← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

نماذج تطبيقية من الصحابة في التعاون: كان الصحابة رضوان الله عليهم مثالاً يحتذى بهم في التعاون، وكانوا في ذلك المثل الأسمى، فكانوا كخلية النحل في تكاتفها وتعاونها، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منهم عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، و (في الوقت الذي كان فيه أبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص يفتحون مصر والشام والعراق، كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يسوسون الناس، ويرعون شئونهم، وكان معاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر يعلمون الناس، ويفتونهم ويربونهم، وكان أبو هريرة وأنس وعائشة يحفظون الحديث ويروونه، وكان أبو ذر وأبو الدرداء يعظون الناس والحكام وينصحونهم، فتعاونوا ولم يتعايبوا .. وتناصروا ولم يتدابروا) (١). ونقف هنا وقفات بسيطة مع نماذج بسيطة من تعاون الصحابة: تعاون الصحابة ﵃ في حفر الخندق: - ينقل لنا الصحابي الجليل أنس بن مالك ﵁ صورة من تعاون الصحابة وتكاتفهم في حفر الخندق، فيقول: ((جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم، ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام ما بقينا أبدا والنبي ﷺ يجيبهم ويقول: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة ... فبارك في الأنصار والمهاجرة)) (٢). تعاون أبي بكر وأهل بيته مع النبي ﷺ في هجرته: - جهز أبو بكر راحلتين عندما أعلمه النبي ﷺ بالهجرة، وخاطر بنفسه وهاجر مع النبي ﷺ ، وعندما وصلا غار ثور دخل أبو بكر أولاً ليستبرأ الغار للنبي ﷺ كي لا يصيبه أذى، وأعدت أسماء بنت أبي بكر لهما جهاز السفر، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتي لهما بأخبار قريش، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر يريح الغنم عليهما وهما في الغار ليشربا من لبنها، وفي طريقهما إلى المدينة كان أبو بكر إذا طلب قريش للرسول ﷺ مشى خلفه، وإذا تذكر رصدها له مشى أمامه (٣). تعاون الصحابة رضوان الله عليهم في بناء مسجد النبي ﷺ : - عندما قال النبي ﷺ لبني النجار: ((يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فقال أنسٌ: فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين، وفيه خربٌ وفيه نخلٌ، فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين، فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي ﷺ معهم، وهو يقول: اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة)) (٤). تعاون الأنصار مع المهاجرين بعد الهجرة: - قال عبد الرحمن بن عوف- ﵁ ((آخى رسول الله ﷺ ، بيني وبين سعد بن الربيع، فقال لي سعد: إني أكثر الأنصار مالا، فأقاسمك مالي شطرين، ولي امرأتان، فانظر أيتهما شئت حتى أنزل لك عنها، فإذا حلت تزوجتها، فقلت: لا حاجة لي في ذلك، دلوني على السوق، فدلوني على سوق بني قينقاع، فما رحت حتى استفضلت أقطاً وسمناً)) (٥). - وقالت الأنصار للنبي ﷺ : ((اقسم بيننا وبينهم النخل، قال: لا. قال: يكفوننا المئونة ويشركوننا في التمر. قالوا: سمعنا وأطعنا)) (٦). ومن تعاون الصحابة أيضاً: - موقفهم في قصة سلمان ﵁ عندما كاتب سيده، وكان فقيراً لا يملك ما كاتب عليه، فقال النبي ﷺ للصحابة: ((أعينوا أخاكم)) فأعانوه، حتى تحرر من رقه وأصبح حراً (٧).

стр. 142

ميادين التعاون (لقد أقام الإسلام التعاون بين المسلمين على أساس محكم، ومدَّ له في كل ناحية من نواحي الحياة بسبب. فالتمثيل القرآني لأهل الإيمان أنهم كالبنيان المرصوص، وفي التمثيل النبوي كالجسد الواحد. فأمور الإسلام ومطلوباته لا تتحقق على وجهها إلا بالتعاون. ودين الله بنيان شامخ لا يقوم ولا يثبت إلا حين تتراص لبناته وتتضامن مبانيه لتسد كل لبنة ثغرتها. وإذا كان الله سبحانه قد خلق الخلق لعبادته وطاعته فإن هذه العبادات والطاعات أنواع: قلبية عقلية كالإيمان، وبدنية كالصلاة، ومالية كالزكاة، ومركبة من البدن والمال كالحج والجهاد. وكل هذه العبادات بأنواعها لا تقام ولا تشاد إلا بوسائلها: من صحة الفكر، وسلامة البدن، وسعة ذات اليد. ولهذه الوسائل وسائل: من التفقه في الدين، والإحسان في الأعمال؛ من زراعة وصناعة وحرف، وإتقان في العلوم والمعارف؛ من الطب والحساب والهندسة والمعامل والمختبرات. ومن المقطوع به - كما سبق - أن الإنسان بمفرده بل حتى الرهط من الناس والجماعة المحدودة من القوم لا تستطيع بهذه الوسائل الانفراد بتحقيق هذه المقاصد. ومنه يتبين حاجة الناس إلى الاجتماع والتآزر، فذلك ما تقتضيه الفطرة، ويتطلبه الدين، وتنتظم به الشؤون، وتستقيم به العلوم. وهذا بعض البسط لصور من التعاون في أحكام الإسلام وآدابه، وإذا استجلاها رجل الدعوة عرف ضرورة التعاون وحاجته إليه في ميدانه ومجاله. فالصلوات الخمس جماعة وجمعة، وصلاة العيدين وآدابهما، والحج بشعائره، وعقد النكاح بوليمته وآدابه، وعقيقة المولود، وإجابة الدعوى حتى للصائم، كلها مناشط عبادية اجتماعية تعاونية، ولا تكون صورتها الشرعية إلا كذلك. وينضم إلى اجتماع الأعياد اجتماع الشدائد والكرب في صلوات الاستسقاء والكسوف والجنازة. إنه انتظام عجيب بين أهل الإسلام في مواطن السرور والحزن، ناهيك بصورة الأخوة، ومبدأ الشورى، وحقوق المسلمين فيما بينهم؛ في القربى والجوار والضيف وابن السبيل واليتامى والمساكين، مع ما يحيط بذلك من سياج الآداب الاجتماعية؛ من إفشاء السلام، وفسح المجالس، ودمح الزلة، مما بسطه قانون الأخلاق في الإسلام، ... أما أنواع المعاملات والتعاملات فذلك جلي في عقود المضاربة والعارية والهبة والمهاداة وفرض الدية على العاقلة. وثمة صور من المعاونات في كف الظلم، ونصرة المظلوم، ودفع الصائل بسلاح أو مال. بل هل يقوم الجهاد، وتقام الحدود، وتستوفى الحقوق، ويقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالتعاون والتآزر. وهناك التعاون بالرأي، بما يدل على الحق، ويخرج من الحيرة، وينقذ من المأزق والهلكة، في النصيحة والمشاورة، وقد يكون تعاوناً بالجاه؛ من الشفاعة لذي الحاجة عند من يملك قضاءها. ومن هنا قال القرطبي ﵀: " فواجب على الناس التعاون، فالعالم يعين بعلمه، والغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة، فالمؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم ". فإذا وضع المسلمون أيديهم على هذه الأسباب الوثيقة، يتقدمهم أولو الأمر والعلماء والدعاة بلغوا المكانة المحفوفة بالعزة المشار إليها بقوله سبحانه: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨]) (١).

стр. 143

أصناف الناس في التعاون قال الماوردي- رحمه الله تعالى-: (تنقسم أحوال من دخل في عداد الإخوان أربعة أقسام: منهم من يعين ويستعين، ومنهم من لا يعين ولا يستعين، ومنهم من يستعين ولا يعين، ومنهم من يعين ولا يستعين. فأما المعين والمستعين فهو معاوض منصف يؤدي ما عليه ويستوفي ماله، فهو كالمقرض يسعف عند الحاجة ويسترد عند الاستغناء، وهو مشكور في معونته، ومعذور في استعانته، فهذا أعدل الإخوان. وأما من لا يعين ولا يستعين فهو متروك قد منع خيره وقمع شره فهو لا صديق يرجى، ولا عدو يخشى، وإذا كان الأمر كذلك فهو كالصورة الممثلة، يروقك حسنها، ويخونك نفعها، فلا هو مذموم لقمع شره، ولا هو مشكور لمنع خيره، وإن كان باللوم أجدر. وأما من يستعين ولا يعين فهو لئيم كَلّ، ومهين مستذل قد قطع عنه الرغبة وبسط فيه الرهبة، فلا خيره يرجى ولا شره يؤمن، وحسبك مهانة من رجل مستثقل عند إقلاله، ويستقل عند استقلاله فليس لمثله في الإخاء حظ، ولا في الوداد نصيب. وأما من يعين ولا يستعين فهو كريم الطبع، مشكور الصنع، وقد حاز فضيلتي الابتداء والاكتفاء، فلا يرى ثقيلا في نائبة، ولا يقعد عن نهضة في معونة. فهذا أشرف الإخوان نفساً وأكرمهم طبعاً فينبغي لمن أوجد له الزمان مثله، وقل أن يكون له مثل؛ لأنه البر الكريم والدر اليتيم، أن يثني عليه خنصره، ويعض عليه بناجذه ويكون به أشد ضنا منه بنفائس أمواله، وسني ذخائره؛ لأن نفع الإخوان عام، ونفع المال خاص، ومن كان أعم نفعا فهو بالادخار أحق، ثم لا ينبغي أن يزهد فيه لخلق أو خلقين ينكرهما منه إذا رضي سائر أخلاقه، وحمد أكثر شيمه؛ لأن اليسير مغفور والكمال معوز) (١). وقد علق الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد على تقسيم الماوردي بقوله: (هذا تقسيم من الماوردي ﵀ أشبه بالحصر العقلي. وهو تقسيم جميل لتصوير النفوس وأحوال الناس والشخوص. ولكن واقع الناس، وما قضت به سنة الله في هذه الحياة، من بناء الدنيا واستقامة المعاش على المشاركة والمعاونة واتخاذ الناس بعضهم بعضاً سخرياً، ... يشوش على ما قرره الماوردي، فلا يتصور في الواقع من أحد - فيما نحن بصدده - أن يحقق مبتغاه إلا بتعاضد أطراف من الناس. هذا جانب. ومن جانب آخر، فإن البذل من طرف واحد - على نحو ما ذكر الماوردي - لا يسمى إلا إحساناً ومنة ونعمة، وهذا ليس من باب التعاون في شيء إلا من حيث الأثر والفائدة للمُحسن إليه والمُنْعَم عليه. كما أن من يستعين ولا يعين قد رضي لنفسه أن يكون عالة على غيره، وجعل حياته مبنية على السؤال والطلب والتطلع إلى ما في أيدي الناس. وأما من لا يعين ولا يستعين فتصور وجوده في بني الإنسان بعيد، على نحو ما سبق في المقدمة من تقرير أن التعاون ضرورة إنسانية. فالإنسان لا يستغني عن أخيه الإنسان، كما قضى الله في سننه) (٢).

стр. 144

مسائل متفرقة حول التعاون - التعاون بين الحاكم والمحكوم: إن الحاكم يحتاج إلى المعاونة والمساعدة، مثله مثل غيره من البشر، بل هو أشد حاجةً إلى ذلك من غيره، بسبب الأعمال والتكاليف الكثيرة التي يواجهها في إدارة البلاد، ومحال أن يتصدر لكل شئون البلاد ويديرها دون وجود المعين والمساعد، (فإن الإمام ليس هو ربا لرعيته حتى يستغني عنهم، ولا هو رسول الله إليهم حتى يكون هو الواسطة بينهم وبين الله. وإنما هو والرعية شركاء يتعاونون هم وهو على مصلحة الدين والدنيا، فلا بد له من إعانتهم، ولا بد لهم من إعانته، كأمير القافلة الذي يسير بهم في الطريق: إن سلك بهم الطريق اتبعوه، وإن أخطأ عن الطريق نبهوه وأرشدوه، وإن خرج عليهم صائلٌ يصول عليهم تعاون هو وهم على دفعه) (١). - وجوه التعاون على البر والتقوى: (قال ابن خويز مندادٍ في أحكامه: والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوهٍ، فواجبٌ على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم، ويعينهم الغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة ((المؤمنون تتكافؤ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يدٌ على من سواهم). ويجب الإعراض عن المتعدي وترك النصرة له ورده عما هو عليه)) (٢). - وصايا في الحث على التعاون: - قال أبو هلال العسكري: (أجود ما قيل في التضافر والتعاون قول قيس بن عاصم المنقري يوصي ولده وقومه وجدت في كتاب غير مسموع لما حضر عبد الملك بن مروان الوفاة وعاينته وقال يا بني أوصيكم بتقوى الله وليعطف الكبير منكم على الصغير ولا يجهل الصغير حق الكبير وأكرموا مسلمة بن عبد الملك فإنه نابكم الذي عنه تعبرون ومجنكم الذي به تستجيرون ولا تقطعوا من دونه رأياً ولا تعصوا له أمراً، وأكرموا الحجاج بن يوسف فإنه الذي وطأ لكم المغابر وذلل لكم قارب العرب وعليكم بالتعاون والتضافر وإياكم والتقاطع والتدابر. فقال قيس بن عاصم لبنيه: بصلاح ذات البين طول بقائكم ... إن مد في عمري وإن لم يمدد حتى تلين جلدوكم وقلوبكم ... لمسود منكم وغير مسود إن القداح إذا جمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش أيد عزت ولم تكسر وإن هي بددت ... فالوهن والتكسير للمتبدد) (٣) - روي أن أكتم بن صيفي دعا أولاده عند موته فاستدعى بضمامة من السهام وتقدم إلى كل واحد أن يكسرها فلم يقدر أحد على كسرها ثم بددها وتقدم إليهم أن يكسروها فاستهلوا كسرها فقال كونوا مجتمعين ليعجز من ناوأكم عن كسركم كعجزكم (٤). - التعاون في عالم الحيوانات والطيور: توجد العديد من الأمثلة التي تدل على التعاون والتآزر والتكافل بين الكائنات الحية، وكثير من هذه الكائنات تعيش على شكل مجاميع وقطعان، لتكون قوة واحدة لحماية بعضها البعض، وللتصدي لأي خطر قد يحدق بأحد أفرادها. (مخلوقات جعل الله في فطرتها نوع تعاون إما لتأمين غذائها أو الدفاع عن نفسها وجماعتها، ويظهر ذلك في جنسي النمل والنحل. فقد شوهد أن النمل إذا عثر على عسل في وعاء، ولم يتمكن من الوصول إليه مباشرة؛ لوجود ماء أو سائل يحول بينه وبين هذا العسل، فإنه يتعاون بطريقة فدائية انتحارية؛ فتتقدم فرق بعد أخرى فتلتصق بالسائب وتموت، وتتقدم غيرها مثلها حتى تتكون قنطرة من جثث النمل الميت يعبر عليها الأحياء الباقون، فيدخلون الوعاء ويصلون إلى العسل ويبلغون مأربهم. هذا في حال اليسر والغذاء.

стр. 145

أما في حال العسر والتعرض للمخاطر فإن مجاميع النمل إذا تعرضت لتيار مائي داهم - مثلاً - فإن بعضها يمسك ببعض - ثم تكون كتلة كروية متماسكة تتحمل اندفاع التيار، ثم تعمل حركتين في آن واحد، إحداهما: تتحرك فيها الأرجل كالمجاديف في اتجاه واحد نحو أقرب شاطئ، والثانية: حركة دائرية من أعلى إلى أسفل ليتم تقاسم التنفس بين الجميع، فإذا ما تنفس من في الأعلى حصل انقلاب ليرتفع من في جهة القاع، فيأخذ حظه من النفس، وهكذا في حركة دائرية حتى يبلغوا شاطئ الأمان. فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. وسبحان من وهب الإنسان العقل المفكر ليتأسى ويعتبر ويكتشف ويرقى بفكره - بعد هداية الله وتوفيقه - ليكون خيراً من الأنعام. أما النحل فنظامه في تكوين مملكته وإنتاج عسله وترتيب الأعمال بين أفراد خليته فعجب عجاب في التعاون والتناوب ولله في خلقه شؤون) (١). فهذه الأمثلة وغيرها، تبين عظيم قدرته في الكون، الذي فطر جميع المخلوقات على التعاون والتكافل والتآزر. - حكم وأمثال في التعاون - في الجريرة تشترك العشيرة: يضرب في الحث على المواساة والتعاون (٢). - هل ينهض البازي بغير جناحٍ؟ يضرب في الحث على التعاون والوفاق (٣). - بالساعدين تبطش الكفان: يضرب في تعاون الرجلين وتساعدهما وتعاضدهما في الأمر (٤). - بال حمارٌ فاستبال أحمرةً: أي حملهن على البول. يضرب في تعاون القوم على ما تكرهه (٥). - من أقوال الحكماء - من جاد لك بمودته فقد جعلك عديل نفسه، فأول حقوقه اعتقاد مودته، ثم إيناسه والانبساط إليه في غير محرَّم، ثم نصحه في السر والعلانية، ثم تخفيف الأثقال عنه، ثم معاونته فيما ينوبه من حادثة أو يناله من نكبة، فإن مراقبته في الظاهر نفاق، وتركه في الشدة لؤم (٦). - فضيلة الفلاحين التعاون بالأعمال، وفضيلة التجار التعاون بالأموال، وفضيلة الملوك التعاون بالآراء والسياسة، وفضيلة العلماء التعاون بالحكم (٧).

стр. 146

التعاون في واحة الشعر .. قال الشاعر: لولا التعاون بين الناس ما شرفت ... نفس ولا ازدهرت أرض بعمران (١) ويرحم الله شوقي حيث يقول: إن التعاون قوةٌ علويةٌ ... تبني الرجال وتبدع الأشياء (٢) وقال آخر: لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكن إخوان الثقات الذخائر (٣) وقال آخر: يعرفك الإخوان كل بنفسه ... وخير أخ ما عرفتك الشدائد (٤) وقال آخر: أعين أخي أو صاحبي في بلائه ... أقوم إذا عض الزمان وأقعد ومن يفرد الإخوان فيما ينوبهم ... تنبه الليالي مرةً وهو مفرد (٥) وقال حافظ إبراهيم: لا تعجبن لملكٍ عز جانبه ... لولا التعاون لم تنظر له أثرا (٦) وقال آخر: أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح وان ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح (٧) ولله در القائل: كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى ... خطبٌ ولا تتفرقوا آحادا تأبى القداح إذا اجتمعن تكسراً ... وإذا افترقن تكسرت أفرادا (٨) وقال آخر: الناس للناس من بدوٍ وحاضرةٍ ... بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدم (٩) وقال آخر: إذا العبء الثقيل توزعته ... رقاب القوم خف على الرقاب (١٠) وقال آخر: وإن قام منهم قائم قال قاعد ... رشدت فلا غرم عليك ولا خذل وقال آخر: إذا ما تأملنا الأمور تبينت ... لنا وأمير القوم للقوم خادم (١١) وقال آخر: إذا سيدٌ منا ذرا حد نابه ... تخمط فينا ناب آخر مقرم وقال أحد الشعراء: هموم رجال في أمور كثيرة ... وهمي من الدنيا صديق مساعد نكون كروح بين جسمين قسمت ... فجسماهما جسمان والروح واحد (١٢) وقال آخر: إني رأيت نملة ... في حيرة بين الجبال لم تستطع حمل الطعام ... وحدها فوق الرمال نادت على أخت لها ... تعينها فالحمل مال لم يستطيعا حمله ... تذكرا قولا يقال تعاونوا جميعكم ... فالخير يأتي بالوصال نادت على إخوانها ... جاءوا جميعا بالحبال جروا معا طعامهم ... لم يعرفوا شيئا محال وقال حافظ إبراهيم: إذا ألمت بوادي النيل نازلةٌ ... باتت لها راسيات الشام تضطرب وإن دعا في ثرى الأهرام ذو ألمٍ ... أجابه في ذرا لبنان منتحب لو أخلص النيل والأردن ودهما ... تصافحت منهما الأمواه والعشب وقال آخر: وكل عضوٍ لأمرٍ ما يمارسه ... لا مشي للكف بل تمشي به القدم (١٣) وقال آخر: وبلوت أسباب الحياة وقستها ... فإذا التعاون قوة ٌ ونجاح وقال آخر: وإن ضاع التعاون في أناس ... عفت آثارهم في الضائعينا ...

стр. 147

معنى التواضع لغة واصطلاحاً معنى التواضع لغة: يقال وضَعَ فُلانٌ نَفْسَهُ وضْعاً، ووُضُوعاً بالضَّم، وَضَعَةً، بالفَتْحِ: أي أزلها. وتَوَاضَعَ الرَّجُلُ: إذا تَذَلَّلَ، وقيلَ: ذَلَّ وتَخاشَعَ (١). وقال في (الصحاح): (وَضُع الرجل بالضم يوضع ضِعَةً بفتح الضاد وكسرها أي صار وضيعا) (٢). معنى التواضع اصطلاحاً: التواضع هو: (ترك الترؤس، وإظهار الخمول، وكراهية التعظيم، والزيادة في الإكرام، وأن يتجنب الإنسان المباهات بما فيه من الفضائل، والمفاخرة بالجاه والمال، وأن يتحرز من الإعجاب والكبر) (٣). وقيل هو: (رضا الإنسان بمنزلة دون ما يستحقه فضله ومنزلته. وهو وسط بين الكبر والضعة، فالضعة: وضع الإنسان نفسه مكانا يزري به بتضييع حقه. والكبر: رفع نفسه فوق قدره) (٤). وقيل هو: (إظهار التنزل عن المرتبة لمن يراد تعظيمه وقيل هو تعظيم من فوقه فضله) (٥).

стр. 148

الفرق بين التواضع وبعض الصفات الفرق بين التواضع والتذلل: (أن التذلل: إظهار العجز عن مقاومة من يتذلل له. والتواضع: إظهار قدرة من يتواضع له سواء كان ذا قدرة على المتواضع أو لا ألا ترى أنه يقال العبد متواضع لخدمه أي يعاملهم معاملة من لهم عليه قدرة ولا يقال يتذلل لهم لأن التذلل إظهار العجز عن مقاومة المتذلل له وإنه قاهر وليست هذه صفة الملك مع خدمه) (١). الفرق بين التواضع والخشوع: (التواضع: يعتبر بالأخلاق والأفعال الظاهرة والباطنة. والخشوع: يقال باعتبار الجوارح، ولذلك قيل: إذا تواضع القلب خشعت الجوارح) (٢).

стр. 149

الترغيب والحث على التواضع من القرآن والسنة الترغيب والحث على التواضع من القرآن - قال الله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣] قال ابن القيم: (أي سكينة ووقارا متواضعين غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين قال الحسن: علماء حلماء وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا والهون بالفتح في اللغة: الرفق واللين والهون بالضم: الهوان فالمفتوح منه: صفة أهل الإيمان والمضموم صفة أهل الكفران وجزاؤهم من الله النيران) (١). (وقال تعالى مخاطباً رسوله ممتناً عليه وعلى المؤمنين فيما أَلان به قلبه على أمته المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: ١٥٩]) (٢). - كما أمره الله أن يلين جانبه للمؤمنين وأن يتواضع لهم فقال: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر: ٨٨] قال القرطبي في تفسير هذه الآية: (أي ألن جانبك لمن آمن بك وتواضع لهم) (٣). وقال عز من قائل: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٢١٥] - ووصف الله أصحاب النبي ﷺ بأنهم (يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين) (٤) حيث قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة: ٥٤] وقال ابن كثير: (هذه صفات المؤمنين الكُمَّل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩]) (٥) وقال ابن القيم: (لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة على تضمينا لمعاني هذه الأفعال فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول فالمؤمن ذلول كما في الحديث: المؤمن كالجمل الذلول والمنافق والفاسق ذليل) (٦). - وقوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: ٢٤] (حيث أمر الله بالتواضع - للوالدين- ذلا لهما ورحمة واحتسابا للأجر) (٧). وقال سبحانه: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣]

стр. 150

قال ابن كثير: (يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ، أي: ترفعًا على خلق الله وتعاظمًا عليهم وتجبرًا بهم، ولا فسادًا فيهم) (١). الترغيب والحث على التواضع من السنة رغب الإسلام في التواضع وحث عليه ابتغاء مرضات الله، وأن من تواضع جازاه الله على تواضعه بالرفعة، وقد وردت نصوص من السنة النبوية تدل على ذلك: - منها قوله ﷺ : ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) (٢). قال القاضي عياض في قوله ﷺ ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) (٣): (فيه وجهان: أحدهما: أن الله تعالى يمنحه ذلك في الدنيا جزاء على تواضعه له، وأن تواضعه يثبت له في القلوب محبة ومكانة وعزة. والثاني: أن يكون ذلك ثوابه في الآخرة على تواضعه) (٤). - وعن عياض بن حمار ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : ((إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد)) (٥). قال ابن عثيمين: (يعني: أن يتواضع كل واحد للآخر ولا يترفع عليه، بل يجعله مثله أو يكرمه أكثر، وكان من عادة السلف ﵏، أن الإنسان منهم يجعل من هو أصغر منه مثل ابنه ومن هو أكبر مثل أبيه ومن هو مثله مثل أخيه، فينظر إلى ما هو أكبر منه نظرة إكرام وإجلال وإلى من هو دونه نظرة إشفاق ورحمة، وإلى من هو مثله نظرة مساواة، فلا يبغي أحد على أحد وهذا من الأمور التي يجب على الإنسان أن يتصف بها، أي بالتواضع لله ولإخوانه من المسلمين) (٦). - وعن أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما من امرئ إلا وفي رأسه حكمة والحكمة بيد ملك إن تواضع قيل للملك: ارفع الحكمة، وإن أراد أن يرفع قيل للملك: ضع الحكمة أو حكمته)) (٧). - وعن معاذ بن أنس الجهني- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ترك اللّباس تواضعا لله، وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتّى يخيّره من أيّ حلل الإيمان شاء يلبسها)) (٨). قال ابن عثيمين: (وهذا يعني أن الإنسان إذا كان بين أناس متوسطي الحال لا يستطيعون اللباس الرفيع فتواضع وصار يلبس مثلهم، لئلا تنكسر قلوبهم، ولئلا يفخر عليهم، فإنه ينال هذا الأجر العظيم أما إذا كان بين أناس قد أنعم عليهم ويلبسون الثياب الرفيعة لكنها غير محرمة، فإن الأفضل أن يلبس مثلهم لأن الله تعالى جميل يحب الجمال ولاشك أن الإنسان إذا كان بين أناس رفيعي الحال يلبسون الثياب الجميلة ولبس دونهم فإن هذا يعد لباس شهرة فالإنسان ينظر ما تقتضيه الحال) (٩).

стр. 151

- وعن حارثة بن وهب ﵁ أنه سمع النّبي ﷺ يقول: ((ألا أخبركم بأهل الجنّة؟ قالوا: بلى. قال ﷺ : كل ضعيف متضعّف لو أقسم على الله لأبره. ثم قال: ألا أخبركم بأهل النّار؟ قالوا: بلى. قال: كل عتل جواظ مستكبر)) (١). قال القاضي عياض: (وقوله: في أهل الجنة: كل ضعيف متضعف ... هو صفة نفي الكبرياء والجبروت التي هي صفة أهل النار، ومدح التواضع والخمول والتذلل لله وحض عليه) (٢). - عن أبي الدّرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ابغوني في ضعفائكم، فإنّما ترزقون وتنصرون بضعفائكم)) (٣). قال الطيبي في معنى الحديث: (وفيه نهي عن مخالطة الأغنياء وتحذير من التكبر على الفقراء والمحافظة على جبر خواطرهم، ولهذا قال لقمان لابنه: لا تحقرن أحدا لخلقان ثيابه فإن ربك وربه واحد. وقال ابن معاذ: (حبك الفقراء من أخلاق المرسلين وإيثارك مجالستهم من علامات الصالحين وفرارك منهم من علامات المنافقين). (٤).

стр. 152

أقوال السلف والعلماء في التواضع - عن عائشة ﵂، قالت: (إنكم لتغفلون أفضل العبادة: التواضع) (١). - وقال معاذ بن جبل ﵁: (لا يبلغ عبد ذرى الإيمان حتى يكون التواضع أحب إليه من الشرف وما قل من الدنيا أحب إليه مما كثر ويكون من أحب وأبغض في الحق سواء يحكم للناس كما يحكم لنفسه وأهل بيته) (٢). - و (سئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله) (٣). - وقال ابن المبارك (رأس التواضع أن تضع نفسك عند من هو دونك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أن ليس لك بدنياك عليه فضل وأن ترفع نفسك عمن هو فوقك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أنه ليس له بدنياه عليك فضل) (٤). - وعن إبراهيم بن أبي عبلة قال: (رأيت أم الدرداء مع نساء المساكين جالسة ببيت المقدس) (٥). - وقال قتادة: (من أعطي مالا أو جمالا وثيابا وعلما ثم لم يتواضع كان عليه وبالا يوم القيامة) (٦). - وقال يحيى بن الحكم بن أبي العاص لعبد الملك: (أي الرجال أفضل قال من تواضع عن رفعة وزهد على قدرة وترك النصرة على قومه) (٧). - وقال إبراهيم بن شيبان: (الشرف في التواضع والعز في التقوى والحرية في القناعة) (٨). - وقال علوان بن داود البجلي حدثني شيخ من همدان عن أبيه قال: (بعثني قومي في الجاهلية بخيل أهدوها لذي الكلاع فأقمت ببابه سنة لا أصل إليه ثم أشرف إشرافة على الناس من غرفة له فخروا له سجودا ثم جلس فلقيته بالخيل فقبلها ثم لقد رأيته بحمص وقد أسلم يحمل الدرهم اللحم فيبتدره قومه ومواليه فيأخذونه منه فيأبى تواضعا وقال: أف لذي الدنيا إذا كانت كذا ... أنا منها كل يوم في أذى ولقد كنت إذا ما قيل من ... أنعم الناس معاشا قيل ذا ثم بدلت بعيش شقوة ... حبذا هذا شقاء حبذا (٩) - وعن صالح المري قال (خرج الحسن ويونس وأيوب يتذاكرون التواضع فقال لهما الحسن وهل تدرون ما التواضع: التواضع أن تخرج من منزلك فلا تلق مسلما إلا رأيت له عليك فضلا) (١٠). - (وولي أبو هريرة ﵁ إمارة مرة فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره يقول طرقوا للأمير.) (١١). - وقال يحيى ابن أبي كثير: (رأس التواضع ثلاث أن ترضى بالدون من شرف المجلس وأن تبدأ من لقيته بالسلام وأن تكره من المدحة والسمعة والرياء بالبر) (١٢).

стр. 153

أقسام التواضع (والتواضع تواضعان أحدهما محمود والآخر مذموم والتواضع المحمود ترك التطاول على عباد الله والإزراء بهم والتواضع المذموم هو تواضع المرء لذي الدنيا رغبة في دنياه فالعاقل يلزم مفارقة التواضع المذموم على الأحوال كلها ولا يفارق التواضع المحمود على الجهات كلها) (١). - التواضع المحمود على نوعين: النوع الأول: (تواضع العبد عند أمر الله امتثالا وعند نهيه اجتنابا فإن النفس لطلب الراحة تتلكأ في أمره فيبدو منها نوع إباء وشراد هربا من العبودية وتثبت عند نهيه! طلبا للظفر بما منع منه فإذا وضع العبد نفسه لأمر الله ونهيه فقد تواضع للعبودية. والنوع الثاني: تواضعه لعظمة الرب وجلاله وخضوعه لعزته وكبريائه فكلما شمخت نفسه ذكر عظمة الرب تعالى وتفرده بذلك وغضبه الشديد على من نازعه ذلك فتواضعت إليه نفسه وانكسر لعظمة الله قلبه واطمأن لهيبته وأخبت لسلطانه فهذا غاية التواضع وهو يستلزم الأول من غير عكس والمتواضع حقيقة من رزق الأمرين والله المستعان). (٢) التواضع المذموم: قال ابن القيم: (ومن التواضع المذموم المهانة، والفرق بين التواضع والمهانة، أن التواضع: يتولد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها فيتولد من بين ذلك كله خلق هو التواضع وهو انكسار القلب لله وخفض جناح الذل والرحمة بعباده فلا يرى له على أحد فضلا ولا يرى له عند أحد حقا بل يرى الفضل للناس عليه والحقوق لهم قبله وهذا خلق إنما يعطيه الله من يحبه ويكرمه ويقربه. وأما المهانة: فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها كتواضع السفل في نيل شهواتهم وتواضع المفعول به للفاعل وتواضع طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه فهذا كله ضعة لا تواضع والله سبحانه يحب التواضع ويبغض الضعة والمهانة وفي الصحيح عنه وأوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد) (٣).

стр. 154

من آثار خلق التواضع لا شك أن التواضع من أخلاق الصالحين والفضلاء، ويكفي أن النبي ﷺ كان من سماته التواضع، فمن آثاره: ١ - (أن التواضع يرفع المرء قدرا ويعظم له خطرا ويزيده نبلا). (١). ٢ - (التواضع يؤدي إلى الخضوع للحق والانقياد له. ٣ - التواضع هو عين العز، لأنه طاعة لله ورجوع إلى الصواب. ٤ - يكفي المتواضع محبة عباد الله له ورفع الله إياه) (٢). ٥ - (التواضع فيه مصلحة الدين والدنيا ويزيل الشحناء بين الناس، ويريح من تعب المباهاة والمفاخرة) (٣). ٦ - (التواضع يكسب السلامة ويورث الألفة ويرفع الحقد ويذهب الصد) (٤). ٧ - (ثمرة التواضع المحبة كما أن ثمرة القناعة الراحة وإن تواضع الشريف يزيد في شرفه كما أن تكبر الوضيع يزيد في ضعته) (٥). ٨ - التواضع يؤلف القلوب، ويفتح مغاليقها، ويجعل صاحبه جليل القدر، رفيع المكانة.

стр. 155

درجات التواضع ذكر شيخ الإسلام الهروي للتواضع ثلاث درجات فقال: (الدرجة الأولى: التواضع للدين وهو أن لا يعارض بمعقول منقولا ولا يتهم للدين دليلا ولا يرى إلى الخلاف سبيلا) (١) قال ابن القيم: (التواضع للدين هو الانقياد لما جاء به الرسول والاستسلام له والإذعان وذلك بثلاثة أشياء: الأول: أن لا يعارض شيئا مما جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم المسماة: بالمعقول والقياس والذوق والسياسة فالأولى: للمنحرفين أهل الكبر من المتكلمين الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة وقالوا: إذا تعارض العقل والنقل: قدمنا العقل وعزلنا النقل إما عزل تفويض وإما عزل تأويل والثاني: للمتكبرين من المنتسبين إلى الفقه قالوا: إذا تعارض القياس والرأي والنصوص: قدمنا القياس على النص ولم نلتفت إليه والثالث: للمتكبرين المنحرفين من المنتسبين إلى التصوف والزهد فإذا تعارض عندهم الذوق والأمر قدموا الذوق والحال ولم يعبأوا بالأمر والرابع: للمتكبرين المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين إذا تعارضت عندهم الشريعة والسياسة قدموا السياسة ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة فهؤلاء الأربعة: هم أهل الكبر والتواضع: التخلص من ذلك كله. الثاني: أن لا يتهم دليلا من أدلة الدين بحيث يظنه فاسد الدلالة أو ناقص الدلالة أو قاصرها أو أن غيره كان أولى منه ومتى عرض له شيء من ذلك فليتهم فهمه وليعلم أن الآفة منه والبلية فيه كما قيل: وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الأذهان منه ... على قدر القرائح والفهوم وهكذا الواقع في الواقع حقيقة: أنه ما اتهم أحد دليلا للدين إلا وكان المتهم هو الفاسد الذهن المأفون في عقله وذهنه فالآفة من الذهن العليل لا في نفس الدليل وإذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك وينبو فهمك عنه فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك وأن تحته كنزا من كنوز العلم ولم تؤت مفتاحه بعد هذا في حق نفسك وأما بالنسبة إلى غيرك: فاتهم آراء الرجال على نصوص الوحي وليكن ردها أيسر شيء عليك للنصوص فما لم تفعل ذلك فلست على شيء ولو .. ولو .. وهذا لا خلاف فيه بين العلماء قال الشافعي قدس الله روحه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله: لم يحل له أن يدعها لقول أحد. الثالث: أن لا يجد إلى خلاف النص سبيلا البتة لا بباطنه ولا بلسانه ولا بفعله ولا بحاله بل إذا أحس بشيء من الخلاف: فهو كخلاف المقدم على الزنا وشرب الخمر وقتل النفس بل هذا الخلاف أعظم عند الله من ذلك وهو داع إلى النفاق وهو الذي خافه الكبار والأئمة على نفوسهم واعلم أن المخالف للنص لقول متبوعه وشيخه ومقلده أو لرأيه ومعقوله وذوقه وسياسته إن كان عند الله معذورا ولا والله ما هو بمعذور فالمخالف لقوله لنصوص الوحي أولى بالعذر عند الله ورسوله وملائكته والمؤمنين من عباده فواعجبا إذا اتسع بطلان المخالفين للنصوص لعذر من خالفها تقليدا أو تأويلا أو لغير ذلك فكيف ضاق عن عذر من خالف أقوالهم وأقوال شيوخهم لأجل موافقة النصوص وكيف نصبوا له الحبائل وبغوه الغوائل ورموه بالعظائم وجعلوه أسوأ حالا من أرباب الجرائم فرموه بدائهم وانسلوا منه لواذا وقذفوه بمصابهم وجعلوا تعظيم المتبوعين ملاذا لهم ومعاذا والله أعلم). (٢) قال صاحب المنازل: (ولا يصح ذلك إلا بأن يعلم: أن النجاة في البصيرة والاستقامة بعد الثقة وأن البينة وراء الحجة) (٣) قال ابن القيم: (يقول: إن ما ذكرناه من التواضع للدين بهذه الأمور الثلاثة:

стр. 156

الأولى: علمه أن النجاة من الشقاء والضلال: إنما هي في البصيرة فمن لا بصيرة له: فهو من أهل الضلال في الدنيا والشقاء في الآخرة والبصيرة نور يجعله الله في عين القلب يفرق به العبد بين الحق والباطل ونسبته إلى القلب: كنسبة ضوء العين إلى العين وهذه البصيرة وهبية وكسبية فمن أدار النظر في أعلام الحق وأدلته وتجرد لله من هواه: استنارت بصيرته ورزق فرقانا يفرق به بين الحق والباطل. الثاني: أن يعلم أن الاستقامة إنما تكون بعد الثقة أي لا يتصور حصول الاستقامة في القول والعمل والحال إلا بعد الثقة بصحة ما معه من العلم وأنه مقتبس من مشكاة النبوة ومن لم يكن كذلك فلا ثقة له ولا استقامة. الثالث: أن يعلم أن البينة وراء الحجة والبينة مراده بها: استبانة الحق وظهوره وهذا إنما يكون بعد الحجة إذا قامت استبان الحق وظهر واتضح وفيه معنى آخر وهو: أن العبد إذا قبل حجة الله بمحض الإيمان والتسليم والانقياد: كان هذا القبول هو سبب تبينها وظهورها وانكشافها لقلبه فلا يصبر على بينة ربه إلا بعد قبول حجته وفيه معنى آخر أيضا: أنه لا يتبين له عيب عمله من صحته إلا بعد العلم الذي هو حجة الله على العبد فإذا عرف الحجة اتضح له بها ما كان مشكلا عليه من علومه وما كان معيبا من أعماله. وفيه معنى آخر أيضا: وهو أن يكون وراء بمعنى أمام والمعنى: أن الحجة إنما تحصل للعبد بعد تبينها فإذا لم تتبين له لم تكن له حجة يعني فلا يقنع من الحجة بمجرد حصولها بلا تبين فإن التبين أمام الحجة والله أعلم) (١). قال صاحب المنازل ﵀: (الدرجة الثانية: أن ترضى بما رضي الحق به لنفسه عبدا من المسلمين أخا وأن لا ترد على عدوك حقا وأن تقبل من المعتذر معاذيره) (٢). قال ابن القيم: (يقول:- أي الهروي-إذا كان الله قد رضي أخاك المسلم لنفسه عبدا أفلا ترضى أنت به أخا فعدم رضاك به أخا وقد رضيه سيدك الذي أنت عبده عبدا لنفسه عين الكبر وأي قبيح أقبح من تكبر العبد على عبد مثله لا يرضى بأخوته وسيده راض بعبوديته؟ فيجيء من هذا: أن المتكبر غير راض بعبودية سيده إذ عبوديته توجب رضاه بأخوة عبده وهذا شأن عبيد الملوك فإنهم يرون بعضهم خشداشية (٣) بعض. ومن ترفع منهم عن ذلك: لم يكن من عبيد أستاذهم. قوله: (وأن لا ترد على عدوك حقا) أي لا تصح لك درجة التواضع حتى تقبل الحق ممن تحب وممن تبغض فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك وإذا لم ترد عليه حقه فكيف تمنعه حقا له قبلك بل حقيقة التواضع أنه إذا جاءك قبلته منه وإذا كان له عليك حق أديته إليه فلا تمنعك عداوته من قبول حقه ولا من إيتائه إياه. وأما (قبولك من المعتذر معاذيره) فمعناه: أن من أساء إليك ثم جاء يعتذر من إساءته فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته حقا كانت أو باطلا وتكل سريرته إلى الله تعالى كما فعل رسول الله في المنافقين الذين تخلفوا عنه في الغزو فلما قدم جاءوا يعتذرون إليه فقبل أعذارهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى وعلامة الكرم والتواضع: أنك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجه وقل يمكن أن يكون الأمر كما تقول ولو قضي شيء لكان والمقدور لا مدفع له ونحو ذلك) (٤). قال صاحب المنازل ﵀: (الدرجة الثالثة: أن تتضع للحق فتنزل عن رأيك وعوائدك في الخدمة ورؤية حقك في الصحبة وعن رسمك في المشاهدة) (٥).

стр. 157

قال ابن القيم: (يقول:-أي الهروي- التواضع، بأن تخدم الحق سبحانه وتعبده بما أمرك به على مقتضى أمره لا على ما تراه من رأيك ولا يكون الباعث لك داعي العادة كما هو باعث من لا بصيرة له غير أنه اعتاد أمرا فجرى عليه ولو اعتاد ضده لكان كذلك. وحاصله: أنه لا يكون باعثه على العبودية مجرد رأي وموافقة هوى ومحبة ولاعادة بل الباعث مجرد الأمر والرأي والمحبة والهوى والعوائد: منفذة تابعة لا أنها مطاعة باعثة وهذه نكتة لا يتنبه لها إلا أهل البصائر. (وأما نزوله عن رؤية حقه في الصحبة) فمعناه: أن لا يرى لنفسه حقا على الله لأجل عمله فإن صحبته مع الله بالعبودية والفقر المحض والذل والانكسار فمتى رأى لنفسه عليه حقا فسدت الصحبة وصارت معلولة وخيف منها المقت ولا ينافي هذا ما أحقه سبحانه على نفسه من إثابة عابديه وإكرامهم فإن ذلك حق أحقه على نفسه بمحض كرمه وبره وجوده وإحسانه لا باستحقاق العبيد وأنهم أوجبوه عليه بأعمالهم. فعليك بالفرقان في هذا الموضع الذي هو مفترق الطرق والناس فيه ثلاث فرق: فرقة رأت أن العبد أقل وأعجز من أن يوجب على ربه حقا فقالت: لا يجب على الله شيء البتة وأنكرت وجوب ما أوجب على نفسه. وفرقة رأت أنه سبحانه أوجب على نفسه أمورا لعبده فظنت أن العبد أوجبها عليه بأعماله وأن أعماله كانت سببا لهذا الإيجاب والفرقتان غالطتان. والفرقة الثالثة: أهل الهدى والصواب قالت: لا يستوجب العبد على الله بسعيه نجاة ولا فلاحا ولا يدخل أحدا عمله الجنة أبدا ولا ينجيه من النار والله تعالى بفضله وكرمه ومحض جوده وإحسانه أكد إحسانه وجوده وبره بأن أوجب لعبده عليه سبحانه حقا بمقتضى الوعد فإن وعد الكريم إيجاب ولو بـ (عسى ولعل) ولهذا قال ابن عباس ﵄: (عسى من الله واجب) (١) ووعد اللئيم خلف ولو اقترن به العهد والحلف. والمقصود: أن عدم رؤية العبد لنفسه حقا على الله لا ينافي ما أوجبه الله على نفسه وجعله حقا لعبده قال النبي لمعاذ بن جبل ﵁: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد قال: الله ورسوله أعلم قال: حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت: الله ورسوله أعلم قال: حقهم عليه: أن لا يعذبهم بالنار. فالرب سبحانه ما لأحد عليه حق ولا يضيع لديه سعي كما قيل: ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع وأما قوله: (وتنزل عن رسمك في المشاهدة) أي من جملة التواضع للحق: فناؤك عن نفسك فإن رسمه هي نفسه والنزول عنها: فناؤه عنها حين شهوده الحضرة وهذا النزول يصح أن يقال كسبي باعتبار وإن كان عند القوم غير كسبي لأنه يحصل عند التجلي والتجلي نور والنور يقهر الظلمة ويبطلها والرسم عند القوم ظلمة فهي تنفر من النور بالذات فصار النزول عن الرسم حين التجلي ذاتيا. ووجه كونه كسبيا: أنه نتيجة المقامات الكسبية ونتيجة الكسبي كسبي. وثمرته وإن حصلت ضرورة بالذات: لم يمتنع أن يطلق عليها كونها كسبية باعتبار السبب والله أعلم) (٢).

стр. 158

صور التواضع ١ - تواضع الإنسان في نفسه: ويكون ذلك بألا يظن أنه أعلم من غيره، أو أتقى من غيره أو أكثر ورعاً من غيره، أو أكثر خشية لله من غيره، أو يظن أن هناك من هو شر منه، ولا يظن أنه قد أخذ صكاً بالغفران!! وآخر بدخول الجنة!!؛ لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، يقول الله تعالى: وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال: ٢٤]. وقال أبو زيد: ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر، فقيل له: فمتى يكون متواضعاً؟ قال: إذا لم ير لنفسه مقاماً ولا حالا. ومن التواضع ألا يعظم في عينك عملك، إن عملت خيراً، أو تقربت إلى الله تعالى بطاعة، فإن العمل قد لا يقبل، وإِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧]. ولهذا قال بعض السلف: لو أعلم أن الله قبل مني تسبيحة لتمنيت أن أموت الآن! ومن ذلك التواضع عندما تسمع نصيحة، فإن الشيطان يدعوك إلى ردها، وسوء الظن بالناصح، لأن معنى النصيحة أن أخاك يقول لك: إن فيك من العيوب كيت وكيت: وكم مرة أتعبتكم بنصيحتي ... وقد يستفيد البغضة المتنصح! أما من عصمه الله تعالى فإنه إذا وجد من ينصحه ويدله على عيوبه قهر نفسه، وقبل منه، ودعا له وشكره. ولهذا قال ﷺ ، في تعريف الكبر: ((الكبر بطر الحق وغمط الناس)) (١). يعني: رد الحق، وبخس الناس أشياءهم. فالمستكبر صاحب نفسية متعاظمة لا يكاد يمدح أحداً أو يذكره بخير، وإن احتاج على ذلك شفعه بذكر بعض عيوبه. أما إن سمع من يذكره ببعض عيوبه فهيهات أن ينصاع أو يلين، وما ذاك إلا لمركب النقص في نفسه، ولهذا كان من كمال الإنسان أن يقبل النقد والملاحظة بدون حساسية أو انزعاج أو شعور بالخجل والضعف وها هو أمير المؤمنين عمر ﵁ يحمل الراية، ويرفع الشعار: رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا (٢). ٢ - التواضع في التعلّم: قال الشافعي: لا يطلب هذا العلم أحد بالملك وعزة النفس فيفلح، لكن من طلبه بذلة النفس، وضيق العيش، وخدمة العلم، وتواضع النفس أفلح. وعن الأصمعي قال: من لم يحمل ذل التعلم ساعة، بقي في ذل الجهل أبداً. قال عبد الله بن المعتز: المتواضع في طلب العلم أكثرهم علماً، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء. وقد نظم أبو عامر النسوي فقال: العلم يأتي كل ذي ... خفض، ويأبى كل آبي كالماء ينزل في الوها ... د، وليس يصعد في الروابي وكذلك ينبغي أن يتحمل الطالب ما يكون من الشيخ أو من بقية الطلبة لئلا يفوته العلم، فتفوته الدنيا والآخرة، مع حصول العدو وطلبه، وشماتة الأعداء من الأربعة الأمور بالاستعاذة منهن في الصحيحين في قوله ﵇: ((تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء)) (٣). وقد قيل: لمحبرة تجالسني نهاري ... أحب إلي من أنس الصديق ورزمة كاغد في البيت عندي ... أعز إلي من عدل الرقيق ولطمة عالم في الخد مني ... ألذ إلي من شرب الرحيق وقال الشافعي: غضب الأعمش يوماً على رجل من الطلبة فقال آخر: لو غضب علي مثلك لم أعد إليه. فقال له الأعمش: إذا هو أحمق مثلك، يترك ما ينفعه لسوء خلقي. ذكره البيهقي (٤). وأن لا ينظر الشاب المبتدئ إلى نفسه على أنه ند لهذا العالم أو ذاك، ويقول: هم رجال .. ونحن رجال!!

стр. 159

والحال أن الرجولة تختلف .. فإن صفة الرجولة في القرآن الكريم سيقت مساق المدح في مواضع عدة: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ [التوبة: ١٠٨]. فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور: ٣٦ - ٣٧]. وقد يعبر بالرجولة عن الفحولة والذكورية فحسب كما في مواضع أخرى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ [الجن: ٦]. فالرجال ليسوا سواء، وأين الثرى من الثريا؟! ولربما رأيت طويلب علم لا يحفظ من القرآن إلا اليسير، ولا يكاد يحفظ حديثاً من البخاري أو مسلم بحروفه، فضلاً عن سنده ومعناه. ومع هذا قد يقف أمام جهابذة العلماء وكأنه أبو حنيفة أو الشافعي! وهجيراه أن يقول: أرى، وأنا، وقلت، وعندي! يقولون: هذا عندنا غير جائز!! ... ومن أنتم حتى يكون لكم (عندُ)!! جلس الشافعي ذات يوم مع تلميذه أحمد بن حنبل، فنظر إليه وقال: أحب الصالحين ولست منهم ... لعلي أن أنال بهم شفاعه وأكره من تجارتهم معاصي ... وإن كنا سوياً في البضاعة فنظر إليه تلميذه أحمد ثم قال: تحب الصالحين وأنت منهم ... ومنكم سوف يلقون الشفاعة وتكره من تجارتهم معاصي ... وقاك الله من شر البضاعة. ٣ - التواضع مع الناس: فالمسلم يخالط الناس ويدعوهم إلى الخير، وإلى الأخلاق الإسلامية، ومن طبيعة الناس أنهم لا يقبلون قول من يعظم نفسه ويحقرهم، ويرفع نفسه ويضعهم، وإن كان ما يقوله حقا، بل عليه أن يعرف أن جميع ما عنده هو فضل من الله، فالمسلم المتواضع هو الذي لا يعطي لنفسه حظاً في كلامه مع الآخرين، ومن تواضع المسلم مع الناس أن يجالس كل طبقات المجتمع، ويكلم كلا بما يفهمه، ويجالس الفقراء والأغنياء. يقول تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: ٢٨]. ٤ - التواضع مع الأقران: ومن التواضع أن يتواضع المرء مع أقرانه، وكثيراً ما تثور بين الأقران والأنداد روح المنافسة والتحاسد، وربما استعلى الإنسان على قرينه، وربما فرح بالنيل منه، والحط من قدره وشأنه، وعيبه بما ليس فيه، أو تضخيم ما فيه، وقد يظهر ذلك بمظهر النصيحة والتقويم وإبداء الملاحظات، ولو سمى الأمور بأسمائها الحقيقة لقال: الغيرة. ٥ - تواضع الإنسان مع من هو دونه: ومن التواضع: التواضع مع من هو دونك، فإذا وجدت أحداً أصغر منك سناً، أو أقل منك قدراً فلا تحقره، فقد يكون أسلم منك قلباً، أو أقل منك ذنباً، أو أعظم منك إلى الله قرباً. حتى لو رأيت إنساناً فاسقاً وأنت يظهر عليك الصلاح فلا تستكبر عليه، واحمد الله على أن نجاك مما ابتلاه به، وتذكر أنه ربما يكون في عملك الصالح رياء أو عجب يحبطه، وقد يكون عند هذا المذنب من الندم والانكسار والخوف من خطيئته ما يكون سبباً في غفران ذنبه. عن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ حدث ((أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك)) (١).

стр. 160

فلا تستكبر على أحد، وحتى حين ترى الفاسق فلا تستعل عليه، أو تعامله بأسلوب المتسلط المستكبر. ٦ - تواضع صاحب المال: فإن مَن مَنَّ الله عليهم بالمال، والجاه، والقوة، والنفوذ، أحوج الخلق إلى خلق التواضع. لأن هذه النعم مدعاة إلى الكبر والفخر. وما ابتليت الأمة بمصيبة الكبر إلا من هؤلاء، ولو نظر صاحب المال مثلاً إلى سالف أمره، إذا ما رزق مالاً أن يشكر ربه الذي أغناه بعد فقر، وأعطاه بعد حرمان، وأشبعه بعد جوع، وأمنه بعد خوف، وأن يجعل التواضع فراشه، ودثاره، وزينته، هذا هو الشكر العملي الحقيقي، فكن أخي عثماني المنهج، ولا تكن قاروني!! أما أن يتكبر وهذا حاله، فلا أدري بما يوصف هذا الإنسان، وقد بدلت لديه المفاهيم والموازين. وكذلك يقال لصاحب كل نعمة أن عليك بالتواضع، فلربما دارت عليك الأيام، وبدل الحال. ٧ - تواضع القائد مع الأفراد: القائد الناجح هو الذي يخفض جناحه للأفراد الذين هم تحته؛ لأنه كلما تواضع لهم وخفض لهم جناحه كان أقرب إلى نفوسهم، وكان أمره لهم محبباً إليهم، فهم يطيعونه عن حب وإخلاص، يقول تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٢١٥]. ومن مظاهر هذا التواضع، عدم الاستبداد بالرأي والانفراد باتخاذ القرار، وذلك أن استفراغ ما عند الأفراد من آراء وأفكار لاشك أن ذلك يفتح أبواباً كانت مغلقة على القادة، والاستماع إليها والنزول عن الرأي إليها – إذا كانت صحيحة – تقلل من نسبة الخطأ في القرار، وببركة الشورى قد يجبر الله ما بها من قصور، ولله در القائل: رأي الجماعة لا تشقى البلاد به ... رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها وألا يجد القادة في نفوسهم شيئاً إذا تحولوا إلى جنود أو أفراد في الصف بعد أن كانوا قادة؛ وذلك لأن الأجر والثواب يكون بالإخلاص والتجرد، والصدق مع الله. وكما يقول الفضيل بن عياش: (من أحب الرياسة لم يفلح أبدا) ولا شك أن المؤمن كلما ازداد تواضعاً ازداد إيماناً بالله وقرباً منه، وكلما ازداد عتواً وترفعاً على الناس ازداد مقتاً وبعداً منه سبحانه (١).

стр. 161

الأسباب التي تعين على التواضع ١ - (تقوى الله: وهذا من أول الأمور والأسباب التي تعين المرء على التواضع، وتردعه عن أخلاق أهل السفه والكبر. لأن التقوى وقاية من كل ما يغضب الله تعالى، وفعل جميع الطاعات التي أمر الله تعالى بها، فالكبر كبيرة من الكبائر ولا يتصف بها أهل التقوى، والتواضع من محاسن الأخلاق وحتماً ولابد أنه يكون في أهل التقوى. وهذا شيء يجب أن يكون مركوزاً في فطرة كل إنسان، وخاصة إذا كان بالمرء تيه وعجب، عليه أن يعلم أن الأيام دول، يوم لك ويوم عليك، فلا ينبغي للعاقل أن يفرح بدنيا أقبلت عليه ومن ثم يشمخ بها، ويتعالى بنعم الله على عباد الله والله يقول: وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:١٤٠] فمن تذكر دائماً هذه السنة الكونية خضع لإخوانه ولعامة الناس، وخفض جناحه لهم، لأنه ربما تقلبت به الدنيا، فيذل بعد أن كان عزيزاً، ويفتقر بعد أن كان غنياً، ويعلو عنه من كان يترفع عليه، فلم الكبر والتيه والعجب؟! قال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ ولا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣]. ٢ - عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به: مما لا شك فيه أن المرء يحب أن يتواضع له الناس، ويخفضوا جناحهم له، ويعاملوه برفق ولين، ويبغض من ناحية أخرى، من يغلظ له، ومن يتكبر عليه بأي صورة من الصور. ولو كان المرء جراباً حشي كبراً لتألم وتأفف أيضاً ممن يتكبر عليه، فلم الكيل بمكيالين؟!! ٣ - التفكر في أصل الإنسان (١): إذا عرف الإنسان نفسه، علم أنه أذل من كل ذليل، ويكفيه نظرة في أصل وجوده بعد العدم من تراب، ثم من نطفة خرجت من مخرج البول، ثم من علقة، ثم من مضغة، فقد صار شيئاً مذكوراً، بعد أن كان لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني شيئاً، فقد ابتدأ بموته قبل حياته، وبضعفه قبل قوته، وبفقره قبل غناه. وقد أشار الله – – إلى هذا بقوله: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ [عبس: ١٨ - ١٩]. ثم امتن عليه بقوله: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [عبس: ٢٠]. وبقوله: فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان: ٢]. لقد أحياه الله بعد موت، وأحسن تصويره، وأخرجه إلى الدنيا، فأشبعه وأرواه، وكساه وهداه، وقواه. فمن هذا بدايته، فأي وجه لتكبره وفخره وخيلائه؟! قال ابن حبان ﵀: وكيف لا يتواضع من خلق من نطفة مذرة، وآخره يعود إلى جيفة قذرة، وهو بينهما يحمل العذرة. اهـ (٢) ٤ - معرفة الإنسان قدره: قال تعالى: وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً [الإسراء: ٣٧]. قال العلامة الشنقيطي: أي أنت أيها المتكبر المختال: ضعيف حقير عاجز محصور بين جمادين أنت عاجز عن التأثير فيها، فالأرض التي تحتك لا تقدر أن تؤثر فيها بشدة وطئك عليها، والجبال الشامخة فوقك لا يبلغ طولك طولها، فاعرف قدرك، ولا تتكبر، ولا تمش في الأرض مرحاً. اهـ (٣) ٥ - تذكر الأمراض والأوجاع والمصائب: وما أجمل التواضع واللين!! فلو رأيت أهل البلاء بشتى صنوفهم للمست التواضع يعلو وجوههم وأبدانهم! انظر إلى من غله المرض، واستوثق منه الوجع، وهده الألم، انظر إليه إذا جاء الزائر يزوره! وطالع محياه، فسترى فاقة وكسرة وحاجة إلى كل إنسان! فهو يأنس بهذا! ويشد على يد هذا! ويطلب الدعاء من آخر! ويتشوف إلى رنين الهاتف فلربما سمع كلمة تشد من أزره أو ربما سعد بدعوة مجابة أو ... أليس في هذا الحال درس لكل من اختال يوماً، أو تطاول حيناً، أو تكبر زمناً؟! بلى والله. وما قيل هنا، يقال في أهل المصائب كافة، فلماذا التجمل بالتواضع عند الضر، والافتخار والمباهاة والأشر والكبر عند الرخاء والنعمة في العلن والسر؟! ٦ - تطهير القلب: القلب إذا صلح صلح العمل كله بإذن الله تعالى فعلى من أراد اكتساب خلق التواضع أن يطهر قلبه من الأمراض التي عصفت به من حقد وحسد وعجب وغرور لأن القلب هو موطن هذه الأمراض كلها) (٤).

стр. 162

نماذج من تواضع النبي ﷺ : كان رسول الله ﷺ جم التواضع، لا يعتريه كبر ولا بطر على رفعة قدره وعلو منزلته، يخفض جناحه للمؤمنين ولا يتعاظم عليهم، ويجلس بينهم كواحد منهم، ولا يعرف مجلسه من مجلس أصحابه لأنه كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويجلس بين ظهرانيهم فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل عنه، روى أبو داود في سننه عن أبي ذر وأبي هريرة قالا: ((كان رسول الله ﷺ يجلس بين ظهري أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل فطلبنا إلى رسول الله ﷺ أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه ... )) (١). وقال له رجل: يا محمد أيا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله ﷺ : ((يا أيها الناس، عليكم بتقواكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله)) (٢). - وكان ﷺ من تواضعه يتفقد أحوال أصحابه ويقوم بزيارتهم، فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: ((أن رسول الله ﷺ ذكر له صومي فدخل علي فألقيت له وسادة من أدم حشوها ليف فجلس على الأرض وصارت الوسادة بيني وبينه فقال أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام، قال: قلت يا رسول الله قال خمسا قلت يا رسول الله قال سبعا قلت يا رسول الله قال تسعا قلت يا رسول الله قال إحدى عشرة ثم قال النبي ﷺ : لا صوم فوق صوم داود ﵇ شطر الدهر صم يوما وأفطر يوما)) (٣). وكان يتفقدهم حتى في الغزوات والمعارك، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي برزة ((أن النبي ﷺ كان في مغزى له فأفاء الله عليه فقال لأصحابه هل تفقدون من أحد. قالوا نعم فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال هل تفقدون من أحد. قالوا نعم فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال هل تفقدون من أحد. قالوا لا. قال لكني أفقد جليبيبا فاطلبوه. فطلب في القتلى فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه فأتى النبي ﷺ فوقف عليه فقال: قتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وأنا منه هذا مني وأنا منه، قال فوضعه على ساعديه ليس له إلا ساعدا النبي ﷺ قال فحفر له ووضع في قبره.)) (٤).

стр. 163

- وكان من تواضعه ﷺ القيام بخدمة أصحابه، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة وفيه في قصة نومهم عن صلاة الفجر: (( ..... قال ودعا بالميضأة فجعل رسول الله ﷺ يصب وأبو قتادة يسقيهم- أي أصحابه- فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها. فقال رسول الله ﷺ أحسنوا الملأ كلكم سيروى. قال ففعلوا فجعل رسول الله ﷺ يصب وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ قال ثم صب رسول الله ﷺ فقال لي اشرب. فقلت لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله قال: إن ساقي القوم آخرهم شربا. قال فشربت وشرب رسول الله ﷺ قال: فأتى الناس الماء جامين رواء)) (١). - ومن تواضعه ﷺ أنه إذا مر على الصبيان سلم عليهم، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ ((أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال كان النبي ﷺ يفعله)) (٢). ((وكان ﷺ يزور الأنصار، ويسلم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم)) (٣). وعن أنس ﵁ قال: ((إن كان رسول الله ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟)) (٤). - ومن تواضعه ﷺ أنه كان يشارك في خدمة أهله في البيت فقد روى البخاري عن الأسود، قال: ((سألت عائشة ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته قالت كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة)) (٥). - وكان من تواضعه ﷺ يركب الحمار ويستردف فيه، يحكي لنا أنس عن حال النبي ﷺ فيقول: ((كان ﷺ يردف خلفه، ويضع طعامه على الأرض، ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار)) (٦). وعن أبي أيوب ﵁ قال: ((كان ﷺ يركب الحمار، ويخصف النعل، ويرقع القميص، ويلبس الصوف، ويقول من رغب عن سنتي فليس مني)) (٧).

стр. 164

وعن عبيد بن حنين أنه سمع ابن عباس، ﵄ يحدث أنه قال: ((مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجا فخرجت معه ... )) (١). الحديث. وفيه: ((وإنه – أي رسول الله ﷺ لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف وإن عند رجليه قرظا مصبوبا وعند رأسه أهب معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال ما يبكيك، فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله فقال أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة)) (٢). - ومن تواضعه ﷺ استجابته للدعوة وقبوله الهدية مهما قلت قيمتها، روى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لو دعيت إلى ذراع، أو كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع، أو كراع لقبلت)) (٣). قال الشاعر: يا جاعلاً سنن النبي ... شعاره ودثاره متمسكاً بحديثه ... متتبعاً أخباره سنن الشريعة خذ بها ... متوسماً آثاره وكذا الطريقة فاقتبس ... في سبلها أنواره قد كان يقري ضيفه ... كرماً ويحفظ جاره ويجالس المسكين يؤ ... ثر قربه وجواره الفقر كان رداءه ... والجوع كان شعاره يلقي بغرة ضاحك ... مستبشراً زواره بسط الرداء كرامةً ... لكريم قوم زاره ما كان مختالاً ولا ... مرحاً يجر إزاره قد كان يركب بالردي ... ف من الخضوع حماره من مهنة هو أو صلا ... ةٍ ليله ونهاره فتراه يحلب شاة من ... زله ويوقد ناره ما زال كهف مهاجري ... هـ ومكرماً أنصاره براً بمحسنهم مقي ... لاً للمسيء عثاره يهب الذي تحوي يدا ... هـ لطالبٍ إيثاره زكّى عن الدنيا الدن ... ية ربه مقداره جعل الإله صلاته ... أبدا عليه نثاره فاختر من الأخلاق ما ... كان الرسول اختاره لتعد سنّيًّا وتو ... شك أن تبوّأ داره (٤). ...

стр. 165

نماذج من تواضع الصحابة رضوان الله عليهم: اقتداءً بالنبي ﷺ كان صحابته رضوان الله عليهم يقومون بما كان يقوم به النبي ﷺ من الأعمال الجليلة والخلق الكريم من التواضع وخفض الجناح. (فكان أبوبكر ﵁ يحلب الشاة لجيرانه، وكان عمر ﵁ يحمل قربة الماء، وكان عثمان ﵁ وهو يومئذ خليفة - يقيل في المسجد ويقوم وأثر الحصباء في جنبه، وكان علي ﵁ يحمل التمر في ملحفة ويرفض أن يحمله عنه غيره، وكان أبو الدرداء ينفخ النار تحت القدر حتى تسيل دموعه. وصنوة القول إنهم ﵃ ساروا على نهج الرسول الكريم فلم يستكبر منهم أحد أو يستنكف عن القيام بتلك الأعمال اليسيرة النافعة مهما عظمت مكانة الواحد منهم) (١). تواضع الصديق ﵁: يحلب للحي أغنامهم: (لما استُخلف - أبو بكر الصديق ﵁ أصبح غادياً إلى السوق وكان يحلب للحي أغنامهم قبل الخلافة فلما بويع قالت جارية من الحي الآن لا يحلب لنا فقال بلى لأحلبنها لكم وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه) (٢). وكان يقول: (وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن) (٣). قال هذا وهو من المبشرين بالجنة، وهو الصديق العظيم صاحب رسول الله ﷺ وخليفته من بعده!! تواضع عمر ﵁ يخلع خفيه ويضعهما على عاتقه ويأخذ بذمام ناقته: عن طارق بن شهاب، قال: (خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة له فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا، تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك، فقال عمر: أوه لم يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالا لأمة محمد ﷺ إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله) (٤). يدعو المساكين والأرقاء فيأكل معهم عن أبي محذورة قال: (كنت جالسا عند عمر ﵁، إذ جاء صفوان بن أمية بجفنة يحملها نفر في عباءة، فوضعوها بين يدي عمر، فدعا عمر ناسا مساكين وأرقاء من أرقاء الناس حوله، فأكلوا معه، ثم قال عند ذلك: فعل الله بقوم أو قال لحى الله قوما يرغبون عن أرقائهم أن يأكلوا معهم!! فقال صفوان: أما والله، ما نرغب عنهم، ولكنا نستأثر عليهم، لا نجد والله من الطعام الطيب ما نأكل ونطعمهم) (٥). - يرفع على عاتقه قربة ماء وعن عروة بن الزبير ﵄ قال: (رأيت عمر بن الخطاب ﵁ على عاتقه قربة ماء فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة فأردت أن أكسرها) (٦). تواضع عثمان ﵁ يقيل في المسجد وأثر الحصبى بجنبه وهو خليفة!!

стр. 166

قال الحسن: (رأيت عثمان بن عفان يقيل في المسجد وهو يومئذ خليفة ويقوم وأثر الحصى بجنبه فنقول هذا أمير المؤمنين هذا أمير المؤمنين) (١). يركب على البغلة ويردف عليها غلامه وهو خليفة عن ميمون بن مهران قال: (أخبرني الهمداني أنه رأى عثمان بن عفان ﵁ على بغلة، وخلفه عليها غلامه نائل وهو خليفة) (٢). تواضع علي ﵁ يلبس الإزار المرقوع ليقتدي به المؤمن ويخشع به القلب: عن عمرو بن قيس الملائي عن رجل منهم قال: (رئي على علي بن أبي طالب إزار مرقوع فقيل له تلبس المرقوع فقال يقتدي به المؤمن ويخشع به القلب) (٣). (وأنه ﵁ قد اشترى لحما بدرهم فحمله في ملحفته فقيل له نحمل عنك يا أمير المؤمنين فقال لا أبو العيال أحق أن يحمل) (٤). تواضع عبد الله بن سلام ﵁ يحمل حزمة من حطب ليدفع به الكبر: أن عبد الله بن سلام ﵁ مر في السوق وعليه حزمة من حطب فقيل له أليس الله قد أعفاك عن هذا قال بلى ولكن أردت أن أدفع به الكبر سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر)) (٥).

стр. 167

نماذج من تواضع السلف: تواضع عمر بن عبد العزيز: - (كان عند عمر بن عبد العزيز قوم ذات ليلة في بعض ما يحتاج إليه، فغشي سراجه، فقام إليه، فأصلحه، فقيل له: يا أمير المؤمنين؛ ألا نكفيك؟ قال: وما ضرني؟ قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز) (١). - (ونادى رجل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁: يا خليفة الله في الأرض. فقال له عمر: مه، إني لما وُلِدت اختار لي أهلي اسما، فسموني عمر، فلو ناديتني: ياعمر؛ أجبتك. فلما كبرت اخترت لنفسي الكنى، فكنيت بأبي حفص، فلو ناديتني: يا أبا حفص، أجبتك. فلما وليتموني أموركم سميتموني أمير المؤمنين، فلو ناديتني: يا أمير المؤمنين؛ أجبتك. وأما خليفة الله في الأرض، فلست كذلك، ولكن خلفاء الله في الأرض داود النبي ﵇ وشبهه، قال الله ﵎: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ص:٢٦]) (٢). - وقال سعيد بن سويد: (صلى بنا عمر بن عبد العزيز الجمعة ثم جلس وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه فقال له رجل يا أمير المؤمنين إن الله قد أعطاك فلو لبست فنكس رأسه مليا ثم رفع رأسه فقال إن أفضل القصد عند الجدة وإن أفضل العفو عند القدرة وقال ﷺ من ترك زينة لله ووضع ثيابا حسنة تواضعا لله وابتغاء لمرضاته كان حقا على الله أن يدخر له عبقري الجنة) (٣). تواضع الإمام أحمد بن حنبل قال المروزي: (لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أبي عبد الله؛ كان مائلا إليهم مقصراً عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر) (٤). (وكان ربما خرج إلى البقال، فيشتري الجرزة الحطب والشيء فيحمله بيده، ويتنور في البيت) (٥). وقال يحيى ابن معين: (ما رأيت مثل أحمد بن حنبل!! صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من والخير) (٦). وقال إسماعيل بن إسحاق الثقفي: (قلت لأبي عبد الله أول ما رأيته: يا أبا عبد الله، ائذن لي أن أقبل رأسك. فقال: لم أبلغ أنا ذاك) (٧).

стр. 168

نماذج من تواضع العلماء المتقدمين: تواضع ابن تيمية: قال البزار وهو يذكر تواضع ابن تيمية: (وأما تواضعه فما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره مثله في ذلك، كان يتواضع للكبير والصغير والجليل والحقير والغني الصالح والفقير وكان يدني الفقير الصالح ويكرمه ويؤنسه ويباسطه بحديثه المستحلى زيادة على مثله من الأغنياء حتى أنه ربما خدمه بنفسه وأعانه بحمل حاجته جبرا لقلبه وتقربا بذلك إلى ربه. وكان لا يسأم ممن يستفتيه أو يسأله بل يقبل عليه ببشاشة وجه ولين عريكة ويقف معه حتى يكون هو الذي يفارقه كبيرا كان أو صغيرا رجلا أو امرأة حرا أو عبدا عالما أو عاميا حاضرا أو باديا ولا يجبهه ولا يحرجه ولا ينفره بكلام يوحشه بل يجيبه ويفهمه ويعرفه الخطأ من الصواب بلطف وانبساط، وكان يلزم التواضع في حضوره من الناس ومغيبه عنهم في قيامه وقعوده ومشيه ومجلسه ومجلس غيره. وحكى البزار عن بعض أصحابه قال: ولقد بالغ معي في حال إقامتي بحضرته في التواضع والإكرام – يعني ابن تيمية - حتى إنه لا يذكرني باسمي، بل يلقبني بأحسن الألقاب، وأظهر لي من الأخلاق والمبالغة في التواضع بحيث أنه كان إذا خرجنا من منزله بقصد القراءة يحمل هو بنفسه النسخة ولا يدع أحدا منا يحملها عنه، وكنت أعتذر إليه من ذلك خوفا من سوء الأدب فيقول: لو حملته على رأسي لكان ينبغي، ألا أحمل ما فيه كلام رسول الله صلى الله وعليه وسلم ـ؟ وكان يجلس تحت الكرسي ويدع صد المجلس، حتى إني لأستحي من مجلسه هناك، وأعجب من شدة تواضعه، وكان هذا حاله في التواضع والتنازل والإكرام لكل من يرد عليه أو يصحبه أو يلقاه، حتى أن كل من لقيه يحكي عنه من المبالغة في التواضع نحو مما حكيته وأكثر من ذلك، فسبحان من وفقه وأعطاه وأجراه على خلال الخير وحباه) (١).

стр. 169

نماذج من تواضع العلماء المعاصرين: تواضع الشيخ ابن باز: (كان الشيخ ابن باز ﵀ آية في التواضع فلا يكاد يعرف له مثيل في زمانه في هذه الخصلة؛ فهو لا يرى لنفسه فضلا، ولا يرغب في المديح، ولا في التميز على الناس، وكان محبا للفقراء والمساكين، حريصاً على مجالستهم، والأكل معهم. ومن صور تواضعه: - لا يحتقر النصيحة، أو الفائدة من أي أحد حتى من الصغير: في يوم من الأيام اتصل شاب صغير بسماحة الشيخ، وقال: يا سماحة الشيخ! الناس بأشد حاجة إلى علماء يفتونهم، وأقترح على سماحتكم أن تجعلوا في كل مدينة مفتياً؛ ليسهل الاتصال. فقال له سماحة الشيخ: ما شاء الله أصلحك الله، كم عمرك؟ فقال ثلاثة عشر عاماً. - يقول الراوي للقصة - فقال لي سماحة الشيخ: هذا اقتراح طيب، يستحق الدراسة، اكتب إلى الأمين العام لهيئة كبار العلماء بهذا، فكتبت ما أملى به، ومما جاء في كتابه: أما بعد فقد اتصل بي بعض الناصحين، وقال: إنه يقترح وضع مفتين في كل بلد، ونرى عرضه على اللجنة الدائمة؛ لنتبادل الرأي في الموضوع) (١). - (تواضعه للمرأة والمسكين والسائل، ... قيل له وهو خارج من مسجد الجامع، هناك امرأة تريد إجابة عن أسئلتها، فما كان منه إلا أن اتكأ على عصاه وأصغى لها، وأجاب عن أسئلتها حتى انصرفت!) (٢). تواضع الشيخ ابن عثيمين: كان الشيخ ابن عثيمين ﵀ يتحلى بالصفات والأخلاق النبيلة فكان من صفاته الصدق والإعراض عن الدنيا والتواضع، ومن صور تواضعه: - طفل صغير يأخذ بيد الشيخ ويذهب به إلى والده: (يأتيه طفل صغير لم يبلغ السادسة من عمره فيمسك يد الشيخ من وسط طلابه مخاطبا إياه: أبي قدم إلى عنيزة للسلام عليك، أرجو أن تسلم عليه قبل أن تخرج، والشيخ يبتسم له ويلاطفه والطفل آخذ بيد الشيخ إلى والده، فيتفاجأ والد الطفل بالشيخ أمامه، فيتعجب الوالد من هذا الخلق النبيل الذي يتحلى به الشيخ) (٣). - تتوقف سيارة أحد محبيه فينزل ويدفع السيارة: (ركب الشيخ مع أحد محبيه سيارة قديمة كثيرة الأعطال فتتوقف أثناء الطريق، فقال الشيخ للسائق: ابق مكانك وأنزل أنا لأدفع السيارة، فنزل الشيخ ودفع السيارة بنفسه حتى تحركت، وهذا قمة التواضع) (٤). - يقطع الدرس ليشارك طلابه في إصلاح أنبوبة منكسرة: (ففي أثناء درسه في المسجد الذي بجوار بيته ذهب أحد الطلاب إلى دورة المياه – الحمام- فإذا أنبوبة منكسرة يتدفق منها الماء، فأخبر الشيخ بذلك أثناء الدرس، فما كان من الشيخ ﵀ إلا أن قطع الدرس وذهب إلى منزله وأحضر عدة الإصلاح وشارك الطلاب بنفسه في إصلاح هذا العطل) (٥).

стр. 170

التواضع في واحة الشعر .. ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً ... فكم تحتها قوم هم منك أرفع فإن كنت في عز وخير ومنعة ... فكم مات من قوم هم منك أوضع (١) تواضع تكن كالنجم تواضع تكن كالنجم لاح لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدخان يعلو بنفسه ... إلى طبقات الجو وهو وضيع رفيع القوم من يتواضع تواضع إذا ما نلت في الناس رفعة ... فإن رفيع القوم من يتواضع من يلتمس التواضع يكن رفيعا وكفى بملتمس التواضع رفعة ... وكفى بملتمس العلوِّ سفالا جلالة القدر في التواضع وأحسن مقرونين في عين ناظرٍ ... جلالة قدرٍ في خمول تواضع التواضع من شيم العقل تواضع إذا ماكان قدرك عالياً ... فإن اتضاع المرء من شيم العقل التواضع من خصال المتقين إن التواضع من خصال المتقي ... وبه التَّقِيُّ إلى المعالي يرتقي ...

стр. 171

معنى الجود، والكرم، والسخاء، والبذل ، لغة واصطلاحاً معنى الجود لغة واصطلاحاً: معنى الجود لغة: الجود: شيءٌ جيدٌ على فيعلٍ، والجمع جيادٌ، والجود: المطر العزيز، وجاد الرجل بماله يجود جوداً بالضم، فهو جوادٌ، وقوم جود (١). وقيل: الجواد: هو الذي يعطي بلا مسألة صيانة للآخذ من ذل السؤال (٢). ويفسر الجود أيضاً في البيت بالسخاء (٣). معنى الجود اصطلاحاً: قال الجرجاني: (الجود: صفة، هي مبدأ إفادة ما ينبغي لا بعوض) (٤). (وقال الكرماني: الجود: إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي) (٥). وقيل هو: (صفة تحمل صاحبها على بذل ما ينبغي من الخير لغير عوض) (٦). معنى الكرم لغة واصطلاحاً: معنى الكرم لغة: والكرم: مصدر الكريم، يقال: رجل كرم, وقوم كرم وامرأة كرم (٧). والكرم: ضد اللؤم، كرم الرجل يكرم كرماً فهو كريم (٨). والكرامة: اسم للإكرام (٩). معنى الكرم اصطلاحاً: قال الجرجاني: (الكرم: هو الإعطاء بسهولة) (١٠). وقال المناوي هو: (إفادة ما ينبغي لا لغرض) (١١). وقال القاضي عياض هو: (الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره ونفعه) (١٢). معنى السخاء لغة واصطلاحاً: معنى السخاء لغة: السخاوة والسخاء: الجود. والسخي: الجواد، والجمع أسخياء وسخواء. وفلانٌ يتسخى على أصحابه أي يتكلف السخاء، وإنه لسخي النفس عنه (١٣). معنى السخاء اصطلاحاً: قال المناوي: (السخاء: الجود أو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي أو بذل التأمل قبل إلحاف السائل) (١٤). وقال الراغب: (السخاء: هيئة للإنسان داعية إلى بذل المقتنيات، حصل معه البذل أو لم يحصل، وذلك خلق) (١٥). وقال القاضي عياض: (السخاء: سهولة الإنفاق، وتجنب اكتساب ما لا يحمد) (١٦). معنى البذل لغة واصطلاحاً: معنى البذل لغة: بذل الشيء أعطاه وجاد به (١٧). والبذل نقيض المنع، وكل من طابت نفسه لشيءٍ فهو باذلٌ (١٨). ورجلٌ بذال، وبذول إذا كثر بذله للمال (١٩). يقال: بذل له شيئاً، أي: أعطاه إياه (٢٠). معنى البذل اصطلاحاً: قال المناوي: (البذل: الإعطاء عن طيب نفس) (٢١).

стр. 172

الفرق بين صفة الجود وبعض الصفات الفرق بين الجود والسخاء: قال الراغب: (السخاء: اسم للهيئة التي عليها الإنسان. والجود: اسم للفعل الصادر عنها. وإن كان قد يسمى كل واحد باسم الآخر من فضله) (١). وقال أبو هلال العسكري: (الفرق بين السخاء والجود: أن السخاء هو أن يلين الإنسان عند السؤال ويسهل مهره للطالب من قولهم سخوت النار أسخوها سخوا إذا ألينتها وسخوت الأديم لينته وأرض سخاوية لينة ولهذا لا يقال لله تعالى سخي. والجود كثرة العطاء من غير سؤال من قولك جادت السماء إذا جادت بمطر غزير، والفرس الجواد الكثير الإعطاء للجري والله تعالى جواد لكثرة عطائه فيما تقتضيه الحكمة. ويظهر من كلام بعضهم: الترادف. وفرق بعضهم بينهما: بأن من أعطى البعض وأبقى لنفسه البعض فهو صاحب سخاء. ومن بذل الأكثر وأبقى لنفسه شيئا، فهو صاحب جود) (٢). الفرق بين الجود والكرم: قال الكفوي: (الجود: هو صفة ذاتية للجواد ولا يستحق بالاستحقاق ولا بالسؤال. والكرم: مسبوق باستحقاق السائل والسؤال منه) (٣). وقال أبو هلال العسكري في الفرق بينهما: (أن الجواد هو الذي يعطي مع السؤال. والكريم: الذي يعطي من غير سؤال. وقيل بالعكس. وقيل: الجود إفادة ما ينبغي لا لغرض. والكرم: إيثار الغير بالخير) (٤). الفرق بين الجود والإفضال والإنعام: قال الكفوي: (والإفضال أعم من الإنعام والجود، وقيل: هو أخص منهما لأن الإفضال إعطاء بعوض وهما عبارة عن مطلق الإعطاء. والكرم: إن كان بمال فهو جود. وإن كان بكف ضرر مع القدرة فهو عفو وإن كان ببذل النفس فهو شجاعة) (٥).

стр. 173

الألفاظ المترادفة في الجود والكرم (جواد، وفياض، وسخي، وكريم، وجحجاج، وحر، ومعطاء، ونفاح، وخضرم، وهين، وسهل، وسري، وسميدع، ولبيب) (١).

стр. 174

الحث على الجود والكرم والسخاء من القرآن والسنة الترغيب والحث على الجود والكرم والسخاء من القرآن الكريم: - هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: ٢٤ - ٢٦]. قال الطبري: (عن مجاهدٍ، قوله: ضيف إبراهيم المكرمين قال: أكرمهم إبراهيم، وأمر أهله لهم بالعجل حينئذٍ) (١). قال الزجاج: (جاء في التفسير أنه لما أتته الملائكة أكرمهم بالعجل. وقيل: أكرمهم بأنه خدمهم، صلوات الله عليه وعليهم) (٢). - وقال تعالى: مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٦١]. قال الطبري: (قال: يزيد من يشاء، كان هذا كله عطاءً، ولم يكن أعمالًا يحسبه لهم، فجزاهم به حتى كأنهم عملوا له، قال: ولم يعملوا إنما عملوا عشرًا، فأعطاهم مائةً، وعملوا مائةً، فأعطاهم ألفًا، هذا كله عطاءٌ، والعمل الأول، ثم حسب ذلك حتى كأنهم عملوا، فجزاهم كما جزاهم بالذي عملوا) (٣). وقال الزجاج: (أي جواد لا ينقصه ما يتفضل به من السعة، عليم حيث يضعه) (٤). وقال ابن كثير: (هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ) (٥). - وقال تعالى: وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٧٢]. قال ابن أبي حاتم (عن ابن عباسٍ، عن النبي ﷺ ، أنه كان يأمر بألا يصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية ليس عليك هداهم إلى قوله: وما تنفقوا من خيرٍ يوف إليكم وأنتم لا تظلمون فأمر بالصدقة بعدها، على كل من سألك من كل دينٍ) (٦). وقال السيوطي: (وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ قال: هو مردود عليك فمالك ولهذا تؤذيه وتمن عليه إنما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه الله والله يجزيك) (٧). - وقال تعالى: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٢٧٤]. قال ابن كثير: (هذا مدحٌ منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليلٍ أو نهارٍ، والأحوال من سر وجهارٍ، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا) (٨). وقال السمرقندي: (هذا حث لجميع الناس على الصدقة يتصدقون في الأحوال كلها وفي الأوقات كلها فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون) (٩). وقال الرازي: (الآية عامةٌ في الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة تحرضهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاجٍ عجلوا قضاءها ولم يؤخروها ولم يعلقوها بوقتٍ ولا حالٍ) (١٠). الترغيب والحث على الجود والكرم والسخاء من السنة النبوية:

стр. 175

- عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((دينارٌ أنفقته في سبيل الله ودينارٌ أنفقته في رقبةٍ، ودينارٌ تصدقت به على مسكينٍ، ودينارٌ أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك)) (١). قال النووي: (في هذا الحديث فوائد منها الابتداء في النفقة بالمذكور على هذا الترتيب ومنها أن الحقوق والفضائل إذا تزاحمت قدم الأوكد فالأوكد ومنها أن الأفضل في صدقة التطوع أن ينوعها في جهات الخير ووجوه البر بحسب المصلحة ولا ينحصر في جهةٍ بعينها) (٢). - وعن أبي ذر، قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالسٌ في ظل الكعبة، فلما رآني قال: ((هم الأخسرون ورب الكعبة. قال: فجئت حتى جلست، فلم أتقار أن قمت، فقلت: يا رسول الله، فداك أبي وأمي، من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالًا، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا - من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله - وقليلٌ ما هم، ما من صاحب إبلٍ، ولا بقرٍ، ولا غنمٍ لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت، وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما نفدت أخراها، عادت عليه أولاها، حتى يقضى بين الناس)) (٣). قال النووي: (فيه الحث على الصدقة في وجوه الخير) (٤). وقال المباركفوري: (فقوله: (قال هكذا) الخ كناية عن التصدق العام في جميع جهات الخير) (٥). - وعن أبي سعيدٍ الخدري، قال: بينما نحن في سفرٍ مع النبي ﷺ إذ جاء رجلٌ على راحلةٍ له، قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله ﷺ : ((من كان معه فضل ظهرٍ، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ من زادٍ، فليعد به على من لا زاد له)) (٦). قال النووي: (في هذا الحديث الحث على الصدقة والجود والمواساة والإحسان إلى الرفقة والأصحاب والاعتناء بمصالح الأصحاب وأمر كبير القوم أصحابه بمواساة المحتاج وأنه يكتفي في حاجة المحتاج بتعرضه للعطاء وتعريضه من غير سؤالٍ) (٧). - وعن جابر ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : ((لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا فلم يجئ مال البحرين حتى قبض النبي ﷺ فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر ﵁ فنادى من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتنا فأتيته وقلت له أن النبي ﷺ قال لي كذا فحثى لي حثية فعددتها فإذا هي خمسمائة فقال لي خذ مثيلها)) (٨). قال ابن عثيمين في شرح هذا الحديث: (وفيه دليل على كرم النبي ﷺ حيث يحثو المال حثيا ولا يعده عدا لأنه قال بيديه وهذا يدل على الكرم وأن المال لا يساوي عنده شيئا صلوات الله وسلامه عليه) (٩).

стр. 176

- وقال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى جوادٌ يحب الجود ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها)) (١). قال المناوي: ((إن الله جواد) أي كثير الجود أي العطاء (يحب الجود) الذي هو سهولة البذل والإنفاق وتجنب ما لا يحمد من الأخلاق وهو يقرب من معنى الكرم والجود يكون بالعبادة والصلاح وبالسخاء بالدنيا والسماح) (٢).

стр. 177

أقوال السلف والعلماء في الكرم والجود والسخاء - قال أبو بكر الصديق ﵁: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء (١). - وعنه ﵁: الجود حارس الأعراض) (٢). - و (قال علي ﵁: السخاء ما كان ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتذمم) (٣). - وروي عنه مرفوعاً: الكرم أعطف من الرحم (٤). - (وقيل لحكيم: أي فعل للبشر أشبه بفعل الباري تعالى، فقال: الجود) (٥). - وقال يحيى البرمكي: (أعط من الدنيا وهي مقبلة، فإن ذلك لا ينقصك منها شيئا. فكان الحسن بن سهل يتعجب من ذلك ويقول: لله دره! ما أطبعه على الكرم وأعلمه بالدنيا!.) (٦). - و (قال محمد بن يزيد الواسطي: حدثني صديق لي: «أن أعرابيا انتهى إلى قوم فقال: يا قوم أرى وجوها وضيئة، وأخلاقا رضية، فإن تكن الأسماء على أثر ذلك فقد سعدت بكم أمكم، تسموا بأبي أنتم، قال أحدهم: أنا عطية، وقال الآخر: أنا كرامة، وقال الآخر: أنا عبد الواسع، وقال الآخر: أنا فضيلة، فأنشأ يقول: كرم وبذل واسع وعطية ... لا أين أذهب أنتم أعين الكرم من كان بين فضيلة وكرامة ... لا ريب يفقؤ أعين العدم قال: فكسوه وأحسنوا إليه وانصرف شاكراً) (٧). - و (قال أبو سليمان الداراني: جلساء الرحمن يوم القيامة من جعل في قلبه خصالاً: الكرم والسخاء والحلم والرأفة والشكر والبر والصبر) (٨). - و (كان يقال: من جاد بماله جاد بنفسه، وذلك أنه جاد بما لا قوام لنفسه إلا به) (٩). - و (قال الماوردي- رحمه الله تعالى-: اعلم أن الكريم يجتزي بالكرامة واللطف، واللئيم يجتزي بالمهانة والعنف، فلا يجود إلا خوفاً، ولا يجيب إلا عنفاً، كما قال الشاعر: رأيتك مثل الجوز يمنع لبه ... صحيحا ويعطي خيره حين يكسر فاحذر أن تكون المهانة طريقاً إلى اجتدائك، والخوف سبيلاً إلى عطائك، فيجري عليك سفه الطغام، وامتهان اللئام، وليكن جودك كرماً ورغبة، لا لؤماً ورهبة) (١٠). - و (عن حسن بن صالحٍ، قال: سئل الحسن عن حسن الخلق، فقال: الكرم، والبذلة، والاحتمال) (١١). - (وقال جعفر بن محمد الصادق: إن لله وجوها من خلقه، خلقهم لقضاء حوائج عباده، يرون الجود مجداً، والإفضال مغنماً، والله يحب مكارم الأخلاق) (١٢). - وقال بكر بن محمد العابد: (ينبغي أن يكون المؤمن من السخاء هكذا، وحثا بيديه) (١٣). - وقال بعض الحكماء: (أصل المحاسن كلها الكرم، وأصل الكرم نزاهة النفس عن الحرام وسخاؤها بما تملك على الخاص والعام، وجميع خصال الخير من فروعه) (١٤). - وقال ابن المبارك: (سخاء النفس عما في أيدي الناس أعظم من سخاء النفس بالبذل) (١٥). - وقال بعض العلماء: (الكرم هو اسم واقع على كل نوع من أنواع الفضل، ولفظ جامع لمعاني السماحة والبذل) (١٦). - وقالوا: (السخي من كان مسروراً ببذله، متبرعاً بعطائه، لا يلتمس عرض دنياه فيحبط عمله، ولا طلب مكافأة فيسقط شكره، ولا يكون مثله فيما أعطى مثل الصائد الذي يلقى الحب للطائر، ولا يريد نفعها ولكن نفع نفسه) (١٧).

стр. 178

أقسام الجود الجود خمسة أضرب: (جود الإله تعالى: وهو البذل لكل أحد على قدر استحقاقه. وجود الملوك: وهو بسط المال على العفاة غنيهم وفقيرهم. وجود السوقة: الذين هما دون الملوك: وهو بذل المال للسؤال. وجود الصعاليك: وهو البذل للندامى والعاشرين والشرب. وجود عوام الناس: وهو الإحسان إلى الأقارب) (١).

стр. 179

فوائد الكرم والجود والسخاء ١ - أن الكرم والجود والعطاء من كمال الإيمان وحسن الإسلام. ٢ - دليل حسن الظن بالله تعالى ٣ - الكرامة في الدنيا ورفع الذكر في الآخرة. ٤ - الكريم محبوب من الخالق الكريم وقريب من الخلق أجمعين. ٥ - الكريم قليل الأعداء والخصوم لأن خيره منشور على العموم. ٦ - الكريم نفعه متعد غير مقصور. ٧ - حسن ثناء الناس عليه. ٨ - دليل عراقة الأصل. ٩ - يبعث على التكافل الاجتماعي والتواد بين الناس. ١٠ - هو صفة كمال في الإنسان. ١١ - دليل زهد الإنسان في الدنيا. ١٢ - هو موافق للفطرة الصحيحة لذلك كان العرب يتمادحون به. ١٣ - الكرم يزيد البركة في الرزق والعمر. ١٤ - يولد في الفرد شعوراً بأنه جزء من الجماعة، وليس فرداً منعزلاً عنهم إلا في حدود مصالحه ومسؤولياته الشخصية. ١٥ - يزكي الأنفس ويطهرها من رذائل الأنانية المقيتة، والأثرة القبيحة، والشح الذميم. ١٦ - حل مشكلة حاجات ذوي الحاجات من أفراد المجتمع الواحد. ١٧ - إقامة سد واق يمنع الأنفس عن الجنوح الخطير في مجال حب التملك والأثرة (١).

стр. 180

صور الكرم والجود والسخاء المجالات التي يشملها الكرم والجود والعطاء متنوعة وكثيرة فمنها: ١ - (العطاء من المال من كل ما يمتلك الإنسان من أشياء ينتفع بها، كالذهب والفضة، والخيل، والأنعام، والحرث، وكل مأكول، أو مشروب، أو ملبوس، أو مركوب، أو مسكون، أو يؤوي إليه، وكل آلة أو سبب أو وسيلة ينتفع بها، وكل ما يتداوى به أو يقي ضراً أو يدفع بأساً، إلى غير ذلك من أشياء يصعب إحصاؤها. ٢ - ومنها العطاء من العلم والمعرفة، وفي هذا المجال من يحبون العطاء، وفيه بخلاء ممسكون ضنينون، والمعطاء في هذا المجال هو الذي لا يدخر عنده علماً ولا معرفة عمن يحسن الانتفاع بذلك، والبخيل هو الذي يحتفظ بمعارفه وعلومه لنفسه، فلا ينفق منها لمستحقيها، ضناً بها ورغبة بالاستئثار. ٣ - ومنها عطاء النصيحة، فالإنسان الجواد كريم النفس لا يبخل على أخيه الإنسان بأي نصيحة تنفعه في دينه أو دنياه، بل يعطيه نصحه الذي نفعه مبتغياً به وجه الله تعالى. ٤ - ومنها العطاء من النفس، فالجود يعطي من جاهه، ويعطي من عطفه وحنانه، ويعطي من حلو كلامه وابتسامته وطلاقة وجهه، ويعطي من وقته وراحته، ويعطي من سمعه وإصغائه، ويعطي من حبه ورحمته، ويعطي من دعائه وشفاعته، وهكذا إلى سائر صور العطاء من النفس. ٥ - ومنها العطاء من طاقات الجسد وقواه، فالجواد يعطي من معونته، ويعطي من خدماته، ويعطي من جهده، فيعين الرجل في دابته فيحمله عليها أو يحمل له عليها، ويميط الأذى عن طريق الناس وعن المرافق العامة، ويأخذ بيد العاجز حتى يجتاز به إلى مكان سلامته، ويمشي في مصالح الناس، ويتعب في مساعدتهم، ويسهر من أجل معونتهم، ومن أجل خدمتهم، وهكذا إلى سائر صور العطاء من الجسد. ٦ - ويرتقي العطاء حتى يصل على مستوى التضحية بالحياة كلها: كالمجاهد المقاتل في سبيل الله يجود بحياته لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، ابتغاء مرضاة ربه، والذي يؤثر أخاه بشربة الماء، وهو على وشك الهلاك، لينقذ أخاه من الموت، يضحي ويجود بحياته من أجل غيره) (١).
следующие страницы →