٥ - صلاة الحاجة: سنة لحديث عبد الله بن أبي أوفى السابق عند الترمذي، وقال حديث غريب.
٦ - صلاة التوبة: سنة لحديث علي السابق عند أبي داود والترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
٧ - تحية المسجد: سنة لحديث أبي قتادة المتقدم، المتفق عليه.
٨ - صلاة الزوال: مستحبة لحديث علي المتقدم في مذهب الشافعية.
النَّفْلُ المُطلَق: تشرع النوافل المطلقة في الليل كله، وفي النهار، فيما سوى أوقات النهي، وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار، قال أحمد: ليس بعد المكتوبة عندي أفضل من قيام الليل. وقد أمر النبي ﷺ بذلك، قال تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ [الإسراء:٧٩/ ١٧]، وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (١).
وأفضل التهجد جوف الليل الآخر، لما روى عمدو بن عبسة قال: «قلت: يا
стр. 1052
رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، فصل ما شئت» (١).
والتطوع في البيت أفضل، لحديث «عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» (٢).
ويستحب أن يتسوك قبل التهجد، لما روى حذيفة قال: «كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك» (٣).
ويستحب أن يفتح تهجده بركعتين خفيفتين، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» (٤).
عدد التهجد:
واختلف في عدد ركعات تهجد النبي ﷺ ، ففي حديث زيد بن خالد وابن عباس: إنه ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر ثلاثاً (٥)، وفي حديث عائشة: إنه إحدى عشرة ركعة، منها الوتر ثلاثاً (٦). قال ابن قدامة الحنبلي: يحتمل أنه صلى في ليلة ثلاث عشرة، وفي ليلة إحدى عشرة.
قراءة المتهجد:
يستحب أن يقرأ المتهجد جزءاً من القرآن في تهجده، فإن النبي ﷺ كان يفعله. وهو مخير بين الجهر بالقراءة والإسرار بها، إلا أنه إن كان الجهر أنشط له
стр. 1053
في القراءة، أو كان بحضرته من يستمع قراءته، أو ينتفع بها، فالجهر أفضل. وإن كان قريباً منه من يتهجد أو من يستضر برفع صوته، فالإسرار أولى. وإن لم يكن لا هذا ولا هذا، فليفعل ما شاء (١).
قضاء التهجد:
ومن كان له تهجد ففاته، استحب له قضاؤه بين صلاة الفجر والظهر (٢).
التنفل بين المغرب والعشاء:
يستحب التنفل بين المغرب والعشاء، لما روي عن أنس بن مالك في هذه الآية: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ الآية [السجدة:١٦/ ٣٢]، قال: «كانوا يتنفلون ما بين المغرب والعشاء يصلون» (٣).
التطوع مثنى مثنى:
وصلاة التطوع في الليل مثنى مثنى كالشافعية، لقول النبي ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى» (٤). وإن تطوع بأربع في النهار فلا بأس. والأفضل في تطوع النهار: أن يكون مثنى مثنى، كصلاة الليل.
التطوع جالسا ً:
لا خلاف في إباحة التطوع جالساً، وإنه في القيام أفضل، قال النبي ﷺ :
стр. 1054
«من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم» (١)، وفي لفظ مسلم: «صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة».
ويستحب للمتطوع جالساً: أن يكون في حال القيام متربعاً، كما قال المالكية؛ لأن القيام يخالف القعود، فينبغي أن تخالف هيئته في بدله هيئة غيره، كمخالفة القيام غيره، وهو مع هذا أبعد من السهو والاشتباه.
الدعاء عند اليقظة من النوم:
يستحب أن يقول الشخص عند انتباهه: «ما رواه عبادة عن النبي ﷺ أنه قال: من تعارَّ (٢) من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب له، فإن توضأ وصلى، قبلت صلاته» (٣).
وعن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يتهجد، قال: اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك
стр. 1055
حاكمت، فاغفر لي ما قدمت
وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» (١).
قراءة القرآن وحفظه (٢):
القرآن أفضل الذكر:
القرآن أفضل من سائر الذكر لقوله ﷺ : «يقول الرب : من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أُعطي السائلين، وفضلُ كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه» (٣). لكن الاشتغال بالمأثور من الذكر في محله كأدبار الصلوات أفضل من الاشتغال بتلاوة القرآن في ذلك المحل. والقرآن أفضل الكتب والصحف السماوية، وبعض القرآن أفضل من بعض، إما باعتبار الثواب، أو باعتبار متعلقه، كما يدل عليه ما ورد في (قل هو الله أحد والفاتحة وآية الكرسي).
حفظ القرآن:
ويستحب حفظ القرآن إجماعاً، وحفظه فرض كفاية إجماعاً، ويجب أن يحفظ منه ما يجب في الصلاة أي الفاتحة على المشهور، أو الفاتحة وسورة. ويبدأ ولي الصبي بتعليمه إياه قبل البلوغ، فيقرؤه كله إلا أن يعسر عليه حفظ كله، فيقرأ ماتيسر منه. ويقدم المكلف العلم بأحكام الشريعة بعد القراءة الواجبة.
стр. 1056
الاستماع للقرآن:
يجب الاستماع للقراءة مطلقاً؛ لأن العبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب، لكن الاستماع للقرآن فرض كفاية؛ لأنه لإقامة حقه، بأن يكون ملتفتاً إليه غير مضيع، وذلك يحصل بإنصات البعض، كما في رد السلام (١).
القراءة في الطريق:
ولا بأس بقراءة القرآن وهو ماش في الطريق، والإنسان مضطجع أو جالس أو راكب، بدليل ما ثبت عن جماعة من السلف قراءة الكهف وغيرها في الطريق، وعن عائشة قالت: «إني لأقرأ القرآن وأنا مضطجعة على سريري» رواه الفرياني، وروى الشيخان عن عائشة أيضاً: «كان النبي ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن».
ويستحب أن يقرأ القرآن في كل سبعة أيام ليكون له ختمة في كل أسبوع، روى أبو داود أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في سبع، ولا تزيدن على ذلك».
ختم القرآن:
ويكره أن يؤخر ختمة القرآن أكثر من أربعين يوماً؛ لأن النبي ﷺ «سأله عبد الله بن عمر: في كم تختم القرآن؟ قال: في أربعين يوماً، ثم قال: في شهر، ثم قال: في عشرين، ثم قال: في عشر، ثم قال: في سبع، لم ينزل علي من سبع» (٢).
стр. 1057
وإن قرأه في ثلاث فحسن، لما روي عن عبد الله بن عمرو قال: «قلت لرسول الله ﷺ : إن بي قوة؟ قال: «اقرأه في ثلاث» (١) ويكره أن يقرأه في أقل من ثلاث، لما رواه عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث» (٢).
ترتيله وتلحينه:
والترتيل أفضل من قراءة الكثير مع العجلة، وتفهم القرآن وتدبره بالقلب أفضل من إدراجه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ورتل القرآن ترتيلاً﴾ [المزمل:٤/ ٧٣]، ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته﴾ [ص:٢٩/ ٣٨] ويستحب تحسين القراءة وترتيلها وإعرابها، ويمكّن حروف المد واللين من غير تكلف، للأمر السابق بترتيله. قال الإمام أحمد: يُحسِّن القارئ صوته بالقرآن، ويقرؤه بحزن وتدبر، فقد ثبت أن تحسين الصوت بالقرآن وتطريبه مستحب غير مكروه إذالم يفض إلى زيادة حرف فيه أو تغيير لفظه، لقول أبي موسى الأشعري للنبي ﷺ : «لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبَّرته لك تحبيراً» (٣) وقال عبد الله بن المغفل: «سمعت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة يقرأ سورة الفتح، قال: فقرأ ابن المغفل ورجَّع في قراءته» (٤) فلا يكره الترجيع وتحسين القراءة، بل ذلك مستحب لحديث أبي هريرة: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به» (٥) وقال ﵇: «زينوا القرآن بأصواتكم» (٦) «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (٧).
стр. 1058
ويكره قراءة القرآن بالألحان، وهي بدعة، أي إذا جعل الحركات حروفاً، ومدَّ في غير موضع المد؛ لأن القرآن معجز في لفظه ونظمه، والألحان تغيره، فإن حصل مع الألحان تغير نظم القرآن، وجَعْل الحركات حروفاً، حرم.
آداب التلاوة:
يستحب التعوذ قبل القراءة؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل:٩٨/ ١٦]، ويستحب حمد الله تعالى عند الفراغ من القراءة على توفيقه ونعمه.
ومن آداب القراءة: البكاء، فإن لم يبك فليتباك، وأن يسأل الله عند آية الرحمة، ويتعوذ عند آية العذاب. ولا يقطع القراءة لحديث الناس إلا لحاجة. وأن تكون قراءته على العدول الصالحين العارفين بمعناها، وأن يتطهر ويستقبل القبلة إذا قرأ قاعداً، ويتحرى أن يعرضه كل عام من هو أقرأ منه، ويفصل كل سورة مما قبلها بالوقف أو التسمية، ويترك المباهاة، وأن يطلب به الدنيا بل ما عند الله تعالى، وينبغي أن يكون ذا سكينة ووقار وقناعة بما قسم الله له، وألا يجهر بين مصلين أو نيام، أو تالين جهراً يؤذيهم.
وقراءة القرآن أول النهار بعد الفجر أفضل من قراءته آخره، لقوله تعالى: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ [الإسراء:٧٨/ ١٧]، ويجوز تنوع الكلمة بقراءات السبع.
ولا تكره القراءة مع حدث أصغر (نقض الوضوء) وبنجاسة بدن وثوب، وحال مس الزوجة والذكر.
وتكره القراءة في المواضع القذرة تعظيماً للقرآن، وتكره استدامتها حال
стр. 1059
خروج الريح، وإنما يمسك حتى تنقضي، ويكره جهره بالقراءة مع الجنازة لأنه إخراج لها مخرج النياحة، ولا تمنع نجاسة الفم القراءة. وكره ابن عقيل القراءة في الأسواق يصيح أهلها فيها بالنداء والبيع.
وتستحب القراءة في المصحف، ويستحب الاستماع لها؛ لأنه يشارك القارئ في أجره، ويكره الحديث عند القراءة بما لا فائدة فيه، لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف:٧/ ٢٠٤]، ولأنه إعراض عن الاستماع الذي يترتب عليه الأجر بما لا طائل تحته.
ويدعو عقب ختم القرآن لفعل أنس: «كان أنس إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا» (١)، ويستحب إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى، لحديث أنس: «خير الأعمال: الحل والرحلة، قيل: وما هما؟ قال: افتتاح القرآن وختمه». ويسن أن يكبر فقط، فلا يستحب التهليل والتحميد لختمه آخر كل سورة من آخر الضحى إلى آخره، لأنه روي عن أبي بن كعب أنه قرأ على النبي ﷺ فأمره بذلك (٢)، ويكرر سورة الصمد، ولا يقرأ الفاتحة وخمس آيات من أول البقرة عقب الختم؛ لأنه لم يثبت فيه أثر.
ويستحب الإكثار من التلاوة في الأماكن الفاضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، اغتناماً للزمان والمكان.
ويجوز تفسير القرآن بمقتضى اللغة العربية؛ لأنه عربي، ولقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزّل إليهم﴾ [النحل:١٦/ ٤٤]، وندد الله بالأعراب فقال: ﴿وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ [التوبة:٩/ ٩٧] أي الأحكام.
стр. 1060
تفسير القرآن:
ولا يجوز تفسير القرآن بالرأي، من غير لغة ولا نقل، فمن قال في القرآن أي فسره برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده (١) من النار، وأخطأ ولو أصاب، لقول ابن عباس مرفوعاً: «من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار» (٢)، وعن جندب مرفوعاً: «من قال في القرآن برأيه، فأصاب فقد أخطأ» (٣)، ويلزم الرجوع إلى تفسير الصحابي؛ لأن الصحابة شاهدوا التنزيل، وحضروا التأويل، فهو أمارة ظاهرة، ولا يلزم الرجوع إلى تفسير التابعي؛ لأن قوله ليس بحجة على المشهور.
ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام، مثل أن يرى رجلاً جاء في وقته، فيقول: ﴿ثم جئت على قدر يا موسى﴾ [طه:٤٠/ ٢٠].
وذكر المالكية (٤): أنه يكره الاجتماع على قراءة سورة مثل سورة «يس» كما يكره بالاتفاق الجهر بالقراءة في المسجد لما فيه من التشويش على الآخرين، ولمظنة الرياء.
стр. 1061
الفَصْلُ التَّاسِع: أَنواعٌ خاصَّة من السّجود وقضاء الفوائت وفيه مبحثان:
المبحث الأول - أنواع خاصة من السجود (سجود السهو، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر):
هنا سجدات ثلاث ليست من صلب الصلاة هي: سجود السهو والتلاوة والشكر.
المطلب الأول - سجود السهو: حكمه، أسبابه، محله وصفته: السهو في الشيء: تركه من غير علم، والسهو عن الشيء: تركه مع العلم به.
والفرق بين الناسي والساهي: أن الناسي إذا ذكرته تذكر، بخلاف الساهي.
أولاً - حكم سجود السهو: لا مرية في مشروعية سجود السهو، قال الإمام أحمد: نحفظ عن النبي ﷺ خمسة أشياء: سلم من اثنتين فسجد، سلم من ثلاث فسجد، وفي الزيادة،
стр. 1062
والنقصان، وقام من اثنتين ولم يتشهد. وقال الخطابي: المعتمد عليه عند أهل العلم: هذه الأحاديث الخمسة: يعني أحاديث ابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن بُحينة، وعمران بن حصين.
أما حديث أبي سعيد الخدري فهو كما قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثاً، أم أربعاً، فلْيطْرح الشك، وليَبْن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، فإن كان صلى خمساً شفَعْن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان» (١).
وشرع سجود السهو جبراً لنقص الصلاة، تفادياً عن إعادتها، بسبب ترك أمر غير أساسي فيها أو زيادة شيء فيها.
ولا يشرع سجود السهو في حالة العمد، لما رواه الطبراني عن عائشة: «من سها قبل التمام، فليسجد سجدتي السهو قبل أن يسلم»، فعلق السجود على السهو؛ ولأنه يشرع جبراناً للنقص أو الزيادة، والعامد لا يعذر، فلا ينجبر خلل صلاته بسجوده، بخلاف الساهي.
وسجود السهو واجب على الصحيح عند الحنفية، سنة في الجملة في المذاهب الأخرى (٢). قال الحنفية: يجب سجود السهو على الصحيح، يأثم المصلي بتركه، ولا تبطل صلاته؛ لأنه ضمان فائت، وهو لا يكون إلا واجباً، وهو يرفع الواجب من قراءة التشهد والسلام، ولا يرفع القعدة لأنها ركن.
стр. 1063
وإنما يجب على الإمام والمنفرد، أما المأموم (المقتدي) إذا سها في صلاته، فلا يجب عليه سجود السهو (١)، فإن حصل السهو من إمامه، وجب عليه أن يتابعه، وإن كان مدركاً أو مسبوقاً في حالة الاقتداء (٢)، وإن لم يسجد الإمام سقط عن المأموم؛ لأن متابعته لازمة، لكن المسبوق يتابع في السجود دون السلام.
ووجوب سجود السهو إذا كان الوقت (أو الحالة) صالحاً للصلاة، فلو طلعت الشمس بعد السلام في صلاة الفجر، أو احمرت الشمس في صلاة العصر، سقط عنه السهو؛ لأن السهو جبر للنقص المتمكن كالقضاء، ولا يقضى الناقص. وإذا فعل فعلاً يمنعه من البناء على صلاته: بأن تكلم أو قهقه، أو أحدث متعمداً أو خرج عن المسجد أو صرف وجهه عن القبلة وهو ذاكر له، سقط عنه السهو ضرورة، لأنه فات محله وهو تحريمة الصلاة.
والأولى ترك سجود السهو في الجمعة والعيدين إذا حضر فيهما جمع كبير، لئلا يشتبه الأمر على المصلين. وإذا سها في سجود السهو فلا سجود عليه.
ودليل وجوب سجود السهو: حديث ابن مسعود: «وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين» (٣). وحديث ثوبان: «لكل سهو سجدتان بعدما يسلم» (٤)، فيجب تحصيلهما تصديقاً للنبي ﷺ في خبره، ولمواظبة النبي ﷺ وصحابته عليه، والمواظبة دليل الوجوب،
стр. 1064
ولأنه شرع جبراً لنقصان العبادة، فكان واجباً كدماء الجبر في الحج، تحقيقاً لكمال أداء العبادة.
وقال المالكية: سجود السهو سنة مؤكدة للإمام والمنفرد. أما المأموم حال القدوة فلا سجود عليه بزيادة أو نقص لسنة مؤكدة أو سنتين خفيفتين؛ لأن الإمام يتحمله عنه. فلو سها فيما يقضيه بعد سلام الإمام، سجد لنفسه.
وأما المسبوق الذي أدرك ركعة مع إمامه، فيسجد مع إمامه السجود القَبْلي المترتب على الإمام، قبل قضاء ما عليه، إن سجد الإمام، وإن لم يسجد الإمام، وتركه، سجد المأموم لنفسه، قبل قضاء ما عليه، وأخَّر السجود البَعْدي الذي ترتب على إمامه، ويسجده بعد سلامه، فإن قدمه بطلت صلاته.
وقال الشافعية: سجود السهو سنة للإمام والمنفرد، أما المأموم فلا يسجد لسهو نفسه خلف إمامه المتطهر، ويتحمل الإمام عنه سهوه في حال قدوته، كما يتحمل عنه القنوت وغيره، أما المحدث فلا يتحمل عنه، ولا يلحقه سهوه، إذ لا قدوة في الحقيقة.
ويجب سجود السهو في حالة واحدة: وهي حالة متابعة المقتدي لإمامه ولو كان مسبوقاً، فإن سجد لسهو وجب أن يسجد تبعاً لإمامه؛ لأن المتابعة لازمة، فإن لم يسجد بطلت صلاته، ووجب عليه إعادتها إن لم يكن قد نوى المفارقة، إلا إن علم المأموم خطأ إمامه في السجود للسهو، فلا يتابعه. ولو اقتدى مسبوق بمن سها بعد اقتدائه أو قبله في الأصح، فالصحيح أنه يسجد معه، ويستحب أن يسجد أيضاً في آخر صلاته، لأنه محل السهو الذي لحقه.
وإذا ترك الإمام سجود السهو، لم يجب على المأموم أن يسجد، بل يندب.
стр. 1065
ولو سها إمام الجمعة وسجدوا، فبان فوتها، أتموا ظهراً وسجدوا ثانياً آخر الصلاة؛ لأنه تبين أن السجود الأول ليس في آخر الصلاة.
ولو ظن المصلي أو اعتقد سهواً، فسجد، فبان عدم السهو، سجد في الأصح، لأنه زاد سجدتين سهواً. وضابط هذا: أن السهو في سجود السهو لايقتضي السجود، والسهو به يقتضيه.
وقال الحنابلة: سجود السهو واجب، وقد يكون مندوباً، وقد يصبح مباحاً. ويجب سجود السهو لما يأتي:
أـ لكل ما يبطل عمده في الصلاة بالزيادة أو النقص كترك ركن فعلي، لأن النبي ﷺ أمر به في حديث أبي سعيد وابن مسعود، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
ب - لترك كل واجب سهواً كترك التسبيح في الركوع أو السجود.
جـ - للشك في الصلاة في بعض صوره كالشك في ترك ركن أو في عدد الركعات.
د - لمن لحن لحناً يغير المعنى، سهواً أو جهلاً.
ويندب سجود السهو: إن أتى بقول مشروع في غير موضعه غير سلام سهواً أوعمداً كالقراءة أو القعود، وكالتشهد في القيام، وكقراءة سورة في الركعتين الأخريين.
ويباح سجود السهو لترك سنة من سنن الصلاة.
هذا التفصيل بالنسبة للإمام والمنفرد، أما المأموم فيجب عليه متابعة إمامه في السجود ولو كان مباحاً، فإن لم يتابعه بطلت صلاته. وعلى المسبوق أيضاً متابعة
стр. 1066
إمامه في السجود، وإن كان سبب السجود قبل أن يدركه، وإن سجد المسبوق إحدى سجدتي السهو مع إمامه، يأتي بالسجدة الثانية من سجدتي السهو إذا سلم إمامه، ليوالي بين السجدتين.
ثانياً - أسباب سجود السهو:
اختلف الفقهاء في تعداد أسباب سجود السهو، يحسن بيانها في كل مذهب.
مذهب الحنفية:
يسجد للسهو بترك شيء عمداً أو سهواً، أو زيادة شيء سهواً، أو تغيير محله سهواً، وذلك في الأحوال التالية:
١ - لا يسجد للسهو في العمد إلا في ثلاث: ترك القعود الأول أو تأخيره سجدة من الركعة الأولى إلى آخر الصلاة، أو تفكره عمداً حتى شغله عن مقدار ركن.
٢ - يسجد للسهو بترك واجب من واجبات الصلاة سهواً إما بتقديم أو تأخير أو زيادة أو نقص، وهي أحد عشر واجباً، منها ستة واجبات أصلية، وهي مايلي:
الأول - ترك قراءة الفاتحة أو أكثرها في الركعتين الأوليين من الفرض.
الثاني - ترك سورة أو ثلاث آيات قصار أو آية طويلة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من الفريضة.
الثالث - مخالفة نظام الجهر والإسرار: فإن جهر في الصلاة السرية نهاراً وهي الظهر والعصر، وخافت في الصلاة الجهرية ليلاً وهي الفجر والمغرب والعشاء، سجد للسهو.
стр. 1067
الرابع - ترك القعدة الأولى للتشهد الأول في صلاة ثلاثية أو رباعية.
الخامس - ترك التشهد في القعدة الأخيرة.
السادس - عدم مراعاة الترتيب في فعل مكرر في ركعة واحدة، وهو السجدة الثانية في كل ركعة، فلو سجد سجدة واحدة سهواً، ثم قام إلى الركعة التالية، فأداها بسجدتيها، ثم تذكر السجدة المتروكة في آخر صلاته، فسجدها، فيجب عليه سجود السهو بترك الترتيب؛ لأنه ترك الواجب الأصلي ساهياً، فوجب سجود السهو.
أما عدم رعاية الترتيب فيما لا يتكرر، كأن أحرم فركع ثم رفع ثم قرأ الفاتحة والسورة، فيوجب عليه إعادة الركوع، ويسجد للسهو. وكذلك ترك سجدة التلاوة عن موضعها، يوجب سجود السهو. وكل تأخير أو تغيير في محل فرض، كالقعود محل القيام وعكسه يوجب سجود السهو.
السابع - ترك الطمأنينة الواجبة في الركوع والسجود، فمن تركها ساهياً وجب عليه سجود السهو على الصحيح.
الثامن - تغيير محل القراءة في الفرض: بأن قرأ الفاتحة بعد السورة، أو قرأ السورة في الركعتين الأخريين من الرباعية، أو في الثانية والثالثة فقط، وجب عليه سجود السهو.
التاسع - ترك قنوت الوتر: ويتحقق تركه بالركوع قبل الإتيان به، فمن تركه سجد للسهو.
العاشر - ترك تكبير القنوت.
الحادي عشر - ترك تكبيرات العيدين أو بعضها، أو تكبيرة ركوع الركعة الثانية من صلاة العيد، فإنها واجبة، بخلاف التكبيرة الأولى.
стр. 1068
٣ - زيادة فعل في الصلاة ليس من جنسها وليس منها؛ كأن ركع ركوعين، فإنه يسجد للسهو.
العود إلى ما سها عنه: من سها عن القعدة الأولى، ثم تذكر، وهو إلى حال القعود أقرب، عاد، فجلس وتشهد، وإن كان إلى حال القيام أقرب لم يعد، ويسجد للسهو. ومن سها عن القعدة الأخيرة، فقام إلى الخامسة، رجع إلى القعدة ما لم يسجد وألغى الخامسة، ويسجد للسهو. فإن قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه، وتحولت صلاته نفلاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وكان عليه أن يضم ركعة سادسة ندباً. وإن قعد في الرابعة قدر التشهد، ثم قام ولم يسلّم يظنها القعدة الأولى، عاد إلى القعود ما لم يسجد في الخامسة، ويسلم، وإن قيد الخامسة بسجدة ضم إليها ركعة أخرى استحباباً، وقد تمت صلاته لوجود الجلوس الأخير في محله، والركعتان الزائدتان: له نافلة.
الشك في الصلاة: إذا سها في صلاته، فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً؟ فإن كان ذلك أول ما سها (أي أن السهو لم يصر عادة له، لا أنه لم يسه في عمره قط)، استقبل الصلاة، وبطلت، أي استأنفها وأعادها، والسلام قاعداً أولى، لحديث «إذا شك أحدكم في صلاته، أنه كم صلى، فليستقبل الصلاة» (١)، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر، قال في الذي لا يدري كم صلى، أثلاثاً، أو أربعاً؟ قال: يعيد حتى يحفظ، ولأنه لو استأنف أدى الفرض بيقين كاملاً، ولو بنى على الأقل ما أداه كاملاً. وإن حدث الشك المذكور بعد السلام، فلا إعادة عليه، كما لا إعادة عليه إن شك بعد قعوده قدر التشهد قبل السلام.
فإن كان الشك يعرض له كثيراً، بنى على غالب ظنه، إذا كان له ظن يرجح
стр. 1069
أحد الطرفين؛ لأن في استئناف الصلاة مع كثرة عروضه حرجاً، ولقوله ﵇: «من شك في صلاته، فليتحر الصواب» (١).
وإن لم يكن له ظن أو رأي، أخذ بالأقل أي بنى على اليقين؛ لأنه المتيقن، ويقعد في كل موضع ظنه موضع قعوده، لئلا يصير تاركاً فرض القعود أو واجبه مع تيسير الوصول إليه، فإذا وقع الشك في صلاة رباعية أن الركعة هي الأولى أو الثانية عمل بالتحري، فإن لم يقع تحريه على شيء بنى على الأقل، فيجعلها أولى، ثم يقعد لجواز أنها الركعة الثانية، والقعدة فيها واجبة، ثم يقوم ويصلي ركعة أخرى ويقعد. ودليل الأخذ بالأقل حديث أبي سعيد الخدري: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر: أثلاثاً صلى أم أربعاً، فليلغ الشك، وليبن على الأقل» (٢).
مذهب المالكية:
يسجد للسهو بأسباب ثلاثة: نقص فقط، وزيادة فقط، ونقص وزيادة.
أما النقص: فهو ترك سنة مؤكدة داخلة في الصلاة سهواً أو عمداً، كالسورة إذا تركها عن محلها سهواً، أو ترك سنتين خفيفتين فأكثر كتكبيرتين من تكبيرات الصلاة سوى تكبيرة الإحرام، أو ترك تسميعتين أو تكبيرة وتسميعة. ومن أمثلة ترك سنة أيضاً: ترك جهر بفاتحة فقط ولو مرة، أو بسورة فقط في الركعتين بفرض كالصبح، لا نفل كالوتر والعيدين، مع اقتصار على حركة اللسان الذي هو أدنى السر، وترك تشهد ولو مرة لأنه سنة خفيفة. ويسجد للنقصان قبل السلام.
стр. 1070
فإن نقص ركناً عمداً بطلت صلاته، وإن نقصه سهواً أجبره ما لم يفت محله، فإن فات ألغى الركعة وقضاها.
و أما الزيادة: فهي زيادة فعل غير كثير (١) ليس من جنس الصلاة، أو من جنسها.
مثال الأول: أكل خفيف أو كلام خفيف سهواً.
ومثال الثاني: زيادة ركن فعلي من أركان الصلاة كالركوع والسجود، أو زيادة بعض من الصلاة كركعة أو ركعتين، أو أن يسلم من اثنتين. ويسجد للزيادة بعد السلام.
أما زيادة القول سهواً: فإن كان من جنس الصلاة فمغتفر، وإن كان من غيرها سجد له.
و أما الزيادة والنقص معا ً: فهو نقص سنة ولو غير مؤكدة، وزيادة ما تقدم في السبب الثاني، كأن ترك الجهر بالسورة وزاد ركعة في الصلاة سهواً، فقد اجتمع له نقص وزيادة. ويسجد للزيادة والنقصان قبل السلام، ترجيحاً لجانب النقص على الزيادة.
العود لما سها عنه: من قام إلى ركعة زائدة في الفريضة، رجع متى ذكر، وسجد بعد السلام، وكذلك يسجد إن لم يذكر حتى سلم. أما المأموم: فإن اتبع عالماً عامداً بالزيادة، بطلت صلاته. وإن اتبعه ساهياً أو شاكاً، صحت صلاته. ومن اتبعه جاهلاً أو متأولاً ففيه قولان. ومن لم يتبعه وجلس، صحت صلاته.
ومن قام إلى ثالثة في النافلة: فإن تذكر قبل الركوع، رجع وسجد بعد السلام. وإن تذكر بعد الرفع من الركوع، أضاف إليها ركعة وسلَّم من أربع، وسجد بعد السلام لزيادة الركعتين.
стр. 1071
ومن ترك الجلسة الوسطى: فإن ذكر قبل أن يفارق الأرض بيديه أمر بالرجوع إلى الجلوس، فإن رجع فلا سجود عليه في المشهور، لخفته، وإن لم يرجع سجد. وإن ذكر بعد مفارقته الأرض بيديه، لم يرجع على المشهور. وإن ذكر بعد أن استقل قائماً، لم يرجع وسجد للسهو، فإن رجع فقد أساء، ولا تبطل صلاته على المشهور، أي خلافاً في هذا للحنفية؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه عندهم.
ومن شك في صلاته، هل صلى ركعة أو اثنتين، فإنه يبني على الأقل، ويأتي بما شك فيه، ويسجد بعد السلام.
مذهب الشافعية:
يسجد للسهو عند ترك مأمور به في الصلاة، أوفعل منهي عنه فيها. والسنة إن تركها المصلي لا يعود إليها بعد التلبس بالفرض، فمن ترك التشهد الأول مثلاً، فتذكره بعد قيامه مستوياً، لم يعد له، فإن عاد إليه عالماً بتحريمه عامداً، بطلت صلاته، وإن عاد إليه ناسياً لم تبطل، وكذا إن عاد إليه جاهلاً في الأصح، ويسجد للسهو عنها. ودليل عدم العود للتشهد: حديث ابن بحينة: «أن النبي ﷺ صلى، فقام في الركعتين فسبَّحوا به، فمضى، فلما فرغ من صلاته، سجد سجدتين ثم سلم» (١).
والذي يقتضي سجود السهو أمران: زيادة ونقصان، وتنحصر أسباب سجود السهو في ستة أمور: تيقن ترك بعض من الأبعاض، تيقن فعل منهي عنه سهواً مما يبطل عمده فقط، الشك في ترك بعض معين، الشك في فعل منهي عنه مع احتمال الزيادة، نقل مطلوب قولي إلى غير محله بنيته، الاقتداء بمن يترك أحد الأبعاض.
стр. 1072
الأول - ترك الإمام أو المنفرد عمداً أو سهواً سنة مؤكدة: وهي التي تسمى بأبعاض الصلاة، وهي ستة: وهي التشهد الأول، وقعوده، والقنوت في الصبح وفي آخر الوتر في النصف الثاني من رمضان، والقيام للقنوت، والصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، والصلاة على الآل في التشهد الأخير (١).
الثاني - نقل ركن قولي لغير محله: كأن يعيد الفاتحة في الجلوس، وأن يسلم في غير موضع السلام ناسياً، وكذلك نقل السنة القولية كأن يقرأ السورة في غير موضع القراءة، فيسجد للسهو؛ لأنه قول في غير موضعه، فصار كالسلام. ويستثنى من ذلك قراءة السورة قبل الفاتحة، فلا يسجد لها.
الثالث - فعل شيء سهواً، يبطل عمده فقط: كتطويل الركن القصير في الأصح، بأن يطيل الاعتدال أو الجلوس بين السجدتين. ومثله الكلام القليل سهواً، بدليل أن النبي ﷺ سلَّم من اثنتين وكلم ذا اليدين، وأتم صلاه، وسجد سجدتين (٢).
وأما ما يبطل عمده وسهوه ككلام كثير وأكل، فيبطل الصلاة ولا يسجد له في الأصح.
стр. 1073
وأما ما لا يبطل عمده ولا سهوه كالتفات بالعنق ومشي خطوتين، فلا يسجد لسهوه ولا لعمده.
الرابع - الشك في الزيادة: فلو شك أصلَّى ثلاثاً أم أربعاً، أتى بركعة وسجد، والأصح أنه يسجد، وإن زال شكه قبل سلامه. وكذلك يسجد لما يصليه متردداً، واحتمل كونه زائداً، للتردد في زيادته، وإن زال شكه قبل سلامه. ولو شك بعد السلام في ترك فرض لم يؤثر على المشهور.
ودليل السجود للشك في صلاته: حديث عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أواحدةً صلى أم ثِنْتين، فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثاً، فليجعلها ثنتين، وإذا لم يدر ثلاثاً صلى أم أربعاً فليجعلها ثلاثاً، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهوجالس، قبل أن يسلم سجدتين» (١) وعليه إذا شك المصلي في عدد ما أتى به من الركعات، كمن شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً، بنى على اليقين وهو الأقل كالثلاثة في هذا المثال وأتى بركعة، ويسجد للسهو، ولا ينفعه غلبة الظن أنه صلى أربعاً ولا يعمل بقول غيره له: إنه صلى أربعاً، ولوبلغ ذلك القائل عدد التواتر.
الخامس - الشك في ترك بعض معين من أبعاض الصلاة: كأن شك في ترك القنوت لغير النازلة، أو ترك بعض مبهم (غير معين) كأن لم يدر: هل ترك القنوت أو الصلاة على النبي في القنوت.
السادس - الاقتداء بمن في صلاته خلل: ولوفي اعتقاد المأموم، كالاقتداء بمن
стр. 1074
ترك القنوت في الصبح، أو بمن يقنت قبل الركوع، أو بمن يترك الصلاة على النبي في التشهد الأول، فيسجد بعد سلام الإمام وقبل سلام نفسه.
والخلاصة: الزيادة الموجبة للسهو نوعان: قول وفعل، فالقول كالسلام في غير موضعه ناسياً، أوالكلام ناسياً. والفعل: كأن يزيد سهواً في صلاته ركعة أو ركوعاً أو سجوداً أو قياماً أو قعوداً، أويطيل القيام بنية القنوت في غير موضع القنوت، أو يقعد للتشهد في غير موضع القعود على وجه السهو، فيسجد للسهو، بدليل ما روى ابن مسعود ﵁: «أن النبي ﷺ صلى الظهر خمساً، فقيل له: أزيدَ في الصلاة؟ فقال: وما ذلك؟ فقالوا: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلم» (١).
وأما النقصان: فهو أن يترك سنة مقصودة، وهو أمران: الأول: أن يترك التشهد الأول ناسياً فيسجد للسهو، لحديث ابن بحينة المتقدم. والثاني: أن يترك القنوت ساهياً، فيسجد للسهو؛ لأنه سنة مقصودة في محلها، فتعلق السجود بتركها، كالتشهد الأول.
وإن ترك سنة غير مقصودة كالتكبيرات والتسبيحات، والجهر والإسرار والتورك والافتراش، وما أشبهها، لم يسجد؛ لأنه ليس بمقصود في موضعه، فلم يتعلق بتركه الجبران.
ويلاحظ أن التشهد الأخير إلى قوله: «وأن محمداً رسول الله، أوعبده ورسوله، أو رسوله» هو الواجب، وهذا هو السنة مع الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، أما الصلاة على الآل في التشهد الأخير فهي سنة، وفي التشهد
стр. 1075
الأول خلاف الأولى على المعتمد، وقيل: مكروهة، فلا يسجد للسهو لترك ذلك، ولا لفعله (١).
مذهب الحنابلة:
أسباب السهو ثلاثة: زيادة، ونقص، وشك في بعض صوره (٢)، كالشافعية، إذا حصل ذلك سهواً، فإن حصل عمداً تبطل الصلاة به إن كان فعلياً، ولا تبطل إن كان قولياً في غير محله. ولا سجود للسهو في صلاة جنازة، وسجود تلاوة، وشكر.
١ - أما الزيادة في الصلاة: فمثل أن يزيد المصلي سهواً فعلاً من جنس الصلاة، قياماً أو قعوداً ولو قدر جلسة الاستراحة في غير موضع الاستراحة، أو ركوعاً، أو سجوداً، أو أن يقرأ الفاتحة مع التشهد أو يقرأ التشهد مع الفاتحة، فيسجد للسهو وجوباً في الزيادة الفعلية وندباً في الزيادة القولية، لقوله ﷺ في حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص في صلاته، فليسجد سجدتين» (٣)، ولأن الزيادة سهو، فتدخل في قول الصحابي: «سها النبي ﷺ فسجد» بل هي نقص في المعنى، فشرع لها السجود، لينجبر النقص.
ومتى ذكر من زاد في صلاته، عاد إلى ترتيب الصلاة بغير تكبير، لإلغاء الزيادة، وعدم الاعتداد بها. وإن زاد ركعة كثالثة في صبح أورابعة في مغرب أو خامسة في ظهر أو عصر أو عشاء، قطع تلك الركعة، بأن يجلس في الحال متى ذكر بغير تكبير، وبنى على فعله قبل تلك الزيادة، ولا يتشهد، إن كان تشهد، ثم سجد للسهو، وسلم، ولا تحتسب الركعة الزائدة من صلاة مسبوق.
стр. 1076
وإن كان الذي زاد إماماً أو منفرداً، فنبهه ثقتان فأكثر - ويلزمهم تنبيه الإمام على ما يجب السجود لسهوه، لارتباط صلاتهم بصلاته، بحيث تبطل ببطلانها - لزمه الرجوع، سواء نبهوه لزيادة أو نقص، ولو ظن خطأهما؛ لأنه ﷺ رجع إلى قول أبي بكر وعمرفي قصة ذي اليدين.
والمرأة كالرجل في تنبيه الإمام.
فإن لم يرجع إمام إلى قول الثقتين المنبهين له:
أـ فإن كان عدم رجوعه لجبران نقص، بأن قام قبل أن يتشهد التشهد الأول، لم تبطل صلاته، لحديث المغيرة بن شعبة: «أنه نهض في الركعتين، فسبَّح به من خلفه، فمضى، فلما أتم صلاته وسلم، سجد سجدتي السهو، فلما انصرف، قال: رأيت النبي ﷺ يصنع كما صنعت» (١).
ب - وإن لم يرجع عمداً لغير جبران نقص: بطلت صلاته وصلاة المأموم.
وإن كان عدم رجوع الإمام إلى قول الثقتين لغير جبران نقص سهواً، بطلت صلاته وصلاةالمأموم الذي اتبعه عالماً ببطلان صلاته ذاكراً؛ لأنه اقتدى بمن يعلم بطلان صلاته، كما لو اقتدى بمن يعلم حدثه. ولا تبطل صلاة المأموم الذي اتبعه جاهلاً أو ناسياً؛ لأن الصحابة تابعوا النبي ﷺ في الخامسة حيث لم يعلموا، أو توهموا النسخ، ولم يؤمروا بالإعادة.
ووجبت مفارقة الإمام القائم إلى زائدة على من علم ذلك، لاعتقاده خطأه، ويتم المفارق صلاته لنفسه للعذر.
٢ - وأما النقص في الصلاة: فمثل ترك الركوع أو السجود أو قراءة الفاتحة
стр. 1077
ونحو ذلك سهواً، ويجب عليه تداركه والإتيان به إذا تذكره، ويجب أن يسجد للسهو في آخر صلاته.
وإن نسي التشهد الأول، لزمه الرجوع والإتيان به جالساً، ما لم ينتصب قائماً، وهذا متفق عليه، لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من الركعتين، فلم يستتم قائماً، فليجلس ويسجد سجدتي السهو» (١).
ولأنه أخل بواجب وذكره قبل الشروع في ركن، فلزمه الإتيان به، كما لو لم تفارق ركبتاه الأرض. ويلزم المأمومين متابعته، ولو بعد قيامهم وشروعهم في القراءة، لحديث «إنما جعل الإمام ليؤتم به» (٢).
وإن استتم قائماً، ولم يقرأ، فعدم رجوعه أولى، لحديث المغيرة السابق، ويتابعه المأموم، ويسقط عنه التشهد. وإن قرأ ثم ذكر التشهد، لم يجز له الرجوع، لحديث المغيرة، ولأنه شرع في ركن مقصود، كما لو شرع في الركوع، وتبطل صلاة الإمام إذا ركع بعد شروعه فيها، إلا أن يكون جاهلاً أو ناسياً. وعليه سجود السهو لذلك، لحديث المغيرة، ولقوله ﷺ سابقاً: «إذا سها أحدكم فليسجد سجدتين».
وكذلك حكم التسبيح في الركوع والسجود، ودعاء (رب اغفر لي) بين السجدتين، وكل واجب تركه سهواً، ثم ذكره، فيرجع إلى تسبيح الركوع قبل الاعتدال لا بعده.
٣ - وأما الشك في الصلاة الذي يقتضي سجود السهو في بعض صوره: فهو مثل أن يشك في ترك ركن من الأركان، أو في عدد الركعات، فيبني على
стр. 1078
المتيقن، ويأتي بما شك في فعله، ويتم صلاته، ويسجد للسهو وجوباً، لحديث أبي سعيد السابق أن النبي ﷺ قال: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر: كم صلى؟ وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم» (١).
ولا يسجد للسهوحالة الشك في ترك واجب كتسبيح الركوع أوالسجود، وإنما يسجد لترك الواجب سهواً.
كما لا يسجد للسهو إذا أتم الركعات، وشك وهو في التشهد في زيادة الركعة الأخيرة؛ لأن الأصل عدم الزيادة. أما إن شك في زيادة الركعة الأخيرة قبل التشهد، فإنه يجب عليه سجود السهو. ومثل ذلك الشك في زيادة سجدة، علي هذا التفصيل.
قصة ذي اليدين فيمن سلم من نقصان، وأن كلام الناسي لا يبطل الصلاة:
استدل جمهور العلماء (٢) من السلف والخلف بقصة ذي اليدين على أن نية الخروج من الصلاة وقطعها إذا كانت بناء على ظن التمام، لا يوجب بطلانها، ولو سلم التسليمتين، وأن كلام الناسي لا يبطل الصلاة، وكذا كلام من ظن التمام. والقصة هي ما يأتي:
«عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العَشِي (٣) ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليه وفي القوم
стр. 1079
أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سَرْعانُ الناس (١) فقالوا: أقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين (٢)، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تُقْصر (٣)، فقال: بلى، قد نسيت، فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم كبر ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر» (٤).
اجتماع سهوين أو أكثر: لاخلاف بين العلماء في أنه إذا سها المصلي سهوين أو أكثر، كفاه للجميع سجدتان؛ لأن النبي ﷺ سلم من اثنتين، وكلم ذا اليدين، واقتصر على سجدتين، وللحديث السابق: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» وهذا يتناول السهو في موضعين.
النافلة كالفرض: حكم النافلة حكم الفرض في سجود السهو، في قول جمهور أهل العلم، لعموم الحديث السابق: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين»، ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود، فيسجد لسهوها كالفريضة.
تنبيه الإمام على السهو: قال مالك وأبو حنيفة: من سها يسبح له، وقال الشافعي وأحمد: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، لقوله ﷺ : «التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء» (٥) وهذا يرجح الرأي الثاني.
стр. 1080
ثالثاً - محل سجود السهو وصفته: سجود السهو عند الحنفية بعد السلام، وعند الشافعية على العكس قبل السلام، وعند المالكية قد يكون قبل السلام وقد يكون بعده، ويتخير المصلي بين الأمرين لدى الحنابلة.
قال الحنفية: محل سجود السهو المسنون بعد السلام مطلقاً، سواء أكان السهو بسبب زيادة أم نقصان في الصلاة، ولو سجد قبل السلام أجزأه ولا يعيده.
وصفته: أن يسجد سجدتين بعد أن يسلم عن يمينه التسليمة الأولى فقط، ثم يتشهد بعدهما وجوباً، ويأتي بالصلاة على النبي ﷺ والدعاء في قعدة السهو على الصحيح؛ لأن الدعاء موضعه آخر الصلاة.
استدلوا على محله بعد السلام بحديث المغيرة السابق: أنه لما فرغ من صلاته سلم ثم سجد سجدتين وسلم، كما صنع رسول الله ﷺ (١)، وحديث ابن مسعود المتقدم: «أن النبي ﷺ صلى الظهر خمساً، فقيل له: أزيدَ في الصلاة؟ فقال: وما ذلك؟ فقالوا: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعد ما سلم» (٢).
ودليلهم على صفته: «حديث عمران بن حصين: أن النبي ﷺ صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم» (٣)، وحديث ثوبان السابق: «لكل سهو سجدتان بعد السلام» (٤).
والمذكور في هذا الموضوع هو الصحيح الراجح عند الحنفية.
стр. 1081
و قال المالكية: محل السجود المسنون قبل السلام إن كان سببه النقصان، أو النقصان والزيادة معاً. وبعد السلام إن كان سببه الزيادة فقط، وينوي وجوباً للسجود البعدي، ويكبر في خفضه ورفعه، ويسجد سجدتين جالساً بينهما، ويتشهد استناناً، ولا يدعو ولا يصلي على النبي ﷺ خلافاً للحنفية، ثم يسلم وجوباً، فتكون واجباته خمسة: وهي النية، والسجدة الأولى، والثانية، والجلوس بينهما، والسلام، لكن السلام واجب غير شرط، وأما التكبير والتشهد بعده فسنة.
وإن أخر السجود القبلي عمداً كره ولا تبطل الصلاة، وإن قدم السجود البعدي على السلام أجزأه على المذهب، وأثم أي يحرم تقديمه عمداً، وتصح الصلاة، فإن لم يتعمد التأخير أو التقديم لم يكره ولم يحرم.
و قال الشافعية في الجديد: محل سجود السهو بين التشهد والسلام، فإن سلم عمداً فات في الأصح، وإن سلم سهواً وطال الفصل فات أيضاً، في الجديد، وإن لم يطل الفصل، فلا يفوت، ويسجد، وإذا سجد صار عائداً إلى الصلاة في الأصح. ولو سها إمام الجمعة وسجدوا فبان فوت وقتها، أتموا ظهراً وسجدوا، ولو ظن سهواً فسجد فبان عدمه، سجد في الأصح.
وصفته: سجدتان كسجود الصلاة في واجباته ومندوباته كوضع الجبهة والطمأنينة والتحامل والتنكيس (رفع الأسافل) والافتراش في الجلوس بينهما، والتورك بعدهما.
ويحتاج لنية بقلبه، فإن نوى بلسانه بطلت صلاته.
وحكى بعضهم أنه يندب أن يقول فيهما: (سبحان من لا ينام ولا يسهو) وقال بعضهم: والظاهر أنه كالذكر (التسبيح) في سجود الصلاة.
стр. 1082
ودليلهم على محله قبل السلام حديث أبي سعيد الخدري السابق عند مسلم وأحمد: «ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم» وحديث ابن بحينة المتقدم عند النسائي: «فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم سلم».
ودليلهم على صفته: اقتصاره ﷺ على السجدتين في قصة ذي اليدين، وغيرها من الأحاديث.
و قال الحنابلة (١): لا خلاف في جواز السجود قبل السلام وبعده، وإنما الخلاف عندهم في الأفضل والأولى، والأفضل أن يكون قبل السلام؛ لأنه إتمام للصلاة، فكان فيها كسجود صلبها، إلا في حالتين:
إحداهما - أن يسجد لنقص ركعة فأكثر، وكان قد سلم قبل إتمام صلاته، لحديث عمران بن حصين وأبي هريرة في قصة ذي اليدين (٢) ففي حديث عمران: «فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم».
الثانية - أن يشك الإمام في شيء من صلاته، ثم يبني على غالب ظنه، فإنه يسجد للسهو بعد السلام ندباً نصاً؛ لحديث علي وابن مسعود مرفوعاً: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، فليتم ما عليه، ثم ليسجد سجدتين» (٣) وفي البخاري: (بعد التسليم).
وصفته: أن يكبر للسجود والرفع منه، سواء أكان قبل السلام أم بعده، ثم يسجد سجدتين كسجود الصلاة، فإن كان السجود بعدياً يأتي بالتشهد كتشهد الصلاة قبل السلام ثم يسلم، وإن كان قبلياً لم يتشهد، ويسلِّم عقبه.
стр. 1083
ويقول في سجود السهو ما يقول في سجود صلب الصلاة، لأنه سجود مشروع في الصلاة، فأشبه سجود صلب الصلاة.
ومن ترك السجود الواجب للسهو عمداً، بطلت صلاته بترك ما محله قبل السلام؛ لأنه ترك الواجب عمداً كغيره من الواجبات، ولا تبطل بترك ما محله بعد السلام؛ لأنه جبر للعبادة خارج منفرد عنها، فلم تبطل بتركه، كجبرانات الحج.
وإذا نسي سجود السهو حتى طال الفصل، لم تبطل الصلاة؛ لأنه جابر للعبادة بعدها، فلم تبطل بتركه كجبرانات الحج.
وإن طال الفصل لم يسجد، وإلا سجد.
المطلب الثاني - سجدة التلاوة:
الكلام فيها في دليل مشروعيتها، وحكمها، وشروطها، مفسداتها، أسبابها وصفتها، المواضع التي تطلب فيها من القرآن، هل تتكرر السجدة بتكرر التلاوة، ما يتعلق بها من أحكام فرعية.
أولاً - دليل مشروعية سجدة التلاوة: ذم الله تعالى تارك السجود بقوله: ﴿وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾ [الانشقاق:٢١/ ٨٤]، وثبت عن النبي ﷺ في شأنها أحاديث كثيرة منها: خبر ابن عمر ﵁: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا السورة، فيقرأ السجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا مكاناً لموضع جبهته» (١) وخبره أيضاً: «أن النبي ﷺ كان يَقْرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة، كبر وسجد وسجدنا معه» (٢).
стр. 1084
وسجودها دليل الإيمان، وطريق الجنة، روى أبو هريرة ﵁ مرفوعاً: «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: ياويله، أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود، فعصيت، فلي النار» (١).
ويسجد القارئ والسامع، لخبر ابن مسعود: أن النبي ﷺ قرأ: «والنجم، فسجد فيها، وسجد معه الجن والإنس، إلا أمية بن خلف، فقتل يوم بدر مشركاً» (٢).
وطلب السجود في القرآن العظيم: إما أن يكون بصيغة الأمر الصريح، مثل ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق:١٩/ ٩٦]، وإما أن يكون حكاية عن امتثال الأنبياء، أو سائر المخلوقات، مثل قوله سبحانه: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سُجَّداً وبكياً﴾ [مريم:٥٨/ ١٩]، وقوله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً﴾ [الرعد:١٥/ ١٣].
ثانياً - حكمها الفقهي: سجدة التلاوة واجبة بالتلاوة على القارئ والسامع عند الحنفية، سنة عند بقية الفقهاء (٣)، سواء عند الحنفية والشافعية قصد السامع سماع القرآن أو لم
стр. 1085
يقصد، أي فتطلب من القارئ والمستمع (وهو قاصد السماع) والسامع (وهو من لم يقصد السماع)، أما الحائض والنفساء، فلا تطلب منهما بالاتفاق، وأما عند المالكية والحنابلة فإن السجود يسن فقط للتالي والمستمع، دون السامع غير القاصد للسماع، فلا يستحب له.
استدل الحنفية على الوجوب بحديث: «السجدة على من سمعها، وعلى من تلاها» (١) وهي كلمة إيجاب وهو غير مقيد بالقصد، وبقوله تعالى: ﴿فمالهم لايؤمنون، وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾ [الانشقاق:٢٠/ ٨٤ - ٢١] ولايذم إلا على ترك واجب: ولأنه سجود يفعل في الصلاة، فكان واجباً، كسجود الصلاة.
ودليل الجمهور على سنية التلاوة: ما روى زيد بن ثابت قال: «قرأت على النبي ﷺ النجم، فلم يسجد منا أحد» (٢)، ولأنه إجماع الصحابة، وروى البخاري والأثرم عن عمر: «أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل، فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاءت السجدة قال: يا أيها الناس، إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر» وفي لفظ: «إن الله لم يفرض علينا السجود، إلا إن نشاء» (٣). وعلى هذا فمن سجد فحسن، ومن ترك فلا شيء عليه.
أما دليل طلب السجدة من السامع: فهو حديث ابن عمر السابق، ولأنه
стр. 1086
سامع للسجدة، فكان عليه السجود كالمستمع، وإن كان السجود للمستمع آكد. ودليل المالكية والحنابلة على عدم مطالبة السامع بالسجدة: فعل عثمان وابن عباس وعمران، وقال عثمان: «إنما السجدة على من استمع».
هل تجب عند الحنفية على الفور أو على التراخي؟
تجب سجدة خارج الصلاة على التراخي، في وقت غير معين، إذا كان التالي أو السامع أهلاً للوجوب، سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد، بشرط كون المسموع منه آدمياً عاقلاً يقظان، ولو جُنُباً أو حائضاً أو نفساء، أو كافراً، أو صبياً مميزاً أو سكران، فلو سمعها من طير كالببغاء أو صدى كآلات التسجيل لا تجب عليه، ولو سمعها من نائم أو مغمى عليه، أو مجنون أو غير مميز، فالأصح من الروايتين لا تجب عليه، لعدم صحة التلاوة بفقد التمييز.
أما في الصلاة فتجب وجوباً مضيقاً؛ لأنها وجبت بما هو من أفعال الصلاة وهو القراءة، فالتحقت بأفعال الصلاة، وصارت جزءاً منها. فإن أنهى قراءته بآية السجدة: فإما أن يسجد بها سجوداً مستقلاً، ثم يعود للقراءة، وإما أن يضمنها في ركوعه أو سجوده، إن نواها في ركوعه، وسواء نواها أو لم ينوها في سجوده.
وإذا لم ينه قراءته بآية السجدة، وتابع فقرأ بعدها ثلاث آيات فأكثر، وجب أن يسجد لها مستقلاً، غير سجود الصلاة، ويستحب أن يعود للقراءة، فيقرأ ثلاث آيات فأكثر، ثم يركع، ويتم صلاته.
متابعة الإمام في السجدة وسماعها من غير المصلي: قال الحنفية: إذا تلا الإمام آية السجدة، سجدها معه المأموم، لالتزامه متابعته. وإن تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا المأموم، لا في الصلاة ولا خارجها، لأن المقتدي محجوز عن القراءة لنفاذ تصرف الإمام عليه.
стр. 1087
وإن سمع المصلي وهو في الصلاة آية سجدة من رجل في غير الصلاة لم يسجد لها في الصلاة، وسجدها بعد الصلاة، فإن سجدها في الصلاة لم يجزه، ولم تفسُد صلاته؛ لأن مجرد السجدة لا ينافي إحرام الصلاة.
وكذلك قال غير الحنفية: يلزم متابعة الإمام في السجدة، فإن سجد الإمام فتخلف المقتدي، أو سجد المأموم دون إمامه، بطلت صلاته ولا يسجد المصلي لقراءة غيره بحال، ولا يسجد مأموم لقراءة نفسه، فإن فعل بطلت صلاته؛ لأنه زاد فيها سجوداً.
ثالثاً - شروط سجود التلاوة: ١ - شرائط الوجوب: يشترط لوجوب سجدة التلاوة عند الحنفية: أهلية وجوب الصلاة من الإسلام والعقل والبلوغ، والطهارة من الحيض والنفاس، فلا تجب على الكافر والصبي والمجنون والحائض والنفساء.
ولا تسن عند المالكية للمستمع إلا إن صلح القارئ للإمامة، بأن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً، وإلا فلا سجود عليه، بل على القارئ وحده.
وتسن عند الشافعية ولو كان القارئ صبياً مميزاً، والمستمع رجلاً، أو محدثاً، أو كافراً، ولا تسن لقراءة جنب وسكران؛ لأنها غير مشروعة لهما.
ويشترط لسجود المستمع عند الحنابلة: أن يكون القارئ يصلح إماماً للمستمع له، أي يجوز اقتداؤه به، أي كما قال المالكية، لما روى عطاء: «أن رجلاً من الصحابة قرأ سجدة، ثم نظر إلى النبي ﷺ فقال: إنك كنت إمامنا، فلو
стр. 1088
سجدت، سجدنا معك» (١)، وقال ابن مسعود لتميم بن حَذْلم وهو غلام: اقرأ، فقرأ عليه سجدة، فقال: «اسجد، فإنك إمامنا فيها» (٢)، فلا يسجد المستمع قُدَّام القارئ، ولا عن يساره، مع خلو يمينه، ولا يسجد رجل لتلاوة امرأة وخنثى؛ لأن القارئ لا يصلح إماماً له في هذه الأحوال.
ويسجد المستمع لتلاوة أمي وزمِن (مريض) وصبي؛ لأن اقتداء الرجل بالصبي يصح في النفل، وقراءة الفاتحة والقيام ليسا بواجب في النفل.
٢ - شرائط الجواز أو الصحة: يشترط لصحة سجدة التلاوة ما يشترط لصحة الصلاة: من طهارة الحدث (وهي الوضوء والغسل) وطهارة النجس (وهي طهارة البدن والثوب ومكان السجود والقيام والقعود)، وستر العورة، واستقبال القبلة والنية. وهذه شروط متفق عليها، واختلفوا فيما عداها.
فقال الحنفية: لا يشترط لها التحريمة ونية تعين الوقت، كما لا يشترط لها السلام كالصلاة. وتجب آية السجدة على خطيب الجمعة والعيدين، وعلى السامعين، لكن يكره للإمام الإتيان بها فوق المنبر، فينزل ويسجد ويسجد الناس معه.
وقال المالكية أيضاً: لا إحرام ولا تسليم. ويشترط في المستمع شروط ثلاثة، كما قدمنا:
أولاً - أن يكون القارئ صالحاً للإمامة في الفريضة: بأن يكون ذكراً بالغاً
стр. 1089
عاقلاً مسلماً متوضئاً.
فلو كان القارئ امرأة أو مجنوناً أو صبياً أو كافراً أو غير متوضئ، فلا يسجد المستمع ولا السامع، ويسجد القارئ فقط إن كان امرأة أو صبياً.
ثانياً - ألا يقصد القارئ إسماع الناس حسن صوته: فإن كان ذلك فلا يسجد المستمع.
ثالثاً - أن يكون قصد السامع من السماع أن يتعلم من القارئ القراءة أو أحكام التجويد من مدّ وقصر وإخفاء وإدغام ونحو ذلك. ولا سجود في صلاة الجنازة، ولا في خطبة الجمعة.
وقال الشافعية: يشترط مع النية تكبيرة الإحرام على الصحيح، كماأخرجه أبو داود، لكن بإسناد ضعيف، وقياساً على الصلاة، ويشترط السلام أيضاً في الأظهر بعد القعود كالصلاة، ولا يشترط التشهد في الأصح.
وتشترط شروط أخرى في المصلي وغيره:
أولاً - أن تكون القراءة مشروعة: فإن كانت محرمة كقراءة الجنب، أو مكروهة كقراءة المصلي في حال الركوع مثلاً، فلا يسن السجود للقارئ ولا للسامع.
ثانياً - أن تكون مقصودة: فلو صدرت من ساهٍ ونحوه كالطير وآلة التسجيل، فلا يشرع السجود.
ثالثاً - أن يكون المقروء كل آية السجدة: فلو قرأ بعضها، لم يسجد.
رابعاً - أن تكون قراءة آية السجدة بدلاً من قراءة الفاتحة لعجزه عنها.
خامساً - ألا يطول الفصل بين قراءة الآية والسجود، وألا يعرض عنها: فإن
стр. 1090
طال وأعرض عنها، فلا سجود. والطول: أن يزيد على مقدار صلاة ركعتين بقراءة متوسطة.
سادساً - أن تكون قراءة آية السجدة من شخص واحد: فلو قرأ واحد بعض الآية، وكملها آخر، فلا سجود.
سابعاً - يشترط لها ما يشترط للصلاة من طهارة وغيرها كما بينا مما هو متفق عليه. وبناء عليه: لا يسجد السامع لقراءة النائم والجنب والسكران والساهي والطيور المعلمة.
ويشترط في المصلي شرطان آخران:
أولاً - ألا يقصد بقراءة الآية السجود، فإن قصده بطلت الصلاة، إلا قراءة سورة السجدة في صبح الجمعة، فإنها سنة، وإلا المأموم فيسجد إن سجد إمامه. وكما لا يصح قصد آية السجدة في الصلاة بقصد السجود، لا يصح قصد قراءتها في وقت الكراهة، فإن قصدها فلا يسجد لحرمتها.
ثانياً - أن يكون هو القارئ: فإن كان القارئ غيره وسجد فلا يسجد، فإن سجد بطلت صلاته، إن كان عالماً عامداً. ولا سجود في صلاة الجنازة، ويسجد خطيب الجمعة لما يقرأ، دون المصلين، فيحرم عليهم السجود، للإعراض عن الخطبة. ويشترط للسامع سماع الآية بكاملها كالقراءة، فلا يكفي كلمة السجدة ونحوها، فلو سجد قبل الانتهاء إلى آخر السجدة، ولو بحرف واحد لم يجز.
وقال الحنابلة: يزاد على الشروط المتفق عليها في المستمع شرطان كما قدمنا:
أولاً - أن يصلح القارئ للإمامة: فلو سمع الآية من امرأة أو غير آدمي كالببغاء وآلة التسجيل لا يسن له السجود.