← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

سامع للسجدة، فكان عليه السجود كالمستمع، وإن كان السجود للمستمع آكد. ودليل المالكية والحنابلة على عدم مطالبة السامع بالسجدة: فعل عثمان وابن عباس وعمران، وقال عثمان: «إنما السجدة على من استمع». هل تجب عند الحنفية على الفور أو على التراخي؟ تجب سجدة خارج الصلاة على التراخي، في وقت غير معين، إذا كان التالي أو السامع أهلاً للوجوب، سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد، بشرط كون المسموع منه آدمياً عاقلاً يقظان، ولو جُنُباً أو حائضاً أو نفساء، أو كافراً، أو صبياً مميزاً أو سكران، فلو سمعها من طير كالببغاء أو صدى كآلات التسجيل لا تجب عليه، ولو سمعها من نائم أو مغمى عليه، أو مجنون أو غير مميز، فالأصح من الروايتين لا تجب عليه، لعدم صحة التلاوة بفقد التمييز. أما في الصلاة فتجب وجوباً مضيقاً؛ لأنها وجبت بما هو من أفعال الصلاة وهو القراءة، فالتحقت بأفعال الصلاة، وصارت جزءاً منها. فإن أنهى قراءته بآية السجدة: فإما أن يسجد بها سجوداً مستقلاً، ثم يعود للقراءة، وإما أن يضمنها في ركوعه أو سجوده، إن نواها في ركوعه، وسواء نواها أو لم ينوها في سجوده. وإذا لم ينه قراءته بآية السجدة، وتابع فقرأ بعدها ثلاث آيات فأكثر، وجب أن يسجد لها مستقلاً، غير سجود الصلاة، ويستحب أن يعود للقراءة، فيقرأ ثلاث آيات فأكثر، ثم يركع، ويتم صلاته. متابعة الإمام في السجدة وسماعها من غير المصلي: قال الحنفية: إذا تلا الإمام آية السجدة، سجدها معه المأموم، لالتزامه متابعته. وإن تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا المأموم، لا في الصلاة ولا خارجها، لأن المقتدي محجوز عن القراءة لنفاذ تصرف الإمام عليه.

стр. 1087

وإن سمع المصلي وهو في الصلاة آية سجدة من رجل في غير الصلاة لم يسجد لها في الصلاة، وسجدها بعد الصلاة، فإن سجدها في الصلاة لم يجزه، ولم تفسُد صلاته؛ لأن مجرد السجدة لا ينافي إحرام الصلاة. وكذلك قال غير الحنفية: يلزم متابعة الإمام في السجدة، فإن سجد الإمام فتخلف المقتدي، أو سجد المأموم دون إمامه، بطلت صلاته ولا يسجد المصلي لقراءة غيره بحال، ولا يسجد مأموم لقراءة نفسه، فإن فعل بطلت صلاته؛ لأنه زاد فيها سجوداً. ثالثاً - شروط سجود التلاوة: ١ - شرائط الوجوب: يشترط لوجوب سجدة التلاوة عند الحنفية: أهلية وجوب الصلاة من الإسلام والعقل والبلوغ، والطهارة من الحيض والنفاس، فلا تجب على الكافر والصبي والمجنون والحائض والنفساء. ولا تسن عند المالكية للمستمع إلا إن صلح القارئ للإمامة، بأن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً، وإلا فلا سجود عليه، بل على القارئ وحده. وتسن عند الشافعية ولو كان القارئ صبياً مميزاً، والمستمع رجلاً، أو محدثاً، أو كافراً، ولا تسن لقراءة جنب وسكران؛ لأنها غير مشروعة لهما. ويشترط لسجود المستمع عند الحنابلة: أن يكون القارئ يصلح إماماً للمستمع له، أي يجوز اقتداؤه به، أي كما قال المالكية، لما روى عطاء: «أن رجلاً من الصحابة قرأ سجدة، ثم نظر إلى النبي ﷺ فقال: إنك كنت إمامنا، فلو

стр. 1088

سجدت، سجدنا معك» (١)، وقال ابن مسعود لتميم بن حَذْلم وهو غلام: اقرأ، فقرأ عليه سجدة، فقال: «اسجد، فإنك إمامنا فيها» (٢)، فلا يسجد المستمع قُدَّام القارئ، ولا عن يساره، مع خلو يمينه، ولا يسجد رجل لتلاوة امرأة وخنثى؛ لأن القارئ لا يصلح إماماً له في هذه الأحوال. ويسجد المستمع لتلاوة أمي وزمِن (مريض) وصبي؛ لأن اقتداء الرجل بالصبي يصح في النفل، وقراءة الفاتحة والقيام ليسا بواجب في النفل. ٢ - شرائط الجواز أو الصحة: يشترط لصحة سجدة التلاوة ما يشترط لصحة الصلاة: من طهارة الحدث (وهي الوضوء والغسل) وطهارة النجس (وهي طهارة البدن والثوب ومكان السجود والقيام والقعود)، وستر العورة، واستقبال القبلة والنية. وهذه شروط متفق عليها، واختلفوا فيما عداها. فقال الحنفية: لا يشترط لها التحريمة ونية تعين الوقت، كما لا يشترط لها السلام كالصلاة. وتجب آية السجدة على خطيب الجمعة والعيدين، وعلى السامعين، لكن يكره للإمام الإتيان بها فوق المنبر، فينزل ويسجد ويسجد الناس معه. وقال المالكية أيضاً: لا إحرام ولا تسليم. ويشترط في المستمع شروط ثلاثة، كما قدمنا: أولاً - أن يكون القارئ صالحاً للإمامة في الفريضة: بأن يكون ذكراً بالغاً

стр. 1089

عاقلاً مسلماً متوضئاً. فلو كان القارئ امرأة أو مجنوناً أو صبياً أو كافراً أو غير متوضئ، فلا يسجد المستمع ولا السامع، ويسجد القارئ فقط إن كان امرأة أو صبياً. ثانياً - ألا يقصد القارئ إسماع الناس حسن صوته: فإن كان ذلك فلا يسجد المستمع. ثالثاً - أن يكون قصد السامع من السماع أن يتعلم من القارئ القراءة أو أحكام التجويد من مدّ وقصر وإخفاء وإدغام ونحو ذلك. ولا سجود في صلاة الجنازة، ولا في خطبة الجمعة. وقال الشافعية: يشترط مع النية تكبيرة الإحرام على الصحيح، كماأخرجه أبو داود، لكن بإسناد ضعيف، وقياساً على الصلاة، ويشترط السلام أيضاً في الأظهر بعد القعود كالصلاة، ولا يشترط التشهد في الأصح. وتشترط شروط أخرى في المصلي وغيره: أولاً - أن تكون القراءة مشروعة: فإن كانت محرمة كقراءة الجنب، أو مكروهة كقراءة المصلي في حال الركوع مثلاً، فلا يسن السجود للقارئ ولا للسامع. ثانياً - أن تكون مقصودة: فلو صدرت من ساهٍ ونحوه كالطير وآلة التسجيل، فلا يشرع السجود. ثالثاً - أن يكون المقروء كل آية السجدة: فلو قرأ بعضها، لم يسجد. رابعاً - أن تكون قراءة آية السجدة بدلاً من قراءة الفاتحة لعجزه عنها. خامساً - ألا يطول الفصل بين قراءة الآية والسجود، وألا يعرض عنها: فإن

стр. 1090

طال وأعرض عنها، فلا سجود. والطول: أن يزيد على مقدار صلاة ركعتين بقراءة متوسطة. سادساً - أن تكون قراءة آية السجدة من شخص واحد: فلو قرأ واحد بعض الآية، وكملها آخر، فلا سجود. سابعاً - يشترط لها ما يشترط للصلاة من طهارة وغيرها كما بينا مما هو متفق عليه. وبناء عليه: لا يسجد السامع لقراءة النائم والجنب والسكران والساهي والطيور المعلمة. ويشترط في المصلي شرطان آخران: أولاً - ألا يقصد بقراءة الآية السجود، فإن قصده بطلت الصلاة، إلا قراءة سورة السجدة في صبح الجمعة، فإنها سنة، وإلا المأموم فيسجد إن سجد إمامه. وكما لا يصح قصد آية السجدة في الصلاة بقصد السجود، لا يصح قصد قراءتها في وقت الكراهة، فإن قصدها فلا يسجد لحرمتها. ثانياً - أن يكون هو القارئ: فإن كان القارئ غيره وسجد فلا يسجد، فإن سجد بطلت صلاته، إن كان عالماً عامداً. ولا سجود في صلاة الجنازة، ويسجد خطيب الجمعة لما يقرأ، دون المصلين، فيحرم عليهم السجود، للإعراض عن الخطبة. ويشترط للسامع سماع الآية بكاملها كالقراءة، فلا يكفي كلمة السجدة ونحوها، فلو سجد قبل الانتهاء إلى آخر السجدة، ولو بحرف واحد لم يجز. وقال الحنابلة: يزاد على الشروط المتفق عليها في المستمع شرطان كما قدمنا: أولاً - أن يصلح القارئ للإمامة: فلو سمع الآية من امرأة أو غير آدمي كالببغاء وآلة التسجيل لا يسن له السجود.

стр. 1091

ثانياً - أن يسجد القارئ: فإذا لم يسجد فلا يسن للمستمع. رابعاً - مفسدات سجود التلاوة: يبطل سجدة التلاوة كل ما يبطل الصلاة: من الحدث والعمل الكثير، والكلام والقهقهة، وعليه إعادتها. إلا عند الحنفية: لا وضوء عليه في القهقهة، ولا يفسدها محاذاة المرأة الرجل فيها، وإن نوى إمامتها، لانعدام الشركة، إذ هي مبنية على التحريمة، ولا تحريمة لهذه السجدة عندهم. وبناء عليه: يشترط بالاتفاق الكف عن مفسدات الصلاة، كالأكل ودخول وقت السجود، بأن يكون قد قرأ الآية أو سمعها. خامساً - أسباب سجدة التلاوة وصفتها: تتردد أسباب سجود التلاوة لآية سجدة، والسماع لها، والاستماع، كما هو موضح في المذاهب. فقال الحنفية: أسباب سجدة التلاوة ثلاثة أمور: الأول - التلاوة: فتجب على التالي، ولو لم يسمع نفسه كأن كان أصم. الثاني - سماع آية سجدة أو الاستماع إليها، والاستماع يكون بقصد دون السماع. الثالث - الاقتداء، فلو تلاها الإمام، وجبت على المقتدي، وإن لم يسمعها. وصفة السجود عندهم: أن يكبر للوضع، دون رفع يديه كسجدة الصلاة، ويسجد بين كفيه، واضعاً جبهته على الأرض للسجود، ثم يكبر للرفع، وكل من هاتين التكبيرتين سنة، ويرفع رأسه. ولا يقرأ التشهد، ولا يسلم، لعدم وجود التحريمة.

стр. 1092

ويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة، على الأصح وهو: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً. وقال المالكية: سبب سجدة التلاوة أمران فقط: التلاوة والاستماع بشرط أن يقصده، كما ذكر في شروطها. وصفتها: هي سجدة واحدة، بلا تكبير إحرام ولا سلام، بل يكبر للسجود، ثم للرفع منه استحباباً في كل منهما. ويكبر القائم من قيام ولا يجلس، والجالس من جلوس، وينزل لها الراكب، إلا إذا كان مسافراً، فيسجدها صوب سفره بالإيماء؛ لأنها نافلة. ويسبح فيها كالصلاة: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً. فيكون مذهب المالكية قريباً في بيان الصفة من الحنفية. ويزيد في سجوده ما ورد في الحديث الصحيح: «اللهم اكتب لي بها أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود» (١) وقال الشافعية: سبب سجود التلاوة: التلاوة والسماع والاستماع، كما قال الحنفية، بالشروط المتقدمة. ولها ركنان: النية لغير المأموم، أما المأموم فتكفيه نية الإمام. وسجدة واحدة، كسجدة الصلاة. والمصلي ينوي بالقلب. وغير المصلي: يزاد له ثلاثة أركان: تكبيرة الإحرام، والجلوس بعد السجدة، والسلام. ويسن له التلفظ بالنية. وصفتها: أن يكبر للهُوي، وللرفع، ولا يسن له رفع يديه في الصلاة، ويسن الرفع خارج الصلاة، ولا يجلس للاستراحة في الصلاة. ويقول في سجوده:

стр. 1093

(سبحان ربي الأعلى ثلاثاً)، ويضيف قائلاً: (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين) ويقول أيضاً: «اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع عني بها وزراً، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود» (١). ويندب كما ثبت عن الشافعي: أن يقول: (سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً) ولو قال ما يقوله في سجوده فقط، جاز وكفى. ويقوم مقام سجود التلاوة ما يقوم مقام تحية المسجد، فمن لم يرد فعلها قال أربع مرات: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر). وقال الحنابلة: سببها: التلاوة والاستماع بالشروط المتقدمة. وبشرط ألا يطول الفصل عرفاً بينها وبين سببها. فإن كان القارئ أو السامع محدثاً، ولا يقدر على استعمال الماء تيمم. ولا يسجد المقتدي إلا لمتابعة إمامه. ويكره للإمام سجوده لقراءة سجدة في صلاة سرية، لئلا يخلط على المأمومين، فإن فعل خير المأموم بين المتابعة وتركها؛ لأنه ليس بتال ولا مستمع، والأولى السجود متابعة للإمام. وأركانها ثلاثة: السجود والرفع منه، والتسليمة الأولى، أما الثانية فليست بواجبة، أما التكبير للهوي والرفع من السجود والذكر في السجود فهو واجب، كما في سجود صلب الصلاة. والجلوس للتسليم مندوب. والأفضل سجوده عن قيام، لما روى إسحاق بن راهويه عن عائشة: «أنها كانت تقرأ في المصحف، فإذا انتهت إلى السجدة، قامت، فسجدت» وتشبيهاً له بصلاة النفل.

стр. 1094

وصفتها: أن يكبر إذا سجد وإذا رفع، ويرفع يديه مع تكبيرة السجود إن سجد في غير الصلاة؛ لأنها تكبيرة افتتاح، كما قال الشافعية. أما في الصلاة فقياس المذهب ألا يرفع يديه، لأن في حديث ابن عمر «أن النبي ﷺ كان لا يفعله في السجود» (١) يعني رفع يديه، ويسلم إذا رفع. ويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة، ويزيد ما زاده الشافعية (سجد وجهي … ) (اللهم اكتب لي بها عندك أجراً … ) ٠. ولا يقوم الركوع مقام السجود عند غير الحنفية؛ لأنه سجود مشروع، فلا ينوب عنه الركوع، كسجود الصلاة. سادساً - المواضع التي تطلب فيها السجدة: عدد السجدات عند المالكية (٢) في المشهور: إحدى عشرة، منها عشر بالإجماع: وهي في سورة الأعراف الآية (٢٠٦)، والرعد (١٥)، والنحل (٤٩)، والإسراء (١٠٧)، ومريم (٥٨)، وفي أول الحج (١٨)، وفي الفرقان (٦٠)، وفي النمل (٢٥)، وفي الم السجدة (١٥)، وفي فصّلت (٣٨)، وفي ص (٢٤). واتفق الحنفية (٣) مع المالكية على سجدة (ص) وهي عندهم أربع عشرة، بإضافة ثلاث أخر: في سورة النجم (٦٢)، وإذا السماء انشقت (٢١)، واقرأ باسم ربك الذي خلق (١٩). أما سجدة الحج الثانية فإنها للأمر بالصلاة بدليل اقترانها بالركوع. والأحاديث الواردة بتفضيل سورة الحج بسجدتين فيها راويان ضعيفان.

стр. 1095

وقال الشافعية والحنابلة (١): السجدات أربع عشرة، منها سجدتان في سورة الحج، وفي أولها وآخرها (٧٧)، أما سجدة ص فهي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، وتحرم في الصلاة على الأصح وتبطلها، لما روى البخاري عن ابن عباس، قال: «ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها» وقال النبي ﷺ : «سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكراً» (٢). ويؤيد هذا الرأي حديث عمرو بن العاص: «أن رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصَّل، وفي الحج سجدتان» (٣) فدل على أن السجدات خمس عشرة، منها سجدتان في الحج، وفي ص. وحجة المالكية على نفي سجدات المفصل (النجم، الانشقاق، العلق): حديث ابن عباس عند أبي داود وابن السكن في صحيحه بلفظ: «لم يسجد النبي ﷺ في شيء من المفصَّل منذ تحول إلى المدينة» (٤). واستدل الجمهور (غير المالكية) على إثبات سجدات المفصل بحديث أبي هريرة قال: «سجدنا مع النبي ﷺ في: ﴿إذا السماء انشقت﴾ [الانشقاق:١/ ٨٤]، و ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق:١/ ٩٦] (٥) علماً بأن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع من الهجرة. واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم أيضا: «أن النبي ﷺ قرأ والنجم، فسجد

стр. 1096

فيها، وسجد من كان معه، غير أن شيخاً من قريش أخذ كفاً من حصى أو تراب، فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، قال عبد الله: فلقد رأيته بعدُ قتل كافراً» (١). سابعاً - هل تتكرر السجدة بتكرر التلاوة؟ تتكرر السجدة بتكرر التلاوة عند الجمهور، ولا تتكرر عند الحنفية إن كانت التلاوة لآية في مجلس واحد. قال الحنفية (٢): من كرر تلاوة آية سجدة واحدة في مجلس واحد، أجزأته سجدة واحدة، وفعلها بعد الأولى أولى، وقيل: التأخير أحوط، أي أنه يشترط اتحاد الآية والمجلس. أما إن كرر آية السجدة في عدة أماكن، أي اختلف المجلس، فيجب تكرار السجود. فإن قرأ عدة آيات فيها سجدات مختلفة، فيجب لكل آية سجدة سواء اتحد المجلس أم اختلف. ويتبدل المجلس بالانتقال منه بثلاث خطوات في الصحراء والطريق، وبالانتقال من غصن شجرة إلى غصن، وبسباحة في نهر أو حوض كبير في الأصح. ولا يتبدل بزوايا البيت الصغير، والمسجد ولو كان كبيراً، ولا بسير سفينة أو سيارة، ولا بركعة وبركعتين، وشربة وأكل لقمتين، ومشي خطوتين، ولا باتكاء وقعود وقيام وركوب ونزول في محل تلاوته، ولا بسير دابته مصلياً.

стр. 1097

ويتكرر الوجوب على السامع بتبديل مجلسه، وإن اتحد مجلس القارئ، فلو كررها راكباً يصلي، وغلامه يمشي، تتكرر على الغلام، لا الراكب، ولا تتكرر على السامع في عكسه وهو تبدل مجلس القارئ دون السامع على المفتى به (١)، ومن تلا آية سجدة، فلم يسجد لها، حتى دخل في الصلاة، فتلاها، وسجد لها، أجزأته السجدة عن التلاوتين. وإن تلاها في غير الصلاة، فسجد لها، ثم دخل في الصلاة، فتلاها، سجد لها، ولم تُجْزه السجدة الأولى. وإذا تلا آية سجدة في الصلاة ثم أعادها بعد سلامه، يسجد سجدة أخرى. ولا تقضى السجدة التي تتلى في الصلاة خارجها؛ لأن لها مزية، فلا تتأدى بناقص، وعليه التوبة. وقال المالكية: إذا كرر المعلم أو المتعلم آية السجدة، فيسن السجود لكل منهما عند قراءتها أول مرة فقط دفعاً للمشقة. ويسجد إن تجاوز آية السجدة تجاوزاً يسيراً كآية أو آيتين، فإن كان التجاوز كثيراً أعاد آية السجدة وسجد، ولو كان في صلاة فرض، ولكن لا يسجد في الفرض إذا لم ينحن للركوع. وقال الشافعية: لو كرر آية في مجلسين، أوفي مجلس في الأصح، سجد لكل من المرتين عقبها، والركعة كمجلس واحد، والركعتان كمجلسين. فإن لم يسجد وطال الفصل عرفاً ولو بعذر، لم يسجد أداء؛ لأنه من توابع القراءة. وقال الحنابلة: إذا كرر تلاوة الآية أو استماعها، يسن له تكرار السجود بمقدار ذلك، لتعدد السبب.

стр. 1098

ثامناً - أحكام فرعية لسجدة التلاوة: قال الحنفية (١): أـ يكره تحريماً ترك آية سجدة، وقراءة باقي السورة؛ لأن فيه قطع نظم القرآن وتغيير تأليفه الإلهي، واتباع النظم والتأليف مأمور به. ولا يكره عكسه: وهو قراءة آية السجدة من بين السورة؛ لأنها من القرآن، وقراءة ما هو من القرآن طاعة، كقراءة سورة من بين السور، ولكن يندب ضم آية أو آيتين إليها قبلها أو بعدها، لدفع وهم التفضيل، إذ الكل من حيث إنه كلام الله في رتبة واحدة، وإن كان لبعضها زيادة فضيلة باشتماله على صفاته تعالى. ب - يستحسن إخفاء آية السجدة عن سامع غير متهيء للسجود. والراجح وجوب السجود على متشاغل بعمل، وقد سمع آية السجدة، زجراً له عن تشاغله عن كلام الله. ويكره للإمام أن يقرأ آية سجدة في صلاة سرية لئلا يشتبه على المقتدين، وفي نحو جمعة وعيد، إلا أن تكون بحيث تؤدى بركوع الصلاة أو سجودها، ولو تلا على المنبر آية سجدة سجد الإمام فوق المنبر مع الكراهة أو تحته وسجد السامعون. جـ - لو سمع شخص آية السجدة من قوم، من كل واحد منهم حرفاً، لم يسجد لأنه لم يسمعها من تال، لأن اتحاد التالي شرط. د - يندب القيام ثم السجود لآية السجدة، ويندب ألا يرفع السامع رأسه من السجود قبل رفع رأس التالي لآية السجدة، ولا يؤمر التالي بالتقدم، ولا السامعون بالاصطفاف، وإنما يسجدون كيف كانوا.

стр. 1099

هـ - قيل: من قرأ آي السجدة كلها في مجلس، وسجد لكل منها، كفاه الله ما أهمه. وظاهره أنه يقرؤها ولاء، ثم يسجد، ويحتمل أن يسجد لكل آية بعد قراءة الكل، وهو غير مكروه. وقال المالكية (١): أـ يكره الاقتصار على قراءة الآية للسجود، كما قال الحنفية؛ كأن يقرأ ﴿إنما يؤمن بآياتنا﴾. [السجدة:١٥/ ٣٢] وعلى القول بالكراهة: لو قرأها لا يسجد. ب - يكره لمصلٍ تعمد السجدة، بأن يقرأ ما فيه آيتها، بفريضة، ولو صبح جمعة على المشهور، لا في نفل، فلا يكره. فإن قرأها بفرض عمداً أو سهواً سجد لها، ولو بوقت نهي، أما إن قرأها في خطبة جمعة أو غيرها فلا يسجد لها، لاختلال نظامها. جـ - يندب لإمام الصلاة السرية كالظهر الجهر بآية السجدة، ليسمع المأمومون فيتبعوه في سجوده، فإن لم يجهر بها، بل قرأها سراً وسجد، اتبعه المقتدون؛ لأن الأصل عدم السهو، فإن لم يتبعوه صحت صلاتهم؛ لأن اتباعه واجب غير شرط؛ لأن السجدة ليست من الأفعال المقتدى به فيها أصالة، وترك الواجب الذي ليس بشرط لا يوجب البطلان. د - من تجاوز السجدة في القراءة بآية أو آيتين، يسجد، بلا إعادة القراءة لمحل السجدة. وإن تجاوز بكثير يعيدها، أي يعيد القراءة لآية السجدة، سواء في الصلاة ولو بفرض أم في غيرها. ويسجد لها ما لم ينحن بقصد الركوع في نفل أو فرض، فإن ركع بالانحناء فات تداركها. ويندب إعادة القراءة بالنفل لافي الفرض في

стр. 1100

الركعة الثانية، إذا لم تكن قراءتها في الثانية. والظاهر إعادتها قبل الفاتحة لتقدم سببها. هـ - يندب لساجد السجدة في الصلاة قراءة شيء من القرآن قبل الركوع ولو من سورة أخرى، ليقع ركوعه عقب قراءة. ولو قصد أداء السجدة بعد قراءة محلها، وانخفض بنيتها، فركع ساهياً صح ركوعه عند الإمام مالك، بناء على أن الحركة للركن لا تشترط، ثم يسجد للسهو لهذه الزيادة بعد السلام إن اطمأن بركوعه، فإن لم يطمئن سجدها، ولا سجود سهو عليه. وقال الحنابلة (١): أـ لا يسجد المرء سجدة التلاوة في الأوقات المنهي عنها التي لا يجوز فيها التطوع بالصلاة، خلافاً للشافعية، لعموم قوله ﵇: «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس» وهذا مروي عن ابن عمر، وعن أبي بكر وعمر وعثمان. ب - إن قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة: فإن شاء ركع، وإن شاء سجد، ثم قام فركع، قال ابن مسعود: «إن شئت ركعت، وإن شئت سجدت». جـ - إن كان القارئ على الراحلة في السفر، جاز أن يومئ بالسجود حيث كان اتجاهه، كصلاة النافلة. وهذا متفق عليه بين المذاهب (٢). لما روى ابن عمر «أن النبي ﷺ قرأ عام الفتح سجدة، فسجد الناس كلهم، منهم الراكب، والساجد في

стр. 1101

الأرض، حتى إن الراكب ليسجد على يده» (١). د - يكره اختصار السجود: وهو أن ينتزع الآيات التي فيها السجود، فيقرؤها ويسجد فيها؛ لأنه ليس بمروي عن السلف فعله، بل كراهته. وقد قدمنا جوازه عند الحنفية. هـ - يكره للإمام السجدة في صلاة سرية، وإن قرأ لم يسجد؛ لأن فيها إبهاماً على المأموم. وهذا متفق مع رأي الحنفية، ولم يكرهه الشافعي؛ لحديث ابن عمر: «أن النبي ﷺ سجد في الظهر، ثم قام فركع، فرأى أصحابه أنه قرأ سورة السجدة» (٢). وذكر المالكية أن الإمام يجهر بالسجدة حينئذ كما أسلفنا. المطلب الثالث - سجدة الشكر: تستحب سجدة الشكر عند الجمهور، وتكره عند المالكية، وعبارات الفقهاء في شأنها ما يأتي: قال الحنفية (٣): هي مكروهة عند أبي حنيفة لعدم إحصاء نعم الله تعالى. وهي قربة يثاب عليها، لما روى الأئمة الستة إلا النسائي عن أبي بكرة «أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسره، أو بشر به، خر ساجداً» وهيئتها: مثل سجدة التلاوة. والمفتى به أنها مستحبة، لكنها تكره بعد الصلاة؛ لأنه الجهلة يعتقدونها سنة أو واجبة، وكل مباح يؤدي إلى هذا الاعتقاد فهو مكروه. وعلى هذا ما يفعل عقب الصلاة من السجدة مكروه إجماعاً؛ لأن العوام يعتقدون أنها واجبة أو سنة، وكل

стр. 1102

جائز أدى إلى اعتقاد ذلك كره. وإذا نواها ضمن ركوع الصلاة أو سجودها، أجزأته. ويكره أن يسجد شكراً بعد الصلاة في الوقت الذي يكره فيه النفل، ولا يكره في غيره. وقال المالكية (١): يكره سجود الشكر عند سماع بشارة، والسجود عند زلزلة، وإنما المستحب عند حدوث نعمة أو اندفاع نقمة: صلاة ركعتين؛ لأن عمل أهل المدينة على ذلك. وأجاز ابن حبيب المالكي سجد ة الشكر لحديث أبي بكر السابق (٢). وقال الشافعية (٣): سجدة الشكر لا تدخل في الصلاة. وتسن لهجوم نعمة، كحدوث ولد أو جاه أو اندفاع نقمة كنجاة من حريق أو غريق، أو رؤية مبتلى في بدنه أو غيره، أو رؤية عاص يجهر بمعصيته، ويظهرها للعاصي، لا للمبتلى. وهي كسجدة التلاوة، والأصح جوازهما على الراحلة للمسافر بالإيماء لمشقة النزول، فإن سجد الراكب لتلاوة صلاة، جاز الإيماء على الراحلة قطعاً تبعاً للنافلة كسجود السهو. وأدلتهم في حالة تجدد نعمة أو اندفاع نقمة: حديث أبي بكرة السابق، وحديث عبد الرحمن بن عوف، قال: خرج النبي ﷺ ، فتوجه نحو صَدَفَته (٤)،

стр. 1103

فدخل، فاستقبل القبلة، فخر ساجداً، فأطال السجود، ثم رفع رأسه، وقال: إن جبريل أتاني، فبشرني، فقال: إن الله يقول لك: «من صلى عليك صليت عليه، ومن سلّم عليك سلمت عليه، فسجدت شكراً لله» (١). وروى أبو داود بإسناد حسن «أنه ﷺ قال: سألت ربي، وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فسجدت شكراً لربي، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي، فأعطاني ثلث أمتي، فسجدت شكراً لربي، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي فأعطاني الثلث الآخر، فسجدت شكراً لربي». ودليلهم لحالة رؤية المبتلى: حديث رواه البيهقي، وشكر الله على سلامته. وأما حالة رؤية العاصي: فلأن المصيبة في الدين أشد منها في الدنيا، قال ﷺ : «اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا»، وعند رؤية الكافر أولى. وقال الحنابلة (٢): يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم، واندفاع النقم لحديث أبي بكرة السابق، وسجد الصديق حين فتح اليمامة. ويشترط لسجود الشكر ما يشترط لسجود التلاوة. ولا يسجد للشكر وهو في الصلاة؛ لأن سبب السجدة ليس منها، فإن فعل بطلت صلاته، إلا أن يكون ناسياً أو جاهلاً بتحريم ذلك. المبحث الثاني - قضاء الفوائت: معناه وحكمه شرعاً، أعذار سقوط الصلاة وتأخيرها، كيفية القضاء سفراً

стр. 1104

وحضراً سراً وجهراً، الترتيب في قضاء الفوائت، متى يسقط الترتيب، القضاء إن جهل العدد، القضاء في وقت النهي عن الصلاة. أولاً - معنى القضاء وحكمه شرعاً: الأداء: فعل الواجب في وقته، وبإدراك التحريمة يكون أداء عند الحنفية والحنابلة، أما عند الشافعية والمالكية: فبإدراك ركعة من الصلاة، كما بينا في بحث أوقات الصلاة. والإعادة: فعل مثل الواجب في وقته، لخلل غير الفساد، قال الحنفية: كل صلاة أديت مع كراهة التحريم تعاد وجوباً في الوقت، وخارج الوقت. والقضاء: فعل الواجب بعد وقته (١). أو إيقاع الصلاة بعد وقتها. والشأن في المسلم ديناً وعقلاً أن يبادر إلى أداء الصلاة في وقتها، ويأثم بتأخيرها عن وقتها بغير عذر، كما بينا في فضل الصلاة، لقوله تعالى: ﴿فإذا اطمأننتم، فأقيموا الصلاة، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء:١٠٣/ ٤]. وتأخير الصلاة من غير عذر معصية كبيرة لا تزول بالقضاء وحده، بل بالتوبة أو الحج بعد القضاء. ومن أخر الصلاة عن وقتها لعذر مشروع فلا إثم عليه، ومن العذر: خوف العدو، وخوف القابلة موت الولد، أو خوف أمه إذا خرجه رأسه، لأنه ﵇ أخر الصلاة يوم الخندق: قال ابن مسعود: «إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً

стр. 1105

فأذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء» (١). ومن شغلت ذمته بأي تكليف لا تبرأ إلا بتفريغها أداء أو قضاء، لقوله ﷺ : «فدين الله أحق أن يقضى» (٢). فمن وجبت عليه الصلاة، وفاتته بفوات الوقت المخصص لها، لزمه قضاؤها (٣) فهو آثم بتركها عمداً، والقضاء عليه واجب، لقوله ﷺ : «إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ [طه:١٤/ ٢٠] (٤) وللبخاري: «من نسي صلاة، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» ومجموع الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» فمن فاتته الصلاة لنوم أو نسيان قضاها، وبالأولى من فاتته عمداً بتقصير يجب عليه قضاؤها. وعليه: يجب القضاء بترك الصلاة عمداً أو لنوم أو لسهو، ولوشكاً. ولا يجب القضاء عند المالكية لجنون أو إغماء أو كفر، أو حيض أو نفاس، أو لفقد الطهورين.

стр. 1106

ولا يأثم من أخر الصلاة لعذر النوم أو النسيان، لحديث أبي قتادة قال: ذكروا للنبي ﷺ نومهم عن الصلاة، فقال: إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها» (١). ثاني اً - أعذار سقوط الصلاة وتأخيرها: أـ أعذار سقوط الصلاة: اتفق العلماء على أن الصلاة تسقط عن المرأة أيام الحيض والنفاس، فلا يجب عليها قضاء ما فاتها من الصلوات أثناء الحيض أو النفاس، كما لاقضاء على الكافر الأصلي والمجنون اتفاقاً. وذكر الحنفية (٢): أن الصلاة تسقط عن المجنون والمغمى عليه إذا استمر الجنون أو الإغماء أكثر من خمس صلوات، أما إن استمر أقل من ذلك، خمس صلوات فأقل، وجب عليهما القضاء لصلاة ذلك الوقت إذا بقي من الوقت ما يسع أكثر من التحريمة. فلو لم يبق من الوقت ما يسع قدر التحريمة، لم تجب عليهما صلاة ذلك الوقت. وأما المرتد: فلا يقضي ما فاته زمن الردة ولا ما قبلها إلا الحج؛ لأنه بالردة يصير كالكافر الأصلي. ويعذر حربي أسلم بدار الحرب بالجهل، فلا يقضي ما عليه إذا مكث مدة؛ لأن العلم بالخطاب شرط التكليف. وبينا أن المالكية قالوا: لا يجب القضاء في حال الجنون والإغماء والكفر والحيض والنفاس وفقد الطهورين (٣).

стр. 1107

وقال الشافعية (١): لا تجب الصلاة على الحائض والنفساء كغيرهم من المذاهب، أما الكافر الأصلي إذا أسلم فلا يخاطب بقضاء الصلاة، لقوله : ﴿قل للذين كفروا: إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال:٣٨/ ٨] ولأن في إيجاب ذلك عليه تنفيراً عن الإسلام، فعفي عنه. وأما المرتد إذا أسلم: فيلزمه قضاء الصلاة، لأنها وجبت عليه، واعتقد وجوبها، وقدر على التسبب إلى أدائها فهو كالمحدث، حتى إنه إن جن حال الردة ففاته صلوات، لزمه قضاؤها. ومن زال عقله بجنون أو إغماء أو مرض أو بسب مباح: فلا تجب عليه الصلاة ولا قضاء عليه لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة» فنص على المجنون، وقيس عليه كل من زال عقله بسب مباح. أما من زال عقله بسبب محرم كمن شرب المسكر، أو تناول دواء من غير حاجة، فزال عقله، فيجب عليه القضاء إذا أفاق؛ لأنه زال عقله بمحرم، فلم يسقط عنه الفرض .. وقال الحنابلة (٢): لا تجب الصلاة على صبي ولا كافر ولا حائض أو نفساء. أما الكافر الأصلي فلا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال كفره، بغير خلاف للآية السابقة: ﴿قل للذين كفروا .. ﴾ [الأنفال:٣٨/ ٨] وأسلم في عصر النبي ﷺ خلق كثير وبعده، فلم يؤمر أحد منهم بقضاء، ولأن في إيجاب القضاء عليه تنفيراً عن الإسلام، فعفي عنه، كما قال الشافعية. وأما المرتد: ففي وجوب القضاء عليه روايتان عن أحمد: إحداهما كالحنفية: لا يلزمه؛ لأن عمله قد حبط بكفره بدليل قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليَحْبطنَّ عملُك﴾ [الزمر:٦٥/ ٣٩]، ولو حج لزمه استئناف حجه. فصار كالكافر الأصلي في جميع أحكامه.

стр. 1108

والثانية كالشافعية: يلزمه قضاء ما ترك من العبادات في حال ردته، وإسلامه قبل ردته، ولا يجب عليه إعادة الحج؛ لأن العمل إنما يحبط بالإشراك مع الموت، لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾ [البقرة:٢١٧/ ٢]. والمجنون غير مكلف، ولا يلزمه قضاء ما ترك في حال جنونه، إلا أن يفيق في وقت الصلاة، فيصير كالصبي يبلغ، ولا خلاف في ذلك، للحديث السابق: «رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل» (١)، ولأن مدته تطول غالباً، فوجوب القضاء عليه يشق، فعفي عنه. والمغمى عليه: يقضي جميع الصلوات التي كانت عليه في حال إغمائه، فحكمه حكم النائم، لا يسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها كالصلاة والصيام. بدليل ما روى الأثرم أن عماراً أغمي عليه ثلاثاً، فقضى ما عليه، وأن سمرة بن جندب سئل عن صلاة المغمى عليه فقال: «ليصليهن جميعاً» وهذا الرأي خلاف ما عليه الحنفية والمالكية والشافعية كما بينا. ومن شرب دواء فزال عقله به نظر: فإن كان زوالاً لا يدوم كثيراً فهو كالإغماء، وإن كان يتطاول فهو كالجنون. وأما السكر ومن شرب محرماً يزيل عقله وقتاً دون وقت: فلا يؤثر في إسقاط التكليف، وعليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله، بلا خلاف، ولأنه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح، فبالسكر المحرم أولى.

стр. 1109

إسقاط الصلاة والصوم وغيرهما عن المريض العاجز الذي مات: قال الحنفية (١): إذا مات المريض الذي عجز في الحياة عن الصلاة بالإيماء برأسه، لا يلزمه الإيصاء بها، وإن قلت. وكذا المسافر والمريض إن أفطرا في الصوم، وماتا قبل الإقامة والصحة، فلا يلزمهما الإيصاء به. لكن تكون الوصية مستحبة بفدية الصلاة والصيام ونحوها. ومن مات وعليه صلوات فائتة بغير عذر بأن كان يقدر على أدائها ولو بالإيماء، فيلزمه الإيصاء بالكفارة عنها، وإلا فلا يلزمه وإن قلّت بأن كانت دون ست صلوات، لقوله ﷺ : «فإن لم يستطع فالله أحق بقبول العذر منه». وكذلك من أفطر في رمضان ولو بغير عذر، يلزمه الوصية بفدية ما عليه بما قدر عليه، ويبقى في ذمته، ويخرجه عنه وليه من ثلث تركته. وللولي التبرع بالفدية إن لم يوص أو لم يترك مالاً. ومقدار الكفارة عن الصلاة ومنها الوتر عند الحنفية، والصوم: أن يعطى لكل صلاة وصوم يوم نصف صاع من بُرّ (ربع مد دمشقي من غير تكريم، بل قدر مَسْحة)، كفطرة الصيام لكل من الصلاة والصوم على حدة، وتقدر بـ ١٠٨٧،٥ غم. وتؤخذ الكفارة وفدية الصوم: من ثلث مال المتوفى. فإن لم يكن له مال يستقرض وارثه نصف صاع مثلاً، ويهبه للفقير، ثم يهبه الفقير لولي الميت ويقبضه، ثم يدفعه الولي للفقير، فيسقط من الصلاة والصوم بقدره، وهكذا حتى يتم إسقاط ما كان عليه من صلاة وصوم.

стр. 1110

لكن يلاحظ أن مثل هذه الحيلة غير مقبولة؛ لأن الصلاة عبادة بدنية، ولا تسقطها شكليات فارغة وطقوس جوفاء. ويجوز إعطاء فدية صلوات لواحد جملة، بخلاف كفارة اليمين، كما يجوز إعطاء الفقير أقل من نصف صاع. ولا يصح للمرء في حال حياته أن يفدي عن صلاته في مرضه، فلا فدية في الصلاة حال الحياة بخلاف الصوم فإنه يجوز بل تجب الفدية عنه. ولا يجوز للورثة قضاء الصلاة عن الميت بأمره؛ لأن الصلاة عبادة بدنية شخصية، بخلاف الحج فإنه يقبل النيابة. ب - أعذار تأخير الصلاة عن وقتها: عرفنا سابقاً أن تأخير الصلاة بعذر كالنوم والنسيان والغفلة، يوجب القضاء ويسقط الإثم، للحديث السابق عن أبي قتادة «إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة» إلا أن الشافعية قالوا: يكون النسيان عذراً إذا لم يكن ناشئاً عن تقصير، فإن نسي الصلاة لاشتغاله بلعب مثلاً فلا يكونن معذوراً ويأثم بتأخير الصلاة عن وقتها. ثالثاً - كيفية قضاء الفائتة أو صفتها: قال الحنفية (١): تقضى الصلاة على الصفة السابقة التي فاتت عليها حضراً أو سفراً، فمن فاتته صلاة مقصورة في السفر، قضاها ركعتين ولو في الحضر. ومن فاتته صلاة تامة في الحضر، قضاها أربعاً ولو في السفر. أما صفة القراءة في القضاء سراً أو جهراً، فيراعى نوع الصلاة: فإن كانت

стр. 1111

سرية كالظهر، يسر في القراءة، وإن كانت جهرية يجهر فيها إن كان إماماً، ويخير بين الجهر والإسرار إن كان منفرداً. ويجب القضاء فوراً، ويجوز تأخيره لعذر السعي على العيال وفي الحوائج على الأصح، كما أن أداء سجدة التلاوة خارج الصلاة والنذر المطلق وقضاء رمضان موسع يجوز تأخيره للعذر السابق. وقال المالكية (١) كالحنفية: يقضيها بنحو ما فاتته سفراً أو حضراً، جهراً أو سراً، فوراً، ويحرم عليه تأخير القضاء، ولو كان وقت نهي كطلوع شمس وغروبها وخطبة جمعة، إلا وقت الضرورة كوقت الأكل والشرب والنوم الذي لا بد منه، وقضاء حاجة الإنسان، وتحصيل ما يحتاج له في معاشه. وعلى هذا تقضى الحضرية كاملة ولو قضاها في السفر، وتقضى النهارية سراً ولو قضاها ليلاً، وتقضى الليلية جهراً ولو قضاها نهاراً؛ لأن القضاء يحكي ما كان أداء. وقال الشافعية والحنابلة (٢): ينظر لمكان القضاء ووقت القضاء، فيقضي المسافر الصلاة الرباعية ركعتين، سواء فاتته في السفر أم في الحضر، فإن كان في الحضر فيقضي الرباعية أربعاً، وإن فاتته في السفر، لأن الأصل الإتمام، فيرجع إليه في الحضر، ولأن سبب القصر هو السفر وليس متوفراً في الحضر. وفائتة السفر تقضى قصراً في السفر دون الحضر، في الأظهر عند الشافعية، نظراً لوجود السبب.

стр. 1112

ويسر ويجهر في الصلاة بحسب الوقت، فإن صلى في النهار من طلوع الشمس إلى غروبها أسر، وإن صلى في الليل من مغيب الشمس إلى طلوعها جهر. إلا أن الحنابلة قالوا: إن كان القضاء ليلاً يجهر الإمام لتشابه القضاء مع الأداء، فإن كان منفرداً أسر مطلقاً، قال الإمام أحمد: إنما الجهر للجماعة. قضاء الفائتة بجماعة، وقضاء السنن: وأضاف الحنابلة: أنه يستحب قضاء الفوائت في جماعة، كما فعل النبي ﷺ يوم الخندق، حينما فاتته صلوات أربع، فقضاهن في جماعة. ولا يكره قضاء السنن الرواتب قبل الفرض، ويستحب أن يقضي ركعتي الفجر قبل الفريضة، لما روى أبو هريرة قال: عرَّسْنا - نزلنا ليلاً - مع رسول الله ﷺ ، فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال رسول الله ﷺ : ليأخذ كل رجل منكم برأس راحلته، فإن هذا منزل حضر فيه الشيطان، قال: ففعلنا، ثم دعا بالماء فتوضأ، ثم سجد سجدتين، ثم أقيمت الصلاة، فصلى الغداة (١). القضاء على الفور: ويجب أن يكون القضاء فوراً باتفاق الفقهاء، سواء فاتت الصلاة بعذر أم بغير عذر. إلا أن الشافعية فصلوا في الأمر فقالوا: يبادر بالفائت ندباً إن فاته بعذر كنوم ونسيان، ووجوباً إن فاته بغير عذر، على الأصح فيهما، تعجيلاً لبراءة ذمته، ودليل إيجاب الفورية قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه:١٤/ ٢٠] ولأن تأخير الصلاة بعد الوقت معصية يجب الإقلاع عنها فوراً.

стр. 1113

رابعاً - الترتيب في قضاء الفوائت ومتى يسقط الترتيب؟ يجب ترتيب قضاء الفوائت عند الجمهور، وهو سنة عند الشافعية، على التفصيل التالي: قال الحنفية (١): الترتيب بين الفروض الخمسة والوتر وبين الفائتة والوقتية مستحق لازم إلا أن يخاف فوات صلاة الوقت، فيقدم صلاة الوقت ثم يقضي الفائتة. بدليل قول ابن عمر: «من نام عن صلاة أو نسيها، فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فليصل التي هو فيها، ثم ليصل التي ذكرها، ثم ليعد التي صلى مع الإمام» (٢). ومن فاتته صلوات رتبها في القضاء، كما وجبت عليه في الأصل؛ لأن النبيصلّى الله عليه وسلم شغل عن أربع صلوات يوم الخندق، فقضاهن مرتباً، ثم قال «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣) إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات غير الوتر، فيسقط الترتيب بينها، كما سقط فيما بينها وبين الوقتية؛ لأن الفوائت قد كثرت، ولخروج وقت الصلاة السادسة، ولا يعود الترتيب بعودها إلى القلة، على المختار. وقال صاحب الهداية: يعود الترتيب عند البعض، وهو الأظهر. وبناء عليه: لو صلى فرضاً ذاكراً فائتة، ولو كانت وتراً، فسد فرضه فساداً موقوفاً، فلو فاتته صلاة الصبح، ثم صلى الصبح، ثم صلى الظهر بعدها، وهو

стр. 1114

ذاكر فسدت صلاة الظهر فساداً موقوفاً، ولو صلى العصر قبل قضاء الصبح وقعت صلاة العصر فاسدة فساداً موقوفاً كذلك، وهكذا إلى خروج وقت صلاة صبح اليوم التالي، فإن قضى فائتة صبح اليوم الأول قبل ذلك، فسدت فرضية كل ما صلاه، وانقلب نفلاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولزمه إعادته (١). وتوضيح الأمر: أن فساد أصل الصلاة بترك الترتيب موقوف عند أبي حنيفة سواء ظن وجوب الترتيب أو لا، وعند الصاحبين: الفساد بات. وعلى رأي أبي حنيفة: إن كثرت الفوائت، وصارت الفواسد مع الفائتة ستاً، ظهر صحتها، بخروج وقت الخامسة التي هي سادسة الفوائت. وإن لم تصر ستاً، لا تظهر صحتها، بل تصير نفلاً. فإذا فاتته صلاة ولو وتراً، فكلما صلى بعدها، وهو ذاكر لتلك الفائتة، فسدت تلك الوقتية فساداً موقوفاً على قضاء تلك الفائتة، فإن قضاها قبل أن يصلي بعدها خمس صلوات، صار الفساد باتاً، وانقلبت الصلوات التي صلاها قبل قضاء المقضية نفلاً. وإن لم يقضها حتى خرج وقت الخامسة، وصارت الفواسد مع الفائتة ستاً، انقلبت صحيحة؛ لأنه ظهرت كثرتها، ودخلت في حد التكرار المسقط للترتيب. ويسقط الترتيب بأحد ثلاثة أمور: الأول - أن تصير الفوائت ستاً، كما بينا، ولا يدخل الوتر في العدد المذكور. الثاني - ضيق الوقت المستحب عن أن يسع الفائتة والوقتية الحاضرة.

стр. 1115

الثالث - نسيان الفائتة وقت الأداء، لقوله ﷺ : «إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (١). وقال المالكية (٢): يجب الترتيب مع التذكر والقدرة بأن لا يكره على عدمه. والترتيب شرط في صلاتين حاضرتين مشتركتي الوقت وهما الظهران والعشاءان، فمن تذكر الظهر وهو في أثناء العصر، فالعصر باطلة، وكذا العشاء مع المغرب؛ لأن ترتيب الحاضرة واجب شرطاً. ويقطع الحاضرة إن لم يتم ركعة، ويندب أن يضم إليها ركعة أخرى إن أتم ركعة ويجعلها نفلاً. ويجب الترتيب مع الشرطين السابقين (التذكر والقدرة) بين الفوائت اليسيرة والصلاة الحاضرة، فتقدم الفائتة على الحاضرة، كمن عليه المغرب والعشاء والصبح، يجب تقديمها على الصبح الحاضرة، وإن خرج وقت الحاضرة، بتقديمه يسير الفوائت الواجب تقديمه عليها. وهذا واجب لا شرط، فلو خالفه لا تبطل المُقدَّمة على محلها، ولكنه يأثم، ولا إعادة عليه لخروج وقتها بمجرد فعلها، فإن قدمها ناسياً أو مكرهاً صحت ولا إثم عليه. ويندب إعادة الحاضرة لو قدمها على يسير الفائتة ولو عمداً، بوقت ضروري (وهو في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين لطلوع الفجر). ويسير الفوائت: خمس فأقل، فيصليها قبل الحاضرة ولو ضاق وقتها. ولو تذكر المصلي اليسير من الفوائت في أثناء فرض الصلاة، ولو صبحاً أو

стр. 1116

جمعة، إماماً أو غيره، قطع صلاته وجوباً إذا لم يتم ركعة بسجدتيها، إذا كان منفرداً أو إماماً، ويتبعه المأموم. فإن كان مأموماً فلا يقطع الفوائت في وقت ضروري. فإن كان قد أتم ركعة بسجدتيها، ندب له أن يضم إليها ركعة أخرى بنية النفل، وسلم، ورجع للفائتة. وإن تذكر بعد ركعتين من الثنائية، أو الثلاثية، أو بعد ثلاث من الرباعية أتمها؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، ثم صلى الفوائت، ثم يعيد الحاضرة ندباً في وقتها إن كان باقياً. وإن تذكر يسير الفوائت وهو في نفل أتمه مطلقاً، إلا إذا خاف خروج وقت الصلاة الحاضرة، ولم يكن قد أكمل ركعة، فيقطعه حينئذ، ويصلي الفرض. وإذا كانت الفوائت كثيرة أكثر من خمس، فلا يجب تقديمها على الحاضرة، بل يندب تقديم الحاضرة إن اتسع وقتها، فإن ضاق قدمها وجوباً. وقال الحنابلة على الصحيح من المذهب (١): الترتيب بين الفوائت في نفسها كثيرة أو قليلة، أو بينها وبين الحاضرة واجب إن اتسع الوقت لقضاء الفائتة، فإن لم يتسع سقط الترتيب. ولايسقط الترتيب في ظاهر المذهب من أجل إدراك الجماعة للصلاة الحاضرة، لأنه آكد من الجماعة، بدليل اشتراطه لصحة الصلاة، بخلاف الجماعة، كما لايسقط الترتيب بجهل وجوبه؛ لأنه ترتيب واجب في الصلاة، ولا عذر بالجهل بالأحكام الشرعية. فإن صلى العصر قبل الظهر الفائتة، لم تصح المتقدمة على محلها. وإن تذكر

стр. 1117

الأولى في أثناء الثانية، بطلت الثانية، لكن من ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى، أتمها، وقضى المذكورة، وأعاد التي كان فيها إذا كان الوقت باقياً، وذلك سواء أكان إماماً أم مأموماً أم منفرداً. والدليل على إتمامها قوله تعالى: ﴿ولاتبطلوا أعمالكم﴾ [محمد:٣٣/ ٤٧]. ودليل إيجاب الترتيب: ما روي «أن النبي ﷺ فاته يوم الخندق أربع صلوات، فقضاهن مرتبات». وإذا كثرت عليه الفوائت يتشاغل بالقضاء ما لم يلحقه مشقة في بدنه أو ماله. ومن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها، أعاد صلاة يوم وليله، عند أكثر أهل العلم؛ لأن التعيين شرط في صحة الصلاة المكتوبة، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بإعادة الصلوات الخمس. ويندب عموماً تقديم صلاة الظهر؛ لأنها أول فريضة ظهرت في الإسلام، ما لم يعلم أن أول ما تركه غير الظهر. وقال الشافعية (١): يسن ترتيب الفائت، وتقديمه على الحاضرة التي لا يخاف فوت وقتها، عملاً بفعل النبي ﷺ يوم الخندق، وخروجاً من خلاف من أوجبه، فترتيب الفائتة وتقديمها على الحاضرة مشروط بشرطين: الأول - ألا يخشى فوات الحاضرة، بعدم إدراك ركعة منها في الوقت. الثاني - أن يكون متذكراً للفوائت قبل الشروع في الحاضرة. فإن لم يتذكرها حتى شرع في الحاضرة، وجب إتمامها، ضاق الوقت أو اتسع، ولو شرع في فائتة معتقداً سعة الوقت، فبان ضيقه عن إدراكها أداء، وجب قطعها لئلا تصير فائتة،

стр. 1118

والأفضل أن يقلبها نفلاً بعد أداء ركعتين. ولو خاف فوت جماعة حاضرة، فالأفضل الترتيب، للخلاف في وجوبه. وترتيب الحاضرتين المجموعتين تقديماً واجب، وأما تأخيراً فهو سنة. خامساً - القضاء إن جهل عدد الفوائت: قال الحنفية (١): من عليه فوائت كثيرة لا يدري عددها، يجب عليه أن يقضي حتى يغلب على ظنه براءة ذمته. وعليه أن يعين الزمن، فينوي أول ظهر عليه أدرك وقته ولم يصله، أو ينوي آخر ظهر عليه أدرك وقته ولم يصله، وذلك تسهيلاً عليه. وقال المالكية والشافعية والحنابلة (٢): يجب عليه أن يقضي حتى يتيقن براءة ذمته من الفروض، ولا يلزم تعيين الزمن، بل يكفي تعيين المنوي كالظهر أو العصر مثلاً. سادساً - القضاء في وقت النهي عن الصلاة: قال الحنفية: ثلاثة أوقات لا يصح فيها شيء من الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة قبل دخولها: عند طلوع الشمس إلى أن ترتفع وتبيضّ قدر رمح أو رمحين. وعند استواء الشمس في وسط السماء إلى أن تزول أي تميل إلى جهة المغرب. وعند اصفرار الشمس إلى أن تغرب، لقول عقبة بن عامر ﵁: ثلاثة أوقات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيها، وأن نقبر موتانا: عند طلوع

стр. 1119

الشمس حتى ترتفع، وعند زوالها حتى تزول، وحين تتضيف للغروب حتى تغرب» (١). وما عدا ذلك يجوز فيه القضاء ولو بعد العصر والصبح. ويصح أداء ما وجب في هذه الأوقات كجنازة حضرت، وسجدة آية تليت فيها، كما صح عصر اليوم عند الغروب مع الكراهة كما بينا. لكن - كما بينا سابقاً - يكره تحريماً صلاة النافلة ولو كان لها سبب كالمنذورة وركعتي الطواف في الأوقات الثلاثة. كما يكره التنفل بعد الفجر بأكثر من سنته وبعد صلاته، وبعد صلاة العصر، وقبل صلاة المغرب، وعند خروج الخطيب إلى الخطبة حتى يفرغ من الصلاة. وعند إقامة الصلاة إلا سنة الفجر، وقبل صلاة العيد ولو تنفل في المنزل، وكذا يكره التنفل بعد العيد في المسجد، وبين الجمعين في عرفة ولو بسنة الظهر، وجمع مزدلفة ولو بسنة المغرب على الصحيح؛ لأنه ﷺ لم يتطوع بينهما. وعند ضيق وقت المكتوبة لتفويته الفرض عن وقته، وفي حال مدافعة الأخبثين، وحضور طعام تتوقه نفسه، وما يشغل البال ويخل بالخشوع (٢). وقال المالكية والشافعية والحنابلة (٣): يجوز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها، روي ذلك عن علي ﵁ وغير واحد من الصحابة، وللحديث السابق: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (٤) ولحديث

стр. 1120

أبي قتادة السابق: «إنما التفريط في اليقظة على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها» (١). وخبر النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة السابقة مخصوص بالقضاء في الوقتين الآخرين، وبعصر يومه، فنقيس محل النزاع على المخصوص. ولو طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح، أتمها، لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أدرك سجدة من صلاة العصر، قبل أن تغيب الشمس، فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته» (٢). وهذا نص في المسألة يقدم على عموم غيره. وقال الحنفية: تفسد الصلاة حينئذ؛ لأنها صارت في وقت النهي.

стр. 1121

الفَصْلُ العَاشِر: أَنْواعُ الصَّلاة وفيه مباحث ثمانية: المبحث الأول - صلاة الجماعة وأحكامها (الإمامة والاقتداء): وفيه بحث صلاة المسبوق، والاستخلاف والبناء على الصلاة. الكلام في هذا المبحث يتناول المطالب الخمسة الآتية: الجماعة، الإمامة، القدوة، الأمور المشتركة بين الإمام والمأموم، الاستخلاف في الصلاة. المطلب الأول - الجماعة: تعريفها، مشروعيتها وفضلها وحكمتها، حكمها، أقل الجماعة أو من تنعقد به الجماعة، أفضل الجماعة، إدراك ثوابها، إدراك الفريضة، المشي للجماعة والمبادرة إليها مع الإمام، تكرار الجماعة في المسجد، الإعادة مع الجماعة، وقت استحباب القيام للصلاة، أعذار ترك الجماعة والجمعة.

стр. 1122

أولاً - تعريف الجماعة: الجماعة: هي الارتباط الحاصل بين صلاة الإمام والمأموم. وقد شرع الإسلام عدة مناسبات ولقاءات اجتماعية بين المسلمين لأداء العبادة في أوقات معلومة، منها أداء الصلوات الخمس في اليوم والليلة، ومنها صلاة الجمعة في الأسبوع، ومنها صلاة العيدين في السنة مرة لأهل كل بلد، ومنها عام للبلاد كلها وهو الوقوف بعرفة في السنة مرة، لأجل التواصل والتوادد وعدم التقاطع. ثانياً - مشروعية الجماعة وفضلها وحكمتها: الجماعة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة .. ﴾ [النساء:١٠٢/ ٤] الآية. أمر الله بالجماعة في حالة الخوف أثناء الجهاد، ففي الأمن أولى، ولو لم تكن مطلوبة لرخص فيها حالة الخوف، ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها. وأما السنة: فقوله ﷺ : «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، بسبع وعشرين درجة» (١) وفي رواية: «بخمس وعشرين درجة» (٢) وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة على مشروعيتها بعد الهجرة. جاء في الإحياء للغزالي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: لا يفوِّت أحد صلاة الجماعة إلا بذنب أذنبه، وكان السلف يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى، وسبعة أيام إذا فاتتهم الجماعة.

стр. 1123

و فضلها: كما ذكر في الحديث السابق أنها أفضل من صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، وأن بكل خطوة إليها حسنة ورفع درجة، كما في حديث ابن مسعود ﵁: «من سره أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وأنهن من سُنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم ﷺ ، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطُّهور، ثم يَعْمَد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف» (١). وأنها أيضاً نور المسلم يوم القيامة، كما في قوله ﷺ : «بشر المشاءين في الظُلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (٢). و آكد الجماعات في غير الجمعة: جماعة الصبح ثم العشاء (٣) ثم العصر، للحديثين الآتيين: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير، لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتَمة والصبح لأتوهما، ولو حَبْوا» (٤).

стр. 1124

وعن عثمان بن عفان ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح جماعة، فكأنما صلى الليل كله» (١). أما العصر فلأنها الصلاة الوسطى. و حكمتها: تحقيق التآلف والتعارف والتعاون بين المسلمين، وغرس أصول المحبة والود في قلوبهم، وإشعارهم بأنهم إخوة متساوون متضامنون في السراء والضراء، دون فارق بينهم في الدرجة أو الرتبة أو الحرفة أو الثروة والجاه، أو الغنى والفقر. وفيها تعويد على النظام والانضباط وحب الطاعة في البر والمعروف، وتنعكس آثار ذلك كله على الحياة العامة والخاصة، فتثمر الصلاة جماعة أطيب الثمرات، وتحقق أبعد الأهداف، وتربي الناس على أفضل أصول التربية، وتربط أبناء المجتمع بأقوى الروابط؛ لأن ربهم واحد، وإمامهم واحد، وغايتهم واحدة، وسبيلهم واحدة. قال في الدر المختار: ومن حِكَمها: نظام الألفة وتعلم الجاهل من العالم. والألفة بتحصيل التعاهد باللقاء في أوقات الصلوات بين الجيران. ثالثاً - حكم صلاة الجماعة: صلاة الجماعة إما سنة مؤكدة أو فرض. فقال الحنفية والمالكية (٢): الجماعة في الفرائض غير الجمعة سنة

стр. 1125

مؤكدة، للرجال العاقلين القادرين عليها من غير حرج، فلا تجب على النساء والصبيان والمجانين والعبيد والمقعد والمريض والشيخ الهرم ومقطوع اليد والرجل من خلاف. وكونها سنة؛ لأن ظاهر الحديث السابق «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة» يدل على أن الصلاة في الجماعات من جنس المندوب إليه، وكأنها كمال زائد على الصلاة الواجبة، فكأنه قال ﵊: صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد، والكمال إنما هو شيء زائد على الإجزاء. ويؤكده ما روي من حديث آخر: «الجماعة من سنن الهدى، لا يتخلف عنها إلا منافق» (١). وهذا الرأي ليسره أولى من غيره، خصوصاً في وقتنا الحاضر، حيث ازدحمت الأشغال والارتباط بمواعيد عمل معينة، فإن تيسر لواحد المشاركة في الجماعة، وجب تحقيقاً لشعائر الإسلام. وقال الشافعية في الأصح المنصوص (٢): الجماعة فرض كفاية، لرجال أحرار مقيمين، لا عراة، في أداء مكتوبة، بحيث يظهر الشعار أي شعار الجماعة بإقامتها، في كل بلد صغير أو كبير. فإن امتنعوا كلُّهم من إقامتها قوتلوا (أي قاتلهم الإمام أو نائبه دون آحاد الناس)، ولا يتأكد الند ب للنساء تأكده للرجال في الأصح. بدليل قوله ﷺ : «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان (٣)، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» (٤).
следующие страницы →