← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أنواع الغش وصوره ١ - الغش في البيع والشراء وغيرها من المعاملات المالية: كأن يحصل الشخص على المال بطرق محرمة إما عن طريق الكذب أو كتمان عيب السلعة أو البخس في ثمنها أو التطفيف في وزنها، أو خلط الجيد بالرديء، وغيرها من الطرق المحرمة، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا فقال: ((ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني)) (١). قال ابن حجر مبيناً هذا النوع من الغش في البيع والشراء: (الغش المحرم أن يعلم ذو السلعة من نحو بائع أو مشتر فيها شيئا لو اطلع عليه مريد أخذها ما أخذها بذلك المقابل) (٢). وقال المراغي: (ضروب الغشّ والاحتيال كما يقع من السماسرة من التلبيس والتدليس، فيزينون للناس السلع الرديئة والبضائع المزجاة، ويورطونهم في شرائها، ويوهمونهم ما لا حقيقة له، بحيث لو عرفوا الخفايا ما باعوا وما اشتروا) (٣). وقال ابن تيمية: (والغش يدخل في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع، مثل أن يكون ظاهر المبيع خيرًا من باطنه، كالذي مر عليه النبي ﷺ وأنكر عليه. ويدخل في الصناعات مثل الذين يصنعون المطعومات من الخبز والطبخ والعدس والشواء وغير ذلك، أو يصنعون الملبوسات كالنساجين والخياطين ونحوهم، أو يصنعون غير ذلك من الصناعات، فيجب نهيهم عن الغش والخيانة والكتمان) (٤). ٢ - غش الراعي للرعية وغش الرعية للراعي: فغش الرعية للراعي يكون بمدحه وإطرائه بما ليس فيه؛ كأن يذكروا له إنجازات لم يعملها، أو بعدم نصحه إذا رأو منه منكرا، وغير ذلك. وأما غش الراعي للرعية: ويقصد بالراعي؛ الرؤساء، والحكام، والمدراء، والرجل في أهله، وغيرهم ممن لهم الرعاية على غيرهم، ويكون الغش بظلمهم، وعدم النصح لهم. فعن معقل بن يسار المزني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) (٥). قال ابن القيم ﵀: (وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه، وإعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه، ففاته انتفاعه بولده وفوَّت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء) (٦). وقال ابن عثيمين: (السبب التاسع من الأسباب التي يستحق فاعلها دخول النار دون الخلود فيها: الغش للرعية وعدم النصح لهم بحيث يتصرف تصرفا ليس في مصلحتهم ولا مصلحة العمل، لحديث معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((ما من عبد يسترعيه الله على رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) (٧)، وهذا يعم رعاية الرجل في أهله والسلطان في سلطانه وغيرهم لحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((كلكم راع ومسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته)) (٨). (٩). ٣ - الغش في القول:

стр. 877

وذلك عند إدلاء الشاهد بالشهادة فيشهد بشهادة فيها زور وبهتان وكذب. ٤ - الغش في النصيحة: ويكون الغش في النصيحة بعدم الصدق والإخلاص فيها، وهذا من علامات المنافقين، لأن المؤمنون نصحة والمنافقون غششة. فعن جرير بن عبد الله، قال: ((بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم)) (١). وعن تميم الداري أن النبي ﷺ ، قال: ((الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (٢). ٥ - الغش في تعلم العلم: كأن يغش في الامتحانات ويحصل على شهادة لا يستحقها وقد يتبوأ بها منصباً وهو ليس أهلاً لذلك المنصب، وبهذا الغش يخرج جيل جاهل خامل منحرف، غير مؤهل لقيادة الأمة، ذو همة دنيئة. وقد تكلم بعض العلماء عن هذا الجانب من الغش؛ نذكر من ذلك: سؤال قدم للجنة الدائمة للإفتاء؛ مفاده: ما حكم من يغش في امتحانات الدراسة كمواد الكيمياء والطبيعة؟ فكان رد اللجنة ما يلي: الغش حرام في امتحانات الدراسة أو غيرها، وفاعله مرتكب كبيرة من كبائر الذنوب؛ لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: ((من غشنا فليس منا)) (٣). ولا فرق في ذلك بين كون المواد الدراسية دينية أو غير دينية (٤). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (الغش محرَّم في الاختِبارات، كما أنَّه محرَّم في المعاملات، فليس لأحدٍ أن يغشَّ في الاختِبارات في أيَّة مادَّة، وإذا رضي الأستاذ بذلك فهو شريكُه في الإثم والخيانة) (٥). وقُدم له سؤال ﵀ مفاده: ما قولُكم فيمَن يقول: إنَّ الغشَّ حرام فقط إذا كان في المواد والعلوم الشرعيَّة، ويكون مباحًا إذا كان في غيرها؛ كاللغة الإنجليزية أو التاريخ أو الرياضيات أو الهندسة أو نحوها؟ فقال ﵀: (الغش في جميع المواد حرام ومنكر؛ لعموم قوله ﷺ : ((مَن غشنا فليس مِنَّا)) (٦)، وهذا لفظ عام يعمُّ الغش في المعاملات، وفي النصيحة والمشورة، وفي العلم بجميع مواده؛ الدينية والدنيوية، ولا يجوز للطالب ولا للمدرِّس فعل ذلك، ولا التساهُل فيه، ولا التغاضِي عنه؛ لعموم الحديث المذكور وما جاء في معناه، ولما يترتَّب على الغشِّ من المَفاسِد والأضرار والعَواقِب الوخيمة) (٧). وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين: (وإن مما يؤسف له أن بعض الطلاب يستأجرون من يعد لهم بحوثاً أو رسائل يحصلون على شهادات علمية أو من يحقق بعض الكتب فيقول لشخص حضر لي تراجم هؤلاء وراجع البحث الفلاني ثم يقدمه رسالة ينال بها درجة يستوجب بها أن يكون في عداد المعلمين أو ما أشبه ذلك فهذا في الحقيقة مخالف لمقصود الجامعة ومخالف للواقع وأرى أنه نوع من الخيانة لأنه لابد أن يكون المقصود من الرسالة هو الدراسة والعلم قبل كل شيء فإذا كان المقصود من ذلك الشهادة فقط فإنه لو سئل بعد أيام عن الموضوع الذي حصل على الشهادة فيه لم يجب لهذا أحذر إخواني الذي يحققون الكتب أو الذين يحضرون رسائل على هذا النحو من العاقبة الوخيمة ... ) (٨). وسئل فضيلته أيضاً: ما نصائحكم للطلبة في أيام الامتحانات والإجازات؟

стр. 878

فأجاب بقوله: (نصيحتي للطلبة في أيام الامتحانات، وفي غير أيام الامتحانات وفي الإجازة: أن يتقوا الله ، وأن يخلصوا له النية في طلب العلم، وأن يؤدوا الأمانة في الامتحانات بحيث لا يحاول أحد منهم الغش لا لنفسه ولا لغيره؛ لأنه مؤتمن، ولأن من نجح بالغش فليس بناجح في الحقيقة، ثم إنه يترتب على غشه أنه سينال بشهادته مرتبة لا تحل إلا بالشهادة الحقيقة المبنية على الصدق، والإنسان إذا لم ينجح إلا بالغش فإنه لم ينجح في الحقيقة، ثم إنه سوف يكون فاشلاً ليتولى منصبًا يتولاه من حصل على الشهادة التي غش فيها، إذ أنه ليس عنده علم فبقي فاشلاً في أداء مهمته، ولا فرق في ذلك بين مادة وأخرى فجميع المواد لا يجوز فيها الغش، وما اشتهر عند بعضهم بأنه يجوز الغش في بعض المواد فإنه لا وجه له) (١). ٦ - عدم الوفاء بالعقود: كالعقود التي تعمل في الإنشاءات والمقاولات، وغيرها من المعاملات التي أبرمت فيها العقود، فعدم الوفاء بها يعتبر من الغش المحرم، والله سبحانه يأمر بالوفاء وعدم الغش حيث يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١] ٧ - الغش في الديانات: قال ابن تيمية: (فأما الغش والتدليس في الديانات فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال، مثل إظهار المكاء والتصدية في مساجد المسلمين، ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين، أو سب أئمة المسلمين، ومشايخهم، وولاة أمورهم، المشهورين عند عموم الأمة بالخير. ومثل التكذيب بأحاديث النبي ﷺ التي تلقاها أهل العلم بالقبول. ومثل رواية الأحاديث الموضوعة المفتراة على رسول الله ﷺ . ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الإله. ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي ﷺ . ومثل الإلحاد في أسماء الله وآياته، وتحريف الكلم عن مواضعه، والتكذيب بقدر الله، ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره. ومثل إظهار الخزعبلات السحرية والشعبذة الطبيعية وغيرها التي يضاهى بها ما للأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات، ليصد بها عن سبيل الله، أو يظن بها الخير فيمن ليس من أهله، وهذا باب واسع يطول وصفه) (٢). ومن صور الغش أيضاً: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم الإنكار على الأصحاب والأقارب محاباة لهم ومداهنة.

стр. 879

آثار ومضار الغش ١ - براءة النبي ﷺ من مرتكب جريمة الغش. ٢ - الغاش بعيد عن الناس بعيد عن الله. ٣ - الغاش في عداد المنافقين. ٤ - الغاش قليل التحصيل، دنيء الهمة. ٥ - الغاش متهاون بنظر الله إليه. ٦ - الغاش مرتكب كبيرة من الكبائر المحرمة. ٧ - الغاش ممحوق البركة. ٨ - الغش خيانة للأمانة التي كلف الإنسان بحملها. ٩ - الغش دليل ضعف الإيمان. ١٠ - الغش سبب من أسباب الفرقة بين المسلمين. ١١ - الغش طريق موصل للنار. ١٢ - الغش فيه أكل أموال الناس بالباطل. ١٣ - الغش من أسباب عدم إجابة الدعاء، لأن صاحبه يأكل المال الحرام. ١٤ - الغش يخرج أجيال فاشلة غير قادرة على تحمل المسئولية. ١٥ - الغش يولد ضعف الثقة بين أفراد المجتمع. ١٦ - كراهية الناس للغاش، وعدم التعامل معه.

стр. 880

الأسباب المؤدية إلى الغش هناك أسباب كثيرة تحمل الإنسان أن يغش ومن هذه الأسباب: ١ - ضعف الإيمان بالله وقلة الخوف منه. ٢ - جهل الفرد بحرمة الغش، وأنه من الكبائر. ٣ - عدم الإخلاص لله في العمل. ٤ - اللهث وراء الدنيا وجمع الأموال من أي طريق كان. ٥ - عدم تطبيق الأحكام لمعاقبة مرتكبي جريمة الغش. ٦ - الرفقة السيئة. ٧ - التربية الغير سليمة، التي تتنافى مع الأخلاق والآداب الإسلامية. ٨ - انعدام القناعة بما قسم الله له. ٩ - عدم تذكر الموت والدار الآخرة.

стр. 881

الأسباب المعينة على ترك الغش ١ - الابتهال والتضرع إلى الله بالدعاء بأن يغنيه الله بحلاله عن حرامه. ٢ - إخلاص العمل لله جل وعلا. ٣ - تفعيل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٤ - تربية الفرد تربية سليمة قائمة على الالتزام بأحكام الشرع الحنيف وآدابه. ٥ - تقوية الثقة بالله واستشعار مراقبته. ٦ - زيارة القبور وتذكر الموت واليوم الآخر. ٧ - الصبر في تحصيل الرزق الحلال بالوسائل المباحة. ٨ - القناعة بما رزق. ٩ - مجالسة الرفقة الصالحة. ١٠ - معاقبة مرتكبي الغش لردعهم عن ذلك. ١١ - العلم بالحكم الشرعي بأن الغش حرام. ١٢ - تعليم الناس بخطر الغش وتبيين صوره. ١٣ - النظر للعواقب الوخيمة للغش في الدنيا والآخرة.

стр. 882

موقف تربوي عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده أسلم، قال: بينا أنا مع عمر بن الخطاب ﵁ وهو يعس المدينة إذ عيي فاتكأ إلى جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا ابنتاه قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء. فقالت لها: يا أماه أو ما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم؟ قالت: وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت: إنه أمر مناديه فنادى أن لا يشاب اللبن بالماء. فقالت لها: يا بنية قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر، فقالت الصبية لأمها: يا أمتاه والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء (١).

стр. 883

الغش في واحة الشعر .. قال ابن زنجي البغدادي: فكم من عدو معلن لك نصحه ... علانية والغش تحت الأضالع وكم من صديق مرشد قد عصيته ... فكنت له في الرشد غير مطاوع وما الأمر إلا بالعواقب إنها ... سيبدو عليها كل سر وذائع (١) وقال آخر: وذو الغش مرهوب وذو النصح آمن ... وذو الطيش مدحوض وذو الحق يفلج وذو الصدق لا يرتاب والعدل قائم ... على طرقات الحق والغبن أعوج وقال آخر: يا بائعاً بالغش أنت مُعَرّض ... لدعوة مظلوم إلى سامع الشكوى فكل من حلال وارتدع عن محرم ... فلست على نار الجحيم غداً تقوى قال أوس بن حجر: مخلفون، ويقضي الناس أمرهم ... غشوا الأمانة صنبور لصنبور (٢) وقال آخر: أيا رُبَّ من تغتشه لك ناصح ... ومنتصح بالغيب غير أمين (٣) وقال منصور بْن مُحَمَّد الكريزي: وصاحب غير مأمون غوائله ... يبدي لي النصح منه وهو مشتمل على خلاف الذي يبدي ويظهره ... وقد أحطت بعلمي أنه دغل عفوت عنه انتظاراً أن يثوب له ... عقل إليه من الزلات ينتقل دهراً فلما بدا لي أن شيمته ... غش وليس له عَن ذاك منتقل تركته ترك قَالَ لا رجوع له ... إلى مودته ما حنت الإبل (٤) وقال عقيل بن هاشم القيني: يا آل عمرو أميتوا الضغن بينكم ... إن الضغائن كسر ليس ينجبر قد كان في آل مروان لكم عبر ... إذ هم ملوك وإذ ما مثلهم بشر تحاسدوا بينهم بالغش فاخترموا ... فما تحس لهم عين ولا أثر (٥) وقال آخر: كذاك من يستنصح الأعادي ... يردونه بالغش والفساد (٦) وقال آخر: قل للذي لست أدري من تلونه ... أناصح أم على غش يداجيني إني لأكثر مما سمتني عجبا ... يد تشج وأخرى منك تأسوني تغتابني عند أقوام وتمدحني ... في آخرين وكل عنك يأتيني هذان أمران شتى بون بينهما ... فاكفف لسانك عن ذمي وتزييني (٧) وقال ابن الرومي: غش من أخر النصيحة عمدا ... عن إمام عليه جل اعتماده ليس يوهي أخاك شدك إيا ... هـ به بل يزيده في اشتداده (٨) ...

стр. 884

معنى الغضب لغة واصطلاحاً معنى الغضب لغة: الغَضَب: بالتَّحْرِيكِ، ضِدُّ الرِّضَا. والغَضْبة: الصَّخرة الصُّلبة. قالوا: ومنه اشتُقَّ الغَضَب، لأنَّه اشتدادُ السُّخط. يقال: غَضِب يَغْضَبُ غَضَباً، وهو غضبانُ وغَضُوب (١). معنى الغضب اصطلاحاً الغضب: هو ثَوَرَانُ دمِ القَلْبِ لقَصْدِ الانْتِقَام (٢). وقال الجرجاني (الغضب: تغير يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه التشفي للصدر) (٣). وقيل: (هو غليانُ دم القلب طلباً لدفع المؤذي عندَ خشية وقوعه، أو طلباً للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعدَ وقوعه) (٤). الألفاظ المترادفة للفظة غَضِب: من الألفاظ المترادفة للفظة غضب: (حرد، وتلظى، واغتاظ، وترغم، واستشاط، وتضرم، وحنق، وأسف، ونقم، وسخط، ووجد، وأحفظ، وأضمر) (٥).

стр. 885

الفرق بين الغضب وبعض الصفات الفرق بين الغضب والسخط: (أن الغضب يكون من الصغير على الكبير ومن الكبير على الصغير. والسخط لا يكون إلا من الكبير على الصغير يقال سخط الأمير على الحاجب ولا يقال سخط الحاجب على الأمير ويستعمل الغضب فيهما. والسخط إذا عديته بنفسه فهو خلاف الرضا يقال رضيه وسخطه وإذا عديته بعلى فهو بمعنى الغضب تقول سخط الله عليه إذا أراد عقابه) (١). الفرق بين الغضب والغيظ: (أن الإنسان يجوز أن يغتاظ من نفسه ولا يجوز أن يغضب عليها وذلك أن الغضب إرادة الضرر للمغضوب عليه ولا يجوز أن يريد الإنسان الضرر لنفسه، والغيظ يقرب من باب الغم) (٢). الفرق بين الغضب والاشتياط: (أن الاشتياط خفة تلحق الإنسان عند الغضب وهو في الغضب كالطرب في الفرح، وقد يستعمل الطرب في الخفة التي تعتري من الحزن، والاشتياط لا يستعمل إلا في الغضب ويجوز أن يقال الاشتياط سرعة الغضب) (٣).

стр. 886

النهي عن الغضب في السنة النبوية - عن أبي هريرة، ﵁، أن رجلا قال للنبي ﷺ أوصني قال: ((لا تغضب فردد مرارا قال: لا تغضب)) (١). قال الخطابي: (معنى قوله لا تغضب اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه) (٢). وقال ابن التين: (جمع ﷺ في قوله لا تغضب خير الدنيا والآخرة لأن الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه فينتقص ذلك من الدين) (٣). وقال البيضاوي: (لعله لما رأى أن جميع المفاسد التي تعرض للإنسان إنما هي من شهوته ومن غضبه وكانت شهوة السائل مكسورة فلما سأل عما يحترز به عن القبائح نهاه عن الغضب الذي هو أعظم ضررا من غيره وأنه إذا ملك نفسه عند حصوله كان قد قهر أقوى أعدائه) (٤). وقال الباجي في (المنتقى): (قول السائل لرسول الله ﷺ علمني كلمات أعيش بهن يحتمل أن يريد به أنتفع بها مدة عيشي، ويحتمل أن يريد به والله أعلم أستعين بها على عيشي، ولا تكثر علي فأنسى، ولعله عرف من نفسه قلة الحفظ فأراد الاختصار الذي يحفظه ولا ينساه فجمع له النبي ﷺ الخير في لفظ واحد فقال له لا تغضب، ومعنى ذلك والله أعلم أن الغضب يفسد كثيرا من الدين؛ لأنه يؤدي إلى أن يؤذي ويؤذى، وأن يأتي في وقت غضبه من القول والفعل ما يأثم به ويؤثم غيره ويؤدي الغصب إلى البغضة التي قلنا إنها الحالقة والغضب أيضا يمنعه كثيرا من منافع دنياه ومعنى قوله ﷺ لا تغضب يريد والله أعلم لا تمض ما يبعثك عليه غضبك وامتنع منه وكف عنه) (٥). وقال ابن رجب في شرحه للحديث: (فهذا الرجلُ طلب مِن النَّبيِّ ﷺ أنْ يُوصِيهَ وصيةً وجيزةً جامعةً لِخصال الخيرِ، ليحفظها عنه خشيةَ أنْ لا يحفظها؛ لكثرتها، فوصَّاه النَّبيُّ ﷺ أنْ لا يغضب، ثم ردَّد هذه المسألة عليه مراراً، والنَّبيُّ ﷺ يردِّدُ عليه هذا الجوابَ، فهذا يدلُّ على أنَّ الغضب جِماعُ الشرِّ، وأنَّ التحرُّز منه جماعُ الخير) (٦). - وعن سليمان بن صرد قال: ((استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه فقال النبي ﷺ إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقالوا للرجل ألا تسمع ما يقول النبي ﷺ قال: إني لست بمجنون)) (٧). - وعن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) (٨). - وعن أنس أن النبي ﷺ مر بقوم يصطرعون فقال: ((ما هذا قالوا فلان ما يصارع أحدا إلا صرعه قال أفلا أدلكم على من هو أشد منه رجل كلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه)) (٩). (جعل الرسول ﷺ البطولة في الناس ضبط النفس عن الاندفاع بعوامل الغضب، وعرَّف الصُّرَعة من الرجال وهو بطل المصارعة، بأنه الذي يملك نفسه عند الغضب. وأن ضبط النفس عن الاندفاع بعوامل الغضب بطولة لا يستطيعها إلا الأشداء أقوياء الإرادة، والمؤمنون أقوياء الإيمان، فليس من السهل إذا غضب الإنسان أن يضبط نفسه ويكظم غيظه، ويكف عن الانتقام ممن أغضبه أو غاظه) (١٠). - وكان من دعائه ﷺ : ((أسألك كَلِمَة الحقِّ في الغضب والرِّضا)) (١١). قال ابن رجب: (وهذا عزيز جداً، وهو أنَّ الإنسان لا يقول سوى الحقِّ سواء غَضِبَ أو رضي، فإنَّ أكثرَ الناس إذا غَضِبَ لا يَتوقَّفُ فيما يقول) (١٢).

стр. 887

أقوال السلف والعلماء في ذم الغضب - قال عمرُ بنُ عبد العزيز: (قد أفلحَ مَنْ عُصِمَ من الهوى، والغضب، والطمع) (١). - وقال الحسن: (أربعٌ من كُنَّ فيه عصمه الله من الشيطان، وحرَّمه على النار: مَنْ ملك نفسَه عندَ الرغبة، والرهبة، والشهوةِ، والغضبِ) (٢). - (وحكي أن الفضيل بن عياض كان إذا قيل له: إن فلاناً يقع في عرضك، يقول: والله لأغيظن من أمره، يعني: إبليس، ثم يقول: اللهم إن كان صادقاً فاغفر لي، وإن كان كاذباً فاغفر له. - وقال جعفر بنُ محمد: الغضبُ مفتاحُ كلِّ شرٍّ) (٣). - وقال عبد الملك بن مروان: (إذا لم يغضب الرجل لم يحلم؛ لأن الحليم لا يعرف إلا عند الغضب) (٤) - وقيل لابنِ المبارك: (اجْمَعْ لنا حسنَ الخلق في كلمة، قال: تركُ الغضبِ) (٥). - وقال الحسن: (المؤْمن حَليم لا يَجهل وإن جُهل عليه، وتلا قولَ الله : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان:٦٣]) (٦). - وقال ميمون بن مِهران: (جاء رجلٌ إلى سلمان، فقال: يا أبا عبدِ الله أوصني، قال: لا تغضب، قال: أمرتني أنْ لا أغضب وإنَّه ليغشاني ما لا أملِكُ، قال: فإنْ غضبتَ، فامْلِكْ لِسانك ويَدَك) (٧). - وقال عطاءُ بنُ أبي رباح: (ما أبكى العلماءَ بكاء آخرِ العمرِ من غضبة يغضبُها أحدُهُم فتهدِمُ عملَ خمسين سنة، أو ستين سنة، أو سبعين سنة، وربَّ غضبة قد أقحمت صاحبها مقحماً ما استقاله) (٨). - وقال يزيدُ بن أبي حَبيب: (إنما غَضَبي في نَعْليّ، فإذا سمعت ما أكره أخذتُهما ومَضيت) (٩). - وقال أبو حاتم: (أحسن الناس عقلا من لم يحرد، وأحضر الناس جوابا من لم يغضب) (١٠). - وقال أيضاً: (الواجب على العاقل إذا ورد عليه شيء بضد ما تهواه نفسه أن يذكر كثرة عصيانه ربه، وتواتر حلم الله عنه ثم يسكن غضبه ولا يزرى بفعله الخروج إلى ما لا يليق بالعقلاء في أحوالهم، ثم تأمل وفور الثواب في العقبى بالاحتمال ونفي الغضب) (١١).

стр. 888

أقسام الغضب الغضب ينقسم إلى قسمين: غضب مذموم وغضب ممدوح. ١ - الغضب المذموم فالغضب المذموم هو الذي نُهي عنه وذُم في الأحاديث التي وردت وهو خلق سيئ. (لأنه يخرج العقل والدين من سياستهما، فلا يبقى للإنسان مع ذلك نظر ولا فكر ولا اختيار) (١). ٢ - الغضب المحمود الغضب المحمود هو أن يكون لله عند ما تنتهك حرماته، والغضب على أعدائه من الكفّار والمنافقين والطّغاة والمتجبّرين، وقد ذكر القرآن ذلك للرّسل الكرام في مواضع عديدة، ووردت أحاديث كثيرة تدل على أن النبي ﷺ كان يغضب لله ، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التوبة:٧٣] قال الكلاباذي في قوله تعالى حكاية عن موسى: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي [طه: ٩٢ - ٩٣] قال: (فكانت تلك الحدة منه والغضب فيه صفة مدح له لأنها كانت لله، وفي الله كما كانت رأفة النبي ﷺ ورحمته في الله ولله، ثم كان يغضب حتى يحمر وجهه، وتذر عروقه لله وفي الله، وبذلك وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:٢٩] وفي الله، وبذلك وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة: ٥٤]) (٢). قال الباجي: (وأما فيما يعاد إلى القيام بالحق فالغضب فيه قد يكون واجبا وهو الغضب على الكفار والمبالغة فيهم بالجهاد وكذلك الغضب على أهل الباطل وإنكاره عليهم بما يجوز، وقد يكون مندوبا إليه، وهو الغضب على المخطئ إذا علمت أن في إبداء غضبك عليه ردعا له وباعثا على الحق، وقد روى زيد بن خالد الجهني أن رسول الله ﷺ لما سأله رجل عن ضالة الإبل ... وقال مالك ولها وغضب رسول الله ﷺ لما شكا إليه رجل معاذ بن جبل أنه يطول بهم في الصلاة) (٣).

стр. 889

آثار ومضار الغضب لا شك أن الغضب له آثار سيئة على نفس الغاضب في مظهره، وفي لسانه بأن ينطق كل قبيح، وله آثاره السيئة على المجتمع الذي من حوله: (ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون، وشدة رعدة الأطراف، وخروج الأفعال عن الانتظام، واضطراب الحركة والكلام حتى يظهر الزبد على الأشداق وتشتد حمرة الأحداق وتنقلب المناخر وتستحيل الخلقة، ولو يرى الغضبان في حال غضبه صورة نفسه لسكن غضبه حياء من قبح صورته لاستحالة خلقته، وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره، فإن الظاهر عنوان الباطن إذ قبح ذاك إنما نشأ عن قبح هذا فتغير الظاهر ثمرة تغير الباطن هذا أثره في الجسد. وأما أثره في اللسان؛ فانطلاقه بالقبائح كالشتم والفحش وغيرهما مما يستحي منه ذوو العقول مطلقا، وقائله عند فتور غضبه على أنه لا ينتظم كلامه، بل يتخبط نظمه ويضطرب لفظه وأما أثره في الأعضاء، فالضرب فما فوقه إلى القتل عند التمكن فإن عجز عن التشفي رجع غضبه عليه فمزق ثوبه وضرب نفسه وغيره حتى الحيوان والجماد - بالكسر - وغيره، وعدا عدو الواله السكران والمجنون الحيران، وربما سقط وعجز عن الحركة واعتراه مثل الغشية لشدة استيلاء الغضب عليه. وأما أثره في القلب، فالحقد على المغضوب عليه وحسده، وإظهار الشماتة بمساءته، والحزن بسروره، والعزم على إفشاء سره وهتك ستره والاستهزاء به وغير ذلك من القبائح) (١). قال الراغب: (واعلم أن نار الغضب متى كانت عنيفة تأججت واضطرمت واحتد منه غليان الدم في القلب وملأت الشرايين والدماغ دخاناً مظلماً مضطرما يسود منه مجال العقل ويضعف به فعله، فكما أن الكهف الضيق إذا ملئ حريقاً اختنق فيه الدخان واللهب وعلا منه الأجيج فيصعب علاجه وإطفاؤه ويصير كل ما يدنو منه مادة تقويه. فكذلك النفس إذا اشتعلت غضباً عميت عن الرشد، وصمت عن الموعظة، فتصير مواعظه مادة لغضبه، ولهذا حكى عن إبليس لعنه الله أنه يقول: متى أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا غضب لأنه ينقاد لي فيما أبتغيه منه، ويعمل بما أريده وأرتضيه. وقد قيل الغضب جنون ساعة وربما أفضى إلى تلف باختناق حرارة القلب فيه وربما كان سبباً لأمراض صعبة مؤدية إلى التلف) (٢). وقال ابن رجب: (وينشأ من ذلك كثيرٌ من الأفعال المحرمة كالقتل والضربِ وأنواعِ الظلم والعُدوان، وكثيرٍ من الأقوال المحرَّمة كالقذفِ والسبِّ والفحش، وربما ارتقى إلى درجة الكفر، كما جرى لجبلة بن الأيهم (٣)، وكالأيمان التي لا يجوزُ التزامُها شرعاً، وكطلاق الزوجة الذي يُعقب الندمَ) (٤). وقال أبو حاتم: (وسرعة الغضب أنكى في العاقل من النار في يبس العوسج؛ لأن من غضب زايله عقله، فقال ما سوَّلت له نفسه، وعمل ما شانه وأرداه) (٥). وقال ابن مسكويه: (فإن صاحب هذا الخلق الذي ذممناه تصدر عنه أفعال رديئة كثيرة يجور فيها على نفسه ثم على إخوانه ثم على الأقرب فالأقرب من معامليه حتى ينتهي إلى عبيده وإلى حرمه فيكون عليهم سوط عذاب ولا يقيلهم عثرة ولا يرحم لهم عبرة وإن كانوا برآء من الذنوب غير مجترمين ولا مكتسبين سواء بل يتجرم عليهم ويهيج من أدنى سبب يجد به طريقا إليهم حتى يبسط لسانه ويده وهم لا يمتنعون منه ولا يتجاسرون على رده عن أنفسهم بل يذعنون له ويقرون بذنوب لم يقترفوها استكفافا لشره وتسكينا لغضبه وهو مع ذلك مستمر على طريقته لا يكف يدا ولا لسانا وربما تجاوز في هذه المعاملة الناس إلى البهائم التي لا تعقل وإلى الأواني التي لا تحس. فإن صاحب هذا الخلق الرديء ... ربما عض القفل إذا تعسر عليه وكسر الآنية التي لا يجد فيها طاعة لأمره. وهذا النوع من رداءة الخلق مشهور في كثير من الجهال يستعملونه في الثوب والزجاج والحديد وسائر الآلات.) (٦).

стр. 890

نماذج من هدي النبي ﷺ عند الغضب النبي ﷺ ما كان يغضب لنفسه، وما كان ينتصر لها، بل كان غضبه لله وحينما تنتهك حرماته. يحدثنا هند ابن أبي هالة ﵁ عن صفات النبي ﷺ فيذكر من صفاته ﷺ أنه: ( ... لا تغضبه الدنيا، وما كان لها وإذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ... ) (١). وإليكم نماذج من مواقف النبي ﷺ في غضبه عندما تنتهك حرمات الله، وعن ذلك تحكي لنا عائشة ﵂ موقفاً حصل لها مع النبي ﷺ فتقول: - ((دخل علي النبي ﷺ وفي البيت قرام فيه صور فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه وقالت قال النبي ﷺ من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور)) (٢). وعن أبي مسعود، ﵁، قال: ((أتى رجل النبي ﷺ فقال إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا قال فما رأيت رسول الله ﷺ قط أشد غضبا في موعظة منه يومئذ قال فقال يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم المريض والكبير وذا الحاجة)) (٣). وعن عبد الله، ﵁، قال: ((بينا النبي ﷺ يصلي رأى في قبلة المسجد نخامة فحكها بيده فتغيظ ثم قال إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإن الله حيال وجهه فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة)) (٤). وعن زيد بن خالد الجهني أن رجلا سأل رسول الله ﷺ ، عن اللقطة فقال: ((عرفها سنة ثم اعرف وكاءها وعفاصها ثم استنفق بها فإن جاء ربها فأدها إليه قال يا رسول الله فضالة الغنم قال خذها فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب قال يا رسول الله فضالة الإبل قال فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، أو احمر وجهه، ثم قال مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها)) (٥). وعن زيد بن ثابت، ﵁، قال: ((احتجر رسول الله ﷺ حجيرة مخصفة، أو حصيرا فخرج رسول الله ﷺ يصلي فيها فتتبع إليه رجال وجاؤوا يصلون بصلاته ثم جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله ﷺ عنهم فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب فخرج إليهم مغضبا فقال لهم رسول الله ﷺ ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)) (٦).

стр. 891

وعن البراء بن عازب قال: ((خرج رسول الله ? وأصحابه قال: فأحرمنا بالحج فلما قدمنا مكة قال: اجعلوا حجكم عمرة. قال: فقال الناس: يا رسول الله قد أحرمنا بالحج كيف نجعلها عمرة؟ قال: انظروا ما آمركم به فافعلوا. فردوا عليه القول فغضب ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك أغضبه الله؟ فقال: وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع)) (١). وعن أبي هريرة- ﵁ ((أنّه قال: بينما يهوديّ يعرض سلعة له أعطي بها شيئا، كرهه أو لم يرضه، قال: لا: والّذي اصطفى موسى- ﵇ على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فلطم وجهه. قال: تقول: والّذي اصطفى موسى- ﵇، على البشر ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟ قال: فذهب اليهوديّ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا أبا القاسم،. إنّ لي ذمّة وعهدا، وقال: فلان لطم وجهي. فقال رسول الله ﷺ : لم لطمت وجهه؟ قال: قال: (يا رسول الله): والّذي اصطفى موسى- ﵇ على البشر وأنت بين أظهرنا؛ قال: فغضب رسول الله ﷺ ، حتّى عرف الغضب في وجهه. ثمّ قال: لا تفضّلوا بين أنبياء الله، فإنّه ينفخ في الصّور فيصعق من في السّموات ومن في الأرض إلّا من شاء الله، ثمّ ينفخ فيه أخرى. فأكون أوّل من بعث: أو في أوّل من بعث. فإذا موسى- ﵇ آخذ بالعرش. فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطّور. أو بعث قبلي. ولا أقول: إنّ أحدا أفضل من يونس بن متّى ﵇) (٢). وعن عائشة- ﵂ ((أنّها قالت: رخّص رسول الله ﷺ في أمر فتنزّه عنه ناس من النّاس. فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ ، فغضب حتّى بان الغضب في وجهه. ثمّ قال: ما بال أقوام يرغبون عمّا رخّص لي فيه. فو الله لأنا أعلمهم بالله وأشدّهم له خشية)) (٣). وعن أبي قتادة- ﵁ أنّه قال: ((رجل أتى النّبيّ ﷺ ، فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ ، فلمّا رأى عمر- ﵁ غضبه. قال: رضينا بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد نبيّا. نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله. فجعل عمر- ﵁ يردّد هذا الكلام حتّى سكن غضبه)) (٤). وعن أبي سعيد الخدري قال: ((كان النَّبيُّ ﷺ أشدَّ حياءً من العذراءِ في خِدْرها، فإذا رأى شيئاً يكرهه، عرفناه في وجهه، ولما بلَّغَه ابنُ مسعودٍ قَولَ القائل: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، شقَّ عليه ﷺ ، وتَغيَّر وجهه، وغَضِبَ، ولم يَزِدْ على أنْ قال: قد أوذِيَ موسى بأكثر من هذا فصبر)) (٥).

стр. 892

نماذج من هدي الصحابة عند الغضب عمر ﵁: روي أن رجلاً قال لعمر: إنك لا تقضي بالعدل، ولا تعطي الحق. فغضب واحمر وجهه، قيل له: يا أمير المؤمنين، ألم تسمع أن الله يقول: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وهذا جاهل، فقال: صدقت، فكأنما كان ناراً فأطفئت (١). معاوية ﵁: (خطب معاوية يوماً فقال له رجل: كذبت. فنزل مغضباً فدخل منزله، ثم خرج عليهم تقطر لحيته ماءً، فصعد المنبر فقال: أيها الناس إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، فإذا غضب أحدكم فليطفئه بالماء، ثم أخذ في الموضع الذي بلغه من خطبته) (٢). عبد الله بن عباس ﵁: سب رجل ابن عباس ﵄ – فلما فرغ قال: يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فنكس الرجل رأسه واستحى (٣). أبو الدرداء ﵁: أسمع رجل أبا الدرداء – ﵁ كلاما , فقال: يا هذا لا تغرقن في سبنا ودع للصلح موضعا فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه (٤). أبو ذر ﵁: قال أبو ذر –﵁ لغلامه: لِمَ أرسلت الشاة على علف الفرس؟ قال: أردت أن أغيظك. قال: لأجمعن مع الغيظ أجرا أنت حر لوجه الله تعالى (٥).

стр. 893

نماذج من هدي السلف عند الغضب علي بن الحسين: حكي أن جارية كانت تصب الماء لعلي بن الحسين، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه، أي جرحه، فرفع رأسه إليها، فقالت له: إن الله يقول: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ فقال لها: قد كظمت غيظي، قالت: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ قال لها: قد عفوت عنك، قالت: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله. عمر بن عبد العزيز: (غضب يوماً عمرُ بن عبد العزيز فقالَ لهُ ابنُه: عبدُ الملكِ - رحمهما الله -: أنتَ يا أميرَ المؤمنين مع ما أعطاك الله وفضَّلك به تغضبُ هذا الغَضبَ؟ فقال له: أو ما تغضبُ يا عبدَ الملك؟ فقال عبد الملك: وما يُغني عني سعةُ جوفي إذا لم أُرَدِّدْ فيه) (١). (وأسمعه رجل كلاماً فقال له. أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً، انصرف رحمك الله) (٢). المهدي: (قيل: غضب المهدي على رجل، فدعا بالسياط فلما رأى شبيب شدة غضبه، وإطراق الناس، فلم يتكلموا بشيء، قال: يا أمير المؤمنين، لا تغضبن لله بأشد مما غضب لنفسه، فقال: خلوا سبيله) (٣). عبد الله بن عون: (روي عن القعنبي قال: كان ابن عون لا يغضب. فإذا أغضبه رجل قال: بارك الله فيك) (٤). (وكان لابن عون ناقة يغزو عليها ويحج وكان بها معجباً. قال فأمر غلاما له أن يستقي عليها، فجاء بها وقد ضربها على وجهها، فسالت عينها على خدها، فقلنا: إن كان من ابن عون شيء فاليوم! قال: فلم يلبث أن نزل، فلما نظر إلى الناقة قال: سبحان الله، أفلا غير الوجه، بارك الله فيك اخرج عني، اشهدوا أنه حر) (٥).

стр. 894

أسباب الغضب من أسباب الغضب: (العجب، والافتخار، والمراء، واللجاج، والمزاح، والتيه، والضيم، والاستهزاء، وطلب ما فيه التنافس، والتحاسد، وشهوة الانتقام) (١)، (والمضادة، والغدر، وشدة الحرص على فضول المال والجاه، وهذه أخلاق رديئة مذمومة شرعاً) (٢). (ومن أشد البواعث على الغضب عند أكثر الجهال تسميتهم الغضب شجاعة ورجولية وعزة نفس وكبر همة وتلقيبه بالألقاب المحمودة غباوة وجهلا حتى تميل النفس إليه وتستحسنه وقد يتأكد ذلك بحكاية شدة الغضب عن الأكابر في معرض المدح بالشجاعة والنفوس مائلة إلى التشبه بالأكابر فيهيج الغضب إلى القلب بسببه وتسمية هذا عزة نفس وشجاعة جهل بل هو مرض قلب ونقصان عقل وهو لضعف النفس ونقصانها) (٣).

стр. 895

علاج الغضب ١ - الوضوء: قال ابن مفلح: (ويستحب أن يتوضأ لخبر عطية عن النبي ﷺ قال: ((إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من نار، وإنما تطفأ النار بالماء؛ فإذا غضب أحدكم فليتوضأ)) (١)). ٢ - القعود إن كان قائما: ٣ - الاضطجاع إن كان قاعدا: قال ابن مفلح في (الآداب الشرعية): (ويستحب لمن غضب أن يغير حاله، فإن كان جالساً قام واضجع، وإن كان قائماً مشى) (٢). ٤ - أن يلتزم بوصية النبي ﷺ في ذلك: ((لا تغضب)) عن عطيّة (وهو ابن سعد القرظيّ) ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنّ الغضب من الشّيطان، وإنّ الشّيطان خلق من النّار، وإنّما تطفأ النّار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضّأ)) (٣). عن أبي الدرداء قلت يا رسول الله ((دلني على عمل يدخلني الجنة قال لا تغضب)) (٤). ٥ - أن يضبط النفس عن الاندفاع بعوامل الغضب: فعن أبي العلاء بنِ الشِّخِّير قال: ((أنَّ رجلاً أتى النَّبيَّ ﷺ مِن قِبَلِ وجهه، فقالَ: يا رسولَ الله أيُّ العملِ أفضلُ؟ قالَ: حُسْنُ الخلق ثُمَّ أتاه عن يمينه، فقالَ: يا رسول الله، أيُّ العمل أفضل؟ قال: حسنُ الخُلُقِ، ثم أتاه عن شِماله، فقال: يا رسول الله، أيُّ العمل أفضل؟ قال: حسنُ الخُلُقُ، ثم أتاه من بعده، يعني: من خلفه، فقال: يا رسولَ الله أيُّ العملِ أفضلُ؟ فالتفت إليه رسولُ الله ﷺ فقال: مالك لا تَفْقَهُ! حسْنُ الخُلُقِ هو أنْ لا تَغْضَبَ إنِ استطعْتَ)) (٥). ٦ - الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: قال ابن القيم: (ولما كان الغضب والشهوة جمرتين من نار في قلب ابن آدم، أمر أن يطفئهما بالوضوء، والصلاة، والاستعاذة من الشيطان الرجيم، كما قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ... [البقرة: ٤٤] الآية. وهذا إنما يحمل عليه شدة الشهوة، فأمرهم بما يطفئون بها جمرتها، وهو الاستعانة بالصبر والصلاة، وأمر تعالى بالاستعاذة من الشيطان عند نزغاته، ولما كانت المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة، وكان نهاية قوة الغضب القتل، ونهاية قوة الشهوة الزنى، جمع الله تعالى بين القتل والزنى، وجعلهما قرينين في سورة الأنعام، وسورة الإسراء، وسورة الفرقان، وسورة الممتحنة. والمقصود: أنه سبحانه أرشد عباده إلى ما يدفعون به شر قوتي الغضب والشهوة من الصلاة والاستعاذة) (٦). ٧ - السكوت:

стр. 896

عن ابن عباس ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : ((علّموا ويسّروا ولا تعسّروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت)) (١). قال ابن رجب: (وهذا أيضاً دواء عظيم للغضب؛ لأنَّ الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليهِ في حال زوال غضبه كثيراً من السِّباب وغيره مما يعظم ضَرَرُهُ، فإذا سكت زال هذا الشرّ كله عنه، وما أحسنَ قولَ مورق العجلي ﵀: ما امتلأتُ غيضاً قَطُّ ولا تكلَّمتُ في غضبٍ قطُّ بما أندمُ عليهِ إذا رضيتُ) (٢). ٨ - أن يذكر الله فيدعوه ذلك إلى الخوف منه، ويبعثه الخوف منه على الطاعة له، فيرجع إلى أدبه ويأخذ بندبه: قال الله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف:٢٤] قال عكرمة: يعني إذا غضبت. وقال الله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:٢٠٠] ومعنى قوله ينزغنك أي يغضبنك، فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم يعني أنه سميع بجهل من جهل، عليم بما يذهب عنك الغضب ... ٩ - أن ينتقل عن الحالة التي هو فيها إلى حالة غيرها ... ١٠ - أن يتذكر ما يؤول إليه الغضب من الندم ومذمة الانتقام ... ١١ - أن يذكر انعطاف القلوب عليه، وميل النفوس إليه، فلا يرى إضاعة ذلك بتغير الناس عنه فيرغب في التألف وجميل الثناء (٣). ١٢ - (أن يحذر نفسه عاقبة العداوة، والانتقام، وتشمير العدو في هدم أعراضه، والشماتة بمصائبه، فإن الإنسان لا يخلو عن المصائب، فيخوف نفسه ذلك في الدنيا إن لم يخف في الآخرة. ١٣ - أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب. ١٤ - أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام، مثل أن يكون سبب غضبه أن يقول له الشيطان: إن هذا يحمل منك على العجز، والذلة والمهانة، وصغر النفس، وتصير حقيراً في أعين الناس، فليقل لنفسه: تأنفين من الاحتمال الآن، ولا تأنفين من خزي يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ هذا بيدك وانتقم منك، وتحذرين من أن تصغري في أعين الناس، ولا تحذرين من أن تصغري عند الله تعالى وعند الملائكة والنبيين!! ١٥ - أن يعلم أن غضبه إنما كان من شيء جرى على وفق مراد الله تعالى، لا على وفق مراده، فكيف يقدم مراده على مراد الله تعالى) (٤). ١٦ - أن يذكر ثواب من كظم غيظه: قال سبحانه: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:١٣٤] (قوله: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ أي: إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم -وهو امتلاء قلوبهم من الحنق، الموجب للانتقام بالقول والفعل-، هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم) (٥). وقال تعالى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى:٣٧] (أي: قد تخلقوا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، فصار الحلم لهم سجية، وحسن الخلق لهم طبيعة حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله أو فعاله، كظموا ذلك الغضب فلم ينفذوه، بل غفروه، ولم يقابلوا المسيء إلا بالإحسان والعفو والصفح، فترتب على هذا العفو والصفح، من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم شيء كثير) (٦). وقال ابن كثير في تفسيره للآية: (أي: سجيتهم وخلقهم وطبعهم، تقتضي الصفح والعفو عن الناس، ليس سجيتهم الانتقام من الناس) (٧). وقال : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:٢٠١] قال سعيد بن جبير: (هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله تعالى فيكظم الغيظ) (٨).

стр. 897

تفاوت الناس في سرعة الغضب بَيَّن النبي ﷺ طباع الناس وتفاوتهم في سرعة الغضب ورجوعهم عنه، فقال في الحديث الذي خطب فيه النبي ﷺ أصحابه، وفيه: (( ... ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى ... ألا وإن منهم البطيء الغضب سريع الفيء ومنهم سريع الغضب سريع الفيء فتلك بتلك ألا وإن منهم سريع الغضب بطيء الفيء ألا وخيرهم بطيء الغضب سريع الفيء، وشرهم سريع الغضب بطيء الفيء ألا وإن منهم حسن القضاء حسن الطلب ومنهم سيئ القضاء حسن الطلب ومنهم حسن القضاء سيئ الطلب فتلك بتلك ألا وإن منهم السيئ القضاء السيئ الطلب ألا وخيرهم الحسن القضاء الحسن الطلب ألا وشرهم سيئ القضاء سيئ الطلب ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق بالأرض ... )) (١). في هذا الحديث قسم النبي ﷺ الناس إلى أقسام أربعة: (الأول: بطيء الغضب سريع الفيء، أي: سريع الرجوع إلى حالة الهدوء واعتدال المزاج، وهذا خير الأقسام. الثاني: سريع الغضب سريع الفيء، وسرعة الغضب خلق مذموم، إلا أن سرعة الفيء فضيلة محمودة، فهذه بهذه. الثالث: بطيء الغضب بطيء الفيء، أما بطء الغضب فخلق محمود يدل على الحلم، لكن بطء الفيء خلق مذموم يدل على الحقد وعدم التسامح، فهذه بهذه، ويظهر أن هذا القسم معادل للقسم الثاني. الرابع: سريع الغضب بطيء الفيء، وهذا شر الأقسام، لأنه جمع الدائين معاً، وما اجتمع الداءان إلا ليقتلا، فسرعة الغضب خلق مذموم، وبطيء الفيء خلق مذموم، ويا بؤس من تلجئه الضرورة إلى معاشرة هذا القسم من الناس) (٢). قال الراغب: (والغضب في الإنسان بمنزلة نار تشعل، والناس يختلفون فيه، فبعضهم كالحلفاء (٣) سريع الوقود وسريع الخمود، وبعضهم كالغضى (٤) بطيء الوقود بطيء الخمود، وبعضهم سريع الوقود بطيء الخمود، وبعضهم على عكس ذلك وهو أحمدهم ما لم يكن مفضياً به إلى زوال حميته وفقدان غيرته، واختلافهم تارة يكون بحسب الأمزجة فمن كان طبعه حاراً يابساً يكثر غضبه، ومن كان بخلافه يقل، وتارة يكون بحسب اختلاف العادة فمن الناس من تعود السكون والهدوء وهو المعبر عنه بالذلول والهين واللين، ومنهم من تعود الطيش والانزعاج فيحتد بأدنى ما يطرقه ككلب يسمع صوتاً فينبح قبل أن يعرف ما هو) (٥).

стр. 898

غالب من يتصف بسرعة الغضب ذكر بعض العلماء أن أغلب من يتصف بسرعة الغضب هم النساء والصبيان، والشَّرِه والبخيل وضعيف النفس من الرجال .... قال الراغب: (وأسرع الناس غضباً الصبيان والنساء، وأكثرهم ضجراً الشيوخ .. ) (١). وقال ابن مسكويه: (ونحن نجدها في النساء – أي صفة الغضب - أكثر منها في الرجال وفي المرضى أقوى منها في الأصحاء ونجد الصبيان أسرع غضبا وضجرا من الرجال. والشيوخ أكثر من الشبان ونجد رذيلة الشره. فإن الشَّرِه إذا تعذر عليه ما يشتهيه غضب وشجر على من يهيئ طعامه وشرابه من نسائه وأولاده وخدمه وسائر من يلابس أمره. والبخيل إذا فقد شيئا من ماله تسرع بالغضب على أصدقائه ومخالطيه وتوجهت تهمته إلى أهل الثقة من خدمه ومواليه. وهؤلاء الطبقة لا يحصلون من أخلاقهم إلا على فقد الصديق وعدم النصيح وعلى الذم السريع واللوم الوجيع) (٢). قال الغزالي: (وآية أنه لضعف النفس – أي الغضب- أن المريض أسرع غضبا من الصحيح والمرأة أسرع غضبا من الرجل والصبي أسرع غضبا من الرجل الكبير والشيخ الضعيف أسرع غضبا من الكهل وذو الخلق السيئ والرذائل القبيحة أسرع غضبا من صاحب الفضائل فالرذل يغضب لشهوته إذا فاتته اللقمة ولبخله إذا فاتته الحبة حتى أنه يغضب على أهله وولده وأصحابه، بل القوي من يملك نفسه عند الغضب كما قال رسول الله ﷺ .... ) (٣).

стр. 899

ذم الغضب في واحة الشعر .. الغضب عدو العقل قال الشاعر: ولم أر فضلا تم إلا بشيمة ... ولم أر عقلا صح إلا على الأدب ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم ... عدواً لعقل المرء أعدى من الغضب عاقبة الغضب قال الشاعر: لم يأكل الناس شيئاً من مآكلهم ... أحلى وأحمد عقباه من الغضب ولا تلحف إنسان بملحفة ... أبهى وأزين من دين ومن أدب كظم الغيظ يغيظ العدو قال الشاعر: وكظمي الغيظ أولى من محاولتي ... غيظ العدو بإضراري بإيماني لا خير في أمر ترديني مغبته ... يوم الحساب إذا ما نص ميزاني وإذا غضبت فكن وقورا قال الشاعر: وإذا غضبت فكن وقورا كاظما ... للغيظ تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفاً تبصر ساعة ... يرضى بها عنك الإله ويدفع وقال آخر: ولا تقطع أخاً لك عند ذنب ... وإن الذنب يغفره الكريم ولكن داري عواره برفق ... كما قد يرقع الخلق القديم ...

стр. 900

كلمة أخيرة ... وأخيراً أيها القارئ الفاضل حدثنا متى تغضب؟ وكيف تتصرف في حال غضبك؟ وهل حاولت أن تحلم على من أغضبك؟ ومتى تكظم غيظك وتتعامل مع المواقف بحكمة؟ ومن خلال قراءتك للموضوع هل حددت درجتك في سرعة الغضب؟ وباطلاعك على الموضوع هل استفدت من علاج الغضب؟ وأي المواقف أقرب إلى راحتك والتنفيس عن مشاعرك؟

стр. 901

معنى الغيبة لغة واصطلاحاً: معنى الغيبة لغة: والغيب والغيبة، بِفَتْح الْغَيْن: كل مَا غَابَ عَن الْعُيُون سَوَاء كَانَ محصلاً فِي الْقُلُوب أَو غير مُحَصل (١). والغِيبة: الوَقيعة في النّاس من هذا، لأنَّها لا تقال إلا في غَيْبَة (٢). يقال: اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه، والاسم الغيبة، وهي ذكر العيب بظهر الغيب (٣). معنى الغيبة اصطلاحاً: قال ابن التين: (الغيبة ذكر المرء بما يكرهه بظهر الغيب) (٤). وعرفها الجوهري بقوله: (أن يتكلم خلف إنسانٍ مستور بما يَغُمُّه لو سمعه. فإن كان صدقاً سُمِّيَ غيبَةً، وإن كان كذباً سمِّي بُهتاناً) (٥). وقال زين الدين المناوي: (هي ذكر العيب بظهر الغيب بلفظ أو إشارة أو محاكاة) (٦).

стр. 902

الفرق بين الغيبة وبعض الصفات الفرق بين الغيبة والإفك والبهتان: قال الحسن: (الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله تعالى: الغيبة والإفك والبهتان: فأما الغيبة فهو أن تقول في أخيك ما هو فيه. وأما الإفك فأن تقول فيه ما بلغك عنه. وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه) (١). قال الجرجاني: (الغيبة ذكر مساوئ الإنسان التي فيه في غيبة. والبهتان ذكر مساوئ الإنسان، وهي ليست فيه) (٢). الفرق بين الغيبة والنميمة والغمز واللمز: (الفرق بين الغيبة والنميمة والغمز واللمز: أن الغيبة ذكر الإنسان بما يكره لما فيها من مفسدة الأعراض. والنميمة أن ينقل إليه عن غيره أنه يتعرض لأذاه لما فيها من مفسدة إلقاء البغضاء بين الناس، ويستثنى منها أن فلاناً يقصد قتلك في موضع كذا أو يأخذ مالك في وقت كذا ونحو ذلك لأنه من النصيحة الواجبة كما تقدم في الغيبة. والغمز أن تعيب الإنسان بحضوره. واللمز بغيبته وقيل بالعكس) (٣).

стр. 903

ذم الغيبة والنهي عنها في القرآن والسنة ذم الغيبة والنهي عنها من الكتاب: - قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات:١٢]. قال الشوكاني: فهذا نهي قرآني عن الغيبة مع إيراد مثل لذلك يزيده شدة وتغليظاً، ويوقع في النفوس من الكراهة والاستقذار لما فيه ما لا يقادر قدره، فإن أكل لحم الإنسان من أعظم ما يستقذره بنو آدم جبلة وطبعاً، ولو كان كافراً أو عدواً مكافحاً، فكيف إذا كان أخاً في النسب أو في الدين؟ فإن الكراهة تتضاعف بذلك، ويزداد الاستقذار فكيف إذا كان ميتاً؟! فإن لحم ما يستطاب ويحل أكله يصير مستقذراً بالموت، لا يشتهيه الطبع، ولا تقبله النفس، وبهذا يعرف ما في هذه الآية من المبالغة في تحريم الغيبة، بعد النهي الصريح عن ذلك (١). - وقال تعالى: وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ [الهمزة:١]. قال مقاتل بن سليمان: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ يعني الطعان المغتاب الذي إذا غاب عنه الرجل اغتابه من خلفه) (٢). (وَقَالَ قَتَادَةُ: يَهْمِزُهُ وَيَلْمِزُهُ بِلِسَانِهِ وَعَيْنِهِ، وَيَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ، ويطعنُ عَلَيْهِمْ) (٣). - وقال تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:٣٦]. قال الرازي: (الْقَفْوَ هُوَ الْبُهْتُ وَأَصْلُهُ مِنَ الْقَفَا، كَأَنَّهُ قَوْلٌ يُقَالُ خَلْفَهُ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْغِيبَةِ وَهُوَ ذِكْرُ الرَّجُلِ فِي غِيبَتِهِ بِمَا يَسُوءُهُ) (٤). (وقيل: القَفْوُ: هو البهت، وأصله من القَفَا؛ كأنه يقال: خلفه، وهو في معنى الغيبة) (٥). - قال تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص: ٥٥]. ذم الغيبة والنهي عنها من السنة: - عن ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنه قال: ((مَرَّ النبيُّ ﷺ عَلى قَبْرَيْنِ فَقَالَ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَما يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ثمَّ قَالَ بَلى أما أحَدُهُمَا فَكانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ وَأمَّا الآخَرُ فَكانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ. قَالَ ثُمَّ أخَذَ عُودا رَطْبا فكَسَرَهُ باثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا .. )) (٦).

стр. 904

قال العيني: (التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على شَيْئَيْنِ: الْغَيْبَة والنميمة، ومطابقة الحَدِيث للبول ظَاهِرَة، وَأما الْغَيْبَة فَلَيْسَ لَهَا ذكر فِي الحَدِيث، وَلَكِن يُوَجه بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الْغَيْبَة من لَوَازِم النميمة لِأَن الَّذِي ينم ينْقل كَلَام الرجل الَّذِي اغتابه، وَيُقَال: الْغَيْبَة والنميمة أختَان، وَمن نم عَن أحد فقد اغتابه. قيل: لَا يلْزم من الْوَعيد على النميمة ثُبُوته على الْغَيْبَة وَحدهَا، لِأَن مفْسدَة النميمة أعظم وَإِذا لم تساوها لم يَصح الْإِلْحَاق. قُلْنَا: لَا يلْزم من اللحاق وجود الْمُسَاوَاة، والوعيد على الْغَيْبَة الَّتِي تضمنتها النميمة مَوْجُود، فَيصح الْإِلْحَاق لهَذَا الْوَجْه. الْوَجْه الثَّانِي: أَنه وَقع فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ الْغَيْبَة، وَقد جرت عَادَة البُخَارِيّ فِي الْإِشَارَة إِلَى مَا ورد فِي بعض طرق الحَدِيث) (١). - وعن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا، فقال ﷺ : ((لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته)) (٢). قال النووي: (هذا الحديث من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمها وما أعلم شيئا من الأحاديث بلغ في ذمها هذا المبلغ) (٣). (فإذا كانت هذه الكلمة بهذه المثابة، في مزج البحر، الذي هو من أعظم المخلوقات، فما بالك بغيبة أقوى منها) (٤). وقال ابن عثيمين: (ومعنى: مزجته خالطته مخالطة يتغير بها طعمه، أو ريحه لشدة نتنها وقبحها، وهذا من أبلغ الزواجر عن الغيبة) (٥). - وعن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم النحر بمنى: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت)) (٦). قال النووي في شرحه على مسلم: (المراد بذلك كله بيان توكيد غلظ تحريم الأموال والدماء والأعراض والتحذير من ذلك) (٧). - وعن أبي هريرة- ﵁ مرفوعاً: ((من أكل لحم أخيه في الدّنيا قرّب له يوم القيامة فيقال له: كله ميتاً كما أكلته حيّا فيأكله ويكلح ويصيح)) (٨). قال ابن حجر: (يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغِيبَةَ مِنَ الْكَبَائِرِ) (٩). - وعن المستورد- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: ((من أكل برجل مسلم أكلة فإنّ الله يطعمه مثلها من جهنّم، ومن كسي ثوباً برجل مسلم فإنّ الله يكسوه مثله من جهنّم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإنّ الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة)) (١٠). قال الهروي: ((مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ) أَيْ: بِسَبَبِ غَيْبَتِهِ أَوْ قَذْفِهِ أَوْ وُقُوعِهِ فِي عِرْضِهِ أَوْ بِتَعَرُّضِهِ لَهُ بِالْأَذِيَّةِ عِنْدَ مَنْ يُعَادِيهِ ... وَفِي النِّهَايَةِ: مَعْنَاهُ الرَّجُلُ يَكُونُ صَدِيقًا ثُمَّ يَذْهَبُ إِلَى عَدُوِّهِ فَيَتَكَلَّمُ فِيهِ بِغَيْرِ الْجَمِيلِ لِيُجِيزَهُ عَلَيْهِ بِجَائِزَةٍ فَلَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَهُ فِيهَا) (١١).

стр. 905

أقوال السلف والعلماء في ذم الغيبة - قال ابن عبَّاس: (اذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به، ودَع منه ما تُحِبُّ أن يَدَع منك) (١). - وعن عمرو بن العاص- ﵁ أنّه مرّ على بغل ميّت فقال لبعض أصحابه: (لأن يأكل الرّجل من هذا حتّى يملأ بطنه خير له من أن يأكل لحم رجل مسلم) (٢). - وعن يحيى بن الحصين عن طارق قال: (دار بين سعد بن أبي وقاصٍ وبين خالد بن الوليد كلامٌ، فذهب رجلٌ ليقع في خالدٍ عند سعدٍ، فقال سعدٌ: مه إن ما بيننا لم يبلغ ديننا. أي عداوةٌ وشرٌ) (٣). - وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: (إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا زَهَّدَهُ فِي الدُّنْيَا، وَفَقَّهَهُ فِي الدِّينِ، وَبَصَّرَهُ عُيُوبَهُ. قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ الْفُضَيْلُ إِلَيْنَا، فَقَالَ: رُبَّمَا قَالَ الرَّجُلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ؛ فَأَخْشَى عَلَيْهِ النَّارَ. قِيلَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟! قَالَ: يُغْتَابُ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ، فَيُعْجِبُهُ، فَيَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهَا؛ إِنَّمَا هَذَا مَوْضِعُ أَنْ يَنْصَحَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: اتَّقِ اللهَ) (٤). - وعن محمد بن سيرين أنه قال: (إن أكثر الناس خطايا أكثرهم ذكراً لخطايا الناس) (٥). - وعن الشّعبيّ- ﵀ (أنّ العبّاس بن عبد المطّلب قال لابنه عبد الله: يا بنيّ، أرى أمير المؤمنين يدنيك، فاحفظ منّي خصالاً ثلاثاً: لا تغتب من له سرّ، ولا يسمعنّ منك كذباً، ولا تغتابنّ عنده أحداً) (٦). - ومرَّ ابن سِيرين بقوم، فقام إليه رجل منهم فقال: أبا بكر، إنّا قد نِلْنا منك فحَلِّلنا؟ فقال: (إني لا أحِلّ لك ما حَرّم اللهّ عليك. فأمّا ما كان إليَّ فهو لكم) (٧). - وقال الحسن: (لا غيبة لثلاثة: فاسق مجاهر بالفسق، وذي بدعة، وإمام جائر). - وعن يعلى بن عبيد قال: (كنا عند سفيان بن سعيد الثوري، فأتانا رجل يقال له: أبو عبد الله السلال، فقال لسفيان: يا أبا عبد الله! الحديث الذي روي أن الله ﵎ يبغض أهل بيت اللحميين أهم الذين يكثرون أكل اللحم؟ فقال سفيان: لا ولكنهم الذين يكثرون أكل لحوم الناس) (٨). - وقال بعض الحكماء: (عاب رجلٌ رجلاٌ عند بعض أهل العلم فقال له: قد استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيب الناس، لأن الطالب للعيوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها) (٩). - وقال الأصمعي: (اغتاب رجلٌ رجلاً عند قتيبة بن مسلم فقال له قتيبة: أمسك أيها الرجل، فوالله لقد تلمظت بمضغةٍ طالما لفظها الكرام) (١٠).

стр. 906

- وأتى رجلٌ عمرو بن مرثدٍ فسأله أن يكلم له أمير المؤمنين، فوعده أن يفعل، فلما قام قال بعض من حضر: إنه ليس مستحقًا لما وعدته. فقال عمرو: (إن كنت صدقت في وصفك إياه فقد كذبت في ادعائك مودتنا، لأنه إن كان مستحقاً كانت اليد موضعها، وإن لم يكن مستحقًا فما زدت على أن أعلمتنا أن لنا بمغيبنا عنك مثل الذي حضرت به من غاب من إخواننا) (١). - و (قال البخاري: ما اغتبت أحداً منذ علمت أن الغيبة حرام. - واغتاب رجل عند معروف الكرخي فقال له: اذكر القطن إذا وضع على عينيك. - وقيل للربيع بن خثيم: ما نراك تعيب أحداً؟ فقال: لست عن نفسي راضياً فأتفرغ لذم الناس. - وقال ابن المبارك: لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت والديّ لأنهما أحق بحسناتي) (٢). - وعن الحسن البصري ﵀ أن رجلاً قال له: إنك تغتابني، فقال: ما بلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي (٣). - وعن ابن سيرين؛ قال: إنّه ذكر الغيبة فقال: (ألم تر إلى جيفة خضراء منتنة) (٤). - وعن مجاهد في قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ قال: (الّذي يأكل لحوم النّاس، واللّمزة: الطّعّان) (٥). - و (اغتاب ابن جلا بعض إخوانه فأرسل إليه يستحله فأبى قائلاُ: ليس في صحيفتي حسنة أحسن منها فكيف أمحوها. - وقال الغزالي: والغيبة هي الصاعقة المهلكة للطاعات ومثل من يغتاب كمن ينصب منجنيقاً فهو يرمي به حسناته شرقاً وغرباً ويميناً وشمالاً. - وقد قيل للحسن: اغتابك فلان فبعث إليه بطبق فيه رطب وقال: أهديت إلي بعض حسناتك فأحببت مكافأتك) (٦). - وقيل: (دعي إبراهيم بن أدهم إلى دعوة، فحضر، فذكروا رجلاً لم يأتهم، فقالوا: إنه ثقيل؟؟ فقال إبراهيم: إنما فعل بي هذا نفسي، حيث حضرت موضعاً يغتاب فيه الناس، فخرج، ولم يأكل ثلاثة أيام) (٧). - وقيل: (أوحى الله إلى موسى ﵇: من مات تائباً من الغيبة، فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصراً عليها، فهو أول من يدخل النار) (٨).

стр. 907

حكم الغيبة قال ابن كثير: (والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يستثنى من ذلك، إلا ما رجحت مصلحة، كما في الجرح والتعديل والنصيحة) (١). واعتبر الإمام ابن حجر الغيبة من الكبائر حيث قال: (الذي دلت عليه الدلائل الكثيرة الصحيحة الظاهرة أنها كبيرة: لكنها تختلف عظماً وضده بحسب اختلاف مفسدتها. وقد جعلها من أوتي جوامع الكلم عديلة غصب المال، وقتل النفس بقوله ﷺ ((كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)) (٢) والغصب والقتل كبيرتان إجماعا، فكذا ثلم العرض) (٣).

стр. 908

حكم سماع الغيبة إن سماع الغيبة والاستماع إليها لا تجوز، فقائل الغيبة وسامعها في الإثم سواء. ومما يدل على ذلك قول النبي صلى الله علي وسلم: ((ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلماً في موضع ينتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب نصرته، وما من امرئ مسلم ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته)) (١). (عن أبي وائل، أن عمر، قال: (ما يمنعكم إذا رأيتم السفيه يخرق أعراض الناس أن تعربوا عليه؟ قالوا: نخاف لسانه قال: ذاك أدنى أن لا تكونوا شهداء) (٢). حدثنا عبد الله، حدثني أبي ﵀، عن شيخ، من قريش قال: قال مولى لعمرو بن عتبة بن أبي سفيان: رآني عمرو بن عتبة وأنا مع رجل وهو يقع في آخر فقال: (لي) ويلك - ولم يقلها لي قبلها ولا بعدها - نزه سمعك عن استماع الخنا كما تنزه لسانك عن القول به؛ فإن المستمع شريك القائل وإنما نظر إلى شر ما في وعائه فأفرغه في وعائك ولو رددت كلمة سفيه في فيه لسعد بها رادها كما شقي بها قائلها) (٣). وكان ميمون بن سياه لا يغتاب ولا يدع أحداً يغتاب، ينهاه فإن انتهى، وإلا قام (٤). قال كعب بن زهير في الذين يستمعون الغيبة: فالسامع الذم شريك له ... ومطعم المأكول كالآكل وقال آخر: وسمعك صُنْ عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن القول به فإنك عند استماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه ...

стр. 909

فضل الدفاع عن عرض الآخرين عن أسماء بنت يزيد- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من ذبّ عن عرض أخيه بالغيبة كان حقّا على الله أن يعتقه من النّار)) (١). عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة)) (٢). عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حمى عن عرض أخيه في الدنيا، بعث الله ملكاً يوم القيامة يحميه من النار)) (٣). عن القاسم بن عبد الرحمن الشامي سمعت بن أم عبد يقول: من اغتيب عنده مؤمن فنصره جزاه الله بها خيراً في الدنيا والآخرة ومن اغتيب عنده مؤمن فلم ينصره جزاه الله بها في الدنيا والآخرة شرا وما التقم أحد لقمة شراً من اغتياب مؤمن إن قال فيه ما يعلم فقد اغتابه وإن قال فيه بما لا يعلم فقد بهته (٤). عن سهل بن معاذ بن أسد الجهني عن أبيه: عن النبي ﷺ قال: ((من حمى مؤمناً من منافق)) أراه قال: ((بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم ومن رمى مسلماً بشيء يريد شينه به حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال)) (٥).

стр. 910

أقسام الغيبة للغيبة ثلاثة أقسام: ١ - الغيبة المحرمة: وهي ذكرك أخاك المسلم في غيبته بما يكره بعيب فيه مخفي سواء كان هذا العيب خَلْقي أم خُلُقي في دينه أو دنياه، ولا شك أنه محرم في الكتاب والسنة والإجماع، للأدلة الواردة سلفاً في هذا الباب. قال ابن القيم – وهو يتحدث عن الغيبة -: (وإذا وقعت على وجه ذم أخيك وتمزيق عرضه والتفكه بلحمه والغض منه لتضع منزلته من قلوب الناس فهي الداء العضال ونار الحسنات التي تأكلها كما تأكل النار الحطب) (١). ٢ - الغيبة الواجبة: هي الغيبة التي بها يحصل للفرد نجاة مما لا يحمد عقباه أو مصيبة كانت محتملة الوقوع به، مثل التي تطلب للنصيحة عند الإقبال على الزواج لمعرفة حال الزوج، أو كأن يقول شخص لآخر محذراً له من شخص شرير: إن فلان يريد قتلك في المكان الفلاني، أو يريد سرقة مالك في الساعة الفلانية، وهذا من باب النصيحة. ٣ - الغيبة المباحة: كما أن الغيبة محرمة لما فيها من أضرار تمس الفرد، إلا أنها مباحة بضوابطها لغرض شرعي صحيح لا يمكن الوصول لهذا الغرض إلا بهذه الغيبة، وبدون هذه الضوابط تصبح محرمة. (اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وهو ستة أبواب: الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما مما له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان كذا. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد المعاصي إلى الصواب فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا، فازجره عنه. الثالث: الاستفتاء، فيقول: للمفتي: ظلمني أبي أو أخي أو زوجي أو فلان بكذا. الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم وذلك من وجوه منها: ١ - جرح المجروحين من الرواة والشهود. ٢ - المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو إيداعه أو معاملته أو غير ذلك. ٣ - إذا رأى متفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك فعليه نصيحته ببيان حاله. ٤ - أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما أن لا يكون صالحاً لها، وإما أن يكون فاسقاً ومغفلاً فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة. الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر ومصادرة الناس وأخذ المكس وغيرها. فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء وأكثرها مجمع عليها، دلائلها من الأحاديث الصحيحة مشهورة) (٢). قال ابن الأمير الصنعاني: الذم ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقاً ومستفتٍ ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر (٣) (قال عيسى لا غيبة إلا في ثلاث: إمام جائر وفاسق معلن وصاحب بدعة. قال محمد بن رشد: إنما لم يكن في هؤلاء غيبة؛ لأن الغيبة إنما هي بأن يذكر من الرجل ما يكره أن يذكر عنه لمن لا يعلم ذلك منه، والإمام الجائر والفاسق المعلن قد اشتهر أمرهما عند الناس، فلا غيبة في أن يذكر من جور الجائر وفسق الفاسق ما هو معلوم من كل واحد منهما، وصاحب البدعة يريد ببدعته ويعتقد أنه على الحق فيها وأن غيره على الخطأ في مخالفته في بدعته فلا غيبة فيه لأنه إن كان معلناً بها فهو يحب أن يذكر بها، وإن كان مستتراً بها فواجب أن يذكر بها ويحفظ الناس من اتباعه عليها) (٤). فإذا وقعت الغيبة على وجه النصيحة لله ورسوله وعباده المسلمين فهي قربة إلى الله من جملة الحسنات (٥).

стр. 911

أمور ينبغي مراعاتها عند الغيبة المباحة: إن للغيبة المباحة -التي أباحها الشارع للضرورة- أمور ينبغي مراعاتها، ومن هذه الضوابط: (١ - الإخلاص لله تعالى في النية، فلا تقل ما أبيح لك من الغيبة تشفياً لغيظ، أو نيلاً من أخيك، أو تنقيصاً منه. ٢ - عدم تعيين الشخص ما أمكنك ذلك. ٣ - أن تذكر أخاك بما فيه، بما يباح لك، ولا تفتح لنفسك باب الغيبة على مصراعيه، فتذكر ما تشتهي نفسك من عيوبه. ٤ - التأكد من عدم وقوع مفسدة أكبر من هذه الفائدة) (١).

стр. 912

أضرار الغيبة على الفرد والمجتمع إن للغيبة أضرار كثيرة في الدنيا والآخرة، وهذه الأضرار لها آثارها السلبية على الفرد والمجتمع، فلا بد من التنبيه عليها، والاطلاع على تبعاتها، كي نتجنبها ولا نقع فيها ونحذر ارتكابها. أضرارها على الفرد: ١ــ الغيبة تزيد في رصيد السيئات وتنقص من رصيد الحسنات: عن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا، فقال ﷺ : ((لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته)) (١). (وهذا يدل على ما يلحق المغتاب من الإثم بسبب افتياته على خلق الله تعالى الذي حرم الغيبة، وفي نفس الوقت افتات على حق الإنسان الذي اغتابه) (٢). ٢ــ الغيبة من أربى الربا: وفي الحديث ((الربا نيف وسبعون بابًا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة المسلم في عرض أخيه المسلم)) (٣). ٣ــ صاحب الغيبة مفلس يوم القيامة: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ)). قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)) (٤). ٤ــ الغيبة تسبب هجر صاحبها: قال العلامة ابن باز: (والواجب عليك وعلى غيرك من المسلمين عدم مجالسة من يغتاب المسلمين مع نصيحته والإنكار عليه، لقول النبي ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) (٥)، فإن لم يمتثل فاترك مجالسته لأن ذلك من تمام الإنكار عليه) (٦). ٥ــ الغيبة تجرح الصوم: قال النبي ﷺ : ((من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) (٧). وقال ﷺ : ((الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم)) (٨). ٦ــ يتتبع الله عورة المغتاب ويفضحه في جوف بيته: قال النبي ﷺ : ((يا معشر من آمن بلسانه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته)) (٩). ٧ــ المغتابون هم في عداد أهل النار:

стр. 913

عن أنس – ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس يقعون في أعراضهم)) (١). ٨ــ الغيبة أنتن من الجيفة: قال تعالى: وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:١٢]. ٩ــ تعود المغتاب على الغيبة، لأنه عندما يغتاب شخصاً، فسيغتاب آخر وهكذا دواليك، وبذلك تصبح الغيبة مستساغة لديه فلا ينكرها، ولا يستعظم إثمها. ١٠ــ لا يغفر لصاحب الغيبة حتى يعفو عنه الذي وقعت عليه الغيبة. ١١ــ الغيبة تترك في نفس الفرد جوانب عدائية بسبب ما تتركه على سمعته ومكانته. ١٢ــ الغيبة تظهر عيوب الفرد المستورة في الوقت الذي لا يملك فيه الدفاع عن نفسه. ١٣ــ الغيبة تدل على دناءة صاحبها وجبنه وخسته. أضرارها على المجتمع: ١ - كشف عورات الآخرين ونشر عيوبهم والاستهانة بها. ٢ - الغيبة تؤدي إلى الغيبة، أي أن من اغتيب قد يدفعه غضبه إلى غيبة من اغتابه، وبهذا تنتشر هذه الصفة الذميمة وتصبح مرض عضال يصعب استئصاله. ٣ - نشر الحقد والحسد والكراهية والبغضاء بين أفراد المجتمع. ٤ - إفساد المودات، وقطع أواصر الأخوة الإيمانية، وملء القلوب بالضغائن والعداوات.

стр. 914

صور الغيبة الغيبة تكون في جميع الصفات الخُلُقِيَّة والخِلْقِيَّة وفي جميع أمور الدنيا والدين. وقال الغزالي: (حد الغيبة: أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواء ذكرته بنقص في بدنه، أو نسبه، أو في خلقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو في دنياه .. حتى في ثوبه، وداره، ودابته. أما البدن، فذكرك العمش، والحول، والقرع، والقصر، والطول، والسواد، والصفرة، وجميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه، كيفما كان. وأما النسب، فبأن تقول: أبوه نبطي، أو هندي، أو فاسق، أو خسيس، أو إسكاف، أو زبال، أو شيء مما يكرهه، كيفما كان. وأما الخُلق، فبأن تقول: هو سيئ الخلق، بخيل، متكبر، مراء شديد الغضب، جبان، عاجز، ضعيف القلب، متهور .. وما يجري مجراه. وأما في أفعاله المتعلقة بالدين، فكقولك: هو سارق، أو كذاب أو شارب خمر، أو خائن، أو ظالم، أو متهاون بالصلاة، أو الزكاة، أو لا يحسن الركوع، أو السجود، أو لا يحسن قسمتها، أو لا يحرس صومه عن الرفث، والغيبة، والتعرض لأعراض الناس. وأما فعله المتعلق بالدنيا، فكقولك: إنه قليل الأدب، متهاون بالناس، أو لا يرى لأحد على نفسه حقاً، أو يرى لنفسه الحق على الناس، أو أنه كثير الكلام، كثير الأكل، نئوم، ينام في غير وقت النوم ويجلس في غير موضعه. وأما ثوبه، فكقولك: إنه واسع الكم، طويل الذيل، وسخ الثياب. وقال قوم: لا غيبة في الدين، لأنه ذم ما ذمه الله تعالى، فذكره بالمعاصي، وذمه بها يجوز، بدليل ما روي أن رسول الله ﷺ ذكرت له امرأة وكثرة صلاحها وصومها، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: ((هي في النار)) (١)) (٢). ومن صور الغيبة: ١ - الإصغاء للغيبة من باب التعجب من فعل الذي اغتيب، وهو بهذا الأسلوب كأنه يستخرج الغيبة من المغتاب فيزيد في غيبته ويندفع فيها. ٢ - ذكر حال الذي اغتيب وإظهار التألم والاستياء لحاله والدعاء له أمام الآخرين. ٣ - أن يقول المستمع للمغتاب اسكت، لكن المستمع لم ينكر ذلك في قلبه، وإنما هو مشتهٍ بذلك، فهذا قد وقع في الغيبة ما لم يكرهه بقلبه. ٤ - أن يذكر الإنسان شخص ما ويمدحه ويذكر اهتمامه والتزامه بالدين، ثم يقول: لكنه ابتلي بما ابتلينا به كلنا من تقصير وفتور في بعض العبادات، وهو بهذا يستنقص من قدر الذي اغتيب، وبذلك وقع في الغيبة. ٥ - أن يتكلم الإنسان بألفاظ أو أسلوب يحاكي فيه الآخرين، بقصد غيبتهم. ٦ - التشبه بالآخرين في مشيتهم بغرض السخرية منهم، كأن يمشي متعرجاً، أو يغمض أحد عينيه محاكاةً للأعور، وغيرها من الحركات التي توحي بالسخرية.

стр. 915

أمور يحسب الناس أنها ليست غيبة ولكنها غيبة (١ - قد يغتاب الرجل أخاه، وإذا أنكر عليه قال: (أنا على استعداد للقول أمامه)، ويرد على هذا بردود منها: أ- أنك ذكرته من خلفه بما يكره بما فيه، وهذه هي الغيبة. ب- استعدادك للحديث أمامه، أمر آخر مستقل، لم يرد فيه دليل على أنه يسوغ لك أن تذكر أخاك من خلفه بما يكره. ٢ - قول القائل في جماعة من الناس عند ذكر شخص ما: (نعوذ بالله من قلة الحياء)، أو (نعوذ بالله من الضلال)، أو نحو هذا، فإنه يجمع بين ذم المذكور ومدح النفس. ٣ - وكذلك قول المرء: (فلان مبتلى بكذا)، أو (كلنا نفعل هذا). ٤ - قول القائل: (فعل كذا بعض الناس)، أو بعض الفقهاء، أو نحو ذلك، إذا كان المخاطب يفهمه بعينه، لحصول التفهيم. ٥ - قول الشخص: (فعل كذا الأفندي)، أو (جناب السيد) ونحو ذلك، إن كان يقصد التنقيص منه. ٦ - قولهم: هذا صغير تجوز غيبته، وأين الدليل على تجويز هذه الغيبة، طالما وردت النصوص مطلقة؟ ٧ - التساهل في غيبة العاصي، وأما المجاهر بالمعصية، فيقال بتجويز غيبته، وأما التساهل في غيبة العاصي مطلقاً فلا، لأن قوله ﵊: (الغيبة ذكرك أخاك بما يكره)، يشمل المسلم الطائع والعاصي. ٨ - قولك: هذا هندي، أو مصري، أو فلسطيني، أو أردني، أو عجمي، أو عربي، أو بدوي، أو قروي، أو إسكاف، أو نجار، أو حداد، إن كان ذلك تحقيراً أو انتقاصاً) (١).
следующие страницы →