← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أمور ينبغي مراعاتها عند الغيبة المباحة: إن للغيبة المباحة -التي أباحها الشارع للضرورة- أمور ينبغي مراعاتها، ومن هذه الضوابط: (١ - الإخلاص لله تعالى في النية، فلا تقل ما أبيح لك من الغيبة تشفياً لغيظ، أو نيلاً من أخيك، أو تنقيصاً منه. ٢ - عدم تعيين الشخص ما أمكنك ذلك. ٣ - أن تذكر أخاك بما فيه، بما يباح لك، ولا تفتح لنفسك باب الغيبة على مصراعيه، فتذكر ما تشتهي نفسك من عيوبه. ٤ - التأكد من عدم وقوع مفسدة أكبر من هذه الفائدة) (١).

стр. 912

أضرار الغيبة على الفرد والمجتمع إن للغيبة أضرار كثيرة في الدنيا والآخرة، وهذه الأضرار لها آثارها السلبية على الفرد والمجتمع، فلا بد من التنبيه عليها، والاطلاع على تبعاتها، كي نتجنبها ولا نقع فيها ونحذر ارتكابها. أضرارها على الفرد: ١ــ الغيبة تزيد في رصيد السيئات وتنقص من رصيد الحسنات: عن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا، فقال ﷺ : ((لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته)) (١). (وهذا يدل على ما يلحق المغتاب من الإثم بسبب افتياته على خلق الله تعالى الذي حرم الغيبة، وفي نفس الوقت افتات على حق الإنسان الذي اغتابه) (٢). ٢ــ الغيبة من أربى الربا: وفي الحديث ((الربا نيف وسبعون بابًا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة المسلم في عرض أخيه المسلم)) (٣). ٣ــ صاحب الغيبة مفلس يوم القيامة: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ)). قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)) (٤). ٤ــ الغيبة تسبب هجر صاحبها: قال العلامة ابن باز: (والواجب عليك وعلى غيرك من المسلمين عدم مجالسة من يغتاب المسلمين مع نصيحته والإنكار عليه، لقول النبي ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) (٥)، فإن لم يمتثل فاترك مجالسته لأن ذلك من تمام الإنكار عليه) (٦). ٥ــ الغيبة تجرح الصوم: قال النبي ﷺ : ((من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) (٧). وقال ﷺ : ((الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم)) (٨). ٦ــ يتتبع الله عورة المغتاب ويفضحه في جوف بيته: قال النبي ﷺ : ((يا معشر من آمن بلسانه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته)) (٩). ٧ــ المغتابون هم في عداد أهل النار:

стр. 913

عن أنس – ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس يقعون في أعراضهم)) (١). ٨ــ الغيبة أنتن من الجيفة: قال تعالى: وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:١٢]. ٩ــ تعود المغتاب على الغيبة، لأنه عندما يغتاب شخصاً، فسيغتاب آخر وهكذا دواليك، وبذلك تصبح الغيبة مستساغة لديه فلا ينكرها، ولا يستعظم إثمها. ١٠ــ لا يغفر لصاحب الغيبة حتى يعفو عنه الذي وقعت عليه الغيبة. ١١ــ الغيبة تترك في نفس الفرد جوانب عدائية بسبب ما تتركه على سمعته ومكانته. ١٢ــ الغيبة تظهر عيوب الفرد المستورة في الوقت الذي لا يملك فيه الدفاع عن نفسه. ١٣ــ الغيبة تدل على دناءة صاحبها وجبنه وخسته. أضرارها على المجتمع: ١ - كشف عورات الآخرين ونشر عيوبهم والاستهانة بها. ٢ - الغيبة تؤدي إلى الغيبة، أي أن من اغتيب قد يدفعه غضبه إلى غيبة من اغتابه، وبهذا تنتشر هذه الصفة الذميمة وتصبح مرض عضال يصعب استئصاله. ٣ - نشر الحقد والحسد والكراهية والبغضاء بين أفراد المجتمع. ٤ - إفساد المودات، وقطع أواصر الأخوة الإيمانية، وملء القلوب بالضغائن والعداوات.

стр. 914

صور الغيبة الغيبة تكون في جميع الصفات الخُلُقِيَّة والخِلْقِيَّة وفي جميع أمور الدنيا والدين. وقال الغزالي: (حد الغيبة: أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواء ذكرته بنقص في بدنه، أو نسبه، أو في خلقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو في دنياه .. حتى في ثوبه، وداره، ودابته. أما البدن، فذكرك العمش، والحول، والقرع، والقصر، والطول، والسواد، والصفرة، وجميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه، كيفما كان. وأما النسب، فبأن تقول: أبوه نبطي، أو هندي، أو فاسق، أو خسيس، أو إسكاف، أو زبال، أو شيء مما يكرهه، كيفما كان. وأما الخُلق، فبأن تقول: هو سيئ الخلق، بخيل، متكبر، مراء شديد الغضب، جبان، عاجز، ضعيف القلب، متهور .. وما يجري مجراه. وأما في أفعاله المتعلقة بالدين، فكقولك: هو سارق، أو كذاب أو شارب خمر، أو خائن، أو ظالم، أو متهاون بالصلاة، أو الزكاة، أو لا يحسن الركوع، أو السجود، أو لا يحسن قسمتها، أو لا يحرس صومه عن الرفث، والغيبة، والتعرض لأعراض الناس. وأما فعله المتعلق بالدنيا، فكقولك: إنه قليل الأدب، متهاون بالناس، أو لا يرى لأحد على نفسه حقاً، أو يرى لنفسه الحق على الناس، أو أنه كثير الكلام، كثير الأكل، نئوم، ينام في غير وقت النوم ويجلس في غير موضعه. وأما ثوبه، فكقولك: إنه واسع الكم، طويل الذيل، وسخ الثياب. وقال قوم: لا غيبة في الدين، لأنه ذم ما ذمه الله تعالى، فذكره بالمعاصي، وذمه بها يجوز، بدليل ما روي أن رسول الله ﷺ ذكرت له امرأة وكثرة صلاحها وصومها، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: ((هي في النار)) (١)) (٢). ومن صور الغيبة: ١ - الإصغاء للغيبة من باب التعجب من فعل الذي اغتيب، وهو بهذا الأسلوب كأنه يستخرج الغيبة من المغتاب فيزيد في غيبته ويندفع فيها. ٢ - ذكر حال الذي اغتيب وإظهار التألم والاستياء لحاله والدعاء له أمام الآخرين. ٣ - أن يقول المستمع للمغتاب اسكت، لكن المستمع لم ينكر ذلك في قلبه، وإنما هو مشتهٍ بذلك، فهذا قد وقع في الغيبة ما لم يكرهه بقلبه. ٤ - أن يذكر الإنسان شخص ما ويمدحه ويذكر اهتمامه والتزامه بالدين، ثم يقول: لكنه ابتلي بما ابتلينا به كلنا من تقصير وفتور في بعض العبادات، وهو بهذا يستنقص من قدر الذي اغتيب، وبذلك وقع في الغيبة. ٥ - أن يتكلم الإنسان بألفاظ أو أسلوب يحاكي فيه الآخرين، بقصد غيبتهم. ٦ - التشبه بالآخرين في مشيتهم بغرض السخرية منهم، كأن يمشي متعرجاً، أو يغمض أحد عينيه محاكاةً للأعور، وغيرها من الحركات التي توحي بالسخرية.

стр. 915

أمور يحسب الناس أنها ليست غيبة ولكنها غيبة (١ - قد يغتاب الرجل أخاه، وإذا أنكر عليه قال: (أنا على استعداد للقول أمامه)، ويرد على هذا بردود منها: أ- أنك ذكرته من خلفه بما يكره بما فيه، وهذه هي الغيبة. ب- استعدادك للحديث أمامه، أمر آخر مستقل، لم يرد فيه دليل على أنه يسوغ لك أن تذكر أخاك من خلفه بما يكره. ٢ - قول القائل في جماعة من الناس عند ذكر شخص ما: (نعوذ بالله من قلة الحياء)، أو (نعوذ بالله من الضلال)، أو نحو هذا، فإنه يجمع بين ذم المذكور ومدح النفس. ٣ - وكذلك قول المرء: (فلان مبتلى بكذا)، أو (كلنا نفعل هذا). ٤ - قول القائل: (فعل كذا بعض الناس)، أو بعض الفقهاء، أو نحو ذلك، إذا كان المخاطب يفهمه بعينه، لحصول التفهيم. ٥ - قول الشخص: (فعل كذا الأفندي)، أو (جناب السيد) ونحو ذلك، إن كان يقصد التنقيص منه. ٦ - قولهم: هذا صغير تجوز غيبته، وأين الدليل على تجويز هذه الغيبة، طالما وردت النصوص مطلقة؟ ٧ - التساهل في غيبة العاصي، وأما المجاهر بالمعصية، فيقال بتجويز غيبته، وأما التساهل في غيبة العاصي مطلقاً فلا، لأن قوله ﵊: (الغيبة ذكرك أخاك بما يكره)، يشمل المسلم الطائع والعاصي. ٨ - قولك: هذا هندي، أو مصري، أو فلسطيني، أو أردني، أو عجمي، أو عربي، أو بدوي، أو قروي، أو إسكاف، أو نجار، أو حداد، إن كان ذلك تحقيراً أو انتقاصاً) (١).

стр. 916

أسباب الوقوع في الغيبة توجد بعض الأسباب التي تجعل الإنسان يقع في براثن الغيبة ومساوئها، ومن تلك الأسباب: ١ - كراهيته الباطنة لمن يغتاب، مع عدم رغبته بإظهار كراهيته، لئلا تتحول إلى عداوة ظاهرة. ٢ - المنافسة التي ولدت حسداً والحسود لا يحب أن يعرف عنه الحسد. ٣ - الرغبة بأن يبرر المغتاب في نظر الناس ما عرفوه عنه من معايب وقبائح، فإذا ذكر أمامهم من يحترمونه بأن له من العيوب والقبائح مثل عيوبه وقبائحه، خف إنكارهم عليه) (١). ٤ - تشفي الغيظ بأن يجري من إنسان في حق آخر سبب يهيجُ غيظه فكلما هاج غضبه تشفى بغيبة صاحبه. ٥ - موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء، ومساعدتهم على الغيبة، فإنه يخشى إن أنكر عليهم أن يستثقلوه. ٦ - إرادة رفع نفسه بتنقيص غيره فيقول: فلان جاهل وفهمه ركيك. ٧ - اللعب والهزل: فيذكر غيره بما يضحك له على سبيل المحاكاة. ٨ - كثرة الفراغ، والشعور بالملل والسأم، فيشتغل بالناس وأعراضهم وعيوبهم. ٩ - التقرب لدى أصحاب الأعمال، والمسئولين عن طريق ذم العاملين معه، ليرتقي لمنصب أفضل، أو ليقال عنه مواظب (٢). ١٠ - الظهور بمظهر الغضب لله على من يرتكب المنكر فيظهر غضبه ويذكر اسمه مثل أن يقول فلان لا يستحيي من الله يفعل كذا وكذا ويقع في عرضه بالغيبة. ١١ - إظهار الرحمة والتّصنُّع بمواساة الآخرين كأن يقول لغيره من الناس: مسكين فلان قد غمني أمره وما هو فيه من المعاصي (٣). ١٢ - ضعف التربية الإيمانية، وعدم التنبه لعظمة من تعصي. ١٣ - جهل المغتاب بحكم الغيبة، وعواقبها الوخيمة والسيئة التي تورث غضب الله وسخطه. ١٤ - تنشئة الفرد تنشئة سيئة بعيدة عن الأخلاق والتعاليم الإسلامية. ١٥ - صحبة الأشرار الذين هم بعيدون عن الآداب الإسلامية السليمة فالمرء على دين خليله. ١٦ - حضور المجالس والتجمعات التي تخلو من ذكر الله، ويكثر فيها الغيبة والنميمة. ١٧ - الطمع وحب الدنيا والحرص عليها.

стр. 917

فوائد ترك الغيبة ١ - تارك الغيبة من أفضل المسلمين: عن أبي موسى ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي المسلمين أفضل؟ قال: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)) (١). ترك الغيبة يدخل الجنة: عن سهل بن سعد: عن رسول الله ﷺ قال: ((من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)) (٢). ــ قطع الغيبة من علامات التوبة: قَالَ بَعْضُ الْعُبَّادِ: (عَلامةُ التَّوْبَةِ: الْخُرُوجُ مِنَ الْجَهْلِ، وَالنَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ، وَالتَّجَافِي عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَاعْتِقَادُ مَقْتِ نَفْسِكَ الْمُسَوِّلَةِ، وَإِخْرَاجُ الْمَظْلَمَةِ، وَإِصْلاحُ الْكَسِيرَةِ وَالشَّهْوَةِ، وَتَرْكُ الْكَذِبِ، وَقَطْعُ الْغِيبَةِ، وَالانْتِهَاءُ عَنْ خِدْنِ السُّوءِ، وَالاشْتِغَالُ بِمَا عَلَيْكَ، وَالاسْتِعْدَادُ لِمَا تَنْقَلِبُ إِلَيْهِ، وَالْبُكَاءُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ عُمْرِكَ، وَتَرْكُ مَا لا يَعْنِيكَ، وَالْخَوْفُ مِنْ سَاعَةٍ تَأْتِيكَ رُسُلُ رَبِّكَ لِقَبْضِ رُوحِكَ، وَالتَّفَجُّعُ وَالْحُزْنُ لَيْلَةً تَبِيتُ فِي قَبْرِكَ وَحْدَكَ بَيْنَ أَطْبَاقِ الثَّرَى إِلَى يوم المعاد) (٣).

стр. 918

علاج من وقع في الغيبة (إنّ الغيبة مرض خطير، وداء فتّاك، ومعول هدّام، وسلوك يفرّق بين الأحباب، وبهتان يغطّي على محاسن الآخرين، وبذرة تنبت شروراً بين المجتمع المسلم، وتقلب موازين العدالة والإنصاف إلى الكذب والجور، وعلاج هذا المرض لا يكون إلّا بالعلم والعمل، فإذا عرف المغتاب أنّه تعرّض لسخط الله يوم القيامة بإحباط عمله وإعطاء حسناته من يغتابه أو يحمل عنه أوزاره، وأنّه يتعرّض لهجوم من يغتابه في الدّنيا، وقد يسلّطه الله عليه، إذا علم هذا وعمل بمقتضاه من خير فقد وفّق للعلاج) (١).

стр. 919

التوبة من الغيبة تكون التوبة من الغيبة بالاستغفار والندم، والاستحلال من الذي اغتيب. (فهذا الذنب يتضمن حقين: حق لله، وحق للآدمي، فالتوبة منه بتحلل الآدمي لأجل حقه، والندم فيما بينه وبين الله لأجل حقه .. وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره من الغيبة، فيبدل غيبته بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه، وقذفه بذكر عفته، ويستغفر له بقدر ما اغتابه) (١). قال الإمام الغزالي: (اعلم أن الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويتأسف على ما فعله ليخرج به من حق الله سبحانه ثم يستحل المغتاب ليحله فيخرج من مظلمته .. ثم قال: وقال الحسن: يكفيه الاستغفار دون الاستحلال. وقال مجاهد: كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه وتدعو له بخير. وسئل عطاء بن أبي رباح عن التوبة من الغيبة؟ قال: أن تمشي إلى صاحبك فتقول له: كذبت فيما قلت، وظلمتك وأسأت، فإن شئت أخذت بحقك، وإن شئت عفوت، وهذا هو الأصح. وقول القائل: العرض لا عوض له فلا يجب الاستحلال منه بخلاف المال، كلام ضعيف، إذ قد وجب في العرض حد القذف وتثبت المطالبة به بل في الحديث الصحيح ما روي أنه ﷺ قال: ((من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحللها منه، من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم، إنما يؤخذ من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فزيدت على سيئاته)) (٢)، وقالت عائشة ﵂ لامرأة قالت لأخرى أنها طويلة الذيل: (قد اغتبتيها فاستحليها) (٣). فإذا لابد من الاستحلال إن قدر عليه فإن كان غائبا أو ميتا فينبغي أن يكثر له الاستغفار والدعاء ويكثر من الحسنات) (٤). وقال ابن القيم: (والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعلامه بل يكفيه الاستغفار وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. والذين قالوا: لا بد من إعلامه، جعلوا الغيبة كالحقوق المالية، والفرق بينهما ظاهر، فإن الحقوق المالية ينتفع المظلوم بعود نظير مظلمته إليه، فإن شاء أخذها وإن شاء تصدق بها، وأما في الغيبة فلا يمكن ذلك ولا يحصل له بإعلامه إلا عكس مقصود الشارع ﷺ فإنه يوغر صدره ويؤذيه إذا سمع ما رمي به، ولعله يهيج عداوته ولا يصفو له أبدا، وما كان هذا سبيله فإن الشارع الحكيم ﷺ لا يبيحه ولا يجوزه فضلا عن أن يوجبه، ويأمر به ومدار الشريعة على تعطيل المفاسد وتقليلها، لا على تحصيلها وتكميلها والله تعالى أعلم) (٥). (قال الزركشي في المنثور: (وفي الأعراض يأتي من اغتابه ويخبره بما قال فيه حتى يعفو عنه ولا يكفي الإبهام)، ثم نقل عن الإحياء أنه لا يجب الإخبار إذا كان يتأذى الإساءة إليه، ونقل عن جملة من علماء السلف أنه لا يجوز إبلاغه لما فيه من الإيذاء، وقد آذاه أولاً فلا يؤذيه ثانياً، بل يستغفر له ويندم على غيبته) (٦).

стр. 920

الوسائل المعينة على ترك الغيبة من الوسائل المعينة على ترك الغيبة والبعد عنها ما يلي: ١ - التقرب إلى الله بكثرة الأعمال الصالحة وتقديم رضاه على رضا المخلوقين. ٢ - زيادة رصيد الإيمان وتقويته بالعلم النافع والعمل الصالح. ٣ - أن ينشغل الإنسان بالبحث عن عيوبه، ويكف عن عيوب الآخرين وتتبعها. ٤ - اختيار الصحبة الصالحة التي تقربك من الله وتبعدك عن المعاصي والابتعاد عن رفاق السوء. ٥ - تربية الفرد تربية إسلامية سليمة قائمة على الآداب والتعاليم الإسلامية. ٦ - استغلال وقت الفراغ، بما ينفع الفرد ويقوي إيمانه ويقربه إلى الله ، من طاعات وعبادات وعلم وتعلم. ٧ - قناعة الإنسان بما رزقه الله، وشكره على هذه النعم، وأن يعلم أن ما عند الله خير وأبقى. ٨ - أن يضع الإنسان نفسه مكان الشخص الذي اغتيب، ليجد أنه لن يرضى هذا لنفسه. ٩ - كظم الغيظ والصبر على الغضب، كي لا يكونا دافعاً للغيبة. ١٠ - الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يؤدي به إلى الغيبة.

стр. 921

مسائل متفرقة متعلقة بالغيبة - موقف المسلم تجاه المغتاب: (عن أبي هريرة أن ماعز بن مالك: جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه حتى قالها أربعا فلما كان في الخامسة قال: زنيت؟ قال: نعم قال: وتدري ما الزنى؟ قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا قال: ما تريد إلى هذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني قال: فقال رسول الله ﷺ : أدخلت ذلك منك في ذلك منها كما يغيب الميل في المكحلة والعصا في الشيء؟ قال: نعم يا رسول الله قال: فأمر برجمه فرجم فسمع النبي ﷺ رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب؟ فسار النبي ﷺ شيئا ثم مر بجيفة حمار فقال: أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار قالا: غفر الله لك يا رسول الله وهل يؤكل هذا قال: فما نلتما من أخيكما آنفا أشد أكلا منه والذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة يتقمص فيها) (١). (عن اللّجلاج- ﵁ أنّه كان قاعدا يعتمل في السّوق فمرّت امرأة تحمل صبيّا فثار النّاس معها وثرت فيمن ثار، فانتهت إلى النّبيّ ﷺ وهو يقول: ((من أبو هذا معك؟)) فسكتت، فقال شابّ حذوها: أنا أبوه يا رسول الله، فأقبل عليها فقال: ((من أبو هذا معك؟)) قال الفتى: أنا أبوه يا رسول الله، فنظر رسول الله ﷺ إلى بعض من حوله يسألهم عنه، فقالوا: ما علمنا إلّا خيرا، فقال له النّبيّ ﷺ : ((أحصنت؟)) قال: نعم، فأمر به فرجم، قال: فخرجنا به فحفرنا له حتّى أمكنّا ثمّ رميناه بالحجارة حتّى هدأ، فجاء رجل يسأل عن المرجوم فانطلقنا به إلى النّبيّ ﷺ فقلنا: هذا جاء يسأل عن الخبيث، فقال رسول الله ﷺ : ((لهو أطيب عند الله من ريح المسك)) فإذا هو أبوه، فأعنّاه على غسله وتكفينه ودفنه) (٢).

стр. 922

وعن عتبان بن مالك- ﵁ وهو ممّن شهد بدراً- قال: ((كنت أصلّي لقومي بني سالم، وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار فيشقّ عليّ اجتيازه قبل مسجدهم، فجئت رسول الله ﷺ فقلت له: إنّي أنكرت بصري وإنّ الوادي الّذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشقّ عليّ اجتيازه فوددت أنّك تأتي فتصلّي من بيتي مكانا أتّخذه مصلّى، فقال رسول الله ﷺ : سأفعل. فغدا عليّ رسول الله ﷺ وأبو بكر- ﵁ بعد ما اشتّد النّهار فاستأذن رسول الله ﷺ ، فأذنت له فلم يجلس حتّى قال: أين تحبّ أن أصلّي من بيتك، فأشرت له إلى المكان الّذي أحبّ أن أصلّي فيه فقام رسول الله ﷺ فكبّر وصففنا وراءه فصلّى ركعتين ثمّ سلّم وسلّمنا حين سلّم فحبسته على خزير يصنع له، فسمع أهل الدّار أنّ رسول الله ﷺ في بيتي، فثاب رجال منهم حتّى كثر الرّجال في البيت، فقال رجل: ما فعل مالك؟ لا أراه. فقال: رجل منهم: ذاك منافق لا يحبّ الله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ : لا تقل ذاك، ألا تراه قال لا إله إلّا الله يبتغي بذلك وجه الله؟، فقال: الله ورسوله أعلم. أمّا نحن فو الله ما نرى ودّه ولا حديثه إلّا إلى المنافقين. قال رسول الله ﷺ : فإنّ الله قد حرّم على النّار من قال لا إله إلّا الله يبتغي بذلك وجه الله)) (١). الغيبة لا تقتصر على اللسان: إن الشرع حرم الغيبة باعتبارها تصريح باللسان يفهم منه استنقاص الآخرين وذكر عيوبهم، وكذلك فإن كل فعل أو حركة أو كتابة توحي بالمقصود فهي غيبة. قالت عائشة ﵂: دخلت علينا امرأة، فلما ولت أومأت بيدي أنها قصيرة، فقال ﵇: ((اغتبتها)) (٢). غيبة العلماء ومن لهم شأن في الإسلام: لا شك أن الوقيعة في المؤمنين حرام وأنها من كبائر الذنوب، وأن أشد أنواعها (غيبة العلماء والوقيعة في العلماء، والكلام على العلماء بما يجرحهم ... لأنه يترتب عليه فصل الأمة عن علمائها، ويترتب عليه عدم الثقة بأهل العلم، وإذا حصل هذا حصل الشر العظيم) (٣)، (وإذا كانت الغيبة لمن لهم شأن في الإسلام ومقام في الإسلام ونفع لعباد الله كولاة أمور المسلمين فالغيبة في حقهم أشد) (٤). - أخبث الغيبة: ومن أخبث أنواع الغيبة غيبة من يفهم المقصود بطريقة الصالحين إظهاراً للتعفف عنها، ولا يدرى بجهله أنه جمع بين فاحشتي الرياء والغيبة، كما يقع لبعض المرائين أنه يذكر عنده إنسان فيقول: الحمد لله الذي ما ابتلانا بقلة الحياء أو بالدخول على السلاطين، وليس قصده بدعائه إلا أن يفهم عيب الغير (٥). - غيبة الكافر: (سُئِلَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ عَنْ غِيبَةِ الْكَافِرِ. فَقَالَ: هِيَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ مَحْذُورَةٌ لِثَلَاثِ عِلَلٍ: الْإِيذَاءُ وَتَنْقِيصُ خَلْقِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ خَالِقٌ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَتَضْيِيعُ الْوَقْتِ بِمَا لَا يُعْنِي. قَالَ: وَالْأُولَى تَقْتَضِي التَّحْرِيمُ، وَالثَّانِيَةُ الْكَرَاهَةُ، وَالثَّالِثَةُ خِلَافُ الْأَوْلَى. وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَكَالْمُسْلِمِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمَنْعِ مِنْ الْإِيذَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ عَصَمَ عِرْضَهُ وَدَمَهُ وَمَالَهُ. قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَالْأُولَى هِيَ الصَّوَابُ) (٦).

стр. 923

الغيبة في واحة الشعر .. لا تَهْتِكَنْ من مَساوي الناس ما سترُوا ... فَيَهْتِكَ الله سِتْراً مِن مَساوِيكَا واذكُرْ محَاسِنَ ما فيهم إذا ذُكِروا ... ولا تَعِبْ أحداً منهم بما فِيكا وقال آخر: وأقبح القبائح الوخيمة ... الغيبة الشنعاء والنميمة فتلك والعياذ بالرحمن ... موجبة الحلول في النيران وقال مسكين الدارمي: وَإِذَا الْفَاحِشُ لاقَى فَاحِشًا ... فَهُنَاكُمْ وَافَقَ الشَّنُّ الطَّبَقْ إِنَّمَا الْفُحْشُ ومَنْ يعنى بِهِ ... كَغُرَابِ السُّوءِ مَا شَاءَ نَعَقْ أَوْ حِمَارِ السُّوءِ إِنْ أَشْبَعْتَهُ ... رَمَحَ النَّاسَ وَإِنْ جَاعَ نَهَقْ أَوْ غُلامِ السُّوءِ إِنْ جَوَّعْتَهُ ... سَرَقَ الْجَارَ وَإِنْ يَشْبَعْ فَسَقْ أَوْ كَعَذْرَى رَفَعَتْ عَنْ ذَيْلِهَا ... ثُمَّ أَرْخَتْهُ ضِرَارًا فَانْمَزَقْ أَيُّهَا السَّائِلُ عَمَّا قَدْ مَضَى ... هَلْ جَدِيدٌ مِثْلُ مَلْبُوسٍ خَلِقْ (١) وقال آخر: لا تذكُرِ الناسَ إلا في فضائِلِهِمْ ... إيّاكَ إيّاكَ أنْ تذكُرْ عُيوبَهُمُ كَمْ فيكَ عَيْبٌ تُناجي اللهَ يَسْتُرَهُ ... مَنْ يَغْتبِ الناسَ لا يَسْلمْ شُرورَهُمُ ارْجِعْ إلى اللهِ مِنْ ذَنْبٍ وَقَعْتَ بِهِ ... للهُ يَفْرَحُ أنْ يَغْفِرْ ذُنوبَهُمُ كُلُّ الخلائِقِ خَطّاءٌ طِبائِعُهمْ ... التائِبونَ بشَرْعِ اللهِ خَيْرِهُمُ الهَمْزُ واللَّمْزُ لا تُحْمَدْ عَواقِبُه ... مَنْ يَعْلمُ السِرَّ عَلامٌ غُيوبَهُمُ احْفظْ لِسانَكَ لا تلفُظْ بِنابيَةٍ ... نِتاجُها الحِقْدُ والبَغْضاءُ وَالسَّقَمُ اجْعَلْ مَخافَتَهُ المَولى مُقَدَّمَةٌ ... حاسِبْ خُطاكَ لِكَيْ لا تَعْثرَ القَدَمُ وقال آخر: وأقبح القبائح الوخيمة ... الغيبة الشنعاء والنميمة فتلك والعياذ بالرحمن ... موجبة الحلول في النيران وقال أبو فراس الحمداني: وَيَغْتَابُني مَنْ لَوْ كَفَاني غَيْبَهُ ... لكنتُ لهُ العينَ البصيرة َ والأذنا وعندي منَ الأخبارِ ما لوْ ذكرتهُ ... إذاً قرعَ المغتابُ منْ ندمٍ سناً وأخيراً .. وأخيراً .. أخي الغالي: انتبه وتأمل قبل أن تغتاب، كي لا تزل القدم وتندم حيث لا ينفع الندم: تذكر قبل أن تغتاب أنك ستقدم على عمل، كأنك به تأكل لحم ميتة نتنة. بل ضع نصب عينيك النصوص الشرعية الواردة في الكتاب والسنة التي تحذر شدة التحذير من الغيبة. وتأمل في عملك هذا أيقربك من الله ويكسبك رضاه، أم أنه يبعدك عنه ويكسبك سخطه وغضبه. ولا تنسَ أن الغيبة تدر السيئات وتأكل الحسنات. وهل يرضيك أن يذكر الناس عيوبك كما تذكر عيوبهم. واعلم أن الغيبة دناءة وخسة، فهي بضاعة الخاسرين وأسلوب الجبناء والعاجزين. أترضى أن تأتي يوم القيامة وقد وزعت حسناتك على هذا وهذا وهذا، فإذا فنيت حسناتك أخذت من سيئاتهم ووضعتْ عليك ووضعتَ في النار. فيا أخي لا تستصغر إثم الغيبة، ولا تحتقر شأنها، فذنبها جسيم، وخطرها عظيم.

стр. 924

معنى الفتور لغة واصطلاحاً: معنى الفتور لغة: الفترة الانكسار والضعف، يقال فتر يفتر فتورا وفتار، سكن بعد حدة ولان بعد شدة، وقولُه تعالَى فِي وصْفِ المَلائكَةِ: لَا يَفْتُرُونَ أَي لَا يَسْكُنُون عَن نَشَاطِهم فِي العِبَادَة (١). معنى الفتور اصطلاحاً: هو الكسل والتراخي والتباطؤ بعد الجد والنشاط والحيوية (٢).

стр. 925

ذم الفتور في القرآن والسنة ذم الفتور في القرآن الكريم: - قال تعالى عن الملائكة: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] لا يَفْتُرُونَ لا يلحقهم الفتور والكلال. وحاصل الآية أن الملائكة مع غاية شرفهم ونهاية قربهم لا يستنكفون عن طاعة الله، فكيف يليق بالبشر مع ضعفهم ونقصهم أن يتمردوا عن طاعته (١). - وقال تعالى عن موسى ﵇: اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه: ٤٢ - ٤٣]. (الونى. الفتور والتقصير. وقرئ: تنيا، بكسر حرف المضارعة للاتباع، أي: لا تنسياني ولا أزال منكما على ذكر حيثما تقلبتما، واتخذا ذكري جناحا تصيران به مستمدين بذلك العون والتأييد مني، معتقدين أن أمرا من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري. ويجوز أن يريد بالذكر تبليغ الرسالة، فإن الذكر يقع على سائر العبادات، وتبليغ الرسالة من أجلها وأعظمها، فكان جديرا بأن يطلق عليه اسم الذكر) (٢). · وعاتب الله المؤمنين في التثاقل عن واجب الجهاد، والفتور فيه، فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ [التوبة: ٣٨]. قال ابن كثير: (أي: إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أي: تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار، أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ [التوبة: ٣٨] أي: ما لكم فعلتم (٢) هكذا أرضا منكم بالدنيا بدلا من الآخرة ثم زهد ﵎ في الدنيا، ورغب في الآخرة، فقال: فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ [التوبة: ٣٨]) (٣). - وقال تعالى عن المنافقين الذين هم أشد الناس كسلاً وأكثرهم فتوراً: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: ١٤٢]. قال ابن كثير: (هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها ... وعن ابن عباس قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة، شديد الفرح، فإنه يناجي الله تعالى وإن الله أمامه يغفر له ويجيبه إذا دعاه) (٤). ذم الفتور في السنة النبوية: يصيب الفتور كل شرائح المجتمع المسلم؛ من عابد، وطالب علم، وداعية .. الخ، ولذا كان الرسول ﷺ يتعوذ منه. - فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ ويقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم)) (٥). - وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: ((التمس لنا غلاما من غلمانكم يخدمني فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله ﷺ كلما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل، والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال)) (٦).

стр. 926

قال ابن بطال: (الاستعاذة من العجز والكسل لأنهما يمنعان العبد من أداء حقوق الله وحقوق نفسه وأهله، وتضييع النظر في أمر معاده وأمر دنياه، وقد أمر المؤمن بالاجتهاد في العمل والإجمال في الطلب ولا يكون عالةً ولا عيالاً على غيره ما متّع بصحة جوارحه وعقله) (١). وقال الكلاباذي: (الكسل: فتور في الإنسان عن الواجبات، فإن الفتور إذا كان في الفضول وما لا ينبغي فليس بكسل بل هو عصمة، وإذا كان في الواجبات فهو كسل، وهو الثقل، والفتور عن القيام بالواجب، وهو الخذلان، قال الله : وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ [التوبة: ٤٦]، وعاتب الله المؤمنين في التثاقل عن الواجب، والفتور فيه، فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ [التوبة: ٣٨] والهرم: فتور من ضعف يحل بالإنسان، فلا يكون به نهوض، ففتور الهرم فتور عجز، وفتور الكسل فتور تثبيط وتأخير، فاستعاذ النبي ﷺ عن الفتور في أداء الحقوق، والقيام بواجب الحق من الوجهين جميعا، من جهة عجز ضرورة وحرمان منها مع الإمكان) (٢). - وعن ابن عباس ﵄ قال: ((كانت مولاة للنبي ﷺ تصوم النهار وتقوم الليل، فقيل له: إنها تصوم النهار وتقوم الليل فقال رسول الله ﷺ إن لكل عمل شرة، والشرة إلى فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل))، وفي رواية ((فقد هلك)) وفي لفظ: ((ولكل شرة فترة، فإن صاحبها سدد وقارب فارجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه)) (٣). قيل للحسن البصري لما روى هذا الحديث: (إنك إذا مررت بالسوق فإن الناس يشيرون إليك؟ فقال: لم يرد ذلك وإنما أراد المبتدع في دينه والفاجر في دنياه) (٤). وعلق ابن تيمية على كلام الحسن البصري فقال: (وهو كما قال الحسن ﵁، فإن من الناس من يكون له شدة ونشاط وحدة واجتهاد عظيم في العبادة، ثم لابد من فتور في ذلك. وهم في الفترة نوعان: منهم: من يلزم السنة فلا يترك ما أمر به، ولا يفعل ما نهي عنه بل يلزم عبادة الله إلى الممات، ومنهم: من يخرج إلى بدعة في دينه أو فجور في دنياه حتى يشير إليه الناس، فيقال: هذا كان مجتهدا في الدين ثم صار كذا وكذا، فهذا مما يخاف على من بدل عن العبادات الشرعية إلى الزيادات البدعية) (٥). - وعن أنس، قال: ((دخل رسول الله ﷺ المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا؟ قالوا: لزينب تصلي، فإذا كسلت، أو فترت أمسكت به، فقال: حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل، أو فتر قعد)) (٦). قال النووي: (وفيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق، والأمر بالإقبال عليها بنشاط، وأنه إذا فتر فليقعد حتى يذهب الفتور) (٧). - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: ((قال لي رسول الله ﷺ : يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل)) (٨). قال المباركفوري: (قيل: معنى قوله (كان يقوم الليل) أي غالبه أو كله (فترك قيام الليل) أصلاً حين ثقل عليه، أي فلا تزد أنت في القيام أيضاً فإنه يؤدي إلى ترك رأساً. قال السندي: يريد أن الإكثار في قيام الليل قد يؤدي إلى تركه رأساً، كما فعل فلان، فلا تفعل أنت ذاك، بل خذ فيه التوسط والقصد أي؛ لأن التشديد في العبادة قد يؤدي إلى تركها وهو مذموم. وقال في اللمعات: فيه تنبيه على منعه من كثرة قيام الليل والإفراط فيه، بحيث يورث الملالة والسآمة) (٩).

стр. 927

أقوال السلف والعلماء في الفتور - قال عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: (إن لهذه القلوب إقبالا وإدبارا. فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل. وإن أدبرت فألزموها الفرائض) (١). - وقال أيضاً: (المدح هو الذبح، وذلك لأن المذبوح هو الذي يفتر عن العمل، فكذلك الممدوح، لأن المدح يوجب الفتور ويورث الكبر والعجب) (٢). - وقال ابن مسعود ﵁: (لا تغالبوا هذا الليل فإنكم لن تطيقوه فإذا نعس أحدكم فلينصرف إلى فراشه فإنه أسلم له) (٣). - و (قال بعض السلف: العمل على المخافة قد يغيره الرجاء، والعمل على المحبة لا يدخله الفتور) (٤). - وقال ابن القيم: (تخلل الفترات للسالكين أمر لا بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد، ولم تخرجه من فرض، ولم تدخله في محرم؛ رجي له أن يعود خيرا مما كان) (٥). - وقال في موضع آخر: (إن المقبل على الله المطيع له يسير بجملة أعماله، وكلما زادت طاعاته وأعماله ازداد كسبه بها وعظم، وهو بمنزلة من سافر فكسب عشرة أضعاف رأس ماله، فسافر ثانيا برأس ماله الأول وكسبه، فكسب عشرة أضعافه أيضا، فسافر ثالثا أيضا بهذا المال كله، وكان ربحه كذلك، وهلم جرا، فإذا فتر عن السفر في آخر أمره، مرة واحدة، فاته من الربح بقدر جميع ما ربح أو أكثر منه) (٦).

стр. 928

أقسام الفتور ينقسم الفتور إلى عدة أقسام، أهمها: ١ - كسل وفتور عام في جميع الطاعات، مع كره لها وعدم رغبة فيها، وهذه حال المنافقين؛ فإنهم من أشد الناس كسلا وفتورا ونفورا. قال الله فيهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً (٢) [النساء: ١٤٢] وقال: وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (٣) [التوبة: ٥٤]. وقال ﷺ ((إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا)) (١). ولفظ (أثقل) على صيغة (أفعل) يدل على أن غيرهما ثقيل، وليس الثقل مقتصرا عليهما. ٢ - كسل وفتور في بعض الطاعات، يصاحبه عدم رغبة فيها دون كره لها، أو ضعف في الرغبة مع وجودها، وهذه حال كثير من فساق المسلمين وأصحاب الشهوات. وهذان القسمان سببهما مرض في القلب، ويقوى هذا المرض ويضعف بحسب حال صاحبه، فمرض المنافقين أشد من مرض الفساق وأصحاب الشهوات، ٣ - كسل وفتور عام سببه بدني لا قلبي؛ فتجد عنده الرغبة في العبادة، والمحبة للقيام بها، وقد يحزن إذا فاتته، ولكنه مستمر في كسله وفتوره، فقد تمر عليه الليالي وهو يريد قيام الليل، ولكنه لا يفعل مع استيقاظه وانتباهه ويقول: "سأختم القرآن في كل شهر" وتمضي عليه الأشهر ولم يتمه، ويحب الصوم، لكنه قليلا ما يفعل. وهذه حال كثير من المسلمين الذين يصابون بهذا الداء، ومنهم أناس صالحون، وآخرون من أصحاب الشهوة والفسق. وقد يؤدي هذا النوع إلى أن يشترك بعض المصابين به مع النوع الثاني، وهو الثقل القلبي في بعض العبادات. ٤ - كسل وفتور عارض يشعر به الإنسان بين حين وآخر، ولكنه لا يستمر معه، ولا تطول مدته، ولا يوقع في معصية، ولا يخرج عن طاعة. وهذا لا يسلم منه أحد، إلا أن الناس يتفاوتون فيه أيضا، وسببه غالبا أمر عارض، كتعب أو انشغال أو مرض ونحوها (٢).

стр. 929

آثار الفتور للفتور مضار وآثار سيئة تعود على المسلم ومن هذه المضار والآثار أن الفتور: ١ - يدل على ضعف الهمة. ٢ - التثاقل في العبادات. ٣ - التعرض للأزمات النفسية والاجتماعية. ٤ - يؤدي به إلى ترك بعض الفرائض. ٥ - عاقبته تكون سيئة إذا لم يتب. ٦ - تأثر من حوله به وخاصة إذا كان قدوة لغيره. ٧ - فوات المصالح الدينية والدنيوية.

стр. 930

صور الفتور هناك مظاهر وصور للفتور تمثل قصورا في العمل الصالح، أو ارتكاب لذنب، ومن هذه الصور والمظاهر: ١ - قسوة القلب: توعد الله القاسية قلوبهم بالضلال المبين فقال: فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٢ - ٢٣]. وقاسي القلب لا يتأثر بالقرآن ولا بالمواعظ حتى يلين قلبه، قال السعدي في قوله تعلى: فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ (أي: لا تلين لكتابه، ولا تتذكر آياته، ولا تطمئن بذكره، بل هي معرضة عن ربها، ملتفتة إلى غيره، فهؤلاء لهم الويل الشديد، والشر الكبير) (١). وقال مالك بن دينار: (أربع من علم الشقاوة قسوة القلب وجمود العين وطول الأمل والحرص على الدنيا) (٢). ٢ - أن يتكاسل عن الطاعة: من مظاهر الفتور التكاسل عن الطاعات والعبادات فتجده يؤخرها عن وقتها ولا يؤديها كما هي مطلوبة منه، وهو يختلف بحسب العبادة فإما أن تكون فرضاً أو نفلا، والتكاسل عن الفرائض أمر خطير جدا فليُنتبه له، وقد يخدش في إسلام المرء، قال تعالى عن المنافقين: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: ١٤٢] وقال: وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة: ٥٤]. ٣ - الابتعاد عن الجليس الصالح: من صور الفتور أن يُضعف الشخص علاقته مع إخوانه الصالحين فيبتعد عنهم ويميل إلى العزلة، أو يصاحب قرناء السوء فيحرقون ثيابه أو يجد منهم ريحاً خبيثة كما أخبر بذلك المصطفى ﷺ فقال: ((مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة)) (٣). وقال ﷺ : ((عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة)) (٤). ٤ - (ضياع الوقت وعدم الإفادة منه، وتزجيته بما لا يعود عليه بالنفع، وتقديم غير المهم على المهم، والشعور بالفراغ الروحي والوقتي وعدم البركة في الأوقات، وتمضي عليه الأيام لا ينجز فيها شيئا يذكر. ٥ - عدم الاستعداد للالتزام بشيء، والتهرب من كل عمل جدي؛ خوفا من أن يعود إلى حياته الأولى. هكذا يسوّل له شيطانه زخرف القول غرورا.

стр. 931

٦ - الفوضوية في العمل: فلا هدف محدد، ولا عمل متقن، أعماله ارتجالا، يبدأ في هذا العمل ثم يتركه، ويشرع في هذا الأمر ولا يتمه، ويسير في هذا الطريق ثم يتحول عنه، وهكذا دواليك. ٧ - خداع النفس؛ بالانشغال وهو فارغ، وبالعمل وهو عاطل، ينشغل في جزئيات لا قيمة لها ولا أثر يذكر، ليس لها أصل في الكتاب أو السنة، وإنما هي أعمال يقنع نفسه بجدواها، ومشاريع وهمية لا تسمن ولا تغني من جوع) (١). ٨ - عدم الغضب إذا انتهكت محارم الله: فمن ماتت لديه الغيرة لدين الله وأصيب بالفتور، لا تغضبه المنكرات، ولا يحاول أن يغير المنكر باليد أو باللسان، قال ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) (٢). قال الغزالي: (فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه) (٣). ٩ - عدم الشعور بالمسؤولية: ومن مظاهر الفتور (عدم استشعار المسئولية الملقاة على عاتقه، والتساهل والتهاون بالأمانة التي حمّله الله إياها، فلا تجد لديه الإحساس بعظم هذه الأمانة، والله يقول: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢] وقد تحدثه ساعة ويحدثك أخرى، فلا تجد أن همّ الدعوة يجري في عروقه، أو يؤرق جفونه ويقضّ مضجعه. ومما يلحق بهذا الباب أنك تجد هذا الفاتر أصبح يعيش بلا هدف أو غاية سامية، فهبطت اهتماماته وسفلت غاياته، وذلت مطامحه ومآربه. وتبعا لذلك فلا قضايا المسلمين تشغله، ولا مصائبهم تحزنه، ولا شئونهم تعنيه، وإن حدث شيء من ذلك فعاطفة سرعان ما تبرد وتخمد ثم تزول) (٤).

стр. 932

أسباب الفتور للفتور أسباب كثيرة وإليك بعض من هذه الأسباب وهي كالتالي: ١ - الغفلة عن ذكر الله: إن الغفلة عن ذكر الله سبب من أسباب الفتور عن الطاعات والتكاسل عن العبادات لأنه إذا نسي ذكر الله كان بعيدا عنه، قال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر: ١٩] والغفلة تعتبر من التمادي في الباطل، ولا تعتبر سهوا أو نسياناً قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يونس: ٧ - ٨]. قال ابن القيم: (فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبا على قلبه وصدأه بحسب غفلته وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه فلا يقبل حقا ولا ينكر باطلا وهذا أعظم عقوبات القلب وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره) (١). وقال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: ٩]. (لما كان الإنسان محل الفتور والغفلة والنسيان، وكان ذلك في محل الغفران، وكان لا يمكن صلاحه إلا بالخوف من الملك الديان، قال معللاً أو مستأنفاً جواباً لمن كأنه يقول: ما له يتعب نفسه هذا التعب ويكدها هذا الكد: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ أي عذاب الله فيها، فهو دائم التجدد لذلك كلما غفل عنه. ولما ذكر الخوف، أتبعه قرينه الذي لا يصح بدونه فقال: وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ أي الذي لم يزل ينقلب في إنعامه) (٢). ٢ - التشدد في العبادة: المؤمن ينبغي أن يقوم بما يطيقه من العبادة حتى لا يصاب بالملل والفتور، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄، قال: ((قال لي رسول الله ﷺ : يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل فقلت بلى يا رسول الله قال فلا تفعل صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقا وإن لعينك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا وإن لزورك عليك حقا وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإن ذلك صيام الدهر كله فشددت فشدد علي قلت يا رسول الله إني أجد قوة قال فصم صيام نبي الله داود ﵇، ولا تزد عليه قلت وما كان صيام نبي الله داود ﵇ قال نصف الدهر فكان عبد الله يقول بعد ما كبر يا ليتني قبلت رخصة النبي ﷺ ) (٣). وقد قال ﷺ : ((خذوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وأحب الصلاة إلى النبي ﷺ ما دووم عليه وإن قلت)) (٤).

стр. 933

قال الشاطبي (إن المكلف لو قصد المشقة في عبادته، وحرص على الوقوع فيها، حتى يعرض نفسه لمضاعفة الثواب، فإنه يعرض نفسه في واقع الأمر لبغض عبادة الله تعالى، وكراهية أحكام الشريعة، التي غرس الله حبها في القلوب، كما يدل عليه قوله تعالى: وَلكنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ٧]، وذلك لأن النفس تكره ما يفرض عليها، إذا كان من جنس ما يشق الدوام عليه، بحيث لا يقرب وقت ذلك العمل الشاق، إلا والنفس تشمئز منه، وتود لو لم تعمل، أو تتمنى أنها لم تلتزم) (١). ٣ - الاقتداء بالأشخاص والتعلق بهم: فقد يتعلق الفرد بشخص يعتبره قدوة وينظر إليه نظر قدوة، فإن زل زل معه، والحي لا تؤمن عليه الفتنة يقول عبد الله بن مسعود ﵁: (من كان منكم مستنًا، فليستن بمن مات، أولئك أصحاب محمد كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد كانوا على الهدي المستقيم) (٢). ٤ - التعلق بالدنيا وزينتها: التعلق بالدنيا وزينتها والغرور بمستلذاتها يجعل المسلم همه الدنيا فقط ويعتبر من أعظم أسباب الفتور، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: ٣٣]. وقال ﷺ : ((من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتبه الله له)) (٣). وخرج أبو الدرداء على أهل الشام ورآهم في ترف فقال لهم: (مالي أراكم تجمعون ما لا تأخذون، وتبنون ما لا تسكنون، وتؤمّلون ما لا تأخذون، لقد جمعت الأقوام التي قبلكم وأمّنتْ، فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعهم بوراً، وأملهم غروراً، وبيوتهم قبوراً، فجعل الناس يبكون حتى سمع نشيجهم من خارج المسجد) (٤). ٥ - قلة تذكر الموت والدار الآخرة: قال تعالى: إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يونس: ٧ - ٨].

стр. 934

قال السعدي: (أي: ركنوا إليها، وجعلوها غاية مرامهم ونهاية قصدهم، فسعوا لها وأكبوا على لذاتها وشهواتها، بأي طريق حصلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت ابتدروها، قد صرفوا إرادتهم ونياتهم وأفكارهم وأعمالهم إليها. فكأنهم خلقوا للبقاء فيها، وكأنها ليست دار ممر، يتزود منها المسافرون إلى الدار الباقية التي إليها يرحل الأولون والآخرون، وإلى نعيمها ولذاتها شمر الموفقون. وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ فلا ينتفعون بالآيات القرآنية، ولا بالآيات الأفقية والنفسية، والإعراض عن الدليل مستلزم للإعراض والغفلة، عن المدلول المقصود. أُوْلَئِكَ الذين هذا وصفهم مَأْوَاهُمُ النُّارُ أي: مقرهم ومسكنهم التي لا يرحلون عنها) (١). وقد حث النبي ﷺ على زيارة القبور من أجل أن يتذكر الإنسان الموت فيتعظ ويعتبر، عن أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: ((استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)) (٢). قال المناوي: (ليس للقلوب سيما القاسية أنفع من زيارة القبور فزيارتها وذكر الموت يردع عن المعاصي ويلين القلب القاسي ويذهب الفرح بالدنيا ويهون المصائب وزيارة القبور تبلغ في دفع رين القلب واستحكام دواعي الذنب ما لا يبلغه غيرها) (٣). ٦ - الضعف في التربية: (يحتاج المسلم إلى تربية طويلة، مؤصلة، شاملة، وبخاصة في الجانب العبادي والعلمي. ولقد ربى رسول الله ﷺ صحابته خير تربية عرفتها البشرية، ولم يكن هذا بالأمر السهل والهين، بل مكث سنوات طويلة في مكة، وبعد ذلك في المدينة، يتعاهد صحابته، ويربيهم على عينيه ﷺ وتطلب هذا الأمر جهودا مضاعفة وسنوات متوالية، حتى تخرج على يديه الكريمتين تلك الصفوة المباركة، التي ما عرف التاريخ ولن يعرف مثلها، سجلوا أمجادهم بمداد من نور، واجهوا المشكلات والعقبات، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ذلوا، وما استكانوا، وما ضعفوا. وشباب الأمة اليوم بأمس الحاجة إلى التربية الشاملة المتوازنة، المستمدة من الكتاب والسنة، وعلى هدي سلف الأمة. والحقيقة التي لا يمكن إنكارها، أن هناك ضعفا ظاهرا في تربية رجال الأمة وشبابها، بل ونسائها، وأصبح الالتزام مظهرا عاما في داخله دخن عند كثير من الملتزمين، قد لا يثبت عند مواجهة الشدائد والمحن. فالصلة بالله ضعيفة، والعلم قليل، والتجربة محدودة، بينما المشاعر فياضة، والحماس طاغ، وقد يسر الناظرين، كالسراب يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا [النور: ٣٩] إلا من عصم الله ووفق وثبت. وقد كثرت الشكوى هذه الأيام من أولئك الذين ضعفوا بعد استقامة، وأصبحت تكون ظاهرة تحتاج إلى علاج، ووجدت أن من أبرز أسبابها ضعف التربية، مع كثرة الشهوات والشبهات، فعلى العلماء وطلاب العلم والمربين المبادرة قبل فوات الأوان، وتمني أن الذي كان ما كان. ومما تجب الإشارة إليه في باب ضعف التربية ما يلي: أ- ضعف البدايات، وعدم بناء الشخصية المسلمة على أسس قوية مؤصلة، مما يجعلها هزيلة غير متمكنة، تميل إلى ما قامت عليه وتحن إليه، مما يجعل صاحبها يعاني أيما معاناة. ب- عدم التدريب على المبادرة، بل أحيانا تربية الفرد على السلبية وانتظار التكاليف، فهو إمعة ومقلد. ج- ضعف الثقة بالنفس، والخوف من الإحباط والفشل، والتهيب من كل جديد. د- الغفلة عن مبدأ الثواب والعقاب، أو إساءة استخدامه. هـ- التعنيف في المحاسبة، وتضخيم الأخطاء، وكثرة العتاب، وعدم مراعاة الفروق الفردية، والظروف الاجتماعية، مما يسبب للشاب نفورا ووحشة وإحباطا. وإبراز الشخص وتحميله مسئوليات كبيرة قبل نضجه وإعداده وتربيته، وهذا بلاء عواقبه وخيمة في العاجل أو الآجل) (٤).

стр. 935

وسائل علاج الفتور هناك وسائل لعلاج الفتور الناشئ بسبب من الأسباب وهذا السبب إما أن يكون بارتكاب ذنب، أو التباطؤ في عمل الخير، والعلاج يكون بالإقلاع عن هذا الذنب أو في المسارعة إلى الخيرات، ومن هذه الوسائل لعلاج الفتور: ١ - الدعاء بالثبات على الدين: قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠]. وكان ﷺ يدعو بالثبات على الدين، فعن أنس ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقلت يا رسول الله آمنا وبك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبهما كما يشاء)) (١). ٢ - الالتزام بأذكار الصباح والمساء: فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة)) (٢). ٣ - الرفقة الصالحة: فالمرء على دين خليله وعليه فلا بد أن يرافق الصالحين حتى يعينوه على البر والتقوى، قال ﷺ : ((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) (٣) كما حث على مصاحبة المؤمن فقال: ((لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي)) (٤). ٤ - ذكر الله وكثرة الاستغفار:

стр. 936

أمر الله عباده بالذكر حتى يفلحوا فقال تعالى: وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ [الأنفال: ٤٩]. وأوصى النبي ﷺ للأعرابي بأن يكون لسانه رطبا بذكر الله، فعن عبد الله بن بسر قال: ((إن أعرابيا قال لرسول الله ﷺ : إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأنبئني منها بشيء أتشبث به , قال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله ) (١). وقال ﷺ : ((ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال ذكر الله ) (٢). وعن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)) (٣). وعن الأغر المزني عن النبي ﷺ قال: ((إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)) (٤). ٥ - الإكثار من النوافل: الإكثار من النوافل يقرب إلى الله ويورث محبته وفي الحديث القدسي ((وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)) (٥) والإكثار من النوافل يعوض ما قد يطرأ من النقص والتقصير في الفرائض. ٦ - العظة من خاتمة من أصابه الفتور: تجد بعض من يصاب بالفتور ينتكس وتكون خاتمته سيئة قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ [محمد: ٢٥]. ٧ - التفكر في يوم القيامة: فالتفكر في اليوم الآخر وما أعده الله لعباده الممتثلين لأوامره من النعيم، وما أعده للكفار والعاصين من العذاب، يحرك في قلب صاحبه العزيمة الفاترة فيقبل على الله بقلبه ليكون من المنيبين إليه.

стр. 937

معنى الفحش والبذاءة لغة واصطلاحاً معنى الفحش لغة: كل شيء جاوز حده فهو فاحش. وقد فحش الأمر بالضم فحشا وتفاحش. وأفحش عليه في المنطق أي قال الفحش فهو فحاش. وتفحش في كلامه (١). (وقال ابن سيده: الفحش والفحشاء والفاحشة القبيح من القول والفعل، وجمعها الفواحش) (٢). معنى الفحش اصطلاحاً: ما ينفر عنه الطبع السليم، ويستنقصه العقل المستقيم (٣). وقال الراغب: (الفحش والفحشاء والفاحشة: ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال) (٤). (وقال الحرالي: ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع فيتفق في حكمه آيات الله الثلاث من الشرع والعقل والطبع، وبذلك يفحش الفعل) (٥). معنى البذاءة لغة واصطلاحاً معنى البذاءة لغة: البذاء، بالمد: الفحش. وفلان بذي اللسان، والمرأة بذية، بذو بذاء فهو بذي. وبذوت على القوم وأبذيتهم وأبذيت عليهم: من البذاء وهو الكلام القبيح (٦). معنى البذاءة اصطلاحاً: هو الفحش والقبح في المنطق وإن كان الكلام صدقا (٧). وقال الكفوي: البذاء (هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة) (٨).

стр. 938

الفرق بين الفحش وبعض الصفات الفرق بين الفحش والقبح: قال أبو هلال العسكري: (إن الفاحش الشديد القبح ويستعمل القبح في الصور فيقال القرد قبيح الصورة ولا يقال فاحش الصورة، ويقال هو فاحش القبح وهو فاحش الطول وكل شيء جاوز حد الاعتدال مجاوزة شديدة فهو فاحش وليس كذلك القبيح (١). الفرق بين الفحش والشتم: الفحش أن يعبر عن المباشرة بعبارة قبيحة، والشتم أن ينسب واحدا إلى ذلك (٢).

стр. 939

ذم الفحش والبذاءة في القرآن والسنة ذم الفحش والبذاءة في القرآن الكريم: - قال تعال: لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١١٤]. قال السعدي: (أي: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون، وإذا لم يكن فيه خير، فإما لا فائدة فيه كفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة كالكلام المحرم بجميع أنواعه. ثم استثنى تعالى فقال: إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ من مال أو علم أو أي نفع كان، بل لعله يدخل فيه العبادات القاصرة كالتسبيح والتحميد ونحوه) (١). - وقال سبحانه: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا [النساء: ١٤٨]. قال البغوي: (يعني: لا يحب الله الجهر بالقبح من القول إلا من ظلم، فيجوز للمظلوم أن يخبر عن ظلم الظالم وأن يدعو عليه، قال الله تعالى: وَلَمَنْ انتصرَ بعد ظلمه فأولئك ما عليهم مِنْ سَبيل [الشورى: ٤١]، قال الحسن: دعاؤه عليه أن يقول: اللهم أعني عليه اللهم استخرجْ حقي منه، وقيل: إن شُتِم جاز أن يشتم بمثله لا يزيد عليه) (٢). - قال تعالى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى: ٣٧]. - وقال سبحانه: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: ٣١ - ٣٢]. - وقال عز من قائل: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣]. قال السعدي في تفسيره لهذه الآية (أي: الذنوب الكبار التي تستفحش وتستقبح لشناعتها وقبحها، وذلك كالزنا واللواط ونحوهما. وقوله: مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ أي: الفواحش التي تتعلق بحركات البدن، والتي تتعلق بحركات القلوب، كالكبر والعجب والرياء والنفاق، ونحو ذلك) (٣). ذم الفحش والبذاءة في السنة النبوية: - عن أبي عبد الله الجدلي قال: ((سألت عائشة ﵂: عن خلق رسول الله ﷺ ؟ فقالت: كان أحسن الناس خلقا لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح)) (٤). (أي ناطقا بالفحش وهو الزيادة على الحد في الكلام السيئ والمتفحش المتكلف لذلك أي لم يكن له الفحش خلقا ولا مكتسبا) (٥).

стр. 940

- وعن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء)) (١) قال ابن بطال في قوله (ولا الفاحش، أي: فاعل الفحش أو قائله. وفي النهاية أي: من له الفحش في كلامه وفعاله قيل أي: الشاتم، والظاهر أن المراد به الشتم القبيح الذي يقبح ذكره. ((ولا البذيء)) ... وهو الذي لا حياء له كما قاله بعض الشراح. وفي النهاية: البذاء بالمد الفحش في القول وهو بذيء اللسان، وقد يقال بالهمز وليس بكثير. اهـ. فعلى هذا يخص الفاحش بالفعل لئلا يلزم التكرار، أو يحمل على العموم، والثاني يكون تخصيصا بعد تعميم بزيادة الاهتمام به لأنه متعد) (٢). - وعن عائشة- ﵂ قالت: ((استأذن رجل على رسول الله ﷺ فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام. قلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام. قال: أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه)) (٣). (قال الخطابي جمع هذا الحديث علما وأدبا وليس في قول النبي ﷺ في أمته بالأمور التي يسميهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض بل الواجب عليه أن يبين ذلك ويفصح به ويعرف الناس أمره فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة ولكنه لما جبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة ولم يجبهه بالمكروه لتقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله وفي مداراته ليسلموا من شره وغائلته) (٤). (والفحش والبذاء مذموم كله، وليس من أخلاق المؤمنين. وقد روى مالك عن يحيى بن سعيد أن عيسى بن مريم لقي خنزيرا في طريق فقال له: انفذ بسلام فقيل له: تقول هذا لخنزير فقال عيسى ابن مريم: إني أخاف أن أعود لساني المنطق السوء. فينبغي لمن ألهمه الله رشده أن يجنبه ويعود لسانه طيب القول ويقتدي في ذلك بالأنبياء ﵈ فهم الأسوة الحسنة. وفى حديث عائشة أنه لا غيبة في الفاسق المعلن وإن ذكر بقبيح أفعاله. وفيه: جواز مصانعة الفاسق وإلانة القول لمنفعة ترجى منه) (٥). - وعن أبي الدرداء- ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء)) (٦). - وعن أبي أمامة الباهلي- ﵁ أنه قال: ((قال رسول الله ﷺ : الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من شعب النفاق)) (٧). (قال البيضاوي: لما كانا باعثين على التحفظ في الكلام والاحتياط فيه عُدَّا من الإيمان، وما يخالفهما من النفاق وعلى هذا يكون المراد بالعِيِّ ما يكون سبب التأمل والتحرز عن الوبال، لا الخلل في اللِّسان، وبالبيان ما يكون بسبب الاجتراء وعدم المبالاة بالطغيان، والتحرز عن الزور والبهتان. والبذَاء، والبيانُ شعبتان من النِّفاقِ قال في النهاية: أراد أنهما خصلتان منشؤهما النفاق، أما البذاء؛ وهو الفحش، فظاهر، وأما البيان؛ فإنما أراد منه بالذم التعمق في النطق، والتفاصح وإظهار التقدم فيه على النَّاس، وكأنه نوع من العجب، والكبر، ولذا قال في روايةِ أخرى: ((بعض البيان)) لأنه ليس كل البيان مذمومًا) (٨).

стр. 941

أقوال السلف والعلماء في ذم الفحش والبذاءة - قال عبد الله بن مسعود ﵁: (ألأم خلق المؤمن الفحش) (١). - و (رأى أبو الدرداء ﵁ امرأة سليطة اللسان، فقال: لو كانت هذه خرساء، كان خيرا لها) (٢). - وعن إبراهيم بن ميسرة قال: (يقال: الفاحش المتفحش يوم القيامة في صورة كلب أو في جوف كلب) (٣). - وعن عون بن عبد الله ﵀ قال: (ألا أن الفحش والبذاء من النفاق وهن مما يزدن في الدنيا وينقصن في الآخرة وما ينقصن في الآخرة أكثر مما يزدن في الدنيا) (٤). - وقال الأحنف بن قيس ﵀: (أو لا أخبركم بأدوأ الداء: اللسان البذيء والخلق الدنيء) (٥). - وقال أسماء بن خارجة: (ما شتمت أحدا قط؛ لأن الذي يشتمني أحد رجلين كريم كانت منه ذلة وهفوة فأنا أحق من غفرها وأخذ الفضل فيها أو لئيم فلم أكن لأجعل عرضي. . . وكان يتمثل: وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما) (٦). - وقال سعيد بن العاص: (ما شتمت رجلا منذ كنت رجلا، ولا زاحمت ركبتي ركبته، وإذا أنا لم أصل زائري حتى يرشح جبينه كما يرشح السقاء فوالله ما وصلته) (٧). - وعن الأصمعي قال: (جرى بين رجلين كلام، فقال أحدهما لصاحبه: لمثل هذا اليوم كنت أدع الفحش على الرجال. فقال له خصمه: فإني أدع الفحش عليك اليوم؛ لما تركت قبل اليوم) (٨). - وعن ابن عائشة، عن أبيه؛ قال: (قال بعض الحكماء: لا تضع معروفك عند فاحش ولا أحمق ولا لئيم؛ فإن الفاحش يرى ذلك ضعفا، والأحمق لا يعرف قدر ما أتيت إليه، واللئيم سبخة لا ينبت ولا يثمر، ولكن إذا أصبت المؤمن؛ فازرعه معروفك تحصد به شكرا) (٩). - وقال ابن حبان البستي: (إن الواقح إذا لزم البذاء كان وجود الخير منه معدوما وتواتر الشر منه موجودا لأن الحياء هو الحائل بين المرء وبين المزجورات كلها فبقوة الحياء يضعف ارتكابه إياها وبضعف الحياء تقوى مباشرته إياها) (١٠). - وقال الماوردي: (ومما يجري مجرى فحش القول وهُجْره في وجوب اجتنابه، ولزوم تنكبه ما كان شنيع البديهة، مستنكر الظاهر، وإن كان عقب التأمل سليماً، وبعد الكشف والروية مستقيماً) (١١). - وقال القاسمي: (كلام الإنسان بيان فضله، وترجمان عقله، فاقصره على الجميل، واقتصر منه على القليل، وإياك وما يستقبح من الكلام؛ فإنه يُنَفِّر عنك الكرام، ويُوَثِّب عليك اللئام) (١٢).

стр. 942

المقصود بالفحش والفحشاء تطلق لفظة الفحش والفحشاء على عدة أمور منها: ١ - إطلاقها على الزنا: تطلق كلمة فاحشة على الزنا قال تعالى: وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً [الإسراء: ٣٢] وقال عز من قائل: إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ [الطلاق: ١] (١). (قال ابن بكير: إذا نعتت الفاحشة بمبينة فهي من باب البذاء باللسان، وإذا لم تنعت وأطلقت فهي الزنى وقيل إذا كانت الفاحشة بالألف، واللام فهي الزنى، واللواط) (٢). وقال ابن الأثير: (وكثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا) (٣). ٢ - وتطلق على المرأة القبيحة والكبيرة: قال ابن الأعرابي: وعلقت تجريهم عجوزك، بعد ما ... فحشت محاسنها على الخطاب (٤). ٣ - ويطلق على البخيل الفاحش: قال طرفة: أرى الموت يعتام الكرام، ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد يعني الذي جاوز الحد في البخل، وقال ابن بري: الفاحش السيئ الخلق المتشدد البخيل (٥). ٤ - وتطلق على كل أمر لا يكون موافقا للحق والقدر: قال ابن جرير: (وأصل الفحش: القبح، والخروج عن الحد والمقدار في كل شيء. ومنه قيل للطويل المفرط الطول: إنه لفاحش الطول، يراد به: قبيح الطول، خارج عن المقدار المستحسن. ومنه قيل للكلام القبيح غير القصد: كلام فاحش، وقيل للمتكلم به: أفحش في كلامه، إذا نطق بفُحش) (٦). ٥ - وتطلق على كل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال: قال ابن الجوزي في تفسيره لقوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ: (والفاحشة القبيحة، وكل شيء جاوز قدره فهو فاحش، والمراد بها هاهنا قولان أحدهما: أنها الزنى، قاله جابر بن زيد والسدي ومقاتل. والثاني: أنها كل كبيرة: قاله جماعة من المفسرين) (٧). وقال الآلوسي: (قيل: الفاحشة المعصية الفعلية، وظلم النفس المعصية القولية، وقيل الفاحشة ما يتعدى، ومنه إفشاء الذنب لأنه سبب اجتراء الناس عليه ووقوعهم فيه وظلم النفس ما ليس كذلك، وقيل: الفاحشة كل ما يشتد قبحه من المعاصي والذنوب وتقال لكل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال (٨). ٦ - وتطلق على الفحش في الكلام: والفحش في الكلام: أ- إما أن يكون بمعنى السب والشتم وقول الخنا كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: ((لم يكن النبي ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً ... )) (٩). ب- وإما أن يكون بالتعدي في القول والجواب كما في حديث عائشة، ﵂: ((أن يهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: عليكم، ولعنكم الله، وغضب الله عليكم. قال: مهلا يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في)) (١٠).

стр. 943

وقال الماوردي: (وما قدح في الأعراض من الكلام نوعان: أحدهما: ما قدح في عرض صاحبه ولم يتجاوزه إلى غيره، وذلك شيئان: الكذب وفحش القول. والثاني: ما تجاوزه إلى غيره، وذلك أربعة أشياء: الغيبة والنميمة والسعاية والسب بقذف أو شتم. وربما كان السب أنكاها للقلوب وأبلغها أثرا في النفوس. ولذلك زجر الله عنه بالحد تغليظا وبالتفسيق تشديدا وتصعيبا. وقد يكون ذلك لأحد شيئين: إما انتقام يصدر عن سفه أو بذاء يحدث عن لؤم. وقد روى أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم)) (١). وقال ابن المقفع: الاستطالة لسان الجهال. وكف النفس عن هذه الحال بما يصدها من الزواجر أسلم وهو بذوي المروءة أجمل) (٢). ج- وإما بالتعبير عن الأمور المستقبحة بعبارة صريحة: بعض الناس يستخدم عبارات يقبح استخدامها ولو كانت هذه العبارات مطابقة للواقع وصحيحة يعتبر من الفحش، وعليه أن يستعمل الكناية وأن لا يصرح به ويعبر عنه بكلام يفهم منه المقصود، قال النووي: (قال العلماء: فينبغي أن يستعمل في هذا وما أشبهه من العبارات التي يستحيى من ذكرها بصريح اسمها الكنايات المفهمة، فيكني عن جماع المرأة بالإفضاء والدخول والمعاشرة والوقاع ونحوها، ولا يصرح بالنيك والجماع ونحوهما، وكذلك يكني عن البول والتغوط بقضاء الحاجة، والذهاب إلى الخلاء، ولا يصرح بالخراءة والبول ونحوهما، وكذلك ذكر العيوب كالبرص والبخر والصنان وغيرها، يعبر عنها بعبارات جميلة يفهم منها الغرض، ويلحق بما ذكرناه من الأمثلة ما سواه. واعلم أن هذا كله إذا لم تدع حاجة إلى التصريح بصريح اسمه، فإن دعت حاجة لغرض البيان والتعليم، وخيف أن المخاطب لا يفهم المجاز، أو يفهم غير المراد، صرح حينئذ باسمه الصريح ليحصل الإفهام الحقيقي، وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من التصريح بمثل هذا، فإن ذلك محمول على الحاجة كما ذكرنا، فإن تحصيل الإفهام في هذا أولى من مراعاة مجرد الأدب) (٣) وقال الغزالي: (فإن لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه وأهل الصلاح يتحاشون عنها بل يكنون عنها ويدلون عليها بالرموز فيذكرون ما يقربها ويتعلق بها وقال ابن عباس: (إن الله حي كريم يعفو ويكنو) كنى باللمس عن الجماع فالمسيس واللمس والدخول والصحبة كنايات عن الوقاع وليست بفاحشة وهناك عبارات فاحشة يستقبح ذكرها ويستعمل أكثرها في الشتم والتعيير وهذه العبارات متفاوتة في الفحش وبعضها أفحش من بعض وربما اختلف ذلك بعادة البلاد وأوائلها مكروهة وأواخرها محظورة وبينهما درجات يتردد فيها وليس يختص هذا بالوقاع بل بالكناية بقضاء الحاجة عن البول والغائط أولى من لفظ التغوط والخراء وغيرهما فإن هذا أيضا ما يخفى وكل ما يخفى يستحيا منه فلا ينبغي أن يذكر ألفاظه الصريحة فإنه فحش وكذلك يستحسن في العادة الكناية عن النساء فلا يقال قالت زوجتك كذا بل يقال قيل في الحجرة أو من وراء الستر أو قالت أم الأولاد فالتلطف في هذه الألفاظ محمود والتصريح فيها يفضي إلى الفحش وكذلك من به عيوب يستحيا منها فلا ينبغي أن يعبر عنها بصريح لفظها كالبرص والقرع والبواسير بل يقال العارض الذي يشكوه وما يجري مجراه فالتصريح بذلك داخل في الفحش وجميع ذلك من آفات اللسان) (٤).

стр. 944

آثار ومضار الفحش والبذاء ١ - فاعل الفحش أو قائله يستحق العقوبة من الله في الدنيا والآخرة. ٢ - يتحاشاه الناس خوفاً من شر لسانه: قال ﷺ : ((إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تُرك اتقاء فحشه)) (١). ٣ - البذاء والفحش من علامات النفاق: قال ﷺ : ((الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق)) (٢). ٤ - ليس من صفات المؤمن الكامل الإيمان الفحش والبذاء. قال ﷺ : ((ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء)) (٣). ٥ - الفاحش المتفحش يبغضه الله. قال ﷺ : ((إنّ الله تَعَالَى يبغض الْفاحِشَ المُتَفَحّشَ)) (٤). ٦ - الفاحش يكون بعيداً من الله ومن الناس. ٧ - يشيع الفحش والفحشاء في المجتمع الإسلامي.

стр. 945

الوسائل المعينة لترك الفحش والبذاءة ١ - أن يكثر من ذكر الله: أن أعرابيا قال لرسول الله ﷺ : ((إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأنبئني منها بشيء أتشبث به قال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله ) (١). وذكر ابن القيم من فوائد الذكر (أنه سبب اشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والباطل فإن العبد لا بد له من أن يتكلم فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى وذكر أوامره تكلم بهذه المحرمات أو بعضها ولا سبيل إلى السلامة منها البتة إلا بذكر الله تعالى والمشاهدة والتجربة شاهدان بذلك فمن عود لسانه ذكر الله صان لسانه عن الباطل واللغو ومن يبس لسانه عن ذكر الله تعالى ترطب بكل باطل ولغو وفحش ولا حول ولا قوة إلا بالله) (٢). ٢ - أن يلزم الصمت: قال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [الإسراء: ٣٦]. وقال ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)) (٣). وأوصى ﷺ أبا ذر فقال: ((يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما قال بلى يا رسول الله قال عليك بحسن الخلق وطول الصمت فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما)) (٤). ٣ - تعويد اللسان على الكلام الجميل: فعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: ((تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: الفم والفرج)) (٥). ٤ - أن يتجنب في عباراته الألفاظ المستقبحة وإن كانت صدقاً ويكني بدلاً عنها: قال الماوردي: (يتجافى هجر القول ومستقبح الكلام، وليعدل إلى الكناية عما يستقبح صريحه ويستهجن فصيحه؛ ليبلغ الغرض ولسانه نزه وأدبه مصون) (٦). وقال العلاء بن هارون: (كان عمر بن عبد العزيز يتحفظ في منطقه فخرج تحت إبطه خراج فأتيناه نسأله لنرى ما يقول فقلنا من أين خرج فقال من باطن اليد) (٧). ٥ - أن لا يتحدث فيما لا يعنيه: قال ﷺ : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) (٨). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ((توفي رجل من أصحابه - يعني النبي ﷺ فقال رجل: أبشر بالجنة، فقال رسول الله ﷺ : أولا تدري، فلعله تكلم بما لا يعنيه، أو بخل بما لا يغنيه)) (٩).

стр. 946

وكان عبد الله بن عمر يقول: ((دع ما لست منه في شيء، ولا تنطق في ما لا يعنيك، واحرز لسانك كما تخزن ورقك)) (١). وقال رجل للأحنف بن قيس: بم سدت قومك - وأراد عيبه -؟ فقال الأحنف: بتركي من أمرك ما لا يعنيني، كما أعناك من أمري ما لا يعنيك (٢). ٦ - أن لا يعتاد لعن الدواب والأماكن: قال ﷺ ، قال: ((لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا)) (٣). وعن أبي برزة الأسلمي، قال: ((بينما جارية على ناقة، عليها بعض متاع القوم، إذ بصرت بالنبي ﷺ ، وتضايق بهم الجبل، فقالت: حل، اللهم العنها، قال: فقال النبي ﷺ : لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة)) (٤). ٧ - التخلق بخلق الحياء: الحياء يمنع من كثير من الفحش والبذاء ويحمل على كثير من أعمال الخير فعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ((ما كان الحياء في شيء قط إلا زانه ولا كان الفحش في شيء قط إلا شانه)) (٥). قال ابن عبد البر: (إن الحياء يمنع من كثير من الفحش والفواحش ويشتمل على كثير من أعمال البر وبهذا صار جزءا وشعبة من الإيمان لأنه وإن كان غريزة مركبة في المرء فإن المستحي يندفع بالحياء عن كثير من المعاصي كما يندفع بالإيمان عنها إذا عصمه الله فكأنه شعبة منه لأنه يعمل عمله فلما صار الحياء والإيمان يعملان عملا واحدا جعلا كالشيء الواحد وإن كان الإيمان اكتسابا والحياء غريزة) (٦). ٨ - مصاحبة ومجالسة الأخيار: فإن من جالس الأخيار أعانوه على طريق الخير، يقومون بتشجيعه إذا أحسن، وينصحوه إذا أخطأ، ويأخذ من هذه الصحبة مدرسة تعينه على التخلق بالخلق الحسن، قال ﷺ : ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) (٧). وقال ﷺ : ((لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي)) (٨). قال الشاعر: إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ... ولا تصحبِ الأردى فتردى مع الردي وقال الحسن بن علي الخلال: (قال بعض الحكماء: مجالسة أهل الديانة تجلو عن القلوب صدأ الذنوب، ومجالسة ذوي المروءة تدل على مكارم الأخلاق، ومجالسة العلماء تنتج ذكاء القلوب، ومن عرف تقلب الزمان لم يركن إليه) (٩).

стр. 947

الأسباب الدافعة للفحش والبذاءة ١ - الخبث واللؤم: الفساق وأهل الخبث واللؤم من عادتهم السب والكلام الفاحش والبذيء. قال القرطبي: (والبذي اللسان يسمى سفيها، لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهال الناس وأصحاب العقول الخفيفة) (١). وقال الراغب الأصفهاني: (البذاء: الكلام القبيح، ويكون من القوة الشهوية طورًا؛ كالرفث والسخف، ويكون من القوة الغضبية طورًا، فمتى كان معه استعانة بالقوة الفكرة يكون فيه السباب، ومتى كان من مجرد الغضب كان صوتًا مجردًا لا يفيد نطقًا، كما ترى كثيرًا ممن فار غضبه وهاج هائجه) (٢). ٢ - قصد الإيذاء: ربما يكون سبب الكلام الفاحش والبذيء (لردة فعل من تصرف أو قول ضدك فتثور نفسك لتثأر لما سمعته من إيذاء أو قابلته من تصرف مشين. وقد قال ﷺ لجابر بن سليم: ((وإن امرؤ شتمك أو عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء تعلمه فيه، ودعه يكون وباله عليه وأجره لك فلا تسبن شيئاً)) (٣). وما أجمل اللجوء إلى الهدوء لمعالجة هذه القضايا بالتي هي أحسن وبالحكمة والموعظة الحسنة، وفي ذلك خزي للشيطان الذي يتربص بالإنسان المؤمن فإذا غضب المؤمن كانت فرصة الشيطان في غرس الشقاق وإذهاب المودة والمحبة بين الإخوان) (٤). ٣ - الاعتياد على مخالطة الفساق: من خالط الفساق وأهل الخبث واللؤم يصبح مثلهم لأن من عادتهم السب والشتم والبذاءة (ولذا يجب على المسلم مجانبة أهل الباطل والفحش وأن يبحث عن أهل الخير ليخالطهم ويستمع إلى الكلمة الطيبة منهم لتصفو بها نفسه. لأن المؤمنين الأتقياء أصحاب الكلمة الطيبة الكريمة الفاضلة يجعلون كلامهم من وراء قلوبهم، يمحصون الكلمة فإن أرضت الله أمضوها على ألسنتهم وإلا استغفروا الله وصمتوا، فهم لا يتكلمون بالكلمة النابية ولا يلعنون ولا يسبون) (٥). قال الشاعر: فصاحب تقيا عالما تنتفع به ... فصحبة أهل الخير ترجى وتطلب وإياك والفساق لا تصحبنهم ... فقربهم يعدي وهذا مجرب فإنا رأينا المرء يسرق طبعه ... من الإلف ثم الشر للناس أغلب (٦) ...

стр. 948

الشعر في ذم الفحش والبذاءة .. قال الشاعر: وفحش ومكر والبذاء خديعة ... وسخرية والهزو والكذب قيد (١) وقال آخر: مِنْ أُناسِ لَيْسَ في أَخْلاَقِهِمْ ... عَاجِلُ الفُحْشِ وَلاَ سُوءُ الجَزَعْ (٢) وقال طلحة بن عبيد الله: فلا تعجل على أحد بظلم ... فإن الظلم مرتعه وخيم ولا تفحش وإن ملئت غيظا ... على أحد فإن الفحش لوم (٣) وقال آخر: لسانك خير وحده من قبيلة ... وما عد بعد في الفتى أنت حامله سوى البخل والفحشاء واللؤم والخنا ... أبت ذلكم أخلاقه وشمائله إذا القوم أموا سنة فهو عامد ... لأكبر ما ظنوا به فهو فاعله (٤) وقال مسكين الدارمي: وإذا الفاحش لاقى فاحشا ... فهناكم وافق الشن الطبق إنما الفحش ومن يعنى به ... كغراب السوء ما شاء نعق أو حمار السوء إن أشبعته ... رمح الناس وإن جاع نهق أو غلام السوء إن جوعته ... سرق الجار وإن يشبع فسق أو كعذرى رفعت عن ذيلها ... ثم أرخته ضرارا فانمزق أيها السائل عما قد مضى ... هل جديد مثل ملبوس خلق (٥) وقال آخر: توق من الناس فحش الكلام ... فكل ينال جنى غرسه فمن جرب الذم في عرضه ... كمن جرب السم في نفسه (٦) وقال الشاعر: أحب مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعابا وأصفح عن سباب الناس حلما ... وشر الناس من يهوى السبابا ...

стр. 949

معنى القسوة والغلظة والفظاظة لغة واصطلاحاً: معنى القسوة لغة: قال ابن منظور (القساء مصدر قسا القلب يقسو قساء والقسوة الصلابة في كل شيء .. وقسا قلبه قسوة وقساوة وقساء بالفتح والمد وهو غلظ القلب وشدته وأقساه الذنب ويقال الذنب مقساةٌ للقلب، -وقال- ابن سيده قسا القلب يقسو قسوة اشتد وقسا فهو قاسٍ) (١). معنى القسوة اصطلاحاً: قال ابن منظور: (القسوة في القلب ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه) (٢). وقال الجاحظ: (القساوة: وهو خلق مركب من البغض والشجاعة والقساوة وهو التهاون بما يلحق الغير من الألم والأذى) (٣). وقال القاري: (قساوة للقلب وهي النبو عن سماع الحق والميل إلى مخالطة الخلق وقلة الخشية وعدم الخشوع والبكاء وكثرة الغفلة عن دار البقاء) (٤). معنى الغلظة لغة واصطلاحاً: معنى الغلظة لغة: قال ابن منظور: (الغلظ ضد الرقة في الخلق والطبع والفعل والمنطق والعيش ونحو ذلك غلظ يغلظ غلظاً صار غليظاً واستغلظ مثله وهو غليظ وغلاظ والأنثى غليظة وجمعها غلاظٌ .. ورجل غليظ فظ فيه غلظة ذو غلظة وفظاظةٍ وقساوة وشدة) (٥). معنى الغلظة اصطلاحاً: قال الشوكاني (غلظ القلب: قساوته، وقلة إشفاقه، وعدم انفعاله للخير) (٦). معنى الفظاظة لغة واصطلاحاً: معنى الفظاظة لغة: والفظاظة والغلظة بمعنى واحد قال الصاحب بن عباد: (رجلٌ فظ ذو فظاظةٍ: أي غلظٍ في منطقه وتجهمٍ. والفظاظة والفظظ: خشونة الكلام) (٧). معنى الفظاظة اصطلاحا: قال الفيروز آبادي: (الفظ: الغليظ الجانب، السيئ الخلق، القاسي الخشن الكلام) (٨).

стр. 950

الفرق بين الغلظة الفظاظة وبعض الصفات الفرق بين الغلظة والفظاظة: يري البعض أنهما بمعنى واحد كما قال العز بن عبد السلام (١). ويرى آخرون أنهما يختلفان من وجوه: ١ - أن الفظاظة في القول والغلظة في الفعل كما قال ابن عباس ﵄ (٢). ٢ - الفظ: هو سيئ الخلق، وغليظ القلب: هو الذي لا يتأثر قلبه عن شيء (٣). ٣ - الفظاظة خشونة القلب والغلظة قسوة القلب (٤). الفرق بين القسوة والصلابة: (الفرق بين القسوة والصلابة: أن القسوة تستعمل فيما لا يقبل العلاج ولهذا يوصف بها القلب وإن لم يكن صلبا) (٥). الفرق بين القسوة والصبر: قال ابن القيم: (الفرق بين الصبر والقسوة أن الصبر خلق كسبي يتخلق به العبد وهو حبس النفس عن الجزع والهلع والتشكي فيحبس النفس عن التسخط واللسان عن الشكوى والجوارح عما لا ينبغي فعله وهو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية. وأما القسوة: فيبس في القلب يمنعه من الانفعال وغلظة تمنعه من التأثير بالنوازل فلا يتأثر لغلظته وقساوته لا لصبره واحتماله) (٦). - ما يوصف به القاسي: يوصف من ابتلي بالقسوة بعدة أوصاف وهي من المرادفات (قاسي القلب، غليظ الكبد، جافي الطبع، خشن الجانب، فظ الأخلاق، وفيه قسوة، وقساوة، وغلظة، وجفاء، وخشونة، وفظاظة) (٧).
следующие страницы →