ويعد كالألثغ عند الحنفية: التمتام: وهو الذي يكرر التاء في كلامه، والفأفاء وهو الذي يكرر الفاء، لا تصح إمامتهما عندهم إلا لمن يماثلهما.
واستثنى الحنابلة: من يبدل ضاد المغضوب والضالين بظاء، فتصح إمامته بمن لا يبدلها ظاء، لأنه لا يصير أمياً بهذا الإبدال.
والأرت: وهو من يدغم في غير موضع الإدغام، كقارئ المستقيم بتاء أو سين مشددة فيقول: المتقيم، ومن يخل بحرف أو تشديدة من الفاتحة، يعدان كالألثغ عند الشافعية، لا تصح إمامتهما إلا للمثل.
وقال الجمهور غير الحنفية: تصح إمامة التمتام والفأفاء ولو لغير المماثل مع الكراهة.
الصلاة وراء المخالف في المذهب:
١٠ - اشتراط الحنفية والشافعية: أن تكون صلاة الإمام صحيحة في مذهب المأموم: فلو صلى حنفي خلف شافعي سال منه دم، ولم يتوضأ بعده، أو صلى شافعي خلف حنفي لمس امرأة مثلاً، فصلاة المأموم باطلة؛ لأنه يرى بطلان صلاة إمامه.
وزاد الحنفية (١) أنه تكره الصلاة خلف شافعي. وقال الشافعية (٢): الأفضل الصلاة خلف إمام شافعي، لا حنفي أو غيره ممن لا يعتقد وجوب بعض الأركان والشروط، وإن علم الإتيان بها؛ لأنه مع ذلك لا يعتقد وجوب بعض الأركان.
وقال المالكية والحنابلة (٣): ما كان شرطاً في صحة الصلاة، فالعبرة فيه
стр. 1157
بمذهب الإمام فقط، فلو اقتدى مالكي أو حنبلي بحنفي أو شافعي لم يمسح جميع الرأس في الوضوء، لأنه شرط عند الأولين، فصلاته صحيحة، لصحة صلاة الإمام في مذهبه.
وأما ما كان شرطاً في صحة الاقتداء، فالعبرة فيه بمذهب المأموم، فلو اقتدى مالكي أو حنبلي في صلاة فرض بشافعي يصلي نفلاً، فصلاته باطلة، لأن صلاة المفترض بالمتنفل باطلة عند المالكية والحنابلة، وشرط الاقتداء: اتحاد صلاة الإمام والمأموم.
وأرى لزوم الأخذ بمذهبي المالكية والحنابلة في الشق الأول، لأنه الأصح منطقاً، وتكون الصلاة خلف المخالفين في الفروع المذهبية صحيحة غير مكروهة؛ إذ العبرة بمذهب الإمام؛ لأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يزل بعضهم يأتمّ ببعض مع اختلافهم في الفروع، فكان ذلك إجماعاً، وبه تنتهي آثار العصبية المذهبية.
١١ - اشتراط الحنابلة أن يكون الإمام عدلا ً، فلا تصح إمامة الفاسق (١) ولو بمثله، فلو صلى شخص خلف الفاسق، ثم علم بفسقه، وجبت عليه إعادة الصلاة، إلا في صلاة الجمعة والعيدين، فإنهما تصحان خلف الفاسق إن لم تتيسر الصلاة خلف عدل.
واشتراط المالكية: أن يكون الإمام سليماً من الفسق المتعلق بالصلاة، كأن يتهاون في شرائطها أو فرائضها، كمن يصلي بلا وضوء أو يترك قراءة الفاتحة. أما إن كان الفسق لا يتعلق بالصلاة كالزاني، أو شارب الخمر، فتصح إمامته مع الكراهة على الراجح.
стр. 1158
١٢ - اشتراط المالكية والحنفية والحنابلة: ألا يكون الإمام معيداً صلاته لتحصيل فضيلة الجماعة، فلا يصح اقتداء مفترض بمعيد؛ لأن صلاة المعيد نفل، ولا يصح فرض وراء نفل، وأن يكون الإمام عالماً بكيفية الصلاة على الوجه الذي تصح به، وعالماً بكيفية شرائطها، كالوضوء والغسل على الوجه الصحيح، وإنه لم يميز الأركان من غيرها.
ثالثاً - الأحق بالإمامة: أحق الناس بالإمامة في ظروفنا الحاضرة: هو الأفقه الأعلم بأحكام الصلاة، وهذا هو المفهوم فقهاً، إلا أن الفقهاء ذكروا ترتيباً يحسن بيانه في كل مذهب على حدة.
مذهب الحنفية (١): الأحق بالإمامة: الأعلم بأحكام الصلاة فقط صحة وفساداً بشرط اجتنابه الفواحش الظاهرة، وحفظه من القرآن قدر فرض: أي ما تجوز به الصلاة.
ثم الأحسن تلاوة وتجويداً للقراءة، لقوله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة .. » (٢).
ثم الأورع أي الأكثر اتقاء للشبهات، والتقوى: اتقاء المحرمات، لقوله ﵇: «إن سركم أن تقبل صلاتكم، فليؤمكم علماؤكم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم» (٣).
стр. 1159
ثم الأسن: أي أكبرهم سناً؛ لأنه أكثر خشوعاً ولأن في تقديمه تكثير الجماعة، لقوله ﵇ لابن أبي مليكة: «وليؤمكما أكبركما» (١).
ثم الأحسن خلُقاً (إلفة بالناس)، ثم الأحسن وجهاً (أي أكثرهم تهجداً)، ثم الأشرف نسباً، ثم الأنظف ثوباً.
فإن استووا في ذلك كله يُقْرَع بينهم، أو الخيار إلى القوم، وإن اختلفوا اعتبر الأكثر.
فإن كان بينهم سلطان، فالسلطان مقدَّم، ثم الأمير، ثم القاضي، ثم صاحب المنزل، ولو مستأجراً، لقوله ﷺ : «من زار قوماً فلا يؤمهم، وليؤمَّهم رجل منهم» (٢). ويقدم القاضي على إمام المسجد.
وعلى هذا يقدم السلطان أو القاضي، فإن لم يوجد أحدهما يقدم صاحب البيت، ومثله إمام المسجد الراتب، فهذا أولى بالإمامة من غيره مطلقاً.
مذهب المالكية (٣): يندب تقديم سلطان أو نائبه ولو بمسجد له إمام راتب، ثم الإمام الراتب في المسجد، ثم رب المنزل فيه، ويقدم المستأجر على المالك؛ لأنه مالك لمنافعه. وإن كان صاحب المنزل امرأة أنابت من يصلح للإمامة؛ لأن إمامتها لا تصح، والأولى لها استخلاف الأفضل.
ثم الأفقه (الأعلم بأحكام الصلاة)، ثم الأعلم بالسنة أو الحديث حفظاً ورواية، ثم الأقرأ، أي الأدرى بطرق القرآن أو بالقراءة والأمكن من غيره في
стр. 1160
مخارج الحروف، ثم الأعبد، أي الأكثر عبادة من صوم وصلاة وغيرهما، ثم الأقدم إسلاماً، ثم الأرقى نسباً كالقرشي، ومعلوم النسب يقدم على مجهوله، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن لباساً، أي الأجمل وهو لابس الجديد المباح غير الحرير، واللباس الحسن شرعاً: هو البياض خاصة، جديداً أو لا. فإن تساووا قدم الأورع (١) والزاهد والحر على غيرهم، ويقدم الأعدل على مجهول الحال، والأب على الابن، والعم على ابن أخيه، فإن تساووا في كل شيء، أقرع بينهم، إلا إذا رضوا بتقديم أحدهم.
مذهب الشافعية (٢): أحق الناس بالإمامة: الوالي في محل ولايته، لقوله ﷺ : «لا يُؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» (٣). قال الشوكاني: والظاهر أن المراد به السلطان الذي إليه ولاية أمور الناس لاصاحب البيت ونحوه. فيتقدم أو يقدم غيره ولو في ملك غيره، ولو كان غيره أكثر منه قرآناً وفقهاً وورعاً وفضلاً، فالوالي في محل ولايته أولى من الأفقه والمالك.
ثم الإمام الراتب، ثم الساكن بحق إن كان أهلاً لها (ومالك المنفعة أولى بالإمامة من الأفقه، والأصح تقديم المكتري على المكري، والمعير على المستعير)، فإن لم يكن أهلاً فله التقديم.
ثم يقدم الأفقه، فالأقرأ، فالأورع، فالأقدم هجرة، ثم الأسبق إسلاماً، فالأفضل نسباً، فالأحسن سيرة، فالأنظف ثوباً، ثم نظيف البدن، ثم طيّب الصَّنْعة، ثم الأحسن صوتاً، فالأحسن صورة، أي وجهاً، فالمتزوج.
стр. 1161
فإن استووا في جميع ما ذكر وتنازعوا، أقرع بينهم، والعدل أولى من الفاسق (وإن كان أفقه أو أقرأ)، والبالغ أولى من الصبي (وإن كان أفقه أو أقرأ)، والحر أولى من العبد، والمقيم أولى من المسافر، وولد الحلال أولى من ولد الزنا، والأعمى مثل البصير؛ لأن الأعمى لا ينظر إلى ما يشغله فهو أخشع، والبصير ينظر إلى الخبث فهو أحفظ لتجنبه، أي أبعد عن النجاسة.
مذهب الحنابلة (١): الأولى بالإمامة الأجود قراءة الأفقه، لحديث أبي سعيد الخدري: «إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم» (٢)، وقدم النبي ﷺ أبا بكر لأنه كان حافظاً للقرآن وكان مع ذلك من أفقه الصحابة ﵃. ومذهب أحمد تقديم القارئ على الفقيه، لحديث أبي مسعود السابق: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، وهذا خلاف مذاهب الأئمة الآخرين، فإنه يقدم عندهم الأفقه كما بينا، لأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه ضرورة، بخلاف ما عليه الناس اليوم، ولأن الحاجة إلى الفقه في الإمامة أمس من الحاجة إلى القراءة.
ثم الأجود قراءة الفقيه، ثم الأجود قراءة فقط، وإن لم يكن فقيهاً، إذا كان يعلم أحكام الصلاة وما يحتاجه فيها، ثم الأفقه والأعلم بأحكام الصلاة، ويقدم قارئ لا يعلم فقه صلاته على فقيه أمي لا يحسن الفاتحة؛ لأنها ركن في الصلاة، بخلاف معرفة أحكامها، فإن استووا في عدم القراءة قدم الأعلم بأحكام الصلاة.
فإن استووا في القراءة والفقه، قدم أكبرهم سناً، لحديث مالك بن الحويرث المتقدم: «وليؤمكم أكبركم»، ثم الأشرف نسباً: وهو من كان قرشياً، قياساً على
стр. 1162
الإمامة الكبرى، لقوله ﷺ «الأئمة من قريش» (١)، ثم الأقدم هجرة بسبقه إلى دار الإسلام مسلماً (٢)، ومثله الأسبق إسلاماً، لحديث أبي مسعود المتقدم: «فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم مسلماً» أي إسلاماً.
ثم الأتقى لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات:١٣/ ٤٩].
فإن استووا فيما تقدم أقرع بينهم.
ويقدم السلطان مطلقاً على غيره، كما يقدم في المسجد الإمام الراتب، وفي البيت صاحبه إن كان صالحاً للإمامة.
رابعاً - من تكره إمامته ومكروهات الإمامة: تكره إمامة بعض الأشخاص الآتية (٣) وهم:
١ - الفاسق العالم، ولو لمثله عند المالكية والشافعية والحنابلة، لعدم اهتمامه بالدين. واستثنى الحنابلة صلاة الجمعة والعيد، فتصح إمامته للضرورة، وأجاز الحنفية إمامته لمثله. ودليل الكراهة ما روى ابن ماجه عن جابر عن النبي ﷺ قال: «لاتؤمَّنَّ امرأة رجلاً، ولا أعرابي مهاجراً، ولا يؤمن فاجر مؤمناً إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه أو سوطه».
стр. 1163
وإنما صحت إمامته، لما روى الشيخان: أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج، وروي «صلوا خلف كل بر وفاجر» (١).
٢ - المبتدع الذي لا يكفر ببدعته: كالفاسق، بل أولى. والمبتدع: صاحب البدعة: وهي اعتقاد خلاف المعروف عن الرسول ﷺ ، لا بمعاندة، بل بنوع شبهة، كمسح الشيعة على الرجلين، وإنكارهم المسح على الخفين ونحو ذلك.
ويلاحظ: أن كل من كان من أهل قبلتنا لا يكفر بالبدعة المبنية على شبهة، حتى الخوارج الذين يستحلون دماءنا وأموالنا وسب الرسول ﷺ ، وينكرون صفاته تعالى، وجواز رؤيته، لكونه عن تأويل وشبهة، بدليل قبول شهادتهم.
فإن أنكر المبتدع بعض ما علم من الدين بالضرورة (البداهة) كفر، كقوله: إن الله تعالى جسم كالأجسام، وإنكاره صحبة الرسول ﵇ الصديق، لما فيه من تكذيب قوله تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه﴾ [التوبة:٤٠/ ٩]، فلا يصح الاقتداء به أصلاً.
٣ - الأعمى: تكره إمامته تنزيهاً عند الحنفية والمالكية والحنابلة، لأنه لا يتوقى النجاسة، واستثنى الحنفية حالة كونه أعلم القوم، فهو أولى.
وأجاز الشافعية إمامته بدون كراهة، فهو كالبصير، إذ الأعمى أخشع، والبصير يتجنب النجاسة، ففي كلٍ مزية ليست في الآخر، وتصح إمامته عند الكل؛ لأن الصحيح عن ابن عباس: أنه كان يؤم وهو أعمى.
وقال أنس: «إن
стр. 1164
النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم، يؤم الناس، وهو أعمى» (١)، ولأن العمى فقد حاسة لايخل بشيء من أفعال الصلاة ولا بشروطها، فأشبه فقد الشم. والأعشى وهو سيء البصر ليلاً ونهاراً كالأعمى، والأصم كالأعمى عند الحنابلة والشافعية، الأولى صحة إمامته. وكذلك أقطع اليدين تصح إمامته في رواية اختارها القاضي أبو يعلى، وفي رواية مرجوحة: لاتصح إمامته. ولا يصح الائتمام بأقطع الرجلين.
٤ - أن يؤم قوماً هم له كارهون: والكراهة تحريمية عند الحنفية، لحديث: «لايقبل الله صلاة من تقدم قوماً، وهم له كارهون» (٢).
٥ - يكره تطويل الصلاة على القوم تطويلاً زائداً على قدر السنة في قراءة وأذكار، والكراهة تحريمية عند الحنفية، سواء رضي القوم أم لا.
واستثنى الشافعية والحنابلة: حالة الرضا بالتطويل من جماعة محصورين فإنه تستحب الإطالة، لزوال علة الكراهة، وهي التنفير.
ودليل كراهة التطويل: أحاديث: منها حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، فإذا صلى لنفسه، فليطوِّل ما شاء» (٣) وعن أبي مسعود الأنصاري وعقبة بن عامر قالا: «جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان، مما
стр. 1165
يطيل بنا، قال: فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: ياأيها الناس، إن منكم منفِّرين، فأيكم أم بالناس فليوجز، فإن فيهم الضعيف، والكبير، وذا الحاجة» (١) ومعناه أن يقتصر على أدنى الكمال من التسبيح وسائر أجزاء الصلاة.
٦ - انتظار الداخل: قال الجمهور غير الشافعية (٢): يكره للإمام انتظار الداخل لأن انتظاره تشريك في العبادة، فلا يشرع كالرياء، ودفعاً للمشقة عن المصلين؛ لأنه يبعد أن يكون فيهم من لا يشق عليه، والذين مع الإمام أعظم حرمة من الداخل، فلا يشق على من معه لنفع الداخل.
وقال الشافعية (٣): يستحب على المذهب للإمام والمنفرد انتظار الداخل لمحل الصلاة مريداً الاقتداء به في الركوع غير الثاني من صلاة الكسوف، وفي التشهد الأخيرمن صلاة تشرع فيها الجماعة، بشرط ألا يطول الانتظار بحيث لو وزع على جميع الصلاة لظهر أثره، ولا يميز بين الداخلين لصداقة أو شرف أو سيادة ونحو ذلك، للإعانة على إدراك الركعة، أو إدراك فضل الجماعة. وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم، ولأن منتظر الصلاة في صلاة، وقد كان النبي ﷺ ينتظر الجماعة، وشرع الانتظار في صلاة الخوف لتدركه الطائفة الثانية.
ووافق ابن قدامة الحنبلي الشافعية، وقال القاضي من الحنابلة: الانتظار جائز غير مستحب، وإنما ينتظر من كان ذا حرمة، كأهل العلم ونظرائهم من أهل الفضل.
стр. 1166
٧ - تكره إمامة اللّحّان (كثير اللحن) الذي لا يحيل المعنى كجر دال (الحمد) ونصب هاء (الله) ونصب ياء (الرب) ونحوه من الفاتحة، وتصح صلاته بمن لا يلحن؛ لأنه أتى بفرض القراءة.
٨ - تكره إمامة من لا يفصح ببعض الحروف كالضاد والقاف، وتصح إمامته، سواء أكان أعجمياً أم عربياً. وتكره عند الجمهور غير الحنفية كما بينا: إمامة التمتام (وهو من يكرر التاء) والفأفاء (وهو من يكرر الفاء)، وتصح الصلاة خلفهما؛ لأنهما يأتيان بالحروف على الكمال، ويزيدان زيادة، وهما مغلوبان عليها، فعفي عنها، ويكره تقديمهما لهذه الزيادة.
٩ - تكره إمامة الأعرابي (وهو ساكن البادية) لغيره من أهل الحاضرة ولو بسفر لا لمثله. وذكر الحنفية أن التركمان والأكراد والعامي كالأعرابي، لما فيه من الجفاء والإمام شافع، فينبغي أن يكون ذا لين ورحمة، وبسبب الجهل، وإمامة الجاهل سواء أكان بدوياً أم حضرياً مكروهة مع وجود العالم. وقال الحنابلة: لا بأس بالصلاة وراء الأعرابي إذا صلح دينه.
١٠ - يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين بقدر ذراع فأكثر، سواء أراد تعليمهم الصلاة أو لم يرد، لحديث حذيفة وأبي مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أم الرجل القوم، فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم» (١) وكان ابن مسعود ينهى عن ذلك. ويكره أيضاً عند الحنفية والمالكية والشافعية ارتفاع المقتدين عن مكان الإمام بقدر ذراع أيضاً، وتتقيد الكراهة عندهم بما إذا لم يكن في الحالتين مع الإمام في موقفه واحد على الأقل من المقتدين، فإ ن وجد معه واحد فأكثر لم يكره، واستثنى المالكية من ذلك صلاة الجمعة فإنها على سطح المسجد باطلة، كما
стр. 1167
استثنوا مع الشافعية العلو لأجل ضرورة أو حاجة أو قصد تعليم للمأمومين كيفية الصلاة، فيجوز، وبطلت صلاة الإمام والمأموم إن قصد بعلوه الكبر، لمنافاته الصلاة.
وتختص الكراهة عند الحنابلة بمن هو أسفل من الإمام، لا بمن يساويه أو هو أعلى منه؛ لأن المعنى وجد بمن هو أسفل دون غيرهم.
ولا بأس عند الحنابلة والمالكية بالعلو اليسير مثل درجة المنبر، أي حوالي الشبر أو الذراع، كما استثنى المالكية العلو لضرورة كتعليم الناس الصلاة، لحديث سهل أن النبي ﷺ صلَّى على الدرجة السفلى من المنبر (١).
١١ - تكره الصلاة عند غير الحنابلة خلف ولد الزنا إن وجد غيره يؤم الناس؛ إذ ليس له أب يربيه ويؤدبه ويعلمه، فيغلب عليه الجهل، ولنفرة الناس عنه. وقيد الحنفية كراهة إمامته بحالة كونه جاهلاً، إذ لو كان عالماً تقياً لا تكره إمامته؛ لأن الكراهة للنقائص لا لذاته، كما قيد المالكية كراهة إمامته فيما إذا جعل إماماً راتباً، وأجاز الشافعية إمامته لمثله.
مكروهات الإمامة في المذاهب:
مذهب الحنفية (٢):
يكره تنزيهاً إمامة الأمرد الصبيح الوجه، وإن كان أعلم القوم، إن كان يخشى من إمامته الفتنة والشهوة، وإلا فلا كراهة على الأظهر. وتكره إمامة السفيه (وهو الذي لا يحسن التصرف على مقتضى الشرع أو العقل) والمفلوج، والأبرص الذي
стр. 1168
انتشر برصه، والمجذوم، والمجبوب، والحاقن بالبول، والأعرج الذي يقوم ببعض قدمه، ومقطوع اليد، وشارب الخمر (١)، وآكل الربا، والنمام: (وهو من ينقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، والنميمة من الكبائر، ويحرم على الإنسان قبولها)، والمرائي: (وهو من يقصد أن يراه الناس، سواء تكلف تحسين الطاعات أو لا) والمتصنع: (من يتكلف تحسين الطاعات). ومن أمَّ الناس بأجر إلا إذا شرط الواقف له أجراً، فلا تكره إمامته؛ لأنه يأخذه كصدقة ومعونة. ويكره تنزيهاً قيام الإمام الراتب في غير المحراب إذا أم جماعة كثيرة، لئلا يلزم عدم قيامه في الوسط، فلو لم يلزم ذلك لا يكره.
ويكره تحريماً جماعة النساء، كما بينا سابقاً.
مذهب المالكية (٢):
تكره إمامة ذي سلس كبول ونحوه، وذي قَرْح أي دمل سائل لصحيح، ومثلهما كل من تلبس بنجاسة معفو عنها لسالم منها، لا لمثله.
وكره إمامة أقلف أو أغلف (غير المختون)، ومجهول أي لم يعلم حاله أهو عدل أو فاسق، ومثله مجهول النسب.
و تكره إمامة بعض الأشخاص في حالة دون حالة:
يكره جعل الخصي ومن يتكسر في كلامه كالنساء وولد الزنا إماماً راتباً في فرض أو سنة كعيد، ولا يكره إذا لم يجعل إماماً راتباً.
وتكره الصلاة بين الأساطين أي الأعمدة، وصلا ة المأموم أمام أو قُدَّام الإمام بلا ضرورة، وإلا لم تكره.
стр. 1169
ويكره اقتداء من بأسفل السفينة بمن بأعلاها، لعدم تمكنهم من ملاحظة الإمام، وقد تدور، فيختل عليهم أمر الصلاة، بخلاف العكس، أي اقتداء الأعلى بالأسفل. كما يكره اقتداء من بأبي قبيس بمن يصلي بالمسجد الحرام، وهو جبل عال تجاه ركن الحجر الأسود، لعدم تمام التمكن من أفعال الإمام.
وكره صلاة رجل بين نساء وعكسه أي امرأة بين رجال.
وكره إمامة بمسجد بلا رِداء يلقيه الإمام على كتفيه، بخلاف المأموم والمنفرد، فلا يكره لهما عدم الرداء، بل هو خلاف الأولى، مما يدل على أن الرداء يندب لكل مصل، والندب للإمام أوكد.
وكره تنفل الإمام بالمحراب؛ لأنه لا يستحقه إلا حال كونه إماماً، ولأنه قد يوهم غيره أنه في صلاة فرض، فيقتدي به.
وكره صلاة جماعة في المسجد قبل الإمام الراتب، وحرم معه، كما يكره صلاة جماعة بعد صلاة الإمام الراتب، وإن أذن لغيره في ذلك، كما بينا سابقاً في تكرار الجماعة.
وتجوز إمامة بعض الأشخاص مع كونها خلاف الأولى في كل ما يأتي:
فتجوز كما بينا إمامة الأعمى، وإمامة مخالف في الفروع، وإمامة ألكن: وهو من لايكاد يخرج بعض الحروف من مخارجها لعجمة أو غيرها، مثل أن يقلب الحاء هاء، أو الراء لاماً، أو الضاد دالاً.
وإمامة محدود لقذف أو شرب أو غيرها، وإمامة عنِّين (١)، وإمامة أقطع يداً
стр. 1170
أو رجلاً، وأشل، على الراجح فيهما، ومجذوم (أي من قام به داء الجذام) لكن إن اشتد جذامه، وجب تنحيته عن الإمامة، بل عن الاجتماع بالناس. وجاز إمامة صبي بمثله، وجاز إسراع لإدراك الصلاة جماعة بلا خبب (هرولة) كما بينا.
وجاز بمسجد قتل عقرب وحية وفأرة. وجاز إحضار صبي شأنه لا يعبث، أو ينكف إذا نهي، وإلا منع إحضاره.
وجاز البصق القليل في مسجد فيه حصباء أو تراب أو تحت حصيرة، ويمنع الكثير أو البصق في المسجد المبلَّط، أو فوق الحصيرة، أو على حائط المسجد لتقذيره. ويندب البصق في الثوب، وجهة اليسار أو تحت القدم اليسرى، فإن تعسر عليه ذلك بصق جهة يمينه، فإن تعسر بصق أمامه.
وجاز كما بينا خروج امرأة متجالَّة (لا أرب للرجال فيها) لمسجد الجماعة والعيد ونحوه، على التفصيل السابق في خروج النساء للمساجد.
وجاز فصل مأموم عن إمامه بنهر صغير أو طريق أو زرع، لا يمنع من رؤية أفعال الإمام أو سماعه، للأمن من الخلل في صلاته.
وجاز مع خلاف الأولى كما بينا علو مأموم على إمامه ولو بسطح في غير جمعة، لأن الجمعة لا تصح بسطح المسجد. ويكره علو إمام على المأموم إلا العلو اليسير أو لضرورة أو لقصد تعليم المأمومين كيفية الصلاة، وبطلت الصلاة إن قصد بالعلو الكبر.
وجاز التبليغ خلف الإمام واقتداء الناس بسبب سماع المبلِّغ.
وجاز اقتداء برؤية الإمام أو المأموم، وإن كان المأموم بدار مثلاً، والإمام بمسجد، ولا يشترط إمكان التوصل إليه.
стр. 1171
مذهب الشافعية (١):
تكره إمامة المتغلب على الإمامة ولايستحقها، ومن لا يتحرز عن النجاسة، ومن يحترف حرفة دنيئة كالحجام، ومن يكرهه أكثر القوم لأمر مذموم كإكثار الضحك، ومجهول الأب وولد الزنا إلا لمثله، كما بينا، وتكره إمامة الأقلف ولو بالغاً، كما تكره إمامة الصبي ولو أفقه من البالغ، كما ذكرنا، وإمامة الفأفاء والوأواء والتمتام واللاحن بما لم يغير المعنى كضم هاء (لله)، وضم صاد الصراط، وهمزة ﴿اهدنا﴾ [الفاتحة:٦/ ١] ونحوه، فإن لحن لحناً غيَّر المعنى كضم تاء ﴿أنعمت﴾ [الفاتحة:٧/ ١] أو كسرها أبطل صلاة من أمكنه التعلم، فإن عجز لسانه أو لم يمض زمن إمكان تعلمه: فإن كان في الفاتحة فهو كالأمي ولا تصح قدوة قارئ بأمي في الجديد، أما في غير الفاتحة، كما إذا قرأ بجر اللام لرسوله في قوله تعالى: ﴿أنَّ الله بريء من المشركين ورسولُه﴾ [التوبة:٣/ ٩] فتصح صلاته والقدوة به إذا كان عاجزاً، أو جاهلاً لم يمض زمن إمكان تعلمه، أو ناسياً؛ لأن الكلام اليسير بهذه الشروط لا يقدح في الصلاة.
وتكره كما بينا إمامة مخالف في الفروع، وارتفاع مكان الإمام عن مكان المأموم وعكسه من غير حاجة كضيق المسجد. ولا تكره إمامة الأعمى.
مذهب الحنابلة (٢):
بينا أنه تكره عندهم إمامة الأعمى والأعشى والأصم، والأقلف ولو بالغاً (٣)، ومقطوع اليدين أو إحداهما، ولا تصح إمامة مقطوع الرجلين إلا بمثله؛
стр. 1172
لأنه ميؤوس من قيامه، فلم تصح إمامته كالمريض الزمِن، وتصح على الأصح مع الكراهة إمامة مقطوع الرجلين أو إحداهما الذي يمكنه القيام؛ لأنه يسجد على الباقي من رجله أو حائلها، بأن يتخذ له رجلين من خشب أو نحوه.
وتكره إمامة مقطوع الأنف ومن تُضحك رؤيته أو صورته، ومن اختلف في صحة إمامته، والموسوس في رأي لئلا يقتدي به عامي، وظاهر كلامهم: لا يكره.
وتكره كما ذكرنا إمامة الفأفاء والتمتام، ومن لا يفصح ببعض الحروف كالضاد والقاف، واللحان الذي يلحن ولا يغير المعنى كجر دال ﴿الحمد لله﴾ [الفاتحة:٢/ ١]، وتصح صلاته بمن لا يلحن؛ لأنه أتى بفرض القراءة.
ويكره كما بينا أيضاً ارتفاع مكان الإمام عن المأموم ذراعاً فأكثر، لا العكس فلا كراهة في ارتفاع مكان المأموم، ولا يعيد الجمعة من يصليها فوق سطح المسجد، روى الشافعي عن أبي هريرة: «أنه صلى على ظهر المسجد بصلاة الإمام» ورواه سعيد بن منصور عن أنس. ويكره أن يؤم قوماً أكثرهم يكرهه بحق، لخلل في دينه أو فضله، فإن كرهه نصفهم لم يكره، والأولى ألا يؤمهم، إزالة لذلك الاختلاف، ولا يكره الائتمام به؛ لأن الكراهة في حقه دونهم.
وتكره إمامة الرجل للنساء الأجنبيات، ولا رجل معهن، لأنه ﷺ «نهى أن يخلو الرجل بالأجنبية» (١) ولما فيه من مخالطة الوسواس. ولا بأس أن يؤم بذوات محارمه، أو أجنبيات معهن رجل فأكثر؛ لأن النساء كن يشهدن مع النبي ﷺ الصلاة.
стр. 1173
وتكره إمامة المفضول مع وجود الأفضل، لقوله ﷺ : «إذا أمَّ الرجل القوم، وفيهم من هو خير منه، لم يزالوا في سَفال» (١).
ولا بأس بإمامة ولد زنا ولقيط، ومنفي بلعان، وخصي، وجندي، وأعرابي إذا سلم دينهم وصلحوا للإمامة، لعموم قوله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم»، وصلى السابقون خلف ابن زياد، وهو ممن في نسبته نظر، وقالت عائشة: «ليس عليه من وزر أبويه شيء» قالت: قال تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الإسراء:١٧/ ١٥]، ولأن كلاً منهم حر مرضي في دينه، يصلح لها كغيره.
خامساً - متى تفسد صلاة الإمام دون المؤتم؟ قال الحنفية (٢): إن كان بالإمام حدث أو جنابة أو مفسد للصلاة سابق على تكبيرة الإمام، أو مقارن لتكبيرة المقتدي، أو سابق عليها بعد تكبيرة الإمام، بطلت صلاة الإمام والمقتدي، لتضمن صلاة الإمام صلاة المؤتم صحة وفساداً، أي أن صلاة الإمام متضمنة لصلاة المقتدي، فإذا صحت صلاة الإمام صحت صلاة المقتدي، إلا لمانع آخر، وإذا فسدت صلاته فسدت صلاة المقتدي؛ لأنه متى فسد الشيء فسد ما في ضمنه. فمن اقتدى بإمام ثم علم المقتدي أن الإمام على غير وضوء، أعاد الصلاة اتفاقاً، لظهور بطلانها.
أما لو طرأ المفسد أو خلل الشرط أو الركن، فإن الصلاة تنعقد أولاً ثم تبطل صلاة الإمام عند وجود الخلل أو الحدث مثلاً، ولا يعيد المقتدي صلاته، كما لو ارتد الإمام، أو سعى إلى الجمعة بعد ما صلى الظهر بجماعة فسدت صلاته فقط. وكذا لو عاد إلى سجود التلاوة بعد ما تفرق المقتدون، ولو سلم القوم قبل الإمام، بعدما قعد قدر التشهد، ثم عرض له الحدث، فإنها تبطل صلاته وحده.
стр. 1174
ففي هذه المسائل تفسد صلاة الإمام، وتصح صلاة المؤتم، ولاتنتقض القاعدة السابقة (صلاة الإمام متضمنة لصلاة المؤتم) بذلك؛ لأن هذا الفساد طارئ على صلاة الإمام بعد فراغ الإمامة، فلا إمام ولا مؤتم في الحقيقة.
وقال المالكية (١): إذا صلى الإمام بجنابة أو على غير وضوء، بطلت صلاته اتفاقاً في العمد والنسيان. وتبطل صلاة المأموم في العمد دون النسيان.
وقال الشافعية (٢): إذا بان الإمام امرأة أو كافراً، وجب على المقتدي إعادة الصلاة، لأنه مقصر بترك البحث عن الإمام الصالح، ولعدم أهلية الإمام للإمامة.
أما لو بان كون الإمام جنباً أو محدثاً أو ذا نجاسة خفية في ثوبه أو بدنه، فلا تجب على المقتدي إعادة الصلاة لانتفاء التقصير، إلا في الجمعة إذا كان المصلون مع الإمام أربعين فقط مع المحدث أو ذي النجاسة. وتجب الإعادة على المقتدي إذا كانت النجاسة ظاهرة، لتقصيره في هذه الحالة. والنجاسة الظاهرة: ما تكون بحيث لو تأمَّلها المأموم لرآها. والخفية بخلافها.
وقال الحنابلة (٣): إذا بان الإمام امرأة أو كافراً، وجبت إعادة الصلاة على المؤتم كما قال الشافعية، إذ تمتاز المرأة بالصوت والهيئة وغيرهما، والكفر لا يخفى غالباً، فالجاهل بذلك مفرط.
ولا تصح إمامة محدث أو متنجس يعلم ذلك؛ لأنه أخل بشرط الصلاة مع القدرة، فأشبه المتلاعب، ويجب على المقتدي في حال علم الإمام بحدثه أو نجسه أن يعيد صلاته، وإن كان جاهلاً بحال الإمام.
أما لو كان الإمام جاهلاً بالحدث أو
стр. 1175
النجس، وكذلك المأمومون يجهلون ذلك، حتى قضوا الصلاة، فتصح صلاة المأموم وحده، دون الإمام، للحديث السابق: «إذا صلى الجنب بالقوم أعاد صلاته، وتمت للقوم صلاتهم».
وعليه إذا صلى الإمام بالجماعة محدثاً أو جنباً غير عالم بحدثه، فلم يعلم هو ولا المأمومون، حتى فرغوا من الصلاة، فصلاتهم صحيحة اتفاقاً وصلاة الإمام باطلة.
سادساً - ما تفسد به صلاة الإمام والمأمومين: تبين من الفقرة السابقة: أن العلماء اتفقوا على أنه إذا طرأ الحدث في الصلاة على الإمام، فتفسد صلاته، وتظل صلاة المأمومين صحيحة.
أما لو صلى الإمام بالناس وهو جنب أو محدث، وعلم بذلك المأمومون بعد الصلاة، فهل تفسد صلاتهم أم لا؟ أجيب عنه في الفقرة السابقة (١) وموجزه ما يأتي: فقال الحنفية: صلاتهم فاسدة مطلقاً.
وقال المالكية: تبطل صلاتهم في حال العمد دون النسيان.
وقال الشافعية والحنابلة: صلاتهم صحيحة، إلا في الجمعة إذا كان المصلون مع الإمام أربعين فقط، فتفسد حينئذ.
وسبب الاختلاف: هل صحة انعقاد صلاة المأموم مرتبطة بصحة صلاة الإمام، أم ليست مرتبطة؟
فمن رآها مرتبطة وهم الحنفية، قال: صلاتهم فاسدة.
ومن رآها غير مرتبطة وهم الشافعية والحنابلة، قال: صلاتهم صحيحة.
ومن فرق بين السهو والعمد، وهم المالكية، أخذ بظاهر الأثر الآتي: عن أبي
стр. 1176
بكرة: «أن النبي ﷺ استفتح، فكبَّر ثم أومأ إليهم: أن مكانكم، ثم دخل، ثم خرج ورأسه يقطر، فصلى بهم، فلما قضى الصلاة، قال: إنما أنا بشر مثلكم، وإني كنت جُنُباً» (١) فظاهر هذا أنهم بنوا على صلاتهم.
ورأى الشافعية والحنابلة أنه لو كانت الصلاة مرتبطة، للزم أن يبدؤوا بالصلاة مرة ثانية.
سابعاً - ما يحمله الإمام عن المأموم: يتحمل الإمام سهو المأموم، واتفق الفقهاء على أنه لا يحمل الإمام من فرائض الصلاة شيئاً عن المأموم ما عدا القراءة، فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال (٢):
أحدها - للمالكية والحنابلة: أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسر فيه، ولا يقرأ معه فيما جهر به. وكذلك يقرأ عند الحنابلة في الجهرية إذا لم يسمع، ولا يقرأ إذا سمع (٣).
والثاني - للحنفية: أنه لا يقرأ معه أصلاً.
والثالث - للشافعية: أنه يقرأ فيما أسر أم الكتاب (الفاتحة) وغيرها، وفيما جهر أم الكتاب فقط.
стр. 1177
والسبب في اختلافهم اختلاف الأحاديث في هذا الموضوع، وهي أربعة أحاديث سبق ذكرها في أركان الصلاة وهي:
١ - حديث «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب».
٢ - حديث مالك عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي منكم أحد آنفاً؟ فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله، فقال رسول الله: إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ .
٣ - حديث عبادة بن الصامت، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الغداة، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف، قال: إني لأراكم تقرؤون وراء الإمام؟ قلنا: نعم، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن (١).
٤ - حديث جابر عن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام، فقراءته له قراءة» وفي معناه حديث خامس صححه أحمد بن حنبل وهو: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا».
اختلف الفقهاء في الجمع بين هذه الأحاديث، فالشافعية استثنوا من النهي عن القراءة فيما جهر فيه الإمام قراءة أم القرآن فقط عملاً بحديث ابن الصامت.
والمالكية والحنابلة: استثنوا من عموم حديث «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» المأموم فقط في صلاة الجهر، للنهي الوارد عن القراءة فيما جهر فيه الإمام في حديث أبي هريرة، وأكد ذلك بظاهر قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف:٢٠٤/ ٧] قا لوا: وهذا إنما ورد في الصلاة.
والحنفية: استثنوا القراءة الواجبة على المصلي المأموم فقط، سراً كانت
стр. 1178
الصلاة أو جهراً، وجعلوا الوجوب الوارد في القراءة في حق الإمام والمنفرد فقط، عملاً بحديث جابر، فصار حديث جابر مخصصاً لقوله ﵊: «واقرأ ما تيسر معك فقط» لأنهم لا يرون وجوب قراءة أم القرآن في الصلاة، وإنما يرون وجوب القراءة مطلقاً، لقوله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل:٢٠/ ٧٣].
ما ذكره الحنابلة فيما يتحمله الإمام عن المأموم:
قال الحنابلة (١): يتحمل الإمام عن المأموم ثمانية أشياء:
الفاتحة، وسجود السهو إذا دخل معه في الركعة الأولى (وهو اللاحق)، والسترة قدَّامه، لما تقدم «سترة الإمام سترة لمن خلفه»، والتشهد الأول إذا سبقه بركعة من رباعية لوجوب المتابعة، وسجود تلاوة أتى بها المأموم في الصلاة خلف الإمام، وفيما إذا سجد الإمام لتلاوة سجدة قرأها في صلاة سرية، وقول: سمع الله لمن حمده، وقول: ملء السموات وملء الأرض … الخ بعد التحميد، ودعاء القنوت إن كان يسمع المأموم، فيؤمن فقط، وإلا قنت.
ويوافقهم الحنفية والمالكية في الفاتحة وقول سمع الله لمن حمده، وقول: ملء السموات كما يوافقهم سائر المذاهب في الباقي.
ثامناً - الأحكام الخاصة بالإمام: هناك أربع مسائل خاصة بالإمام وهي: هل يؤمن الإمام إذا فرغ من قراءة الفاتحة، أو المأموم هو الذي يؤمن فقط، ومتى يكبر الإمام تكبيرة الإحرام، وهل يفتح على الإمام إذا أرتج عليه أو لا، وهل يجوز أن يكون موضعه أرفع من موضع المأمومين؟
стр. 1179
قد عرفنا أحكام هذه المسائل في المذاهب ما عدا الثانية منها، ونوجز هنا الكلام فيها (١).
المسألة الأولى - هل يؤمن الإمام إذا فرغ من قراءة الفاتحة، أو المأموم هو الذي يؤمن فقط؟ ذهب مالك إلى أنه لا يؤمن.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يؤمن كالمأموم سواء.
وسبب اختلافهم حديثان متعارضان في الظاهر:
أحدهما - حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (٢).
والثاني - حديث أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين (٣).
فالحديث الأول نص في تأمين الإمام. والحديث الثاني: يستدل منه على أن الإمام لا يؤمن؛ لأنه لو كان يؤمن، لما أمر المأموم بالتأمين عند الفراغ من الفاتحة قبل أن يؤمن الإمام؛ لأن الإمام، كما قال ﵊ إنما جعل ليؤتم به.
فرجح مالك الحديث الثاني الذي رواه، لكون السامع هو المؤمن، لا القارئ الداعي.
ورجح الجمهور الحديث الأول لكونه نصاً في الموضوع؛ لأنه ليس فيه شيء
стр. 1180
من حكم الإمام، وإنما الخلاف بينه وبين الحديث الآخر في موضع تأمين المأموم فقط، لا في: هل يؤمن الإمام أو لا يؤمن.
المسألة الثانية - متى يكبر الإمام تكبيرة الإحرام؟ قال الجمهور: لا يكبر الإمام إلا بعد تمام الإقامة واستواء الصفوف.
وقال الحنفية: إن موضع التكبير هو قبل أن يتم الإقامة، واستحسنوا تكبيره عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة.
وسبب الخلاف تعارض ظاهر حديث أنس وحديث بلال.
أما حديث أنس: فقال: أقبل علينا رسول الله ﷺ قبل أن يكبر في الصلاة، فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من راء ظهري (١). وظاهر هذا أن الكلام منه كان بعد الفراغ من الإقامة، مثلما روي عن عمر: أنه كان إذا تمت الإقامة، واستوت الصفوف، حينئذ يكبر.
وأما حديث بلال: فإنه روى أنه كان يقيم للنبي ﷺ ، فكان يقول له: يا رسول الله، لا تسبقني بآمين (٢). فهذا يدل على أن رسول الله ﷺ كان يكبر، والإقامة لم تتم.
المسألة الثالثة - هل يفتح على الإمام إذا أرتج عليه أو لا؟ ذكر البحث فيها في مبطلات الصلاة، وقد عرفنا أن المذاهب الأربعة وغيرها
стр. 1181
أجازوا الفتح على الإمام إذا أرتج عليه وهو مشهور عن ابن عمر.
ومنعه بعض العلماء وهو مشهور عن علي. وسبب الخلاف: اختلاف الآثار، فقد روي أنه «صلى رسول الله ﷺ ، فترك آية، فقال له رجل: يا رسول الله، آية كذا وكذا، قال: فهلا ذكرتنيها؟!» (١)، وروي عنه ﵊ أنه قال: «يا علي، لاتفتح على الإمام في الصلاة» (٢). والرأي الأول أصح رواية وعملاً.
المسألة الرابعة - ارتفاع الإمام عن المأمومين:
بينا سابقاً أنه يجوز في المذاهب الأربعة ارتفاع الإمام عن المأمومين مع الكراهة، إلا الارتفاع اليسير فلا كراهة فيه عند المالكية والحنابلة، وإلا حالة الضرورة أو قصد التعليم عند الشافعية. ومنع قوم ذلك.
وسبب الخلاف فيه حديثان متعارضان:
أحدهما - الحديث الثابت أنه ﵊ أمَّ الناس على المنبر ليعلمهم الصلاة، وأنه كان إذا أراد أن يسجد نزل من على المنبر (٣).
والثاني - ما رواه أبو داود أن حذيفة أمَّ الناس على دكَّان (٤) فأخذ ابن مسعود بقميصه، فجذبه، فلما فرغ من صلاته، قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك (٥).
стр. 1182
مسألة خامسة ملحقة - هل يجب على الإمام أن ينوي الإمامة أو لا؟ ذهب قوم إلى أنه ليس ذلك بواجب عليه، لحديث ابن عباس أنه قام إلى جنب رسول الله ﷺ بعد دخوله في الصلاة.
ورأى قوم أن هذا محتمل، وأنه لا بد من ذلك؛ إذ كان يحمل بعض أفعال الصلاة عن المأمومين. وسنعود لهذا البحث.
المطلب الثالث - القدوة:
شروط القدوة، نية مقارنة الإمام وقطع القدوة، أحوال المقتدي (المدرك، اللاحق، المسبوق)، ما يفعله المقتدي بعد فراغ إمامه من واجب وغيره.
أولاً - شروط صحة القدوة: ذكر الشافعية (١) سبعة شروط لصحة القدوة يمكن فهمها من فروع المطلب الثاني السابق وهي ما يأتي:
١ - ألا يعلم المقتدي بطلان صلاة إمامه بحدث أو غيره، وألا يعتقد بطلانها من حيث الاجتهاد في غير اختلاف المذاهب في الفروع: كمجتهدين اختلفا في القبلة أو في إناءين من الماء: طاهر ونجس، بأن أدى اجتهاد أحدهما إلى غير ما أدى إليه اجتهاد الآخر في المسألتين.
فإن تعدد الطاهر من الآنية: كأن كانت الأواني ثلاثة، والطاهر منها اثنان والمجتهدون ثلاثة، وظن كل منهم طهارة إنائه فقط، فالأصح صحة اقتداء بعضهم ببعض، ما لم يتعين إناء الإمام للنجاسة.
стр. 1183
فإن ظن واحد باجتهاده طهارة إناء غيره، جاز له الاقتداء به قطعاً.
أما اختلاف المذاهب في الفروع: فلو اقتدى شافعي بحنفي مسَّ فرجه، أو افتصد، فالأصح الصحة في الفصد، دون المس، اعتباراً باعتقاد المقتدي لأنه محدث عنده بالمس، دون الفصد.
٢ - ألا يعتقد وجوب قضاء الصلاة: كمقيم تيمم، لفقد ماء بمحل يغلب فيه وجوده.
٣ - ألا يكون مأموماً، فلا تصح قدوة بمقتد في حال قدوته؛ لأنه تابع لغيره يلحقه سهوه، ومن شأن الإمام الاستقلال، وأن يتحمل هو سهو غيره، فلا يجتمعان، وهذا إجماع.
٤ - ألا يكون مشكوكاً في كونه إماماً أو مأموماً: فإن شك لم يصح اقتداؤه به.
٥ - ألا يكون أمياً: وهو من لا يحسن حرفاً من الفاتحة، أو يخل بتشديدة منها، إلا إذا اقتدى به مثله.
٦ - ألا يقتدي الرجل بالمرأة. فلو صلى خلفه ثم تبين كفره أو جنونه أو كونه امرأة أو مأموماً أو أمياً، أعادها، إلا إن بان محدثاً أو جنباً أو عليه نجاسة خفية، أو قائماً بركعة زائدة فاقتدى به، فلا إعادة عليه.
ولو نسي حدث إمامه، ثم تذكره، أعاد.
ثانياً - نية مفارقة الإمام وقطع القدوة: عرفنا سابقاً أنه عند الشافعية: تنقطع القدوة بمجرد خروج الإمام من صلاته، بحدث أو غيره.
стр. 1184
وقال الشافعية والحنابلة (١): إن أحرم الشخص مأموماً، ثم نوى مفارقة الإمام وإتمام صلاته منفرداً، جاز عند الشافعية سواء أكان لعذر، أم لغير عذر مع الكراهة، لمفارقته للجماعة المطلوبة وجوباً أو ندباً مؤكداً. وجاز لعذر فقط عند الحنابلة، أما لغير عذر ففيه روايتان: إحداهما: تفسد صلاته وهي الأصح والثانية: تصح. واستثنى الشافعية الجمعة فلا تصح نية المفارقة في الركعة الأولى منها، والصلاة التي يريد إعادتها جماعة، فلا تصح نية المفارقة في شيء منها، وكذا الصلاة المجموعة تقديماً.
ومن العذر: تطويل الإمام، أو تركه سنة مقصودة، كتشهد أول وقنوت، فله فراقه ليأتي بتلك السنة، أو المرض، أو خشية غلبة النعاس أو شيء يفسد صلاته، أو خوف فوات ماله أو تلفه، أو فوت رفقته، أو من يخرج من الصف ثم لا يجد من يقف معه.
ودليلهم مافي الصحيحين: «أن معاذاً صلى بأصحابه العشاء، فطوَّل عليهم، فانصرف رجل، فصلى، ثم أتى النبي ﷺ ، فأخبره بالقصة، فغضب وأنكر على معاذ، ولم ينكر على الرجل، ولم يأمره بالإعادة».
وأجاز الحنفية (٢) فقط مع الكراهة سلام المقتدي قبل الإمام، ولا تجوز المفارقة. وقال المالكية (٣): من اقتدى بإمام لم يجز له مفارقته.
ثالثاً - أحوال المقتدي (المدرك، اللاحق، المسبوق):
للمقتدي أحوال ثلاثة: مدرك، ولاحق، ومسبوق، ولأحكامهم تفصيل في المذاهب.
стр. 1185
مذهب الحنفية (١):
المدرك: من صلى جميع الصلاةكاملة مع الإمام. وهذا صلاته تامة لا شيء فيها.
واللاحق: من فاتته الركعات كلها أو بعضها مع الإمام، على الرغم من ابتدائه الصلاة معه، كأن عرض له عذر كغفلة أو نوم أو زحمة (٢) أو سبق حدث، أو صلاة خوف (أي في الطائفة الأولى، وأما الثانية فمسبوقة) أو كان مقيماً ائتم بمسافر، أو بلا عذر: كأن سبق إمامه في ركوع وسجود، فإنه يقضي ركعة.
وحكمه: أنه كمؤتم حقيقة فيما فاته، فلا تنقطع تبعيته للإمام، فلا يقرأ في قضاء مافاته من الركعات، ولا يسجد للسهو لأنه لا سجود على المأموم فيما يسهو به خلف إمامه، ولا يتغير فرضه، فيصير أربعاً، بنية الإقامة إن كان مسافراً، ويبدأ بقضاء ما فاته أثناء صلاة الإمام، ثم يتابعه فيما بقي إن أدركه ويسلم معه، فإن لم يدركه، مضى في صلاته إلى النهاية.
وإذا كان اللاحق مسبوقاً بأن بدأ مع الإمام في الركعة الثانية، ثم فاتته ركعة فأكثر خلف الإمام، فعليه القراءة في قضاء ما سبق به.
والمسبوق: من سبقه الإمام بكل الصلاة أو ببعضها (٣). وحكمه أنه كالمنفرد بعد البدء بقضاء ما فاته، فيأتي بدعاء الثناء، والتعوذ لأنه للقراءة، ويقرأ؛ لأنه
стр. 1186
يقضي أول صلاته في حق القراءة، فلو ترك القراءة، فسدت صلاته، كما يقضي آخر صلاته في حق التشهد.
ومحل إتيانه بالثناء: إن كان في ركعة سرية أتى بالثناء بعد تكبيرة الإحرام، وإن أدرك الإمام في ركعة جهرية، لا يأتي به مع الإمام على الصحيح، بل يأتي به عند قضاء ما فاته، وعندئذ يتعوذ ويبسمل للقراءة كالمنفرد.
والمسبوق: إن أدرك الإمام وهو راكع، كبر للإحرام قائماً، ثم ركع معه، وتحسب له هذه الركعة.
وإن أدركه بعد الركوع، كبر للإحرام قائماً، ثم تابعه فيما هو فيه من أعمال الصلاة، ولا تحسب الركعة، ثم يقضي ما فاته بعد سلام الإمام، ويقرأ الفاتحة وسورة بعدها في قضاء كل من الركعتين الأولى والثانية من صلاته، فلو فاتته هاتان الركعتان قرأ فيما يقضيه الفاتحة وسورة، ولو فاته ركعة مثلاً قضى ركعة وقرأ فيها الفاتحة والسورة.
والمسبوق كالمنفرد إلا في أربع مسائل فهو كمقتد:
إحداها - لا يجوز اقتداؤه بغيره ولا الاقتداء به.
ثانيها - لو كبَّر ناوياً استئناف صلاة جديدة وقطعها، صار مستأنفاً وقاطعاً للصلاة الأولى، بخلاف المنفرد.
ثالثها - لو قام إلى قضاء ما سبق به، وعلى الإمام سجدتا سهو، ولو قبل اقتدائه، فعليه أن يعود فيسجد معه، ما لم يقيد الركعة التي قام لقضائها بسجدة، فإن لم يعد حتى سجد، يمضي في صلاته، وعليه إن يسجد في آخر صلاته، بخلاف المنفرد، فإنه لا يلزمه السجود لسهو غيره.
كذلك يلزمه متابعة الإمام في قضاء سجدة التلاوة، على التفصيل المذكور.
стр. 1187
رابعها - يأتي بتكبيرات التشريق (١) اتفاقاً بين الحنفية، بخلاف المنفرد، حيث لا يأتي بها عند أبي حنيفة.
ومن أحكام المسبوق:
أنه يكره تحريماً أن يقوم المسبوق لقضاء ما فاته قبل سلام إمامه إذا قعد قدر التشهد، إلا في مواضع تعتبر عذراً:
الأول: إذا خاف المسبوق الماسح زوال مدته إذا انتظر سلام الإمام.
الثاني: إذا خاف خروج الوقت، وكان صاحب عذر، حتى لا ينتقض وضوءه.
الثالث: إذا خاف في الجمعة دخول وقت العصر، إذا انتظر سلام الإمام.
الرابع: إذا خاف المسبوق دخول وقت الظهر في العيدين، أو خاف طلوع الشمس في الفجر، إذا انتظر سلام الإمام.
الخامس: إذا خاف المسبوق أن يسبقه الحدث.
السادس: إذا خاف أن يمر الناس بين يديه إذا انتظر سلام الإمام، ففي هذه المواضع كلها للمسبوق أن يقوم فيها لإكمال صلاته قبل سلام إمامه.
مذهب المالكية (٢):
المدرك: الذي أدرك جميع الصلاة مع الإمام، صلاته تامة، ولاقضاء عليه بعد سلام إمامه؛ لأنه لم يفته شيء من الصلاة.
стр. 1188
واللاحق: الذي فاته شيء من الصلاة بعد الدخول مع الإمام لعذر كزحمة أو نعاس لا ينقض الوضوء، له أحوال ثلاثة: أن يفوته ركوع أو اعتدال منه، أن تفوته سجدة أو سجدتان، أن تفوته ركعة فأكثر.
الحالة الأولى - وهي أن يفوت المأموم الركوع أو الرفع منه مع الإمام، فإما أن يكون ذلك في الركعة الأولى أو غيرها. فإن كان في الركعة الأولى اتبع الإمام فيما هو فيه من الصلاة، وألغى هذه الركعة، وقضى ركعة بعد سلام الإمام.
وإن كان ذلك الفوات في غير الركعة الأولى: فإن أمكنه تدارك الإمام في السجود ولو في السجدة الثانية، فعل مافاته ليدرك الإمام، وإن لم يتمكن من تدارك الإمام في السجود، فإنه يلغي هذه الركعة، ويقضيها بعد سلام الإمام.
الحالة الثانية - أن يفوته سجدة أو سجدتان: فإن أمكنه السجود وإدراك الإمام في ركوع الركعة التالية، فعل ما فاته ولحق الإمام وتحسب له الركعة. وإن لم يمكنه السجود على النحو المذكور، ألغى الركعة واتبع الإمام فيما هو فيه، وأتى بركعة بعد سلام الإمام، ولا يسجد للسهو، لأن الإمام يتحمل عنه سهوه.
الحالة الثالثة - أن تفوته ركعة أو أكثر بعد الدخول مع الإمام: فيقضي مافاته بعد سلام الإمام، على النحو الذي فاته بالنسبة للقراءة والقنوت.
أما المسبوق: الذي فاته ركعة أو أكثر قبل الدخول مع الإمام، فحكمه أنه يجب عليه أن يقضي بعد سلام الإمام ما فاته من الصلاة. والمشهور أنه يقضي القول، ويبني على الأفعال، علماً بأن المراد بالقول هو القراءة، والمراد بالفعل هو ماعدا القراءة، فيشمل التسميع والتحميد والقنوت.
و معنى قضاء القول: أن يجعل ما فاته المسبوق قبل دخوله مع الإمام بالنسبة
стр. 1189
إليه هو أول صلاته، وما أدركه معه هو آخرها، فيأتي بالقراءة على صفتها من سر أو جهر.
و معنى البناء على الفعل (١): أن يجعل ما أدركه مع الإمام أول صلاته، ومافاته آخر صلاته، فيكون كالمصلي وحده. فهو عكس البناء على القول.
وتوضيح ذلك: إن أدرك المسبوق الركعة الرابعة فقط من العشاء، فإذا سلم الإمام، أتى بركعة يقرأ فيها جهراً بالفاتحة والسورة؛ لأنها أولى صلاته بالنسبة للقراءة، ثم يجلس بعدها للتشهد؛ لأنها ثانية له بالنسبة للجلوس. ثم يقوم فيأتي بركعة، يقرأ فيها جهراً بالفاتحة والسورة؛ لأنها ثانية له بالنسبة للقراءة، ولا يجلس بعدها للتشهد لأنها ثالثة له بالنسبة للجلوس. ثم يأتي بركعة ثالثة يقرأ فيها سراً، ثم يجلس للتشهد الأخير؛ لأنها رابعة بالنسبة للأفعال، ثم يسلم.
ومدرك الركعة الثانية في صلاة الصبح مع الإمام، يقنت في ركعة القضاء؛ لأنها الثانية بالنسبة للفعل، الذي منه القنوت، ويجمع بين التسميع والتحميد؛ لأن الركعة الثانية آخرته، وهو فيها كالمصلي وحده.
أما إن سجد الإمام سجود سهو: فإن كان قبلياً سجد معه، وإن كان بعدياً أخره حتى يفرغ من قضاء ما عليه.
وأما التكبير أثناء نهوض المسبوق لقضاء ما عليه: فإن أدرك مع الإمام ركعتين أو أقل من ركعة، كبر حال القيام؛ لأن جلوسه في محله، فيقوم بتكبير، وإلا فلا يكبر حال القيام، بل يقوم ساكتاً؛ لأن جلوسه في غير محله، وإنما هو لموافقة الإمام.
стр. 1190
وإن أدرك المسبوق ركوع الإمام، فمكن من ركبتيه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، فقد أدرك الركعة. وإن لم يدرك المسبوق ركوع الركعة الأخيرة، فدخل في السجود أو الجلوس، فقد فاتته الصلاة كلها، فيقوم فيصليها كاملة؛ فإن جرى له ذلك في صلاة الجمعة، صلاها ظهراً أربعاً.
الشافعية (١):
المقتدي: إما موافق أو مسبوق. والموافق: هو من أدرك مع الإمام قدر الفاتحة، سواء الركعة الأولى وغيرها. والمسبوق: هو من لم يدرك مع الإمام من الركعة الأولى أو غيرها قدراً يسع الفاتحة.
والموافق: إن تخلف عن الإمام بركن فعلي عامداً بلا عذر، بأن فرغ الإمام منه، وهو فيما قبله، لم تبطل صلاته في الأصح؛ لأنه تخلف يسير، سواء أكان طويلاً، كأن ابتدأ الإمام رفع الاعتدال، والمأموم في قيام القراءة، أم قصيراً، كأن رفع الإمام رأسه من السجدة الأولى، وهوى من الجلسة بعدها للسجود، والمأموم في السجدة الأولى.
وإن تخلف بركنين فعليين، بأن فرغ الإمام منهما، وهو فيما قبلهما، كأن ابتدأ الإمام هويّ السجود، والمأموم في قيام القراءة.
أ - فإن لم يكن عذر، كأن تخلف لقراءة السورة أو لتسبيحات الركوع والسجود، بطلت صلاته، لكثرة المخالفة.
ب - وإن كان عذر: بأن اشتغل بدعاء الافتتاح، أو ركع إمامه فشك في
стр. 1191
الفاتحة، أو تذكر تركها أو أسرع الإمام قراءته مثلاً، أو كان المأموم بطيء القراءة لعجز، لا لوسوسة، وركع أي الإمام قبل إتمام المأموم الفاتحة، فالصحيح أن المأموم يتم فاتحته، ويسعى خلف إمامه على نظم صلاة نفسه، ما لم يسبق بأكثر من ثلاثة أركان مقصودة في نفسها، طويلة أي ما لم يسبق بثلاثة فما دونها، وهي الركوع والسجودان، أخذاً من صلاته ﷺ بعُسْفان، فلا يعد منها القصير: وهو الاعتدال والجلوس بين السجدتين.
فإن سبق بأكثر من الأركان الثلاثة، بأن لم يفرغ من الفاتحة إلا والإمام قائم عن السجود، أو جالس للتشهد، فالأصح أنه لا تلزمه المفارقة، بل يتبع الإمام فيما هو فيه، ثم يتدارك بعد سلام الإمام ما فاته، كالمسبوق، لما في مراعاة نظم صلاته في هذه الحالة من المخالفة الفاحشة. وهذا كله مفرع على شرط متابعة المقتدي للإمام.
أما المسبوق: فيسن له ألا يشتغل بسنة بعد التحرم، بل بالفاتحة، إلا أن يظن إدراكها مع اشتغاله بالسنة. فإن لم يشتغل بسنة، تبع إمامه في الركوع وجوباً، وسقط عنه ما بقي من الفاتحة، فإن تخلف لإتمام قراءته، حتى رفع الإمام من الركوع، فاتته الركعة، ولا تبطل صلاته، إلا إذا تخلف عنه بركنين فعليين بلا عذر.
وإن اشتغل المسبوق بسنة كدعاء الافتتاح أو التعوذ، قرأ بقدرها من الفاتحة وجوباً، ثم إن فرغ مما عليه، وأدرك الركوع مطمئناً يقيناً مع الإمام أدرك الركعة. وإن فرغ مما عليه، والإمام في الاعتدال، وافقه فيه وفاتته الركعة. وإن لم يفرغ مما عليه واستمر في القراءة وأراد الإمام الهويّ للسجود، تعينت نية المفارقة؛ لأنه إن هوى الإمام للسجود، ولم ينو المفارقة، بطلت صلاته، وإن هوى معه، بطلت صلاته أيضاً.
стр. 1192
وإن لم يشتغل بسنة، قطع القراءة، وركع مع الإمام.
ولو علم المأموم في ركوعه أنه ترك الفاتحة، لم يعد إليها، بل يصلي ركعة بعد سلام الإمام.
ولو علم المأموم ترك الفاتحة أو شك فيه، وقد ركع الإمام، ولم يركع هو، قرأها وجوباً لبقاء محلها، ويعد متخلفاً بعذر، ويطبَّق عليه حكم بطيء القراءة، في الموافق.
والمسبوق الذي فاته بعض ركعات الصلاة مع الإمام: إن أدرك مع الإمام مقدار الركوع الجائز بأن أدركه راكعاً واطمأن معه، فقد أدرك الركعة، وإن لم يدرك ذلك أو أدركه في ركوع زائد أو في الثاني من صلاة الكسوفين، لم يدرك الركعة، لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة، فليضف إليها أخرى، ومن لم يدرك الركوع، فليصل الظهر أربعاً» (١).
وإن أدركه ساجداً، كبر للإحرام، ثم سجد من غير تكبير، على المذهب.
وإن أدركه في آخر الصلاة، كبر للإحرام، وقعد، وحصل له فضيلة الجماعة، فإن أدرك معه الركعة الأخيرة، كان ذلك أول صلاته، لما روي عن علي ﵁ أنه قال: «ما أدركت فهو أول صلاتك» وعن ابن عمر أنه قال: «يكبر، فإذا سلم الإمام قام إلى ما بقي من صلاته» وبه تقررت قاعدة المذهب وهي: ما أدركه المسبوق أول صلاته، وما يتداركه آخرها، لقوله ﷺ : «ما أدركتم
стр. 1193
فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (١). وهذا بخلاف مذاهب الأئمة الآخرين فعندهم: ما أدركه آخر صلاته وما يتداركه أول صلاته، لقوله ﷺ : «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» (٢).
وإن كانت الصلاة فيها قنوت، فقنت مع الإمام أعاد القنوت في آخر صلاته؛ لأن مافعله مع الإمام فعله للمتابعة، فإذا بلغ إلى موضعه، أعاد كما لو تشهد مع الإمام، ثم قام إلى ما بقي، فإنه يعيد التشهد.
ويسن للمسبوق الذي فاتته الركعتان الأوليان أو إحداهما أن يقرأ سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأخيرتين أو الأولى منهما، لئلا تخلو صلاته من سورة.
الحنابلة (٣):
المسبوق يشمل عندهم (اللاحق) عند الحنفية والمالكية، فمن اقتدى بالإمام من أول الصلاة، أو بعد ركعة فأكثر وفاته شيء منها فهو في الحالتين مسبوق. أما اللاحق الذي بدأ صلاته مع الإمام من أولها، وتخلف عنه بركن أو ركنين لعذر من نوم لا ينقض الوضوء أوغفلة أو سهو أوعجلة ونحوه كزحام، فيجب عليه أن يفعله ويلحق به إذا لم يخش فوت الركعة التالية؛ لأنه أمكنه استدراكه من غير محذور، فلزمه، وتصح الركعة التي أتى بها. وإن لم يأت بها أو خشي فوت الركعة التالية مع الإمام، وجب عليه متابعة إمامه، ولغت الركعة، ووجب عليه قضاؤها على صفتها بعد سلام الإمام.
стр. 1194
والإتيان بها على صفتها معناه: أنه لو فاتته الركعة الأولى، أتى بها بالاستفتاح والتعوذ وقراءة سورة بعد الفاتحة. وإن كانت الثانية قرأ سورة بعد الفاتحة، وإن كانت الثالثة أو الرابعة قرأ الفاتحة فقط.
وإن تخلف عن السجود مع الإمام لعذر، تابع إمامه في السجود الثاني وتمت له الركعة، على أن يقضي ما فاته على صفته بعد سلام الإمام.
وإن تخلف عن إمامه بركعة فأكثر، لعذر من نوم أو غفلة أو نحوه، تابعه فيما بقي من صلاته، وقضى المأموم ما تخلف به بعد سلام إمامه، كمسبوق.
وأما إن تخلف المقتدي عن إمامه بركن بلا عذر، فهو كسبق الإمام بركن: إن فعل ذلك عامداً عالماً، بطلت صلاته، لأنه ترك فرض المتابعة متعمداً. وإن فعل ذلك جاهلاً أو ناسياً، بطلت تلك الركعة إذا لم يأت بما فاته مع إمامه؛ لأنه لم يقتد بإمامه في الركوع، وتصح صلاته، لحديث «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
وأما المسبوق: فإن سبق بالركوع أو بركنين عمداً بطلت صلاته مطلقاً، وإن سبقه بغير ركوع كالهوي للسجود، أو سبقه سهواً لم تبطل صلاته، لكن يجب إعادة ما أتى به بعد إمامه، فإن لم يأت به، ألغيت الركعة.
وما أدرك المسبوق مع الإمام فهو آخر صلاته، كما بينا، فإن أدركه فيما بعد الركعة الأولى كالثانية أو الثالثة، لم يستفتح ولم يستعذ، ومايقضيه المسبوق هو أول صلاته، فيستفتح له، ويتعوذ، ويقرأ السورة، لحديث أبي هريرة السابق أن النبي ﷺ قال: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا» (١).
стр. 1195
ويتورك المسبوق مع إمامه في موضع توركه؛ لأنه آخر صلاته، وإن لم يعتد به، كما يتورك المسبوق فيما يقضيه للتشهد الثاني، فلو أدرك ركعتين من رباعية، جلس مع الإمام متوركاً متابعة له للتشهد الأول، وجلس بعد قضاء الركعتين أيضاً متوركاً؛ لأنه يعقبه سلامه. ويندب أن يكرر التشهد الأول، حتى يسلم إمامه التسليمتين؛ لأنه تشهد واقع في وسط الصلاة، فلم تشرع فيه الزيادة على الأول.
وإذا سلم المسبوق مع إمامه سهواً، وجب عليه أن يسجد للسهو في آخر صلاته. وكذا يسجد للسهو إن سها فيما يصليه مع الإمام، وفيما انفرد بقضائه، ولو شارك الإمام في سجوده لسهوه. وإذا لم يسجد الإمام لسهو، وجب على المسبوق سجود السهو بعد قضاء ما فاته.
ويعتبر المسبوق مدركاً للجماعة متى أدرك تكبيرة الإحرام قبل سلام إمامه التسليمة الأولى، ولا يكون مدركاً للركعة إلا إذا ركع مع الإمام قبل رفع رأسه من الركوع، غير شاكّ في إدراك الإمام راكعاً، ولو لم يدرك معه الطمأنينة إذا اطمأن هو، ثم لحق إمامه، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود، فاسجدوا، ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة» (١).
رابعاً: ما يفعله المقتدي بعد فراغ إمامه من واجب وغيره: ذكر الحنفية (٢) بعض الأحكام الفرعية المتعلقة بالمقتدي بعد فراغ إمامه وهي:
أـ لو سلم الإمام قبل فراغ المقتدي من قراءة التشهد، فعليه أن يتمه، ثم يسلم.