← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الفَصْلُ العَاشِر: أَنْواعُ الصَّلاة وفيه مباحث ثمانية: المبحث الأول - صلاة الجماعة وأحكامها (الإمامة والاقتداء): وفيه بحث صلاة المسبوق، والاستخلاف والبناء على الصلاة. الكلام في هذا المبحث يتناول المطالب الخمسة الآتية: الجماعة، الإمامة، القدوة، الأمور المشتركة بين الإمام والمأموم، الاستخلاف في الصلاة. المطلب الأول - الجماعة: تعريفها، مشروعيتها وفضلها وحكمتها، حكمها، أقل الجماعة أو من تنعقد به الجماعة، أفضل الجماعة، إدراك ثوابها، إدراك الفريضة، المشي للجماعة والمبادرة إليها مع الإمام، تكرار الجماعة في المسجد، الإعادة مع الجماعة، وقت استحباب القيام للصلاة، أعذار ترك الجماعة والجمعة.

стр. 1122

أولاً - تعريف الجماعة: الجماعة: هي الارتباط الحاصل بين صلاة الإمام والمأموم. وقد شرع الإسلام عدة مناسبات ولقاءات اجتماعية بين المسلمين لأداء العبادة في أوقات معلومة، منها أداء الصلوات الخمس في اليوم والليلة، ومنها صلاة الجمعة في الأسبوع، ومنها صلاة العيدين في السنة مرة لأهل كل بلد، ومنها عام للبلاد كلها وهو الوقوف بعرفة في السنة مرة، لأجل التواصل والتوادد وعدم التقاطع. ثانياً - مشروعية الجماعة وفضلها وحكمتها: الجماعة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة .. ﴾ [النساء:١٠٢/ ٤] الآية. أمر الله بالجماعة في حالة الخوف أثناء الجهاد، ففي الأمن أولى، ولو لم تكن مطلوبة لرخص فيها حالة الخوف، ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها. وأما السنة: فقوله ﷺ : «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، بسبع وعشرين درجة» (١) وفي رواية: «بخمس وعشرين درجة» (٢) وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة على مشروعيتها بعد الهجرة. جاء في الإحياء للغزالي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: لا يفوِّت أحد صلاة الجماعة إلا بذنب أذنبه، وكان السلف يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى، وسبعة أيام إذا فاتتهم الجماعة.

стр. 1123

و فضلها: كما ذكر في الحديث السابق أنها أفضل من صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، وأن بكل خطوة إليها حسنة ورفع درجة، كما في حديث ابن مسعود ﵁: «من سره أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وأنهن من سُنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم ﷺ ، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطُّهور، ثم يَعْمَد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف» (١). وأنها أيضاً نور المسلم يوم القيامة، كما في قوله ﷺ : «بشر المشاءين في الظُلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (٢). و آكد الجماعات في غير الجمعة: جماعة الصبح ثم العشاء (٣) ثم العصر، للحديثين الآتيين: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير، لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتَمة والصبح لأتوهما، ولو حَبْوا» (٤).

стр. 1124

وعن عثمان بن عفان ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح جماعة، فكأنما صلى الليل كله» (١). أما العصر فلأنها الصلاة الوسطى. و حكمتها: تحقيق التآلف والتعارف والتعاون بين المسلمين، وغرس أصول المحبة والود في قلوبهم، وإشعارهم بأنهم إخوة متساوون متضامنون في السراء والضراء، دون فارق بينهم في الدرجة أو الرتبة أو الحرفة أو الثروة والجاه، أو الغنى والفقر. وفيها تعويد على النظام والانضباط وحب الطاعة في البر والمعروف، وتنعكس آثار ذلك كله على الحياة العامة والخاصة، فتثمر الصلاة جماعة أطيب الثمرات، وتحقق أبعد الأهداف، وتربي الناس على أفضل أصول التربية، وتربط أبناء المجتمع بأقوى الروابط؛ لأن ربهم واحد، وإمامهم واحد، وغايتهم واحدة، وسبيلهم واحدة. قال في الدر المختار: ومن حِكَمها: نظام الألفة وتعلم الجاهل من العالم. والألفة بتحصيل التعاهد باللقاء في أوقات الصلوات بين الجيران. ثالثاً - حكم صلاة الجماعة: صلاة الجماعة إما سنة مؤكدة أو فرض. فقال الحنفية والمالكية (٢): الجماعة في الفرائض غير الجمعة سنة

стр. 1125

مؤكدة، للرجال العاقلين القادرين عليها من غير حرج، فلا تجب على النساء والصبيان والمجانين والعبيد والمقعد والمريض والشيخ الهرم ومقطوع اليد والرجل من خلاف. وكونها سنة؛ لأن ظاهر الحديث السابق «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة» يدل على أن الصلاة في الجماعات من جنس المندوب إليه، وكأنها كمال زائد على الصلاة الواجبة، فكأنه قال ﵊: صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد، والكمال إنما هو شيء زائد على الإجزاء. ويؤكده ما روي من حديث آخر: «الجماعة من سنن الهدى، لا يتخلف عنها إلا منافق» (١). وهذا الرأي ليسره أولى من غيره، خصوصاً في وقتنا الحاضر، حيث ازدحمت الأشغال والارتباط بمواعيد عمل معينة، فإن تيسر لواحد المشاركة في الجماعة، وجب تحقيقاً لشعائر الإسلام. وقال الشافعية في الأصح المنصوص (٢): الجماعة فرض كفاية، لرجال أحرار مقيمين، لا عراة، في أداء مكتوبة، بحيث يظهر الشعار أي شعار الجماعة بإقامتها، في كل بلد صغير أو كبير. فإن امتنعوا كلُّهم من إقامتها قوتلوا (أي قاتلهم الإمام أو نائبه دون آحاد الناس)، ولا يتأكد الند ب للنساء تأكده للرجال في الأصح. بدليل قوله ﷺ : «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان (٣)، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» (٤).

стр. 1126

وقال الحنابلة (١): الجماعة واجبة وجوب عين، للآية السابقة: ﴿وإذا كنت فيهم .. ﴾ [النساء:١٠٢/ ٤] ويؤكده قوله تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ [البقرة:٤٣/ ٢]، وحديث أبي هريرة: «أثقل صلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر … »، وفي حديثه أي أبي هريرة أيضاً: أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب ليحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً، فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم» (٢)، وحديث الأعمى المشهور: وهو «أن رجلاً أعمى، قال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد!! فسأل النبي ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه، فقال: هل تسمع النداء؟ فقال: نعم، قال: فأجب» (٣)، وحديث ابن مسعود السابق: «لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق .. » وحديث جابر وأبي هريرة: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (٤). ويعضد وجوب الجماعة: أن الشارع شرعها حال الخوف على صفة لا تجوز إلا في الأمن، وأباح الجمع لأجل المطر، وليس ذلك إلا محافظة على الجماعة، ولو كانت سنة لما جاز ذلك. لكن ليست الجماعة شرطاً لصحة الصلاة، كما نص الإمام أحمد.

стр. 1127

رابعاً - أقل الجماعة أو من تنعقد به الجماعة: أقل الجماعة اثنان: إمام ومأموم ولو مع صبي عند الشافعية والحنفية (١)، ولا تنعقد الجماعة مع صبي مميز عند المالكية والحنابلة (٢)؛ لكن عند الحنابلة في فرض لانفل فتصح به؛ لأن الصبي لا يصلح إماماً في الفرض، ويصح أن يؤم صغيراً في نفل؛ لأن النبي ﷺ أمَّ ابن عباس، وهو صبي في التهجد. ودليلهم على أقل الجماعة: قوله ﷺ : «الاثنان فما فوقها جماعة» (٣). خامساً - أفضل الجماعة، وحضور النساء المساجد: الجماعة في المسجد لغير المرأة أو الخنثى أفضل منها في غير المسجد، كالبيت وجماعة المرأة (٤)، لخبر الصحيحين: «صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» أي فهي في المسجد أفضل؛ لأن المسجد مشتمل على الشرف والطهارة وإظهار الشعائر وكثرة الجماعة. وقد رتب الفقهاء أفضلية المساجد التي تقام فيها الجماعة: فقال الحنابلة (٥): إن كان البلد ثغراً؛ وهو المكان المخوف، فالأفضل لأهله

стр. 1128

الاجتماع في مسجد واحد؛ لأنه أعلى للكلمة، وأوقع للهيبة. والأفضل لغيرهم: الصلاة في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره؛ لأن فيه تحصيل ثواب عمارة المسجد، وتحصيل الجماعة لمن يصلي فيه، وذلك معدوم في غيره، أو تقام فيه الجماعة بدون حضوره، لكن فيه جبر قلوب الإمام أو الجماعة. ثم المسجد العتيق؛ لأن الطاعة فيه أسبق. ثم الأفضل من المساجد: ما كان أكثر جماعة، لقوله ﷺ : «صلاة الرجل مع الرجل أولى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أولى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله» (١). ثم المسجد الأبعد أفضل من الصلاة في الأقرب، لقوله ﷺ : «إن أعظم الناس في الصلاة أجراً أبعدهم فأبعدهم ممشى» (٢) ولكثرة حسناته بكثرة خطاه. وفضيلة أول الوقت أفضل من انتظار كثرة الجمع. وتقدم الجماعة مطلقاً على أول الوقت؛ لأنها واجبة، وأول الوقت سنة، ولا تعارض بين واجب ومسنون. وقال الشافعية (٣): الجماعة للرجال في المساجد أفضل إلا إذا كانت الجماعة في البيت أكثر. وما كثرت جماعته أفضل، إلا إذا تعطل عن الجماعة مسجد قريب، فالجماعة القليلة أفضل. وقال المالكية (٤): لا نزاع في أن الصلاة مع العلماء والصلحاء والكثير من أهل الخير أفضل من غيرها، لشمول الدعاء وسرعة الإجابة وكثرة الرحمة وقبول الشفاعة.

стр. 1129

حضور النساء إلى المساجد: أما حضور النساء إلى المساجد: فيجوز للعجوز، ويكره للشابة خوفاً من الفتنة والأولى للمرأة مطلقاً الصلاة في بيتها، وتتلخص آراء الفقهاء فيما يأتي: قال أبو حنيفة وصاحباه (١): يكره للنساء الشوابّ حضور الجماعة مطلقاً، لما فيه من خوف الفتنة، وقال أبو حنيفة: ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء؛ لأن فرط الشبق حامل (باعث) فتقع الفتنة، وفي غير هذه الأوقات الفساق نائمون في الفجر والعشاء، ومشغولون بالطعام في المغرب، وأجاز الصاحبان لها أن تخرج في الصلوات كلها؛ لأنه لا فتنة، لقلة الرغبة فيهن. والمذهب المفتى به لدى المتأخرين: أنه يكره للنساء حضور الجماعة ولو لجمعة وعيد ووعظ، مطلقاً، ولو عجوزاً ليلاً، لفساد الزمان، وظهور الفسق. وقال المالكية (٢): يجوز خلافاً للأولى خروج امرأة متجالَّة لا أرب للرجال فيها للمسجد ولجماعة العيد والجنازة والاستسقاء والكسوف، كما يجوز خروج شابة غير مُفتنة لمسجد وجنازة قريب من أهلها، أما مخشية الفتنة فلا يجوز لها الخروج مطلقاً. قال ابن رشد: تحقيق القول في هذه المسألة عندي: أن النساء أربع: أـ عجوز انقطعت حاجة الرجال منها: فهذه كالرجل، فتخرج للمسجد للفرض، ولمجالس الذكر والعلم، وتخرج للصحراء للعيدين والاستسقاء ولجنازة أهلها وأقاربها ولقضاء حوائجها.

стр. 1130

ب - ومتجالة لم تنقطع حاجة الرجال منها بالجملة: فهذه تخرج للمسجد للفرائض ومجالس العلم والذكر، ولا تكثر التردد في قضاء حوائجها، فيكره لها ذلك. وكلام العلامة خليل: أن هذه كالأولى. جـ - وشابة غير فارهة في الشباب والنجابة: تخرج للمسجد لصلاة الفرض جماعة، وفي جنازة أهلها وأقاربها، ولا تخرج لعيد ولا استسقاء ولا لمجالس ذكر أو علم. د - وشابة فارهة في الشباب والنجابة: فهذه لها الاختيار، فلها ألا تخرج أصلاً. وقال الشافعية والحنابلة (١): يكره للحسناء أو ذات الهيئة شابة أو غيرها حضور جماعة الرجال؛ لأنها مظنة الفتنة، وتصلي في بيتها. ويباح الحضور لغير الحسناء إذا خرجت تَفِلة (غير متطيبة) بإذن زوجها، وبيتها خير لها، لقوله ﷺ : «لاتمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن» وفي لفظ «إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد، فأذنوا لهن» (٢) أي إذا أمن المفسدة. ولقوله ﷺ في هيئة خروجها: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تَفِلات» (٣) أي غير متطيبات. وعن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ قال: «خير مساجد النساء قعر بيوتهن» (٤). والخلاصة: لاتخرج المرأة الجميلة للمساجد، وتخرج العجوز.

стр. 1131

سادساً - إدراك ثواب الجماعة: الثواب الأكمل يحصل لمن أدرك الصلاة مع الإمام من أولها إلى آخرها، فإن إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام فضيلة، لحديث رواه الترمذي عن أنس: أن النبي ﷺ قال: «من صلى لله أربعين يوماً في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق» (١)، وروي: «لكل شيء صفوة، وصفوة الصلاة: التكبيرة الأولى، فحافظوا عليها» (٢) ولحديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا» (٣) إذ الفاء للتعقيب. والصحيح عند الشافعية: إدراك فضيلة الجماعة ما لم يسلِّم الإمام، وإن لم يقعد معه، بأن انتهى سلامه عقب تحرّمه، وإن بدأ بالسلام قبله، لإدراكه ركناً معه، لكنه دون فضل من يدركها من أولها. واستثنوا صلاة الجمعة فإن جماعتها لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة مع الإمام. وقال الحنابلة والحنفية (٤): من كبر قبل سلام الإمام التسليمة الأولى، أدرك الجماعة، ولو لم يجلس معه؛ لأنه أدرك جزءاً من صلاة الإمام، فأشبه ما لو أدرك ركعة. وقال المالكية (٥): إنما يحصل فضل الجماعة الوارد به الخبر المتضمن كون ثوابها بخمس أو بسبع وعشرين درجة، بإدراك ركعة كاملة يدركها مع الإمام، بأن يمكّن يديه من ركبتيه أو مما قاربهما قبل رفع الإمام وإن لم يطمئن إلا بعد رفعه. أما

стр. 1132

مدرك ما دون الركعة فلا يحصل له فضل الجماعة، وإن كان مأموراً بالدخول مع الإمام، وأنه مأجور بلا نزاع. والخلاصة: تدرك صلاة الجماعة عند الجمهور بالتحريمة، وبركعة عند المالكية. سابعاً - إدراك الفريضة مع الإمام: اتفق أئمة المذاهب (١) على أن من أدرك الإمام راكعاً في ركوعه، فإنه يدرك الركعة مع الإمام، وتسقط عنه القراءة كما بينا سابقاً، لقوله ﷺ : «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة» (٢) فإن ركع بعد رفع الإمام رأسه من الركوع، لم تحسب الركعة. لكن المالكية قالوا: إنما تدرك الركعة مع الإمام بانحناء المأموم في أول ركعة له مع الإمام قبل اعتدال الإمام من ركوعه، ولو حال رفعه، ولو لم يطمئن المأموم في ركوعه إلا بعد اعتدال الإمام مطمئناً، ثم يكبر لركوع أو سجود بعد تكبيرة الإحرام، ولايؤخر الدخول مع الإمام في أي حالة من الحالات حتى يقوم للركعة التي تليها، وإن شك هل ركع قبل اعتدال الإمام أو بعده لم تحسب له الركعة. وقال الحنابلة: من أدرك الإمام راكعاً، أجزأته تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع نصاً، لأنه فعل زيد بن ثابت وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد، فأجزأ الركن عن الواجب، كطواف الزيارة والوداع.

стр. 1133

واشترط الشافعية كالمالكية تكبيرة الركوع عدا تكبيرة الإحرام ليدرك جزءاً من القيام. و هل يركع من أدرك الإمام راكعاً دون الصف؟ قال المالكية (١): يحرم (أي يكبر تكبيرة الإحرام) من خشي فوات ركعة برفع الإمام من ركوعه إن لم يحرم، دون الصف، إن ظن إدراكه قبل رفع رأس الإمام من الركوع. فإن لم يظن إدراك الصف قبل رفع الإمام، تابع مشيه بلا خَبَب (هرولة)، إلا أن تكون الركعة الأخيرة من صلاة الإمام، فإنه يحرم في مكانه دون الصف، لئلا تفوته الصلاة، ثم مشى، حتى يدخل في الصف. وقال الحنابلة وغيرهم من بقية الفقهاء (٢): لا يركع دون الصف إلا إذا مشى ودخل في الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، أو يأتي آخر فيقف معه. وجملة ذلك: أن من ركع دون الصف ثم دخل فيه لايخلو من ثلاثة أحوال: آـ إذا صلى ركعة كاملة، فلا تصح صلاته، لقول النبي ﷺ : «لا صلاة لفرد خلف الصف» (٢). ب - أن يمشي راكعاً حتى يدخل في الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، أو أن يأتي آخر، فيقف معه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، فإن صلاته تصح، لأنه أدرك مع الإمام في الصف ما يدرك به الركعة. جـ - إذا دخل في الصف بعد رفع رأسه من الركوع: فمتى كان جاهلاً بتحريم ذلك، صحت صلاته، وإن علم لم تصح، بدليل ما روى البخاري وغيره: «أن

стр. 1134

أبا بكرة انتهى إلى النبي ﷺ ، وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: زادك الله حرصاً، ولا تعد» (١)، فلم يأمره بإعادة الصلاة ونهاه عن العود. ثامناً - المشي للجماعة والمبادرة إليها مع الإمام: المشي للجماعة: يستحب لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها، وعليه السكينة والوقار (٢)، لقوله ﷺ : «إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولاتسرعوا، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتموا» (٣). وذكر المالكية (٤): أنه يجوز الإسراع لإدراك الصلاة مع الجماعة، بلا خَبَب (أي هرولة: وهي ما دون الجري) وتكره الهرولة؛ لأنها تذهب الخشوع، والجري أولى. المبادرة للاقتداء مع الإمام: يبادر المصلي للاقتداء بالإمام، سواء أكان قائماً أم راكعاً أم ساجداً أم نحوه. وهل له أن يصلي النافلة؟

стр. 1135

قال المالكية (١): يحرم على المتخلف ابتداء صلاة، فرضاً أو نفلاً بجماعة أو لا، بعد إقامة الصلاة لإمام راتب. وإن أقيمت تلك الصلاة بمسجد، والمصلي في صلاة فريضة أو نافلة بالمسجد أو رحبته: فإن خشي فوات ركعة مع الإمام، قطع صلاته، ودخل مع الإمام مطلقاً، سواء أكانت نافلة أم فرضاً غير الصلاة المقامة، وسواء عقد ركعة أم لا، ويقطع صلاته بسلام أو مناف للصلاة ككلام ونية إبطال. وإن لم يخش فوات ركعة: فإن كانت الصلاة نافلة أتمها ركعتين، ويندب أن يتمها جالساً. وإن كانت الصلاة التي هو بها هي المقامة نفسها - بأن كان في العصر، فأقيمت للإمام - انصرف عن شفع ولا يتمها، فلو صلى ركعة ضم لها أخرى، وإن كان في الثانية كملها، وإن كان في الثالثة قبل كمالها بسجودها، رجع للجلوس فتشهد، وسلم. هذا إن كان في صلاة رباعية. فإن كان في صلاة صبح أو مغرب، فأقيمت، قطع صلاته، ودخل مع الإمام، لئلا يصير متنفلاً بوقت نهي. وإن أتم ثانية المغرب، أو الثالثة، أو ثانية الصبح، كملها بنية الفريضة. وقال الشافعية (٢): إن كان المصلي في صلاة نافلة، ثم أقيمت الجماعة: فإن لم يخش فوات الجماعة، أتم النافلة، ثم دخل في الجماعة. وإن خشي فوات الجماعة، قطع النافلة؛ لأن الجماعة أفضل. وإن دخل في فرض الوقت ثم أقيمت الجماعة: فالأفضل أن يقطع، ويدخل في الجماعة. وفي المذهب الجديد وهو الأصح: له أن ينوي الدخول في الجماعة من غير أن يقطع صلاته؛ لأنه لما جاز أن يصلي بعض صلاته منفرداً، ثم يصير إماماً،

стр. 1136

بأن يجيء من يأتم به، جاز أن يصلي بعض صلاته منفرداً، ثم يصير مأموماً، ومن المقرر عندهم أنه يجوز أن يغير ترتيب صلاته بالمتابعة، كالمسبوق بركعة. وإن حضر وقد أقيمت الصلاة، لم يشتغل عنها بنافلة، لقوله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة» (١). وقال الحنابلة (٢): إذا شرع المؤذن في إقامة الصلاة التي يريد الصلاة مع إمامها، عملاً برواية ابن حبان بلفظ «إذا أخذ المؤذن في الإقامة»، فلا صلاة إلا المكتوبة، فلا يشرع في نفل مطلق ولا سنة راتبه من سنة فجر أو غيرها، في المسجد أو غيره ولو ببيته، لعموم الحديث السابق: «إذا أقيمت الصلاة … »، فإذاشرع في نافلة بعد الشروع في الإقامة، لم تنعقد، لما روي عن أبي هريرة «وكان عمر يضرب على كل صلاة بعد الإقامة». وإن أقيمت الصلاة، وهو في النافلة، ولو كان خارج المسجد، أتمها خفيفة، ولو فاتته ركعة، لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد:٣٣/ ٤٧] ولا يزيد على ركعتين، فإن كان شرع في الركعة الثالثة، أتمها أربعاً، لأنها أفضل من الثلاث. فإن سلَّم من ثلاث ركعات، جاز نصاً في المسألتين، إلا أن يخشى المتنفل فوات ما تدرك به الجماعة، فيقطعها؛ لأن الفرض أهم. وللحنفية تفصيل خاص، يشبه في قطع الفريضة مذهبي المالكية والشافعية في الجملة، ويستقل في ضرورة صلاة سنة الفجر، وهو ما يأتي (٣):

стр. 1137

إذا شرع المصلي في أداء فرض أو قضائه منفرداً، ثم أقيمت الجماعة: فإن شرع في صلاة الفجر أو المغرب: فإن كان في الركعة الأولى، ولو بعد السجود، فعليه أن يقطع صلاته بتسليمة، ثم يدخل في الجماعة. وإن كان في الركعة الثانية، قطعها أيضاً إن كان قبل السجود، وأتمهامنفرداً إن كان بعد السجود. وإن شرع في صلاة رباعية كالظهر أو العصر: فإن كان المنفرد قبل السجود في الركعتين الأولى (١)، قطع صلاته ولحق الإمام. وإن كان بعد السجود أتم الركعتين أي صلى شفعاً وسلم، ودخل مع الجماعة إحرازاً لفضيلة الجماعة، وصار ما صلاه نفلاً، صيانة للمؤدى عن البطلان. وإن قام للثالثة، فأقيمت الجماعة قبل سجوده، قطع قائماً بتسليمة واحدة. أما إن أتم الركعة الثالثة من الرباعية أو من المغرب، فإنه يتم صلاته منفرداً؛ لأن للأكثر حكم الكل. ثم يصلي مع الجماعة نافلة؛ لأن الفرض لا يتكرر في وقت واحد، بدليل ما قال يزيد بن الأسود: شهدت مع النبي ﷺ حَجَّتَه، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته، انحرف، فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا، فقال: عليَّ بهما، فجيء بهما تُرعَد فرائصُهما (٢)، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصلِّيا معهم، فإنها لكما نافلة (٣).

стр. 1138

ومن دخل المسجد، والصلاة تقام، اشترك مع الجماعة ويترك السنة، لأنه يؤديها بعد الفرض والسنة البعدية، إلا سنة الفجر، فإنه يصليها عند باب المسجد، ثم يدخل، إذا لم يخف فوت الجماعة، لأنه أمكنه الجمع بين الفضيلتين. فإن خشي فوت الجماعة، دخل مع الإمام في الفريضة؛ لأن ثواب الجماعة أعظم، والوعيد بالترك ألزم. وإذا فاتته ركعتا الفجر، لا يقضيهما قبل طلوع الشمس؛ لأنه يبقى نفلاً مطلقاً، وهو مكروه بعد الصبح، ولا بعد ارتفاع الشمس عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الأصل في السنة ألا تقضى، لاختصاص القضاء بالواجب، والرسول ﷺ إنما قضى السنة تبعاً للفرض غداة طلوع الشمس عليه ليلة التعريس (١) في الوادي، فبقي ما عداه على الأصل: وهو عدم القضاء، وعلى هذا فلا تقضى سنة الفجر إلا تبعاً للفرض إذا فاتت مع الفرض. وقال محمد: أحب إلي أن يقضيهما (أي ركعتي الفجر) إلى وقت الزوال، لأنه ﵇ قضاهما بعد ارتفاع الشمس غداة ليلة التعريس. وإن شرع في سنة الظهر القبلية، فأقيمت الجماعة، أو في سنة الجمعة فصعد الخطيب المنبر، سلم بعد ركعتين وهو الأوجه، ثم قضى السنة أربعاً بعد أداء الفرض والسنة البعدية، حتى لا يفوت فرض الاستماع والأداء على وجه أكمل. وهذا رأي أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد: تقضى قبل السنة البعدية. قال الشلبي (٢): والأولى تقديم الركعتين أي السنة البعدية؛ لأن الأربع أي السنة القبلية فاتت عن الموضع المسنون، فلا تفوت الركعتان أيضاً عن موضعهما قصداً بلا ضرورة.

стр. 1139

تاسعاً - تكرار الجماعة في المسجد: عرفنا في مكروهات الصلاة سابقاً أن الحنفية (١) قالوا: يكره تكرار الجماعة بأذان وإقامة في مسجد مَحِلِّة، إلا إذا صلى بهما فيه أولاً غير أهله، أو أهله لكن بمخافته الأذان، أو كرر أهله الجماعة بدون الأذان والإقامة، أو كان مسجد طريق، أو مسجداً لا إمام له ولا مؤذن، ويصلي الناس فيه فوجاً فوجاً، والأفضل أن يصلي كل فريق بأذان وإقامة على حدة. والمراد بمسجد المحلة: ما له إمام وجماعة معلومون. والكراهة إذا تكرر الأذان، فلو صلى جماعة في مسجد المحلة بغير أذان أبيح، لكن ظاهر الرواية عند الحنفية أنه مكروه، فما يفعل في بعض المساجد من الصلاة بأئمة متعددة وجماعات مترتبة مكروه عندهم. ودليلهم: أنه ﵊ كان قد خرج، ليصلح بين قوم، فعاد إلى المسجد، وقد صلى أهل المسجد، فرجع إلى منزله، فجمع أهله وصلى. ولو جاز ذلك لما اختار الصلاة في بيته على الجماعة في المسجد. ولأن ذلك حامل على تكثير الجماعة، فلو أبيح التكرار بدون كراهة لا يجتمع الناس، لعلمهم أن الجماعة لا تفوتهم. أما مسجد الشارع، فالناس فيه سواء، لا اختصاص له بفريق دون فريق. وعلى هذا لا يكره تكرار الجماعة في مساجد الطرق: وهي ما ليس لها إمام وجماعة معينون. وقال المالكية (٢): يكره تكرار الجماعة في مسجد له إمام راتب، وكذلك

стр. 1140

يكره إقامة الجماعة قبل الإمام الراتب، ويحرم إقامة جماعة مع جماعة الإمام الراتب. والقاعدة عندهم: أنه متى أقيمت الصلاة مع الإمام الراتب، فلا يجوز إقامة صلاة أخرى فرضاً أو نفلاً، لا جماعة ولا فرادى. ومن صلى جماعة مع الإمام الراتب، وجب عليه الخروج من المسجد، لئلا يؤدي إلى الطعن في الإمام. وإذا دخل جماعة مسجداً، فوجدوا الإمام الراتب قد صلى، ندب لهم الخروج ليصلوا جماعة خارج المسجد، إلا المساجد الثلاثة (المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى)، فيصلون فيها فرادى، إن دخلوها؛ لأن الصلاة المنفردة فيها أفضل من جماعة غيرها. وإذا تعدد الأئمة الراتبون، بأن يصلي أحدهم بعد الآخر، كره على الراجح. ويكره تعدد الجماعات في وقت واحد، لما فيه من التشويش. ولا يكره تكرار الجماعة في المساجد التي ليس لها إمام راتب. وقال الشافعية (١): يكره إقامة الجماعة في مسجد بغير إذن من الإمام الراتب مطلقاً قبله أو بعده أو معه، ولا يكره تكرار الجماعة في المسجد المطروق في ممر الناس، أو في السوق، أو فيما ليس له إمام راتب، أو له وضاق المسجد عن الجميع، أو خيف خروج الوقت؛ لأنه لا يحمل التكرار على المكيدة. وقال الحنابلة (٢): يحرم إقامة جماعة في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه، لأنه بمنزلة صاحب البيت، وهو أحق بها، لقوله ﷺ : «لا يؤمَّنَّ الرجل الرجل في بيته إلا بإذنه» (٣)، ولأنه يؤدي إلى التنفير عنه، وكذلك يحرم إقامة جماعة أخرى

стр. 1141

أثناء صلاة الإمام الراتب، ولا تصح الصلاة في كلتا الحالتين. وعلى هذا فلا يحرم ولا تكره الجماعة بإذن الإمام الراتب؛ لأنه مع الإذن يكون المأذون نائباً عن الراتب، ولا تحرم ولا تكره أيضاً إذا تأخر الإمام الراتب لعذر، أو ظن عدم حضوره، أو ظن حضوره ولم يكن يكره أن يصلي غيره في حال غيبته. ولا يكره تكرار الجماعة بإمامة غير الراتب بعد انتهاء الإمام الراتب، إلا في مسجدي مكة والمدينة فقط، فإنه تكره إعادة الجماعة فيهما، رغبة في توفير الجماعة، أي لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الراتب في المسجدين إذا أمكنهم الصلاة في جماعة أخرى، وذلك إلا لعذر كنوم ونحوه عن الجماعة، فلا يكره لمن فاتته إعادتها بالمسجدين. ويكره تعدد الأئمة الراتبين بالمسجدين المذكورين، لفوات فضيلة أول الوقت لمن يتأخر، وفوات كثرة الجمع، وإن اختلفت المذاهب. ويكره للإمام إعادة الصلاة مرتين، بأن يؤم بالناس مرتين في صلاة واحدة، بأن ينوي بالثانية عن فائتة أو غيرها، وبالأولى فرض الوقت. والأئمة متفقون على أنه بدعة مكروهة. عاشراً - إعادة المنفرد الصلاة جماعة: اتفق الفقهاء على أنه يجوز لمن صلى منفرداً أن يعيد الصلاة في جماعة وتكون الثانية نفلاً، عملاً بما ثبت في السنة في حديث يزيد بن الأسود السابق، وفي حديث آخر: أن رجلاً جاء إلى المسجد بعد صلاة النبي ﷺ العصر، فقال: «من يتصدق على هذا، فيصلي معه؟ فصلى معه رجل من القوم» (١).

стр. 1142

ولكن للفقهاء تفصيل في إعادة الصلاة: قال الحنفية (١): يجوز للمنفرد إعادة الصلاة مع إمام جماعة، وتكون صلاته الثانية نفلاً بدليل حديث يزيد بن الأسود السابق في بحث إدراك الفريضة. والذي قال فيه النبي ﷺ لرجلين في أخريات الصفوف، لم يصليا معه صلاة الظهر: «إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم فإنها لكما نافلة». وإذا كانت نفلاً، أعطيت حكم النافلة، فتكره إعادة صلاة العصر؛ لأن النفل ممنوع بعد العصر، وتكره صلاة النفل خلف النفل إذا كانت الجماعة أكثر من ثلاثة، وإلا فلا تكره إن أعادوها بدون أذان، وتكره مطقاً إن أعادوها بأذان. وتجوز إذا كان إمامه يصلي فرضاً، لا نفلاً؛ لأن صلاة النافلة خلف الفرض غير مكروهة. وقال المالكية (٢): من صلى في جماعة لم يعد في أخرى إلا إذا دخل أحد المساجد الثلاثة فيندب له الإعادة. ومن صلى منفرداً جازت له الإعادة في جماعة: اثنين فأكثر، لا مع واحد، إلا إذا كان إماماً راتباً بمسجد، فيعيد معه؛ لأن الراتب كالجماعة، ويعيد كل الصلوات غير المغرب، والعشاء بعد الوتر، فتحرم إعادتها لتحصيل فضل الجماعة، أما المغرب فلا تعاد؛ لأنها تصير مع الأول شفعاً؛ لأن المعادة في حكم النفل، والعشاء تعاد قبل الوتر، ولا تعاد بعده؛ لأنه إن أعاد الوتر يلزم مخالفة قوله ﷺ : «لا وتران في ليلة»، وإن لم يعد، لزم مخالفة: «اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً». ولكل منفرد إعادة الصلاة إلا من صلى منفرداً في أحد المساجد الثلاثة، فلا يندب له إعادتها جماعة خارجها، ويندب إعادتها جماعة فيها.

стр. 1143

ويعيد إذا كان مأموماً، ولا يصح أن يكون إماماً، كما قال الحنفية. وينوي المعيد الفرض، مفوضاً لله تعالى في قبول أي الصلاتين. وقال الشافعية (١): يسن للمصلي وحده، وكذا للجماعة في الأصح: إعادة الفرض بنية الفرض في الأصح مع منفرد أو جماعة يدركها في الوقت ولو ركعة فيه على الراجح، ولو كان الوقت وقت كراهة، وتكون الإعادة مرة واحدة على الراجح، ولا يندب أن يعيد الصلاة المنذروة ولا صلاة الجنازة، إذ لا يتنفل بها، ويشترط أن تكون الصلاة الثانية صحيحة وإن لم تغن عن القضاء، وألا ينفرد وقت الإحرام بالصلاة الثانية من قيام لقادر، وأن تكون الجماعة مطلوبة في حق من يعيدها، فإن كان عارياً فلا يعيدها في غير ظلام. ويصح أن يكون المعيد إماماً. وإذا صلى وأعاد مع الجماعة، فالفرض هو الأول في المذهب الجديد، لخبر يزيد بن الأسود السابق، إذ اعتبر النبي فيه الصلاة الثانية نافلة، ولأنه أسقط الفرض بالصلاة الأولى، فوجب أن تكون الثانية نفلاً. وينوي إعادة الصلاة المفروضة، حتى لا تكون نفلاً مبتدءاً. وقال الحنابلة (٢): يستحب لمن صلى فرضه منفرداً أو في جماعة أن يعيد الصلاة إذا أقيمت الجماعة وهو في المسجد، ولو كان وقت الإعادة وقت نهي، سواء أكانت الإعادة مع الإمام الراتب أو غيره، إلا المغرب، فلا تسن إعادتها؛ لأن المعادة تطوع، وهو لا يكون بوتر. وتكون صلاته الأولى فرضه، لحديث يزيد ابن الأسود السابق. وينوي بالثانية كونها معادة؛ لأن الأولى أسقطت الفرض. وإن نوى المعادة نفلاً صح، لمطابقته الواقع، وإن نواها ظهراً مثلاً، صحت، وكانت نفلاً.

стр. 1144

أما من كان خارج المسجد، فوجد جماعة تقام: فإن كان الوقت وقت نهي، لم يستحب له الدخول، حتى تفرغ الصلاة، وتحرم عليه الإعادة ولم تصح، سواء قصد بدخوله المسجد تحصيل الجماعة أم لا. وأما إذا لم يكن الوقت وقت نهي، وقصد المسجد للإعادة، فلا تسن له الإعادة، وإن لم يقصد ذلك، كانت الإعادة مسنونة. الحادي عشر - وقت استحباب القيام للجماعة أو الصلاة: عرفنا في بحث أحكام الإقامة للصلاة أن للفقهاء آراء أربعة في وقت استحباب القيام لصلاة الجماعة، نوجزها هنا: ذهب الحنفية: إلى أن المصلي يقوم عند «حي على الفلاح» وبعد قيام الإمام. وذهب الحنابلة: إلى أنه يقوم عند «قد قامت الصلاة». ورأي الشافعية: أنه يقوم بعد انتهاء المقيم من الإقامة. وقال المالكية: ذلك موكول إلى قدر طاقة الناس، حال الإقامة أو أولها أو بعدها، إذ ليس في هذا شرع مسموع إلا حديث أبي قتادة السابق: أنه ﵊ قال: «إذ أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» قال ابن رشد: فإن صح هذا - وقد بينا أنه حديث متفق عليه - وجب العمل به، وإلا فالمسألة باقية على أصلها المعفو عنه، أعني أنه ليس فيها شرع، وأنه متى قام كل واحد، فحسن (١). الثاني عشر - أعذار ترك الجماعة والجمعة: يعذر المرء بترك الجمعة والجماعة، فلا تجبان للأسباب الآتية (٢):

стр. 1145

١ - المرض الذي يشق معه الحضور كمشقة المطر، وإن لم يبلغ حداً يسقط القيام في الفرض، بخلاف المرض الخفيف كصداع يسير وحمى خفيفة فليس بعذر. ومثله تمريض من لا متعهد له ولو غير قريب ونحوه؛ لأن دفع الضرر عن الآدمي من المهمات، ولأنه يتألم على القريب أكثر مما يتألم بذهاب المال. وغير القريب كالزوجة والصهر والصديق والأستاذ. ودليل عذر المرض: قوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج:٧٨/ ٢٢] وأنه ﷺ لما مرض تخلف عن المسجد، وقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» (١) ويعذر في ذلك خائف حدوث المرض، لما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ فسر العذر: بالخوف والمرض (٢). فلا تجب الجماعة على مريض ومقعد وزمِن ومقطوع يد ورجل من خلاف أو رجل فقط، ومفلوج وشيخ كبير عاجز وأعمى وإن وجد قائداً في رأي الحنفية، ولا يعذر حينئذ عند الحنابلة والمالكية والشافعية في ترك الجمعة دون الجماعة كما سيأتي. ٢ - أن يخاف ضرراً في نفسه أو ماله أو عرضه أو مريضاً يشق معه الذهاب كما ذكر، بدليل ما روى ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من سمع النداء، فلم يجبه، فلا صلاة له إلا من عذر، قالوا: يارسول الله، وما العذر؟ قال: خوف أو مرض». فلا تجب الجماعة والجمعة بسبب خوف ظالم، وحبس معسر، أو ملازمة غريم معسر، وعُرْي، وخوف عقوبة يرجى تركها كتعزير لله تعالى، أو لآدمي، وقَوَد (قصاص) وحد قذف مما يقبل العفو إن تغيب أياماً، وخوف زيادة المرض أو

стр. 1146

تباطئه. فإن لم يتضرر المريض بإتيانه المسجد راكباً أو محمولاً أو تبرع أحد بأن يركبه أو يحمله أو يقوده إن كان أعمى، لزمته عند الحنابلة والمالكية والشافعية الجمعة لعدم تكررها دون الجماعة. ولا تجب الجماعة والجمعة بسبب الخوف عن الانقطاع عن الرفقة في السفر ولو سفر نزهة. أو بسبب الخوف من تلف مال كخبز في تنور، وطبيخ على نار ونحوه، أو الخوف من فوات فرصة كالخوف من ذهاب شخص يدله على ضائع في مكان ما. ٣ - المطر، والوَحَل (الطين) والبرد الشديد، والحر ظهراً، والريح الشديدة في الليل لا في النهار، والظلمة الشديدة، بدليل ما روى ابن عمر ﵁، قال: «كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، وكانت ليلة مظلمة أو مطيرة، نادى مناديه: أن صلوا في رحالكم» (١)، والثلج والجليد كالمطر. ٤ - مدافعة الأخبثين (البول والغائط) أو أحدهما، لأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة وخشوعها. وحضور طعام تتوقه نفسه، أي جوع وعطش شديدان، لخبر أنس في الصحيحين: «لا تعجلن حتى تفرغ منه»، وإرادة سفر، ويخشى أن تفوته القافلة أي تأهب لسفر مع رفقة ترحل، أما السفر نفسه فليس بعذر، وغلبة نعاس ومشقة؛ لأن رجلاً صلى مع معاذ، ثم انفرد، فصلى وحده عند تطويل معاذ، فلم ينكر عليه النبي ﷺ حين أخبره. لكن الصبر والتجلد على دفع النعاس، والصلاة جماعة أفضل، لما فيه من نيل فضل الجماعة. وأضاف الحنفية: واشتغاله بالفقه لابغيره.

стр. 1147

٥ - أكل منتن نيء إن لم يمكنه إزالته، ويكره حضور المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو فجلاً ونحوه، حتى يذهب ريحه، لتأذي الملائكة بريحه، ولحديث: «من أكل ثوماً أو بصلاً، فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته» (١). ومثله جزار له رائحة منتنة، ونحوه من كل ذي رائحة منتنة، لأن العلة الأذى. وكذا من به برص أو جذام يتأذى به قياساً على أكل الثوم ونحوه بجامع الأذى. ٦ - الحبس في مكان، لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة:٢٨٦/ ٢]. ٧ - أضاف الشافعية: تقطير سقوف الأسواق والزلزلة، والسموم: وهي ريح حارة ليلاً أو نهاراً، والبحث عن ضالة يرجوها، والسعي في استرداد مغصوب، والسمن المفرط، والهم المانع من الخشوع، والاشتغال بتجهيز ميت، ووجود من يؤذيه في طريقه أو في المسجد، وزفاف زوجته إليه في الصلاة الليلية، وتطويل الإمام على المشروع، وترك سنة مقصودة، وكونه سريع القراءة والمأموم بطيئاً، أو ممن يكره الاقتداء به، وكونه يخشى وقوع فتنة له أو به. وأيدهم الحنابلة في عذر تطويل الإمام، وزفاف الزوجة أو العرس. وتسقط الجمعة والجماعة عند المالكية لمدة ستة أيام بسبب الزفاف، ولا تسقط عن العروس في السابع على المشهور. وأضافوا كالشافعية: يعذر من عليه قصاص (قَوَد) إن رجا العفو عنه، ومن عليه حد القذف، إن رجا العفو أيضاً؛ لأنه حق آدم. أما من عليه حد لله تعالى كحد الزنا وشرب الخمر وقطع السرقة، فلا يعذر في ترك الجمعة ولا الجماعة؛ لأن الحدود لا يدخلها المصالحة، بخلاف القصاص.

стр. 1148

وخلاصة ما يسقط به حضور الجماعة عند الحنفية: واحد من ثمانية عشر أمراً: مطر، وبرد، وخوف، وظلمة، وحبس، وعمى، وفلج، وقطع يد ورجل، وسقام، وإقعاد، ووحل، وزمانة، وشيخوخة، وتكرار فقه بجماعة تفوته، وحضور طعام تتوقه نفسه، وإرادة سفر، وقيامه بمريض، وشدة ريح ليلاً لا نهاراً. وإذا انقطع عن الجماعة لعذر من أعذارها المبيحة للتخلف يحصل له ثوابها. المطلب الثاني - الإمامة: تعريفها، نوعاها، شروط الأئمة أو من تصح إمامته، الأحق بالإمامة، مكروهات الإمامة ومن تكره إمامته، متى تفسد صلاة الإمام دون المؤتم، ما تفسد به صلاة الإمام والمأمومين، ما يحمله الإمام عن المأموم، الأحكام الخاصة بالإمام. أولاً - تعريف الإمامة ونوعاها: كل من يقتدى به ويتبع في خير أو شر، فهو إمام، قال الله تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا﴾ [الأنبياء:٧٣/ ٢١]، وقال: ﴿وجعلناهم أئمة يَدْعون إلى النار﴾ [القصص:٤١/ ٢٨]. والإمامة نوعان (١): كبرى وصغرى. فالكبرى: استحقاق تصرف عام على الأنام أي على الخلق، والمقصود بالتصرف العام: طاعة الإمام. أو هي رياسة عامة في الدين والدنيا، خلافة عن النبي ﷺ . قال الماوردي (٢): الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

стр. 1149

وتعيين الإمام واجب شرعي من أهم الواجبات باتفاق العلماء (١)، ويشترط كونه مسلماً حراً ذكراً عاقلاً بالغاً، قادراً، قرشياً، ولا يشترط كونه هاشمياً علوياً (أي من أولاد علي كما قال به بعض الشيعة) معصوماً كما قالت الإمامية والإسماعيلية. ويكره تقليد الفاسق، ويعزل بالفسق إلا لفتنة، ويجب أن يدعى له بالصلاح. وتصح الإمامة بأحد أمور ثلاثة: اختيار أهل الحل والعقد، والوراثة (الإمامة بالعهد)، والغلبة والقهر للضرورة، بلا مبايعة أهل الحل والعقد (٢). والإمامة الصغرى: هي إمامة الصلاة، وهي ارتباط صلاة المؤتم بالإمام. ثانياً - شروط صحة الإمامة أو الجماعة: تصح إمامة الإمام بالشروط التالية (٣): ١ - الإسلام: فلا تصح إمامة الكافر بالاتفاق. وذكر الحنابلة (٤): إذا صلى خلف من شك في إسلامه، أو كونه خنثى، فصلاته صحيحة، ما لم يبن كفره، وكونه خنثى مشكلاً؛ لأن الظاهر من المصلين الإسلام، لاسيما إذا كان إماماً، والظاهر السلامة من كونه خنثى، لاسيما من يؤم الرجال. فإن تبين بعد الصلاة أنه كان كافراً أو خنثى مشكلاً فعليه الإعادة. ويحكم بإسلام الشخص

стр. 1150

بالصلاة، سواء أكان في دار الحرب أم في دار الإسلام، وسواء صلى جماعة أو منفرداً، فإن أقام بعد ذلك على الإسلام، فلا كلام، وإن لم يقم عليه، فهو مرتد، يجري عليه أحكام المرتدين. وإن مات قبل ظهور ما ينافي الإسلام فهو مسلم، يرثه ورثته المسلمون دون الكافرين. وكذلك قال الشافعية (١): لو بان كون الإمام كافراً أو امرأة، وجبت إعادة الصلاة. ٢ - العقل: فلا تصح الصلاة خلف مجنون؛ لأن صلاته لنفسه باطلة. فإن كان جنونه متقطعاً، صحت الصلاة وراءه حال إفاقته، ولكن يكره الاقتداء به، لئلا يعرض الصلاة للإبطال في أثنائها، لوجود الجنون فيها، والصلاة صحيحة؛ لأن الأصل السلامة، فلا تفسد بالاحتمال. ويلاحظ أن عدَّ هذين الشرطين من شروط الإمام مسامحة، إذ هما شرطان في الصلاة مطلقاً. والمعتوه والسكران مثل المجنون لاتصح الصلاة خلفهما، كما لاتصح صلاتهما. ٣ - البلوغ: فلا تصح إمامة المميز عند الجمهور للبالغ، في فرض أو نفل عند الحنفية، وفي فرض فقط عند المالكية والحنابلة، أما في النفل ككسوف وتراويح فتصح إمامته لمثله، لأنه متنفل يؤم متنفلاً، ودليلهم ما روى الأثرم عن ابن مسعود وابن عباس: «لا يؤم الغلام حتى يحتلم» ولأن الإمامة حال كمال، والصبي ليس من أهل الكمال، ولأنه لا يؤمن الصبي لإخلاله بشروط الصلاة أو القراءة. وقال الشافعية: يجوز اقتداء البالغ بالصبي المميز، لما روي عن عمرو بن

стр. 1151

سلمة قال: «أممت على عهد رسول الله ﷺ وأنا غلام ابن سبع سنين» (١) والأصح صحة إمامة الصبي عندهم في الجمعة أيضاً، مع الكراهة. ٤ - الذكورة المحققة إذا كان المقتدي به رجلاً أو خنثى: فلا تصح إمامة المرأة والخنثى للرجال، لا في فرض ولا في نفل. أما إن كان المقتدي نساء فلا تشترط الذكورة في إمامهن عند الشافعية والحنابلة، فتصح إمامة المرأة للنساء عندهم، بدليل ما روي عن عائشة وأم سلمة وعطاء: أن المرأة تؤم النساء، وروى الدارقطني عن أم ورقة: أنه ﷺ «أذن لها أن تؤم نساء دارها». ولا تكره عند الشافعية جماعة النساء، بل تستحب وتقف وسطهن (٢)، وروي عن أحمد روايتان (٣): رواية أن ذلك مستحب، ورواية أن ذلك غير مستحب. ولا تصح إمامة النساء عند المالكية، وتشترط الذكورة في الإمام (٤). وقال الحنفية (٥): يكره تحريماً جماعة النساء وحدهن بغير رجال ولو في التراويح، في غير صلاة الجنازة، فلاتكره فيها؛ لأنها فريضة غير مكررة، فإن فعلن وقفت الإمام وسطهن كما يصلى للعراة. ودليل الكراهة: قوله ﷺ : «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها» (٦)، ولأنه يلزمهن أحد محظورين: إما قيام الإمام وسط

стр. 1152

الصف، وهو مكروه، أو تقدم الإمام، وهو أيضاً مكروه في حقهن، فصرن كالعراة لم يشرع في حقهن الجماعة أصلاً، ولهذا لم يشرع لهن الأذان، وهو دعاء إلى الجماعة، ولولا كراهية جماعتهن لشرع. كما يكره عندهم حضورهن الجماعة مطلقاً ولو الجمعة والعيد والوعظ ليلاً، أما نهاراً فجائز إن أمنت الفتنة، على المذهب المفتى به كما بينا سابقاً، وتكره أيضاً إمامة الرجل لهن في بيت ليس معهن رجل غيره، ولا محرم منه كأخته أو زوجته، فإذا كان معهن واحد ممن ذكر، أو أمهن في المسجد، لا يكره، وهذا موافق لمذهب الحنابلة؛ لأنه ﷺ «نهى أن يخلو الرجل بالأجنبية» ولما فيه من مخالطة الوسواس. ٥ - الطهارة من الحدث والخبث: فلا تصح إمامة المحدث، أو من عليه نجاسة لبطلان صلاته، سواء عند الجمهور أكان عالماً بذلك أم ناسياً. وقال المالكية: الشرط: عدم تعمد الحدث، وإن لم يعلم الإمام بذلك إلا بعد الفراغ من الصلاة، فإن تعمد الإمام الحدث، بطلت صلاته وصلاة من اقتدى به، وإن كان ناسياً، فصلاته صحيحة إن لم يعلم بالنجاسة إلا بعد الفراغ من الصلاة؛ لأن الطهارة من الخبث شرط لصحة الصلاة مع العلم فقط عندهم، ولا يصح الاقتداء بالمحدث أو الجنب إن علم ذلك، وتصح صلاة المقتدين، ولهم ثواب الجماعة باتفاق المذاهب الأربعة إلا في الجمعة عند الشافعية والحنابلة إذا كان المصلون بالإمام أربعين مع المحدث أو المتنجس، إن علموا بحدث الإمام أو بوجود نجاسة عليه، بعد الفراغ من الصلاة، لقوله ﷺ : «إذا صلى الجنب بالقوم، أعاد صلاته، وتمت للقوم صلاتهم» (١).

стр. 1153

وقال الشافعية: لا يصح الاقتداء بمن تلزمه إعادة الصلاة كمقيم تيمم لفقد الماء، ومن على بدنه نجاسة يخاف من غسلها، ومحدث صلى لفقد الطهورين. ٦ - إحسان القراءة والأركان: أي أن يحسن الإمام قراءة ما لا تصح الصلاة إلا به، وأن يقوم بالأركان، فلا يصح اقتداء قارئ بأمي (١) عند الجمهور، وتجب الإعادة على القارئ المؤتم به، كما لاتصح الصلاة خلف أخرس ولو بأخرس مثله، ولا خلف عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو استقبال القبلة، أو اجتناب النجاسة، إلا بمثله، فتصح الصلاة خلف المماثل، إلا ثلاثة عند الحنفية: الخنثى المشكل والمستحاضة والمتحيرة (٢) لاحتمال الحيض. وقال المالكية: يشترط في الإمام القدرة على الأركان، فإن عجز عن ركن منها، قولي كالفاتحة أوفعلي كالركوع أو السجود أو القيام، لم يصح الاقتداء به، إلا إذا تساوى الإمام والمأموم في العجز، فيصح اقتداء أمي بمثله إن لم يوجد قارئ على الأصح، ويصح اقتداء أخرس بمثله، وعاجز عن القيام صلى جالساً بمثله، إلا المومئ أي الذي فرضه الإيماء من قيام أو جلوس أو اضطجاع، فلا يصح له على المشهور الاقتداء بمثله. ٧ - كونه غير مأموم: فلا يصح الاقتداء بمأموم (مقتد) بغيره، في حال قدرته؛ لأنه تابع لغيره يلحقه سهوه، ومن شأن الإمام الاستقلال، وأن يتحمل هو سهو غيره، فلا يجتمعان، وهذا إجماع. أما الاقتداء بمن كان مقتدياً بالإمام (وهو المسبوق) بعد انقطاع القدوة: ففيه آراء.

стр. 1154

قال الحنفية (١): لا يجوز اقتداء المسبوق بغيره ولا الاقتداء به، لأنه في الأصل تبع لغيره، فهو في موضع الاقتداء، والاقتداء بناء التحريمة على التحريمة، فالمقتدي عقد تحريمته لما انعقدت له تحريمة الإمام، فكلما انعقدت له تحريمة الإمام، جاز البناء من المقتدي، وما لا فلا. وكذلك قال المالكية (٢): لا يجوز الاقتداء بمسبوق قام لقضاء ما عليه، فاقتدى به غيره، ولو لم يعلم بأن إمامه مأموم، إلا بعد الفراغ من صلاته. أما المدرك: وهو من أدرك مع الإمام ما دون ركعة، فيصح الاقتداء به إذا قام لصلاته، وينوي المدرك الإمامية بعد أن كان ناوياً المأمومية؛ لأنه منفرد لم يثبت له حكم المأمومية. وقال الحنابلة (٣): إن سلم الإمام، فائتم أحد المصلين بصاحبه في قضاء ما فاتهما، صح، أو ائتم مقيم بمثله فيما بقي من صلاتهما إذا سلم إمام مسافر، صح ذلك؛ لأنه انتقال من جماعة إلى جماعة أخرى، لعذر، فجاز كالاستخلاف، بدليل قصة أبي بكر: وهي أن النبي ﷺ جاء وأبو بكر في الصلاة، فتأخر أبو بكر، وتقدم النبي ﷺ ، فأتم بهم الصلاة وفعل هذا مرة أخرى، وكلا الحديثين صحيح متفق عليهما. كما يصح الاقتداء بمن كان مسبوقاً بعد أن سلم إمامه، أو بعد أن نوى مفارقة الإمام، وتصح عندهم نية المفارقة، في غير الجمعة، أما فيها فلا يصح الاقتداء. وقال الشافعية (٤): تنقطع القدوة بمجرد خروج الإمام من صلاته بسلام من

стр. 1155

حدث أو غيره، لزوال الرابطة، وحينئذ فيسجد لسهو نفسه، ويقتدي بغيره، وغيره به. والخلاصة: إن الحنفية والمالكية لا يجيزون الاقتداء بمن كان مقتدياً بعد سلام إمامه، ويصح عند الشافعية والحنابلة، وهو أولى. ٨ - اشتراط الحنفية والحنابلة (١): السلامة من الأعذار: كالرعاف الدائم، وانفلات الريح، وسلس البول، ونحوها، فلا تصح إمامة من قام به عذر من هذه الأعذار إلا لمعذور مثله، بشرط أن يتحد عذرهما؛ لأنه ﷺ «صلى بأصحابه في المطر بالإيماء»، فإن اختلف العذر لم يجز، فيصلي من به سلس البول خلف مثله، أما إذا صلى خلف من به السلس وانفلات الريح، لا يجوز؛ لأن الإمام صاحب عذرين، والمؤتم صاحب عذر واحد. والذي يصح هو اقتداء ذي عذرين بذي عذر، ولا عكسه. ولم يشترط المالكية هذا الشرط، وإنما يكره أن يؤم صاحب العذر من ليس به عذر، لأنه يصح عندهم إمامة من به سلس البول إذا لازمه ولو نصف الزمن، وكذا من به انفلات ريح أو غير ذلك مما لا ينقض الوضوء عندهم. وكذلك لم يشترط الشافعية هذا الشرط، فتصح إمامة صاحب العذر الذي لاتجب معه إعادة الصلاة لمقتد سليم. ٩ - أن يكون الإمام صحيح اللسان، بحيث ينطق بالحروف على وجهها، فلا تصح إمامة الألثغ وهو من يبدل الراء غيناً، أو السين ثاء، أو الذال زاياً، لعدم المساواة، إلا إذا كان المقتدي مثله في الحال.

стр. 1156

ويعد كالألثغ عند الحنفية: التمتام: وهو الذي يكرر التاء في كلامه، والفأفاء وهو الذي يكرر الفاء، لا تصح إمامتهما عندهم إلا لمن يماثلهما. واستثنى الحنابلة: من يبدل ضاد المغضوب والضالين بظاء، فتصح إمامته بمن لا يبدلها ظاء، لأنه لا يصير أمياً بهذا الإبدال. والأرت: وهو من يدغم في غير موضع الإدغام، كقارئ المستقيم بتاء أو سين مشددة فيقول: المتقيم، ومن يخل بحرف أو تشديدة من الفاتحة، يعدان كالألثغ عند الشافعية، لا تصح إمامتهما إلا للمثل. وقال الجمهور غير الحنفية: تصح إمامة التمتام والفأفاء ولو لغير المماثل مع الكراهة. الصلاة وراء المخالف في المذهب: ١٠ - اشتراط الحنفية والشافعية: أن تكون صلاة الإمام صحيحة في مذهب المأموم: فلو صلى حنفي خلف شافعي سال منه دم، ولم يتوضأ بعده، أو صلى شافعي خلف حنفي لمس امرأة مثلاً، فصلاة المأموم باطلة؛ لأنه يرى بطلان صلاة إمامه. وزاد الحنفية (١) أنه تكره الصلاة خلف شافعي. وقال الشافعية (٢): الأفضل الصلاة خلف إمام شافعي، لا حنفي أو غيره ممن لا يعتقد وجوب بعض الأركان والشروط، وإن علم الإتيان بها؛ لأنه مع ذلك لا يعتقد وجوب بعض الأركان. وقال المالكية والحنابلة (٣): ما كان شرطاً في صحة الصلاة، فالعبرة فيه

стр. 1157

بمذهب الإمام فقط، فلو اقتدى مالكي أو حنبلي بحنفي أو شافعي لم يمسح جميع الرأس في الوضوء، لأنه شرط عند الأولين، فصلاته صحيحة، لصحة صلاة الإمام في مذهبه. وأما ما كان شرطاً في صحة الاقتداء، فالعبرة فيه بمذهب المأموم، فلو اقتدى مالكي أو حنبلي في صلاة فرض بشافعي يصلي نفلاً، فصلاته باطلة، لأن صلاة المفترض بالمتنفل باطلة عند المالكية والحنابلة، وشرط الاقتداء: اتحاد صلاة الإمام والمأموم. وأرى لزوم الأخذ بمذهبي المالكية والحنابلة في الشق الأول، لأنه الأصح منطقاً، وتكون الصلاة خلف المخالفين في الفروع المذهبية صحيحة غير مكروهة؛ إذ العبرة بمذهب الإمام؛ لأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يزل بعضهم يأتمّ ببعض مع اختلافهم في الفروع، فكان ذلك إجماعاً، وبه تنتهي آثار العصبية المذهبية. ١١ - اشتراط الحنابلة أن يكون الإمام عدلا ً، فلا تصح إمامة الفاسق (١) ولو بمثله، فلو صلى شخص خلف الفاسق، ثم علم بفسقه، وجبت عليه إعادة الصلاة، إلا في صلاة الجمعة والعيدين، فإنهما تصحان خلف الفاسق إن لم تتيسر الصلاة خلف عدل. واشتراط المالكية: أن يكون الإمام سليماً من الفسق المتعلق بالصلاة، كأن يتهاون في شرائطها أو فرائضها، كمن يصلي بلا وضوء أو يترك قراءة الفاتحة. أما إن كان الفسق لا يتعلق بالصلاة كالزاني، أو شارب الخمر، فتصح إمامته مع الكراهة على الراجح.

стр. 1158

١٢ - اشتراط المالكية والحنفية والحنابلة: ألا يكون الإمام معيداً صلاته لتحصيل فضيلة الجماعة، فلا يصح اقتداء مفترض بمعيد؛ لأن صلاة المعيد نفل، ولا يصح فرض وراء نفل، وأن يكون الإمام عالماً بكيفية الصلاة على الوجه الذي تصح به، وعالماً بكيفية شرائطها، كالوضوء والغسل على الوجه الصحيح، وإنه لم يميز الأركان من غيرها. ثالثاً - الأحق بالإمامة: أحق الناس بالإمامة في ظروفنا الحاضرة: هو الأفقه الأعلم بأحكام الصلاة، وهذا هو المفهوم فقهاً، إلا أن الفقهاء ذكروا ترتيباً يحسن بيانه في كل مذهب على حدة. مذهب الحنفية (١): الأحق بالإمامة: الأعلم بأحكام الصلاة فقط صحة وفساداً بشرط اجتنابه الفواحش الظاهرة، وحفظه من القرآن قدر فرض: أي ما تجوز به الصلاة. ثم الأحسن تلاوة وتجويداً للقراءة، لقوله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة .. » (٢). ثم الأورع أي الأكثر اتقاء للشبهات، والتقوى: اتقاء المحرمات، لقوله ﵇: «إن سركم أن تقبل صلاتكم، فليؤمكم علماؤكم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم» (٣).

стр. 1159

ثم الأسن: أي أكبرهم سناً؛ لأنه أكثر خشوعاً ولأن في تقديمه تكثير الجماعة، لقوله ﵇ لابن أبي مليكة: «وليؤمكما أكبركما» (١). ثم الأحسن خلُقاً (إلفة بالناس)، ثم الأحسن وجهاً (أي أكثرهم تهجداً)، ثم الأشرف نسباً، ثم الأنظف ثوباً. فإن استووا في ذلك كله يُقْرَع بينهم، أو الخيار إلى القوم، وإن اختلفوا اعتبر الأكثر. فإن كان بينهم سلطان، فالسلطان مقدَّم، ثم الأمير، ثم القاضي، ثم صاحب المنزل، ولو مستأجراً، لقوله ﷺ : «من زار قوماً فلا يؤمهم، وليؤمَّهم رجل منهم» (٢). ويقدم القاضي على إمام المسجد. وعلى هذا يقدم السلطان أو القاضي، فإن لم يوجد أحدهما يقدم صاحب البيت، ومثله إمام المسجد الراتب، فهذا أولى بالإمامة من غيره مطلقاً. مذهب المالكية (٣): يندب تقديم سلطان أو نائبه ولو بمسجد له إمام راتب، ثم الإمام الراتب في المسجد، ثم رب المنزل فيه، ويقدم المستأجر على المالك؛ لأنه مالك لمنافعه. وإن كان صاحب المنزل امرأة أنابت من يصلح للإمامة؛ لأن إمامتها لا تصح، والأولى لها استخلاف الأفضل. ثم الأفقه (الأعلم بأحكام الصلاة)، ثم الأعلم بالسنة أو الحديث حفظاً ورواية، ثم الأقرأ، أي الأدرى بطرق القرآن أو بالقراءة والأمكن من غيره في

стр. 1160

مخارج الحروف، ثم الأعبد، أي الأكثر عبادة من صوم وصلاة وغيرهما، ثم الأقدم إسلاماً، ثم الأرقى نسباً كالقرشي، ومعلوم النسب يقدم على مجهوله، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن لباساً، أي الأجمل وهو لابس الجديد المباح غير الحرير، واللباس الحسن شرعاً: هو البياض خاصة، جديداً أو لا. فإن تساووا قدم الأورع (١) والزاهد والحر على غيرهم، ويقدم الأعدل على مجهول الحال، والأب على الابن، والعم على ابن أخيه، فإن تساووا في كل شيء، أقرع بينهم، إلا إذا رضوا بتقديم أحدهم. مذهب الشافعية (٢): أحق الناس بالإمامة: الوالي في محل ولايته، لقوله ﷺ : «لا يُؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» (٣). قال الشوكاني: والظاهر أن المراد به السلطان الذي إليه ولاية أمور الناس لاصاحب البيت ونحوه. فيتقدم أو يقدم غيره ولو في ملك غيره، ولو كان غيره أكثر منه قرآناً وفقهاً وورعاً وفضلاً، فالوالي في محل ولايته أولى من الأفقه والمالك. ثم الإمام الراتب، ثم الساكن بحق إن كان أهلاً لها (ومالك المنفعة أولى بالإمامة من الأفقه، والأصح تقديم المكتري على المكري، والمعير على المستعير)، فإن لم يكن أهلاً فله التقديم. ثم يقدم الأفقه، فالأقرأ، فالأورع، فالأقدم هجرة، ثم الأسبق إسلاماً، فالأفضل نسباً، فالأحسن سيرة، فالأنظف ثوباً، ثم نظيف البدن، ثم طيّب الصَّنْعة، ثم الأحسن صوتاً، فالأحسن صورة، أي وجهاً، فالمتزوج.
следующие страницы →