة على رجاحة العقل ووفور الرزانة وطمأنينة القلب.
٢ - يعصم الإنسان من الضلال والخطأ.
قال ابن عثيمين: (الأناة: التأني في الأمور وعدم التسرع، وما أكثر ما يهلك الإنسان ويزل بسبب التعجل في الأمور، وسواء في نقل الأخبار، أو في الحكم على ما سمع، أو في غير ذلك. فمن الناس مثلاً من يتخطف الأخبار بمجرد ما يسمع الخبر يحدِّث به، ينقله، .. ومن الناس من يتسرع في الحكم، سمع عن شخص شيئاً من الأشياء، ويتأكد أنه قاله أو أنه فعله ثم يتسرع في الحكم عليه، أنه أخطأ أو ضلّ أو ما أشبه ذلك، وهذا غلط، التأني في الأمور، كله خير) (١).
٣ - التأني كله خير ومحمود العاقبة في الدنيا والآخرة.
٤ - صيانة للإنسان من الأخلاق المذمومة.
قال ابن القيم: (إذا انحرفت عن خلق الأناة والرفق انحرفت: إما إلى عجلة وطيش وعنف، وإما إلى تفريط وإضاعة. والرفق والأناة بينهما) (٢).
٥ - سبب لنيل محبة الله ورضاه سبحانه:
قال رسول الله ﷺ لأشج عبد القيس: ((إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة)) (٣).
٤ - صيانة الإنسان من كيد الشيطان وتسلطه عليه.
قال ﷺ : ((التأني من الله والعجلة من الشيطان)) (٤).
قال الغزالي: (الأعمال ينبغي أن تكون بعد التبصرة والمعرفة والتبصرة تحتاج إلى تأمل وتمهل والعجلة تمنع من ذلك وعند الاستعجال يروج الشيطان شره على الإنسان من حيث لا يدري) (٥).
٥ - التريث عند وصول الخبر إليه:
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات: ٦].
стр. 120
صور التأني
التأني مطلوب في جميع الأحوال والمواقف التي تمر على الإنسان ومن هذه الأحوال التي يتطلب فيها التأني:
١ - عند الذهاب إلى الصلاة:
فعن أبي قتادة ﵁ قال: ((بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة الرجال فلما صلى قال: ما شأنكم قالوا استعجلنا إلى الصلاة قال فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) (٢).
ففي الحديثين نهي عن الاستعجال والإسراع لإدراك الصلاة والأمر بالتأني والسكينة في المجيء للصلاة والقيام لها (٣).
٢ - عند قراءة القرآن:
عن ابن عباس ﵄، قال: ((كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي حرك به لسانه - ووصف سفيان - يريد أن يحفظه فأنزل الله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦])) (٤).
٣ - التأني في طلب العلم:
قال تعالى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦].
قال ابن القيم في هذه الآية: (ومن أسرارها – سورة القيامة - أنها تضمنت التأني والتثبت في تلقي العلم وأن لا يحمل السامع شدة محبته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامه بل من آداب الرب التي أدب بها نبيه أمره بترك الاستعجال على تلقي الوحي بل يصبر إلى أن يفرغ جبريل من قراءته ثم يقرأه بعد فراغه عليه فهكذا ينبغي لطالب العلم ولسامعه أن يصبر على معلمه حتى يقضي كلامه) (٥).
٤ - التأني عند مواجهة العدو في ساحة القتال:
قال النعمان بن مقرن للمغيرة بن شعبة ﵃ في تأخير القتال يوم نهاوند: ((ربما أشهدك الله مثلها مع النبي ﷺ ، فلم يندمك، ولم يخزك، ولكني شهدت القتال مع رسول الله ﷺ كان إذا لم يقاتل في أول النهار، انتظر حتى تهب الأرواح، وتحضر الصلوات)) (٦).
قال ابن حجر: (قوله فلم يندمك أي على التأني والصبر حتى تزول الشمس) (٧).
وقال الشافعي ﵀: (لا ينبغي أن يولي الإمام الغزو إلا ثقة في دينه، شجاعا ببدنه، حسن الأناة، عاقلا للحرب بصيرا بها، غير عجل ولا نزق، ويتقدم إليه أن لا يحمل المسلمين على مهلكة بحال) (٨).
٥ - التأني في الإنكار في الأمور المحتملة:
فعن أبي ابن كعب ﵁ عن النبي ﷺ في قصة موسى والخضر ﵉ وفيه-: ((فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة، فنزعه، فقال موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا)) (٩).
стр. 121
قال ابن حجر: (إن الذي فعله الخضر ليس في شيء منه ما يناقض الشرع فإن نقض لوح من ألواح السفينة لدفع الظالم عن غصبها ثم إذا تركها أعيد اللوح جائز شرعا وعقلا ولكن مبادرة موسى بالإنكار بحسب الظاهر وقد وقع ذلك واضحا في رواية أبي إسحاق التي أخرجها مسلم ولفظه فإذا جاء الذي يسخرها فوجدها منخرقة تجاوزها فأصلحها فيستفاد منه وجوب التأني عن الإنكار في المحتملات) (١).
٦ - التأني في التحدث مع الآخرين:
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ((إن النبي ﷺ كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه)) (٢). وفي لفظ: ((إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم)) (٣).
قال بدر الدين العيني: (لم يكن يسرد أي: لم يكن يتابع الحديث استعجالا، أي: كان يتكلم بكلام متتابع مفهوم واضح على سبيل التأني لئلا يلتبس على المستمع) (٤).
٧ - عند الفصل في المنازعات وإنزال العقوبات:
ففي قصة أمير المؤمنين عمر في قضائه بين علي بن أبي طالب والعباس ﵄ في فيء الرسول ﷺ من بني النضير قال لهما عمر ﵁: (اتئدوا) (٥).
قال ابن حجر: (قوله اتئدوا المراد التأني والرزانة) (٦).
وقال أبو عثمان بن الحداد: (القاضي شأنه الأناة والتثبيت ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديهة) (٧).
وقال مالك بن أنس: (العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق، قال: وكان يقال: التأني من الله والعجلة من الشيطان) (٨).
وقال الأصفهاني: (قال بعضهم: ينبغي للسلطان أن يؤخر العقوبة حتى ينقضي سلطان غضبه، ويعجل مكافأة المحسن، ويستعمل الأناة فيما يحدث، ففي تأخير العقوبة إمكان العفو إن أحب ذلك، وفي تعجيل المكافأة بالإحسان مسارعة الأولياء إلى الطاعة) (٩).
أسباب الوقوع في عدم التأني
١ - الغضب والحزن الشديد:
روى ابن عباس عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵃ في قصة اعتزال النبي ﷺ نساءه وفيه: ((اعتزل النبي ﷺ أزواجه فقلت: خابت حفصة وخسرت ... فخرجت فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلا، ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي فيها النبي ﷺ ، فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر)) (١٠).
قال ابن حجر: (الغضب والحزن يحمل الرجل الوقور على ترك التأني المألوف منه لقول عمر ثم غلبني ما أجد ثلاث مرات) (١١).
وقال ابن الجوزي: (أشد الناس تفريطا من عمل مبادرة في واقعة، من غير تثبت ولا استشارة، خصوصا فيما يوجبه الغضب، فإنه طلب الهلاك أو الندم العظيم. وكم مَن غَضب فقتل، وضرب، ثم لما سكن غضبه؛ بقي طول دهره في الحزن والبكاء والندم! والغالب في القاتل أنه يقتل، فتفوته الدنيا والآخرة) (١٢).
٢ - استعجال نتائج الأمور:
٣ - التفريط:
وذلك إذا فرط المرء فيما ينبغي عليه القيام به فإنه يضطر للقيام به على وجه السرعة والعجلة حتى يتدارك الأمر فيسبب له نتائج سلبية.
стр. 122
٤ - إجابة داعي الشهوات:
وقد يكون في إجابته الهلاك فكم من شهوة أورثت حزنا وندامة.
٥ - ترك استشارة ذوي الخبرة في أمور يجهلها:
وهذا الجهل يجعل الإنسان لا يحسن التعامل مع الأمور، فربما يعجل فيما حقه التأني، أو يتأني فيما حقه التعجل، وهكذا.
الوسائل المعينة على اكتساب صفة التأني
١ - الدعاء:
كان النبي ﷺ يدعو الله بأن يهديه إلى أحسن الأخلاق فكان من دعائه: ((واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت)) (١).
٢ - النظر في عواقب الاستعجال:
قال أبو إسحاق القيرواني: (قال بعض الحكماء: إياك والعجلة فإنّ العرب كانت تكنيها أم الندامة؛ لأنّ صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكّر، ويقطع قبل أن يقدّر، ويحمد قبل أن يجرّب، ويذمّ قبل أن يخبر، ولن يصحب هذه الصفة أحد إلّا صحب الندامة، واعتزل السلامة) (٢).
٣ - معرفة معاني أسماء الله وصفاته:
فمن أسمائه سبحانه الحليم والرفيق ومن معانيهما التأني في الأمور والتدرج فيها، وترك التعجل في أخذ الظالمين واختبارا لصدق من انتسب للإيمان وذلك إقامة للحجة وقطع للمحاجة وليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. (٣).
قال تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [يونس: ١١].
٤ - قراءة سيرة النبي ﷺ :
فنستفيد من سنته ﷺ التأني والصبر على الإيذاء، قال خباب بن الأرت ﵁: ((شكونا إلى رسول الله ﷺ ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)) (٤).
٥ - قراءة سيرة السلف الصالح:
سيرة سلفنا الصالح نجد فيها تحليهم بخلق التأني والتريث في أمورهم فقراءة سيرتهم فيها دروس وعبر.
٦ - استشارة أهل الصلاح والخبرة:
إذا أقدم الشخص على أمر يجهله فعليه أن يستشير أهل الصلاح والخبرة ولا يتعجل في أمره، قال تعالى لنبيه ﷺ : وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: ١٥٩].
قال الماوردي: (الحزم لكل ذي لب أن لا يبرم أمرا ولا يمضي عزما إلا بمشورة ذي الرأي الناصح، ومطالعة ذي العقل الراجح. فإن الله تعالى أمر بالمشورة نبيه ﷺ مع ما تكفل به من إرشاده، ووعد به من تأييده، فقال تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ .. وقال الحسن البصري - رحمه الله تعالى -: أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون وإن كان عن مشورتهم غنيا) (٥).
نماذج في التأني
نماذج من تأني الأنبياء والمرسلين ﵈
نبي الله يوسف ﵇:
стр. 123
تأنى نبي الله يوسف ﵊ من الخروج من السجن حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه، وامتنع عن المبادرة إلى الخروج ولم يستعجل في ذلك.
قال تعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٠].
قال ابن عطية: (هذا الفعل من يوسف ﵇ أناة وصبرا وطلبا لبراءة الساحة) (١)
نماذج للتأني من سير الصحابة ﵃
- تأني أبي ذر الغفاري في قصة إسلامه:
قال ابن عباس: (لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ بمكة قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتني، فانطلق الآخر حتى قدم مكة، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني فيما أردت فتزود وحمل شنة له، فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد فالتمس النبي ﷺ ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه - يعني الليل - فاضطجع، فرآه علي فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، فظل ذلك اليوم، ولا يرى النبي ﷺ ، حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به علي، فقال: ما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه، ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان يوم الثالث فعل مثل ذلك، فأقامه علي معه، ثم قال له: ألا تحدثني؟ ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني، فعلت، ففعل. فأخبره فقال: فإنه حق وهو رسول الله ﷺ ، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك، قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي، ففعل، فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه) (٢).
فنجد في هذه القصة أن أبا ذر ﵁ لم يظهر ما يريده حتى يتحصل على بغيته وقد تأنى ﵁ في البحث عن النبي ﷺ والسؤال عنه حتى لا تعلم به قريش وتثنيه عن هدفه الذي من أجله تحمل المشاق والمتاعب.
стр. 124
التأني في واحة الشعر ..
قال النابغة:
الرفق يمن والأناة سعادة ... فتأن في رفق تلاق نجاحا (١)
وقال الشاعر:
استأن تظفر في أمورك كلها ... وإذا عزمت على الهوى فتوكل (٢)
وقال زهير:
منا الأناة وبعض القوم يحسبنا ... أنا بطاء وفي إبطائنا سرع (٣)
وقال القطامي عمرو بن شييم:
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
وربما فات قوما بعض أمرهم ... من التأني وكان الحزم لو عجلوا (٤)
وقال عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
تأن في أمرك وافهم عني ... فليس شيء يعدل التأني
تأن فيه ثم قل فإني ... أرجو لك الإرشاد بالتأني (٥)
وقال الشاعر:
لا تعجلن لأمر أنت طالبه ... فقلما يدرك المطلوب ذو العجل
فذو التأني مصيب في مقاصده ... وذو التعجل لا يخلو عن الزلل (٦)
وقال العجاج:
أناة وحلما وانتظارا بهم غدا ... فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر (٧)
وقال الشاعر:
لا تعجلن فربما ... عجل الفتى فيما يضره
ولربما كره الفتى ... أمرا عواقبه تسره (٨)
وقال آخر:
انطق مصيبا لا تكن هذرا ... عيابة ناطقا بالفحش والريب
وكن رزينا طويل الصمت ذا فكر ... فإن نطقت فلا تكثر من الخطب
ولا تجب سائلا من غير تروية ... وبالذي مثله تسأل فلا تجب ...
стр. 125
معنى التعاون لغة واصطلاحاً
معنى التعاون لغة:
العون: الظهير على الأمر (١)، وأعانه على الشيء: ساعده، واستعان فلان فلانا وبه طلب منه العون (٢). وتعاون القوم أعان بعضهم بعضًا (٣). والمعوان: الحسن المعونة للناس، أو كثيرها (٤).
معنى التعاون اصطلاحاً:
التعاون هو: (المساعدة على الحق ابتغاء الأجر من الله سبحانه) (٥).
стр. 126
الألفاظ المترادفة في التعاون
ومن الألفاظ المترادفة في التعاون يقولون: (شد على يديه، وأجازه، وأيده، وأمده، وهو في حرمته، وفي جواره، وفي خفارته، ظافره، وصانعه، ومالأه) (١).
стр. 127
فضل التعاون
لقد جعل الله التعاون فطرة جبلية، جبلها في جميع مخلوقاته صغيرها وكبيرها ذكرها وأنثاها إنسها وجنها، فلا يمكن لأي مخلوق أن يواجه كل أعباء الحياة ومتاعبها لوحده منفرداً، بل لابد أن يحتاج إلى من يعاونه ويساعده، لذلك فالتعاون ضرورة من ضروريات الحياة، التي لا يمكن الاستغناء عنها، فبالتعاون ينجز العمل بأقصر وقت وأقل جهد، ويصل إلى الغرض بسرعة وإتقان.
والملاحظ أن نصوص الشريعة جاءت بالخطاب الجماعي فقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وردت ٨٩ مرة، وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ عشرين مرة، وقوله يَا بَنِي آدَمَ خمس مرات دلالة على أهمية الاجتماع والتعاون والتكامل.
وقد حث النبي ﷺ على التعاون ودعا إليه فقال: ((من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له)) (١).
وشبه المؤمنين في اتحادهم وتعاونهم بالجسد الواحد فقال: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) (٢).
وقال ﷺ : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)) (٣).
وقال ﷺ : ((يد الله مع الجماعة)) (٤).
وحث على معونة الخدم ومساعدتهم، فقال: ((ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم)) (٥).
و (دعا يزيد بن المهلب ولده حبيباً ومن حضر من ولده، ودعا بسهام، فحزمت، وقال: أفترونكم كاسريها مجتمعة؟ فقالوا: لا. قال: أفترونكم كاسريها مفترقة؟ قالوا: نعم، قال: هكذا الجماعة) (٦).
стр. 128
الترغيب والحث على التعاون
الترغيب والحث على التعاون من القرآن الكريم:
- قال تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:١ - ٣].
وقال السعدي: (والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه) (١).
وقال ابن باز: (فهذه السورة العظيمة القصيرة اشتملت على معان عظيمة من جملتها التواصي بالحق وهو التعاون على البر والتقوى) (٢).
- وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: ٢].
قال ابن كثير (يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم) (٣).
وقال القرطبي: (وهو أمرٌ لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى، أي ليعن بعضكم بعضًا، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه، وهذا موافقٌ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((الدال على الخير كفاعله)) (٤) ... وقال الماوردي: ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له، لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته) (٥).
وقال ابن باز: (والمعنى احذروا مغبة التعاون على الإثم والعدوان وترك التعاون على البر والتقوى ومن العاقبة في ذلك شدة العقاب لمن خالف أمره وارتكب نهيه وتعدى حدوده) (٦).
стр. 129
- وقال سبحانه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥].
قال القرطبي: (وإياك نستعين: أي: نطلب العون والتأييد والتوفيق) (١).
وقال الشنقيطي: (وإياك نستعين: أي: لا نطلب العون إلا منك وحدك ; لأن الأمر كله بيدك وحدك) (٢).
- وقوله : وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:١٠٣].
قال أبو جعفر الطبري: (يعني بذلك جل ثناؤه: وتعلقوا بأسباب الله جميعًا. يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله) (٣).
وقال السعدي: (فإن في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم وبالاجتماع يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، من التعاون على البر والتقوى) (٤).
- وقوله: وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه: ٢٩ - ٣٢].
قال مقاتل بن سليمان: (اشدد به أزري: يقول اشدد به ظهري وليكون عونا لي وأشركه في أمري الذي أمرتني به، يتعظون لأمرنا ونتعاون كلانا جميعا) (٥).
وقال أبو جعفر الطبري: (قو ظهري، وأعني به) (٦).
وقال السعدي: (علم ﵊ أن مدار العبادات كلها والدين على ذكر الله فسأل الله أن يجعل أخاه معه يتساعدان ويتعاونان على البر والتقوى فيكثر منهما ذكر الله من التسبيح والتهليل وغيره من أنواع العبادات) (٧).
وقال المراغي: (أي أحكم به قوتي، واجعله شريكي في أمر الرسالة حتى نتعاون على أدائها على الوجه الذي يؤدي إلى أحسن الغايات، ويوصل إلى الغرض على أجمل السبل) (٨).
الترغيب والحث على التعاون من السنة النبوية:
- قال النبي ﵌: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)) (٩).
قال ابن بطال: (تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا في أمور الدنيا والآخرة مندوب إليه بهذا الحديث) (١٠).
وقال ابن حجر: (قال ابن بطال: المعاونة في أمور الآخرة، وكذا في الأمور المباحة من الدنيا مندوب إليها) (١١).
وقال أبو الفرج ابن الجوزي: (ظاهره الإخبار ومعناه الأمر، وهو تحريض على التعاون) (١٢).
- وعن ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلمٍ كربةً، فرج الله عنه كربةً من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة)) (١٣).
стр. 130
قال ابن بطال في شرح هذا الحديث: ( ... وباقي الحديث حض على التعاون، وحسن التعاشر، والألفة، والستر على المؤمن، وترك التسمع به، والإشهار لذنوبه) (١).
وقال ابن حجر (٢) والعيني (٣): (وفي الحديث حض على التعاون وحسن التعاشر والألفة).
- وعن أنس ﵁، قال: قال النبي ﷺ : ((انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا))، قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: ((تأخذ فوق يده)) (٤).
قال ابن بطال: (والنصرة عند العرب: الإعانة والتأييد، وقد فسره رسول الله أن نصر الظالم منعه من الظلم؛ لأنه إذا تركته على ظلمه ولم تكفه عنه أداه ذلك إلى أن يقتص منه؛ فمنعك له مما يوجب عليه القصاص نصره، وهذا يدل من باب الحكم للشيء وتسميته بما يئول إليه ... ) (٥).
وقال العيني: (النصرة تستلزم الإعانة) (٦).
- وعن أبي عبد الرحمن زيد بن خالد الجهني- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخيرٍ فقد غزا)) (٧).
قال ابن بطال: (وقال الطبري: وفيه من الفقه أن كل من أعان مؤمنًا على عمل بر فللمعين عليه أجر مثل العامل، وإذا أخبر الرسول أن من جهز غازيًا فقد غزا، فكذلك من فطر صائمًا أو قواه على صومه، وكذلك من أعان حاجا أو معتمرًا بما يتقوى به على حجه أو عمرته حتى يأتى ذلك على تمامه فله مثل أجره. ومن أعان فإنما يجيء من حقوق الله بنفسه أو بماله حتى يغلبه على الباطل بمعونة فله مثل أجر القائم، ثم كذلك سائر أعمال البر، وإذا كان ذلك بحكم المعونة على أعمال البر فمثله المعونة على معاصي الله وما يكرهه الله، للمعين عليها من الوزر والإثم مثل ما لعاملها) (٨).
وقال ابن عثيمين: (وهذا من التعاون على البر والتقوى، فإذا جهز الإنسان غازياً، يعني براحلته ومتاعه وسلاحه، ثلاثة أشياء: الراحلة، والمتاع، والسلاح، إذا جهزه بذلك فقد غزا، أي كتب له أجر الغازي، لأنه أعانه على الخير. وكذلك من خلفه في أهله بخير فقد غزا، يعني لو أن الغازي أراد أن يغزو ولكنه أشكل عليه أهله من يكون عند حاجاتهم، فانتدب رجلاً من المسلمين وقال: اخلفني في أهلي بخير، فإن هذا الذي خلفه يكون له أجر الغازي؛ لأنه أعانه) (٩).
- وعن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر عن معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ... )) (١٠).
قال ابن دقيق العيد: (هذا الحديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب فيه فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما يتيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة أو غير ذلك) (١١).
وقال ابن حجر (وفي الحديث حض على التعاون وحسن التعاشر والألفة) (١٢).
وقال المباركفوري: (وقال النووي هذا الحديث صريحٌ في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم بعضًا وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثمٍ ولا مكروهٍ) (١٣).
стр. 131
أقوال العلماء في التعاون
- قال عطاء بن أبي رباح: (تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث، فإن كانوا مرضى فعودوهم، أو مشاغيل فأعينوهم، أو نسوا فذكروهم) (١).
- وقال ابن تيمية: (حياة بني آدم وعيشهم في الدنيا لا يتم إلا بمعاونة بعضهم لبعضٍ في الأقوال أخبارها وغير أخبارها وفي الأعمال أيضًا .. ) (٢).
- و (قال أبو حمزة الشيباني- رحمه الله تعالى- لمن سأله عن الإخوان في الله من هم؟ قال: «هم العاملون بطاعة الله- المتعاونون على أمر الله- وإن تفرقت دورهم وأبدانهم) (٣).
- و (قال أبو الحسن العامري: التعاون على البر داعية لاتفاق الآراء، واتفاق الآراء لإيجاد مجلبة المراد، مكسبة للوداد) (٤).
- وقال أبو جعفر بن صهبان: (كان يقال: أول المودة طلاقة الوجه، والثانية: المودة، والثالثة: قضاء حوائج الناس) (٥).
стр. 132
أقسام التعاون
ينقسم التعاون إلى قسمين:
١ - تعاون على البر والتقوى.
٢ - تعاون على الإثم والعدوان.
قال ابن تيمية: (فإن التعاون نوعان: الأول: تعاونٌ على البر والتقوى: من الجهاد وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وإعطاء المستحقين؛ فهذا مما أمر الله به ورسوله. ومن أمسك عنه خشية أن يكون من أعوان الظلمة فقد ترك فرضًا على الأعيان، أو على الكفاية متوهمًا أنه متورعٌ. وما أكثر ما يشتبه الجبن والفشل بالورع؛ إذ كل منهما كف وإمساكٌ.
والثاني: تعاونٌ على الإثم والعدوان، كالإعانة على دمٍ معصومٍ، أو أخذ مال معصومٍ، أو ضرب من لا يستحق الضرب، ونحو ذلك؛ فهذا الذي حرمه الله ورسوله. نعم إذا كانت الأموال قد أخذت بغير حق، وقد تعذر ردها إلى أصحابها، ككثيرٍ من الأموال السلطانية؛ فالإعانة على صرف هذه الأموال في مصالح المسلمين كسداد الثغور، ونفقة المقاتلة، ونحو ذلك: من الإعانة على البر والتقوى) (١).
стр. 133
فوائد التعاون
من فوائد التعاون:
١ - استفادة كل فرد من خبرات وتجارب الأفراد الآخرين في شتى مناحي الحياة.
٢ - إظهار القوة والتماسك.
٣ - يزيد في الإخلاص في العمل.
٤ - تنظيم الوقت وتوفير الجهد.
٥ - ثمرة من ثمرات الأخوة الإسلامية.
٦ - رفع الظلم عمن وقع عليه.
٧ - حماية للفرد.
٨ - تقاسم الحمل وتخفيف العبء.
٩ - سهولة التصدي لأي أخطار تواجه الإنسان ممن حوله.
١٠ - سهولة إنجاز الأعمال الكبيرة التي لا يقدر عليها الأفراد.
١١ - القضاء على الأنانية وحب الذات.
١٢ - من أهم ركائز النجاح والتفوق.
١٣ - من ثمار الإيمان.
١٤ - نيل تأييد الله.
١٥ - نيل محبة الله ورضاه.
١٦ - يجعل الفرد يشعر بالسعادة.
١٧ - يزيل الضغائن والحقد والحسد من القلوب.
١٨ - يساعد الفرد على بذل المزيد من الجهد والقوة.
١٩ - يساعد على سرعة التنفيذ.
٢٠ - يسرع من عجلة التطور العلمي والتقدم التكنولوجي.
٢١ - يكسبك حب الخير للآخرين.
٢٢ - يؤدي بالفرد إلى الإتقان في العمل.
٢٣ - يولد عند الفرد الشعور بالقوة.
٢٤ - يجدد طاقة الفرد وينشطها.
٢٥ - العمل بأكثر من عقل.
٢٦ - يسهل العمل وييسره.
٢٧ - يحقق أكبر الاستثمارات.
٢٨ - يحد من الازدواجية في العمل.
٢٩ - يولد سلامة الصدر وحب الآخرين.
٣٠ - يتبين للفرد ما يمتلك من طاقة وخبرات وقدرات.
٣١ - استغلال الملكات والطاقات المهدرة الاستغلال المناسب لما فيه مصلحة الفرد والمجتمع.
стр. 134
مضار التعاون على الإثم والعدوان
١ - تقلب نظام المجتمع وتساعد على فساد الذمم.
٢ - تفتح أبواب الشر وتطمس معالم الحق ليرتع الباطل.
٣ - تنبئ عن خسة صاحبها ودناءة نفسه.
٤ - دليل كامل على ضعف الإيمان وقلة المروءة.
٥ - يبشر صاحبها بعاقبة وخيمة وعذاب أليم.
٦ - ينبذ صاحبها ويهمل شأنه إذا كان المجتمع صالحا.
٧ - تساعد على طغيان الحاكم وترخص له الظلم.
٨ - إذا تحققت في مجتمع كانت سببا في خرابه.
٩ - تضيع الحقوق، وتصل لغير أهلها ومستحقيها (١).
стр. 135
صور من التعاون
للتعاون صور كثيرة نذكر منها ما يلي:
- التعاون على تجهيز الغازي.
- التعاون على دفع الظلم.
- التعاون في الثبات على الحق والتمسك به.
- التعاون في الدعوة إلى الله.
- التعاون في تحرير الرقيق من رقهم.
- التعاون في تزويج العزاب.
- التعاون في طلب العلم والتفقه في الدين.
- التعاون لتفريج كربات المهمومين وسد حاجات المعوزين.
- التعاون مع الأمير الصالح وتقديم النصح له ومساعدته على القيام بواجباته.
- تقديم النصيحة لمن يحتاجها.
- معاونة الخدم.
- التعاون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- التعاون في جمع التبرعات والصدقات والزكاوات وتوزيعها على مستحقيها.
- التعاون على حل الخلافات والنزاعات التي تقع في وسط المجتمع المسلم.
- التعاون في إقامة الحدود وحفظ أمن البلاد.
стр. 136
موانع اكتساب التعاون
١ - التعصب والحزبية.
٢ - اتباع الأوهام والشكوك بأن هذا التعاون سيكون في صالح أفراد دون أفراد.
٣ - الأنانية، وعدم حب الخير للآخرين.
٤ - تعذر الفرد بانشغاله وكثرة أعماله.
٥ - تنافس الأفراد.
٦ - حب الذات، والظهور والصدارة والزعامة وغيرها من حظوظ النفس.
٧ - الحسد للآخرين.
٨ - سوء الظن بالآخرين.
٩ - عدم التعود على التعاون، والعمل في بيئة متعاونة متكاتفة.
١٠ - الكبر على الآخرين، وتوهم الفرد أنه أعظم من الآخرين.
١١ - الكسل.
١٢ - النظر في التجارب الفاشلة لبعض حالات التعاون الشاذة.
стр. 137
الأسباب المعينة على اكتساب التعاون:
هناك العديد من الطرق والسبل التي تعمل على تقوية التعاون وتثبيته بين المؤمنين ومن ذلك:
١ - (التعارف.
٢ - معرفة المسلم لحقوق المسلم عليه.
٣ - احتساب الأجر.
٤ - تنمية الروح الجماعية.
٥ - فقه الواقع.
٦ - تطهير القلب من الأمراض) (١).
٧ - الإخلاص.
٨ - إحسان الاختلاط بالناس.
стр. 138
نماذج تطبيقية من الأنبياء والمرسلين في التعاون:
- أمر الله إبراهيم ﵇ ببناء الكعبة، فقام إبراهيم ﵇ استجابة لأمر الله، وطلب من ابنه إسماعيل أن يساعده على تنفيذ هذا الأمر الإلهي، ويعينه في بناء الكعبة، فقال له: ((يا إسماعيل؛ إن الله أمرني بأمرٍ، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتًا، وأشار إلى أكمةٍ مرتفعةٍ على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٢٧]، قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:١٢٧])) (١).
- عندما أرسل الله موسى ﵇ إلى فرعون وكلفه بأن يدعو فرعون إلى عبادة الله وحده، طلب موسى ﵇ من ربه المعين والمساعد على هذا الأمر العظيم، فطلب منه أن يجعل له أخاه هارون معاوناً ومساعداً في دعوته فرعون، فقال: وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:٢٩ - ٣٢] فقال الله له: قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طه: ٣٦]، وجعل هارون معاوناً ومساعداً لموسى ﵇ في دعوته إلى الله، وآتاه النبوة استجابة لدعوة موسى، فباتحادهم وتعاونهم مكنهم الله من النصر على فرعون وجنوده (٢).
стр. 139
نماذج تطبيقية من الأمم السابقة في التعاون:
- التعاون بين ذو القرنين وأصحاب السد:
(لقد مكن الله لذي القرنين في الأرض، وآتاه من كل شيء سبباً، فتوفرت القدرة والسلطة، وتهيأت أمامه أسباب القوة والنفوذ التي لم تتوفر لكثير غيره .. وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف:٨٣ - ٨٤]، ومع ذلك لم يستغن ذو القرنين عن معونة الآخرين حينما أراد أن يقوم بعمل كبير، وإنجاز عظيم: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [الكهف: ٩٣ - ٩٤]، فصارحهم ذو القرنين بأن مثل هذا العمل الضخم يحتاج إلى التعاون، ولا يتم دونه؛ فقال: مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا [الكهف: ٩٥] ... الآيات، فماذا كانت نتيجة هذا التعاون العظيم؟ كانت نتيجته إتمام عمل عظيم، سد منيع، لا يستطيع مهاجموه أن يعلو ظهره، ولا أن يحدثوا فيه خرقاً .. والدرس الذي نخرج به أن التعاون إذا أخلص له أهلوه، وبذلوا فيه بصدق ما استطاعوا حقق لهم من النتائج ما يكفي ويشفي) (١).
стр. 140
نماذج تطبيقية من النبي ﷺ في التعاون:
- كان النبي ﷺ يسعى لقضاء حوائج المسلمين ويحب إعانتهم والوقوف معهم فيما يلم بهم من نوازل، وكان مجبولاً على ذلك من صغره وقبل بعثته، وقد بينت ذلك أمنا خديجة ﵂ عندما كانت تخفف من روع النبي ﷺ عند عودته من غار حراء بعد نزول الوحي عليه، وكان فزعاً، فقالت له: (كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) (١).
- وعن عائشة- ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة)) (٢).
- وعن البراء بن عازب- ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو أغبر بطنه يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
ويرفع بها صوته: أبينا أبينا)) (٣).
стр. 141
نماذج تطبيقية من الصحابة في التعاون:
كان الصحابة رضوان الله عليهم مثالاً يحتذى بهم في التعاون، وكانوا في ذلك المثل الأسمى، فكانوا كخلية النحل في تكاتفها وتعاونها، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منهم عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، و (في الوقت الذي كان فيه أبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص يفتحون مصر والشام والعراق، كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يسوسون الناس، ويرعون شئونهم، وكان معاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر يعلمون الناس، ويفتونهم ويربونهم، وكان أبو هريرة وأنس وعائشة يحفظون الحديث ويروونه، وكان أبو ذر وأبو الدرداء يعظون الناس والحكام وينصحونهم، فتعاونوا ولم يتعايبوا .. وتناصروا ولم يتدابروا) (١). ونقف هنا وقفات بسيطة مع نماذج بسيطة من تعاون الصحابة:
تعاون الصحابة ﵃ في حفر الخندق:
- ينقل لنا الصحابي الجليل أنس بن مالك ﵁ صورة من تعاون الصحابة وتكاتفهم في حفر الخندق، فيقول: ((جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم، ويقولون:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام ما بقينا أبدا
والنبي ﷺ يجيبهم ويقول:
اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة ... فبارك في الأنصار والمهاجرة)) (٢).
تعاون أبي بكر وأهل بيته مع النبي ﷺ في هجرته:
- جهز أبو بكر راحلتين عندما أعلمه النبي ﷺ بالهجرة، وخاطر بنفسه وهاجر مع النبي ﷺ ، وعندما وصلا غار ثور دخل أبو بكر أولاً ليستبرأ الغار للنبي ﷺ كي لا يصيبه أذى، وأعدت أسماء بنت أبي بكر لهما جهاز السفر، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتي لهما بأخبار قريش، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر يريح الغنم عليهما وهما في الغار ليشربا من لبنها، وفي طريقهما إلى المدينة كان أبو بكر إذا طلب قريش للرسول ﷺ مشى خلفه، وإذا تذكر رصدها له مشى أمامه (٣).
تعاون الصحابة رضوان الله عليهم في بناء مسجد النبي ﷺ :
- عندما قال النبي ﷺ لبني النجار: ((يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فقال أنسٌ: فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين، وفيه خربٌ وفيه نخلٌ، فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين، فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي ﷺ معهم، وهو يقول: اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة)) (٤).
تعاون الأنصار مع المهاجرين بعد الهجرة:
- قال عبد الرحمن بن عوف- ﵁ ((آخى رسول الله ﷺ ، بيني وبين سعد بن الربيع، فقال لي سعد: إني أكثر الأنصار مالا، فأقاسمك مالي شطرين، ولي امرأتان، فانظر أيتهما شئت حتى أنزل لك عنها، فإذا حلت تزوجتها، فقلت: لا حاجة لي في ذلك، دلوني على السوق، فدلوني على سوق بني قينقاع، فما رحت حتى استفضلت أقطاً وسمناً)) (٥).
- وقالت الأنصار للنبي ﷺ : ((اقسم بيننا وبينهم النخل، قال: لا. قال: يكفوننا المئونة ويشركوننا في التمر. قالوا: سمعنا وأطعنا)) (٦).
ومن تعاون الصحابة أيضاً:
- موقفهم في قصة سلمان ﵁ عندما كاتب سيده، وكان فقيراً لا يملك ما كاتب عليه، فقال النبي ﷺ للصحابة: ((أعينوا أخاكم)) فأعانوه، حتى تحرر من رقه وأصبح حراً (٧).
стр. 142
ميادين التعاون
(لقد أقام الإسلام التعاون بين المسلمين على أساس محكم، ومدَّ له في كل ناحية من نواحي الحياة بسبب. فالتمثيل القرآني لأهل الإيمان أنهم كالبنيان المرصوص، وفي التمثيل النبوي كالجسد الواحد. فأمور الإسلام ومطلوباته لا تتحقق على وجهها إلا بالتعاون. ودين الله بنيان شامخ لا يقوم ولا يثبت إلا حين تتراص لبناته وتتضامن مبانيه لتسد كل لبنة ثغرتها.
وإذا كان الله سبحانه قد خلق الخلق لعبادته وطاعته فإن هذه العبادات والطاعات أنواع: قلبية عقلية كالإيمان، وبدنية كالصلاة، ومالية كالزكاة، ومركبة من البدن والمال كالحج والجهاد.
وكل هذه العبادات بأنواعها لا تقام ولا تشاد إلا بوسائلها: من صحة الفكر، وسلامة البدن، وسعة ذات اليد. ولهذه الوسائل وسائل: من التفقه في الدين، والإحسان في الأعمال؛ من زراعة وصناعة وحرف، وإتقان في العلوم والمعارف؛ من الطب والحساب والهندسة والمعامل والمختبرات. ومن المقطوع به - كما سبق - أن الإنسان بمفرده بل حتى الرهط من الناس والجماعة المحدودة من القوم لا تستطيع بهذه الوسائل الانفراد بتحقيق هذه المقاصد. ومنه يتبين حاجة الناس إلى الاجتماع والتآزر، فذلك ما تقتضيه الفطرة، ويتطلبه الدين، وتنتظم به الشؤون، وتستقيم به العلوم.
وهذا بعض البسط لصور من التعاون في أحكام الإسلام وآدابه، وإذا استجلاها رجل الدعوة عرف ضرورة التعاون وحاجته إليه في ميدانه ومجاله.
فالصلوات الخمس جماعة وجمعة، وصلاة العيدين وآدابهما، والحج بشعائره، وعقد النكاح بوليمته وآدابه، وعقيقة المولود، وإجابة الدعوى حتى للصائم، كلها مناشط عبادية اجتماعية تعاونية، ولا تكون صورتها الشرعية إلا كذلك.
وينضم إلى اجتماع الأعياد اجتماع الشدائد والكرب في صلوات الاستسقاء والكسوف والجنازة.
إنه انتظام عجيب بين أهل الإسلام في مواطن السرور والحزن، ناهيك بصورة الأخوة، ومبدأ الشورى، وحقوق المسلمين فيما بينهم؛ في القربى والجوار والضيف وابن السبيل واليتامى والمساكين، مع ما يحيط بذلك من سياج الآداب الاجتماعية؛ من إفشاء السلام، وفسح المجالس، ودمح الزلة، مما بسطه قانون الأخلاق في الإسلام، ...
أما أنواع المعاملات والتعاملات فذلك جلي في عقود المضاربة والعارية والهبة والمهاداة وفرض الدية على العاقلة.
وثمة صور من المعاونات في كف الظلم، ونصرة المظلوم، ودفع الصائل بسلاح أو مال. بل هل يقوم الجهاد، وتقام الحدود، وتستوفى الحقوق، ويقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالتعاون والتآزر.
وهناك التعاون بالرأي، بما يدل على الحق، ويخرج من الحيرة، وينقذ من المأزق والهلكة، في النصيحة والمشاورة، وقد يكون تعاوناً بالجاه؛ من الشفاعة لذي الحاجة عند من يملك قضاءها.
ومن هنا قال القرطبي ﵀: " فواجب على الناس التعاون، فالعالم يعين بعلمه، والغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة، فالمؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم ".
فإذا وضع المسلمون أيديهم على هذه الأسباب الوثيقة، يتقدمهم أولو الأمر والعلماء والدعاة بلغوا المكانة المحفوفة بالعزة المشار إليها بقوله سبحانه: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨]) (١).
стр. 143
أصناف الناس في التعاون
قال الماوردي- رحمه الله تعالى-: (تنقسم أحوال من دخل في عداد الإخوان أربعة أقسام: منهم من يعين ويستعين، ومنهم من لا يعين ولا يستعين، ومنهم من يستعين ولا يعين، ومنهم من يعين ولا يستعين.
فأما المعين والمستعين فهو معاوض منصف يؤدي ما عليه ويستوفي ماله، فهو كالمقرض يسعف عند الحاجة ويسترد عند الاستغناء، وهو مشكور في معونته، ومعذور في استعانته، فهذا أعدل الإخوان.
وأما من لا يعين ولا يستعين فهو متروك قد منع خيره وقمع شره فهو لا صديق يرجى، ولا عدو يخشى، وإذا كان الأمر كذلك فهو كالصورة الممثلة، يروقك حسنها، ويخونك نفعها، فلا هو مذموم لقمع شره، ولا هو مشكور لمنع خيره، وإن كان باللوم أجدر.
وأما من يستعين ولا يعين فهو لئيم كَلّ، ومهين مستذل قد قطع عنه الرغبة وبسط فيه الرهبة، فلا خيره يرجى ولا شره يؤمن، وحسبك مهانة من رجل مستثقل عند إقلاله، ويستقل عند استقلاله فليس لمثله في الإخاء حظ، ولا في الوداد نصيب.
وأما من يعين ولا يستعين فهو كريم الطبع، مشكور الصنع، وقد حاز فضيلتي الابتداء والاكتفاء، فلا يرى ثقيلا في نائبة، ولا يقعد عن نهضة في معونة.
فهذا أشرف الإخوان نفساً وأكرمهم طبعاً فينبغي لمن أوجد له الزمان مثله، وقل أن يكون له مثل؛ لأنه البر الكريم والدر اليتيم، أن يثني عليه خنصره، ويعض عليه بناجذه ويكون به أشد ضنا منه بنفائس أمواله، وسني ذخائره؛ لأن نفع الإخوان عام، ونفع المال خاص، ومن كان أعم نفعا فهو بالادخار أحق، ثم لا ينبغي أن يزهد فيه لخلق أو خلقين ينكرهما منه إذا رضي سائر أخلاقه، وحمد أكثر شيمه؛ لأن اليسير مغفور والكمال معوز) (١).
وقد علق الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد على تقسيم الماوردي بقوله: (هذا تقسيم من الماوردي ﵀ أشبه بالحصر العقلي. وهو تقسيم جميل لتصوير النفوس وأحوال الناس والشخوص. ولكن واقع الناس، وما قضت به سنة الله في هذه الحياة، من بناء الدنيا واستقامة المعاش على المشاركة والمعاونة واتخاذ الناس بعضهم بعضاً سخرياً، ... يشوش على ما قرره الماوردي، فلا يتصور في الواقع من أحد - فيما نحن بصدده - أن يحقق مبتغاه إلا بتعاضد أطراف من الناس. هذا جانب. ومن جانب آخر، فإن البذل من طرف واحد - على نحو ما ذكر الماوردي - لا يسمى إلا إحساناً ومنة ونعمة، وهذا ليس من باب التعاون في شيء إلا من حيث الأثر والفائدة للمُحسن إليه والمُنْعَم عليه.
كما أن من يستعين ولا يعين قد رضي لنفسه أن يكون عالة على غيره، وجعل حياته مبنية على السؤال والطلب والتطلع إلى ما في أيدي الناس.
وأما من لا يعين ولا يستعين فتصور وجوده في بني الإنسان بعيد، على نحو ما سبق في المقدمة من تقرير أن التعاون ضرورة إنسانية. فالإنسان لا يستغني عن أخيه الإنسان، كما قضى الله في سننه) (٢).
стр. 144
مسائل متفرقة حول التعاون
- التعاون بين الحاكم والمحكوم:
إن الحاكم يحتاج إلى المعاونة والمساعدة، مثله مثل غيره من البشر، بل هو أشد حاجةً إلى ذلك من غيره، بسبب الأعمال والتكاليف الكثيرة التي يواجهها في إدارة البلاد، ومحال أن يتصدر لكل شئون البلاد ويديرها دون وجود المعين والمساعد، (فإن الإمام ليس هو ربا لرعيته حتى يستغني عنهم، ولا هو رسول الله إليهم حتى يكون هو الواسطة بينهم وبين الله. وإنما هو والرعية شركاء يتعاونون هم وهو على مصلحة الدين والدنيا، فلا بد له من إعانتهم، ولا بد لهم من إعانته، كأمير القافلة الذي يسير بهم في الطريق: إن سلك بهم الطريق اتبعوه، وإن أخطأ عن الطريق نبهوه وأرشدوه، وإن خرج عليهم صائلٌ يصول عليهم تعاون هو وهم على دفعه) (١).
- وجوه التعاون على البر والتقوى:
(قال ابن خويز مندادٍ في أحكامه: والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوهٍ، فواجبٌ على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم، ويعينهم الغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة ((المؤمنون تتكافؤ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يدٌ على من سواهم). ويجب الإعراض عن المتعدي وترك النصرة له ورده عما هو عليه)) (٢).
- وصايا في الحث على التعاون:
- قال أبو هلال العسكري: (أجود ما قيل في التضافر والتعاون قول قيس بن عاصم المنقري يوصي ولده وقومه وجدت في كتاب غير مسموع لما حضر عبد الملك بن مروان الوفاة وعاينته وقال يا بني أوصيكم بتقوى الله وليعطف الكبير منكم على الصغير ولا يجهل الصغير حق الكبير وأكرموا مسلمة بن عبد الملك فإنه نابكم الذي عنه تعبرون ومجنكم الذي به تستجيرون ولا تقطعوا من دونه رأياً ولا تعصوا له أمراً، وأكرموا الحجاج بن يوسف فإنه الذي وطأ لكم المغابر وذلل لكم قارب العرب وعليكم بالتعاون والتضافر وإياكم والتقاطع والتدابر. فقال قيس بن عاصم لبنيه:
بصلاح ذات البين طول بقائكم ... إن مد في عمري وإن لم يمدد
حتى تلين جلدوكم وقلوبكم ... لمسود منكم وغير مسود
إن القداح إذا جمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش أيد
عزت ولم تكسر وإن هي بددت ... فالوهن والتكسير للمتبدد) (٣)
- روي أن أكتم بن صيفي دعا أولاده عند موته فاستدعى بضمامة من السهام وتقدم إلى كل واحد أن يكسرها فلم يقدر أحد على كسرها ثم بددها وتقدم إليهم أن يكسروها فاستهلوا كسرها فقال كونوا مجتمعين ليعجز من ناوأكم عن كسركم كعجزكم (٤).
- التعاون في عالم الحيوانات والطيور:
توجد العديد من الأمثلة التي تدل على التعاون والتآزر والتكافل بين الكائنات الحية، وكثير من هذه الكائنات تعيش على شكل مجاميع وقطعان، لتكون قوة واحدة لحماية بعضها البعض، وللتصدي لأي خطر قد يحدق بأحد أفرادها.
(مخلوقات جعل الله في فطرتها نوع تعاون إما لتأمين غذائها أو الدفاع عن نفسها وجماعتها، ويظهر ذلك في جنسي النمل والنحل.
فقد شوهد أن النمل إذا عثر على عسل في وعاء، ولم يتمكن من الوصول إليه مباشرة؛ لوجود ماء أو سائل يحول بينه وبين هذا العسل، فإنه يتعاون بطريقة فدائية انتحارية؛ فتتقدم فرق بعد أخرى فتلتصق بالسائب وتموت، وتتقدم غيرها مثلها حتى تتكون قنطرة من جثث النمل الميت يعبر عليها الأحياء الباقون، فيدخلون الوعاء ويصلون إلى العسل ويبلغون مأربهم. هذا في حال اليسر والغذاء.
стр. 145
أما في حال العسر والتعرض للمخاطر فإن مجاميع النمل إذا تعرضت لتيار مائي داهم - مثلاً - فإن بعضها يمسك ببعض - ثم تكون كتلة كروية متماسكة تتحمل اندفاع التيار، ثم تعمل حركتين في آن واحد، إحداهما: تتحرك فيها الأرجل كالمجاديف في اتجاه واحد نحو أقرب شاطئ، والثانية: حركة دائرية من أعلى إلى أسفل ليتم تقاسم التنفس بين الجميع، فإذا ما تنفس من في الأعلى حصل انقلاب ليرتفع من في جهة القاع، فيأخذ حظه من النفس، وهكذا في حركة دائرية حتى يبلغوا شاطئ الأمان.
فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. وسبحان من وهب الإنسان العقل المفكر ليتأسى ويعتبر ويكتشف ويرقى بفكره - بعد هداية الله وتوفيقه - ليكون خيراً من الأنعام.
أما النحل فنظامه في تكوين مملكته وإنتاج عسله وترتيب الأعمال بين أفراد خليته فعجب عجاب في التعاون والتناوب ولله في خلقه شؤون) (١).
فهذه الأمثلة وغيرها، تبين عظيم قدرته في الكون، الذي فطر جميع المخلوقات على التعاون والتكافل والتآزر.
- حكم وأمثال في التعاون
- في الجريرة تشترك العشيرة:
يضرب في الحث على المواساة والتعاون (٢).
- هل ينهض البازي بغير جناحٍ؟
يضرب في الحث على التعاون والوفاق (٣).
- بالساعدين تبطش الكفان:
يضرب في تعاون الرجلين وتساعدهما وتعاضدهما في الأمر (٤).
- بال حمارٌ فاستبال أحمرةً:
أي حملهن على البول. يضرب في تعاون القوم على ما تكرهه (٥).
- من أقوال الحكماء
- من جاد لك بمودته فقد جعلك عديل نفسه، فأول حقوقه اعتقاد مودته، ثم إيناسه والانبساط إليه في غير محرَّم، ثم نصحه في السر والعلانية، ثم تخفيف الأثقال عنه، ثم معاونته فيما ينوبه من حادثة أو يناله من نكبة، فإن مراقبته في الظاهر نفاق، وتركه في الشدة لؤم (٦).
- فضيلة الفلاحين التعاون بالأعمال، وفضيلة التجار التعاون بالأموال، وفضيلة الملوك التعاون بالآراء والسياسة، وفضيلة العلماء التعاون بالحكم (٧).