← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

ويؤيد هذا الرأي أن أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة رأى في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية سنة ١٩٦٥ م كما تقدم أنه إذا كانت الأسهم تتخذ للاستثمار، وهي ممثلة في رأس مال شركة مساهمة، فإن دفع الشركة للزكاة يغني عن دفع حامل السهم. إلا أن مجمع البحوث الإسلامية أوصى بأنه في الشركات المساهمة التي يساهم فيها عدد من الأفراد لا ينظر في تطبيق هذه الأحكام إلى مجموع أرباح الشركات، وإنما ينظر إلى ما يخص كل شريك على حدة. لكني أخالف هذا الاتجاه للأسباب السابقة، أما في حال تفرقة الزكاة وتوزيعها فلا مانع من إعطاء صاحب الأسهم زكاته ليتولى تفرقتها بالنيابة عن الشركة، وأصالة عن نفسه. وقد قررت الجمعية العمومية لحاملي أسهم دار المال الإسلامي في المملكة العربية السعودية إعطاء الحق لمن يريد من المساهمين بسحب الزكاة المستحقة على حصته من الأسهم لتوزيعها بمعرفته الشخصية، وكان القرار ينص على استمرار الدار في مباشرة خصم (حسم) مبالغها (الزكاة) والمستحقة شرعاً. وعلى كل مساهم يرغب في القيام بصرف ما يخصه من مبالغ طلب ذلك قبل ثلاثة أشهر من نهاية السنة المالية، وذلك حتى تقوم الدار بتسليمها له على وفق الإجراءات التي تقرها هيئة الرقابة الشرعية للدار. والخلاصة: أرى أن تكون زكاة الأسهم في الشركات بحسب قيمتها التجارية المعلن عنها في الأسواق لا بقيمتها الاسمية فقط، وأن تزكى زكاة عروض التجارة بنسبة ٥،٢% إذا كانت الشركة تجارية، فإن كانت الشركة صناعية محضة لا تتاجر ولا تنتج سلعاً تجارية، فلا تزكى الأسهم، أما إن نتجت سلعاً تجارية كشركة نتاج

стр. 1787

الثلاّجات فتزكى الأسهم بعد استقطاع ما يقابل قيمة الآلات الصناعية والمباني. وتقوم الشركة نفسها بتقدير زكاة الأسهم جميعها وتزكيها هي، لا أصحاب الأسهم، ويمكنها أثناء توزيع الزكاة إعطاء صاحب الأسهم زكاتها ليقوم هو بإعطائها للفقراء، والله أعلم. المطلب الثاني - زكاة المعادن والركاز: اختلف الفقهاء في معنى المعدن، والركاز أو الكنز، وفي أنواع المعادن التي تجب فيها الزكاة، وفي مقادير الزكاة في كل من المعدن والركاز. فالمعدن هو الركاز عند الحنفية، وهما مختلفان عند الجمهور، والمعدن الواجب فيه الزكاة: هو الذهب والفضة عند المالكية والشافعية، وهو كل ما ينطبع بالنار عند الحنفية، ويشمل كل أنواع المعادن الجامدة والسائلة عند الحنابلة. وفي المعادن: الخمس لدى الحنفية، وربع العشر عند الشافعية والمالكية والحنابلة، وفي الركاز الخمس بالاتفاق، ويظهر ذلك من التفصيل الآتي، علماً بأن الواجب في المعادن زكاة عند الجمهور، غنيمة عند الحنفية، وأن الواجب في الركاز عند الجمهورغنيمة للمصالح العامة، ويصرف مصارف الزكاة عند الشافعية، ويشترط في المعدن بلوغ النصاب بالاتفاق، ولا يشترط في الركاز بلوغ النصاب عند الجمهور ويشترط ذلك عند الشافعية. والمعدن والركاز وإن كانا من الذهب والفضة إلا أنهما اعتبرا نوعاً مستقلاً، لتعلق أحكام خاصة بهما، كاشتراط الحول والنسبة المئوية التي تدفع للمستحقين. ١ - مذهب الحنفية (١): المعدن، والركاز أو الكنز بمعنى واحد: وهو كل مال مدفون تحت الأرض،

стр. 1788

إلا أن المعدن هو ما خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق الأرض، والركاز أوالكنز: هوالمال المدفون بفعل الناس الكفار. و المعادن ثلاثة أنواع: أـ جامد يذوب وينطبع بالنار كالنقدين (الذهب والفضة) والحديد والنحاس والرصاص، ويلحق به الزئبق، وهذا هو الذي يجب فيه الزكاة وهي الخمس، وإن لم يبلغ نصاباً. ب - جامد لا يذوب ولا ينطبع بالنار كالجص والنورة (حجر الكلس) والكحل، والزرنيخ وسائر الأحجار كالياقوت والملح. جـ - مائع ليس بجامد: كالقار (الزفت) والنفط (البترول). ولا يجب الخمس إلا في النوع الأول، سواء وجد في أرض خراجية أو عشرية (١)، ويصرف الخمس مصارف خمس الغنيمة، ودليلهم الكتاب والسنة الصحيحة والقياس. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفال:٤١/ ٨] ويعد المعدن غنيمة؛ لأنه كان في محله من الأرض في أيدي الكفرة، وقد استولى عليه المسلمون عنوة. وأما السنة: فقوله ﷺ : «العجماء جُبَار - أي هدر لا شيء فيه - والبئر جبار،

стр. 1789

و المعدن جبار، وفي الركاز الخمس» (١) والركاز يشمل المعدن والكنز؛ لأنه من الركز أي المركوز، سواء من الخالق أو المخلوق. وأما القياس: فهو قياس المعدن على الكنز الجاهلي، بجامع ثبوت معنى الغنيمة في كل منهما، فيجب الخمس فيهما. والزائد عن الخمس: إن وجد في أرض مملوكة فهو لمالكه. وإن وجد في أرض غير مملوكة لأحد كالصحراء والجبل فهو للواجد. ووجوب الخمس في الركاز: هو إن كان عليه علامة الجاهلية كوثن أو صليب ونحوهما، فإن كان عليه علامة الإسلام مثل كلمة الشهادة؛ أو اسم حاكم مسلم، فهو لقطة لا يجب فيه الخمس. وكذلك لا يجب الخمس عند أبي حنيفة إن وجد المعدن أو الركاز في دار مملوكة؛ لأنه جزء من أجزاء الأرض مركب فيها، ولا مؤنة (ضريبة) في سائر الأجزاء، فكذا في هذا الجزء. وقال الصاحبان: فيه الخمس، لإطلاق الحديث السابق: «وفي الركاز الخمس» من غير تفرقة بين الأرض والدار. وفرق أبو حنيفة بينهما بأن الدار ملكت خالية عن المؤن (التكاليف) دون الأرض، بدليل وجوب العشر والخراج في الأرض دون الدار، فتكون هذه المؤنة (الخمس) واجبة مثلهما في الأرض دون الدار. ولا زكاة في النوعين الآخرين من المعادن (ما لا ينطبع بالنار، والمائع) إلا الزئبق من المائع، فإنه يجب فيه الخمس؛ لأنه كالرصاص.

стр. 1790

ولا زكاة في الفيروزج الذي يوجد في الجبال، لقوله ﷺ : «لا خمس في الحجر» (١). ولا زكاة في اللؤلؤ (مطر الربيع) والعنبر (حشيش يطلع في البحر، أو خثي دابة) ولا في جميع ما يستخرج من البحر من الحلي ولو ذهباً كنزاً؛ لأنه لم يرد عليه القهر، فلم يكن غنيمة، إلا إذا أعد للتجارة. وأما الكنز أو الركاز: فيجب فيه الخمس إذا وجد في أرض لا مالك لها، للحديث السابق: «وفي الركاز الخمس» ويلحق به كل ما يوجد تحت الأرض من الأمتعة من سلاح وآلات وثياب ونحو ذلك؛ لأنه غنيمة بمنزلة الذهب والفضة. ومن دخل دار الحرب بأمان، فوجد في دار بعضهم ركازاً، رده عليهم تحرزاً عن الغدر؛ لأن ما في الدار في يد صاحبها خاصة، وإن لم يرده وأخرجه من دار الحرب ملكه ملكاً خبيثاً، فيتصدق به. وإن وجده في صحراء في دار الحرب، فهو للواجد؛ لأنه ليس في يد أحد على الخصوص، فلا يعد غدراً، ولا شيء فيه؛ لأنه بمنزلة المتلصص في دار الحرب غير المجاهر إذا أخذ شيئاً من أموال الحربيين، وأحرزه بدار الإسلام. ٢ - مذهب المالكية (٢): المعدن غير الركاز، والمعدن: هو ما خلقه الله في الأرض من ذهب أو فضة أو غيرهما كالنحاس والرصاص والكبريت، ويحتاج إخراجه إلى عمل وتصفية. ملكية المعادن: المعادن أنواع ثلاثة:

стр. 1791

الأول - أن تكون في أرض غير متملكة: فهي للإمام (الدولة) يقطعها لمن شاء من المسلمين، أو يجعلها في بيت المال لمنافعهم، لا لنفسه. الثاني - أن تكون في أرض مملوكة لشخص معين: هي للإمام أيضاً، ولايختص بها رب الأرض. وقيل: لصاحبها. الثالث - أن تكون في أرض ممتلكة لغير شخص معين كأرض العنوة والصلح: أرض العنوة للإمام، ومعادن أرض الصلح لأهلها، ولا نتعرض لهم فيها ماداموا كفاراً، فإن أسلموا رجع الأمر للإمام. والخلاصة: أن حكم المعدن مطلقاً للإمام (أي السلطان أو نائبه) إلا أرض الصلح ما دام أهلها كفاراً. الواجب في المعدن: تجب الزكاة في المعدن، وهي ربع العشر إن كان نصاباً، وبشرط الحرية والإسلام كما يشترط في الزكاة، لكن لا حول في زكاة المعدن، بل يزكى لوقته كالزرع، والمعدن الذي تجب فيه الزكاة هو الذهب والفضة فقط، لا غيرهما من المعادن من نحاس ورصاص وزئبق وغيرها إلا إذا جعلت عروض تجارة. وسبب الاختلاف بينهم وبين الحنفية في مقدار الواجب: هو هل اسم الركاز يتناول المعدن أو لا يتناوله؟ الحنفية قالوا: يتناوله، فيعمل بالحديث السابق: «وفي الركاز الخمس» والمالكية قالوا: لا يتناوله فتجب فيه زكاة النقدين ربع العشر، وتصرف مصارف الزكاة. ويضم في الزكاة المعدن المستخرج ثانياً لما استخرج أولاً، متى كان العِرْق واحداً، أي متصلاً بما خرج أولاً، فإن بلغ الجميع نصاباً فأكثر، زكاه، وإن تراخى العمل. ولا يضم عِرْق لآخر، كما لا يضم معدن لآخر، وتخرج الزكاة من كل واحد على انفراده. ويستثنى من ذلك ما يسمى بالنَّدْرَة: وهي القطعة الخالصة من الذهب أو الفضة التي يسهل تصفيتها من التراب، فلا تحتاج إلى عناء في التخليص، ويخرج

стр. 1792

منها الخمس، ولو دون نصاب، وتصرف مصارف الغنيمة وهو مصالح المسلمين، كما قال الحنفية في المعدن الذي ينطبع بالنار. وأما الركاز أوالكنز: فهو دفين الجاهلية من ذهب أو فضة أو غيرهما، فإن شك في المال المدفون، أهو جاهلي أم غيره، اعتبر جاهلياً. ملكيته: يختلف حكم ملكية الركاز باختلاف الأرض التي وجد فيها، وهو أربعة أنواع: الأول - أن يوجد في الفيافي، ويكون من دفن الجاهلية: فهو لواجده. الثاني - أن يوجد في أرض مملوكة: فهو لمالك الأرض الأصلي بإحياء أو بإرث منه، لا لواجده، ولا لمالكها بشراء أو هبة، بل للبائع الأصلي أوالواهب إن علم، وإلا فلقطة. الثالث - أن يوجد في أرض فتحت عنوة: فهو لواجده. الرابع - أن يوجد في أرض فتحت صلحاً: فهو لواجده. هذا كله ما لم يكن بطابع المسلمين، فإن كان بطابع المسلمين، فحكمه حكم اللقطة: يُعرَّف عاماً ثم يكون لواجده. زكاته: يجب الخمس في الركاز مطلقاً، سواء أكان ذهباً أم فضة أم غيرهما، وسواء وجده مسلم أو غيره. ويصرف الخمس كالغنائم في المصالح العامة، إلا إذا احتاج إخراجه إلى عمل كبير أو نفقة عظيمة، فيكون الواجب فيه ربع العشر، ويصرف في مصارف الزكاة. ولا يشترط في الواجب في الركاز في الحالين بلوغ النصاب، والباقي من الركاز بعد إخراج الواجب يكون للواجد، إلا إذا كان في أرض مملوكة، فيكون لمالك الأرض الأصلي، كما بينت. ولا زكاة فيما لفظه (طرحه) البحر مما لم يكن مملوكاً لأحد، كعنبر ولؤلؤ

стр. 1793

ومرجان وسمك (١)، ويكون لواجده الذي وضع يده عليه أولاً، بلا تخميس؛ لأن أصله الإباحة. فإن سبق ملكه لأحد من أهل الجاهلية، فهو لواجده بعد تخميسه؛ لأنه من الركاز. وإن علم أنه لمسلم أو ذمي فهو لقطة، يعرَّف عاماً. ٣ - مذهب الشافعية (٢): المعدن غير الركاز، فالمعدن: ما يستخرج من مكان خلقه الله تعالى فيه، وهو خاص بالذهب والفضة، كما قال المالكية. ويجب فيه ربع العشر إن كان ذهباً أو فضة، لا غيرهما كياقوت وزبرجد ونحاس وحديد، سواء وجد في أرض مباحة أو مملوكة لحر مسلم، لعموم أدلة الزكاة السابقة، كخبر: «وفي الرِّقَة ربع العشر»، بشرط كونه نصاباً، كما قال باقي الأئمة، ولا يشترط حولان الحول على المذهب؛ لأن الحول إنما يعتبر لأجل تكامل النماء، والمستخرج من المعدن نماء في نفسه، فأشبه الثمار والزروع. ويضم بعض المستخرج إلى بعض إن اتحد المعدن المخرج، وتتابع العمل، كما يضم المتلاحق من الثمار، ولا يشترط بقاء الأول على ملك المستخرج، ويشترط اتحاد المكان المستخرج منه، فلو تعدد لم يضم؛ لأن الغالب في اختلاف المكان استئناف العمل. وإذا قطع العمل بعذر كإصلاح الآلة وهرب الأجراء والمرض والسفر، ثم عاد إليه، ضُمَّ، وإن طال الزمن عرفاً لعدم إعراضه. وإذا قطع العمل بلا عذر فلا يضم، لإعراضه عن العمل. ويضم الخارج الثاني إلى الأول، كما يضم إلى ما ملكه بغير المعدن في إكمال النصاب، وتخرج زكاته عقب تخليصه وتنقيته، فلو أخرج قبل تصفيته لا تجزئ. وأما الركاز فهو دفين الجاهلية (٣)، ويجب فيه الخمس، كما قرر الحنفية،

стр. 1794

حالاً بشروط الزكاة من حرية وإسلام وبلوغ نصاب، وكونه من النقدين (الذهب والفضة المضروب منهما والسبيكة)؛ لأنه مال مستفاد من الأرض، فاختص بما تجب فيه الزكاة قدراً ونوعاً ك المعدن، ولا يشترط حولان الحول، ويصرف مصرف الزكاة على المشهور. ودليل قدر الواجب فيه حديث أبي هريرة المتقدم: «وفي الركاز الخمس». فإن لم يكن دفين الجاهلية: بأن كان إسلامياً بوجود علامة عليه تدل على إسلاميته، أو لم يعلم أهو جاهلي أو إسلامي: فهو لمالكه أو وارثه إن علم؛ لأن مال المسلم لا يملك بالاستيلاء عليه. وإن لم يعلم مالكه، فلقطة، يعرّفه الواجد، كما يعرّف اللقطة الموجودة على وجه الأرض. وإذا وجد الركاز في أرض مملوكة لشخص أو لموقوف عليه، فللشخص إن ادعاه، يأخذه بلا يمين، كأمتعة الدار، وإن لم يدعه بأن نفاه أو سكت، فلمن سبقه من المالكين، حتى ينتهي الأمر إلى محيي الأرض. وإذا وجد الركاز في مسجد أو شارع، فلقطة على المذهب، يفعل فيه ما يفعل باللقطة مما سبق؛ لأن يد المسلمين عليه، وقد جهل مالكه، فيكون لقطة. ولو تنازع في ملك الركاز بائع ومشتر، أو مُكْر ومكتر، أو معير ومستعير، صُدِّق ذو اليد (أي المشتري والمكتري والمستعير) بيمينه؛ كما لو تنازعا في أمتعة الدار. ٤ - مذهب الحنابلة (١): المعدن غير الركاز، والمعدن: هو مااستنبط من الأرض مما خلقه الله تعالى وكان من غير جنسها، فليس هو شيء دفن، سواء أكان جامداً أم مائعاً. ملكيته: المعادن الجامدة كالذهب والفضة والنحاس تملك بملك الأرض التي هي فيها؛ لأنها جزء من أجزاء الأرض، فهي كالتراب والأحجار الثابتة، بخلاف

стр. 1795

الركاز، فإنه ليس من أجزاء الأرض. فعلى هذا ما يجده الواجد في ملك أو في موات، فهو أحق به، وإن سبق اثنان إلى معدن في موات فالسابق أولى به مادام يعمل، فإذا تركه جاز لغيره العمل فيه، وما يجده في مملوك يعرف مالكه، فهو لمالك المكان. أما المعادن السائلة كالنفط والزرنيخ ونحو ذلك، فهي مباحة على كل حال، إلا أنه يكره له دخول ملك غيره إلا بإذنه. صفة المعدن الذي تجب فيه الزكاة: هو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها، فإذا أخرج من المعادن من الذهب عشرون مثقالاً، أو من الفضة مئتا درهم (نصاب الزكاة)، أو قيمة ذلك من الحديد والرصاص والنحاس والزئبق والياقوت والزبرجد والبلور والعقيق والكحل والزرنيخ، وكذلك المعادن السائلة كالقار (الزفت) والنفط والكبريت ونحو ذلك، مما يستخرج من الأرض، ففيه الزكاة فوراً أي من وقت الإخراج. ودليلهم عموم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة:٢٦٧/ ٢] وأنه معدن، فتعلقت الزكاة بالخارج منه كالأثمان (الذهب والفضة). وأما الطين فليس بمعدن؛ لأنه تراب، والمعدن: ما كان في الأرض من غير جنسها. قدر الواجب وصفته: قدر الواجب في المعدن هو ربع العشر، وصفته أنه زكاة، كما قال الشافعية، لما روى أبو عبيد: «أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القَبَلية (١) في ناحية الفُرْع، قال: فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم» ولأنه حق يحرم على أغنياء ذوي القربى، فكان زكاة كالواجب في الأثمان التي كانت مملوكة له.

стр. 1796

نصاب المعادن: هو ما يبلغ من الذهب عشرين مثقالاً، ومن الفضة مئتي درهم، أو قيمة ذلك من غيرهما، لقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» وقوله: «ليس في تسعين ومئة شيء» وقوله: «ليس عليكم في الذهب شيء حتى يبلغ عشرين مثقالاً». ولا يشترط له الحول لحصوله دفعة واحدة، فأشبه الزروع والثمار. ويعتبر إخراج النصاب دفعة واحدة، أو دفعات لا يترك العمل بينهن ترك إهمال. وترك العمل ليلاً أو للاستراحة أو لعذر من مرض أو لإصلاح الأداة ونحوه لا يقطع حكم العمل. ويضم ما خرج في العملين بعضه إلى بعض في إكمال النصاب. ولا يضم أحد الأجناس إلى جنس آخر، ويعتبر لكل معدن نصاب مستقل بانفراده؛ لأن المعادن أجناس، فلا يكمل نصاب أحدهما بالآخر كغير المعدن، إلا في الذهب والفضة، فيضم كل منهما إلى الآخر في تكميل النصاب، كما يضم إلى كل منهما معدن آخر، وكما تضم عروض التجارة إلى الأثمان (الذهب والفضة). وقت الوجوب: تجب الزكاة في المعدن حين الإخراج وبلوغ النصاب، ولا يعتبر له حول باتفاق المذاهب الأربعة؛ لأنه مال مستفاد من الأرض، فلا يعتبر في وجوب حقه حول، كالزرع والثمار والركاز. شروط إخراج الزكاة في المعادن: يشترط شرطان: الأول - أن يبلغ بعد سبكه وتصفيته نصاباً إن كان ذهباً أو فضة أو تبلغ قيمته نصاباً إن كان غيرهما، كما أوضحت. الثاني - أن يكون مخرجه ممن تجب عليه الزكاة، فلا تجب على الذمي أو الكافر أو المدين أو نحو ذلك.

стр. 1797

معادن البحر: لا زكاة في المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر والسمك ونحوه، كما قرر باقي المذاهب، لقول ابن عباس: «ليس في العنبر شيء، إنما هو شيء ألقاه البحر» وعن جابر نحوه (١)، ولأنه قد كان يخرج على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه، فلم يأت فيه سنة، ولا عن أحد من خلفائه، ولأن الأصل عدم الوجوب فيه، ولا يصح قياسه على معدن البر؛ لأن العنبر إنما يلقيه البحر، فيوجد ملقى في البر على الأرض من غير تعب، فأشبه المباحات المأخوذة من البر، وأما السمك فهو صيد، فلم يجب فيه زكاة كصيد البر. وأما الركاز: فهو دفين الجاهلية، أي مال الكفار المأخوذ في عهد الإسلام، قل أو كثر، ويلحق به ما وجد على وجه الأرض وكان عليه علامة الكفار. وفيه الخمس، كما قرر الحنفية والشافعية والمالكية، للحديث السابق المتفق عليه: «العجماء جُبَار، وفي الركاز الخمس». فإن وجد عليه أو على بعضه علامة الإسلام كآية قرآن أو اسم النبي ﷺ أو أحد من خلفاء المسلمين أو وال لهم، فهو لقطة، تجري عليه أحكامها؛ لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه. وخمس الركاز يوضع في بيت المال ويصرف في المصالح العامة، وباقيه لواجده إن وجده في أرض مباحة، ولمالك الأرض إن وجد في أرض مملوكة، وهو للواجد إن وجده في ملك غيره إن لم يدّعه المالك، فإن ادعاه مالك الأرض فهو له مع يمينه. وإن وجد الركاز في دار الحرب: فإن لم يقدر إلا بجماعة من المسلمين، فهو

стр. 1798

غنيمة لهم، وإن قدر عليه بنفسه، فهو لواجده، كما لو وجده في موات في أرض المسلمين. صفة الركاز الذي فيه الخمس: هو كل ما كان مالاً على اختلاف أنواعه من الذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس والآنية وغير ذلك، لعموم الحديث: «وفي الركاز الخمس». قدر الواجب في الركاز ومصرفه: أما قدره فهو الخمس، للحديث المتقدم والإجماع، وأما مصرفه على الأصح من الروايتين عن أحمد فهو مصرف الفيء للمصالح العامة، عملاً بفعل عمر في هذا الشأن، ولأنه مال مخمس زالت عنه يد الكافر، فأشبه خمس الغنيمة. من يجب عليه الخمس: هو كل من وجده من مسلم وذمي وحر وغيره وكبير وصغير وعاقل ومجنون، وهو رأي الجمهور لعموم حديث «وفي الركاز الخمس»، وقال الشافعية: لا يجب الخمس إلا على من تجب عليه الزكاة؛ لأنه زكاة. ويجوز أن يتولى الإنسان تفرقة الخمس بنفسه، وهو رأي الفقهاء الآخرين؛ لأن علياً أمر واجد الكنز بتفرقته على المساكين. المطلب الثالث - زكاة عروض التجارة: أبحث فيه المقصود بعروض التجارة، وشروط الزكاة فيها، وتقويم العروض ومقدار الواجب، وحكم ضم الربح والنماء ومال غير التجارة إلى أصل المال، وكيفية زكاة التجارة عند المالكية، وزكاة شركة المضاربة. أولاً - معنى عروض التجارة: العروض جمع عَرَض (بفتحتين): حطام الدنيا، وبسكون الراء: هي ما عدا

стр. 1799

النقدين (الدراهم الفضية والدنانير الذهبية) من الأمتعة والعقارات وأنواع الحيوان والزروع والثياب ونحو ذلك مما أعد للتجارة. ويدخل فيها عند المالكية الحلي الذي اتخذ للتجارة. والعقار الذي يتجر فيه صاحبه بالبيع والشراء حكمه حكم السلع التجارية، ويزكى زكاة عروض التجارة. أما العقار الذي يسكنه صاحبه أو يكون مقراً لعمله كمحل للتجارة ومكان للصناعة، فلا زكاة فيه. ثانياً - شروط زكاة العروض التجارية: اشترط الفقهاء لوجوب زكاة عروض التجارة شروطاً، أربعة عند الحنفية، وخمسة عند المالكية، وستة عند الشافعية، وشرطين فقط عند الحنابلة (١)، منها ثلاثة شروط متفق عليها وهي بلوغ النصاب، وحولان الحول، ونية التجارة، ومنها شروط زوائد في بعض المذاهب، وهي ما يأتي: ١ - بلوغ النصاب: أن تبلغ قيمة أموال التجارة نصاباً من الذهب أو الفضة المضروبين، وتعتبر في البلد الذي فيه المال، فإن كان في مفازة اعتبرت قيمتها في أقرب الأمصار إلى تلك المفازة. ودليلهم على هذا الشرط أحاديث مرفوعة وموقوفة تتضمن تقويم مال التجارة، فيؤدى من كل مئتي درهم خمسة دراهم (٢).

стр. 1800

وقال المالكية في هذا الشرط: إن كان التاجر محتكراً وجب أن يبيع من عروض التجارة بنصاب من الذهب أو الفضة. وإن كان مديراً لزم أن يبيع من ذلك بأي شيء منهما ولو درهماً. والمدير: هو الذي يبيع ويشتري ولا ينتظر وقتاً ولا ينضبط له حول كأهل الأسواق، فيجعل لنفسه شهراً في السنة ينظر فيه ما معه من النقود، ويقوِّم مامعه من العروض ويضمه إلى النقود، ويؤدي زكاة ذلك إن بلغ نصاباً بعد إسقاط الدين إن كان عليه. وأما المحتكر أو غير المدير: فهو الذي يشتري السلع، وينتظر بها الغلاء. فلا زكاة عليه فيها حتى يبيعها، فإن باعها بعد حول أو أحوال، زكى الثمن لسنة واحدة. والخلاصة: إن الجمهور غير المالكية قالوا: المدير وغير المدير لهما حكم واحد، وأن من اشترى عرضاً للتجارة فحال عليه الحول، قومه وزكاه، فلا يجب على المدير شيء عند الجمهور؛ لأن الحول إنما يشترط في عين المال، لا في نوعه. وأما مالك فأوجب على المدير الزكاة، وإن لم يحل الحول على عين المال، ويكفي حولانه على نوع المال، لئلا تسقط الزكاة رأساً عن المدير، وهذا أخذ بمبدأ المصالح المرسلة التي لا يشترط فيها عند مالك استنادها إلى أصول منصوص عليها. ٢ - حولان الحول: أن يحول على الأموال (أي القيمة) الحول من وقت ملك العروض، لا على السلعة نفسها. والمعتبر في ذلك عند الحنفية، والمالكية (في غير المدير): طرفا الحول لا وسطه، أما في الابتداء فلتحقق الغنى، وأما في الانتهاء فللوجوب، فمن ملك في أول الحول نصاباً، ثم نقص في أثنائه، ثم كمل في آخره، وجبت فيه الزكاة، أما لو نقص في أوله أو في آخره فلا تجب فيه الزكاة.

стр. 1801

والمعتبر عند الشافعية: بلوغ النصاب آخر الحول من البدء بالمتاجرة؛ لأنه وقت الوجوب، لا بطرفيه معاً أي أوله وآخره، وبناء عليه إذا كان مع تاجر في أول الحول ما يكمل به النصاب كمئة درهم اشترى بخمسين منها عرضاً للتجارة، فبلغت قيمته في آخر الحول مئة وخمسين، فإنه تلزمه زكاة الجميع آخر الحول. والمعتبر عند الحنابلة: بلوغ النصاب في جميع الحول، ولا يضر النقص اليسير في أثنائه كنصف يوم مثلاً، أي أنه لا زكاة قبل اكتمال النصاب في البدء والأثناء والانتهاء. ٣ - نية التجارة حال الشراء: أن ينوي المالك بالعروض التجارة حالة شرائها، أما إذا كانت النية بعد الملك، فلا بد من اقتران عمل التجارة بنية، ويشترط أيضاً عند الحنفية أن يكون الشيء المتجر فيه صالحاً لنية التجارة، فلو اشترى أرضاً خراجية للتجارة، ففيها الخراج لا الزكاة، ولو اشترى أرضاً عشرىة وزرعها، وجب في الزرع الناتج العشر، دون الزكاة. واشترط الشافعية أن ينوي بالعروض التجارة حال المعاوضة في صلب العقد أو في مجلسه، فإن لم ينو على هذا الوجه فلا زكاة فيها. ويشترط تجديد نية التجارة عند كل معاوضة حتى يفرغ رأس المال. ٤ - ملك العروض بمعاوضة: اشترط الجمهور غير الحنفية أن تملك العروض بمعاوضة كشراء وإجارة ومهر، فإن ملكت بغير معاوضة كإرث أو خلع أو هبة أو وصية أو صدقة مثلاً، كأن ترك شخص لورثته عروض تجارة، فلا زكاة فيها حتى يتصرفوا فيها بنية التجارة. وزاد المالكية أن يكون ثمن العروض ممتلكاً بمعاوضة مالية أيضاً، لا بنحو هبة أو إرث، ومن كان يبيع العروض بالعرض ولا ينض (يتحول نقداً) له من ثمن ذلك نقد، فلا زكاة عليه عند المالكية إلا أن يفعل ذلك فراراً من الزكاة فلا تسقط، وعليه الزكاة عند المذاهب الأخرى.

стр. 1802

٥ - ألا يقصد بالمال القِنْية (أي إمساكه للانتفاع به وعدم الاتجار به): هذا شرط ذكره الشافعية والحنابلة والمالكية، فإن قصد ذلك انقطع الحول، وإذا أراد التجارة بعدئذ، احتاج لتجديد نية التجارة. ٦ - ألا يصير جميع مال التجارة في أثناء الحول نقداً وهو أقل من النصاب: هذا شرط آخر عند الشافعية، فإن صار جميع المال نقداً مع كونه أقل من نصاب، انقطع الحول. ولم يشترط غير الشافعية هذا الشرط. ٧ - ألا تتعلق الزكاة بعين العرض: هذا شرط عند المالكية، فإن تعلقت الزكاة بعينه كحلي الذهب أو الفضة، وكالماشية (الإبل والبقر والغنم) والحرث (الزرع والثمر) وجبت زكاته إن بلغ نصاباً مثل زكاة النقدين والأنعام والحرث، فإن لم تتعلق الزكاة بعين المال كالثياب والكتب وجبت زكاة التجارة. والخلاصة: إن الحنابلة اشترطوا لوجوب الزكاة في عروض التجارة شرطين (١): الأول - أن يملكها بفعله كالشراء، وهو الشرط الرابع لدينا. الثاني - أن ينوي التجارة حال التملك، وهو الشرط الثالث السابق. والحنفية اشترطوا أربعة شروط: الأول - بلوغ النصاب.

стр. 1803

والثاني - حولان الحول. والثالث - نية التجارة مصحوبة بعمل التجارة فعلاً؛ لأن مجرد النية لا يكفي. والرابع - أن تكون الأموال صالحة لنية التجارة. والمالكية اشترطوا خمسة شروط: الأول - ألا تتعلق الزكاة في عينه كالثياب والكتب. الثاني - أن يملك العرض بمعاوضة أو مبادلة كشراء، لا بإرث وهبة ونحوهما. الثالث - أن ينوي بالعرض التجارة حال شرائه. الرابع - أن يكون ثمن الشراء الذي اشترى به العرض مملوكاً بمعاوضة مالية أي بشراء، لا بنحو إرث أو هبة مثلاً. الخامس - أن يبيع المحتكر من ذلك العرض نصاباً فأكثر، أو بأي شيء ولو درهماً إذا كان مديراً. والشافعية اشترطوا ستة شروط: الأول - أن تملك العروض بمعاوضة كشراء، لا بإرث مثلاً. الثاني - أن ينوي بالعروض التجارة في صلب عقد المعاوضة أو في مجلسه، وإلا احتاج لتجديد نية التجارة. الثالث - ألا يقصد بالمال القنية. الرابع - مضي الحول من وقت ملك العروض أي من الشراء. الخامس - ألا يصير جميع مال التجارة نقوداً وكان أقل من نصاب، وعبر عنه

стр. 1804

الشافعية بقولهم: ألا ينضّ المال في الأظهر أي يصير الكل نقداً من نقود البلد ببيع أو إتلاف من شخص معتد. السادس - أن تبلغ قيمة العروض آخر الحول نصاباً. ثالثاً - تقويم العروض ومقدار الواجب في هذه الزكاة وطريقة التقويم: يقوِّم التاجر العروض أو البضائع التجارية في آخر كل عام بحسب سعرها في وقت إخراج الزكاة، لا بحسب سعر شرائها، ويخرج الزكاة المطلوبة، وتضم السلع التجارية بعضها إلى بعض عند التقويم ولو اختلفت أجناسها، كثياب وجلود ومواد تموينية، وتجب الزكاة بلا خلاف في قيمة العروض، لا في عينها؛ لأن النصاب معتبر بالقيمة، فكانت الزكاة منها، وواجب التجارة هو ربع عشر القيمة كالنقد باتفاق العلماء، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة: الزكاة إذا حال عليها الحول (١). وأدلة وجوب زكاة التجارة ما يأتي (٢): ١ - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة:٢٦٧/ ٢] قال مجاهد: نزلت في التجارة. ٢ - وقوله ﷺ : «في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البَزّ (٣) صدقته» (٤) وقال سمرة بن جندب: «كان رسول الله ﷺ

стр. 1805

يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع» (١) وعن أبي عمرو بن حماس عن أبيه قال: «أمرني عمر، فقال: أدّ زكاة مالك، فقلت: ما لي مال إلا جعاب وأدم، فقال: قوّمها، ثم أدّ زكاتها» (٢) قال ابن قدامة صاحب المغني: وهذه قصة يشتهر مثلها، ولم تنكر، فيكون إجماعاً. وأما ما حكي عن مالك وداود أنه لا زكاة في التجارة لحديث: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» فالمراد به زكاة العين فلا زكاة في عين الخيل، لازكاة القيمة، بدليل الأخبار التي ذكرتها، ثم إن هذا الخبر عام، والأخبار المذكورة خاصة، فيجب تقديمها. والمقرر عند المالكية هو وجوب زكاة التجارة. وطريقة تقويم العروض (٣): هي عند الجمهور غير الشافعية أن تقوم السلع إذا حال الحول بالأحظ للمساكين من ذهب أو فضة احتياطاً لحق الفقراء، ولا تقوم بما اشتريت به. فإذا حال الحول على العروض، وقيمتها بالفضة نصاب، ولا تبلغ نصاباً بالذهب، قومناها بالفضة ليحصل للفقراء منها حظ، ولو كانت قيمتها بالفضة دون النصاب، وبالذهب تبلغ نصاباً قومناها بالذهب لتجب الزكاة فيها، ولا فرق بين أن يكون اشتراؤها بذهب أو فضة أو عروض. وقال الشافعية: تقوم العروض بما اشتراها التاجر به من ذهب أو فضة؛ لأن نصاب العروض مبني على ما اشتراه به، فيجب أن تجب الزكاة فيه، وتعتبر به، كما لو لم يشتر به شيئاً. وعلى هذا إن ملك العرض بنقد قوِّم به إن ملك بنصاب أو دونه في الأصح، سواء أكان ذلك النقد هو الغالب أم لا، وسواء أبطله السلطان أم

стр. 1806

لا، لأنه أصل ما بيده، فكان أولى من غيره. وإن ملك العرض بعرض آخر للقنية أو بخلع أو نكاح أو صلح عن دم عمد، فيقوَّم بغالب نقد البلد، من الدراهم والدنانير؛ لأنه لما تعذر التقويم بالأصل، رجع إلى نقد البلد، على قاعدة التقويمات في الإتلاف ونحوه. فإن حال الحول بمحل لا نقد فيه، كبلد يتعامل فيه بالفلوس أو نحوها، اعتبر أقرب البلاد إليه. ولو ملك بدين في ذمة البائع أو بنحو سبائك، قوِّم بجنسه من النقد. فإن غلب نقدان على التساوي في التعامل بالبلد، وبلغ مال التجارة بأحدهما دون الآخر نصاباً، قوم به، لبلوغه نصاباً بنقد غالب. فإن بلغ نصاباً بكل من النقدين الغالبين، قوم بالأنفع منهما للفقراء. وإن ملك العرض بنقد وعرض آخر، كأن اشترى بمئتي درهم وعرض قنية، قوم ما قابل النقد به، والباقي بغالب نقد البلد، كما لو انفرد الشراء بواحد منهما. ورأي الجمهور أولى لسهولته ومراعاته مصالح الفقراء. وعلى هذا يجب على كل تاجر أن يجرد آخر كل عام ما لديه من بضائع، ويقدر قيمتها وقت الجرد عند الجمهور بالنقود الرائجة، فإن بلغت نصاباً، وجب عليه إخراج ربع عشر قيمة هذه الأموال ٥،٢%، ويضم الربح إلى رأس المال، ولا يقوَّم الأثاث وموجودات المحل وأدوات التجارة والصناعة والكسب وفروغ المحل. هل يجوز إخراج الزكاة من عروض التجارة؟ اختلف الفقهاء على رأيين (١):

стр. 1807

فقال الحنفية: يخير التاجر بين العين أو القيمة، فللمالك الخيار عند حولان الحول بين الإخراج من قيمة التجارة، فيخرج ربع عشر القيمة، وبين الإخراج من عينها، فيخرج ربع عشر العين التجارية؛ لأن التجارة مال تجب فيه الزكاة، فجاز إخراجها من عينه كسائر الأموال، وعلى هذا يصح لتاجر القماش مثلاً إخراج الزكاة من أعيان الأقمشة على أن يراعى اختيار الوسط من كل نوع، ويدفع الزكاة من كل نوع، لا أن يخرج الكاسد أو يخرج نوعاً واحداً عن جميع الأنواع. وقال الجمهور: يجب إخراج القيمة، ولا يجوز الإخراج من عين العروض التجارية؛ لأن النصاب معتبر بالقيمة، فكانت الزكاة منها كالعين في سائر الأموال، ولا نسلم أن الزكاة تجب في المال، وإنما وجبت في قيمته. رابعاً - حكم ضم الربح والنماء ومال غير التجارة إلى أصل المال: اتفق فقهاء المذاهب على أنه تضم أرباح التجارة إلى أصل رأس المال في الحول، كما يضم أيضاً عند الحنفية خلافاً لغيرهم المال المستفاد من غير التجارة كعطية وإرث إلى أصل المال، ويتضح ذلك فيما يأتي: قال الحنفية (١): يضم الربح الناتج عن التجارة، والولد أو النماء في الماشية، والمال المستفاد من غير التجارة كالإرث والهبة إلى أصل رأس المال، إذا كان مالكاً للنصاب، في أول الحول الذي هو وقت انعقاد سبب إيجاب الزكاة، وبقي في أثناء الحول شيء من النصاب الذي انعقد عليه الحول، ليضم المستفاد إليه، وكان آخر الحول بمقدار النصاب، ويزكى الجميع في تمام الحول؛ لأن المستفاد من جنس الأصل وتبع له؛ لأنه زيادة عليه؛ إذ الأصل يزداد به ويتكثر، والزيادة تبع للمزيد

стр. 1808

عليه، والتبع لا يفرد بالحكم حتى لا ينقلب أصلاً. أما المستفاد بعد الحول، فلا يضم إلى الأصل في حق الماضي بلا خلاف. والسوائم المختلفة الجنس كالإبل والغنم لا تضم إلى بعضها. والنقدان كما بينت سابقاً يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب. وقال المالكية (١): يضم الربح الناتج عن التجارة، وغلة المكترى للتجارة لأصل المال الذي نتج عنه في أثناء الحول، ولو كان الأصل أقل من نصاب. وأما المستفاد بدون تجارة كالإرث والهبة، فلا يضم إلى أصل رأس المال في الحول، ولو كان نصاباً، بل يبدأ به حولاً جديداً من يوم ملكه.

стр. 1809

وأما الماشية المستفادة بإرث أو هبة ونحوهما فتضم إلى الماشية التي عنده إن كانت نصاباً، ولا تضم لها إن كانت أقل من نصاب. ورأى الشافعية (١) في الأصح: أن الربح وولد العرض وثمره كثمر الشجرة وأغصانها وورقها وصوف الحيوان ووبره وشعره، هو مال تجارة يضم لأصل رأس المال، وأن حوله حول الأصل؛ ولو كان الأصل دون نصاب؛ لأن الربح ونحوه جزء من الأصل، فحوله حول الأصل تبعاً كنتاج الماشية السائمة. وأما المال المستفاد من غير التجارة: فلا يضم إلى مال التجارة في الحول، وإنما له حول مستقل من يوم ملكه. ومذهب الحنابلة (٢) كالشافعية تقريباً إلا في اشتراط كون الأصل نصاباً، فقالوا: إذا كان في ملك إنسان نصاب للزكاة، فاتجر فيه، فنمى، أدى زكاة الأصل مع النماء إذا حال الحول، فحول النماء مبني على حول الأصل؛ لأنه تابع له في الملك، فتبعه في الحول كنتاج الماشية. وأما المال المستفاد من غير التجارة فلا يضم إلى حول الأصل، بل له حول مستقل من يوم ملكه. خامساً - كيفية زكاة التجارة عند المالكية: التاجر عند المالكية إما محتكر أو مدير، أو محتكر ومدير معاً (٣). أـ أما المحتكر: وهو الذي يشتري السلع، وينتظر بها الغلاء، وحكمه: أنه لا زكاة عليه فيها حتى يبيعها، فإن باعها بعد عام أو أعوام بالنقود، زكى الثمن لسنة واحدة، وإن بقي عنده منها شيء، ضم الثمن إلى ما عنده منها. وهذا مخالف لرأي الجمهور غير المالكية، فإنهم يقولون: يزكي المحتكر كل عام وإن لم يبع، ويخير عند الحنفية بين إخراج الزكاة من عين العروض أو قيمتها. ولا يجوز عند الشافعية في الجديد، والحنابلة الإخراج من عين العروض، كما تقدم سابقاً. ويعتبر مبدأ حول المحتكر عند المالكية: يوم ملك الأصل أو يوم زكاته إن كان قد زكَّاه. وأما ديون المحتكر التي له من التجارة: فلا يزكيها إلا إذا قبضها، ويزكيها لعام واحد فقط.

стр. 1810

ب - وأما المدير: فهو الذي يبيع ويشتري ولا ينتظر وقتاً، ولا ينضبط له حول، كأهل الأسواق، فيجعل لنفسه شهراً في السنة، ينظر فيه ما معه من النقود، ويقوَّم ما معه من العروض، ويضمه إلى النقود، ويؤدي زكاة ذلك إن بلغ نصاباً بعد إسقاط الدين إن كان عليه. فحكم زكاته: أن يقوم في كل عام ما عنده من عروض، ولو كسد سوقها وبقيت عنده أعواماً، ثم يضم قيمتها إلى ما عنده من النقود، ويزكي الجميع. ويعتبر مبدأ حول المدير من وقت تملك الثمن الذي اشترى به عروض التجارة، أي أن حوله حول أصل المال الذي اشترى به السلع، فيبتدئ الحول من يوم ملك الأصل أو من يوم زكاته، ولو تأخرت الإدارة عنه، كما لو ملك نصاباً أو زكاة في شهر المحرم، ثم أداره في رجب، أي شرع في التجارة على وجه الإدارة في رجب، فحوله من المحرم. وأما الديون التي للمدير من التجارة: فإن كانت حالة الأداء بأن كانت واجبة الدفع في الحال، أو حل أجل دفعها، وكانت مرجوة الخلاص (أي الدفع) ممن هي عليه، فيضم مقدار الدين إلى أصل المال، ويزكي الكل. وإن كان الدين عرضاً تجارياً أو مؤجلاً مرجو الخلاص، فإنه يقومه ويضم القيمة إلى أصل المال، ويزكي الجميع. أما إذا كان الدين على فقير معدم لا يرجى خلاصه منه، فلا تجب عليه زكاته إلا إذا قبضه من المدين، فإذا قبضه زكاه لعام واحد فقط. ولا يقوَّم على المدير الأواني التي توضع فيها سلع التجارة ولا آلات العمل. جـ - وأما إذا كان التاجر محتكراً لبعض السلع، ومديراً للبعض الآخر: فإن

стр. 1811

تساويا أو كان الأقل للإدارة والأكثر للاحتكار، زكى المحتكر على حكم الاحتكار، يعني يزكي ثمنه بعد قبضه لعام واحد، وزكى المدير على حكم الإدارة، يعني يقوِّمه كل عام. وإن كان الأكثر للإدارة والأقل للاحتكار، فالجميع إدارة، وبطل حكم الاحتكار، أي يقوَّم الجميع كل عام، تغليباً لجانب الإدارة على حكم الاحتكار. سادساً - زكاة شركة المضاربة: يزكي رب المال (المالك) رأس المال وحصته من الربح، ويزكي العامل حصته من الربح، على النحو الآتي عند الفقهاء (١): قال أبو حنيفة: يزكي كل واحد من المالك والعامل بحسب حظه أو نصيبه، كل سنة، ولا يؤخر إلى المفاصلة، أي التصفية. وقال الحنابلة: يزكي رب المال رأس المال والربح الحاصل؛ لأن ربح التجارة حوله حول أصله، فمن دفع إلى رجل ألفاً مضاربة على أن الربح بينهما نصفان، فحال الحول، وقد صار ثلاثة آلاف، فعلى رب المال زكاة ألفين. وأما العامل: فليس عليه زكاة في حصته حتى يتم اقتسام الربح، ويستأنف حولاً من حينئذ؛ لأن ملك المضارب غير تام، فإذا تحاسب المضارب مع المالك، زكى المضارب إذا حال عليه الحول من حين الحساب؛ لأنه علم مقدار ماله في مال الشركة، ولأنه إذا حدثت خسارة بعد ذلك كانت الخسارة (الوضيعة) على رب المال.

стр. 1812

وقال الشافعية: يلزم المالك زكاة رأس المال وحصته من الربح؛ لأنه مالك لهما. والمذهب أنه يلزم العامل زكاة حصته من الربح؛ لأنه متمكن من التوصل إليه متى شاء بالقسمة، فأشبه الدين الحالّ على مليء، ويبتدئ حول حصته من حين ظهور الربح، ولا يلزمه إخراج الزكاة قبل القسمة على المذهب. وقال المالكية: إذا كان مال القراض حاضراً ببلد رب المال، ولو حكماً بأن علم حاله في غيبته، تجب عليه زكاته زكاة إدارة، أي يقوم مالديه كل عام من رأس مال وربح، ويزكي رأس ماله وحصته من الربح، قبل المفاصلة أي الحساب والتصفية في ظاهر المذهب، لكن المعتمد أنه لا يزكي إلا بعد المفاصلة، ويزكي حينئد عن السنوات الماضية كلها. وكذلك إن غاب المال ولم يعلم حاله من بقاء أو تلف ومن ربح أو خسران، يزكيه عن السنوات الماضية. وأما العامل: فإنما يزكي حصته من الربح بعد المفاصلة لسنة واحدة. المطلب الرابع - زكاة الزروع والثمار (أو زكاة النبات أو الخارج من الأرض): الكلام في هذا المطلب يتناول فرضية زكاة الزروع والثمار وسبب الفرضية، وشروطها، وما تجب فيه هذه الزكاة، والنصاب الذي تبدأ به الزكاة، ومقدار الواجب وصفته، ووقت الوجوب وإخراج الزكاة، وما يضم بعضه إلى بعض، وزكاة الثمار الموقوفة، وزكاة الأرض المستأجرة، وزكاة الأرض الخراجية - (الأراضي العشرية والخراجية ونوعا الخراج) العاشر وضريبة العشور، إخراج زكاة الزرع والثمر وإسقاطها.

стр. 1813

أولاً - فرضية زكاة الزروع والثمار وسبب الفرضية (١): هذه الزكاة واجبة بدليل من القرآن والسنة والإجماع والمعقول: أما القرآن: ققوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام:١٤١/ ٦] قال ابن عباس: حقه: الزكاة المفروضة، وقال مرة: العشر، ونصف العشر، وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة:٢٦٧/ ٢] والزكاة تسمى نفقة، بدليل قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ [التوبة:٣٤/ ٩]. وأما السنة: فقوله ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرياً (٢) العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» (٣) وقوله: «فيما سقت الأنهار والغَيْم: العشور، وفيما سقي بالسانية (٤) نصف العشور» (٥). وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على فرضية العشر. وأما المعقول: فكما ذكرت في حكمة مشروعية الزكاة؛ لأن إخراج العشر إلى الفقير من باب شكر النعمة، وإقدار العاجز، وتقويته على القيام بالفرائض، ومن باب تطهير النفس عن الذنوب وتزكيتها، وكل ذلك لازم عقلاً وشرعاً. وأما سبب فرضية هذه الزكاة: فهو الأرض النامية بالخارج منها، حقيقة في

стр. 1814

حق العشر، أو تقديراً في حق الخراج، فلوأصاب الخارج آفة، فهلك لا يجب فيه العشر في الأرض العشرية، ولا الخراج في الأرض الخراجية، لفوات النماء حقيقة وتقديراً. ولو كانت الأرض عشرية فتمكن من زراعتها، فلم تزرع، لا يجب العشر، لعدم الخارج حقيقة. ولو كانت أرضاً خراجية يجب الخراج، لوجود الخارج تقديراً. ولا تجب زكاة الزروع إلا بعد انعقاد الحب واشتداده، ولو بعضه. ولا تثبت الزكاة في الثمار إلا بعد بدو صلاحها، أي ظهور نضجها باحمرار أو اصفرار أو تموه أوتلون، بحسب المعهود في كل ثمر، ويكفي ظهور الصلاح في بعض الثمر من جنس واحد، كما سأبين. ثانياً - شروط زكاة الزروع والثمار: هناك شروط عامة في كل زكاة، ذكرتها سابقاً كالأهلية من البلوغ والعقل، فلا تجب الزكاة عند الحنفية في مال الصبي والمجنون إلا زكاة الخارج من الأرض، وكالإسلام، فلا تجب على الكافر؛ لأن فيها معنى العبادة، والكافر ليس من أهل التكليف بها. ويضاف لها شروط خاصة بها، مفصلة في المذاهب. فعند الحنفية (١) يشترط زيادة على الشروط العامة ما يأتي: ١ - أن تكون الأرض عشرية: فلا تجب الزكاة في الأرض الخراجية؛ لأن العشر والخراج لا يجتمعان في أرض واحدة عندهم.

стр. 1815

٢ - وجود الخارج: فلو لم تخرج الأرض شيئاً، لم يجب العشر؛ لأن الواجب جزء من الخارج. ٣ - أن يكون الخارج مما يقصد بزراعته نماء الأرض واستثمارها أواستغلالها، فلا تجب هذه الزكاة في الحطب والحشيش ونحوهما؛ لأن الأرض لا تنمو بزراعة ذلك، بل تفسد بها. ولا يشترط عند أبي حنيفة النصاب لوجوب العشر، فيجب العشر في كثير الخارج وقليله. واشترط المالكية (١) شرطين: ١ - أن يكون الناتج من الحبوب، ومن الثمار (التمر والزبيب والزيتون) ولازكاة في الفواكه كالتفاح والرمان، ولا في الخضروات والبقول. وذلك سواء في الأرض الخراجية كأرض مصر والشام التي فتحت عنوة، وخراجها لا يسقط عنها الزكاة، وغير الخراجية: وهي أرض الصلح التي أسلم أهلها عليها، وأرض الموات. ٢ - أن يكون الناتج نصاباً وهو خمسة أوسق (٦٥٣ كغ)، والوسق ستون صاعاً، والصاع أربعة أمداد بمد النبي ﷺ ، وهو اثنا عشر قنطاراً أندلسية. واشترط الشافعية ثلاثة شروط (٢): ١ - أن يكون الناتج الذي تخرجه الأرض مما يقتات ويدخر وينبته الآدميون: فمن الحب: الحنطة والشعير والدُخن والذرة والأرز والعدس والحمص وما أشبه

стр. 1816

ذلك، ومن الثمار: التمر والزبيب. ولا زكاة في الخضروات والبقول والفواكه كالقثاء والبطيخ والرمان والقصب. والزكاة على الحبوب بعد تصفيتها من القش والتبن. ٢ - أن يكون الناتج نصاباً كاملاً، وهو خمسة أوسق وهي ألف وست مئة رطل بغدادية، وبالدمشقي في الأصح ثلاث مئة واثنان وأربعون رطلاً وستة أسباع رطل، وهي تساوي ٦٥٣ كغ. ٣ - أن يكون مملوكاً لمالك معين: فلا زكاة في الموقوف على المساجد على الصحيح، إذ ليس لها مالك معين، ولا زكاة في نخيل الصحراء المباح إذ ليس له مالك معين. واشترط الحنابلة شروطاً ثلاثة (١): ١ - أن يكون الناتج قابلاً للادخار والبقاء مما يجمع هذه الأوصاف: الكيل والبقاء واليبس في الحبوب والثمار، مما ينبته الآدميون إذا نبت في أرضه، سواء أكان قوتاً كالحبوب، أم من القطنيات كالعدس والحمص والباقلا (الفول)، أم من المقبِّلات كالكمون والكراويا وحب القثاء وحب الخيار، أم من حب البقول كحب الفجل والقرطم والترمس والسمسم، وسائر الحبوب. وتجب أيضاً في الثمار مما جمع هذه الأوصاف كالتمر والزبيب واللوز والفستق والبندق. ولا زكاة في الفواكه كالخوخ والدراق والكمثرى والتفاح، ولا في الخضر، كالقثاء والخيار والباذنجان واللفت والجزر.

стр. 1817

٢ - أن يبلغ الناتج نصاباً وهو خمسة أوسق بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمار، وهي (١٤٢٨ و ٤/ ٧) رطلاً مصرياً أو (٥٠ كيلة) أو ٤ أرادب، والأردب المصري ١٢٨ لتر ماء، أو ٩٦ قدحاً. ٣ - أن يكون النصاب مملوكاً للحر المسلم وقت وجوب الزكاة فيه: وهو وقت اشتداد الحب وبدو صلاح الثمر، فتجب الزكاة فيما نبت بنفسه مما يزرعه الآدمي، كمن سقط له حب في أرضه، فنبت؛ لأنه يملكه وقت الوجوب، وفعل الزرع ليس شرطاً، ولا زكاة فيما يكتسبه اللقاط، أو يوهب له بعد بدو صلاحه، أو يشتريه ونحوه بعد ذلك، أو يأخذه الحصَّاد ونحوه أجرة لحصاده ودياسه ونحوه، كأجرة تصفيته أو نطارته، ولا فيما يملك من زرع وثمرة بعد بدو صلاحه بشراء أو إرث أو غيرهما كصداق وعوض خلع وإجارة وعوض صلح؛ لأنه لم يكن مالكاً له وقت الوجوب. ولا زكاة فيما يجتنيه من مباح، سواء نبت في أرضه أو أخذه من موات؛ لأنه لا يملك إلا بأخذه، فلم يكن وقت الوجوب في ملكه. ثالثاً - ما تجب فيه الزكاة: للفقهاء رأيان في زكاة ما تخرجه الأرض، رأي يعمم في كل خارج، ورأي يخصص الخارج فيما يقتات ويدخر (١). الرأي الأول - لأبي حنيفة: تجب الزكاة في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره إلا الحطب والحشيش والقصب الفارسي (وهو ما يتخذ منه الأقلام، أما قصب السكر

стр. 1818

ففيه العشر) والسعف والتبن، وكل ما لا يقصد به استغلال الأرض ويكون في أطرافها. أما إذا اتخذ أرضَه مَقْصَبة أو مَشْجَرة أو مَنْبِتا للحشيش، وساق إليه الماء، ومنع الناس عنه، فيجب فيه العشر. وأطلق الوجوب فيما أخرجته الأرض لعدم اشتراط الحول؛ لأن فيه معنى المؤنة (الضريبة)، ولذا كان للإمام أخذ هذه الزكاة (العشر) جبراً، ويؤخذ من التركة، ويجب مع الدين، وفي أرض الصغير والمجنون والوقف. ودليله: حديث «ما أخرجته الأرض ففيه العشر» (١) عمم الواجب في كل خارج، والصحيح عند الحنفية ما قاله الإمام، ورجح الكل دليله. الرأي الثاني - للصاحبين وجمهور الفقهاء: لا تجب زكاة الزروع والثمار إلا فيما يقبل الاقتيات والادخار وعند الحنابلة: فيما ييبس ويبقى ويكال، ولا زكاة في الخَضروات (بفتح الخاء) والفواكه. وهذا هو الراجح. أما الصاحبان من الحنفية فقالا: لا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية إذا بلغ خمسة أوسق، وليس في الخضروات (الفواكه كالتفاح والكمثرى وغيرهما، أو البقول كالكراث والكرفس ونحوهما) عندهما عُشْر، لعدم الثمرة الباقية. وأما المالكية فقالوا: تجب الزكاة في عشرين صنفاً: أما الحبوب فسبعة عشر: القطاني السبعة (وهي الحمص - بكسر الميم وفتحها، والفول، واللوبيا والعدس، والتُرمس، والجُلْبان، والبسيلة) والقمح، والسُلت (نوع من الشعير لا قشر له)، والعلس، والذرة، والدُخن، وأُرْز، وذوات الزيوت الأربعة: وهي الزيتون والسمسم، والقِرطِم (حب العصفر)، وحب الفجل الأحمر، أما الفجل الأبيض فلا زكاة في حبه، إذ لا زيت له.

стр. 1819

وأما الثمار فثلاثة: التمر والزبيب والزيتون، لقول عمر: «وفي الزيتون العشر». ولا تجب الزكاة في الفواكه كالتين والرمان والتفاح ونحوها، ولا في بزر الكتان، والسَّلْجَم (اللفت)، ولا في جوز ولوز، ولا غير ذلك. وأما الشافعية: فقرروا أن الزكاة تختص بالقوت، وهو من الثمار: التمر والزبيب (١)، ومن الحب: الحنطة والشعير والأرزُّ والعدس والماش، وسائر المقتات اختياراً كالحِمِّص، والباقلا (الفول) والذرة، والهرطمان: (حب متوسط بين الحنطة والشعير) وهو الجُلْبانة والكِرْسنة والحِلْبة والخشخاش والسمسم. ولا زكاة في القثَّاء والبطيخ والرمان، والقَضْب (البرسيم)؛ لأن الرسول ﷺ عفا عنه. ولا زكاة في الفواكه كخوخ ورمان وتين ولوز وجوز هند وتفاح ومِشْمِشِ، ولا زكاة في حبوب البوادي كحب الحنظل، ولا في الوحشيات من الظباء ونحوها، ولا في الموقوف على المساجد والقناطر والرباطات (الثغور) والفقراء والمساكين، على الصحيح؛ إذ ليس له مالك معين، ولا في الزيتون والزعفران والورس والقِرْطِمُ (حب العصفر) ولا في العسل، في المذهب الجديد. وقال الحنابلة: تجب الزكاة في كل مقتات مكيل مدخر من الحبوب، كالحنطة والشعيروالسُلت (وهو نوع من الشعير لونه لون الحنطة، وطبعه كالشعير في البرودة) والذرة والقطنيات (٢)، كالباقلاء (الفول) والحمص واللوبيا والعدس والماش والتُرْمس (حب عريض أصغر من الفول) والدخن والأرز والهرطمان

стр. 1820

(وهو الجلبانة والكرسنة والحلبة والخشخاش والسمسم) والعلس (نوع من الحنطة يدخر في قشره). وتجب الزكاة في بزر البقول كلها: كالهندبا والكرفس والبصل وبزر قَطُونا ونحوها، وبزر الرياحين جميعاً، وبزر الكزبرة والكمون والكراويا والشونيز (يقال له: الحبة السوداء)، وحب الرازيانج (وهو الشمروالأنيسون وحب القضب) والخَرْدل وبزر الكتان، وبزر القطن واليقطين (وهو القرع) وبزر البقلة والحمقاء، وبزر الباذنجان والخس والجزر. وفي حب البقول: كالرَّشَاد (١)، وحب الفجل، والقرطم (حب العصفر). وتجب الزكاة في كل ثمر يكال ويدخر، كالتمر والزبيب واللوز والفستق والبندق والسماق. والخلاصة: أن الزكاة تجب في الحبوب والبزور والثمار المدخرة. والأظهر كما في كتاب الفروع وجوب الزكاة في العُنَّاب والتين والمشمش والتوت؛ لأنه يدخر كالتمر، والمعتمد لا زكاة فيها؛ لأن العادة لم تجر بادخاره وتجب الزكاة في صعتر وأشنان وحب ذلك، وكل ورق مقصود، كورق سدر وخطمي وآسي؛ لأنه نبات مكيل مدخر. ولا تجب الزكاة في قطن وكتان وقنب وزعفران وورس ونيل وجوز الهند، وسائر الفواكه كالخوخ والتفاح أو الإجاص والكمثرى، والسفرجل والرمان والنبق والزعرور والموز؛ لأنها ليست مكيلة، ولا في الجوز؛ لأنه معدود، ولا في قصب السكر. ولا زكاة في الخضر كبطيخ وقثاء وخيار وباذَنجان ولِفت وسلق وكُرنْب وقنبيط وبصل وثوم وكراث وجزر وفجل ونحوه، لحديث علي: أن النبي ﷺ

стр. 1821

قال: «ليس في الخضروات صدقة» (١). ولا في البقول كالهندَبا والكرَفْس والنعناع والرشاد وبقلة الحمقاء والقرظ والكزبرة والجرجير ونحوه. ولا في المسك والزهر، كالورد والبنفسج والنرجس واللينوفر والخيري: وهو المنثور، ونحوه كالزنبق، ولافي طلع الفُحَّال (وهو ذكر النخل)، ولا في السُّعُف (وهو أغصان النخل، أي جريد النخل الذي لم يجرد عنه خوصه، فإن جرد عنه خوصه فجريد) ولا في الخوص (وهو ورق السعف)، ولا في قشور الحب والتبن والحطب والخشب وأغصان الخلاف، وورق التوت والكلأ، والقصب الفارسي، ولبن الماشية وصوفها ونحو ذلك كالوبر والشعر، وكذا الحرير ودود القز؛ لأن ذلك كله ليس منصوصاً عليه، ولا في معنى المنصوص عليه، فبقي على أصل العفو. والخلاصة بالنسبة للزيتون: أنه لا زكاة فيه عند الشافعية في الجديد والمعتمد عند الحنابلة، وفيه الزكاة عند أبي حنيفة والمالكية (٢) ونصابه عند المالكية خمسة أوسق زيتون. زكاة العسل: اختلف الفقهاء في حكم زكاة العسل على رأيين (٣): فقال الحنفية والحنابلة: فيه العشر، إلا أن أبا حنيفة قال: يجب فيه العشر إذا أخذ من أرض العشر، قل المأخوذ أو كثر وليس في أرض الخارج من أرض الخراج عشر، وقال الحنابلة: نصاب العسل عشرة أفراق، وهي جمع فَرْق، والفرق

стр. 1822

عندهم ستة عشر رطلاً، فيكون النصاب مئة وستين رطلاً بالبغدادي أو ٣٤ و ٢/ ٧ رطل دمشقي، ومئة وأربعة بالمصري، والرطل عند الحنفية: ١٣٠ درهماً، والدرهم الوسطي (٩٧٥،٢ غم). ودليلهم على وجوب الزكاة في العسل آثار منها: ما رواه أبو سيَّارة المُتَعي قال: قلت: «يا رسول الله، إن لي نحلاً، قال: فأدِّ العشور» (١). وما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : «أنه أخذ من العسل العشر» (٢) وعن عمر ﵁ أنه كان يأخذ عن العسل العشر من كل عشر قِرَب قربة. وروى العقيلي في الضعفاء من طريق عبد الرزاق عن أبي هريرة حديثاً: «في العسل العشر» (٣). وقال المالكية والشافعية: لا زكاة في العسل، بدليل أمرين: الأول - ما قاله الترمذي: «لا يصح عن النبي ﷺ في هذا كبير شيء» وما قاله ابن المنذر: «إنه ليس في وجوب الصدقة فيه خبر يثبت ولا إجماع». الثاني - أنه مائع خارج من حيوان، فأشبه اللبن، واللبن لا زكاة فيه بالإجماع. ورجح أبو عبيد أن يكون أربابه يؤمرون بأداء صدقته، ويُحثُّون عليها، ويكره

стр. 1823

لهم منعها، ولا يؤمن عليهم المأثم في كتمانها، من غير أن يكون ذلك فرضاً عليهم. رابعاً - النصاب الذي يبدأ به زكاة الزرع والثمر: قال أبو حنيفة (١): النصاب ليس بشرط لوجوب العشر، فيجب العشر في كثير الخارج وقليله، لعموم قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة:٢٦٧/ ٢] وقوله : ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام:١٤١/ ٦] وقول النبي ﷺ : «ما سقته السماء ففيه العشر، وما سقي بغَرْب أو دالية، ففيه نصف العشر» (٢) من غير تفصيل بين القليل والكثير. ولأن سبب الوجوب وهي الأرض النامية بالخارج لا يميز بين القليل والكثير، وكل شيء أخرجته الأرض مما فيه العشر لا يحتسب فيه أجر العمال ونفقة الزرع من أدوات الحراثة؛ لأن النبي ﷺ حكم بتفاوت الواجب بتفاوت المؤنة (التكاليف)؛ لأنه قال: «ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغَرْب ففيه نصف العشر» وعلى هذا تكون النفقات على الزارع، وتجب الزكاة في كل الخارج بدون أن تحسم منه النفقات. و قال الصاحبان وجمهور الفقهاء (٣): النصاب شرط، فلا تجب فيه الزكاة في شيء من الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق وهي (٦٥٣ كغ) أو ٥٠

стр. 1824

كيلة مصرية، لقول النبي ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (١) والوسق ستون صاعاً، وهذا حديث خاص بهذه الزكاة، يجب تقديمه، وتخصيص عموم أدلة أبي حنيفة، كما خصص قوله: «في سائمة الإبل الزكاة» بقوله في نهاية هذا الحديث: «ليس فيما دون خمسة ذَوْد صدقة»، وقوله: «في الرِّقة العشر» بقوله «ليس فيما دون خمس أواق صدقة»، ولأنه مال تجب فيه الصدقة، فلم تجب في يسيره كسائر الأموال الزكائية، ولأن الصدقة تجب على الأغنياء، ولا يحصل الغنى بدون النصاب، كسائر الأموال الزكائية. وهذا هو الراجح لدي لصحة الحديث. وإنما لم يعتبر الحول؛ لأنه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غيره من الزكوات؛ لأنه مظنة لكمال النماء في سائر الأموال. والنصاب معتبر بالكيل، فإن الأوساق مكيلة، وكان الصاع مكيال أهل المدينة في عهد النبي ﷺ وقدره أربعة أمداد، والصاع خمسة أرطال وثلث رطل، والرطل (٦٧٥ غم) وذكر الشافعية والحنابلة أنه يعتبر النصاب تمراً أو زبيباً إن تتمر وتزبب، لحديث مسلم «ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق» وإن لم يتتمر الرطب ولم يتزبب العنب، بأن لم يأت منه تمر ولا زبيب جيدان في العادة، أو كانت تطول مدة جفافه كسنة، اعتبر نصاباً رطباً وعنباً، فيوسق رطباً وعنباً؛ لأن ذلك وقت كماله. فيكمل به نصاب ما يجف من ذلك، وتخرج الزكاة من كل منهما في الحال؛ لأن ذلك أكمل أحوالهما. ويعتبر الحب خمسة أوسق حال كونه مصفى من تبنه؛ لأنه لا يدخر فيه ولا يؤكل معه. وأما ما ادخر في قشره كالأَرُزّ والعلس، فنصابه عشرة أوسق، اعتباراً بقشره

стр. 1825

الذي يكون ادخاره فيه أصلح له أو أبقى بالنصف، ولا يضم ثمر عام إلى ثمر عام آخر في إكمال النصاب، ولا زرع عام إلى زرع عام آخر كذلك، ويضم ثمر العام بعضه لبعض، وكذلك زرع العام بعضه لبعض، وإن اختلف إدراكه لاختلاف أنواعه وبلاده حرارة وبرودة. والمراد بالعام هنا: اثنا عشر شهراً عربية. وذكر المالكية أن المعتبر كون الحب منقى من تبنه وصوانه الذي لا يخزن به، مقدر الجفاف، وكون الرطب تمراً والعنب زبيباً، فإن بيع رطباً أوعنباً فيجب نصف عشر القيمة، ونصف عشر ثمن فول أخضر وحمص مما شأنه ألا ييبس. ويؤخذ نصف العشر من زيت ماله زيت. ويحسب في النصاب الشرعي قشر الأرز والعلس والشعير الذي يخزن به. فلو كان الأرز مثلاً مقشوراً أربعة أوسق، وبقشره خمسة أوسق زكي، وإن كان أقل فلا زكاة. واتفق الجمهور مع الحنفية على أنه لا ينقص النصاب بمؤنة الحصاد والدياس وغيرهما من نفقات الزرع. خامساً - مقدار الواجب وصفته: اتفق الفقهاء (١) على أن العشر يجب فيما سقي بغير مؤنة (مشقة) كالذي يشرب من السماء (الأمطار)، وما يشرب بعروقه: وهوالذي يشرب من ماء قريب منه. ويجب نصف العشر فيما سقي بالمؤن كالدوالي (النواعير) النواضح. والدليل لهم قول النبي ﷺ المتقدم: «فيما سقت السماء والعيون، أو كان
следующие страницы →