ومشروعية السنن القبلية لقطع طمع الشيطان: بأن يقول: إنه لم يترك ما ليس بفرض، فكيف يترك ما هو بفرض؟ والسنن البَعْدية لجبر النقصان أي ليقوم في الآخرة مقام ما ترك منها لعذر كنسيان.
٦ - صلاة التراويح: التراويح سنة مؤكدة للرجال والنساء لمواظبة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين عليها، ويسن فيها الجماعة، بدليل أن النبي ﷺ صلاها جماعة في رمضان في ليالي الثالث والخامس والسابع والعشرين، ثم لم يتابع خشية أن تفرض على المسلمين، وكان يصلي بهم ثمان ركعات، ويكملون باقيها في بيوتهم، فكان يسمع لهم أزيز كأزيز النحل (١).
ووقتها: في رمضان بعد صلاة العشاء إلى الفجر، قبل الوتر وبعده في الأصح عند الحنفية. ويستحب تأخيرها إلى ثلث الليل أو نصفه، ولا تكره بعده في الأصح عند الحنفية. ولا تقضى عندهم إذا فاتت أصلاً، فإن قضاها، كانت نفلاً مستحباً، وليس بتراويح، كسنة مغرب وعشاء؛ لأن القضاء من خصائص الواجبات كالوتر والعيدين.
والجماعة فيها سنة على الكفاية في الأصح، فلو تركها أهل مسجد أثموا، وكل ما شرع بجماعة، فالمسجد فيه أفضل، والمتخلف عن الجماعة إذا أقامها البعض تارك للفضيلة؛ لأن أفراد الصحابة روي عنهم التخلف.
وتؤدى أيضاً فرادى، والأفضل فيها الجماعة، ويسن أن يختم فيها القرآن كله مرة خلال شهر رمضان. وإذا مل الناس سن قراءة ما تيسر من القرآن بقدر ما لا يثقل عليهم، كآية طويلة أو ثلاث قصار، ولا يكره الاقتصار على آية أو آيتين،
стр. 1017
بشرط الترتيل، والاطمئنان في الركوع والسجود مع التسبيح، ولا يترك دعاء الثناء والتعوذ والصلاة على النبي ﷺ في كل تشهد.
وعدد ركعاتها عشرون ركعة، تؤدى ركعتين ركعتين، يجلس بينهما، مقدار الترويحة، بعشر تسليمات ثم يوتر بعدها، ولا يصلى الوتر بجماعة في غير شهر رمضان. ودليلهم على العدد فعل عمر ﵁ كما أخرج مسلم في صحيحه، حيث إنه جمع الناس أخيراً على هذا العدد في المسجد، ووافقه الصحابة على ذلك، ولم يخالفهم بعد الراشدين مخالف، وقد قال النبي ﷺ «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (١). وأخرج البيهقي عن ابن عباس «كان يصلي في شهر رمضان في غير جماعة عشرين ركعة والوتر» (٢). وقد سئل أبو حنيفة عما فعله عمر ﵁ فقال: التراويح سنة مؤكدة، ولم يتخرجه عمر من تلقاء نفسه، ولم يكن فيه مبتدعاً، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه، وعهد من رسول الله ﷺ .
لكن قال بعض أهل الحديث: إن العدد الثابت عنه ﷺ في صلاته في رمضان هو ثمان ركعات، بدليل ما أخرجه البخاري وغيره عن عائشة أنها قالت: «ماكان النبي ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» وأخرج ابن حبان في صحيحه من حديث جابر أنه ﷺ : «صلى بهم ثمان ركعات ثم أوتر» (٣).
ثانياً - أما المندوب أو السنن غير المؤكدة: فهي ما يأتي، ولا يعني كونها غير مؤكدة تركها، بل كان النبي ﷺ يصليها غالباً، ويتركها أحياناً:
стр. 1018
١ - ركعتان أخريان إلى سنة الظهر البعدية، كما بينا.
٢ - أربع ركعات قبل العصر بتسليمة واحدة، لقوله ﷺ : «رحم الله امرءاً صلى أربعاً قبل العصر» (١). أما جواز صلاة ركعتين فقط قبل العصر، فيشملها حديث «بين كل أذانين صلاة» (٢).
٣ - أربع ركعات قبل صلاة العشاء وأربع بعدها بتسليمة واحدة، لما روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي قبل العشاء أربعاً، ثم يصلي بعدها أربعاً، ثم يضطجع (٣).
وإن شاء اقتصر على الركعتين المؤكدتين بعدها، عملاً بالحديث السابق: «من ثابر على ثنتي عشر ركعة … ».
٤ - صلاة الأوابين (٤): وهي ست ركعات بعد المغرب، بتسليمة أو ثنتين أو ثلاث، والأول أدوم وأشق، لقوله تعالى: ﴿فإنه كان للأوابين غفوراً﴾ [الإسراء:١٧/ ٢٥]، ولما روي عن عمار بن ياسر: «من صلى بعد المغرب ست ركعات، غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل زبَد البحر» (٥).
واستحب الكمال بن الهمام كالشافعية والحنابلة ركعتين خفيفتين قبل المغرب لخبر الصحيحين عن عبد الله المزني: «صلوا ركعتين قبل المغرب» ثم قال في الثالثة: (لمن شاء) وهذه النوافل تابعة للفرائض، أما النوافل المستقلة فهي ما يأتي:
стр. 1019
٥ - صلاة الضحى: وهي أربع ركعات على الصحيح إلى ثمانية، وأقلها ركعتان، ووقتها من بعد طلوع الشمس قدر رمح أي حوالي ثلث أو نصف ساعة إلى قبيل الزوال، لحديث عائشة: «كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربع ركعات، لا يفصل بينهن بكلام» (١) ورواية مسلم: «كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله» وثبت في الصحيحين من رواية أبي هريرة «وركعتي الضحى» ووقتها المختار: بعد ربع النهار.
٦ - ركعتا الوضوء قبل جفافه للحديث السابق: «ما من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيصلي ركعتين، يقبل عليهما بقلبه، إلا وجبت له الجنة» (٢).
٧ - تحية المسجد: يندب ركعتان لمن دخل المسجد تحية لرب المسجد، لقوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين» (٣). يصليهما عند الحنفية في غير وقت الكراهة، وأداء الفرض أو غيره ينوب عنهما بلا نية. وتكفيه لكل يوم مرة إذا تكرر دخوله لعذر، ولا تسقط بالجلوس عندهم، لحديث ابن حبان في صحيحه: «يا أبا ذر، إن للمسجد تحية، وإن تحيته ركعتان، فقم فاركعهما» وأما الحديث السابق: «إذا دخل أحدكم .. » فهو بيان للأولى.
ويستثنى من المساجد المسجد الحرام، فإن تحيته الطواف.
ومن لم يتمكن من تحية المسجد لحدث أو غيره يقول ندباً كلمات التسبيح الأربع: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر).
стр. 1020
٨ - صلاة التهجد (الليل): يندب الصلاة ليلاً خصوصاً آخره، وهي أفضل من صلاة النهار، لقوله تعالى ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة:١٧/ ٣٢] وقوله سبحانه: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ [السجدة:١٦/ ٣٢]، ولقوله ﷺ فيما روى مسلم في صحيحه - «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، وروى الطبراني مرفوعاً: «لابد من صلاة بليل، ولو حلب شاة، وما كان بعد صلاة العشاء فهو من الليل»، وفي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : «عليكم بصلاة الليل، فإنها دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم».
وعدد ركعاتها من ركعتين إلى ثمانية.
ويندب إحياء ليالي العيدين (الفطر والأضحى)، وليالي العشر الأخير من رمضان لإحياء ليلة القدر، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان، ويكون بكل عبادة تعم الليل أو أكثره، للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك (١).
ويندب الإكثار من الاستغفار بالأسحار، وسيد الاستغفار: (اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء (أعترف) لك بنعمتك، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنب إلا أنت).
стр. 1021
ويكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي في المساجد وغيرها؛ لأنه لم يفعله النبي ﷺ ولا الصحابة.
كما يكره الاجتماع على صلاة الرغائب التي تفعل في أول جمعة من رجب، وإنها بدعة.
وطول القيام أفضل من كثرة السجود، لقوله ﷺ : «أفضل الصلاة طول القنوت» (١) أي القيام، ولأن القراءة تكثر بطول القيام، وبكثرة السجود يكثر التسبيح، والقراءة أفضل منه.
٩ - صلاة الاستخارة: أي طلب ما فيه الخير، وتكون في الأمور المباحة التي لايعرف وجه الصواب فيها، وهي ركعتان، يدعو بعدهما بالدعاء المأثور، روى الجماعة إلا مسلماً (٢) عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل:
«اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدُر لي الخير حيث كان، ثم رضني به. قال: ويسمي حاجته» أي عند قوله: (هذا الأمر).
стр. 1022
ويستحب افتتاح هذا الدعاء وختمه بالحمد لله، والصلاة على النبي. ويقرأ في الركعة الأولى: الكافرون، وفي الثانية: الإخلاص.
وينبغي - أي إذا لم يبن له الأمر - أن يكررها سبعاً، لما روى ابن السني: يا أنس، إذا هممت بأمر، فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك، فإن الخير فيه. ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء.
١٠ - صلاة التسبيح: وفضلها عظيم، وفيها ثواب لا يتناهى.
ويفعلها المسلم في كل وقت لا كراهة فيه، أو في كل يوم وليلة مرة، وإلا ففي كل أسبوع، أو جمعة، أو شهر، أو العمر. وحديثها حسن لكثرة طرقه، ووهم من زعم وضعه.
وهي أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، وسورة، بتسليمة أو تسليمتين، يقول فيها ثلاث مئة مرة: «سبحان الله والحمد لله ولاإله إلا الله والله أكبر» في كل ركعة خمس وسبعون تسبيحة.
فبعد الثناء: خمس عشرة، ثم بعد القراءة، وفي الركوع، والرفع منه، وكل من السجدتين، وفي الجلسة بينهما: عشر تسبيحات، بعد تسبيح الركوع والسجود. وهذه الكيفية هي التي رواها الترمذي في جامعه عن عبد الله بن المبارك أحد أصحاب أبي حنيفة. وهي المختار من الروايتين.
ولا يعد المصلي التسبيحات بالأصابع إن قدر أن يحفظ بالقلب (١).
١١ - صلاة الحاجة: وهي أربع ركعات بعد العشاء، وقيل: ركعتان. ورد
стр. 1023
في الحديث المرفوع أنه يقرأ في الأولى الفاتحة مرة وآية الكرسي ثلاثاً، وفي كل من الثلاثة الباقية: يقرأ الفاتحة والإخلاص والمعوذتين مرة مرة، فإن قرأهن كن له مثلهن من ليلة القدر.
وأخرج الترمذي عند عبد الله بن أبي أوفى ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له إلى الله حاجة، أو إلى أحد من بني آدم، فليتوضأ وليُحسن الوضوء، وليصلّ ركعتين، ثم ليُثن على الله، وليُصلِّ على النبي ﷺ ، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك مُوجِبات رحمتك، وعزائمَ مغفرتك، والغنيمة من كل برّ، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنباً إلا غفرته، ولا همَّاً إلا فرَّجته (١)، ولا حاجة هي لك رضاً إلا قضيتها يا أرحم الراحمين» (٢).
أحكام فرعية لصلاة النافلة (٣):
أـ كيفية أداء نوافل النهار والليل: إن شاء صلى في النهار ركعتين بتسليمة واحدة، وإن شاء أربعاً، وتكره الزيادة على ذلك (أي على الأربع من غير تسليمة). أما نوافل الليل، فقال أبو حنيفة: إن صلى ثماني ركعات بتسليمة واحدة جاز، وتكره الزيادة على ذلك (أي على الثمانية من غير تسليمة) والأفضل عنده رباع أي أربعاً أربعاً ليلاً ونهاراً.
стр. 1024
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يزيد - من حيث الأفضلية - بالليل على ركعتين بتسليمة واحدة، والأفضل في الليل مثنى مثنى، وفي النهار: أربع أربع. وبرأي الصاحبين يفتى عند الحنفية اتباعاً للحديث.
دليل أبي حنيفة: الحديث السابق عن عائشة أنه ﷺ صلى أربعاً بعد العشاء، وأنه ﵇ كان يواظب على الأربع في الضحى، ولأنه أدوم تحريمة، فيكون أكثر مشقة وأزيد فضيلة. ودليل الكراهة أن النبي ﷺ لم يزد على ثمان ركعات، ولولا الكراهة لزاد، تعليماً للجواز.
ودليل الصاحبين: الاعتبار بالتراويح، كل ركعتين بتسليمة واحدة.
ب - القراءة واجبة في جميع ركعات النفل، وفي جميع الوتر؛ أما النفل فلأن كل شفع منه صلاة على حدة، والقيام إلى الثالثة كتحريمة مبتدأة، ولهذا لا يجب بالتحريمة الأولى إلا ركعتان على المشهور، وأما الوتر فللاحتياط.
أما القراءة في الفرض فهي - كما بينا - واجبة في الركعتين الأوليين فقط، والمصلي مخير في الأخريين: إن شاء قرأ الفاتحة، وإن شاء سكت مقدار ثلاث تسبيحات وإن شاء سبَّح ثلاثاً، وهو المأثور عن علي وابن مسعود وعائشة ﵃، إلا أن الأفضل أن يقرأ؛ لأنه ﵊ داوم على ذلك، ولهذا لايجب السهو بترك القراءة في ظاهر الرواية.
وبناء على ما ذكر في النفل: إن صلى أربعاً، ولم يقرأ فيهن شيئاً أعاد عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن ترك القراءة في الأوليين يوجب بطلان التحريمة: وعند أبي يوسف: يقضي أربعاً؛ لأن ترك القراءة في الشفع الأول لا يوجب بطلان التحريمة، وإنما يوجب فساد الأداء؛ لأن القراءة ركن زائد، وفساد الأداء لا يزيد على تركه، فلا يبطل التحريمة.
стр. 1025
جـ - الشروع في النفل صلاة أو صوماً ملزم عند الحنفية، خلافاً للشافعي فإنه قال: المتنفل متبرع فيه أي في فعل النفل، ولا لزوم على المتبرع لقوله تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ [التوبة:٩١/ ٩] فالسنن لا تلزم بالشروع عند الشافعية، إلا في الحج والعمرة، أو فرض كفاية على الصحيح، فتلزم في الجهاد وصلاة الجنازة والحج والعمرة (١). ودليل الحنفية قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [سورة سيدنا محمد:٤٧/ ٣٣] فيحرم قطع الصلاة وغيرها.
فيلزم النفل عندهم بالشروع في تكبيرة الإحرام، أو بالقيام للركعة الثالثة وقد أدى الشفع الأول صحيحاً، فإذا فسد الثاني لزم قضاؤه فقط، ولا يسري إلى الأول؛ لأن كل شفع صلاة على حدة.
وبناء عليه: من دخل في صلاة النفل، ثم أفسدها، قضاها. وإن صلى أربع ركعات، وقعد في الأوليين، ثم أفسد الأخريين قضى ركعتين.
ويستثنى من ذلك ما لو شرع متنفلاً خلف مفترض ثم قطعه، أو شرع في فرض ظاناً أنه عليه، ثم تذكر أنه ليس عليه، فلا قضاء عليه.
د - يقتصر المتنفل في الجلوس الأول من الرباعية المؤكدة (وهي التي قبل الظهر والجمعة وبعدها) على التشهد، ولا يأتي في الثالثة بدعاء الاستفتاح على الأصح. أما الرباعية المندوبة (غير المؤكدة)، فإنه يقرأ في القعود الأول التشهد والصلاة الإبراهيمية ويأتي بالاستفتاح والتعوذ في ابتداء الثالثة، أي في ابتداء كل شفع من النافلة.
هـ - إذا صلى نافلة أكثر من ركعتين، ولم يجلس إلا في آخرها، صح
стр. 1026
استسحاناً؛ لأنها صارت صلاة واحدة من ذوات الأربع، وفيها الفرض وهو الجلوس الأخير، ويجبر ترك القعود الأول ساهياً بالسجود، ويجب العود إليه بتذكره بعد القيام ما لم يسجد.
وـ صلاة النفل قاعداً أو راكباً: يجوز - كما بينا في بحث القيام في الصلاة - النفل قاعداً مع القدرة على القيام، لكن له نصف أجر القائم إلا لعذر، لقوله ﷺ : «من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد» (١). وأجاز الشافعية في الأصح التنفل مضطجعاً، مطلقاً وأباحه بقية المذاهب لعذر.
وكيفية القعود في النفل كالمتشهد، على المختار وعليه الفتوى عند الحنفية والشافعية، ويندب التربع عند المالكية والحنابلة. ويجوز للقادر على القيام إتمام نفله قاعداً، بعد افتتاحه قائماً، بلا كراهة على الأصح.
ويصح أداء النوافل ولو كانت مؤكدة كسنة الفجر (٢) على الراحلة راكباً خارج البلاد، ويومئ إلى الركوع والسجود، إلى أية جهة توجهت دابته، للحاجة، وإذا نزل عن الدابة أتم صلاته. ولا يشترط عجزه عن إيقافها لتكبيرة الإحرام في ظاهر الرواية. وإذا حرك رجله أو ضرب دابته، فلا بأس به، إذا لم يصنع شيئاً كثيراً.
ودليل التنفل على الراحلة: حديث جابر المتقدم: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي النوافل على راحلته، يومئ إيماء، ولكنه يخفض السجدتين من الركعتين» (٣).
стр. 1027
والصلاة في المحمل على الدابة كالصلاة عليها، سواء أكانت سائرة أم واقفة، إلا إذا استقر المحمل على الأرض، فتصح الصلاة فيه ولو فرضاً.
ولا يمنع صحة الصلاة على الدابة نجاسةٌ عليها، ولو كانت في السرج والركابين على الأصح. ولا تصح صلاة الماشي اتفاقاً.
ويجوز للمتطوع الاتكاء على شيء إن تعب، بلا كراهة، وإن كان بغير عذر كره في الأظهر، لإساءة الأدب.
ز - صلاة الفرض والواجب على الدابة: ولا يصح على الدابة صلاة الفرائض والواجبات، كالوتر والمنذورة، وقضاء ما شرع فيه نفلاً فأفسده، ولا صلاة الجنازة، أو سجدة تليت آيتها على الأرض، إلا للضرورة أو العذر، كخوف لص أو سبع على نفسه أو دابته، أو ثيابه، لو نزل، أو وجود طين ومطر في المكان، أو لعجز لمرض أو كسر ولم يوجد من يركبه.
ح - الصلاة في السفينة، ومثلها الطائرة والسيارة: تجوز صلاة الفريضة في السفينة والطائرة والسيارة قاعداً، ولو بلا عذر عند أبي حنيفة، ولكن بشرط الركوع والسجود.
وقال الصاحبان: لا تصح إلا لعذر، وهو الأظهر. والعذر كدوران الرأس، وعدم القدرة على الخروج.
ويشترط التوجه للقبلة في بدء الصلاة، ويستدير إليها كلما استدارت السفينة، ولو ترك الاستقبال لا تجزئه الصلاة، وإن عجز عن الاستقبال يمسك عن الصلاة حتى يقدر على الإتمام مستقبلاً.
والسفينة المربوطة في لجة أو عرض البحر التي تحركها الريح الشديدة كالسائرة، فإن لم تحركها فهي كالواقفة على الأصح.
стр. 1028
والمربوطة بالشط أوالمرفأ لا تجوز الصلاة فيها قاعداً اتفاقاً.
والثابت في السنة وجوب القيام على من يصلي في السفينة، ولا يجوز له القعود إلا عند خشية الغرق، لقول ابن عمر: «سئل النبي ﷺ ، كيف أصلي في السفينة؟ قال: صلِّ فيها قائماً، إلا أن يخاف الغرق» (١).
التطوعات عند المالكية:
التطوعات عند المالكية ثلاثة أنواع: سنة، وفضيلة، ونافلة (٢).
أما السنة: فهي عشر صلوات:
الوتر، وهي ركعة يقرأ فيها بالفاتحة والإخلاص والمعوذتين، وهي آكد السنن، وندب الجهر بوتر، وركعتا الفجر، وتسمى عند المالكية رغيبة (٣): أي مرغب فيها، وهي ما فوق المندوب ودون السنة، ووقتها كالصبح من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس، ثم تقضى إلى الزوال فقط، فإن صلى الصبح قبلها كره فعلها إلى مابعد طلوع الشمس بقدر رمح (٢١ شبراً متوسطاً) ولا يقضى نفل خرج وقت سواها، أي كما قال الحنفية. ويند ب صلاتها في المسجد لمن أراد التوجه للمسجد لصلاة الفريضة، ويقرأ في الأولى الكافرون وفي الثانية الإخلاص.
وصلاة عيد الفطر، وصلاة عيد الأضحى، وصلاة كسوف الشمس، وكسوف القمر، وصلاة الاستسقاء، وسجود التلاوة، وركعتا الطواف، وركعتا الإحرام بالحج.
стр. 1029
وترتيبها: الوتر ثم العيد، ثم الكسوف، ثم الاستسقاء. وذكر العلامة خليل في متنه أن صلاة خسوف القمر مندوب.
وأما الفضائل فهي عشر أيضاً.
وهي ركعتان بعد الوضوء، وركعتا تحية المسجد لداخل يريد الجلوس به لا المرور فيه، وإن في وقت النهي، وتتأدى بفريضة، والضحى وهي مؤكدة وأقلها ركعتان وأكثرها ثمانٍ، وقيام الليل ويندب جهراً، وهو مؤكد، وأفضله الثلث الأخير (١)، وهو عشر غير الشفع والوتر، وأكثره لا حد له، وقيام رمضان وهي التراويح سنة مؤكدة، عشرون ركعة، يسلم من كل ركعتين، غير الشفع والوتر، وهي آكد من قيام الليل، وندب ختم القرآن فيها، بأن يقرأ كل ليلة جزءاً يفرقه على العشرين ركعة. فإن لزم على الانفراد بها تعطيل المساجد عنها، فالأولى إيقاعها في المساجد جماعة، فدل على أنه يندب لأعيان (وجهاء) الناس فعلها في المساجد؛ لأن الشأن الاقتداء بهم، فإذا لم يصلوها في المساجد تعطلت المساجد.
ويتأكد النفل قبل صلاة الظهر وما بعدها، وقبل صلاة العصر، وبعد صلاة المغرب، والعشاء، بلا تحديد بعدد معين، فيكفي في تحصيل الندب ركعتان، والأولى بعد كل صلاة عدا المغرب أربع ركعات، وبعد المغرب ست ركعات.
ويندب فصل الشفع (المراد به الركعتان قبل الوتر) عن الوتر، بسلام، وكره وصله به من غير سلام، وكره الاقتصار على الوتر من غير شفع، وصح الوتر من غير شفع، خلافاً لمن قال بعدم صحته إلا بشفع.
ويندب القراءة في الشفع بسبّح اسم ربك الأعلى عقب الفاتحة في الركعة الأولى، والكافرون في الثانية.
стр. 1030
ويندب الإسرار بسنة الفجر وسائر نوافل النهار. ويندب الجهر بالوتر وفي سائر نوافل الليل.
وتندب تحية المسجد قبل السلام على النبي ﷺ بمسجده ﵇، وتحية مسجد مكة: الطواف بالبيت سبعاً، إلا المكي فيكفيه الركعتان.
و أما النوافل فهي قسمان:
١ - مالا سبب له: وهي التطوع في الأوقات الجائزة غير الخمسة المكروهة المذكورة سابقاً.
٢ - وماله سبب: وهي عشر: الصلاة عند الخروج إلى السفر، وعند الرجوع منه، وعند دخول المنزل، وعند الخروج منه، وصلاة الاستخارة ركعتان (١)، وصلاة الحاجة ركعتان (٢)، وصلاة التسبيح أربع ركعات (٣)، وركعتان بين الأذان والإقامة، لقوله ﷺ : «بين كل أذانين صلاة» والمراد باللأذانين: الأذان والإقامة.
وأربع ركعات بعد الزوال، وركعتان عند التوبة، لقوله ﷺ : «ما من رجل يُذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة، أو ظلموا أنفسهم .. الآية [آل عمران: ١٣٥/ ٣]» (٤)، زاد ابن حبان والبيهقي وابن خزيمة: «ثم يصلي ركعتين»
стр. 1031
وزاد بعض المالكية ركعتين عند الدعاء، وركعتين لمن قدم للقتل اقتداء بخبيب ابن عدي ﵁.
ما يكره في أداء النوافل عند المالكية (١):
يكره تأخير الوتر للوقت الضروري وهو من طلوع الفجر لصلاة الصبح، بلاعذر من نوم أو غفلة أو نحوهما.
وكره كلام بالأمور الدنيوية بعد صلاة الصبح، لا بعد سنة الفجر وقبل الصبح.
وكره ضِجْعة: بأن يضطجع على شقه الأيمن بعد سنة الفجر قبل الصبح إذ لم يصحبها عمل أهل المدينة. وهذا متفق مع مذهب الحنفية (٢)، أخذاً برأي ابن عمر، إذ لم يفصل بالضجعة، وقال: وأي فصل أفضل من السلام؟! أي سلام سنة الفجر؛ لأن السلام إنما ورد للفصل، وهو أفضل ما يخرج به من الصلاة من الفعل والكلام.
وكره جمع كثير لصلاة النفل في غير التراويح؛ لأن شأن النفل الانفراد به، كما يكره صلاة النفل في جماعة قليلة بمكان مشتهر بين الناس.
النوافل عند الشافعية:
النوافل نوعان: نوع تسن له الجماعة، ونوع لا تسن له الجماعة (٣).
стр. 1032
١ - ما تسن له الجماعة: سبع صلوات مسنونات هي:
العيدان أي صلاة عيد الفطر وعيد الأضحى، والكسوفان: أي صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر، والاستسقاء، والتراويح، لخبر الصحيحين عن عائشة ﵂: «أنه ﷺ صلاها ليالي، فصلوها معها، ثم تأخر وصلاها في بيته باقي الشهر، وقال: خشيت أن تفرض عليكم (١)، فتعجزوا عنها» وروى ابنا خزيمة وحبان عن جابر قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ في رمضان ثمان ركعات، ثم أوتر، فلما كانت الليلة القابلة، اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا» الحديث. وكان جابر إنما حضر في الليلة الثالثة والرابعة، ولأن عمر جمع الناس على قيام شهر رمضان: الرجال على أبي بن كعب، والنساء على سليمان ابن أبي حَثْمة (٢).
وكان قد انقطع الناس عن فعلها جماعة في المسجد إلى زمن عمر ﵁، وإنما صلاها النبي ﷺ بعد ذلك فرادى خشية الافتراض، كما مرَّ، وقد زال ذلك المعنى.
والتراويح عشرون ركعة بعشر تسليمات في كل ليلة من رمضان بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، اتباعاً للسنة (٣)، مع مواظبة الصحابة عليها.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قام رمضان إيماناً واحتساباً (٤)، غفر له ما تقدم من ذنبه».
стр. 1033
وينوي الشخص بكل ركعتين: التراويح أو قيام رمضان، ولو صلى أربع ركعات منها بتسليمة واحدة لم تصح، ووقتها بين صلاة العشاء وطلوع الفجر.
وتندب الجماعة في الوتر عقب التراويح جماعة، إلا إن وثق باستيقاظه آخر الليل، فالتأخير أفضل، لخبر مسلم: «من خاف ألا يقوم من آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة» أي تشهدها ملائكة الليل والنهار.
وهذا النوع أفضل مما لا تسن له الجماعة؛ لأنها تشبه الفرائض في سنة الجماعة، وأوكد ذلك صلاة العيد؛ لأنها راتبة بوقت كالفرائض، ثم صلاة الكسوف، لأن القرآن دل عليها، ثم صلاة الاستسقاء. لكن الأصح تفضيل الراتبة على التراويح، لمواظبته ﷺ على الراتبة لا التراويح.
٢ - ما لا تسن له الجماعة: وهو نوعان:
أـ الرواتب مع الفرائض: أي السنن التابعة للفرائض، ويعبر عنها بالسنة الراتبة وهي سبع عشرة ركعة:
ركعتا الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وأربع قبل العصر، وركعتان بعد المغرب، وثلاث بعد العشاء يوتر بواحدة منهن. والواحدة هي أقل الوتر، وأكثره إحدى عشرة ركعة. ووقته بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، فلو أوتر قبل العشاء عمداً أو سهواً لم يعتد به.
ويسن قبل الجمعة أربع كما قبل الظهر، وبعدها أربع وهو الأكمل (١).
стр. 1034
ب - غير الراتبة أي المستقلة عن الفرائض: وهي الصلوات التي يتطوع بها الإنسان في الليل والنهار.
وأفضلها التهجد أو قيام الليل، لقوله ﷺ : «أفضل الصلوات بعد المفروضة: صلاة الليل» (١)، ولأنها تفعل في وقت غفلة الناس وتركهم للطاعات، فكان التهجد أفضل.
والنفل المطلق في الليل أفضل من النفل المطلق في النهار، والنفل وسط الليل أفضل، ثم آخره أفضل، إذا قسم المسلم الليل أثلاثاً. فإن قسمه أنصافاً فالنفل في آخره أفضل منه في أوله. والأفضل من ذلك كله: أن يقسمه أسداساً، فينام ثلاثة أسداس، ويقوم السدس الرابع والخامس، وينام السادس ليقوم للصبح بنشاط.
ويكره أن يقوم الليل كله، لما روي عن عبد الله بن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أتصوم النهار؟ فقلت: نعم، وتقوم الليل؟ قلت: نعم، قال: لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمس النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٢).
وأفضل تطوع النهار: ما كان في البيت، لما روى زيد بن ثابت ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (٣).
والسنة أن يسلم في تهجده من كل ركعتين؛ لما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا رأيت أن الصبح يدركك فأوتر بواحدة» (٤).
стр. 1035
وإن جمع ركعات بتسليمة واحدة، جاز، لما روت عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، ويوتر من ذلك بخمس، يجلس في الركعة الأخيرة ويسلم، وإنه أوتر بسبع
وخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام» (١).
وإن تطوع بركعة واحدة، جاز، لما روي أن عمر ﵁ مر بالمسجد، فصلى ركعة، فتبعه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما صليت ركعة، إنما هي تطوع، فمن شاء زاد، ومن شاء نقص (٢).
ويستحب أن ينوي الشخص القيام عند النوم، وأن يمسح المستيقظ النوم عن وجهه، وأن ينظر إلى السماء، وأن يقرأ: ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ [آل عمران:١٩٠/ ٣]، وأن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين. والسنة أن يتوسط في نوافل الليل بين الجهر والإسرار، وإطالة القيام فيها أفضل من تكثير عدد الركعات، وأن ينام من نعس في صلاته، ويتأكد بإكثار الدعاء والاستغفار في جميع ساعات الليل، وفي النصف الأخير آكد، وعند السحر أفضل.
ومن غير الراتبة: صلاة الضحى، وأقلها ركعتان، وأكثرها اثنتا عشرة، لخبر مسلم: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يصليهما من الضحى»، وأدنى الكمال أربع، وأكمل منه ست، وأفضلها ثماني ركعات، لما روت أم هانئ بنت أبي طالب ﵂: أن النبي ﷺ صلاها ثماني ركعات (٣).
وكون أكثرها ثنتا عشرة ركعة لخبر أبي داود: «إن صليت
стр. 1036
الضحى ركعتين لم تكتب من الغافلين أو أربعاً كتبت من المحسنين، أو ستاً كتبت من القانتين، أو ثمانياً كتبت من الفائزين، أو عشراً لم يكتب عليك ذلك اليوم ذنب، أو ثنتي عشرة بنى الله لك بيتاً في الجنة» (١).
ووقتها: من ارتفاع الشمس إلى زوالها.
ومن غير الراتبة: تحية المسجد ركعتين، والأصح أنها تتكرر بتكرر الدخول في المسجد مراراً، لما روى أبو قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (٢). فإن دخل وقد أقيمت الجماعة، لم يصل التحية، لقوله ﷺ «إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة» (٣)، ولأنه يحصل بها التحية. وتحصل التحية بفرض أو نفل آخر، وإن لم تنو؛ لأن القصد بها ألا ينتهك المسجد بلا صلاة. وعلى هذا فإنها تكره إذا وجد المكتوبة تقام، أو دخل المسجد الحرام ففعلها قبل الطواف، أو خاف فوت الصلاة. ولا تسن التحية للخطيب إذا خرج من مكانه للخطبة، ولا لمن لو فعلها فاته أول الجمعة مع الإمام.
ومنها: صلاة التوبة: لخبر أبي داود وغيره وحسنه الترمذي: «ليس عبد يذنب ذنباً، فيقوم فيتوضأ، ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله، إلا غفر له».
ومنها: صلاة التسبيح أربع ركعات، يقول في كل ركعة بعد القراءة: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر» خمس عشرة مرة، ويقول في
стр. 1037
كل من الركوع والرفع منه والسجدتين والجلوس بينهما وجلسة الاستراحة، وما قبل التشهد عشراً، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة (١).
ومنها: صلاة الاستخارة ركعتان، لخبر البخاري السابق عن جابر: «كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها … » الحديث في النوافل عند الحنفية. ويقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون:١٠٩/ ١]، وفي الثانية: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص:١/ ١١٢].
ومنها: ركعتا الزوال عقبه، يقرأ فيهما بعد الفاتحة (الكافرون والإخلاص) فقد روي عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك، وأمر بفعله. وهو حديث غريب أي من حيث روايته؛ لأنه انفرد به راو واحد.
ومنها: ركعتان عند الرجوع من سفره في المسجد قبل دخوله بيته. اتباعاً للسنة، رواه الشيخان.
ومنها: ركعتا الوضوء ولو مجدَّداً، لخبر الصحيحين «من توضأ فأسبغ الوضوء، وصلى ركعتين، لم يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه».
ومنها: صلاة الأوابين وتسمى صلاة الغفلة لغفلة الناس عنها بسبب عشاء أو نوم أو نحو ذلك، وهي عشرون ركعة بين المغرب والعشاء، وأقلها ركعتان لحديث الترمذي أنه ﷺ قال: «من صلى ست ركعات بين المغرب والعشاء، كتب الله له عبادة اثنتي عشرة ركعة».
стр. 1038
المؤكد وغير المؤكد من النوافل عند الشافعية:
أولاً - السنن المؤكدة: أـ عشر ركعات من الراتب التابع للفرض: وهي ركعتا الفجر، وركعتا قبل الظهر أو الجمعة، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء (١).
ويقرأ في ركعتي المغرب والفجر سورتي الإخلاص: في الأولى: قل ياأيها الكافرون، وفي الثانية: قل هو الله أحد (٢). وروي أيضاً أنه ﷺ قرأ في الأولى من ركعتي الفجر: ﴿قولو آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ - الآية التي في البقرة:١٣٦، وفي الثانية: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا﴾ - الآية ال عمران: ٦٤.
والخلاصة: يقرأ في أولى ركعتي الفجر والمغرب والاستخارة وتحية المسجد وركعتي الإحرام والزوال: قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية: الإخلاص.
ويسن أن يفصل بين سنة الصبح وفرضه باضطجاع أو كلام أو نحوه، لحديث عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة، فيخرج» (٣) وهذا موافق لمذهب الحنابلة أيضاً، وخالف المالكية والحنفية في ذلك كما بينا.
ب - الوتر: إذا أراد أن يصليه ثلاثاً فالأفضل أن يصليها مفصولة بسلامين
стр. 1039
لكثرة الأحاديث الصحيحة فيه، ولكثرة العبادات، فإنه تتجدد فيه النية، ودعاء التوجه والدعاء في آخر الصلاة، والسلام وغير ذلك.
جـ - ثلاث نوافل غير راتبة أي تابعة للفرائض: صلاة الليل (التهجد) وصلاة الضحى، وصلاة التراويح.
ترتيب أفضليتها: وآكد السنن الراتبة مع الفرائض: سنة الفجر والوتر؛ لأنه ورد فيهما ما لم يرد في غيرهما، والمذهب الجديد وهو الصحيح أن الوتر أفضل من الفجر، لقوله ﷺ : «إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر» وقوله ﵇ «من لم يوتر فليس منا» (١).
والأصح تفضيل الراتبة على التراويح، ثم أفضل الصلوات بعد الرواتب والتراويح: الضحى، ثم ما يتعلق بفعل كركعتي الطواف، وركعتي الإحرام، وتحية المسجد، ثم سنة الوضوء. (٢)
وقت الرواتب: ما يفعل قبل الفرائض من سنن الرواتب يدخل وقتها بدخول وقت الفرض، ويبقى وقتها إلى أن يذهب وقت الفرض. وما كان بعد الفرض يدخل وقتها بالفراغ من الفرض، ويبقى وقتها إلى أن يذهب وقت الفرض، ويعد فعل القبلية بعد الفرض أداء، والاختيار ألا تؤخر عن وقتها إلا لمن حضر والصلاة تقام أو نحوه، وفعل البعدية قبله لا تنعقد. ويسن فعل السنن الراتبة في السفر، سواء أقصر أم أتم، لكنها في الحضر آكد (٣).
стр. 1040
قضاء النوافل: لو فات النفل المؤقت، ندب قضاؤه في الأظهر (١)، لحديث الصحيحين: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» ولأنه ﷺ «قضى ركعتي الفجر لما نام في الوادي عن صلاة الصبح إلى أن طلعت الشمس» (٢) «وقضى ركعتي سنة الظهر المتأخرة بعد العصر» (٣)، ولأنها صلاة مؤقتة، فقضيت كالفرائض، سواء في السفر والحضر.
ثانياً - السنن غير المؤكدة: أـ اثنتا عشرة ركعة: ركعتان قبل الظهر، سوى المؤكدتين، وركعتان بعدها كذلك، والجمعة كالظهر، وأربع قبل العصر، وركعتان قبل المغرب، ويسن تخفيفهما وفعلهما بعد إجابة المؤذن لحديث «بين كل أذانين صلاة» والمراد الأذان والإقامة كما قدمنا، وركعتان قبل العشاء.
ب - كل النوافل الأخرى غير المؤكدة مما ذكر سابقاً في السنن غير الراتبة.
جـ - النفل المطلق: وهو ما لا يتقيد بوقت ولا سبب، أي لا حصر لعدده ولا لعدد ركعاته، قال ﷺ لأبي ذر: «الصلاة خير موضوع، استكثر أو أقلّ» (٤).
فإن أحرم بأكثر من ركعة فله التشهد في كل ركعتين، والصحيح منعه في كل ركعة. وإذا نوى عدداً، فله أن يزيد وينقص بشرط تغيير النية قبلهما، وإلا فتبطل، فلو نوى ركعتين، ثم قام إلى ثالثة سهواً، فالأصح أنه يقعد، ثم يقوم للزيادة إن شاء الزيادة، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته لزيادة القيام.
стр. 1041
وقد بينا سابقاً أن نفل الليل أفضل، وأوسطه أفضل، ثم آخره.
ويسلم في النفل من كل ركعتين، ويكره قيام كل الليل دائماً، وتخصيص ليلة الجمعة بقيام (١)، وترك تهجد اعتاده بلا عذر، لقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو: «ياعبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل ثم تركه» (٢).
النوافل عند الحنابلة:
يتشابه المذهب الحنبلي مع الشافعي في النوافل إلى حد كبير، فقالوا (٣):
التطوعات قسمان:
أحدهما: ما تسن له الجماعة، وهو صلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح.
والثاني: ما يفعل على الانفراد، وهي قسمان: سنة معينة، ونافلة مطلقة.
فأما السّنّة المعيّنة فتتنوّع أنواعاً: النوع الأول - السنن الرواتب مع الفرائض أي المؤكدة: وهي ركعة الوتر: يتأكد فعلها، ويكره تركها، ولا تقبل شهادة من داوم عليه ثم تركه، لسقوط عدالته، قال أحمد: من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل شهادته.
وعشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب،
стр. 1042
وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر. ويخير في السفر بين فعلها وبين تركها؛ لأن السفر مظنة المشقة، ولذلك جاز في القصر، إلا سنة الفجر وسنة الوتر، فيفعلان فيه، لتأكدهما.
وفعل الرواتب في البيت أفضل، بل السنن كلها سوى ما تشرع له الجماعة، لحديث ابن عمر: «حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح، كانت ساعة لا يُدخل فيها على النبي ﷺ حدثتني حفصة:
أنه كان إذا أذن المؤذن، وطلع الفجر، صلى ركعتين» (١) ولمسلم «بعد الجمعة سجدتين» ولم يذكر ركعتين قبل الصبح».
ويسن تخفيف ركعتي الفجر، لحديث عائشة: «كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إني لأقول: هل قرأ بأم الكتاب؟» (٢).
ويسن الاضطجاع بعدهما على جنبه اليمين قبل الفرض، لقول عائشة: «كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر، اضطجع» وفي رواية: «فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع» (٣) قالوا: واتباع النبي ﷺ في قوله وفعله أولى من اتباع من خالفه كائناً من كان.
ويسن أن يقرأ في ركعتي الفجر والمغرب (الكافرون) و (الإخلاص) لما روى أبو هريرة وغيره في الفجر، وابن مسعود في المغرب (٤)، أو يقرأ في ركعتي
стр. 1043
الفجر: في الأولى ﴿قولوا آمنا بالله … ﴾ من البقرة:١٣٦، وفي الثانية: ﴿قل: يا أهل الكتاب تعالوا … ﴾ من آل عمران: ٦٤، للخبر المتقدم.
ويجوز فعل ركعتي الفجر والوتر وغيرها راكباً، لحديث مسلم عن ابن عمر في الفجر، وللبخاري «إلا الفرائض».
وآكد هذه الركعات: ركعتا الفجر، لحديث عائشة السابق: «أن رسول الله ﷺ لم يكن على شيء أشد معاهدة منه على ركعتي الفجر» (١).
ووقت السنن الرواتب القبلية: وقت الفرض قبله، والبعدية بعده، ولا يقضى منها شيء إلا ركعتا الفجر، اختار أحمد أن يقضيهما من الضحى، أي كما قال الحنفية والمالكية، وقال: إن صلاهما بعد الفجر أجزأ. ويجوز قضاء السنن الراتبة بعد العصر، في حديث أم سلمة، وقضى الركعتين اللتين قبل العصر بعدها في حديث عائشة، والاقتداء بما فعله النبي ﷺ متعين؛ ولأن النهي بعد العصر خفيف.
وقال في كشاف القناع: تقضى جميع السنن، إذ يقاس الباقي على سنة الفجر والعصر، قال ابن حامد: تقضى جميع السنن الرواتب في جميع الأوقات إلا أوقات النهي؛ لأن النبي ﷺ قضى بعضها، وقسنا الباقي عليه، أي كما قال الشافعية.
النوع الثاني - السنن غير الرواتب، وهي تطوعات مع الرواتب أي غير مؤكدة: وهي عشرون: أربع قبل الظهر وأربع بعدها، وأربع قبل صلاة العصر،
стр. 1044
وأربع بعد صلاة المغرب، وأربع بعد صلاة العشاء. ويباح أن يصلي ركعتين قبل المغرب.
وأدلة ذلك: في الظهر: حديث أم حبيبة «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها، حرمه الله على النار» (١). وفي العصر: «رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعاً» (٢)، وعن علي في صفة صلاة رسول الله ﷺ : «وأربعاً قبل الظهر إذا زالت الشمس، وركعتين بعدها، وأربعاً بعدها، وأربعاً قبل العصر بين كل ركعتين بالسلام على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المسلمين» (٣).
وفي المغرب: «من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم بينهن بسوء عدلن له بعبادة اثنتي عشرة سنة» (٤).
وفي العشاء: سأل شريح بن هانئ عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ما صلى رسول الله ﷺ العشاء قط، إلا صلى أربع ركعات، أو ست ركعات (٥).
وأما سنة قبل المغرب: فلحديث أنس: «كنا نصلي على عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فسئل أنس: أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا ولم ينهنا» (٦).
стр. 1045
وقال في كشاف القناع (١): ولا سنة راتبة للجمعة قبلها، وأقل السنة الراتبة بعدها: ركعتان، لما في رواية متفق عليها عن ابن عمر: «وركعتين بعد الجمعة في بيته»، وأكثرها ست. وفعل سنة الجمعة في المسجد مكانه أفضل.
أما صلاة ركعتين بعد الوتر: فظاهر كلام أحمد: أنه لا يستحب فعلهما، وإن فعلهما إنسان جاز. والصحيح أنهما ليستا بسنة؛ لأن أكثر من وصف تهجد النبي ﷺ لم يذكرهما، منهم ابن عباس وزيد بن خالد وعائشة.
ويسن أن يفصل بين كل فرض وسنة بقيام أو كلام، لقول معاوية: «إن النبي ﷺ أمرنا بذلك ألا نوصل صلاة، حتى نتكلم أو نحرج» (٢).
النوع الثالث - صلوات معينة مستقلة:
١ - صلاة التراويح أو قيام شهر رمضان: عشرون ركعة، وهي سنة مؤكدة، وأول من سنها رسول الله ﷺ ، قال أبو هريرة: «كان رسول الله ﷺ يرغِّب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه» (٣)، وقالت عائشة: «صلى النبي ﷺ في المسجد ذات ليلة، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفترض عليكم - قال: وذلك في رمضان» (٤).
стр. 1046
ودليل كونها عشرين: ما روى مالك عن يزيد بن رومان قال: «كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين ركعة» والسر فيه: أن الراتبة عشر، فضوعفت في رمضان؛ لأنه وقت جدّ، وهذا مظنة الشهرة بحضرة الصحابة، فكان إجماعاً. وروى أبو بكر عبد العزيز في كتابه الشافي عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة»، وأن عمر لما جمع الناس على أبي بن كعب كان يصلي لهم عشرين ركعة. وعن علي «أنه أمر رجلاً يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة» وهذا كالإجماع.
وثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان، ويوتر بثلاث.
ويجهر فيها الإمام بالقراءة لفعل الخلف عن السلف. وفعلها جماعة أفضل من فعلها فرادى، لحديث أبي ذر: «أن النبي ﷺ جمع أهله وأصحابه، وقال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة» (١)، وقد جاء عن عمر أنه كان يصلي في الجماعة. وروى البيهقي عن علي: أنه كان يجعل للرجال إماماً وللنساء إماماً. وكان علي وجابر وعبد الله يصلونها جماعة. وقد أجمع الصحابة على ذلك.
هذا … وللعلماء في عدد التراويح ثلاثة أقوال: قول كثير من العلماء إنها عشرون وهو السنة، لعمل المهاجرين والأنصار، وقوله آخرين: إنها ست وثلاثون غير الشفع والوتر وهو ماكان في زمن عمر بن عبد العزيز، وعمل أهل المدينة القديم (٢)، وقالت طائفة: قد ثبت في الصحيح عن عائشة: «أن النبي ﷺ لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة» قال ابن تيمية: والصواب أن ذلك جميعه حسن، كما نص على ذلك الإمام أحمد ﵀، وأنه
стр. 1047
لا يتوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبي ﷺ لم يوقت فيها عدداً، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها، بحسب طول القيام وقصره (١)، وقال الشوكاني: دلت الأحاديث على مشروعية القيام في رمضان والصلاة فيه جماعة وفرادى، فقصر الصلاة المسماة بالتراويح على عدد معين، وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرد به سنة (٢).
القراءة في التراويح:
قال أحمد ﵀: يقرأ الإمام بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس، ولا يشق عليهم، ولا سيما في الليالي القصار، والأمر على ما يحتمله الناس. وقال القاضي أبو يعلى: لا يستحب النقصان عن ختمة في الشهر، ليسمع الناس جميع القرآن، ولا يزيد على ختمة كراهية المشقة على من خلفه.
وعقب صاحب المغني على ذلك: والتقدير بحال الناس أولى، فإنه لو اتفق جماعة يرضون بالتطويل ويختارونه كان أفضل، كما روى أبو ذر قال: «قمنا مع النبي ﷺ حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح - يعني السحور».
ويستحب أن يبتدئ التراويح بسورة العلق ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق:١/ ٩٦]؛ لأنها أول ما نزل من القرآن، فإذا سجد للتلاوة في آخرها قام فقرأ من البقرة.
نية التراويح:
وينوي في كل ركعتين، فيقول سراً ندباً، أصلي ركعتين من التراويح المسنونة، أو من قيام رمضان، لحديث «إنما الأعمال بالنيات»، ويستريح بعد كل أربع بجلسة يسيرة.
стр. 1048
ولا بأس بترك الجلسة بعد كل أربع، ولا يدعو إذا استراح، لعدم وروده، ولا يكره الدعاء بعد التراويح لعموم قوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب﴾ [الانشراح:٧/ ٩٤].
وقت التراويح:
ووقتها بعد صلاة العشاء وبعد سنتها قبل الوتر إلى طلوع الفجر الثاني، فلا تصح قبل صلاة العشاء، فمن صلى العشاء ثم التراويح، ثم ذكر أنه صلى العشاء محدثاً، أعاد التراويح؛ لأنها سنة تفعل بعد مكتوبة، فلم تصح قبلها، كسنة العشاء. وإن طلع الفجر، فات وقتها، ولا تقضى. وإن صلى التراويح بعد العشاء، وقبل سنتها، صح جزماً، ولكن الأفضل فعلها بعد السنة، على المنصوص.
فعلها في المسجد:
وفعلها في المسجد أفضل؛ لأن النبي ﷺ «صلاها مرة ثلاث ليال متوالية» كما روته عائشة، ومرة «ثلاث ليال متفرقة» كما رواه أبو ذر، وقال ﵇: «من قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة» (١)، وكان أصحابه يفعلونها في المسجد أوزاعاً في جماعات متفرقة في عهده، وجمع عمر الناس على أبي، وتابعه الصحابة على ذلك ومن بعدهم.
وفعلها أول الليل أفضل؛ لأن الناس كانوا يقومون على عهد عمر أوله.
الوتر بعد التراويح:
ويوتر بعدها في الجماعة بثلاث ركعات، لما تقدم عن مالك عن يزيد بن رومان.
стр. 1049
فإن كان له تهجد جعل الوتر بعده استحباباً لقوله ﷺ : «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» (١). وإن لم يكن له تهجد صلى الوتر مع الإمام لينال فضيلة الجماعة. فإن أحب من له تهجد متابعة الإمام في وتره، قام إذا سلم الإمام، فشفعها أي ركعة الوتر بأخرى، ثم إذا تهجد أوتر، فينال فضيلة متابعة الإمام حتى ينصرف، وفضيلة جعل وتره آخر صلاته.
ومن أوترفي جماعة أو منفرداً، ثم أراد الصلاة تطوعاً بعد الوتر، لم ينقض وتره أي لم يشفعه بركعة، كما قال الشافعية، لقول عائشة - وقد سئلت عن الذي ينقض وتره - «ذاك الذي يلعب بوتره» (٢)، وصلى شفعاً ما شاء إلى طلوع الفجر الثاني؛ لأنه قد صح عن النبي ﷺ «أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين»، ولم يوتر اكتفاء بالوتر الذي قبل تهجده، لقوله ﷺ : «لا وتران في ليلة» (٣).
التطوع بين التراويح وبعدها:
ويكره التطوع بين التراويح، ولا يكره طواف بينها، ولا طواف بعدها، وكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعاً، ويصلون ركعتي الطواف. ولا يكره تعقيب التطوع بعد التراويح وبعد الوتر في جماعة، سواء طال الفصل أو قصر.
٢ - صلاة الضحى: وهي مستحبة أي غير مؤكدة، لما روى أبو هريرة قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد» (٤).
стр. 1050
وأكثرها ثمان ركعات، لما روت أم هانئ: «أن النبي ﷺ دخل بيتها، يوم فتح مكة، وصلى ثماني ركعات، فلم أر صلاة قط أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود» (١).
ووقتها: إذا علت الشمس واشتد حرها، لقول النبي ﷺ : «صلاة الأوابين حتى ترمَض الفصال» (٢).
وقال بعض الحنابلة: لا تستحب المداومة عليها؛ لأن النبي ﷺ لم يداوم عليها، قالت عائشة: «ما رأيت النبي ﷺ يصلي الضحى قط» (٣)، ولأن في المداومة عليها تشبيهاً بالفرائض.
وقال بعض آخر (أبو الخطاب): تستحب المداومة عليها؛ لأن النبي ﷺ أوصى بها أصحابه، وقال: «من حافظ على شفعة الضحى غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر» (٤)، ولأن أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه.
٣ - صلاة التسبيح: ليست مستحبة عند الإمام أحمد إذ لم يثبت له الحديث المروي فيها (٥)، وإن فعلها إنسان فلا بأس بها، فإن النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث فيها.
٤ - صلاة الاستخارة: سنة لحديث جابر السابق عند البخاري.
стр. 1051
٥ - صلاة الحاجة: سنة لحديث عبد الله بن أبي أوفى السابق عند الترمذي، وقال حديث غريب.
٦ - صلاة التوبة: سنة لحديث علي السابق عند أبي داود والترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
٧ - تحية المسجد: سنة لحديث أبي قتادة المتقدم، المتفق عليه.
٨ - صلاة الزوال: مستحبة لحديث علي المتقدم في مذهب الشافعية.
النَّفْلُ المُطلَق: تشرع النوافل المطلقة في الليل كله، وفي النهار، فيما سوى أوقات النهي، وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار، قال أحمد: ليس بعد المكتوبة عندي أفضل من قيام الليل. وقد أمر النبي ﷺ بذلك، قال تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ [الإسراء:٧٩/ ١٧]، وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (١).
وأفضل التهجد جوف الليل الآخر، لما روى عمدو بن عبسة قال: «قلت: يا
стр. 1052
رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، فصل ما شئت» (١).
والتطوع في البيت أفضل، لحديث «عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» (٢).
ويستحب أن يتسوك قبل التهجد، لما روى حذيفة قال: «كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك» (٣).
ويستحب أن يفتح تهجده بركعتين خفيفتين، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» (٤).
عدد التهجد:
واختلف في عدد ركعات تهجد النبي ﷺ ، ففي حديث زيد بن خالد وابن عباس: إنه ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر ثلاثاً (٥)، وفي حديث عائشة: إنه إحدى عشرة ركعة، منها الوتر ثلاثاً (٦). قال ابن قدامة الحنبلي: يحتمل أنه صلى في ليلة ثلاث عشرة، وفي ليلة إحدى عشرة.
قراءة المتهجد:
يستحب أن يقرأ المتهجد جزءاً من القرآن في تهجده، فإن النبي ﷺ كان يفعله. وهو مخير بين الجهر بالقراءة والإسرار بها، إلا أنه إن كان الجهر أنشط له
стр. 1053
في القراءة، أو كان بحضرته من يستمع قراءته، أو ينتفع بها، فالجهر أفضل. وإن كان قريباً منه من يتهجد أو من يستضر برفع صوته، فالإسرار أولى. وإن لم يكن لا هذا ولا هذا، فليفعل ما شاء (١).
قضاء التهجد:
ومن كان له تهجد ففاته، استحب له قضاؤه بين صلاة الفجر والظهر (٢).
التنفل بين المغرب والعشاء:
يستحب التنفل بين المغرب والعشاء، لما روي عن أنس بن مالك في هذه الآية: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ الآية [السجدة:١٦/ ٣٢]، قال: «كانوا يتنفلون ما بين المغرب والعشاء يصلون» (٣).
التطوع مثنى مثنى:
وصلاة التطوع في الليل مثنى مثنى كالشافعية، لقول النبي ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى» (٤). وإن تطوع بأربع في النهار فلا بأس. والأفضل في تطوع النهار: أن يكون مثنى مثنى، كصلاة الليل.
التطوع جالسا ً:
لا خلاف في إباحة التطوع جالساً، وإنه في القيام أفضل، قال النبي ﷺ :
стр. 1054
«من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم» (١)، وفي لفظ مسلم: «صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة».
ويستحب للمتطوع جالساً: أن يكون في حال القيام متربعاً، كما قال المالكية؛ لأن القيام يخالف القعود، فينبغي أن تخالف هيئته في بدله هيئة غيره، كمخالفة القيام غيره، وهو مع هذا أبعد من السهو والاشتباه.
الدعاء عند اليقظة من النوم:
يستحب أن يقول الشخص عند انتباهه: «ما رواه عبادة عن النبي ﷺ أنه قال: من تعارَّ (٢) من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب له، فإن توضأ وصلى، قبلت صلاته» (٣).
وعن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يتهجد، قال: اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك
стр. 1055
حاكمت، فاغفر لي ما قدمت
وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» (١).
قراءة القرآن وحفظه (٢):
القرآن أفضل الذكر:
القرآن أفضل من سائر الذكر لقوله ﷺ : «يقول الرب : من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أُعطي السائلين، وفضلُ كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه» (٣). لكن الاشتغال بالمأثور من الذكر في محله كأدبار الصلوات أفضل من الاشتغال بتلاوة القرآن في ذلك المحل. والقرآن أفضل الكتب والصحف السماوية، وبعض القرآن أفضل من بعض، إما باعتبار الثواب، أو باعتبار متعلقه، كما يدل عليه ما ورد في (قل هو الله أحد والفاتحة وآية الكرسي).
حفظ القرآن:
ويستحب حفظ القرآن إجماعاً، وحفظه فرض كفاية إجماعاً، ويجب أن يحفظ منه ما يجب في الصلاة أي الفاتحة على المشهور، أو الفاتحة وسورة. ويبدأ ولي الصبي بتعليمه إياه قبل البلوغ، فيقرؤه كله إلا أن يعسر عليه حفظ كله، فيقرأ ماتيسر منه. ويقدم المكلف العلم بأحكام الشريعة بعد القراءة الواجبة.