стр. 176
← Ракаик, адаб, азкар следующие страницы →
Ракаик, адаб, азкар · id 38218
موسوعة الأخلاق الإسلامية
مجموعة من المؤلفين
Полный текст (1 050 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 177
أقوال السلف والعلماء في الكرم والجود والسخاء
- قال أبو بكر الصديق ﵁: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء (١).
- وعنه ﵁: الجود حارس الأعراض) (٢).
- و (قال علي ﵁: السخاء ما كان ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتذمم) (٣).
- وروي عنه مرفوعاً: الكرم أعطف من الرحم (٤).
- (وقيل لحكيم: أي فعل للبشر أشبه بفعل الباري تعالى، فقال: الجود) (٥).
- وقال يحيى البرمكي: (أعط من الدنيا وهي مقبلة، فإن ذلك لا ينقصك منها شيئا. فكان الحسن بن سهل يتعجب من ذلك ويقول: لله دره! ما أطبعه على الكرم وأعلمه بالدنيا!.) (٦).
- و (قال محمد بن يزيد الواسطي: حدثني صديق لي: «أن أعرابيا انتهى إلى قوم فقال: يا قوم أرى وجوها وضيئة، وأخلاقا رضية، فإن تكن الأسماء على أثر ذلك فقد سعدت بكم أمكم، تسموا بأبي أنتم، قال أحدهم: أنا عطية، وقال الآخر: أنا كرامة، وقال الآخر: أنا عبد الواسع، وقال الآخر: أنا فضيلة، فأنشأ يقول:
كرم وبذل واسع وعطية ... لا أين أذهب أنتم أعين الكرم
من كان بين فضيلة وكرامة ... لا ريب يفقؤ أعين العدم
قال: فكسوه وأحسنوا إليه وانصرف شاكراً) (٧).
- و (قال أبو سليمان الداراني: جلساء الرحمن يوم القيامة من جعل في قلبه خصالاً: الكرم والسخاء والحلم والرأفة والشكر والبر والصبر) (٨).
- و (كان يقال: من جاد بماله جاد بنفسه، وذلك أنه جاد بما لا قوام لنفسه إلا به) (٩).
- و (قال الماوردي- رحمه الله تعالى-: اعلم أن الكريم يجتزي بالكرامة واللطف، واللئيم يجتزي بالمهانة والعنف، فلا يجود إلا خوفاً، ولا يجيب إلا عنفاً، كما قال الشاعر:
رأيتك مثل الجوز يمنع لبه ... صحيحا ويعطي خيره حين يكسر
فاحذر أن تكون المهانة طريقاً إلى اجتدائك، والخوف سبيلاً إلى عطائك، فيجري عليك سفه الطغام، وامتهان اللئام، وليكن جودك كرماً ورغبة، لا لؤماً ورهبة) (١٠).
- و (عن حسن بن صالحٍ، قال: سئل الحسن عن حسن الخلق، فقال: الكرم، والبذلة، والاحتمال) (١١).
- (وقال جعفر بن محمد الصادق: إن لله وجوها من خلقه، خلقهم لقضاء حوائج عباده، يرون الجود مجداً، والإفضال مغنماً، والله يحب مكارم الأخلاق) (١٢).
- وقال بكر بن محمد العابد: (ينبغي أن يكون المؤمن من السخاء هكذا، وحثا بيديه) (١٣).
- وقال بعض الحكماء: (أصل المحاسن كلها الكرم، وأصل الكرم نزاهة النفس عن الحرام وسخاؤها بما تملك على الخاص والعام، وجميع خصال الخير من فروعه) (١٤).
- وقال ابن المبارك: (سخاء النفس عما في أيدي الناس أعظم من سخاء النفس بالبذل) (١٥).
- وقال بعض العلماء: (الكرم هو اسم واقع على كل نوع من أنواع الفضل، ولفظ جامع لمعاني السماحة والبذل) (١٦).
- وقالوا: (السخي من كان مسروراً ببذله، متبرعاً بعطائه، لا يلتمس عرض دنياه فيحبط عمله، ولا طلب مكافأة فيسقط شكره، ولا يكون مثله فيما أعطى مثل الصائد الذي يلقى الحب للطائر، ولا يريد نفعها ولكن نفع نفسه) (١٧).
стр. 178
أقسام الجود
الجود خمسة أضرب:
(جود الإله تعالى: وهو البذل لكل أحد على قدر استحقاقه.
وجود الملوك: وهو بسط المال على العفاة غنيهم وفقيرهم.
وجود السوقة: الذين هما دون الملوك: وهو بذل المال للسؤال.
وجود الصعاليك: وهو البذل للندامى والعاشرين والشرب.
وجود عوام الناس: وهو الإحسان إلى الأقارب) (١).
стр. 179
فوائد الكرم والجود والسخاء
١ - أن الكرم والجود والعطاء من كمال الإيمان وحسن الإسلام.
٢ - دليل حسن الظن بالله تعالى
٣ - الكرامة في الدنيا ورفع الذكر في الآخرة.
٤ - الكريم محبوب من الخالق الكريم وقريب من الخلق أجمعين.
٥ - الكريم قليل الأعداء والخصوم لأن خيره منشور على العموم.
٦ - الكريم نفعه متعد غير مقصور.
٧ - حسن ثناء الناس عليه.
٨ - دليل عراقة الأصل.
٩ - يبعث على التكافل الاجتماعي والتواد بين الناس.
١٠ - هو صفة كمال في الإنسان.
١١ - دليل زهد الإنسان في الدنيا.
١٢ - هو موافق للفطرة الصحيحة لذلك كان العرب يتمادحون به.
١٣ - الكرم يزيد البركة في الرزق والعمر.
١٤ - يولد في الفرد شعوراً بأنه جزء من الجماعة، وليس فرداً منعزلاً عنهم إلا في حدود مصالحه ومسؤولياته الشخصية.
١٥ - يزكي الأنفس ويطهرها من رذائل الأنانية المقيتة، والأثرة القبيحة، والشح الذميم.
١٦ - حل مشكلة حاجات ذوي الحاجات من أفراد المجتمع الواحد.
١٧ - إقامة سد واق يمنع الأنفس عن الجنوح الخطير في مجال حب التملك والأثرة (١).
стр. 180
صور الكرم والجود والسخاء
المجالات التي يشملها الكرم والجود والعطاء متنوعة وكثيرة فمنها:
١ - (العطاء من المال من كل ما يمتلك الإنسان من أشياء ينتفع بها، كالذهب والفضة، والخيل، والأنعام، والحرث، وكل مأكول، أو مشروب، أو ملبوس، أو مركوب، أو مسكون، أو يؤوي إليه، وكل آلة أو سبب أو وسيلة ينتفع بها، وكل ما يتداوى به أو يقي ضراً أو يدفع بأساً، إلى غير ذلك من أشياء يصعب إحصاؤها.
٢ - ومنها العطاء من العلم والمعرفة، وفي هذا المجال من يحبون العطاء، وفيه بخلاء ممسكون ضنينون، والمعطاء في هذا المجال هو الذي لا يدخر عنده علماً ولا معرفة عمن يحسن الانتفاع بذلك، والبخيل هو الذي يحتفظ بمعارفه وعلومه لنفسه، فلا ينفق منها لمستحقيها، ضناً بها ورغبة بالاستئثار.
٣ - ومنها عطاء النصيحة، فالإنسان الجواد كريم النفس لا يبخل على أخيه الإنسان بأي نصيحة تنفعه في دينه أو دنياه، بل يعطيه نصحه الذي نفعه مبتغياً به وجه الله تعالى.
٤ - ومنها العطاء من النفس، فالجود يعطي من جاهه، ويعطي من عطفه وحنانه، ويعطي من حلو كلامه وابتسامته وطلاقة وجهه، ويعطي من وقته وراحته، ويعطي من سمعه وإصغائه، ويعطي من حبه ورحمته، ويعطي من دعائه وشفاعته، وهكذا إلى سائر صور العطاء من النفس.
٥ - ومنها العطاء من طاقات الجسد وقواه، فالجواد يعطي من معونته، ويعطي من خدماته، ويعطي من جهده، فيعين الرجل في دابته فيحمله عليها أو يحمل له عليها، ويميط الأذى عن طريق الناس وعن المرافق العامة، ويأخذ بيد العاجز حتى يجتاز به إلى مكان سلامته، ويمشي في مصالح الناس، ويتعب في مساعدتهم، ويسهر من أجل معونتهم، ومن أجل خدمتهم، وهكذا إلى سائر صور العطاء من الجسد.
٦ - ويرتقي العطاء حتى يصل على مستوى التضحية بالحياة كلها: كالمجاهد المقاتل في سبيل الله يجود بحياته لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، ابتغاء مرضاة ربه، والذي يؤثر أخاه بشربة الماء، وهو على وشك الهلاك، لينقذ أخاه من الموت، يضحي ويجود بحياته من أجل غيره) (١).
стр. 181
الأسباب المعينة على الكرم والجود والسخاء
دوافع البذل والعطاء عند الإنسان كثيرة؛ منها (١):
١ - نفسه الطيبة.
٢ - حب عمل الخير.
٣ - توفيق الله له بالبذل والنفقة.
٤ - حث أهل الخير له على النفقة والعطاء والكرم.
٥ - مقتضيات المجتمع الإسلامي وحاجاته الملحة إلى التعاون؛ والتكامل لبناء الاقتصاد الإسلامي بناء قويًا وعزيزًا.
стр. 182
نماذج من كرم الأنبياء والمرسلين:
إبراهيم الخليل ﵇
قال رسول الله ﷺ : ((كان أول من أضاف الضيف إبراهيم)) (١).
قال المناوي: (كان يسمى أبا الضيفان، كان يمشي الميل والميلين في طلب من يتغدى معه ... وفي الكشاف: كان لا يتغدى إلا مع ضيف) (٢).
قال تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ .. [الذاريات: ٢٤].
قال مجاهد: سماهم مكرمين لخدمة إبراهيم إياهم بنفسه (٣).
وقال الرازي: (أكرموا إذ دخلوا، وهذا من شأن الكريم أن يكرم ضيفه وقت الدخول، فإن قيل: بماذا أكرموا؟ قلنا: ببشاشة الوجه أولا، وبالإجلاس في أحسن المواضع وألطفها ثانياً، وتعجيل القرى ثالثاً، وبعد التكليف للضيف بالأكل والجلوس) (٤).
يوسف بن يعقوب ﵉ وكرم الأصل
قال رسول الله ﷺ : ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) (٥).
وقال ﷺ : ((أكرم الناس يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) (٦).
قال المناوي: (وأي كريم أكرم ممن حاز مع كونه ابن ثلاثة أنبياء متراسلين شرف النبوة وحسن الصورة وعلم الرؤيا ورئاسة الدنيا وحياطة الرعايا في القحط والبلاء؟ قال الشاعر:
إن السرى إذا سرى فبنفسه. . . وابن السرى إذا سرى أسراهما) (٧).
وقال أيضاً: (أي أكرمهم أصلا يوسف فإنه جمع شرف النبوة وشرف النسب وكونه ابن ثلاثة أنبياء متناسقة فهو رابع نبي في نسق واحد ولم يقع ذلك لغيره وضم له أشرف علم الرؤيا ورئاسة الدنيا وحياطة الرغبة وشفقته عليهم) (٨).
(كان يوسف ﵇ وهو على خزائن الأرض لا يشبع، ويقول: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع.
وكان جود يوسف وكرمه جود فتوة، جود صبر على شهوات النفس، وصبر عن المعصية، وهو جود سادات الرجال) (٩).
стр. 183
نماذج من كرم العرب وجودهم في العصر الجاهلي:
لقد كان الكرم من أبرز الصفات في العصر الجاهلي، بل كانوا يتباهون بالكرم والجود والسخاء، ورفعوا من مكانة الكرم وكانوا يصفون بالكرم عظماء القوم، واشتهر بعض العرب بهذه الصفة الحميدة حتى صار مضرباً للمثل، ونذكر بعض النماذج من هؤلاء الذين اشتهروا بفيض كرمهم وسخاء نفوسهم، ومن أولئك:
حاتم الطائي:
كان حاتم الطائي من أشهر من عرف عند العرب بالجود والكرم حتى صار مضرب المثل في ذلك.
(قالت النوار امرأته: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق السماء، وراحت الإبل حدبا حدابير (١)، وضنت المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة، وجلفت السنة المال (٢)، وأيقنا أنه الهلاك. فو الله إني لفي ليلة صنبر بعيدة ما بين الطرفين (٣)، إذ تضاغى أصيبيتنا (٤) من الجوع، عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت إلى الصبية، فو الله ما سكنوا إلا بعد هدأة من الليل، ثم ناموا ونمت أنا معه، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت، فلما تهورت النجوم (٥) إذا شيء قد رفع كسر البيت (٦)، فقال: من هذا؟ فولى ثم عاد، فقال: من هذا؟ فولى ثم عاد في آخر الليل، فقال: من هذا؟ فقالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند أصيبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع، فما وجدت معولا إلا عليك أبا عدي، فقال: والله لأشبعنهم، فقلت: من أين؟ قال: لا عليك، فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم، فأقبلت المرأة تحمل ابنين ويمشي جانبيها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمديته، فخر، ثم كشطه، ودفع المدية إلى المرأة فقال: شأنك (الآن)، فاجتمعنا على اللحم، فقال: سوأة! أتأكلون دون الصرم؟! (٧) ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا ويقول؛ هبوا أيها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا، والتفع بثوبه ناحية ينظر إلينا، لا والله ما ذاق منه مزعة (٨)، وإنه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس، إلا عظم أو حافر، (فعذلته على ذلك)، فأنشأ حاتم يقول:
مهلا نوار أقلى اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات: ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا، وإن كنت أعطي الجن والخبلا (٩)
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
لا تعذليني في مال وصلت به ... رحماً، وخير سبيل المال ما وصلا (١٠) (١١)
стр. 184
و (قيل سأل رجل حاتماً الطائي فقال: يا حاتم هل غلبك أحد في الكرم؟ قال: نعم غلام يتيم من طيء نزلت بفنائه وكان له عشرة أرؤس من الغنم، فعمد إلى رأس منها فذبحه. وأصلح من لحمه، وقدم إلي، وكان فيما قدم إلي الدماغ، فتناولت منه فاستطبته، فقلت: طيب والله. فخرج من بين يدي، وجعل يذبح رأساً رأساً، ويقدم إلي الدماغ وأنا لا أعلم. فلما خرجت لأرحل نظرت حول بيته دماً عظيماً وإذا هو قد ذبح الغنم بأسره. فقلت له: لم فعلت ذلك؟ فقال: يا سبحان الله تستطيب شيئاً أملكه فأبخل عليك به، إن ذلك لسبة على العرب قبيحة. قيل يا حاتم: فما الذي عوضته؟ قال: ثلاثمائة ناقة حمراء وخمسمائة رأس من الغنم، فقيل أنت إذاً أكرم منه فقال: بل هو أكرم، لأنه جاد بكل ما يملكه وإنما جدت بقليل من كثير) (١).
عبد الله بن جدعان:
من الكرماء المشهورين في العصر الجاهلي عبد الله بن جدعان فقد اشتهر بكرمه وجوده، وسخائه وعطائه.
و (كان عبد الله بن جدعان: من مطعمي قريش كهاشم بن عبد مناف، وهو أول من عمل الفالوذ للضيف، وقال فيه أمية بن أبي الصلت.
له داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق دارته ينادي
إلى درج من الشيزى ملاء ... لباب البر يلبك بالهشادة
وكانت له جفان يأكل منها القائم والراكب. وعن رسول الله ﷺ أنه كان يستظل بظل جفنته في الجاهلية) (٢).
و (حدث إبراهيم بن أحمد قال: قدم أمية بن أبي الصلت مكة على عبد الله بن جدعان، فلما دخل عليه قال له عبد الله: أمر ما جاء بك فقال أمية: كلاب غرمائي قد نبحتني ونهشتني فقال له عبد الله: قدمت علي وأنا عليل من ديون لزمتني، فأنظرني قليلاً يجم ما في يدي، وقد ضمنت قضاء دينك ولا أسأل عن مبلغه، فأقام أمية أياماً وأتاه فقال:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء؟
وعلمك بالأمور وأنت قرم ... لك الحسب المهذب والثناء
كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا ماء
تباري الريح مكرمة وجوداً ... إذا ما الكلب أجحره الشتاء
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء
إذا خلفت عبد الله فاعلم ... بأن القوم ليس لهم جزاء
فأرضك كل مكرمة بناها ... بنو تميم وأنت لها سماء
فأبرز فضله حقاً عليهم ... برزت لناظرها السماء
وهل تخفى السماء على بصير ... وهل للشمس طالعة خفاء
فلما أنشده أمية هذه الأبيات كانت عنده قينتان فقال لأمية: خذ أيتهما شئت فأخذ إحداهما وانصرف. فمر بمجلس من مجالس قريش فلاموه على أخذها وقالوا لقد أجحفت به في انتزاعها منه فلو رددتها عليه، فإن الشيخ يحتاج إلى خدمتهما، لكان ذلك أقرب لك عنده وأكرم من كل حق ضمته لك فوقع الكلام من أمية موقعاً وندم، فرجع إليه ليردها عليه، فلما أتاه بها قال له ابن جدعان: لعلك إنما رددتها لأن قريشاً لاموك على أخذها، وقالوا لك كذا وكذا ووصف لأمية ما قال له القوم فقال أمية: والله ما أخطأت يا أبا زهير مما قالوا شيئاً. قال عبد الله: فما الذي قلت في ذلك؟ فقال أمية:
عطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... يبذل وما كل العطاء يزين
وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين
فقال له عبد الله خذ الأخرى، فأخذهما جميعاً وخرج، فلما صار إلى القوم بهما أنشأ يقول:
ذكر ابن جدعان بخ؟ ... ير كلما ذكر الكرام
من لا يجور ولا يعق ... ولا يبخله اللئام
يهب النجيبة والنجيب ... له الرجال والزمام) (٣)
و (كان عبد الله بن جدعان التيمي حين كبر أخذ بنو تيم عليه ومنعوه أن يعطي شيئا من ماله، فكان الرجل إذا أتاه يطلب منه قال: ادن مني، فإذا دنا منه لطمه ثم قال: اذهب فاطلب بلطمتك أو ترضى، فترضيه بنو تيم من ماله.
وفيه يقول ابن قيس:
والذي إن أشار نحوك لطما ... تبع اللطم نائل وعطاء
وابن جدعان هو القائل:
إني وإن لم ينل مالي مدى خلقي ... وهاب ما ملكت كفي من المال
لا أحبس المال إلا ريث أتلفه ... ولا تغيرني حال عن الحال) (٤) ...
стр. 185
نماذج من كرم النبي ﷺ وجوده:
لقد مثل النبي ﷺ المثل الأعلى والقدوة الحسنة في الجود والكرم، فكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فكان أجود بالخير من الريح المرسلة.
(وقد بلغ صلوات الله عليه مرتبة الكمال الإنساني في حبه للعطاء، إذ كان يعطي عطاء من لا يحسب حساباً للفقر ولا يخشاه، ثقة بعظيم فضل الله، وإيماناً بأنه هو الرزاق ذو الفضل العظيم) (١).
- عن موسى بن أنسٍ، عن أبيه، قال: ((ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة)) (٢).
- وقال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : ((لو كان لي مثل أحدٍ ذهبًا ما يسرني أن لا يمر علي ثلاثٌ، وعندي منه شيءٌ إلا شيءٌ أرصده لدينٍ)) (٣).
(إن الرسول ﷺ يقدم بهذا النموذج المثالي للقدوة الحسنة، لاسيما حينما نلاحظ أنه كان في عطاءاته الفعلية مطبقاً لهذه الصورة القولية التي قالها، فقد كانت سعادته ومسرته عظيمتين حينما كان يبذل كل ما عنده من مال.
ثم إنه يربي المسلمين بقوله وعمله على خلق حب العطاء، إذ يريهم من نفسه أجمل صورة للعطاء وأكملها) (٤).
- وعن جبير بن مطعمٍ، أنه بينا هو مع رسول الله ﷺ ومعه الناس، مقبلًا من حنينٍ، علقت رسول الله ﷺ الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرةٍ، فخطفت رداءه، فوقف رسول الله ﷺ فقال: ((أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاه نعمًا، لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا، ولا كذوبًا، ولا جبانًا)) (٥).
- وأهدت امرأة إلى النبي ﵊ شمله منسوجة فقالت: ((يا رسول الله, أكسوك هذه فأخذها النبي ﵊, محتاجاً إليها, فلبسها, فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله, ما أحسن هذه! فاكسنيها, فقال: نعم، فلما قام النبي ﵊ لامه أصحابه, فقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجاً إليها, ثم سألته إياها, وقد عرفت أنه لا يسأل شيئاً فيمنعه, فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ لعلي أكفن فيها)) (٦).
- وكان ﷺ يؤثر على نفسه, فيعطي العطاء ويمضي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار.
- (وكان كرمه ﷺ كرماً في محله, ينفق المال له وبالله, إما لفقير, أو محتاج, أو في سبيل الله, أو تأليفاً على الإسلام، أو تشريعاً للأمة) (٧).
فما أعظم كرمه وجوده وسخاء نفسه، ﷺ ، وما هذه الصفة الحميدة إلا جزء من مجموع الصفات التي اتصف بها حبيبنا ﷺ ، فلا أبلغ مما وصفه القرآن الكريم بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:٤].
стр. 186
نماذج من كرم الصحابة وجودهم:
- عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق فوافق ذلك عندي مالًا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكرٍ إن سبقته يومًا، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه: وسلم: ((ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، وأتى أبو بكرٍ بكل ما عنده، فقال: يا أبا بكرٍ ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه إلى شيءٍ أبدًا)) (١).
- و (عن أبي عبد الرحمن، أن عثمان ﵁ حين حوصر أشرف عليهم، وقال: أنشدكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ ، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: ((من حفر رومة فله الجنة؟)) فحفرتها، ألستم تعلمون أنه قال: ((من جهز جيش العسرة فله الجنة؟)) فجهزتهم، قال: فصدقوه بما قال وقال عمر في وقفه: لا جناح على من وليه أن يأكل وقد يليه الواقف وغيره فهو واسعٌ لكل) (٢).
- وعن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالكٍ، يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالًا، وكان أحب أمواله إليه بيرحى، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيبٍ، قال أنسٌ: فلما نزلت هذه الآية: لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: إن الله يقول في كتابه: لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢]، وإن أحب أموالي إلي بيرحى، وإنها صدقةٌ لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها، يا رسول الله، حيث شئت، قال رسول الله ﷺ : ((بخ، ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، قد سمعت ما قلت فيها، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)) فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه (٣).
- (وقيل مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ إخوانه فقيل له إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين فقال أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة ثم أمر منادياً فنادى من كان عليه لقيس بن سعد حق فهو منه بريء قال فانكسرت درجته بالعشي لكثرة من زاره وعاده) (٤).
- وقال عطاء: (ما رأيت مجلسًا قط أكرم من مجلس ابن عباسٍ، أكثر فقهًا، وأعظم جفنةً, إن أصحاب القرآن عنده، وأصحاب النحو عنده، وأصحاب الشعر، وأصحاب الفقه، يسألونه كلهم، يصدرهم في وادٍ واسعٍ) (٥).
стр. 187
- (وعن أبان بن عثمان قال أراد رجل أن يضار عبيد الله بن عباس فأتى وجوه قريش فقال يقول لكم عبيد الله تغدوا عندي اليوم فأتوه حتى ملئوا عليه الدار فقال ما هذا فأخبر الخبر فأمر عبيد الله بشراء فاكهة وأمر قوماً فطبخوا وخبزوا وقدمت الفاكهة إليهم فلم يفرغوا منها حتى وضعت الموائد فأكلوا حتى صدروا فقال عبيد الله لوكلائه أو موجود لنا هذا كل يوم قالوا نعم قال فليتغد عندنا هؤلاء في كل يوم) (١).
- وقال المدائني: (أول من سن القرى إبراهيم الخليل ﵇. وأول من هشم الثريد هاشمٌ. وأول من فطر جيرانه على طعامه في الإسلام عبيد الله بن عباسٍ ﵄، وهو أول من وضع موائده على الطريق، وكان إذا خرج من بيته طعامٌ لا يعاود منه شيءٌ، فإن لم يجد من يأكله تركه على الطريق) (٢).
- و (ذُكر أن عبيد الله بن العباس أتاه سائل وهو لا يعرفه فقال له. تصدق علي بشيء فإني نبئت أن عبيد الله بن العباس أعطى سائلاً ألف درهم واعتذر إليه فقال: وأين أنا من عبيد الله فقال: أين أنت منه في الحسب أم في الكرم؟ قال: فيهما جميعاً، قال: أما الحسب في الرجل فمروءته وفعله، وإذا شئت فعلت (وإذا فعلت) كنت حسيباً. فأعطاه ألفي درهم واعتذر إليه من ضيق نفقته. فقال له السائل: إن لم تكن عبيد الله بن العباس فأنت خير منه، وإن كنت إياه فأنت اليوم خير منك أمس فأعطاه ألفاً أخرى فقال له السائل: هذه هزة كريم حسيب، والله لقد نقرت حبة قلبي فأفرغتها في قلبك، فما أخطأت إلا باعتراض السر من جوانحي) (٣).
- وقال الأصمعي: (حدثنا ابن عمران قاضي المدينة أن طلحة كان يقال له: طلحة الخير، وطلحة الفياض، وطلحة الطلحات وأنه فدى عشرة من أسارى بدر وجاء يمشي بينهم، وأنه سئل برحم فقال: ما سئلت بهذه الرحم قبل اليوم، وقد بعت حائطا لي بتسعمائة ألف درهم وأنا فيه بالخيار، فإن شئت ارتجعته وأعطيتكه، وإن شئت أعطيتك ثمنه) (٤).
- وقال المدائني: (إنما سمي طلحة بن عبيد الله الخزاعي طلحة الطلحات لأنه اشترى مائة غلام وأعتقهم وزوجهم، فكل مولود له سماه طلحة) (٥).
стр. 188
نماذج من السلف في الكرم والجود:
- قال محمد بن صبيحٍ: (لما قدم أبو الزناد الكوفة على الصدقات، كلم رجلٌ حماد بن أبي سليمان في رجلٍ يكلم له أبا الزناد، يستعين في بعض أعماله، فقال حمادٌ: كم يؤمل صاحبك من أبي الزناد أن يصيب معه؟ قال: ألف درهمٍ، قال: فقد أمرت له بخمسة آلاف درهمٍ، ولا يبذل وجهي إليه، قال: جزاك الله خيرًا، فهذا أكثر مما أمل ورجا. قال عثمان: وقال ابن السماك: فكلمه آخر في ابنه أن يحوله من كتابٍ إلى كتابٍ، فقال للذي يكلمه: إنما نعطي المعلم ثلاثين كل شهرٍ، وقد أجريناها لصاحبك مائةً، دع الغلام مكانه) (١).
- (وكان أبو مرثد أحد الكرماء فمدحه بعض الشعراء فقال للشاعر والله ما عندي ما أعطيك ولكن قدمني إلى القاضي وادع علي بعشرة آلاف درهم حتى أقر لك بها ثم احبسني فإن أهلي لا يتركوني محبوساً ففعل ذلك فلم يمس حتى دفع إليه عشرة آلاف درهم وأخرج أبو مرثد من الحبس) (٢).
- (وكان معن بن زائدة عاملاً على العراقيين بالبصرة فحضر بابه شاعر فأقام مدة وأراد الدخول على معن فلم يتهيأ له فقال يوماً لبعض خدام معن إذا دخل الأمير البستان فعرفني فلما دخل الأمير البستان أعلمه فكتب الشاعر بيتاً على خشبة وألقاها في الماء الذي يدخل البستان وكان معن على رأس الماء فلما بصر بالخشبة أخذها وقرأها فإذا مكتوب عليها:
أيا جود معن ناج معناً بحاجتي ... فما لي إلى معن سواك شفيع
فقال: من صاحب هذه؟ فدعي بالرجل، فقال له: كيف قلت؟ فقال له، فأمر له بعشر بدر فأخذها ووضع الأمير الخشبة تحت بسطاه فلما كان اليوم الثاني أخرجها من تحت البساط وقرأها ودعا بالرجل فدفع إليه مائة ألف درهم، فلما أخذها الرجل تفكر وخاف أن يأخذ منه ما أعطاه، فخرج فلما كان في اليوم الثالث قرأ ما فيها ودعا بالرجل، فطلب فلم يوجد، فقال معن: حق علي أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي ولا دينار) (٣).
- وقال حماد بن أبي حنيفة: (لم يكن بالكوفة أسخى على طعامٍ ومالٍ من حماد بن أبي سليمان، ومن بعده خلف بن حوشبٍ) (٤).
- و (كان مورقٌ يتجر، فيصيب المال، فلا يأتي عليه جمعةٌ وعنده منه شيءٌ، وكان يأتي الأخ، فيعطيه الأربع مائةٍ والخمس مائةٍ، ويقول: ضعها لنا عندك. ثم يلقاه بعد، فيقول: شأنك بها، لا حاجة لي فيها) (٥).
- وقال عبد الله بن الوسيم الجمال: (أتينا عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله نسأله في دينٍ على رجلٍ من أصحابنا، فأمر بالموائد فنصبت، ثم قال: لا، حتى تصيبوا من طعامنا، فيجب علينا حقكم وذمامكم، قال: فأصبنا من طعامه، فأمر لنا بعشرة آلاف درهمٍ في قضاء دينه، وخمسة آلاف درهمٍ نفقةً لعياله) (٦).
- و (كان هشام بن حسان إذا ذكر يزيد بن المهلب يقول: إن كادت السفن لتجري في جوده) (٧).
- و (كان ناسٌ من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين، فقدوا ذلك الذي كانوا يؤتون بالليل) (٨).
- وقال أبو السوار العدوي: (كان رجالٌ من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحدٌ منهم على طعامٍ قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد، فأكله مع الناس، وأكل الناس معه) (٩).
- وقال الليث بن سعدٍ: (كان ابن شهابٍ من أسخى من رأيت قط، كان يعطي كل من جاءه وسأله، حتى إذا لم يبق معه شيءٌ تسلف من أصحابه، فيعطونه، حتى إذا لم يبق معهم شيءٌ حلفوا له أنه لم يبق معهم شيءٌ، فيستلف من عبيده، فيقول لأحدهم: يا فلان، أسلفني كما تعرف، وأضعف لك كما تعلم فيسلفونه، ولا يرى بذلك بأسًا، وربما جاءه السائل، فلا يجد ما يعطيه، فيتغير عند ذلك وجهه، فيقول للسائل: أبشر، فسوف يأتي الله بخيرٍ قال: فيقيض الله لابن شهابٍ على قدر صبره واحتماله) (١٠).
- و (كان يقال للفضل بن يحيى حاتم الإسلام وخاتم الأجواد. وكان يقال: حدث عن البحر ولا حرج وعن الفضل ولا حرج) (١١).
стр. 189
نماذج من العلماء المعاصرين في الكرم والجود:
كرم الشيخ عبد العزيز بن باز (١):
لا يكاد يعلم في زمان سماحة الشيخ أحد أسخى ولا أجود ولا أكرم من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وذلك في وجوه السخاء، وصوره المتعددة.
والحديث عن كرمه وسخائه وجوده يبدأ ولا ينتهي، وحسبنا الأسطر التالية بعض صور كرمه وسخائه ــ رحمه الله تعالى ــ، ومن هذه الصور:
١ - كان مجبولاً على حب الضيوف، والرغبة في استضافتهم منذ صغره.
٢ - كان يوصي بشراء أحسن ما في السوق من الفاكهة، والتمر، والخضار، وسائر الأطعمة التي تقدم لضيوفه.
٣ - وكان يلح إلحاحاً شديداً إذا قدم عليه أحد أو سلم عليه، فكان يلح عليهم بأن يحلوا ضيوفاً عنده على الغداء، والعشاء، والمبيت، ولو طالت مدة إقامتهم.
٤_ وكان يرغب القادمين إليه بأن يتواصلوا معه في الزيارة، فيذكرهم بفضل الزيارة، والمحبة في الله، ويسوق لهم الآثار الواردة في ذلك؛ مما يبعثهم إلى مزيد من الزيارة؛ لأن بعضهم لا يرغب في الإثقال على سماحة الشيخ وإضاعة وقته؛ فإذا سمع منه ذلك انبعث إلى مزيد من الزيارات.
٥ - وكان يحرص أشد الحرص على المواعيد التي يضربها لضيوفه، فكان يعطينا خبراً بذلك، ويقول: سيقدم علينا اليوم فلان من الناس، أو فلان من أهل العلم، ويتقدم للمجيء قبل ضيفه؛ ليكون في استقباله.
٦ - لا يتلذذ بالأكل وحده، بل لا يجد أنسه إلا بالأكل مع الضيوف والفقراء، ولهذا لا يكاد سماحته يتناول غداءه أو عشاءه إلا ومعه أناس على المائدة.
٧ - وكان يلاطف ضيوفه، بمحاسن كلامه، ولطيف ترحيبه.
٨ - وكان لا يقوم من المائدة حتى يسأل عن ضيوفه: هل قاموا؟ فإذا قيل له قاموا قام؛ كيلا يعجلهم بقيامه قبلهم، وإذا قام قال: كل براحته، لا تستعجلوا.
٩ - وكان لا يتبرم من كثرة الضيوف، ولا تضيق نفسه إذا فاجأه الزائرون وهو لم يحسب حسابهم، بل يرحب بهم، ويلاطفهم، ويقول: حياكم الله، ويبارك الله في الطعام الذي يقدم، ولو لم يؤخذ حساب القادمين، وربما أمر بأن يحضر زيادة في الطعام.
١٠ - وكان من عادته أنه ينيب من يقوم على إكرام الضيوف، والقيام بشأنهم إذا كان لديه موعد محاضرة, أو مناسبة، أو وليمة. وكان إذا جاء من موعده سأل عن الضيوف وعن راحتهم، وعما قدم إليهم.
١١ - وكان دائماً يسأل: عسى ما نقص عليهم شيء، وإن قيل له: لا، فرح وتهلل، وحمد الله.
١٢ - وإذا قدم الضيوف من بعيد، ثم استضافهم وأكرمهم، وأرادوا توديعه ألح عليهم بأن يمكثوا، وأن يتناولوا وجبة أخرى، وأن يبيتوا عنده؛ فلا يخلصوا منه إلا بعد أن يتأكد بأنهم مسافرون أو مرتبطون. بل إذا قالوا: إنهم مرتبطون، قال: ألا يمكن أن تتخلصوا من ارتباطكم؟ ألا تهاتفون صاحب الارتباط، وتعتذروا منه؟
١٣ - وإذا كان مجهداً، أو لم يكن له رغبة في الطعام جلس مع ضيوفه؛ إيناساً لهم، وتطييباً لنفوسهم؛ خصوصاً إذا رغبوا في ذلك.
١٤ - وكان يفرح بالقادم إليه ولو لم يعرفه من قبل، خصوصاً إذا قدم من بعيد، أو لمصلحة عامة.
١٥ - وكان يرفع من شأن ضيوفه، ويعلي من منزلتهم، ولو لم يكونوا كباراً، ولو لم تكن لهم مكانة اجتماعية.
١٦ - ومن لطائف كرمه أنه إذا قدم عليه قادم وهو في السيارة أخذ يتحفز، ويتحرك ويدعو القادم للركوب معه، ولو كان المكان ضيقاً، لكن سماحته يريه أنه محب لصحبته، أو أن يأمر أحد السائقين التابعين للرئاسة ليوصله، أو أن يأخذ سيارة للأجرة؛ لتنقل من يأتون إليه إذا كانوا كثيرين.
١٧ - وكان يراعي مشاعر ضيوفه، ولا يرضى أن يهانوا بحضرته.
١٨ - كان منزل أسرة سماحة الشيخ في الرياض لا يتسع لكثرة الضيوف القادمين إليه، وكثيراً ما يأتيه أناس بأسرهم إما من المدينة أو غيرها؛ إما طلباً لشفاعة أو مساعدة، أو نحو ذلك، فكانوا يسكنون عند سماحة الشيخ في المنزل.
١٩ - لدى سماحة الشيخ مكان مهيأٌ للضيوف، وهذا المكان في بدروم بيت الرياض.
٢٠ - هناك عدد من الناس يرتادون منزل سماحته وقت الغداء بصورة مستمرة.
стр. 190
حكم وأمثال في الكرم والجود
- (أقرى من زاد الركب:
زعم ابن الأعرابي أن هذا المثل من أمثال قريش، ضربوه لثلاثة من أجودهم: مسافر بن أبي عمرو بن أمية، وأبي أمية بن المغيرة، والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى، سموا زاد الركب لأنهم كانوا إذا سافروا مع قومٍ لم يتزودوا معهم.
- أقرى من حاسي الذهب:
هذا أيضاً من قريش، وهو عبد الله بن جدعان التيمي الذي قال فيه أبو الصلت الثقفي:
له داعٍ بمكة مشمعل ... وآخر فوق دارته ينادي
إلى ردحٍ من الشيزى ملاء ... لباب البر يلبك بالشهاد
وسمي (حاسي الذهب) لأنه كان يشرب في إناء من الذهب.
- أقرى من غيث الضريك:
هذا المثل ربعي، وغيث الضريك: قتادة بن مسلمة الحنفي، والضرٍيك: الفقير
- أقرى من مطاعيم الريح:
زعم ابن الأعرابي أنهم أربعة: أحدهم عم محجن الثقفي، ولم يسم الباقين.
قال أبو الندى: هم كنانة بن عبد ياليل الثقفي عم أبي محجن، ولبيد بن ربيعة، وأبوه، كانوا إذا هبت الصبا أطعموا الناس، وخصوا الصبا لأنها لا تهب إلا في جدب) (١).
- (أكرم من الأسد:
لأنه إذا شبع تجافى عما يمر به ولم يتعرض له
- أكرم من العذيق المرجب:
تصغير عذق وهو النخلة والمرجب المدعوم وإنما يدعم لكثرة حمله وذاك كرمه وأكثر العرب تنكره فتقول من عذيق مرجب.
- أكرم من نجر الناجيات نجره:
أي أكرم أصل الإبل السراع أصله يضرب للكريم) (٢).
أجواد أهل الإسلام:
قال ابن عبد ربه: (وأما أجواد أهل الإسلام فأحد عشر رجلاً في عصر واحد، لم يكن قبلهم ولا بعدهم مثلهم:
فأجواد الحجاز ثلاثة في عصر واحد: عبيد الله بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص.
وأجواد البصرة خمسة في عصر واحد وهم: عبد الله بن عامر بن كريز، وعبيد الله ابن أبي بكرة مولى رسول الله ﷺ ، ومسلم بن زياد، وعبيد الله بن معمر القرشي ثم التيمي. وطلحة الطلحات، وهو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وله يقول الشاعر يرثيه، ومات بسجستان وهو وال عليها:
نضر الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات
وأجواد أهل الكوفة ثلاثة في عصر واحد، وهم: عتاب بن ورقاء الرياحي وأسماء بن خارجة الفزاري. وعكرمة بن ربعي الفياض) (٣).
الطلحات المشهورون بالكرم:
قال الأصمعي: الطلحات المعروفون بالكرم:
طلحة بن عبيد الله التيمي وهو الفياض.
وطلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر وهو طلحة الجواد.
وطلحة بن عبد الله بن عوف الزهري وهو طلحة الندي.
وطلحة بن الحسن بن علي وهو طلحة الخير.
وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي وهو طلحة الطلحات. سمي بذلك لأنه كان أجودهم) (٤).
لطيفة (٥):
قال الشبلي قال لي خاطري يوماً: أنت بخيل فقلت: ما أنا بخيل فقال: نعم أنت بخيل، فنوديت أن أول شيء يفتح أن أرفعه لأول فقير ألقاه، فما تم خاطري حتى دفع إلي رجل خمسين ديناراً فخرجت، فرأيت فقيراً أعمى بين يدي حلاق يحلق رأسه فناولته إياها فقال: ادفعها للمزين فقلت: إنها دنانير فقال: ما قلنا لك إنك بخيل فدفعتها للمزين فقال: أنا حلقت له لله تعالى فتعجب الشبلي من زهدهما وأخذها.
стр. 191
الكرم والجود في واحة الشعر ..
قال كلثوم بن عمرو التغلبي من شعراء الدولة العباسية:
إن الكريم ليخفى عنك عسرته ... حتى تراه غنياً وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرمت عن بذل القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
بث النوال ولا تمنعك قلته ... فكل ما سد فقراً فهو محمود (١)
وقال المنتصر بن بلال الأنصاري:
الجود مكرمة والبخل مبغضة ... لا يستوي البخل عند الله والجود
والفقر فيه شخوص والغنى دعة ... والناس في المال مرزوق ومحدود (٢)
وقال قيس بن عاصم لزوجته:
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلاً فإني لست آكله وحدي
أخاً طارقاً أو جار بيت فإنني ... أخاف ملامات الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف من غير ذلة ... وما في إلا ذاك من شيمة العبد (٣)
وقال الحسين بن سهل:
يقولون إني مسرف إذ يرونني ... أطوق أعناق الرجال بإحساني
فقلت لهم موتوا لئاماً بغيظكم ... فإني شريت المجد بالتافه الداني
إذا جئتم يوم الحساب بكنزكم ... أجيء بعفو من إلهي وغفران
وقال أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه اليماني:
سأبذل مالي كلما جاء طالب ... وأجعله وقفاً على القرض والفرض
فإما كريماً صنت بالجود عرضه ... وإما لئيماً صنت عن لؤمه عرضي (٤)
وقال حجبة بن المضرب:
أناس إذا ما الدهر أظلم وجهه ... فأيديهم بيض وأوجههم زهر
يصونون أحسابا ومجدا مؤثلا ... ببذل أكف دونها المزن والبحر
سموا فِي المعالي رتبةً فوق رتبةٍ ... أحلتهم حيث النعائم والنسر
أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت ... لنورهم الشمس المنيرة والبدر
فلو لامس لهم الصخر الأصم أكفهم ... لفضت ينابيع الندى ذَلِكَ الصخر
ولو كَانَ فِي الأرض البسيطة منهم ... لمختبط عاف لما عرف الفقر
شكرت لكم آلاءكم وبلاءكم ... وما ضاع معروف يكافئه شكر (٥)
وقال آخر:
ويظهر عيب المرء في الناس بخله ... ويستره عنهم جميعاً سخاؤه
تغط بأثواب السخاء فإنني ... أرى كل عيب والسخاء غطاؤه (٦)
وقال آخر:
حر إذا جئته يوماً لتسأله ... أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا
يخفي صنائعه والله يظهرها ... إن الجميل إذا أخفيته ظهرا (٧)
وقال الراضي العباسي:
لا تعذلوا كرمي على الإسراف ... ربح المحامد متجر الأشراف
إني من القوم الذين أكفهم ... معتادة الإتلاف والإخلاف (٨)
وقال حاتم الطائي:
أماوى إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوى إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً: حل في ما لنا نذر
أماوى إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
أماوى إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
ترى أن ما أنفقت لم يك ضرني ... وأن يدي مما بخلت به صفر
وقد علم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر (٩)
وقال آخر:
لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف
فإن تولت فأخرى أن تجود بها ... فالشكر منها إذا ما أدبرت خلف (١٠)
وقال أحمد بن إبراهيم العبرتاني:
لا تكثري في الجود لائمتي ... وإذا بخلت فأكثري لومي
كفي فلست بحامل أبداً ... ما عشت هم غدٍ على يومي (١١) ...
стр. 192
معنى الحلم لغة واصطلاحاً
معنى الحلم لغة:
الحِلْمُ بالكسر الأَناةُ والعقل وجمعه أَحْلام وحُلُومٌ (١)
والحِلْم خلافُ الطَّيش. يقال حَلُمْتُ عنه أحلُم، فأنا حليمٌ. (٢)
وقال الجوهري: والحِلْمُ: بالكسر الأناةُ. تقول منه: حَلُمَ الرجل بالضم. وتَحَلَّمَ: تكلّفَ الحِلْمَ. وقال:
تَحَلَّمَ عن الأَدنَيْنَ واسْتَبْقِ وُدَّهُمْ ... ولن تستطيعَ الحِلْمَ حتّى تَحَلّما (٣)
معنى الحلم اصطلاحا:
عرف الحلم بعدة تعريفات منها:
الحلم: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب، وجمعه أحلام (٤).
وقيل هو: (الطمأنينة عند سورة الغضب وقيل تأخير مكافأة الظالم) (٥).
وقيل الحلم: (اسم يقع على زمالنفس عن الخروج عند الورود عليها ضد ما تحب إلى ما نهي عنه. فالحلم يشتمل على المعرفة والصبر والأناة) (٦).
стр. 193
الفرق بين الحلم وبعض الصفات
الفرق بين الحلم والصبر:
(أن الحلم هو الإمهال بتأخير العقاب المستحق، والحلم من الله تعالى عن العصاة في الدنيا فعل ينافي تعجيل العقوبة من النعمة والعافية، ولا يجوز الحلم إذا كان فيه فساد على أحد من المكلفين وليس هو الترك لتعجيل العقاب لأن الترك لا يجوز على الله تعالى لأنه فعل يقع في محل القدرة يضاد المتروك ولا يصح الحلم إلا ممن يقدر علىالعقوبة وما يجري مجراها من التأديب بالضرب وهو ممن لا يقدر على ذلك ولهذا قال الشاعر:
لا صفح ذلٍ ولكنْ صفح أحلام
ولا يقال لتارك الظلم حليم إنما يقال حلم عنه إذا أخر عقابه أو عفا عنه ولو عاقبه كان عادلا ...
والصبر: حبس النفس لمصادفة المكروه، وصبر الرجل حبس نفسه عن إظهار الجزع، والجزع إظهار ما يلحق المصاب من المضض) (١).
الفرق بين الحلم والوقار:
(الوقار: هو الهدوء وسكون الأطراف وقلة الحركة في المجلس، ويقع أيضا على مفارقة الطيش عند الغضب، مأخوذ من الوقر وهو الحمل) (٢).
الفرق بين الحلم والإمهال:
(أن كل حلم إمهال وليس كل إمهال حلما لأن الله تعالى لو أمهل من أخذه لم يكن هذا الإمهال حلما لأن الحلم صفة مدح والإمهال على هذا الوجه مذموم وإذا كان الأخذ والإمهال سواء في الاستصلاح فالإمهال تفضل والانتقام عدل) (٣).
الفرق بين الحلم والأناة والرفق:
(الحلم: أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب إذا حصل غضب وهو قادر فإنه يحلم ولا يعاقب ولا يعجل بالعقوبة.
وأما الأناة: فهو التأني في الأمور وعدم العجلة، وألا يأخذ الإنسان الأمور بظاهرها فيتعجل ويحكم على الشيء قبل أن يتأنى فيه وينظر.
وأما الرفق: فهو معاملة الناس بالرفق والهون حتى وإن استحقوا ما يستحقون من العقوبة والنكال فإنه يرفق بهم) (٤).
قال الشاعر:
إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا أناءةٍ ... فإن فساد الرأي أن تتعجلا
وما العجز إلا أن تشاور عاجزاً ... وما الحزم إلا أن تهم فتفعلا ...
стр. 194
الترغيب على صفة الحلم من القرآن والسنة
الترغيب على الحلم من القرآن الكريم:
وردتْ آيات قرآنية كثيرة تشير إلى صفة الحلم، ووصف الله نفسه بالحلم، وسمى نفسه الحليم، ووردت آيات تدعو المسلمين إلى التحلي بهذا الخلق النبيل، وعدم المعاملة بالمثل ومقابلة الإساءة بالإساءة، والحث على الدفع بالتي هي أحسن، والترغيب في الصفح عن الأذى والعفو عن الإساءة.
- قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]،
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران: ١٣٤] (أي: لا يعملون غضبهم في الناس، بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله .
ثم قال تعالى: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران: ١٣٤] أي: مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم مَوجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال، ولهذا قال: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فهذا من مقامات الإحسان) (١).
- وقال : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩].
- ووصف الله بعضَ أنبيائه بالحلم؛ قال تعالى: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ [الصافات:١٠١] يقول ابن تيمية: (وقد انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ الحلم، وأنه يكون حليما، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فقال: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:١٠٢]؟ وقيل: لم ينعت الله الأنبياء بأقل من الحلم وذلك لعزة وجوده ولقد نعت إبراهيم به في قوله تعالى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:١١٤] إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [هود:٧٥] لأن الحادثة شهدت بحلمهما: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَالصَّابِرِينَ [الصافات:١٠٢]) (٢).
- قال ابن كثير في قوله تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:٣٤] (أي: إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك، والحنو عليك، حتى يصير كأنه ولي لك حميم أي: قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك. ثم قال: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا [فصلت:٣٥] أي: وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك، فإنه يشق على النفوس، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ أي: ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم) (٣).
الترغيب على الحلم من السنة النبوية:
(في هذا العصر الذي نحيا فيه، لهث الناس خلف الحياة المادية، وتركوا التعاليم الربانية، إلا من رحم ربي.
стр. 195
ولذا ظهر في هذه الحقبة من الزمان من الأمراض الخطيرة، والعلل الوبيلة التي لم تظهر في أسلافنا الصالحين.
ومن الأدوية التي تهدأ النفس، وتريح القلب الحلم والتحالم.
فكم من بيت خرب بسبب الغضب. وكم من امرأة طلقت بسبب غضب زوجها. وكم من رجل شل بسبب الغضب. وكم من أولاد قد شردوا بسبب الغضب.
لذا تبدوا أهمية التداوي بالحلم والتحالم واضحة كوضوح الشمس في كبد السماء عند الظهيرة) (١).
وصفة الحلم قبل أن تكون دواء فهي صفة يحبها الله ، وقد وردت أحاديث نبوية تدل على هذا المعنى منها قولهصلى الله عليه وسلم لأشجّ عبد القيس:
- ((إنّ فيك لخصلتين يحبّهما الله: الحلم والأناة)) (٢).
- وعن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: ((قال رسول الله ﷺ : التّأنّي من الله، والعجلة من الشّيطان، وما أحد أكثر معاذير من الله، وما من شيء أحبّ إلى الله من الحلم)) (٣).
- وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ ((إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، من يتحرى الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه)) (٤).
- وعنه أيضاً ((قال: قال رسول الله ﷺ : ليس الشّديد بالصّرعة، إنّما الشّديد الّذي يملك نفسه عند الغضب)) (٥).
قال ابن بطال: (مدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم، وأخبر أن ماعنده خير وأبقى لهم من متاع الحياة الدنيا وزينتها، وأثنى على الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك) (٦).
وقال ابن عبد البر: (في هذا الحديث من الفقه فضل الحلم وفيه دليل على أن الحلم كتمان الغيظ وأن العاقل من ملك نفسه عند الغضب لأن العقل في اللغة ضبط الشيء وحبسه منه) (٧)
- وقال رسول الله ﷺ : ((ليليني منكم أولو الأحلام والنهى .. )) (٨).
(أي ذوو الألباب والعقول واحدها حلم بالكسر فكأنه من الحلم الأناة والتثبت في الأمور، وذلك من شعائر العقلاء، وواحد النهى نهية بالضم سمي العقل بذلك؛ لأنه ينهى صاحبه عن القبيح) (٩).
стр. 196
أقوال السلف والعلماء في الحلم
- قال عليّ بن أبي طالب- ﵁ (ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكنّ الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك، وأن لا تباهي النّاس بعبادة الله، وإذا أحسنت حمدت الله تعالى، وإذا أسأت استغفرت الله تعالى) (١).
- وقال- ﵁ أيضا: (إنّ أوّل ما عوّض الحليم من حلمه أنّ النّاس كلّهم أعوانه على الجاهل) (٢).
- (وبلغ عمر بن الخطّاب- ﵁ أنّ جماعة من رعيّته اشتكوا من عمّاله؛ فأمرهم أن يوافوه، فلمّا أتوه قام فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:
أيّها النّاس، أيّتها الرّعيّة، إنّ لنا عليكم حقّا: النّصيحة بالغيب والمعاونة على الخير، أيّتها الرّعاة إنّ للرّعيّة عليكم حقّا فاعلموا أنّه لا شيء أحبّ إلى الله ولا أعزّ من حلم إمام ورفقه، وليس جهل أبغض إلى الله ولا أغمّ من جهل إمام وخرقه) (٣).
- وقال- ﵁: (تعلّموا العلم وتعلّموا للعلم السّكينة والحلم) (٤).
- وقال ابن مسعود- ﵁: (ينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا محزونا حكيما حليما سكينا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيا ولا غافلا ولا صخّابا ولا صيّاحا ولا حديدا) (٥).
- وقال معاوية بن أبي سفيان- ﵄: (لا يبلغ العبد مبلغ الرّأي حتّى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، ولا يبلغ ذلك إلّا بقوّة الحلم) (٦)
- وسأل عمرو بن الأهتم: (أيّ الرّجال أشجع؟ قال من ردّ جهله بحلمه، قال فأيّ الرّجال أسخى؟ قال من بذل دنياه لصالح دينه) (٧).
- وقال مرّة لعرابة بن أوس: (بم سدت قومك يا عرابة؟ قال: كنت أحلم عن جاهلهم وأعطي سائلهم وأسعى في حوائجهم، فمن فعل فعلي فهو مثلي، ومن جاوزني فهو أفضل، ومن قصّر عنّي فأنا خير منه) (٨).
- وقال أيضا: (عليكم بالحلم والاحتمال حتّى تمكنكم الفرصة، فإذا أمكنتكم فعليكم بالصّفح والإفضال) (٩).
- وأسمعه رجل كلاما شديدا، فقيل له: لو عاقبته، فقال: (إنّي أستحيي أن يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيّتي) (١٠).
- وعن أبي الدرداء قال: (ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يعظم حلمك ويكثر علمك وأن تنادي الناس في عبادة الله فإذا أحسنت حمدت الله وإذا أسأت استغفرت الله) (١١).
- وقال عبد الله بن عمر- ﵄ (نحن معشر قريش نعدّ الحلم والجود السّؤدد، ونعدّ العفاف وإصلاح المال المروءة) (١٢).
стр. 197
- وقال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: ٦٣]: (حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا) (١).
- وقال أيضا: (اطلبوا العلم وزيّنوه بالوقار والحلم) (٢).
- وقال أكثم بن صيفيّ- رحمه الله تعالى: (دعامة العقل الحلم، وجماع الأمر الصّبر وخير الأمور العفو) (٣)
- وعن رجاء بن أبي سلمة قال: (الحلم خصلة من خصال العقل) (٤).
- (وقال محمد بن عليّ رضوان الله عنهما: مَن حَلُمَ وَقَى عِرْضه، ومَن جادت كفُّه حَسُن ثناؤه، ومَن أَصْلح مالَه استَغْنى، ومَن احتمل المَكْروه كثرت مَحاسنه، ومَن صَبر حُمِد أمرُه، ومَن كظَم غيظَه فشا إحسانُه، ومَن عَفا عن الذُّنوب كثُرت أياديه، ومَن اتَّقى الله كفاه ما أهمَّه) (٥).
- وقال أبو رزين في قوله كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران:٧٩] حلماء علماء (٦)
- وعن معاوية بن قرة قال: (مكتوب في الحكمة لا تجالس بحلمك السفهاء ولا تجالس بسفهك الحلماء). (٧)
- وعن الحسن قال: (المؤمن حليم لا يجهل وإن جهل عليه، حليم لا يظلم وإن ظلم غفر، لا يقطع وإن قطع وصل، لا يبخل وإن بخل عليه صبر) (٨).
- وقال وهب بن منبه: (العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيمته، والصبر أمير جنوده، والرفق أبوه، واللين أخوه) (٩).
- وقال عطاء بن أبي رباح- رحمه الله تعالى-: (ما أوى شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم) (١٠).
стр. 198
آثار وفوائد خلق الحلم
١ - الحليم يفوز برضى الله وثوابه، قال النبي ﷺ ((من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنْفِذَهْ، دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة، يخيره من الحور العين ما شاء)) (١).
٢ - الحليم عظيم الشأن، رفيع المكان، محمود الأمر، مرضي الفعل. (٢)
٣ - (أنها دليل كمال العقل وسعة الصّدر، وامتلاك النّفس.
٤ - قليل من الخلق من يتّصف به.
٥ - صفة من صفات الله سبحانه، وهي من صفات أنبيائه، وأوليائه أيضا.
٦ - تعمل على تآلف القلوب ونشر المحبّة بين النّاس.
٧ - تزيل البغضاء بين الناس وتمنع الحسد وتميل القلوب.
٨ - يستحقّ صاحبها الدّرجات العلى والجزاء الأوفى) (٣).
٩ - صفة الحلم عواقبها محمودة.
١٠ - أن أوّل عِوَض الحَليم عن حِلْمه أن الناسَ أنصارُه على الجاهل (٤)
١١ - الحليم له القوة في التحكم في انفعالاته، قال النبي ﷺ ((ليس الشديد بالصُّرْعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) (٥).
стр. 199
الوسائل المعينة للتخلق بصفة الحلم
السبب الأول من الأسباب التي تعين على التخلق بصفة الحلم: تذكر كثرة حلم الله على العبد، فالله حليم، يرى معصية العاصي ومخالفته لأمره فيمهله قال تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة: ٢٣٥]
قال أبو حاتم: (الواجب على العاقل، إذا غضب واحتدَّ أن يذكر كثرة حلم الله عنه مع تواتر انتهاكه محارمه وتعديه حرماته، ثم يحلم، ولا يخرجه غيظه إلى الدخول في أسباب المعاصي) (١).
وقال محمد بن السعدي لابنه عروة لما ولي اليمن: (إذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك، وإلى الأرض تحتك، ثم عظم خالقهما) (٢).
السبب الثاني: تذكر الثواب من الله للعافين عن الناس، قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]،
عن أبي جعفر الخطمي أن جده عمير وكانت له صحبة أوصى بنيه: (يا بني إياكم ومجالسة السفهاء فإن مجالستهم دناءة من يحلم على السفيه يسر بحلمه ومن يجبه يندم ومن يصبر على ما يكره يدرك ما يحب وإذا أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر على الأذى ويثق بالثواب من الله فإن من وثق بالثواب لم يجد مس الأذى) (٣).
السبب الثالث: الرحمة بالجاهل، ومن ذلك ما جاء عن أنس بن مالك قال: ((بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله ﷺ مه مه. قال قال رسول الله ﷺ : لا تزرموه دعوه. فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن. أو كما قال رسول الله ﷺ . قال فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه)) (٤).
السبب الرابع: القدرة على الانتصار وهذا ناتج عن سعة الصدر والثقة بالنفس ومن ذلك عفوه ﷺ عن حاطب بن أبي بلتعةرضي الله عنه.
قال أبو حاتم: (ولم يقرن شيء إلى شيء أحسن من عفو إلى مقدرة. والحلم أجمل ما يكون من المقتدر على الانتقام) (٥).
السبب الخامس: الترفّع عن المعاملة السيئة بالمثل، وهذا يدل على شرف النفس، وعلو الهمة ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله، قال: ((غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة نجد فلما أدركته القائلة وهو في واد كثير العضاة فنزل تحت شجرة واستظل بها وعلق سيفه فتفرق الناس في الشجر يستظلون وبينا نحن كذلك إذ دعانا رسول الله ﷺ فجئنا فإذا أعرابي قاعد بين يديه فقال إن هذا أتاني وأنا نائم فاخترط سيفي فاستيقظت وهو قائم على رأسي مخترط صلتا قال من يمنعك مني قلت الله فشامه ثم قعد فهو هذا قال ولم يعاقبه رسول الله ﷺ ) (٦).
السبب السادس: التفضّل على المسيء، ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ (أن رسول الله ﷺ أدركه أعرابي , فأخذ بردائه, فجبذه جبذةً شديدة .... ) والحديث تقدم.
стр. 200
السبب السابع: الاستهانة بالمسيء لا عن كبر وإعجاب بالنفس، إنما هو نأي عن منافس لا يساويك قدراً، ومن ذلك (أن الأحنف بن قيس شتمه رجل فسكت عنه، وأعاد الرجل فسكت عنه، وأعاد فسكت عنه، فقال الرجل: والهفاه!! ما يمنعه من أن يرد عليَّ إلا هواني عنده) (١).
قال أبو حاتم: أنشدني الكريزي
إذا أنا كافيت الجهول بفعله ... فهل أنا إلا مثله إذ أحاوره؟
ولكن إذا ما طاش بالجهل طائش ... علي، فإني بالتحلم قاهر (٢).
وكان عروة بن الزبير إذا أسرع إليه رجل بشتمٍ أو قولٍ سيئ لم يجبه وقال: إني أتركك رفعاً لنفسي عنك (٣) ..
السبب الثامن: قطع السباب والخصام، قال الأصمعي: (بلغني أن رجلاً قال لآخر: والله لئن قلت واحدةً لتسمعن عشراً، فقال له الآخر: لكنك إن قلت عشراً لم تسمع واحدةً) (٤).
وكان شبيب بن شيبة يقول: (من سمع كلمة يكرهها فسكت عنهم انقطع عنه ما يكره، فإن أجاب عنهم سمع أكثر مما يكره. وكان يتمثل بهذا البيت:
وتجزع نفس المرء من وقع شتمةٍ ... ويشتئم ألفاً بعدها ثم يصبر) (٥).
السبب التاسع: الاستحياء من جزاء الجواب، وكان الأحنف بن قيس يقول: (من لم يصبر على كلمة سمع كلمات، ورب غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشد منه، وأنشد:
رَضيتُ بِبَعْض الذُّلِّ خوفَ جميعه ... كذلك بعضُ الشر أهونُ من بَعْض (٦)
السبب العاشر: الرعاية ليدٍ سالفة، وحرمة لازمة، وهذا من الوفاء، وحُسنِ العهد، وكمال المروءة، عن حفص بن غياث قال: (كنت جالساً عند جعفر بن محمد، ورجل يشكو رجلا عنده، قال لي كذا، وفعل لي كذا، فقال له جعفر: من أكرمك فأكرمه، ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه) (٧) (٨).
قال الشاعر:
إن الوفاء على الكريم فريضة ... واللؤم مقرون بذي الإخلافِ
وترى الكريم لمن يعاشر منصفاً ... وترى اللئيم مجانب الإنصافِ ...
стр. 201
نماذج من حلم النبي ﷺ :
لقد بلغ النبي ﷺ غاية الحلم والعفو وأن السنة النبوية حافلة بمواقف الرسول الكريم في الحلم ومن ذلك قصة الأعرابي الذي جبذ النبي ﷺ بردائه جبذة شديدة، فعن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: ((كنت أمشي مع رسول الله ﷺ ، وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية فأدركه أعرابيّ فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتّى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثّرت بها حاشية البرد من شدّة جبذته ثمّ قال: يا محمّد مر لي من مال الله الّذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثمّ ضحك ثمّ أمر له بعطاء)) (١).
وعن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: ((إنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ يتقاضاه فأغلظ، فهمّ به أصحابه فقال رسول الله ﷺ : دعوه فإنّ لصاحب الحقّ مقالا. ثمّ قال: أعطوه سنّا مثل سنّه، قالوا: يا رسول الله، إلّا أمثل من سنّه، فقال: أعطوه، فإنّ من خيركم أحسنكم قضاء)) (٢).
وعن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: ((كأنّي أنظر إلى النّبيّ ﷺ يحكي: نبيّا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدّم عن وجهه ويقول: ربّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون)) (٣).
قال النووي (فيه ما كانوا عليه صلوات الله وسلامه عليهم من الحلم والتصبر والعفو والشفقة على قومهم ودعائهم لهم بالهداية والغفران وعذرهم في جنايتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون وهذا النبي المشار إليه من المتقدمين وقد جرى لنبينا ﷺ مثل هذا يوم أحد) (٤).
وعن أنس ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقاً، فأرسلني يوماً لحاجة فقلت: والله! لا أذهب وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﵌ قابض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك فقال: يا أنيس اذهب حيث أمرتك، قلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله، قال أنس: والله لقد خدمته سبع سنين أو تسع سنين ما علمت قال لشيء صنعت: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا لشيء تركت: هلا فعلت كذا وكذا)) (٥).
((وعن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ أنّها قالت للنّبيّ ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟. قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا بقرن الثّعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ ثمّ قال: يا محمّد فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النّبيّ ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا)) (٦).
стр. 202
وحلمه ﷺ على ذي الخويصرة فعن أبي سعيد ﵁ قال: ((بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يَقْسم قَسْماً إذ أتاه ذو الخُوَيصرة - رجل من بني تميم- فقال: يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله ﷺ ويلك ومن يعدل إن لم أعدل لقد خبتُ وخسرتُ إذا لم أعدل فمن يعدل؟ " فقال عمر ابن الخطاب ﵁: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ دَعْه فإنّ له أصحاباً يَحْقِر أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقَيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرُق السهم من الرَّميَّة، ينظر إلى نَصْله فلا يوجد فيه شيء، ثم إلى رُصافة فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضِيَّة- وهو قِدْحه - فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قُذَذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفَرْث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تَدَرْدَرُ، ويخرجون على حين فُرْقة من الناس، قال أبو سعيد: فأشهد أنِّي سمعت هذا من رسول الله ﷺ وأشهد أن علي بن أبي طالب ﵁ قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتُمس فأُتي به حتى نظرت إليه على نَعْت رسول الله ﷺ الذي نعت)) (١).
وحلمه على كفار قريش حينما أرادوا الغدر يوم الحديبية، عن أنس ﵁ قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلاً من أهل مكة بالسلاح من قِبَل جبل التَّنْعيم يريدون غِرَّة رسول الله ﷺ فدعا عليهم فأُخذوا، قال عفان: فعفا عنهم، ونزلت هذه الآية وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [الفتح: ٢٤]) (٢).
وكذلك حلمه ﵇ على اليهودي الذي سحره، عن زيد بن أرقم ﵁ قال: سحر النبي ﷺ رجلٌ من اليهود لذلك أياماً، قال: فجاءه جبريل ﵇ فقال: إنَّ رجلاً من اليهود سحرك، عقد لك عقداً في بئر كذا وكذا فأرسل إليها من يجيىء بها. فبعث رسول الله ﷺ (علياً رضي الله تعالى عنه) فاستخرجها فجاءه بها فحلَّلها، قال: فقام رسول الله ﷺ كأنما نَشِط من عَقال، فما ذكر ذلك لليهود ولا رآه في وجهه حتى مات (٣).
ومن تلك النماذج حلمه ﵇ على المرأة اليهودية التي أتته بشاة مسمومة
فعن أنس بن مالك ﵁ ((أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك قالت: أردت لأقتلك، فقال: ما كان الله ليسلطك عليَّ - أو قال: على ذلك - قالوا: ألا تقتلها؟ قال أنس: فما زلت أعرفها في لَهَوات رسول الله ﷺ ) (٤).
стр. 203
نماذج من حلم الصحابة ﵃:
حلم أبي بكر الصديق ﵁:
قال رجل لأبي بكر ﵁: (واللهّ لأَسُبَّنك سبًّا يَدْخل القبرَ معك؟ قال: معك يَدْخل لا مَعي.) (١).
وأخرج أبو نعيم وغيره عن عبد الرحمن الأصبهاني قال: (جاء الحسن بن علي ﵄ إلى أبي بكر وهو على منبر النبي ﷺ فقال: انزل عن مجلس أبي فقال: صدقت: إنه مجلس أبيك وأجلسه في حجره وبكى، فقال علي ﵁: والله ما هذا عن أمري، فقال أبو بكر: صدقت، والله ما أتهمك) (٢).
حلم عمر ﵁:
عن إبراهيم بن حمزة، قال: (أُتي عمر ﵁ ببرود فقسمها بين المهاجرين والأنصار ﵃ وكان فيها برد فاضل لها، فقال: إن أعطيته واحداً منهم غضب أصحابه ورأوا أني فضلته عليهم، فدلّوني على فتى من قريش نشأ نشأة حسنة أعطيه إياه. فسمّوا له المسور ابن مخرمة، فدفعه إليه، فنظر إليه سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال: تكسوني هذا البرد وتكسوا ابن أخي مسوراً أفضل منه؟، قال: يا أبا إسحاق، إني كرهت أن أعطيه واحداً منكم فيغضب أصحابه، فأعطيته فتى نشأ نشأة حسنة لا يتوهم فيه أني أفضله عليكم، فقال سعد: إني قد حلفت لأضربن بالبرد الذي أعطيه رأسك، فخضع له عمر رأسه وقال: عندك يا أبا إسحاق وليرفق الشيخ بالشيخ.) (٣).
وعن أصبغ بن نُباتة، قال: (خرجت أنا وأبي من زَرُوْد حتى ننتهي إلى المدينة في غلس، والناس في الصلاة فانصرف الناس من صلاتهم وخرج الناس إلى أسواقهم، فدخل إلينا رجل معه درّه، فقال: "يا أعرابي أتبيع؟ "، فلم يظل يساوم أبي حتى أرضاه على ثمن، وإذا عمر بن الخطاب ﵁ فجعل يطوف في السوق، ويأمرهم بتقوى الله يقبل فيه ويدبر، ثم مرّ على أبي، فقال: "حبستني ليس هذا وعدتني"، ثم مرّ الثانية، فقال له مثل ذلك، فردّ عليه عمر: "لا أريم حتى أوفيك"، ثم مرّ به الثالثة فوثب أبي مغضباً.)
حلم أبي ذر ﵁:
شَتم رجلٌ أبا ذَرًّ فقال: (يا هذا، لا تُغْرق في شَتْمنا ودَعْ للصُّلح مَوْضعاً، فإنا لا نًكافئ مَن عصى الله فينا بأكثر من أن نُطيع الله فيه) (٤).
حلم معاوية ﵁:
كان الرجل يقول لمعاوية: (والله لتستقيمن بنا يا معاوية، أو لنقومنك، فيقول: بماذا؟ فيقولون بالخشب، فيقول إذا أستقيم) (٥).
حلم عمرو بن العاص ﵁:
وقال رجل لعمرو بن العاص: (والله لأتفرَّغنَّ لك، قال: هنالك وقعت في الشغل؟ قال: كأنك تهددني، والله لئن قلت لي كلمة لأقولنِّ لك عشراً، قال: وأنت والله لئن قلت لي عشراً لم أقل لك واحدة) (٦).
حلم ابن عباس ﵁:
وسب رجلٌ ابن عباس ﵁، فقال ابن عباس: (يا عكرمة هل للرّجل حاجة فنقضيها؟ فنكّس الرّجل رأسه واستحى ممّا رأى من حلمه عليه) (٧).
стр. 204
نماذج من حلم السلف:
حلم عمر بن عبد العزيز:
وأسمع رجلٌ عمر بن عبد العَزيز بعضَ ما يَكْره، فقال: (لا عليك، إنّما أردتَ أن يَسْتِفزَّني الشيطانُ بعزة السلطان، فأنال منك اليوم ما تنالُه مني غداً، انصرفْ إذا شئت) (١).
حلم الشعبي:
وشَتم رجلٌ الشَعبَيّ، فقال له: إن كنتَ صادقاً فغَفر الله لي، وإن كنتَ كاذباً فغفر الله لك. (٢).
стр. 205
نماذج من حلم العلماء المعاصرين:
حلم الشيخ ابن باز:
الحلم والسكينة يلازمان – الشيخ ابن باز - في شتى أطواره، يستوي بذلك حاله في السفر والحضر، وفي الصحة والمرض، وفي الزحام والوحدة، ومع القريب والبعيد ...
فهو يحلم على من يجهل عليه، ويحلم على من يرفع الصوت بحضرته، ويحلم على من يسيء فهمه، ويحلم على من يرد عليه بالباطل ...
وقبل سنتين من وفاة سماحته ﵀ كان في الطائف، وفي يوم من الأيام جاء سماحته من الدوام قريباً من الساعة الثالثة إلا ربعاً، ولا يخفى عليك أنه قد قام في آخر الليل للتهجد، وأنه يجلس للدرس حتى الثامنة صباحاً، ثم يذهب للدوام ويقوم بما يقوم به من الأعمال العظام، فلما قدم من الدوام في ذلك اليوم دخل مجلسه، فحيا الجموع التي كانت تأتي كالعادة إليه، وبدأت الأسئلة تترى، والهاتف يستأنف رنينه.
وفي هذه الأثناء دخل على سماحته رجل ثائر، ومعه أوراق يطلب فيها شفاعة الشيخ؛ ليحصل على مال؛ ليتزوج، فشرع الرجل يتكلم بصوت مرتفع أزعج الحاضرين في المجلس، فوجهه سماحة الشيخ بما يلزم، وقال: اذهب إلى فلان في بلدكم الفلاني، واطلب منه أن يكتب لكم تزكية، ويقوم باللازم، ثم يرفعه إلينا، ونحن نكمل اللازم، ونرفع إلى أحد المحسنين في شأنك.
فقال الرجل: يا شيخ ارفعها إلى المسؤول الفلاني- يعني أحد المسؤولين الكبار_فقال سماحة الشيخ: ما يكون إلا خير، فرفع الرجل صوته، وأخذ يكرر: لابد أن ترفعها إلى فلان، وما زال يردد، وما زال الشيخ يلاطفه، ويرفق به، ويعده بالخير، حتى إن الحاضرين تكدروا، وبدا الغضب من على وجوههم، بل إن بعضهم هَمَّ بإخراج الرجل، ولكنهم تأدبوا بحضرة الشيخ. ولم يرغبوا بالتقدم بين يديه. فقال الرجل: يا شيخ عمري يزيد على الخمسين، وماعندي زوجة، وما بقي من عمري إلا القليل، فتبسم سماحة الشيخ، وقال: ياولدي إن شاء الله ستتزوج، ويزيد عمرك_إن شاء الله_على التسعين، وسنعمل ما نستطيع في تلبية طلبك.
فما كان من ذاك الرجل الثائر المستوفز إلا أن تَبلَّجت أساريره، وأقبل على سماحة الشيخ، وأخذ برأس الشيخ يُقَبِّله، ويدعو له.
فلما همَّ بالانصراف ودع الشيخ، فقال له سماحته: لا نسمح لك؛ غداؤك معنا، فقال: يا شيخ أنا على موعد، فقال له الشيخ: هذا الهاتف اعتذر، فما زال يحاول التخلص، وما زال سماحة الشيخ يلح عليه بتناول الغداء، ولم يقبل سماحته الاعتذار إلا بعد لأْيٍ وجَهْد.
حينئذٍ تعجب الحاضرون من تحمل الشيخ، وأصبحت ترى الدهشة بادية على وجوههم، فكأنه أعطاهم درساً عملياً في فضل الحلم، وحميد عاقبته (١).
стр. 206
مسائل متفرقة حول الحلم
- أول الحلم
قال أبو حاتم: (العاقل يلزم الحلم عن الناس كافة فإن صعب ذلك عليه فليتحالم لأنه يرتقي به إلى درجة الحلم. وأول الحلم: المعرفة، ثم التثبت، ثم العزم، ثم التصبر، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الصمت والإغضاء، وما الفضل إلا للمحسن إلى المسيء فأما من أحسن إلى المحسن وحلم عمن لم يؤذه فليس ذلك بحلم ولا إحسان) (١).
- أوصاف الحليم
(يقال فلان حليم الطبع، واسع الخلق، واسع الحبل (٢)، واسع السرب (٣)، رحب الصدر، رحب المجم (٤)، واسع المجسة، وواسع المجس (٥)، واسع الأناة، بعيد الأناة، رحب البال، وقور النفس، راجح الحلم، راسخ الوطأة (٦)، رزين الحصاة (٧).، ساكن الريح، راكد (٨) الريح، واقع الطائر، سكان الطائر، ساكن القطاة (٩)، خافض الطائر (١٠)، خافض الجناح، محتب (١١) بنجاد (١٢) الحلم، رصين، رزين، وزين، ركين (١٣)، رفيق (١٤)، وادع (١٥)، وقور، حصيف (١٦)، رميز (١٧)، متئد (١٨)، ومتوئد، متأن، متثبت ... وهو بعيد غور (١٩) الحلم، طويل حبل الأناة، واسع فسحة الصبر، راجح حصاة العقل. وإنه لا تصدع (٢٠) صفاة حلمه، ولا تستثار قطاة رأيه، ولا يستنزل عن حلمه، ولا يزدهف (٢١) عن وقاره، ولا يحفز (٢٢) عن رزانته، ولا يحل حبوته (٢٣) الطيش، ولا يستفزه (٢٤) نزق، ولا يستخفه غضب، ولا يروع (٢٥) حلمه رائع، ولا يتسفه رأيه (٢٦) متسفه. وهو الطود (٢٧)) (٢٨).
- الأمثال في الحلم
١ - (قولهم: إذا نزل بك الشر فاقعد. أي: فاحلم ولا تسارع إليه.
٢ - وقولهم: الحليم مطية الجاهل.
٣ - وقولهم: لا ينتصف حليم من جاهل.
٤ - وقولهم في الحليم: إنه لواقع الطير، ولساكن الريح.
٥ - وقولهم: ربما أسمع فأذر.
٦ - وقولهم: حلمي أصم وأذني غير صماء.
٧ - وقولهم في الحلماء: كأنما على رؤوسهم الطير) (٢٩).
стр. 207
الحلم في واحة الشعر ..
يخاطبني السفيه:
يخاطبني السّفيه بكلّ قبح ... فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلما ... كعود زاده الإحراق طيبا (١)
إذا نطق السفيه:
إذا نطق السّفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السّكوت
فإن كلّمته فرّجت عنه ... وإن خلّيته كمدا يموت (٢)
إذا سبني نذل:
إذا سبّني نذل تزايدت رفعة ... وما العيب إلّا أن أكون مساببه
ولو لم تكن نفسي عليّ عزيزة ... لمكّنتها من كلّ نذل تحاربه
ولو أنّني أسعى لنفعي وجدتني ... كثير التّواني للّذي أنت طالبه
ولكنّني أسعى لأنفع صاحبي ... وعار على الشّبعان إن جاع صاحبه (٣)
وإني لأترك عور الكلام:
وإني لأترك عور الكلا ... م لئلا أجاب بما أكره
وأغضى على الكلم المحفظا ... ت وأحلم والحلم بي أشبه
فلا تغترر برواء الرجال ... وما زخرفوا لك أو موهوا
فكم من فتى يعجب الناظري ... ـن له ألسن وله أوجه
ينام إذا حضر المكرما ... ت وعند الدناءة يستنبه) (٤)
تخالهم للحلم صما عن الخنا:
تخالهم للحلم صما عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاجر
ومرضى إذا لقوا حياء وعفة ... وعن الحفاظ كالليوث الخوادر
لهم ذل إنصاف ولين تواضع ... بذلهم ذلت رقاب المعاشر
كأن بهم وصما يخافون عاره ... وما وصمهم إلا اتقاء المعاير (٥)
ألم تر أن الحلم زين مسوِّدٌ:
ألمِ تَرَ أنّ الحِلْم زَيْنٌ مُسَوِّدٌ ... لصاحبه والجَهْلَ لِلْمرء شائِنُ
فكن دافناً للجهل بالحِلْم تَسْتَرح ... من الجهل إنّ الحِلم للجَهْل دافِنُ
يارب هب لي منك حلماً:
ألاَ إنّ حِلم المَرْء أكبر نِسْبةٍ ... يُسامى بها عند الفخار كريمُ
فيا ربِّ هَبْ لي منك حلماً فإنني ... أرى الحِلْم لم يندم عليه حليم
وفي الحلم ردع للسفيه:
وفي الحِلم رَدْعٌ للسَّفِيه عن الأذى ... وفي الخُرْق إغراءٌ فَلا تَكُ أَخْرَقَا
فَتَنْدَمَ إذ لا تَنْفَعَنْك ندامةٌ ... كما ندِم المغْبُونُ لَمَا تَفَرَّقا) (٦)
رجعت على السفيه بفضل حلم:
رجعت على السفيه بفضل حلم ... وكان الفعل عنه له لجاما
وظن بي السفاه فلم يجدني ... أسافهه وقلت له سلاما
فقام يجر رجليه ذليلا ... وقد كسب المذمة والملاما
وفضل الحلم أبلغ في سفيه ... وأحرى أن ينال به انتقاما (٧)
لا ترجعن إلى السفيه خطابه:
لا ترجعن إلى السفيه خطابه ... إلا جواب تحية حياكها
فمتى تحركه تحرك جيفة ... تزداد نتنا إن أردت حراكها) (٨)
أيا من تدعي شتمي سفاها:
أيا من تدعي شتمي سفاها ... عجلت علي خيرا يا أخيا
أكسيك الثواب ببنت شتمي ... وأستدعي به إثما إليا
فأنت إذن وقد أصبحت ضدا ... أعز علي من نفسي عليا (٩)
لن يدرك المجد أقوام وإن كرموا ..
لن يدرِك المجد أقوام وإن كرُموِا ... حتى يذلُوا وإن عزُوا لأقوام
ويُشتموا فترى الألوان كاسفةَ ... لا ذلَ عَجْزٍ ولكن ذلِّ أحْلام
وإذا استشارك من تود فقل له:
وإذا استشارك مَنْ تَوَدّ فُقل له ... أَطع الحلِيم إذا الحلِيمُ نَهَاكَا
واعلم بأنك لن تَسود ولن ترى ... سُبل الرشاد إذا أَطعتَ هَواكا
كن معدنا للحلم:
وكن مَعْدِناً للحِلم واصفَح عن الأذى ... فإنك راءِ ما عملتَ وسامِعُ
وأَحْبِب إذا أجبتَ حُثا مُقارِباً ... فإنك لا تَدْري متى أَنْتَ نازع
وأَبْغِض إذا أبغضتَ غيرَ مُباين ... فإنَك لا تَدْري متى أنت راجِع (١٠) ...
стр. 208
معنى الحياء لغة واصطلاحاً
معنى الحياء لغة:
تقول: رجل حَيِيٌّ ذو حَياءٍ بوزن فَعِيلٍ، والأُنثى بالهاء وامرأَة حَيِيَّة واسْتَحْيا الرجل واسْتَحْيَت المرأَة، وللعرب في هذا الحرف لغتان يقال اسْتَحَى الرجل يَسْتَحي بياء واحدة، واسْتَحْيا فلان يَسْتَحْيِي بياءَين، والقرآن نزل بهذه اللغة الثانية في قوله إنَّ الله لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مثلاً [البقرة:٢٦] (١).ويقال استحيت بياء واحدة وأصله استحييت. والحياء ممدود الاستحياء (٢).والحياءمشتق من الحياة (٣).
(قَالَ الْإِمَامُ الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ الْحَيَاةِ وَاسْتَحْيَا الرَّجُلُ مِنْ قُوَّةِ الْحَيَاةِ فِيهِ لِشِدَّةِ علمه بمواقع الغيب) (٤).
معنى الحياء اصطلاحاً:
هو: (انقباض النفس من شيء وتركه حذراً عن اللوم فيه) (٥).
وقال الحافظ ابن حجر: (الحياء: خلق يبعث صاحبه على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير فيحق ذي الحق) (٦).
وقيل هو: (تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم ومحله الوجه ومنعه من القلب) (٧).
стр. 209
الحياء صفة من صفات الله
(حياء الله صفة من الصفات الثابتة في الكتاب والسنة وهي صفة كمال تدل على الكرم والفضل والجود والجلال، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِىٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِى مِنْ عَبْدِهِ إذا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا)) (١).
قال ابن القيم في (النونية) (٢/ ٨٠):
وهو الحييُّ فليسَ يفضحُ عبده ... عندَ التجاهُرِ منهُ بالعصيانِ
لكنَّهُ يُلقِي عليه سِترهُ ... فَهُو السِّتِّيرُ وصاحب الغفرانِ
قال الهرَّاس: (وحياؤه تعالى وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين، الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل هو ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته وكمال جوده وكرمه وعظيم عفوه وحلمه؛ فالعبد يجاهره بالمعصية مع أنه أفقر شيء إليه وأضعفه لديه، ويستعين بنعمه على معصيته، ولكن الرب سبحانه مع كمال غناه وتمام قدرته عليه يستحي من هتك ستره وفضيحته، فيستره بما يهيؤه له من أسباب الستر، ثم بعد ذلك يعفو عنه ويغفر). اهـ) (٢).
стр. 210
الفرق بين الحياء والخجل
(الخجل: معنى يظهر في الوجه لغم يلحق القلب عند ذهاب حجة أو ظهور على ريبة وما أشبه ذلك فهو شيء تتغير به الهيبة.
والحياء: هو الارتداع بقوة الحياء ولهذا يقال فلان يستحي في هذا الحال أن يفعل كذا، ولا يقال يخجل أن يفعله في هذه الحال لأن هيئته لا تتغير منه قبل أن يفعله فالخجل مما كان والحياء مما يكون.
وقد يستعمل الحياء موضع الخجل توسعا، وقال الأنباري: أصل الخجل في اللغة الكسل والتواني وقلة الحركة في طلب الرزق ثم كثر استعمال العرب له حتى أخرجوه على معنى الانقطاع في الكلام.
وفي الحديث (إذا جعتن وقعتن وإذا شبعتن خجلتن) (١) وقعتن أي: ذللتن، وخجلتن: كسلتن.
وقال أبو عبيدة: الخجل هاهنا الأشر وقيل هو سوء احتمال العناء.
وقد جاء عن العرب الخجل بمعنى: الدهش.
قال الكميت:
فلم يدفعوا عندنا ما لهم ... لوقع الحروب ولم يخجلوا
أي لم يبقوا دهشين مبهوتين) (٢).
стр. 211
فضل الحياء
الحياء فضيلة من فضائل الفطرة, وهو مادة الخير والفضيلة وبهذا وصفه النبي ﷺ بقوله: ((الحياء خير كله)) (١).
ومن فضائله أنه:
- يحبه الله:
روي في الحديث الصحيح قال ﷺ : ((عَنْ يَعْلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ حَلِيمٌ حَيِىٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإذا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ)) (٢).
- الحياء من سنن الأنبياء والمرسلين:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((خَمْسٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ وَالْحِلْمُ، وَالْحِجَامَةُ، وَالتَّعَطُّرُ، وَالنِّكَاحُ.)) (٣).
- الحياء خلق الإسلام:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الإِسْلاَمِ الْحَيَاءُ)) (٤).
- الحياء مفتاح لكل خير:
روي عن عمران بن حصين ﵁, قال النبي ﷺ : ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) (٥).
يقول ابن حجر ﵀: (إذا صار الحياء عادة وتخلق به صاحبه يكون سببًا يجلب الخير إليه فيكون منه الخير بالذات والسبب) (٦).
- الحياء مغلاق لكل شر:
وجاء في الصحيح عن أبي مسعود قال: قال النبي ﷺ ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) (٧).
قال الخطابي: (الحكمة في التعبير بلفظ الأمر دون الخبر في الحديث أن الذي يكف الإنسان عن مواقعة الشر هو الحياء فإذا تركه صار كالمأمور بارتكاب كل شر) (٨).
وقال ابن القيم: (خُلق الحياء من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه فليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة كما أنه ليس معه من الخير شيء) (٩).
- الحياء يكسب محبة الله تعالى:
قال رسول الله ﷺ : ((إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه، ويكره البؤس والتباؤس، ويبغض السائل الملحف ويحب الحيي العفيف المتعفف)) (١٠).
стр. 212
- الحياء مفتاح من مفاتيح الزينة:
عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَىْءٍ إِلاَّ زَانَهُ)) (١).
وقال القرطبي: من الحياء ما يحمل صاحبه على الوقار بأن يُوقر غيره ويتوقر هو في نفسه (٢).
- الحياء يؤمن صاحبه يوم القيامة:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)) (٣).
- الحياء يدخل الجنة:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ)) (٤).
стр. 213
الترغيب والحث على الحياء من القرآن والسنة
الترغيب والحث على الحياء من القرآن الكريم:
- قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ [البقرة:٢٦]
أي: لا يمنعه الحياء من أن يضرب مثلاً ولو كان مثلاً حقيراً ما دام يثبت به الحق (١).
- وقال تعالى: وَرِيشًا وَلِبَاسُ التقوى [الأعراف:٢٦]
فُسر لباس التقوى بأنه الحياء كما روي عن الحسن (٢)، ومعبد الجهني (٣).
- وقال تعالى: فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: ٢٥].
قال مجاهد: (يَعْنِي: وَاضِعَةً ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا لَيْسَتْ بِخَرَّاجَةٍ وَلَا وَلَّاجَةٍ) (٤).
قال الطبري: (فَأَتَتْهُ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ، وَهِيَ تَسْتَحْيِي مِنْهُ) (٥).
- وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب:٥٣].
قال ابن كثير: (وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ دُخُولَكُمْ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ وَيَتَأَذَّى بِهِ، لَكِنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ حَيَائِهِ، ﵇، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ) (٦).
وقال الشوكاني: (أَيْ يَسْتَحْيِي أَنْ يَقُولَ لَكُمْ: قُومُوا، أَوِ اخْرُجُوا) (٧).
الترغيب والحث على الحياء من السنة النبوية:
- عن أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) (٨).
قال الخطابي: (قال الشيخ: معنى قوله النبوة الأولى أن الحياء لم يزل أمره ثابتاً واستعماله واجباً منذ زمان النبوة الأولى وأنه ما من نبي إلاّ وقد ندب إلى الحياء وبعث عليه وأنه لم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم ولم يبدل فيما بدل منها) (٩).
وقال ابن دقيق العيد: (معنى قوله: "من كلام النبوة الأولى" إن الحياء لم يزل ممدوحاً مستحسناً مأموراً به لم ينسخ في شرائع الأنبياء الأولين) (١٠).
وقال المناوي: (والمراد الحياء الشرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر وهو محمود) (١١).
стр. 214
- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعبة، أَعْلَاهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان)) (١).
قال الخطابي: (ومعنى قوله الحياء شعبة من الإيمان أن الحياء يقطع صاحبه عن المعاصي ويحجزه عنها فصار بذلك من الإيمان) (٢).
وقال السفيري: (إنما أفرد ﷺ هذه الخصلة من خصال الإيمان في هذا الحديث وخصها بالذكر دون غيرها من باقي شعب الإيمان، لأن الحياء كالداعي إلى باقي الشعب، فإن صاحب الحياء يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر وينزجر، فلما كان الحياء كالسبب لفعل باقي الشعب خص بالذكر ولم يذكر غيره معه) (٣).
وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: (هذا الحديث من جملة النصوص الدالة على أن الإيمان اسم يشمل عقائد القلب وأعماله، وأعمال الجوارح، وأقوال اللسان فكل ما يقرب إلى الله، وما يحبه ويرضاه، من واجب ومستحب فإنه داخل في الإيمان. وذكر هنا أعلاه وأدناه، وما بين ذلك وهو الحياء ولعل ذكر الحياء؛ لأنه السبب الأقوى للقيام بجميع شعب الإيمان. فإن من استحيا من الله لتواتر نعمه، وسوابغ كرمه، وتجليه عليه بأسمائه الحسنى، والعبد -مع هذا كثير التقصير مع هذا الرب الجليل الكبير يظلم نفسه ويجني عليها- أوجب له هذا الحياء التوقِّي من الجرائم، والقيام بالواجبات والمستحبات) (٤).
- وعن عمران بن حصين- ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : ((الحياء لا يأتي إلّا بخير)) (٥).
قال ابن بطال: (معناه أن من استحيا من الناس أن يروه يأتى الفجور ويرتكب المحارم، فذلك داعية له إلى أن يكون أشد حياء من ربه وخالقه، ومن استحيا من ربه فإن حياءه زاجر له عن تضييع فرائضه وركوب معاصيه؛ لأن كل ذى فطرة صحيحة يعلم أن الله تعالى النافع له والضار والرزاق والمحى والمميت، فإذا علم ذلك فينبغى له أن يستحى منه (٦).
قال ابن رجب: («الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ»: فَإِنَّهُ يَكُفُّ عَنِ ارْتِكَابِ الْقَبَائِحِ وَدَنَاءَةِ الْأَخْلَاقِ، وَيَحُثُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَعَالِيهَا، فَهُوَ مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ) (٧).
- ومَرَّ النَّبِى ﵇ عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِى الْحَيَاءِ، يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِى حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((دَعْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإيمَانِ)) (٨).
стр. 215
قال ابن بطال: (معناه أن الحياء من أسباب الإيمان وأخلاق أهله. وذلك أنه لما كان الحياء يمنع من الفواحش، ويحمل على الصبر والخير كما يمنع الإيمان صاحبه من الفجور، ويقيده عن المعاصى ويحمله على الطاعة صار كالإيمان لمساواته له فى ذلك، وإن كان الحياء غريزة والإيمان فعل المؤمن فاشتبها من هذه الجهة) (١).
وقال العيني: (قَوْله: (فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان) أَي: من كَمَال الْإِيمَان، قَالَه أَبُو عبد الْملك، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: جعل الْحيَاء وَهُوَ غريزة من الْإِيمَان وَهُوَ الِاكْتِسَاب لِأَن المستحي يَنْقَطِع بحيائه عَن الْمعاصِي، وَإِن لم يكن لَهُ نِيَّة فَصَارَ كالإيمان الْقَاطِع بَينه وَبَينهَا) (٢).
- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ. قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)) (٣).
قال ابن رجب: (يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ البطن وما حوى: يتضمن حفظ القلب عنا لإصرار على ما حرم الله ويتضمن أيضًا حفظ البطن من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب، ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله اللسان والفرج) (٤).
وقال المباركفوري في شرح الحديث:
(قوله ((استحيوا من الله حق الحياء)) (٥) أي حياء ثابتا ولازما صادقا قاله المناوي وقيل أي اتقوا الله حق تقاته.
(قلنا يا نبي الله إنا لنستحيي) لم يقولوا حق الحياء اعترافا بالعجز عنه.
(والحمد لله) أي على توفيقنا به.
(قال ليس ذاك) أي ليس حق الحياء ما تحسبونه بل أن يحفظ جميع جوارحه عما لا يرضى.
(ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس) أي عن استعماله في غير طاعة الله بأن لا تسجد لغيره ولا تصلي للرياء ولا تخضع به لغير الله ولا ترفعه تكبرا.
(وما وعى) أي جمعه الرأس من اللسان والعين والأذن عما لا يحل استعماله.
(وتحفظ البطن) أي عن أكل الحرام.
(وما حوى) أي ما اتصل اجتماعه به من الفرج والرجلين واليدين والقلب فإن هذه الأعضاء متصلة بالجوف وحفظها بأن لا تستعملها في المعاصي بل في مرضاة الله تعالى.
(وتتذكر الموت والبلى) بكسر الباء من بلى الشيء إذا صار خلقا متفتتا يعني تتذكر صيرورتك في القبر عظاما بالية.
(ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا) فإنهما لا يجتمعان على وجه الكمال حتى للأقوياء قاله القاري.
وقال المناوي لأنهما ضرتان فمتى أرضيت إحداهما أغضبت الأخرى). (٦).