← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وكان عبد الله بن عمر يقول: ((دع ما لست منه في شيء، ولا تنطق في ما لا يعنيك، واحرز لسانك كما تخزن ورقك)) (١). وقال رجل للأحنف بن قيس: بم سدت قومك - وأراد عيبه -؟ فقال الأحنف: بتركي من أمرك ما لا يعنيني، كما أعناك من أمري ما لا يعنيك (٢). ٦ - أن لا يعتاد لعن الدواب والأماكن: قال ﷺ ، قال: ((لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا)) (٣). وعن أبي برزة الأسلمي، قال: ((بينما جارية على ناقة، عليها بعض متاع القوم، إذ بصرت بالنبي ﷺ ، وتضايق بهم الجبل، فقالت: حل، اللهم العنها، قال: فقال النبي ﷺ : لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة)) (٤). ٧ - التخلق بخلق الحياء: الحياء يمنع من كثير من الفحش والبذاء ويحمل على كثير من أعمال الخير فعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ((ما كان الحياء في شيء قط إلا زانه ولا كان الفحش في شيء قط إلا شانه)) (٥). قال ابن عبد البر: (إن الحياء يمنع من كثير من الفحش والفواحش ويشتمل على كثير من أعمال البر وبهذا صار جزءا وشعبة من الإيمان لأنه وإن كان غريزة مركبة في المرء فإن المستحي يندفع بالحياء عن كثير من المعاصي كما يندفع بالإيمان عنها إذا عصمه الله فكأنه شعبة منه لأنه يعمل عمله فلما صار الحياء والإيمان يعملان عملا واحدا جعلا كالشيء الواحد وإن كان الإيمان اكتسابا والحياء غريزة) (٦). ٨ - مصاحبة ومجالسة الأخيار: فإن من جالس الأخيار أعانوه على طريق الخير، يقومون بتشجيعه إذا أحسن، وينصحوه إذا أخطأ، ويأخذ من هذه الصحبة مدرسة تعينه على التخلق بالخلق الحسن، قال ﷺ : ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) (٧). وقال ﷺ : ((لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي)) (٨). قال الشاعر: إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ... ولا تصحبِ الأردى فتردى مع الردي وقال الحسن بن علي الخلال: (قال بعض الحكماء: مجالسة أهل الديانة تجلو عن القلوب صدأ الذنوب، ومجالسة ذوي المروءة تدل على مكارم الأخلاق، ومجالسة العلماء تنتج ذكاء القلوب، ومن عرف تقلب الزمان لم يركن إليه) (٩).

стр. 947

الأسباب الدافعة للفحش والبذاءة ١ - الخبث واللؤم: الفساق وأهل الخبث واللؤم من عادتهم السب والكلام الفاحش والبذيء. قال القرطبي: (والبذي اللسان يسمى سفيها، لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهال الناس وأصحاب العقول الخفيفة) (١). وقال الراغب الأصفهاني: (البذاء: الكلام القبيح، ويكون من القوة الشهوية طورًا؛ كالرفث والسخف، ويكون من القوة الغضبية طورًا، فمتى كان معه استعانة بالقوة الفكرة يكون فيه السباب، ومتى كان من مجرد الغضب كان صوتًا مجردًا لا يفيد نطقًا، كما ترى كثيرًا ممن فار غضبه وهاج هائجه) (٢). ٢ - قصد الإيذاء: ربما يكون سبب الكلام الفاحش والبذيء (لردة فعل من تصرف أو قول ضدك فتثور نفسك لتثأر لما سمعته من إيذاء أو قابلته من تصرف مشين. وقد قال ﷺ لجابر بن سليم: ((وإن امرؤ شتمك أو عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء تعلمه فيه، ودعه يكون وباله عليه وأجره لك فلا تسبن شيئاً)) (٣). وما أجمل اللجوء إلى الهدوء لمعالجة هذه القضايا بالتي هي أحسن وبالحكمة والموعظة الحسنة، وفي ذلك خزي للشيطان الذي يتربص بالإنسان المؤمن فإذا غضب المؤمن كانت فرصة الشيطان في غرس الشقاق وإذهاب المودة والمحبة بين الإخوان) (٤). ٣ - الاعتياد على مخالطة الفساق: من خالط الفساق وأهل الخبث واللؤم يصبح مثلهم لأن من عادتهم السب والشتم والبذاءة (ولذا يجب على المسلم مجانبة أهل الباطل والفحش وأن يبحث عن أهل الخير ليخالطهم ويستمع إلى الكلمة الطيبة منهم لتصفو بها نفسه. لأن المؤمنين الأتقياء أصحاب الكلمة الطيبة الكريمة الفاضلة يجعلون كلامهم من وراء قلوبهم، يمحصون الكلمة فإن أرضت الله أمضوها على ألسنتهم وإلا استغفروا الله وصمتوا، فهم لا يتكلمون بالكلمة النابية ولا يلعنون ولا يسبون) (٥). قال الشاعر: فصاحب تقيا عالما تنتفع به ... فصحبة أهل الخير ترجى وتطلب وإياك والفساق لا تصحبنهم ... فقربهم يعدي وهذا مجرب فإنا رأينا المرء يسرق طبعه ... من الإلف ثم الشر للناس أغلب (٦) ...

стр. 948

الشعر في ذم الفحش والبذاءة .. قال الشاعر: وفحش ومكر والبذاء خديعة ... وسخرية والهزو والكذب قيد (١) وقال آخر: مِنْ أُناسِ لَيْسَ في أَخْلاَقِهِمْ ... عَاجِلُ الفُحْشِ وَلاَ سُوءُ الجَزَعْ (٢) وقال طلحة بن عبيد الله: فلا تعجل على أحد بظلم ... فإن الظلم مرتعه وخيم ولا تفحش وإن ملئت غيظا ... على أحد فإن الفحش لوم (٣) وقال آخر: لسانك خير وحده من قبيلة ... وما عد بعد في الفتى أنت حامله سوى البخل والفحشاء واللؤم والخنا ... أبت ذلكم أخلاقه وشمائله إذا القوم أموا سنة فهو عامد ... لأكبر ما ظنوا به فهو فاعله (٤) وقال مسكين الدارمي: وإذا الفاحش لاقى فاحشا ... فهناكم وافق الشن الطبق إنما الفحش ومن يعنى به ... كغراب السوء ما شاء نعق أو حمار السوء إن أشبعته ... رمح الناس وإن جاع نهق أو غلام السوء إن جوعته ... سرق الجار وإن يشبع فسق أو كعذرى رفعت عن ذيلها ... ثم أرخته ضرارا فانمزق أيها السائل عما قد مضى ... هل جديد مثل ملبوس خلق (٥) وقال آخر: توق من الناس فحش الكلام ... فكل ينال جنى غرسه فمن جرب الذم في عرضه ... كمن جرب السم في نفسه (٦) وقال الشاعر: أحب مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعابا وأصفح عن سباب الناس حلما ... وشر الناس من يهوى السبابا ...

стр. 949

معنى القسوة والغلظة والفظاظة لغة واصطلاحاً: معنى القسوة لغة: قال ابن منظور (القساء مصدر قسا القلب يقسو قساء والقسوة الصلابة في كل شيء .. وقسا قلبه قسوة وقساوة وقساء بالفتح والمد وهو غلظ القلب وشدته وأقساه الذنب ويقال الذنب مقساةٌ للقلب، -وقال- ابن سيده قسا القلب يقسو قسوة اشتد وقسا فهو قاسٍ) (١). معنى القسوة اصطلاحاً: قال ابن منظور: (القسوة في القلب ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه) (٢). وقال الجاحظ: (القساوة: وهو خلق مركب من البغض والشجاعة والقساوة وهو التهاون بما يلحق الغير من الألم والأذى) (٣). وقال القاري: (قساوة للقلب وهي النبو عن سماع الحق والميل إلى مخالطة الخلق وقلة الخشية وعدم الخشوع والبكاء وكثرة الغفلة عن دار البقاء) (٤). معنى الغلظة لغة واصطلاحاً: معنى الغلظة لغة: قال ابن منظور: (الغلظ ضد الرقة في الخلق والطبع والفعل والمنطق والعيش ونحو ذلك غلظ يغلظ غلظاً صار غليظاً واستغلظ مثله وهو غليظ وغلاظ والأنثى غليظة وجمعها غلاظٌ .. ورجل غليظ فظ فيه غلظة ذو غلظة وفظاظةٍ وقساوة وشدة) (٥). معنى الغلظة اصطلاحاً: قال الشوكاني (غلظ القلب: قساوته، وقلة إشفاقه، وعدم انفعاله للخير) (٦). معنى الفظاظة لغة واصطلاحاً: معنى الفظاظة لغة: والفظاظة والغلظة بمعنى واحد قال الصاحب بن عباد: (رجلٌ فظ ذو فظاظةٍ: أي غلظٍ في منطقه وتجهمٍ. والفظاظة والفظظ: خشونة الكلام) (٧). معنى الفظاظة اصطلاحا: قال الفيروز آبادي: (الفظ: الغليظ الجانب، السيئ الخلق، القاسي الخشن الكلام) (٨).

стр. 950

الفرق بين الغلظة الفظاظة وبعض الصفات الفرق بين الغلظة والفظاظة: يري البعض أنهما بمعنى واحد كما قال العز بن عبد السلام (١). ويرى آخرون أنهما يختلفان من وجوه: ١ - أن الفظاظة في القول والغلظة في الفعل كما قال ابن عباس ﵄ (٢). ٢ - الفظ: هو سيئ الخلق، وغليظ القلب: هو الذي لا يتأثر قلبه عن شيء (٣). ٣ - الفظاظة خشونة القلب والغلظة قسوة القلب (٤). الفرق بين القسوة والصلابة: (الفرق بين القسوة والصلابة: أن القسوة تستعمل فيما لا يقبل العلاج ولهذا يوصف بها القلب وإن لم يكن صلبا) (٥). الفرق بين القسوة والصبر: قال ابن القيم: (الفرق بين الصبر والقسوة أن الصبر خلق كسبي يتخلق به العبد وهو حبس النفس عن الجزع والهلع والتشكي فيحبس النفس عن التسخط واللسان عن الشكوى والجوارح عما لا ينبغي فعله وهو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية. وأما القسوة: فيبس في القلب يمنعه من الانفعال وغلظة تمنعه من التأثير بالنوازل فلا يتأثر لغلظته وقساوته لا لصبره واحتماله) (٦). - ما يوصف به القاسي: يوصف من ابتلي بالقسوة بعدة أوصاف وهي من المرادفات (قاسي القلب، غليظ الكبد، جافي الطبع، خشن الجانب، فظ الأخلاق، وفيه قسوة، وقساوة، وغلظة، وجفاء، وخشونة، وفظاظة) (٧).

стр. 951

ذم القسوة والغلظة والفظاظة في القرآن والسنة ذم القسوة والغلظة والفظاظة في القرآن الكريم: - قال تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: ٧٤]. قال الشوكاني: (القسوة: الصلابة واليبس، وهي: عبارة عن خلوها من الإنابة، والإذعان لآيات الله، مع وجود ما يقتضي خلاف هذه القسوة) (١). قال السعدي: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم أي: اشتدت وغلظت، فلم تؤثر فيها الموعظة، مِّن بَعْدِ ذَلِكَ أي: من بعد ما أنعم عليكم بالنعم العظيمة وأراكم الآيات، ولم يكن ينبغي أن تقسو قلوبكم، لأن ما شاهدتم، مما يوجب رقة القلب وانقياده، ثم وصف قسوتها بأنها كَالْحِجَارَةِ التي هي أشد قسوة من الحديد، لأن الحديد والرصاص إذا أذيب في النار، ذاب بخلاف الأحجار). وقوله: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً أي: إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار) (٢). قال الطبري: فيقوله: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً يعني فقلوبكم كالحجارة صلابة ويبسا وغلظا وشدة، أو أشد قسوة) (٣). قال الرازي: وقوله: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (إنما وصفها بأنها أشد قسوة لوجوه .. - منها- أن الحجارة ليس فيها امتناع مما يحدث فيها بأمر الله تعالى وإن كانت قاسية بل هي منصرفة على مراد الله غير ممتنعة من تسخيره، وهؤلاء مع ما وصفنا من أحوالهم في اتصال الآيات عندهم وتتابع النعم من الله عليهم يمتنعون من طاعته ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه .. وكأن المعنى أن الحيوانات من غير بني آدم أمم سخر كل واحد منها لشيء وهو منقاد لما أريد منه وهؤلاء الكفار يمتنعون عما أراد الله منهم .. -و- الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال، أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها البتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه) (٤). - وقوله تعالى: فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام: ٤٣]. قال الألوسي: (ومعنى قَسَتْ الخ استمرت على ما هي عليه من القساوة أو ازدادت قساوة) (٥). قال ابن كثير: (قال الله تعالى: فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ أي: فهلا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا إلينا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ أي: ما رقت ولا خشعت وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ أي: من الشرك والمعاصي) (٦). قال ابن عاشور: (ولكن اعتراهم ما في خلقتهم من المكابرة وعدم الرجوع عن الباطل كأن قلوبهم لا تتأثر فشبهت بالشيء القاسي - والقسوة: الصلابة - وقد وجد الشيطان من طباعهم عوناً على نفث مراده فيهم فحسن لهم تلك القساوة وأغراهم بالاستمرار على آثامهم وأعمالهم) (٧). - وقال تعالى: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [الحج: ٥٣].

стр. 952

قال السعدي: (وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ أي: الغليظة، التي لا يؤثر فيها زجر ولا تذكير، ولا تفهم عن الله وعن رسوله لقسوتها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان، جعلوه حجة لهم على باطلهم، وجادلوا به وشاقوا الله ورسوله) (١). قال أبوبكر البقاعي (وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ عن فهم الآيات، وهم من علت قلوبهم عن ذلك الجدال أن صارت حجرية، وهم المصارحون بالعداوة، فهم في ريب من أمرهم وجدال للمؤمنين، قد انتقشت فيها الشبه، فصارت أبعد شيء عن الزوال) (٢). - وقال تعالى: أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الزمر: ٢٢]. - قال الشوكاني: (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٢] والمعنى: أنه غلظ قلبه، وجفا عن قبول ذكر الله، يقال: قسا القلب إذا صلب، وقلب قاس، أي: صلب لا يرق، ولا يلين) (٣). - قال السعدي: (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أي: لا تلين لكتابه، ولا تتذكر آياته، ولا تطمئن بذكره، بل هي معرضة عن ربها، ملتفتة إلى غيره، فهؤلاء لهم الويل الشديد، والشر الكبير) (٤). قال الألوسي: (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أي من أجل ذكره سبحانه الذي حقه أن تلين منه القلوب أي إذا ذكر الله تعالى عندهم أو آياته اشمأزوا من ذلك وزادت قلوبهم قساوة) (٥). - وقوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: ١٦]. قال ابن كثير: (وقوله: الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم واشتروا به ثمنا قليلا ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ أي: في الأعمال، فقلوبهم فاسدة، وأعمالهم باطلة) (٦). قال الطبري: (وقوله: فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ عن الخيرات، واشتدت على السكون إلى معاصي الله) (٧). - قال تعالى فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ [آل عمران: ١٥٩]. قال العز بن عبد السلام: (فَظًّا الفظ: الجافي، والغليظ: القاسي القلب، معناهما واحد، فجمع بينهما تأكيداً) (٨).

стр. 953

وقال ابن كثير: (قال تعالى: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ الفظ: الغليظ، (و) (٦) المراد به هاهنا غليظ الكلام؛ لقوله بعد ذلك: غَلِيظَ الْقَلْبِ أي: لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم) (١). وقال السعدي: (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا أي: سيئ الخلق غَلِيظَ الْقَلْبِ أي: قاسيه، لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟!) (٢). ذم القسوة والغلظة والفظاظة من السنة النبوية: - عن أبي مسعود: قال أشار النبي ﷺ بيده نحو اليمين وقال: ((الإيمان هاهنا - مرتين - ألا وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين - حيث يطلع قرنا الشيطان - ربيعة ومضر)) (٣). قال الخطابي: (إنما ذم هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم عليه عن أمور دينهم وتلهيهم عن أمر الآخرة وتكون منها قساوة القلب) (٤). - وعن عبد الله بن عمرو قال عن صفة النبي ﷺ في التوراة، (قال: والله إنه لموصوفٌ في التوراة ببعض صفته في القرآن: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظٍ) (٥). قال الملا علي القاري: (والمعنى ليس بسيئ الخلق أو القول ولا غليظ أي ضخم كريه الخلق أو سيئ الفعل أو غليظ القلب وهو الأظهر لقوله تعالى وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ [آل عمران: ١٥٩]. أي شديده وقاسيه فيناسب حينئذ أن يكون الفظ معناه بذاذة اللسان ففيه إيماء إلى طهارة عضويه الكريمين من دنس الطبع ووسخ هوى النفس الذميمين وقد قال الكلبي فظا في القول غليظ القلب في الفعل) (٦). وقال المناوي: (ليس بفظ) أي شديداً ولا قاسي القلب على المؤمنين (ولا غليظ) أي سيئ) (٧). - وعن أبي هريرة، أن رجلا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه قال: ((إن أردت أن يلين قلبك، فأطعم المسكين، وامسح برأس اليتيم)) (٨). قال الملا علي القاري في شرحه للحديث: (أي قساوته وشدته وقلة رقته وعدم إلفته ورحمته قال امسح رأس اليتيم لتتذكر الموت فيغتنم الحياة فإن القسوة منشؤها الغفلة وأطعم المسكين لترى آثار نعمة الله عليك حيث أغناك وأحوج إليك سواك فيرق قلبك ويزول قسوته ولعل وجه تخصيصهما بالذكر أن الرحمة على الصغير والكبير موجبة لرحمة الله تعالى على عبده المتخلق ببعض صفاته فينزل عليه الرحمة ويرتفع عنه القسوة وحاصله أنه لا بد من ارتكاب أسباب تحصيل الأخلاق بالمعالجة العلمية أو بالعملية أو بالمعجون المركب منهما) (٩). - وعن حارثة بن وهبٍ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((ألا أدلكم على أهل الجنة؟ كل ضعيفٍ متضعفٍ لو أقسم على الله لأبره وقال: أهل النار كل جواظٍ عتل مستكبرٍ)) (١٠). فسر بعض العلماء العتل بأنه الفظ الشديد من كل شيء، والغليظ العنيف والجواظ بالفظ الغليظ، والجعظري بالفظ الغليظ (١١). وقال ابن عثيمين: (فالعتل الشديد الغليظ الذي لا يلين للحق ولا للخلق) (١٢).

стр. 954

من أقوال السلف والعلماء في القسوة - قال مالك بن دينار: (أربع من علم الشقاوة قسوة القلب وجمود العين وطول الأمل والحرص على الدنيا) (١). - وقال سهل بن عبدالله: (كل عقوبة طهارة إلا عقوبة القلب فإنها قسوة) (٢). - وسئل ذا النون: (ما أساس قسوة القلب للمريد فقال ببحثه عن علوم رضي نفسه بتعليمها دون استعمالها والوصول إلى حقائقها) (٣). - وقال عبد الله الداري: (كان أهل العلم بالله والقبول منه يقولون .. وإن الشبع يقسي القلب ويفتر البدن) (٤). - وقال أبو عبد الله الساجي: (الذكر لغير ما يوصل إلى الله قسوة في القلب) (٥). - وقال حذيفة المرعشي: (ما ابتلي أحد بمصيبة أعظم عليه من قسوة قلبه) (٦). - وقال الأوزاعي: (إن معاني معالي المسائل تحدث قسوة في القلوب وغفلة وإعجابا) (٧). - وقال ابن القيم: (ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله، خلقت النار لإذابة القلوب القاسية، أبعد القلوب من الله القلب القاسي) (٨).

стр. 955

ما يباح من القسوة والغلظة والفظاظة (اللين ورقة القلب هي الأصل في الكلام والتعامل حتى مع المخالفين كما قال تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت: ٤٦]. ولكن قد يعدل عنه إلى غيره حسب ما تقتضيه الحكمة ومقامات الأحوال) (١). قال أبو حامد الغزالي: (قال سفيان لأصحابه: تدرون ما الرفق؟ قالوا: قل يا أبا محمد، قال: أن تضع الأمور في مواضعها: الشدة في مواضعها واللين في موضعه والسيف في موضعه والسوط في موضعه؛ وهذه إشارة إلى أنه لا بد من مزج الغلظة باللين والفظاظة بالرفق) (٢). وقال الجاحظ: (القساوة مكروهة من كل أحد إلا من الجند وأصحاب السلاح والمتولين للحروب؛ فإن ذلك غير مكروه منهم إذا كان في موضعه) (٣). وهذه المواطن التي يباح فيها القسوة والغلظة والفظاظة تخضع لقاعدة مراعاة المصالح والمفاسد. قال فضل إلهي: (ولا يظنن أحد أنه إذا وجدت تلك الأحوال أو بعضه شرع في استخدام الشدة والقسوة في الدعوة من غير النظر إلى العواقب والنتائج .. بل يجب مراعاة ما يتوقع حدوثه عند استخدام الشدة والقسوة فإن تأكد لديه أن لجوءه إلى الشدة سيكون سبب حدوث منكر أعظم من المنكر الذي أراد إزالته أو ترك معروف أهم منه فليس له أن يلجأ إليها آنذاك) (٤) والكلام وإن كان عن الدعوة فإنه عام في جميع الأحوال. والمواطن التي تباح فيها القسوة والغلظة والفظاظة هي كالتالي: ١ - في الجهاد: جاء في قصة الحديبية حينما قال عروة بن مسعود الثقفي للرسول ﷺ : ((فإني والله لأرى وجوها، وإني لأرى أوشابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه فقال من ذا قالوا أبو بكر. قال أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك)) (٥). الموقف الثاني: ((تناول عروة بن مسعودٍ الثقفي لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة واقفٌ على رأس رسول الله ﷺ في الحديد – أي لابس سلاح المقاتل من درع ونحوه - قال: فقرع يده ثم قال أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل والله لا تصل إليك. قال ويحك ما أفظك وأغلظك)) (٦). ٢ - مجادلة الظالم المتعد من أهل الكتاب: قال تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [العنكبوت: ٤٦]. ٣ - مخاطبة المرأة للأجانب للضرورة:

стр. 956

قال النووي: (إذا احتاجت المرأة إلى كلام غير المحارم في بيع أو شراء، أو غير ذلك من المواضع التي يجوز لها كلامه فيها، فينبغي أن تفخم عبارتها وتغلظها ولا تلينها مخافة من طمعه فيها، قال الإمام أبو الحسن الواحدي من أصحابنا في كتابه (البسيط): قال أصحابنا: المرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة، لان ذلك أبعد من الطمع في الريبة، وكذلك إذا خاطبت محرما عليها بالمصاهرة، ألا ترى أن الله تعالى أوصى أمهات المؤمنين وهن محرمات على التأبيد بهذه الوصية، فقال تعالى: يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب: ٣٢]. قلت: هذا الذي ذكره الواحدي من تغليظ صوتها كذا قاله أصحابنا. قال الشيخ إبراهيم المروزي من أصحابنا: طريقها في تغليظه أن تأخذ ظهر كفها بفيها وتجيب) (١). ٤ - عند إقامة الحدود: قال تعالى في حق الزناة: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور: ٢]. وعن عائشة ﵂ وعن أبيها قالت: (والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله) (٢). ٥ - عند ظهور العناد والاستهزاء بالدين. ٦ - عند بدور مخالفة الشرع لدى من لا يتوقع منه ذلك (٣). كما في حديث شفاعة أسامة في المرأة المخزومية التي سرقت: ((فكلم فيها أسامة بن زيدٍ رسول الله ﷺ فتلون وجه رسول الله ﷺ فقال: أتشفع في حد من حدود الله. فقال له أسامة استغفر لي يا رسول الله)) (٤).

стр. 957

علامات قسوة القلب والغلظة ١ - عدم التأثر بالقرآن الكريم: قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر: ٢٣]. ٢ - جمود العين وقلة دمعها من خشية الله: قال تعالى مادحاً المؤمنين من أهل الكتاب: وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: ٨٣]. قال ابن القيم: (متى أقحطت العين من البكاء من خشية الله تعالى فاعلم أن قحطها من قسوة القلب وأبعد القلوب من الله القلب القاسي) (١). عدم الاعتبار بالموت والضحك عند القبور: قال الغزالي: (الآن لا ننظر إلى جماعة يحضرون جنازة إلا وأكثرهم يضحكون ويلهون ولا يتكلمون إلا في ميراثه وما خلفه لورثته ولا يتفكر أقرانه وأقاربه إلا في الحيلة التي بها يتناول بعض ما خلفه ولا يتفكر واحد منهم إلا ما شاء الله في جنازة نفسه وفي حاله إذا حمل عليها ولا سبب لهذه الغفلة إلا قسوة القلوب بكثرة المعاصي والذنوب حتى نسينا الله تعالى واليوم الآخر والأهوال التي بين أيدينا فصرنا نلهو ونغفل ونشتغل بما لا يعنينا) (٢). ٣ - الكبر وعدم قبول الحق: كما في حديث حارثة بن وهبٍ وفيه أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((أهل النار كل جواظٍ عتل مستكبرٍ)) (٣). قال المناوي: (إذ القلب القاسي لا يقبل الحق وإن كثرت دلائله) (٤). ٤ - عدم الاهتمام بما يصيب الآخرين من أذى والسعادة بذلك: قال الجاحظ: (والقساوة وهو التهاون بما يلحق الغير من الألم والأذى) (٥).

стр. 958

آثار قسوة القلب والغلظة والفظاظة قال ابن القيم: (سبحانه الذي جعل بعض القلوب مخبتا إليه وبعضها قاسيا وجعل للقسوة آثارا وللإخبات آثاراً فمن آثار القسوة: ١ - تحريف الكلم عن مواضعه وذلك من سوء الفهم وسوء القصد وكلاهما ناشئ عن قسوة القلب. ٢ - نسيان ما ذكر به وهو ترك ما أمر به علما وعملا) (١). قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ [المائدة: ١٣]. ٣ - زوال النعم ونزول المصائب والنقم والهلاك. قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٢ - ٤٤]. ٤ - القلب القاسي أضعف القلوب إيمانا, وأسرعها قبولاً للشبهات والوقوع في الفتنة والضلال وقوله تعالي: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [الحج: ٥٣]. ٥ - سبب في الضلال واستحقاق لعنة الله وسخطه وعقابه: قال تعالى: فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الزمر: ٢٣]. ٦ - الفتور عن الطاعة والوقوع في المحرمات وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٧ - الوحشة والخوف الدائم وعبوس الوجه والكآبة. ٨ - التنافر بين القلوب وشيوع الكراهية والبغضاء. قال تعالى: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩]. و (إن الفظاظة تنفر الأصحاب والجلساء وتفرق الجموع والحشم) (٢). ٩ - غلظة القلب من علامة الشقاوة في الدنيا والآخرة. قال أبو سعيد الخادمي: (من كان فيه الرحمة في هذه الدار فسيرحمه الله تعالى في تلك الدار على قدر رحمته فمن سلب منه ذلك بالقسوة والغلظة، وعدم اللطف بضعيفٍ وشفقةٍ بمبتلى فقد شقي حالًا وكان ذلك علامةً على شقوته مآلًا نعوذ بالله تعالى) (٣). قسوة القلب والغلظة والفظاظة من صفات الظلمة المتكبرين. ١٠ - قسوة القلب والغلظة والفظاظة سبب في دخول النار. فعن حارثة بن وهب عن النبي ﷺ وفيه: ((أهل النار كل جواظٍ عتل مستكبرٍ)) (٤).

стр. 959

أسباب قسوة القلب والغلظة والفظاظة ١ - الغفلة عن ذكر الله وتدبر القرآن والتأمل في آياته الكونية: قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: ١٤٢]. قال أبو السعود في قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١] أُريدَ به توبيخَ الإنسانِ على قسوةِ قلبهِ وعدم تخشعِهِ عندَ تلاوتِهِ وقلةِ تدبرِهِ فيه. وقال تعالى في الإعراض عن تدبر الآيات الكونية: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]. ٢ - كثرة المعاصي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ، صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ ذَاكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ فِي الْقُرْآنِ: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤])) (١). قال المحاسبي: (اعلم أن الذنوب تورث الغفلة والغفلة تورث القسوة والقسوة تورث البعد من الله والبعد من الله يورث النار، وإنما يتفكر في هذا الأحياء، وأما الأموات فقد أماتوا أنفسهم بحب الدنيا) (٢). قال الألباني: (وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي) (٣). قال عبد الله بن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها (٤) ٣ - التفريط في الفرائض وانتهاك المحرمات: قال الله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة: ١٣]. وبين ذلك بقوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: ١٥٥]. ٤ - الانشغال بالدنيا والانهماك في طلبها والمنافسة عليها:

стр. 960

لحديث أبي مسعود: عن النبي ﷺ وفيه ((وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين - حيث يطلع قرنا الشيطان - ربيعة ومضر)) (١) قال الخطابي: (إنما ذمهم لاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمر دينهم وذلك يفضي إلى قسوة القلب) (٢). قال ابن القيم: (متى رأيت القلب قد ترحل عنه حب الله والاستعداد للقائه وحل فيه حب المخلوق والرضا بالحياة الدنيا والطمأنينة بها فاعلم أنه قد خسف به) (٣). وقال في موضع آخر: (شغلوا قلوبهم بالدنيا ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد إذا غذي القلب بالتذكر وسقي بالتفكر ونقى من الدغل رأى العجائب وألهم الحكمة .. إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد) (٤). ٥ - طول الأمل والتمني: قال المناوي: (طول الأمل غرور وخداع إذ لا ساعة من ساعات العمر إلا ويمكن فيها انقضاء الأجل فلا معنى لطول الأمل المورث قسوة القلب وتسليط الشيطان وربما جر إلى الطغيان) (٥). ٦ - التوسع المذموم في المباحات: فإن قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة الأكل والنوم والكلام والمخالطة. قال أبو سعيد الخادمي: (وفي كثرة النوم ضياع العمر وفوت التهجد وبلادة الطبع وقسوة القلب، وفي كثرة الطعام - قسوة القلب) (٦). قال الفضيل: (ثلاث خصال تقسي القلب: كثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الكلام). قال أبو سليمان الداراني: (إنَّ النفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورقَّ، وإذا شبعت ورويت، عمي القلبُ) (٧). ٧ - كثرة مخالطة الناس في غير مصلحة: قال العيني: (قوله لما نزل الحجر أي منازل ثمود قوله ويهريقوا أي ويريقوا من الإراقة والهاء زائدة وإنما أمرهم أن لا يشربوا من مائها خوفا أن يورثهم قسوة أو شيئا يضرهم) (٨). قال المناوي: (مخالطة غير التقي يخل بالدين ويوقع في الشبه والمحظورات .. إذ لا تخلو عن فساد إما بمتابعة في فعل أو مسامحة في إغضاء عن منكر فإن سلم من ذلك ولا يكاد فلا تخطئه فتنة الغير به) (٩). ٨ - عدم الرحمة بالخلق والإحسان إليهم: عنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ)) (١٠). قال المناوي: (لأن الرحمة تتخطى إلى الإحسان إلى الغير وكل من رحمته رق قلبك له فأحسنت إليه ومن لم يعط حظه من الرحمة غلظ قلبه وصار فظا لا يرق لأحد ولا لنفسه فالشديد يشد على نفسه ويعسر ويضيق فهو من نفسه في تعب والخلق منه في نصب مكدوح الروح مظلم الصدر عابس الوجه منكر الطلعة ذاهبا بنفسه تيها وعظمة سمين الكلام عظيم النفاق قليل الذكر لله وللدار الآخرة فهو أهل لأن يسخط عليه ويغاضبه ليعاقبه) (١١).

стр. 961

وفي الحديث ((ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به)) (١). قال المناوي: (المراد نفي الإيمان الكامل وذلك لأنه يدل على قسوة قلبه وكثرة شحه وسقوط مروءته وعظيم لؤمه وخبث طويته) (٢). ٩ - الكسل والفتور: وقد استعاذ الرسول ﷺ من الكسل كما في حديث زيد بن أرقم قال كان رسول الله ﷺ يقول ((اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل)) (٣). قال المناوي: (الكسل .. والفتور عن القيام بالطاعات الفرضية والنفلية الذي من ثمراته قسوة القلب) (٤). ١٠ - التعصب للرأي وكثرة الجدال: قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية: ٢٣]. قال الشافعي: (المراء في العلم يقسي القلوب ويورث الضغائن) (٥). قال أبو سعيد الخادمي: (أسبابها أي الفظاظة .. كثرة المجادلة والتعصب، ولزوم الظواهر، والعمل بالعرف دون الشرع) (٦). ١١ – الابتداع في الدين: قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣]. وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: ٥]. وقال تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود: ١١٢]. قال السعدي: (أمر نبيه محمدا ﷺ ، ومن معه، من المؤمنين، أن يستقيموا كما أمروا، فيسلكوا ما شرعه الله من الشرائع، ويعتقدوا ما أخبر الله به من العقائد الصحيحة، ولا يزيغوا عن ذلك يمنة ولا يسرة، ويدوموا على ذلك، ولا يطغوا بأن يتجاوزوا ما حده الله لهم من الاستقامة) (٧). ١٢ - ظلم الضعفاء وأكل المال الحرام وعدم التورع عن الشبهات. ١٣ - كبر النفس واحتقار الآخرين: عن حارثة بن وهب أنه سمع النبي- ﷺ يقول: ((وأهل النار: كل جواظ عتل مستكبر) (٨).

стр. 962

الوسائل المعينة للتخلص من قسوة القلب والغلظة والفظاظة: قال ابن القيم: (القلب يمرض كما يمرض البدن وشفاؤه في التوبة والحمية ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر ويعري كما يعري الجسم وزينته التقوى ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة) (١). ومن هذه الوسائل: ١ - الدعاء: قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: ١٨٦]. قال ابن القيم: (قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه (٢). وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيقه سبحانه وإعانته فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به والخذلان في مواضعه اللائقة به هو العليم الحكيم وما أتي من أتي إلا من قبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء وملاك ذلك الصبر) (٣). حيث كان من دعاء النبي ﷺ التعوذ من جمود العين وعدم خشوع القلب كما في حديث زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وفيه كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (( ... ومن قلب لا يخشع)) (٤). ٢ - قراءة القرآن وتدبر آياته: قال تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: ٢٠٤]. قال السعدي: (الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع،، .. فإنه ينال خيرا كثيرا وعلما غزيرا، وإيمانا مستمرا متجددا، وهدى متزايدا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تُلِيَ عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير) (٥) وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١]. هذه دعوة من الله لعباده بتدبر القرآن (وإن كانوا في القسوة وصلابة القلوب كالجبال الرواسي، فإن هذا القرآن لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله لكمال تأثيره في القلوب، فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق، وأوامره ونواهيه محتوية على الحكم والمصالح المقرونة بها، وهي من أسهل شيء على النفوس، وأيسرها على الأبدان، خالية من التكلف لا تناقض فيها ولا اختلاف، ولا صعوبة فيها ولا اعتساف، تصلح لكل زمان ومكان، ولا أنفع للعبد من التفكر في القرآن والتدبر لمعانيه، فإن التفكر فيها يفتح للعبد خزائن العلم، ويبين له طرق الخير والشر، ويحثه على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ويزجره عن مساوئ الأخلاق) (٦). ٣ - الإكثار من ذكر الله: قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨].

стр. 963

قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، أشكو إليك قسوة قلبي. (قال: أدنه من الذكر) (١). ٤ - الإكثار من الاستغفار والتوبة: قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣]. عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه قال: ((أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال ﵎ أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال ﵎ عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال ﵎ أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب اعمل ما شئت فقد غفرت لك)) (٢). قال ابن رجب الحنبلي: (والمعنى: ما دام على هذا الحال كلَّما أذنب استغفر. والظاهر أنَّ مرادهُ الاستغفارُ المقرون بعدم الإصرار) (٣). قال العظيم آبادي: (إن القلب إنما خلق لأن يتخشع لبارئه وينشرح لذلك الصدر ويقذف النور فيه فإذا لم يكن كذلك كان قاسيا فيجب أن يستعاذ منه قال تعالى فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) (٤). ٥ - تذكر الموت وزيارة القبور: فعن أنس مرفوعاً ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجرا)) (٥). عن سعيد بن جبير قال: (لو فارق ذكر الموت قلبي خشيت أن يفسد علي قلبي) (٦). كان سفيان الثوري: (لا يَنَامُ إِلَّا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَنْتَفِضُ فَزِعًا مَرْعُوبًا يُنَادِي: النَّارُ شَغَلَنِي ذِكْرُ النَّارِ عَنِ النَّوْمِ وَالشَّهَوَات) (٧). قال المناوي: (من أعظم أدوية قسوة القلوب زيارة القبور وتأمل حال المقبور وما بعده من البعث والنشور الباعث على ذكر هازم اللذات ومفرق الجماعات وكذا مشاهدة المحتضرين وتغسيل الموتى والصلاة على الجنائز فإن في ذلك موعظة بليغة) (٨). ٦ - مصاحبة الصالحين ومجالستهم وقراءة سير السلف الصالح: قال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: ٢٥]. وقال تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].

стр. 964

ومصاحبة الصالحين كلها خير يذكرون بالله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويعلمون الجاهل وسبب في مغفرة الذنوب كما في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((إن لله ﵎ ملائكة سيارة، فضلا يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم، حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله ، وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك، قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا، أي رب قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يا رب، قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: فيقولون: رب فيهم فلان عبد خطاء، إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)) (١). قال ابن الجوزي: (ينبغي للمنفرد لطاعة الله تعالى عن الخلق أن يجعل خلوته أنيسه، والنظر في سير السلف جليسه) (٢). ٧ – الإحسان إلى الضعفاء: قال تعالى: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: ٧٧]. وفي الحديث عن أبي هريرة، أن رجلا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه قال: ((إن أردت أن يلين قلبك، فأطعم المسكين، وامسح برأس اليتيم)) (٣). قال مالك بن دينار: (المؤمن كريم في كل حالة، لا يحب أن يؤذي جاره، ولا يفتقر أحد من أقربائه. وهو والله مع ذلك غني القلب لا يملك من الدنيا شيئا، .. إن أتاه منها شيء فرقه، وإن زوي عنه كل شيء فيها لم يطلبه قال: ثم يبكي ويقول: هذا والله الكرم هذا والله الكرم) (٤). ٨ - زيارة المرضى: عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني)) (٥). عن ثوبان، مولى رسول الله ﷺ ، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة، قيل يا رسول الله وما خرفة الجنة؟ قال: جناها)) (٦). قال ابن عثيمين: (في ذلك تذكيراً للعائد بنعمة الله عليه بالصحة، لأنه إذا رأى هذا المريض، ورأى ما هو فيه من المرض، ثم رجع إلى نفسه، ورأى ما فيها من الصحة والعافية عرف قدر نعمة الله عليه بهذه العافية؛ لأن الشيء إنما يعرف بضده) (٧). عن (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ لاَ تُكْثِرُوا الْكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِي بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ وَلَكِنْ لاَ تَعْلَمُونَ وَلاَ تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى وَمُعَافًى فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلاَءِ وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ) (٨). ٩ - الاعتبار بقصص أهل القسوة والغلظة والفظاظة. ١٠ - تجنب قراءة كتب أهل البدع والفجور.

стр. 965

قصص في القسوة والغلظة والفظاظة - كان السلف ﵏ يسعون في علاج قلوبهم إذا قست وفي ذلك نماذج كثيرة منها ما رواه عمرو بن ميمون أن أباه ميمون بن مهران قال للحسن البصري: (يا أبا سعيد قد أنست من قلبي غلظة فاستلن لي منه فقرأ الحسن بسم الله الرحمن الرحيم أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]، قال فسقط الشيخ فرأيته يفحص برجله كما تفحص الشاة المذبوحة فأقام طويلا ثم أفاق فجاءت الجارية فقالت قد أتعبتم الشيخ قوموا تفرقوا فأخذت بيد أبي فخرجت به ثم قلت يا أبتاه هذا الحسن قد كنت أحسب أنه أكبر من هذا قال فوكزني في صدري وكزة ثم قال يا بني لقد قرأ علينا آية لو فهمتها بقلبك لا بقي لها فيك كلوم) (١). - (وكان الربيع بن خثيم إذا وجد في قلبه قسوة أتى منزل صديق له قد مات في الليل فنادى يا فلان بن فلان يا فلان بن فلان ثم يقول: ليت شعري ما فعلت وما فعل بك ثم يبكي حتى تسيل دموعه فيعرف ذاك فيه إلى مثلها) (٢). - وقال مالك: (كان محمد بن المنكدر سيد القراء وكان كثير البكاء عند الحديث وكنت إذا وجدت من نفسي قسوة آتيه فأنظر إليه فأتعظ به) (٣). - وقال ابن القيم: (روي عن بعض الأكابر: أنه كان له مملوك سيئ الخلق فظ غليظ لا يناسبه فسئل عن ذلك فقال: أدرس عليه مكارم الأخلاق وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق في ضد أخلاقه ويكون بتمرين النفس على مصاحبته ومعاشرته والصبر عليه) (٤). - وكان (أحمد بن أبي خالد، أبو العباس. وزير المأمون ذا رأي وفطنة، إلا أنه كانت له أخلاق وفظاظة، فقال له رجل: والله لقد أعطيت ما لم يعطه رسول الله ﷺ ، فقال: والله لئن لم تخرج مما قلت لأعاقبنك فقال قال الله تعالى لنبيه ﷺ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩] وأنت فظ غليظ القلب، ولا ينفضون من حولك) (٥). - وكتب محمد بن عبد كان عن أحمد بن طولون إلى ابنه العباس بن أحمد حين عصى عليه: قد كتبت إليك يا بني كتاباً يصل بوصول هذه الرقعة، وعظتك فيه بالعظات النوافع، واحتججت عليك فيه بالحجج البوالغ، وذكرتك بالدنيا والدين، وخلطت لك الغلظة باللين: أردت بالغلظة تسكين نفارك، وباللين أن أثني إلي قيادك، فلا تحسب الغلظة يا بني دعتني إليها فظاظة، ولا اللين حملتني عليه ضراعة، وكن على أوثق الثقة وأصح المعرفة بأن قلبي لك سليم وأنك علي كريم.) (٦). - واستخدم السلف القسوة في جهاد الكفار، قال المغيرة بن زرارة الأسدي ليزدجرد قبل معركة القادسية (اختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك فقال أتستقبلني بمثل هذا- الكلام الشديد- فقال ما استقبلت إلا من كلمني ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به فقال لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم لا شيء لكم عندي) (٧).

стр. 966

القسوة والغلظة والفظاظة في واحة الشعر .. قال أمية بن أبي الصلت، وهو يعتب على ابنه في عقوقه له: فلمّا بلغتَ السِّنَّ والغايةَ التي ... إليها مَدى ما كنتُ فيك أُؤمِّلُ جعلتَ جزائي غِلْظةً وفظاظةً ... كأنّك أنت المُنْعِمُ المُتَفضِّلُ وقال علي بن الجهم في التعامل مع الأبناء: يا أمنا أفديك من أم أشكو إليك فظاظة الجهم ... أشكو إليك فظاظة الجهم قد سرح الصبيان كلهم ... وبقيت محصوراً بلا جرم (١) وقال الشاعر في عدم الشكر على الإحسان والإنعام: ومن لم يشكر النعماء فظ ... غليظ الطبع لم ينفعه وعظ لأن الشكر للأنعام حفظ ... ولم يفت الفتى بالعجز حظ (٢) وقال العباس بن الأحنف في التهكم والسخرية بالآخرين: وصالكم هجر، وحبكم قلى ... وعطفكم صد، وسلمكم حرب وأنتم بحمد الله فيكم فظاظة ... وكل ذلول من مراكبكم صعب (٣) وقيل في الفخر والاعتداد بالقبيلة: يُبْكَى عَلَيْنا ولا نَبْكي على أحد ... لَنَحْنُ أَغْلَظُ أَكباداً من الإبلِ وقال الفرزدق: أَمِسْكِين، أَبْكى الله عَيْنَكَ، إِنَّما ... جَرَى في ضَلاَلٍ دَمْعُها فَتحدَّرَا بَكَيْتَ امْرَأً فَظّاً غَليظاً مُبَغَّضاً ... ككِسْرَى، عَلَى عِدَّائِهِ، أوْ كقَيْصَرَا (٤) وقيل في ذم الغلظة من الصديق: تنكرت حال الصديق فبعده ... عني ومضحره لدي سواء وبدت علي من الأعادي رقة ... ومن الصديق فظاظة وجفاء وقال ابن الرومي: ويحي إلى كم تصيدُ رقته ... قلبي وقلبٍ كم أشتكي غلظه (٥) وإذا رأيت من الكريم فظاظةً ... فإليه من أخلاقه أتظلم (٦) وقال آخر: ذنوبك جمة تترى عظاماً ... ودمعك جامد والقلب قاسي وقال الشاعر: فتى لم يكن جَهْما ولا ذا فَظاظةٍ ... ولا بالقَطوبِ الباخل المتكبّرِ ولكن سَموحاً بالوداد وبالنَّدى ... ومبتسماً في الحادث المتنمِّرِ (٧) وقال آخر: وليس بفظ في الأداني والأولى ... يؤمون جدواه ولكنه سهل لعلّ التفاتاً منكَ نحوي مُقدّرٌ ... يملْ بكَ من بعد القساوةِ للرُّحمِ وفظ على أعدائه يحذرونه ... فسطوته حتف ونائله جزل وقال آخر: ما كان ضرك لو مننت وربما ... منَّ الفتى وهو المغيظ المحنق (٨) وقال سعد بن ناشب: وما بي على من لان لي من فظاظةٍ ... ولكنّني فظٌ أبيٌّ على القسر (٩) ...

стр. 967

معنى الكبر لغة واصطلاحاً معنى الكبر لغة: مادة (كبر) تدل على خِلاف الصِّغَر. يقال: هو كَبيرٌ، وكُبَار، وكُبَّار. قال الله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً [نوح: ٢٢]. والكِبْرُ: مُعظَم الأمر، قوله عزّ وعلاَ: والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ [النور: ١١]، أي مُعظَم أمرِه (١). قال الفيومي: (الكبر بالكسر اسم من التكبر وقال ابن القوطية الكبر اسم من كبر الأمر والذنب كبرا إذا عظم والكبر العظمة والكبرياء مثله وكابرته مكابرة غالبته مغالبة وعاندته) (٢). معنى الكبر اصطلاحاً: معنى الكبر جاء تعريفه في الحديث فقال ﷺ : الكبر بطر الحق وغمط الناس (٣). وقال صاحب تاج العروس: الكِبْرُ: حالةٌ يتخصّص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وأن يرى نفسَه أَكْبَر من غيره (٤). وقيل الكبر هو: (استعظام الإنسان نفسه واستحسان ما فيه من الفضائل والاستهانة بالناس واستصغارهم والترفع على من يجب التواضع له) (٥).

стр. 968

الفرق بين الكبر ومرادفاته الفرق بين الكبر والزهو: الفرق بين الكبر والزهو: أن الكبر إظهار عظم الشأن وهو فينا خاصة رفع النفس فوق الاستحقاق، والزهو على ما يقتضيه الاستعمال رفع شيء إياها من مال أو جاه وما أشبه ذلك ألا ترى أنه يقال زها الرجل وهو مزهو كأن شيئا زهاه أي رفع قدره عنده وهو من قولك زهت الريح الشيء إذا رفعته، والزهو التزيد في الكلام (١). الفرق بين الكبر والكبرياء: أن الكبر ما ذكرناه والكبرياء هي العز والملك وليست من الكبر في شيء والشاهد قوله تعالى: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ [يونس:٧٨] " يعني الملك والسلطان والعزة، وأما التكبر فهو إظهار الكبر مثل التشجع إظهار الشجاعة إلا أنه في صفات الله تعالى بمعنى أنه يحق له أن يعتقد أنه الكبير وهو على معنى قولهم تقدس وتعالى، لا على ترفع علينا وتعظيم. وقيل المتكبر في صفاته بمعنى أنه المتكبر عن ظلم عباده (٢). وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى: الكِبْرُ وَالكِبْرِيَاء في اللغة: هو العظمة، يقال منه: كَبُرَ الشيءُ، بضمِّ الباء، أي: عَظُمَ، فهو كبيرٌ وكُبَار، فإذا أفرَطَ قيل: كُبَّار، بالتشديد؛ وعلى هذا يكونُ الكِبْرُ والعظمةُ اسمَيْن لمسمًّى واحد. وقد جاء في الحديث ما يُشْعِر بالفرق بينهما؛ وذلك أنَّ الله تعالى قال: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، والْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَصَمْتُهُ؛ فقد فرَّق بينهما بأنْ عبَّر عن أحدهما بالرداء، وعن الآخر بالإزار، وهما مختلفان، ويَدُلُّ أيضًا على ذلك: قوله تعالى: فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ إذ لو كانا واحدًا، لقال: فمَنْ نازعنيه (٣). الفرق بين الكبر والتيه: أن الكبر هو إظهار عظم الشأن وهو في صفات الله تعالى مدح لأن شأنه عظيم، وفي صفاتنا ذم لأن شأننا صغير وهو أهل للعظمة ولسنا لها بأهل، والشأن هاهنا معنى صفاته التي هي في أعلى مراتب التعظيم ويستحيل مساواة الأصغر له فيها على وجه من الوجوه، والكبير الشخص والكبير في السن والكبير في الشرف والعلم يمكن مساواة الصغير له، أما في السن فبتضاعف مدة البقاء في الشخص تتضاعف أجزاؤه، وأما بالعلم فباكتساب مثل ذلك العلم. والتيه أصله الحيرة والضلال وإنما سمي المتكبر تائها على وجه التشبيه بالضلال والتحير ولا يوصف الله به، والتيه من الأرض ما يتحير فيه وفي القرآن (يتيهون في الأرض) (١) أي يتحيرون (٤). الفرق بين الجبروت والجبرية والكبر: الفرق بين الجبرية والجبروت والكبر: أن الجبرية أبلغ من الكبر وكذلك الجبروت ويدل على هذا فخامة لفظها وفخامة اللفظ تدل على فخامة المعنى فيما يجري هذا المجرى، (٥). الفرق بين العجب والكبر: أن العجب بالشيء شدة السرور به حتى لا يعادله شيء عند صاحبه تقول هو معجب بفلانة إذا كان شديد السرور بها، وهو معجب بنفسه إذا كان مسرورا بخصالها. ولهذا يقال أعجبه كما يقال سر به فليس العجب من الكبر في شيء، وقال علي بن عيسى: العجب عقد النفس على فضيلة لها ينبغي أن يتعجب منها وليست هي لها. (٦) الفرق بين الاستنكاف والاستكبار والتكبر: والاستنكاف تكبر في تركه أنفة وليس في الاستكبار ذلك وإنما يستعمل الاستكبار حيث لا استخفاف بخلاف التكبر فإنه قد يكون باستخفاف والتكبر هو أن يرى المرء نفسه أكبر من غيره والاستكبار طلب ذلك بالتشبع وهو التزين بأكثر ما عنده (٧)

стр. 969

أسماء الكبر والمتكبر أسماء المتكبر: الطاغية, الأشوز, الشمخر, السامد, السمغد, النفاخ, أصيد, أسوس, أصور, أزور, العنجهي, الجفاخ, المطاخ, البلخ, الأزوش, النابخة, المصبوع, الغطرس, الغطريس. أسماء التكبر: التغطرس, التغطرق, التصلف, الزهو, الجمخ, الشمخرة, الغترفة, الغطرفة, الفجس, التفجس, التغترف, التغطرف, البهلكة, التطاول, التبختر هو الشمخ بالأنف, الذيخ, الطرمحانية, الخيلاء, الخيل, الخيلة, المخيلة, الأخيل, العبية, الغطرسة, الصبع, المصبغة. (١) ترتيب أوصاف الكِبْرِ: يقال: (رَجُل مُعْجَب, ثُمَّ تائِهٌ, ثُمَّ مَزْهُوٌّ ومَنْخُوٌّ مِنَ الزَّهْوِ والنَّخْوَةِ, ثُمَّ بِاذِخ مِن البَذَخِ, ثُمَّ أَصْيَدُ إذا كَانَ لا يلتَفِتُ يَمْنَةً وَيسْرَةً مِنْ كِبْرِهِ, ثُمَّ مُتَغَطْرِف إذا تَشبَّهَ بالغَطَارِفَةِ كِبْراً, ثُمَّ متَغَطْرِس إِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ). (٢)

стр. 970

ذم الكبر والنهي عنه في القرآن والسنة ذم الكِبْرِ والنهي عنه من القرآن الكريم: ورد ذكر الكبر في القرآن في أكثر من موضع كلها تذمه وتذم المتخلقين به, وتمدح تاركيه, وتبين أنه سبب في هلاك الأمم ودمار القرى: - فالكبر يعتبر من أول الذنوب التي عصي الله ﵎ بها, قال الله تعالى مبيناً سبب امتناع إبليس عن السجود لآدم: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤]. قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: (وهذا، وإن كان من الله جل ثناؤه خبرًا عن إبليس، فإنه تقريعٌ لضُربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقيادِ لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق) (١). وقال عوف بن عبد الله للفضل بن المهلب: إني أريد أن أعظك بشيء، إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس، ثم قرأ: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ [البقرة: ٣٤] (٢). - والكبر سبب رئيس في هلاك الأمم السابقة: فهؤلاء قوم نوح ما منعهم عن قبول الدعوة والاستماع لنداء الفطرة والإيمان إلا الكبر فقد قال الله تعالى على لسان نبيهم نوح ﵇: وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح: ٧]. وهؤلاء قوم عاد ظنوا بسبب تكبرهم أنهم أقوى من في الوجود فقد قال الله عنهم: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ [فصلت: ١٥ – ١٧]. ويأتي ثمود من بعدهم فينهجون نفس النهج في الاستكبار والتعالي, فيردون دعوة الله ويكذبون نبيه ﵇: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الأعراف: ٧٥ - ٧٦]. وقال الله تعالى عن قوم نبي الله شعيب ﵇: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ [الأعراف: ٨٨].

стр. 971

- أما فرعون فقد ملأ الدنيا كبراً وعجباً وخيلاء حتى وصل به الحال أن ادعى الربوبية والألوهية: قال الله ﵎: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص: ٣٨ – ٤٠]. - والكبر سبب في الإعراض عن آيات الله والصد عنها, قال الله ﵎: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الجاثية: ٧ - ٨] - وهو سبب للصرف عن دين الله: قال الله ﵎: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ [الأعراف: ١٤٦]. - وهو سبب لدخول النار والخلود فيها قال الله ﵎: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف: ٢٠]. ذم الكِبْرِ والنهي عنه من السنة النبوية: - عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، قَالَ: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّة مِنْ كِبْرٍ! فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً، ونَعْلُهُ حَسَنَةً؟ قَالَ: إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)) (١). قال الإمام النووي ﵀ في شرح الحديث: (قد اختلف في تأويله. فذكر الخطابي فيه وجهين: أحدهما: أن المراد التكبر عن الإيمان فصاحبه لا يدخل الجنة أصلا إذا مات عليه. والثاني: أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخوله الجنة، كما قال الله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ [الأعراف: ٤٣]. وهذان التأويلان فيهما بعد فإن هذا الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف وهو الارتفاع على الناس، واحتقارهم، ودفع الحق، فلا ينبغي أن يحمل على هذين التأويلين المخرجين له عن المطلوب. بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين أنه لا يدخل الجنة دون مجازاة إن جازاه. وقيل: هذا جزاؤه لو جازاه، وقد يتكرم بأنه لا يجازيه، بل لا بد أن يدخل كل الموحدين الجنة إما أولا، وإما ثانيا بعد تعذيب بعض أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها. وقيل: لا يدخل مع المتقين أول وهلة.) (٢)

стр. 972

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فسر النبي الكبر بضده فقال: الكبر بطر الحق وغمص الناس فبطر الحق: رده وجحده والدفع في صدره كدفع الصائل وغمص الناس احتقارهم وازدراؤهم ومتى احتقرهم وازدراهم: دفع حقوقهم وجحدها واستهان بها) (١). - وعن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضاعف؛ لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر)) (٢). - وعن أَبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، قَالَ: ((احْتَجّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَت النَّارُ: فيَّ الْجَبَّارُونَ والمُتَكَبِّرُونَ. وقالتِ الجَنَّةُ: فيَّ ضُعفاءُ الناس ومساكينُهُم، فقضى اللهُ بَينهُما: إنكِ الجنّةُ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِك مَنْ أشَاءُ، وَإنَّكِ النَّارُ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أشَاءُ، وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا)) (٣). - وعن أبي هريرة ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : ((ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَة، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلاَ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ)) (٤). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فهؤلاء الثلاثة اشتركوا في هذا الوعيد واشتركوا في فعل هذه الذنوب مع ضعف دواعيهم؛ فإن داعية الزنا في الشيخ ضعيفة وكذلك داعية الكذب في الملك ضعيفة؛ لاستغنائه عنه وكذلك داعية الكبر في الفقير فإذا أتوا بهذه الذنوب مع ضعف الداعي دل على أن في نفوسهم من الشر الذي يستحقون به من الوعيد ما لا يستحقه غيرهم) (٥). - وعن سَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : ((لاَ يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ في الجبَّارِين، فَيُصيبَهُ مَا أصَابَهُمْ)) (٦). قال المظهر وغيره الباء للتعدية، أي يعلي نفسه ويرفعها ويبعدها عن الناس في المرتبة ويعتقدها عظيمة القدر, أو للمصاحبة أي يرافق نفسه في ذهابها إلى الكبر ويعززها ويكرمها كما يكرم الخليل الخليل حتى تصير متكبرة .. (٧).

стр. 973

أقوال السلف والعلماء في الكبر والمتكبرين - قال عمر بن الخطاب ﵁: (إنّ العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمتهُ وقال له انتعش نعشك الله فهو في نفسه حقير وفي أعين الناس كبير وإذا تكبَّر وعتا وَهَصَهُ الله إلى الأرض وقال له اخسأ خسأكَ اللهُ فهو في نفسه كبير وفي أعين الناس حقير حتى يكون عندهم أحقر من الخنزير) (١). - وعوتب علي ﵁ في لبوسه فقال: إن لبوسي هذا أبعد من الكبر وأجدر أن يقتدي بي المسلم (٢). - وقال الحسن: إن أقواما جعلوا الكبر في قلوبهم والتواضع في ثيابهم فصاحب الكساء بكسائه أعجب من صاحب المطرف بمطرفه ما لم تفاقروا (٣). - وقال وهب لما خلق الله جنة عدن نظر إليها فقال أنت حرام على كل متكبر (٤). - وقال يحيى بن جعدة: من وضع وجهه لله ساجدا فقد برئ من الكبر (٥). - وقال أبو عثمان النيسابوري ﵀: ما ترك أحد شيئًا من السنة إلا لكبر في نفسه ثم هذا مظنة لغيره، فينسلخ القلب عن حقيقة اتباع الرسول ﷺ ، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه، أو يكاد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا (٦). - وقال الأحنف بن قيس: عجبا لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين (٧). - وقال محمد بن الحسين بن علي: ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر قط إلا نقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك أو كثر (٨). - وسئل سليمان عن السيئة التي لا تنفع معها حسنة فقال: الكبر (٩). - وقال النعمان بن بشير على المنبر إن للشيطان مصالي وفخوخا وإن من مصالي الشيطان وفخوخه البطر بأنعم الله والفخر بإعطاء الله والكبر على عباد الله واتباع الهوى في غير ذات الله (١٠). - وقال سَعد بن أبي وَقّاص لابنه: يا بُني: إيّاك والكِبرَ، ولْيكُنْ فيما تَسْتَعِين به على تَرْكه: عِلْمُك بالذي منه كنتَ، والذي إليه تَصِير، وكيف الكِبْر مع النُّطْفة التي منها خُلِقتَ، والرحِم التي منها قُذِفْت، والغِذَاء الذي به غُذِيت (١١). - ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فَإِنَّ الْكِبْرَ يُنَافِي حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ , كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((يَقُولُ اللَّهُ: الْعَظَمَةُ إزَارِي وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذَّبْته)) (١٢) فَالْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ , وَالْكِبْرِيَاءُ أَعْلَى مِنْ الْعَظَمَةِ; وَلِهَذَا جَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ الرِّدَاءِ, كَمَا جَعَلَ الْعَظَمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْإِزَارِ (١٣).

стр. 974

حكم الكبر وحسب هذه الأنواع المذكورة آنفاً يكون الحكم على هذه الصفة الرديئة والسجية المذمومة, إذ أن هناك من الكبر ما يكون كفراً أكبر مخرجاً من الملة يستحق صاحبه الخلود في النار, وهناك ما يكون صاحبه مرتكباً لكبيرة من الكبائر يستحق العقوبة ومع ذلك هو تحت مشيئة الله ﵎ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له, وتفصيل ذلك يتحدث عنه أبو العباس القرطبي ﵀ فيقول: (لما تقرَّر أنَّ الكِبْرَ يستدعي متكبَّرًا عليه، فالمتكبَّرُ عليه: إنْ كان هو اللهَ تعالى، أو رُسُلَهُ، أو الحَقَّ الذي جاءتْ به رسلُهُ: فذلك الكِبْرُ كُفْر. وإن كان غَيْرَ ذلك: فذلك الكِبْرُ معصيةٌ وكبيرة، يُخَافُ على المتلبِّس بها المُصِرِّ عليها أنْ تُفْضِيَ به إلى الكُفْر، فلا يدخُلُ الجنَّة أبدًا. فإن سَلِمَ مِنْ ذلك، ونفَذَ عليه الوعيد، عوقبَ بالإذلالِ والصَّغَارْ، أو بما شاء اللهُ مِنْ عذابِ النارْ، حتَّى لا يبقى في قلبه مِنْ ذلك الكِبْرِ مثقالُ ذَرَّه، وخَلُصَ من خَبَثِ كِبْره حتى يصيرَ كالذَّرَّهِ؛ فحينئذ يتداركُهُ الله تعالى برحمتِهْ، ويخلِّصُهُ بإيمانِهِ وبركتِهْ. وقد نصَّ على هذا المعنى النبيُّ ﷺ في المحبوسين على الصِّرَاط لما قال: حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا، أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ، والله تعالى أعلم) (١). وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: (فالذي في قلبه كبر، إما أن يكون كبرا عن الحق وكراهة له، فهذا كافر مخلد في النار ولا يدخل الجنة، لقول الله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ [محمد:٩]، ولا يحبط العمل إلا بالكفر لقوله تعالى: وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢١٧] وأما إذا كان كبرا على الخلق وتعاظما على الخلق، لكنه لم يستكبر عن عبادة الله فهذا لا يدخل الجنة دخولا كاملا مطلقا لم يسبق بعذاب بل لابد من عذاب على ما حصل من كبره وعلوائه على الخلق ثم إذا طهر دخل الجنة) (٢).

стр. 975

أقسام الكبر ينقسم الكبر إلى ثلاثة أقسام بعضها أشد من بعض وإن كانت كلها مذمومة إلى الله ورسوله ﷺ والناس جميعاً, وقد ذكر هذه الأقسام ابن حجر الهيتمي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر فقال: (الْكِبْرُ: - إمَّا عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَهُوَ أَفْحَشُ أَنْوَاعِ الْكِبْرِ. كَتَكَبُّرِ فِرْعَوْنَ وَنُمْرُودَ حَيْثُ اسْتَنْكَفَا أَنْ يَكُونَا عَبْدَيْنِ لَهُ تَعَالَى وَادَّعَيَا الرُّبُوبِيَّةَ، قَالَ تَعَالَى: إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠] أَيْ صَاغِرِينَ. لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ الْآيَةَ [النساء: ١٧٢]. - وَإِمَّا عَلَى رَسُولِهِ بِأَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الِانْقِيَادِ لَهُ تَكَبُّرًا جَهْلًا وَعِنَادًا كَمَا حَكَى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ كُفَّارِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ. - وَإِمَّا عَلَى الْعِبَادِ بِأَنْ يَسْتَعْظِمَ نَفْسَهُ وَيَحْتَقِرَ غَيْرَهُ وَيَزْدَرِيَهُ فَيَأْبَى عَلَى الِانْقِيَادِ لَهُ أَوْ يَتَرَفَّعَ عَلَيْهِ وَيَأْنَفَ مِنْ مُسَاوَاتِهِ، وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ إلَّا أَنَّهُ عَظِيمٌ إثْمُهُ أَيْضًا لِأَنَّ الْكِبْرِيَاءَ وَالْعَظَمَةَ إنَّمَا يَلِيقَانِ بِالْمَلِكِ الْقَادِرِ الْقَوِيِّ الْمَتِينِ دُونَ الْعَبْدِ الْعَاجِزِ الضَّعِيفِ، فَتَكَبُّرُهُ فِيهِ مُنَازَعَةٌ لِلَّهِ فِي صِفَةٍ لَا تَلِيقُ إلَّا بِجَلَالِهِ، فَهُوَ كَعَبْدٍ أَخَذَ تَاجَ مَلِكٍ وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِهِ فَمَا أَعْظَمَ اسْتِحْقَاقَهُ لِلْمَقْتِ وَأَقْرَبَ اسْتِعْجَالَهُ لِلْخِزْيِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ تَعَالَى كَمَا مَرَّ فِي أَحَادِيثَ: إنَّ مَنْ نَازَعَهُ الْعَظَمَةَ وَالْكِبْرِيَاءَ أَهْلَكَهُ، أَيْ لِأَنَّهُمَا مِنْ صِفَاتِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ تَعَالَى) (١).

стр. 976

من آثار وأضرار الكبر (وللتكبر في الأرض بغير الحق آثار ضارة، منها: ١. الحرمان من النظر والاعتبار: أي أن الأثر الأول الذي يتركه التكبر على العاملين: إنما هو الحرمان من النظر والاعتبار ... ومن حرم النظر والاعتبار، كانت عاقبته البوار والخسران المبين، لأنه سيبقى مقيماً على عيوبه وأخطائه، غارقاً في أوحاله، حتى تنتهي الحياة. ٢. القلق والاضطراب النفسي: ذلك أن المتكبر يحب - إشباعاً لرغبة الترفع والتعالي أن يحني الناس رؤوسهم له، وأن يكونوا دوماً في ركابه، ولأن أعزة الناس وكرامهم يأبون ذلك، بل ليسوا مستعدين له أصلاً، فإنه يصاب بخيبة أمل، تكون عاقبتها القلق والاضطراب النفسي، هذا فضلاً عن أن اشتغال هذا المتكبر بنفسه يجعله في إعراض تام عن معرفة الله وذكره، وذلك له عواقب أدناها في هذه الدنيا القلق والاضطراب النفسي. ٣. الملازمة للعيوب والنقائص: وذلك أن المتكبر لظنه أنه بلغ الكمال في كل شيء لا يفتش في نفسه، حتى يعرف أبعادها ومعالمها، فيصلح ما هو في حاجة منها إلى إصلاح، ولا يقبل كذلك نصحاً أو توجيهاً أو إرشاداً من الآخرين، ومثل هذا يبقى غارقاً في عيوبه ونقائصه، ملازماً لها إلى أن تنقضي الحياة، ويدخل النار مع الداخلين. ٤. الحرمان من الجنة واستحقاق العذاب في النّار: وذلك أمر بدهي، فإن من يعتدي على مقام الألوهية، ويظل مقيماً على عيوبه ورذائله، ستنتهي به الحياة حتماً وما حصل خيراً يستحق به ثواباً أو مكافأة فيحرم الجنة مؤبداً أو مؤقتاً. ٥. قلة كسب الأنصار بل والفرقة والتمزق, والشعور بالعزلة: ذلك أن القلوب جبلت على حب من ألان لها الجانب، وخفض لها الجناح، ونظر إليها من دون لا من علٍ. ٦. الحرمان من العون والتأييد الإلهي: ذلك أن الحق سبحانه مضت سنته أنه لا يعطى عونه وتأييده، إلا لمن هضموا نفوسهم حتى استخرجوا حظ الشيطان من نفوسهم بل حظ نفوسهم من نفوسهم، والمتكبرون قوم كبرت نفوسهم، ومن كانت هذه صفته، فلا حق له في عون أو تأييد إلهي (١). ٧. سبيل إلى غضب الله والتعرض لسخطه. ٨. مؤشر على ما تعانيه النفس من دناءة وانحطاط. ٩. سبيل إلى البعد عن الله وعن طاعته, كما أنه سبيل إلى البعد عن الناس. ١٠. فيه هلاك للنفس وحرمانها, كما أنه يذهب ببركة العمر ويحرم من لذة الطاعة وبركة التواضع.

стр. 977

درجات الكبر يقول ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: (واعلم أن العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاثة درجات: - الأولى: أن يكون الكبر مستقراً في قلب الإنسان منهم، فهو يرى نفسه خيراً من غيره، إلا أنه يجتهد ويتواضع، فهذا في قلبه شجرة الكبر مغروسة، إلا أنه قد قطع أغصانها. - الثانية: أن يظهر لك بأفعاله من الترفع في المجالس، والتقدم على الأقران، والإنكار على من يقصر في حقه، فترى العالم يصعر خده للناس، كأنه معرض عنهم، والعابد يعيش ووجهه كأنه مستقذر لهم، وهذان قد جهلا ما أدب الله به نبيه ﵌، حين قال: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٢١٥] - الدرجة الثالثة: أن يظهر الكبر بلسانه، كالدعاوى والمفاخر، وتزكية النفس، وحكايات الأحوال في معرض المفاخرة لغيره، وكذلك التكبر بالنسب، فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب وإن كان أرفع منه عملا. قال ابن عباس: يقول الرجل للرجل: أنا أكرم منك، وليس أحد أكرم من أحد إلا بالتقوى. قال الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣]. وكذلك التكبر بالمال، والجمال، والقوة، وكثرة الأتباع، ونحو ذلك، فالكبر بالمال أكثر ما يجري بين الملوك والتجار ونحوهم. والتكبر بالجمال أكثر ما يجري بين النساء، ويدعوهن إلى التنقص والغيبة وذكر العيوب. وأما التكبر بالأتباع والأنصار، فيجري بين الملوك بالمكاثرة بكثرة الجنود، وبين العلماء بالمكاثرة بالمستفيدين. (١)

стр. 978

مظاهر الكبر هناك مظاهر وسمات تظهر على المتكبر في صفاته وحركاته وسكناته تدل على ما وصل إليه من الكبر والعجب بالنفس والازدراء للآخرين ومن ذلك: - أن يحب قيام الناس له أو بين يديه: وقد قال علي ﵁: (من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى رجل قاعد وبين يديه قوم قيام) وقال أنس ﵁: (لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك) (١). - أن لا يمشي إلا ومعه غيره يمشي خلفه قال أبو الدرداء ﵁: (لا يزال العبد يزداد من الله بعدا ما مشي خلفه) (٢). وكان عبد الرحمن بن عوف ﵁ لا يعرف من عبيده إذ كان لا يتميز عنهم في صورة ظاهرة. ومشى قوم خلف الحسن البصري فمنعهم وقال ما يبقي هذا من قلب العبد. - أن لا يزور غيره وإن كان يحصل من زيارته خير لغيره في الدين وهو ضد التواضع روي أن سفيان الثوري قدم الرملة فبعث إليه إبراهيم بن أدهم أن تعال فحدثنا فجاء سفيان فقيل له يا أبا إسحاق تبعث إليه بمثل هذا فقال أردت أن أنظر كيف تواضعه - أن يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه إلا أن يجلس بين يديه والتواضع خلافه قال ابن وهب: جلست إلى عبد العزيز بن أبي رواد فمس فخذي فخذه فنحيت نفسي عنه فأخذ ثيابي فجرني إلى نفسه وقال لي: لم تفعلون بي ما تفعلون بالجبابرة وإني لا أعرف رجلا منكم شرا مني. وقال أنس ((كانت الوليدة من ولائد المدينة تأخذ بيد رسول الله ﷺ فلا ينزع يده منها حتى تذهب به حيث تشاء)) (٣). - أن يتوقى من مجالسة المرضى والمعلولين ويتحاشى عنهم وهو الكبر (دخل رجل وعليه جدري قد تقشر على رسول الله ﷺ وعنده ناس من أصحابه يأكلون فما جلس إلى أحد إلا قام من جنبه فأجلسه النبي ﷺ إلى جنبه) (٤). (وكان عبد الله بن عمر ﵄ لا يحبس عن طعامه مجذوما ولا أبرص ولا مبتلى إلا أقعدهم على مائدته). - أن لا يتعاطى بيده شغلا في بيته والتواضع خلافه روي أن عمر بن عبد العزيز أتاه ليلة ضيف وكان يكتب فكاد السراج يطفأ فقال الضيف أقوم إلى المصباح فأصلحه فقال ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه قال أفأنبه الغلام فقال هي أول نومة نامها فقام وأخذ البطة وملأ المصباح زيتا فقال الضيف قمت أنت بنفسك يا أمير المؤمنين فقال ذهبت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر ما نقص مني شيء وخير الناس من كان عند الله متواضعا. - أن لا يأخذ متاعه ويحمله إلى بيته وهو خلاف عادة المتواضعين وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك. وقال علي ﵁: (لا ينقص الرجل الكامل من كماله ما حمل من شيء إلى عياله) وكان أبو عبيدة ابن الجراح وهو أمير يحمل سطلا له من خشب إلى الحمام. - أن يميز في إجابة الدعوة بين الغني والفقير, فتراه يسارع في إجابة دعوة الغني إذا دعاه ويستنكف من إجابة دعوة الفقير (٥).

стр. 979

أسباب الكبر الكبر صفة سيئة لها أسباب عدة تدفع الشخص إلى الاتصاف بها, ولعل مرجع هذه الأسباب كلها اعتقاد الكمال, أيَّن كان هذا الكمال ومهما كان نوعه قال ابن قدامة المقدسي ﵀: (وفي الجملة فكل ما يمكن أن يعتقد كمالاً وإن لم يكن كمالاً أمكن أن يتكبر به, حتى الفاسق قد يفتخر بكثرة شرب الخمر والفجور لظنه أن ذلك كمال) (١). بيان البواعث على التكبر وأسبابه المهيجة له: الكبر الظاهر أسبابه ثلاثة: ١. سبب في المتكبر: وهو العجب فهو يورث الكبر الباطن والكبر يثمر التكبر الظاهر في الأعمال والأقوال والأحوال. ٢. وسبب في المتكبر عليه: وهو الحقد والحسد: فأما الحقد فإنه يحمل على التكبر من غير عجب كالذي يتكبر على من يرى أنه مثله أو فوقه ولكن قد غضب عليه بسبب سبق منه فأورثه الغضب حقدا ورسخ في قلبه بغضه فهو لذلك لا تطاوعه نفسه أن يتواضع له وإن كان عنده مستحقا للتواضع فكم من رذل لا تطاوعه نفسه على التواضع لواحد من الأكابر لحقده عليه أو بغضه له ويحمله ذلك على رد الحق إذا جاء من جهته وعلى الأنفة من قبول نصحه وعلى أن يجتهد في التقدم عليه وإن علم أنه لا يستحق ذلك وعلى أن لا يستحله وإن ظلمه فلا يعتذر إليه وإن جنى عليه ولا يسأله عما هو جاهل به. وأما الحسد فإنه أيضاً يوجب البغض للمحسود وإن لم يكن من جهته إيذاء وسبب يقتضي الغضب والحقد, ويدعو الحسد أيضا إلى جحد الحق حتى يمنع من قبول النصيحة وتعلم العلم فكم من جاهل يشتاق إلى العلم وقد بقي في رذيلة الجهل لاستنكافه أن يستفيد من واحد من أهل بلده أو أقاربه حسدا وبغيا عليه فهو يعرض عنه ويتكبر عليه مع معرفته بأنه يستحق التواضع بفضل علمه ولكن الحسد يبعثه على أن يعامله بأخلاق المتكبرين وإن كان في باطنه ليس يرى نفسه فوقه. ٣. وسبب فيما يتعلق بغيرهما: وهو الرياء, فهو أيضا يدعو إلى أخلاق المتكبرين حتى إن الرجل ليناظر من يعلم أنه أفضل منه وليس بينه وبينه معرفة ولا محاسدة ولا حقد ولكن يمتنع من قبول الحق منه ولا يتواضع له في الاستفادة خيفة من أن يقول الناس إنه أفضل منه فيكون باعثه على التكبر عليه الرياء المجرد ولو خلا معه بنفسه لكان لا يتكبر عليه. وأما الذي يتكبر بالعجب أو الحسد أو الحقد فإنه يتكبر أيضاً عند الخلوة به مهما لم يكن معهما ثالث وكذلك قد ينتمي إلى نسب شريف كاذباً وهو يعلم أنه كاذب ثم يتكبر به على من ليس ينتسب إلى ذلك النسب ويترفع عليه في المجالس ويتقدم عليه في الطريق ولا يرضى بمساواته في الكرامة والتوقير وهو عالم باطنا بأنه لا يستحق ذلك ولا كبر في باطنه لمعرفته بأنه كاذب في دعوى النسب ولكن يحمله الرياء على أفعال المتكبرين وكأن اسم المتكبر إنما يطلق في الأكثر على من يفعل هذه الأفعال عن كبر في الباطن صادر عن العجب والنظر إلى الغير بعين الاحتقار وهو إن سمي متكبرا فلأجل التشبه بأفعال الكبر فتصير الأسباب بهذا الاعتبار أربعة العجب والحقد والحسد والرياء (٢)

стр. 980

بماذا يكون التكبر قال الإمام الغزالي ﵀: (اعلم أنه لا يتكبر إلا من استعظم نفسه ولا يستعظمها إلا وهو يعتقد لها صفة من صفات الكمال , وجماع ذلك يرجع إلى كمال ديني أو دنيوي فالديني هو العلم والعمل والدنيوي هو النسب والجمال والقوة والمال وكثرة الأنصار فهذه سبعة أسباب: الأول: العلم وما أسرع الكبر إلى العلماء ولذلك قال ﷺ : ((آفة العلم الخيلاء)) (١). فلا يلبث العالم أن يتعزز بعزة العلم يستشعر في نفسه جمال العلم وكماله ويستعظم نفسه ويستحقر الناس وينظر إليهم نظره إلى البهائم ويستجهلهم ... هذا فيما يتعلق بالدنيا, أما في أمر الآخرة فتكبره عليهم بأن يرى نفسه عند الله تعالى أعلى وأفضل منهم فيخاف عليهم أكثر مما يخاف على نفسه ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم ... فإن قلت فما بال بعض الناس يزداد بالعلم كبرا وأمنا؟ فاعلم أن لذلك سببين: ١. أحدهما: أن يكون اشتغاله بما يسمى علما وليس علما حقيقيا وإنما العلم الحقيقي ما يعرف به العبد ربه ونفسه وخطر أمره في لقاء الله والحجاب منه وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر والأمن, قال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [فاطر: ٢٨]. ٢. السبب الثاني: أن يخوض العبد في العلم وهو خبيث الدخلة رديء النفس سيئ الأخلاق. الثاني: العمل والعبادة وليس يخلو عن رذيلة العز والكبر واستمالة قلوب الناس الزهاد والعباد ويترشح الكبر منهم في الدين والدنيا, أما في الدنيا فهو أنهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى منهم بزيارة غيرهم ويتوقعون قيام الناس بقضاء حوائجهم وتوقيرهم والتوسع لهم في المجالس وذكرهم بالورع والتقوى وتقديمهم على سائر الناس في الحظوظ ... وأما في الدين فهو أن يرى الناس هالكين ويرى نفسه ناجيا وهو الهالك تحقيقا. الثالث: التكبر بالحسب والنسب فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب وإن كان أرفع منه عملا وعلما وقد يتكبر بعضهم فيرى أن الناس له أموال وعبيد ويأنف من مخالطتهم ومجالستهم. الرابع: التفاخر بالجمال وذلك أكثر ما يجري بين النساء ويدعو ذلك إلى التنقص والثلب والغيبة وذكر عيوب الناس الخامس: الكبر بالمال وذلك يجري بين الملوك في خزائنهم وبين التجار في بضائعهم وبين الدهاقين في أراضيهم وبين المتجملين في لباسهم وخيولهم ومراكبهم فيستحقر الغني الفقير ويتكبر عليه. السادس: الكبر بالقوة وشدة البطش والتكبر به على أهل الضعف السابع: التكبر بالأتباع والأنصار والتلامذة والغلمان وبالعشيرة والأقارب والبنين ويجري ذلك بين الملوك في المكاثرة بالجنود وبين العلماء في المكاثرة بالمستفيدين ... فهذه مجامع ما يتكبر به العباد بعضهم على بعض فيتكبر من يدلي بشيء منه على من لا يدلي به أو على من يدلي بما هو دونه في اعتقاده, وربما كان مثله أو فوقه عند الله تعالى كالعالم الذي يتكبر بعلمه على من هو أعلم منه لظنه أنه هو الأعلم ولحسن اعتقاده في نفسه. (٢)

стр. 981

أشر الكبر يحدثنا الإمام الذهبي عن أشر أنواعه فيقول: (وأشر الكبر الذي فيه من يتكبر على العباد بعلمه ويتعاظم في نفسه بفضيلته فإن هذا لم ينفعه علمه فإن من طلب العلم للآخرة كسره علمه وخشع قلبه واستكانت نفسه وكان على نفسه بالمرصاد فلا يفتر عنها بل يحاسبها كل وقت ويتفقدها فإن غفل عنها جمحت عن الطريق المستقيم وأهلكته ومن طلب العلم للفخر والرياسة وبطر على المسلمين وتحامق عليهم وازدراهم فهذا من أكبر الكبر ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (١).

стр. 982

الوسائل المعينة على ترك الكبر هذا وعلاج التكبر - بحيث تطهر منه النفس، ولا يعود إليها مرة أخرى - إنما يكون باتباع الأساليب والوسائل التالية: ١. تذكير النفس بالعواقب والآثار المترتبة على التكبر، سواء كانت عواقب ذاتية أو متصلة بالعمل الإسلامي، وسواء كانت دنيوية أو أخروية على النحو الذي قدمنا، فلعل هذا التذكير يحرك النفس من داخلها، ويحملها على أن تتوب، وتتدارك أمرها قبل ضياع العمر وفوات الأوان. ٢. عيادة المرضى، ومشاهدة المحتضرين وأهل البلاء وتشييع الجنائز، وزيارة القبور، فلعل ذلك أيضاً يحركه من داخله، ويجعله يرجع إلى ربه بالإخبات، والتواضع. ٣. الانسلاخ من صحبة المتكبرين، والارتماء في أحضان المتواضعين المخبتين، فربما تعكس هذه الصحبة بمرور الأيام شعاعها عليه، فيعود له سناؤه، وضياؤه الفطري كما كان عند ولادته. ٤. مجالسة ضعاف الناس وفقرائهم، وذوى العاهات منهم، بل ومؤاكلتهم ومشاربتهم، كما كان يصنع النبي ﷺ وصحبه الكرام، وكثير من السلف، فإن هذا مما يهذب النفس ويجعلها تقلع عن غيها، وتعود إلى رشدها. ٥. التفكر في النفس، وفي الكون، بل وفي كل النعم التي تحيط به من أعلاه إلى أدناه، مَن مصدر ذلك كله؟ ومن ممسكه؟ وبأي شيء استحقه العباد؟ وكيف تكون حاله لو سلبت منه نعمة واحدة فضلاً عن باقي النعم؟؟؟ فإن ذلك التفكر لو كانت معه جدية، يحرك النفس ويجعلها تشعر بخطر ما هي فيه، إن لم تبادر بالتوبة والرجوع إلى ربها. ٦. النظر في سير وأخبار المتكبرين، كيف كانوا؟ وإلى أي شيء صاروا؟ من إبليس والنمرود إلى فرعون، إلى هامان، إلى قارون، إلى أبي جهل، إلى أبي بن خلف، إلى سائر الطغاة والجبارين والمجرمين، في كل العصور والبيئات فإن ذلك مما يخوف النفس ويحملها على التوبة والإقلاع، خشية أن تصير إلى نفس المصير، وكتاب الله وسنة النبي ﷺ وكتب التراجم والتاريخ خير ما يعين على ذلك. ٧. حضور مجالس العلم التي يقوم عليها علماء ثقات نابهون، لاسيما مجالس التذكير والتزكية، فإن هذه المجالس لا تزال بالقلوب حتى ترق وتلين وتعود إليها الحياة من جديد. ٨. حمل النفس على ممارسة بعض الأعمال التي يتأفف منها كثير من الناس ممارسة ذاتية ما دامت مشروعة، كأن يقوم هذا المتكبر بشراء طعامه وشرابه وسائر ما يلزمه بنفسه، ويحرص على حمله والمشي به بين الناس، حتى لو كان له خادم، على نحو ما كان يصنع النبي ﷺ وصحبه والسلف، فإن هذا يساعد كثيراً في تهذيب النفس وتأديبها، والرجوع بها إلى سيرتها الأولى الفطرية، بعيداً عن أي التواء أو اعوجاج. ٩. الاعتذار لمن تعالى وتطاول عليهم بسخرية أو استهزاء، بل ووضع الخد على التراب وإلصاقه به، وتمكينه من القصاص على نحو ما صنع أبو ذر مع بلال لما عاب عليه النبي ﷺ تعييره بسواد أمه. ١٠. إظهار الآخرين بنعمة الله عليهم، وتحدثهم بها - لاسيما أمام المستكبرين - علهم يثوبون إلى رشدهم وصوابهم، ويتوبون ويرجعون إلى ربهم، قبل أن يأتيهم أمر الله. ١١. التذكير دوماً بمعايير التفاضل والتقدم في الإسلام: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣]. ((كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله - تعالى - من الجعلان)) (١).

стр. 983

١٢. المواظبة على الطاعات: فإنها إذا واظب عليها، وكانت متقنة لا يراد بها إلا وجه الله، طهرت النفس من كل الرذائل، بل زكتها (١). أقوال الأدباء في ذم الكبر والمتكبرين - الكبر قائد البغض. - التعزز بالتكبر ذل. - الكبر فضل حمقٍ، لم يدر صاحبه أين يضعه. - التكبر على الملوك تعرضٌ للحتوف، وعلى الأنذال من ضعة النفس، وعلى الأكفاء جهلٌ عظيمٌ وسخف. - من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه. - الكبر داءٌ يعدي. - الإفراط في الكبر يوجب البغضة، كما أن الإفراط في التواضع يوجب الذلة. - قال ابن المعتز: لما عرف أهل النقص حالهم عندي ذوي الكمال استعانوا بالكبر، ليعظم صغيراً، ويرفع حقيراً وليس بفاعلٍ. - ووصف بليغٌ متكبراً فقال: كأن كسرى حامل غاشيته. وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وكأن يوسف لم ينظر إلا بمقلته، ولقمان لم ينطق إلا بحكمته. (٢). - وكان يقال: من عرف حق أخيه دام له إخاؤه، ومن تكبر على الناس ورجا أن يكون له صديق فقد غر نفسه. - وقيل: ليس للجوج تدبير، ولا لسيئ الخلق عيش، ولا لمتكبر صديق. (٣) - وقال بعضهم: من أثبت لنفسه تواضعاً، فهو المتكبر حقاً، إذ ليس التواضع إلا عن رفعة، فمتى أثبت لنفسك تواضعاً فأنت من المتكبرين (٤).

стр. 984

ذم الكبر والمتكبرين في واحة الشعر .. قال منصور الفقيه: تتيه وجسمك من نطفةٍ ... وأنت وعاءٌ لما تعلم (١) وقال آخر: جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك وأخلاق المماليك (٢) وقال آخر: وَكم ملكٍ قاسي العقاب مُمَنَّعٍ ... قديرٍ على قبض النُّفُوسِ مُطاعِ أَراهُ فَيَعْديِنِي مِنَ الْكِبْرِ ما بِهِ ... فَأُكْرِمُ عَنْهُ شِيمَتِي وَطِباعِي (٣) وقال آخر: كم جاهل متواضع ... ستر التوضع جهله ومميز في علمه ... هدم التكبر فضله فدع التكبر ما حييت ... ولا تصاحب أهله فالكبر عيب للفتى ... أبدا يقبح فعله وأنشد ثعلب: ولا تأنفا أن تسألا وتسلما ... فما حشي الإنسان شرا من الكبر (٤) وقال محمود الوراق: التِّيه مَفسدة للدِّين منقصة ... للعَقل لمجلبة للذمّ والسخَطِ مَنْع العطاء وبَسْط الوجه أحسنُ من ... بَذْل العطاء بوَجْه غير منبسط (٥) وقال أيضاً: بِشْرُ البخيلِ يكاد يصْلِح بُخلَه ... والتِّيهُ مَفْسدة لكلِّ جوادِ ونقيصة تبْقى على أيامه ... ومَسبَّة في الأهل والأولاد (٦) وقال آخر في الكِبر: مع الأرض يا بنَ الأرض في الطَيران ... أَتأْمُل أن تَرْقَى إلى الدَبَرَانِ فوالله ما أبصرتُ يوماً مُحلِّقاً ... ولو حَلَّ بين الجَدْي والسَّرطان حَمَاهُ مكانُ البُعد مِن أَن تَناله ... بسَهْم من البَلْوى يدُ الحَدثان (٧) وقال الحيص بيص: فتى لم يكن جَهْما ولا ذا فَظاظةٍ ... ولا بالقَطوبِ الباخل المتكبّرِ ولكن سَموحاً بالوداد وبالنَّدى ... ومبتسماً في الحادث المتنمِّرِ (٨) وقال أيضاً: وَيَكْبُرُ قَدْراً أَنْ يُرى مُتَكَبِّراً ... وَيَعْظُمُ مَجْداً أَنْ يِتَيهَ مَعَ الْعُظْمِ وَيَكْرُمُ عَدْلاً أَنْ يميلَ بِه الْهَوى ... وَيَشْرُفُ نَفْساً أنْ يَلَذَّ مَعَ الإثْمِ ...

стр. 985

معنى الكذب لغة واصطلاحاً: معنى الكذب لغة: قال ابن منظور: (الكَذِبُ نقيضُ الصِّدْقِ كَذَبَ يَكْذِبُ كَذِباً ... تقول كذَّبت الرجل إذا نسبته إلى الكذب وأكْذَبتُه إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب) (١). معنى الكذب اصطلاحاً: هو الأخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء كان عمدا أم خطأ (٢). وقال النووي: (الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو، عمدا كان أو سهوا، سواء كان الإخبار عن ماض أو مستقبل) (٣).
следующие страницы →