قال: «ليس في الخضروات صدقة» (١). ولا في البقول كالهندَبا والكرَفْس والنعناع والرشاد وبقلة الحمقاء والقرظ والكزبرة والجرجير ونحوه.
ولا في المسك والزهر، كالورد والبنفسج والنرجس واللينوفر والخيري: وهو المنثور، ونحوه كالزنبق، ولافي طلع الفُحَّال (وهو ذكر النخل)، ولا في السُّعُف (وهو أغصان النخل، أي جريد النخل الذي لم يجرد عنه خوصه، فإن جرد عنه خوصه فجريد) ولا في الخوص (وهو ورق السعف)، ولا في قشور الحب والتبن والحطب والخشب وأغصان الخلاف، وورق التوت والكلأ، والقصب الفارسي، ولبن الماشية وصوفها ونحو ذلك كالوبر والشعر، وكذا الحرير ودود القز؛ لأن ذلك كله ليس منصوصاً عليه، ولا في معنى المنصوص عليه، فبقي على أصل العفو.
والخلاصة بالنسبة للزيتون: أنه لا زكاة فيه عند الشافعية في الجديد والمعتمد عند الحنابلة، وفيه الزكاة عند أبي حنيفة والمالكية (٢) ونصابه عند المالكية خمسة أوسق زيتون.
زكاة العسل: اختلف الفقهاء في حكم زكاة العسل على رأيين (٣):
فقال الحنفية والحنابلة: فيه العشر، إلا أن أبا حنيفة قال: يجب فيه العشر إذا أخذ من أرض العشر، قل المأخوذ أو كثر وليس في أرض الخارج من أرض الخراج عشر، وقال الحنابلة: نصاب العسل عشرة أفراق، وهي جمع فَرْق، والفرق
стр. 1822
عندهم ستة عشر رطلاً، فيكون النصاب مئة وستين رطلاً بالبغدادي أو ٣٤ و ٢/ ٧ رطل دمشقي، ومئة وأربعة بالمصري، والرطل عند الحنفية: ١٣٠ درهماً، والدرهم الوسطي (٩٧٥،٢ غم).
ودليلهم على وجوب الزكاة في العسل آثار منها:
ما رواه أبو سيَّارة المُتَعي قال: قلت: «يا رسول الله، إن لي نحلاً، قال: فأدِّ العشور» (١).
وما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : «أنه أخذ من العسل العشر» (٢) وعن عمر ﵁ أنه كان يأخذ عن العسل العشر من كل عشر قِرَب قربة.
وروى العقيلي في الضعفاء من طريق عبد الرزاق عن أبي هريرة حديثاً: «في العسل العشر» (٣).
وقال المالكية والشافعية: لا زكاة في العسل، بدليل أمرين:
الأول - ما قاله الترمذي: «لا يصح عن النبي ﷺ في هذا كبير شيء» وما قاله ابن المنذر: «إنه ليس في وجوب الصدقة فيه خبر يثبت ولا إجماع».
الثاني - أنه مائع خارج من حيوان، فأشبه اللبن، واللبن لا زكاة فيه بالإجماع.
ورجح أبو عبيد أن يكون أربابه يؤمرون بأداء صدقته، ويُحثُّون عليها، ويكره
стр. 1823
لهم منعها، ولا يؤمن عليهم المأثم في كتمانها، من غير أن يكون ذلك فرضاً عليهم.
رابعاً - النصاب الذي يبدأ به زكاة الزرع والثمر: قال أبو حنيفة (١): النصاب ليس بشرط لوجوب العشر، فيجب العشر في كثير الخارج وقليله، لعموم قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة:٢٦٧/ ٢] وقوله : ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام:١٤١/ ٦] وقول النبي ﷺ : «ما سقته السماء ففيه العشر، وما سقي بغَرْب أو دالية، ففيه نصف العشر» (٢) من غير تفصيل بين القليل والكثير. ولأن سبب الوجوب وهي الأرض النامية بالخارج لا يميز بين القليل والكثير، وكل شيء أخرجته الأرض مما فيه العشر لا يحتسب فيه أجر العمال ونفقة الزرع من أدوات الحراثة؛ لأن النبي ﷺ حكم بتفاوت الواجب بتفاوت المؤنة (التكاليف)؛ لأنه قال: «ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغَرْب ففيه نصف العشر» وعلى هذا تكون النفقات على الزارع، وتجب الزكاة في كل الخارج بدون أن تحسم منه النفقات.
و قال الصاحبان وجمهور الفقهاء (٣): النصاب شرط، فلا تجب فيه الزكاة في شيء من الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق وهي (٦٥٣ كغ) أو ٥٠
стр. 1824
كيلة مصرية، لقول النبي ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (١) والوسق ستون صاعاً، وهذا حديث خاص بهذه الزكاة، يجب تقديمه، وتخصيص عموم أدلة أبي حنيفة، كما خصص قوله: «في سائمة الإبل الزكاة» بقوله في نهاية هذا الحديث: «ليس فيما دون خمسة ذَوْد صدقة»، وقوله: «في الرِّقة العشر» بقوله «ليس فيما دون خمس أواق صدقة»، ولأنه مال تجب فيه الصدقة، فلم تجب في يسيره كسائر الأموال الزكائية، ولأن الصدقة تجب على الأغنياء، ولا يحصل الغنى بدون النصاب، كسائر الأموال الزكائية. وهذا هو الراجح لدي لصحة الحديث.
وإنما لم يعتبر الحول؛ لأنه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غيره من الزكوات؛ لأنه مظنة لكمال النماء في سائر الأموال. والنصاب معتبر بالكيل، فإن الأوساق مكيلة، وكان الصاع مكيال أهل المدينة في عهد النبي ﷺ وقدره أربعة أمداد، والصاع خمسة أرطال وثلث رطل، والرطل (٦٧٥ غم) وذكر الشافعية والحنابلة أنه يعتبر النصاب تمراً أو زبيباً إن تتمر وتزبب، لحديث مسلم «ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق» وإن لم يتتمر الرطب ولم يتزبب العنب، بأن لم يأت منه تمر ولا زبيب جيدان في العادة، أو كانت تطول مدة جفافه كسنة، اعتبر نصاباً رطباً وعنباً، فيوسق رطباً وعنباً؛ لأن ذلك وقت كماله. فيكمل به نصاب ما يجف من ذلك، وتخرج الزكاة من كل منهما في الحال؛ لأن ذلك أكمل أحوالهما.
ويعتبر الحب خمسة أوسق حال كونه مصفى من تبنه؛ لأنه لا يدخر فيه ولا يؤكل معه.
وأما ما ادخر في قشره كالأَرُزّ والعلس، فنصابه عشرة أوسق، اعتباراً بقشره
стр. 1825
الذي يكون ادخاره فيه أصلح له أو أبقى بالنصف، ولا يضم ثمر عام إلى ثمر عام آخر في إكمال النصاب، ولا زرع عام إلى زرع عام آخر كذلك، ويضم ثمر العام بعضه لبعض، وكذلك زرع العام بعضه لبعض، وإن اختلف إدراكه لاختلاف أنواعه وبلاده حرارة وبرودة. والمراد بالعام هنا: اثنا عشر شهراً عربية.
وذكر المالكية أن المعتبر كون الحب منقى من تبنه وصوانه الذي لا يخزن به، مقدر الجفاف، وكون الرطب تمراً والعنب زبيباً، فإن بيع رطباً أوعنباً فيجب نصف عشر القيمة، ونصف عشر ثمن فول أخضر وحمص مما شأنه ألا ييبس. ويؤخذ نصف العشر من زيت ماله زيت. ويحسب في النصاب الشرعي قشر الأرز والعلس والشعير الذي يخزن به. فلو كان الأرز مثلاً مقشوراً أربعة أوسق، وبقشره خمسة أوسق زكي، وإن كان أقل فلا زكاة.
واتفق الجمهور مع الحنفية على أنه لا ينقص النصاب بمؤنة الحصاد والدياس وغيرهما من نفقات الزرع.
خامساً - مقدار الواجب وصفته: اتفق الفقهاء (١) على أن العشر يجب فيما سقي بغير مؤنة (مشقة) كالذي يشرب من السماء (الأمطار)، وما يشرب بعروقه: وهوالذي يشرب من ماء قريب منه.
ويجب نصف العشر فيما سقي بالمؤن كالدوالي (النواعير) النواضح.
والدليل لهم قول النبي ﷺ المتقدم: «فيما سقت السماء والعيون، أو كان
стр. 1826
عَثَرياً العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر» (١)، وانعقد الإجماع على ذلك، كما قال البيهقي وغيره. فإن سقي نصف السنة بكلفة ونصفها بغير كلفة ففيه ثلاثة أرباع العشر، عملاً بمقتضى كل واحد منهما. وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر، اعتبر الأكثر، فوجب مقتضاه، وسقط حكم الآخر.
وسبب التفرقة واضح وهو كثرة المؤنة في أرض السقي، وخفتها في أرض البعل (٢)، كما هو الفرق بين الماشية المعلوفة والسائمة.
ولا وقص (لا عفو) في نصاب الحبوب والثمار، بل مهما زاد على النصاب أخرج منه بالحساب، فيخرج العشر أو نصفه، فإنه لا ضرر في تبعيضه، بخلاف الماشية ففي تبعيضها ضرر. وأما صفة الواجب: فهو جزء من الخارج أو قيمته عند الحنفية. وأما عند الجمهور: الواجب عين الجزء ولا يجوز غيره.
هل تحسم النفقات التي تصرف على المزروعات؟ ينفق المزارع عادة على زراعته نفقات مثل ثمن البذار والسماد وأجور الحرث (الفلاحة) والري والتنقية والحصاد وغير ذلك.
جاء في الفتوى رقم (١٥) في ندوة البركة السادسة في جدة أن هناك آراء ثلاثة في الموضوع، رأي بحسم جميع النفقات، ورأي بعدم حسم التكاليف، ورأي متوسط بإسقاط الثلث من المحصول، ثم إخراج الزكاة من الباقي، وقد
стр. 1827
اختار الحاضرون الرأي الثالث المتوسط، ثم يتم حساب الزكاة بإخراج العشر إن كان الريّ بماء السماء، ونصف العشر إن كان بآلة.
وهذا مستمد من كلام ابن العربي في شرح الترمذي، عملاً بحديث النبي ﷺ : «دعوا الثلث أو الربع» والذي عليه عمل المسلمين والمذاهب الأربعة كما ذكر ابن حزم في المحلى (٥/ ٢٥٨)
وصرح به الفقهاء أنه لايجوز إسقاط شيء من النفقة؛ لأن الزكاة تعلقت بعين الخارج لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام:١٤١/ ٦] وهذا ما أرجحه (١).
سادساً - وقت الوجوب: وقت الوجوب عند أبي حنيفة (٢): وقت خروج الزرع، وظهور الثمر، لقوله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة:٢٦٧/ ٢] أمر الله تعالى بالإنفاق مما أخرجه من الأرض، فدل أن الوجوب متعلق بالخروج. فإن استهلكها صاحبها بعد الوجوب يضمن عشره، وأما قبل الوجوب فلا يضمن، ولو هلك الخارج بنفسه فلا عشر في الهالك.
ووقت الوجوب عند المالكية: في الثمار الطيب (وهو الزهو في بلح النخل، وظهور الحلاوة في العنب)، وفي الزرع: إفراك الحب، أي طيبه وبلوغه حد الأكل منه، واستغناؤه عن السقي، لا باليبس ولا بالحصاد ولا بالتصفية (٣). وأما عند الشافعية والحنابلة (٤): فتجب الزكاة ببدو صلاح الثمر؛ لأنه حينئذ ثمرة كاملة،
стр. 1828
وهو قبل ذلك حصرم وبلح، وببدو اشتداد الحب؛ لأنه حينئذ طعام، وهو قبل ذلك بقل.
وليس المراد بوجوب الزكاة بما ذكر: إخراجها في الحال، بل انعقاد سبب وجوب إخراج الثمر والزبيب والحب المصفى عند الصيرورة كذلك.
وبناء على الرأي الأخير إن أتلفها صاحبها أو تلفت بتفريطه أو عدوانه بعد الوجوب، لم تسقط عنه الزكاة. وإن كان قبل الوجوب سقطت، إلا أن يقصد بذلك الفرار من الزكاة، فيضمنها ولا تسقط عنه.
وإن جذَّها وجعلها في الجرين (موضع تجفيف التمر)، أو جعل الزرع في البيدر، استقر الوجوب عليه. وإن تلفت بعد ذلك لم تسقط الزكاة عنه، وعليه ضمانها، كما لو تلف نصاب الماشية السائمة أو الأثمان (النقود) بعد الحول.
وإن تلفت الثمرة قبل بدو الصلاح أو الزرع قبل اشتداد الحب، فلا زكاة فيه.
ويصح تصرف المالك في النصاب قبل الخرص وبعده بالبيع والهبة وغيرهما، فإن باعه أو وهبه بعد بدو صلاحه، فصدقته على البائع والواهب. وهذا قول الحنابلة والمالكية.
وقال الحنفية: إذا باع الزرع قبل إدراكه، وجبت الزكاة على المشتري. وقال الشافعية: تجب الزكاة على مالك الزرع عند الوجوب.
سابعاً - ما يضم بعضه إلى بعض: لا خلاف بين أهل العلم في غير الحبوب والثمار: أنه لا يضم جنس إلى جنس آخر في تكميل النصاب، فالماشية ثلاثة أجناس: الإبل، والبقر، والغنم، لا
стр. 1829
يضم جنس منها إلى آخر. والثمار لا يضم جنس إلى غيره، فلا يضم التمر إلى الزبيب، ولا إلى اللوز، والفستق، والبندق. ولا يضم شيء من هذه إلى غيره، ولا تضم الأثمار إلى شيء من السائمة، ولا من الحبوب والثمار.
ولا خلاف بينهم في أن أنواع الأجناس يضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب.
ولا خلاف بينهم أيضاً في أن العروض التجارية تضم إلى الأثمان (النقود)، وتضم الأثمان إليها، إلا أن الشافعي لا يضمها إلا إلى جنس ما اشتريت به؛ لأن نصابها معتبر به (١).
ولا خلاف عند الجمهور غير المالكية في ضم الحنطة إلى العلس؛ لأنه نوع منها، ومثله السلت يضم إلى الشعير؛ لأنه منه، فيضم إليه عند غير الشافعية.
واختلف العلماء في ضم الحبوب بعضها إلى بعض، وفي ضم أحد النقدين إلى الآخر.
فقال الحنفية والشافعية: لا يضم جنس منها إلى غيره، ويعتبر النصاب في كل جنس منها منفرداً؛ لأنها أجناس، فاعتبر النصاب في كل جنس منها منفرداً كالثمار أيضاً والمواشي. لكن يلاحظ أن أبا حنيفة يوجب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض، ولا يشترط النصاب، فلا تثور مشكلة الضم لديه.
وقال المالكية والقاضي من الحنابلة: إن الحنطة تضم إلى الشعير، وتضم القطنيات بعضها إلى بعض؛ لأن هذا كله مقتات، فيضم بعضه إلى بعض كأنواع الحنطة.
стр. 1830
قال المالكية (١): تضم القطاني السبعة (الحمص والفول واللوبيا والعدس والترمس والجُلْبان والبسيلة) لبعضها بعضاً؛ لأنها جنس واحد في الزكاة، فإذا اجتمع من جميعها أو من اثنين منها ما فيه الزكاة، زكاه، وأخرج من كل صنف منها ما ينوبه. والقمح والشعير والسلت صنف واحد، فتضم لبعضها.
ويجزئ إخراج الأعلى من الأدنى لا عكسه، كقمح وسلت وشعير؛ لأن الثلاثة جنس واحد. ولا يضم شيء منها لعلس (حب طويل يشبه البُرّ باليمن)؛ لأنه جنس منفرد، ولا يضم شيء منها لذرة ولا دخن ولا أرز؛ لأن كل واحد منها جنس على حدة، فلا يضم واحد منها لآخر، بل يعتبر كل واحد منها جنساً على حدة.
وذوات الزيوت الأربع: وهي الزيتون والسِّمسِم، وبذر الفُجل الأحمر، والقرطم: أجناس، لا يضم بعضها إلى بعض.
وتضم أنواع الجنس الواحد لبعضها، فالزبيب بأصنافه جنس واحد، ولا يضم هو لغيره، والتمر بأصنافه جنس واحد، والقمح بأصنافه الجيد منها والرديء جنس واحد.
وقال الشافعية (٢): لا يكمل جنس بجنس، ويضم النوع إلى النوع، ويخرج من كل من النوعين بقسطه، لعدم المشقة فيه بخلاف المواشي، فإن الأصح أن المزكي يخرج نوعاً منها، بشرط اعتبار القيمة والتوزيع، ولا يؤخذ البعض من هذا والبعض من هذا،
стр. 1831
لما فيه من المشقة، فإن عسر إخراج جزء من كل نوع لكثرة الأنواع وقلة الحاصل من كل نوع، أخرج الوسط منها، لا أعلاها ولا أدناها، رعاية للجانبين.
ويضم العلس إلى الحنطة؛ لأنه نوع منها، وهو قوت صنعاء اليمن. والسُلْت جنس مستقل، فلا يضم إلى غيره كالشعير.
ولا يضم ثمرة عام وزرعه إلى آخر، ويضم ثمر العام بعضه إلى بعض، وإن اختلف وقت إدراكه، لاختلاف أنواعه وبلاده حرارة أو برودة. والأظهر في الضم وقوع حصاديهما في سنة.
وقال ابن قدامة من الحنابلة (١): الصحيح عند القاضي أبي يعلى من الروايات الثلاث عن أحمد: أن الحنطة تضم إلى الشعير، وتضم القطنيات بعضها إلى بعض، وكذلك يضم الذهب والفضة. وتضم أنواع الجنس من حبوب أو ثمار من عام واحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، كأنواع الماشية والنقدين.
فالسلت نوع من الشعير، فيضم إليه، والعلس: نوع من الحنطة، فيضم إليها.
ويضم زرع العام الواحد، وثمرة العام الواحد إلى بعض، في تكميل النصاب، سواء اتفق وقت زرعه وإدراكه أو اختلف، وسواء اتفق وقت ظهور الثمرة وإدراكها أو اختلف.
وقال البُهوتي في كشاف القناع: تضم أنواع الجنس الواحد من حبوب وثمار من عام واحد، ولا يضم جنس إلى آخركبُر إلى شعير، أو د ُخن أو ذرة أو عدس
стр. 1832
ونحوه؛ لأنها أجناس يجوز التفاضل فيها، فلم يضم بعضها إلى بعض، كأجناس الثمار وأجناس الماشية، ولا يصح القياس على ضم العلس إلى الحنطة؛ لأنه نوع منها. ولا تضم النقود أو الأثمان من الذهب والفضة إلى بعضها، ولا إلى شيء من الحبوب أو الثمار أو الماشية؛ لأنها أجناس مختلفة، إلا إلى عروض التجارة، فتضم النقود (الأثمان) إلى قيمتها. وهذا هو المعتمد لدى الحنابلة، فيتفق رأيهم مع المذاهب الأخرى.
والخلاصة: أن الحنطة تضم مع الشعير لدى المالكية والقاضي من الحنابلة، ولا يضمان عند الشافعية وفي المعتمد عند الحنابلة، وأما القطاني فتضم لبعضها عند المالكية والحنابلة، ولا تضم عند الشافعية وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد.
ثامناً - زكاة الثمار الموقوفة: للفقهاء رأيان في زكاة الموقوف بالنظر لاشتراط ملك الأرض أو عدم اشتراطه، رأي يوجب الزكاة، ورأي يعفي منها (١).
قال الحنفية: الشرط ملك الخارج من الأرض، فيجب العشر في الأراضي التي لا مالك لها، وهي الأراضي الموقوفة، لعموم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة:٢٦٧/ ٢] وقوله : ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام:١٤١/ ٦] وقول النبي ﷺ : «ما سقته السماء ففيه العشر، وماسقي بغرب أو دالية، ففيه نصف العشر» ولأن العشر يجب في الشيء الخارج، لا في الأرض نفسها، فكان ملك الأرض وعدمه بمنزلة واحدة.
стр. 1833
و قال المالكية كالحنفية: يجب على الواقف أو متولي الوقف زكاة عين: ذهب أو فضة وقفت للسلف أي القرض، إن مر عليها حول من يوم ملكها، أو كانت هي مع ما لم يوقف نصاباً؛ إذ وقفها لا يسقط زكاتها عليه منها كل عام. كما يزكى نبات وقف ليزرع كل عام في أرض مملوكة أو مستأجرة، ويزكى حيوان من الأنعام وقف ليفرق لبنه أو صوفه أو ليحمل عليه أو يركب، ونسله تبع له، ولو سكت عنه، على مساجد أو على فقراء غير معينين أو معينين، إن تولى المالك تفرقته وسقيه وعلاجه بنفسه أو نائبه. فإن لم يتول المالك القيام به، وإنما تولاه المعينون الموقوف عليهم الذين وضعوا أيديهم عليه وحازوه، وصاروا يزرعون النبات ويفرقون ما حصل على أنفسهم، فعليهم الزكاة إن حصل لكل واحد منهم نصاب، وإلا فلا، ما لم يكن عنده ما يضمه له ويكمل به النصاب.
و قال الشافعية: لا تجب الزكاة على الصحيح في ثمار البستان وغلة القرية الموقوفين على المساجد والقناطر والرباطات (١) والفقراء والمساكين، إذ ليس لها مالك معين.
و فصل الحنابلة، فأوجبوا الزكاة في موقوف على معين من سائمة أو غلة أرض وشجر، إن بلغت حصة كل واحد نصاباً، ولم يوجبوها في موقوف على غير معين أو مسجد.
تاسعاً - زكاة الأرض المستأجرة: اختلف الفقهاء على رأيين في هذه الزكاة، أهي على المؤجر، أم على المستأجر (٢).
стр. 1834
قال أبو حنيفة: زكاة الأرض على المؤجر؛ لأنه من مؤنتها فهي كالخراج الموظَّف؛ لأن بدله وهو الأجرة له، فصار كأنه زرع بنفسه، ولأن الأرض أصل الوجوب.
وخالفه الصاحبان، فقالوا: الزكاة على المستأجر؛ لأن العشر يجب في الخارج، والخارج ملك المستأجر، فكان العشر عليه كالمستعير. لكن الفتوى على قول الإمام، وعليه العمل؛ لأنه ظاهر الرواية. فإن كان إيجاب الزكاة على المستأجر أنفع للفقراء، وجبت عليه، وبه أفتى المتأخرون.
وقال الجمهور: إذا استأجر إنسان أرضاً، فزرعها، أو استعار أرضاً فزرعها، أو غرسها ثمراً تجب فيه الزكاة، فالعشر على المستأجر والمستعير دون مالك الأرض؛ لأنه واجب في الزرع، فكان على مالكه، وهو المستأجر أو المستعير، لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام:١٤١/ ٦] وقوله ﷺ : «فيما سقت السماء العشر - الحديث» وفي إيجاب الزكاة على المالك إجحاف ينافي المواساة، وهي من حقوق الزرع، بدليل أنها لا تجب إن لم تزرع، وتتقيد بقدره.
عاشراً - زكاة الأرض الخراجية: نوعا الأرض: الأراضي نوعان: عشرية وخراجية (١).
أما العشرية: فهي التي يجب فيها العشر الذي فيه معنى العبادة، وتشمل ما يأتي:
أـ أرض العرب من العُذَيب (قرية من قرى الكوفة) إلى أقصى حدود اليمن
стр. 1835
وعدن؛ لأن رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين بعده لم يأخذوا من أرض العرب خراجاً، فدل أنها عشرية.
ب - والأرض التي أسلم عليها أهلها طوعاً؛ لأنها أرض إسلامية يناسبها ما في معنى العبادة.
جـ - والأرض التي فتحت عنوة وقهراً، وقسمت بين الغانمين المسلمين؛ للعلة السابقة.
د - دار المسلم إذا اتخذها بستاناً، وكان يسقى بماء العشر، فإن كان يسقى بماء الخراج فهو خراجي.
وأما ماأحياه المسلم من الأرض الميتة بإذن الإمام عند الحنفية والمالكية، فقال أبو يوسف: إن كانت من حيز أرض العشر، فهي عشرية، وإن كانت من حيز أرض الخراج، فهي خراجية، والبصرة عنده عشرية، بإجماع الصحابة ﵃.
وقال محمد: إن أحياها بماء السماء، ببئر استنبطها، أو بماء الأنهار العظام التي لاتملك مثل دجلة والفرات، فهي عشرية. وإن شق لها نهراً من أنهار الأعاجم، فهي خراجية.
وأما الخراجية: فهي التي يجب فيها الخراج، لأنها في الأصل أرض الكفار، وهي الأراضي التي فتحت عنوة وقهراً، فمنَّ الإمام على أهلها، وتركها في يد أربابها، بعد أن وضع على أشخاصهم الجزية إذا لم يسلموا، وعلى أراضيهم الخراج، أسلموا أو لم يسلموا، مثل أرض سواد العراق والشام ومصر والهند.
стр. 1836
هذا رأي الحنفية. وقال الجمهور (١): الأرض الخراجية ثلاثة أنواع:
١ - ما فتحت عنوة ولم تقسم بين الغانمين.
٢ - ما جلا عنها أهلها خوفاً منا.
٣ - ما صولح أهلها عليها على أنها لنا، ونقرها معهم بالخراج الذي يفرضه الإمام عليهم.
والأرض العشرية التي لا خراج عليها؛ لأنها ملك أهلها، وهي الأرض المملوكة خمسة أنواع:
١ - التي أسلم أهلها عليها كالمدينة المنورة ونحوها كجُواثى من قرى البحرين.
٢ - ما أحياه المسلمون واختطوه، كالبصرة التي بنيت في خلافة عمر ﵁، في سنة ثمان عشرة، بعد وقف سواد العراق، فدخلت في حده، دون حكمه.
٣ - ماصولح أهلها على أنها لهم بخراج يضرب عليها كاليمن.
٤ - ما أقطعها الخلفاء الراشدون من سواد العراق إقطاع تمليك.
٥ - ما فتح عنوة وقسم بين الغانمين، كنصف خيبر (على نحو أربع مراحل من المدينة إلى جهة الشام).
стр. 1837
نوعا الخراج: والخراج نوعان: خراج وظيفة، وخراج مقاسمة (١).
أما خراج الوظيفة: فهو الضريبة المفروضة على الأرض، سواء استغلها صاحبها أم تركها. وقد وظفه عمر ﵁، وكان في كل جريب أرض بيضاء تصلح للزراعة قفيز مما يزرع فيها ودرهم (٢). ومبنى هذا الخراج على الطاقة.
وأما خراج المقاسمة: فهو الضريبة المقطوعة من الناتج الزراعي، كأن يؤخذ نصف الخراج أو ثلثه أو ربعه، وقد فعله النبي ﷺ لما فتح خيبر، ويكون ذلك في الخراج كالعشر، إلا أنه يوضع موضع الخراج؛ لأنه خراج حقيقة.
واتفق العلماء على أن الأرض الخراجية إذا كانت ملكاً لغير مسلم، وجب فيها الخراج، ولا عشر فيها، وعلى أن العشرية إذا كانت لغير مسلم، وجب فيها العشر.
زكاة الأرض الخراجية: اختلف الفقهاء في الأرض الخراجية إذا صارت ملكاً لمسلم، هل تبقى وظيفتها الخراج فقط، أو يجتمع فيها العشر والخراج أو يبدل خراجها بعشر؟
١ - قال الحنفية (٣): إن كانت الأرض خراجية يجب فيها الخراج، ولا يجب في الخارج منها العشر، فالعشر والخراج لا يجتمعان في أرض واحدة.
стр. 1838
٢ - وقال الأئمة الثلاثة (١): يجتمع في الخارج من أرض الخراج العشر والخراج.
الأدلة:
استدل الحنفية بما يأتي:
أـ ما روي عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم» (٢).
ب - لم يأخذ أحد من أئمة العدل وولاة الجور من أرض سواد العراق عشراً، فالقول بوجوب العشر مع الخراج يخالف الإجماع، فيكون باطلاً.
جـ - إن سبب كل من الخراج والعشر واحد، وهو الأرض النامية، فلا يجتمعان في أرض واحدة، كما لا يجتمع زكاتان في مال واحد، وهي زكاة السائمة والتجارة.
و استدل الجمهور بما يأتي:
أـ بعموم الآيات والأحاديث المتقدمة التي ذكرتها في فرضية زكاة الأرض، والتي تدل على الوجوب، سواء أكانت الأرض خراجية أم عشرية.
ب - بأن الخراج والعشر حقان مختلفان ذاتاً ومحلاً وسبباً ومصرفاً ودليلاً، أما اختلافهما ذاتاً فلأن العشر فيه معنى العبادة، والخراج فيه معنى العقوبة، وأما
стр. 1839
اختلافهما محلاً فلأن العشر يجب في الخارج، والخراج يتعلق بالذمة. أما اختلافهما سبباً فلأن سبب العشر نفس الخارج، فلا يجب بدونه، وسبب الخراج: الأرض النامية أي الصالحة للزراعة، بدليل وجوبه وإن لم تزرع الأرض.
وأما اختلافهما مصرفاً: فلأن مصرف العشر الفقراء، ومصرف الخراج المصالح العامة أو المقاتلة. وأما اختلافهما دليلاً، فلأن دليل العشر النص، ودليل الخراج الاجتهاد المبني على مراعاة المصالح.
وإذا ثبت اختلافهما من هذه الوجوه، فلا مانع من اجتماعهما، فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر، كاجتماع الجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك.
والراجح هو رأي الجمهور بسبب ضعف حديث الحنفية، ولأن الخراج واجب اجتهادي لتقوية جماعة المسلمين وسد الحاجات العامة، وأن العشر واجب ديني على المسلمين، فلا تنافي بينهما. وليس في الخراج معنى العقوبة، إذ لو كان عقوبة لما وجب على المسلم كالجزية.
وصرح الحنفية كابن عابدين (رد المحتار ٢/ ٦٧) وغيره بأن الأراضي الخراجية في مصر والشام، حيث صارت لبيت المال سقط عنها الخراج، لعدم من يجب عليه، والمأخوذ منها الآن أجرة لا خراج، ويصير العشر هو الواجب فيها.
أحد عشر - العاشر وضريبة العشور (١):
العاشر: من نصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار. فإذا حدث اختلاف بينه وبين التجار، فأنكر أحدهم تمام الحول، أو الفراغ من الدين، كان منكراً لوجوب الزكاة، والقول قول المنكر بيمينه.
стр. 1840
وكذا إذا قال: أديتها إلى عاشر آخر، أو أديتها أنا إلى الفقراء في بلدي، صدق بيمينه.
وما صدق فيه المسلم، صدق فيه الذمي، تخفيفاً عنه.
ومقدار ما يأخذه العاشر من المسلم: ربع العشر، ومن الذمي نصف العشر ومن الحربيين العشر، بدليل ما رواه محمد بن الحسن عن زياد بن حَدير، قال: «بعثني عمر بن الخطاب ﵁ إلى عين التمر مصدِّقاً، فأمرني أن آخذ من المسلمين من أموالهم إذا اختلفوا بها للتجارة ربع العشر، ومن أموال أهل الذمة نصف العشر، ومن أموال أهل الحرب العشر».
والأصل المقرر عند الحنفية في الأخذ من الحربيين: هو المعاملة بالمثل، فإن كانوا لا يأخذون أصلاً لا نأخذ منهم شيئاً، ليتركوا الأخذ من تجارنا، ولأنا أحق بمكارم الأخلاق، وإن مر حربي بخمسين درهماً لم يؤخذ منه شيء إلا أن يكونوا يأخذون منا من مثلها؛ لأن المأخوذ زكاة أو ضعفها، فلا بد من النصاب. وإن مر حربي بمئتي درهم (وهو نصاب الزكاة) ولا يعلم كم يأخذون منا، نأخذ منه العشر، لقول عمر ﵁: «فإن أعياكم فالعشر».
وإن مر حربي على عاشر، فعشره، ثم مرَّ مرة أخرى، لم يعشره حتى يحول الحول؛ لأن الأخذ في كل مرة استئصال المال، وحق الأخذ لحفظه، ولأن حكم الأمان الأول باق، وأما بعد الحول فيتجدد الأمان؛ لأنه لا يمكن من الإقامة في دارنا إلا حولاً، والأخذ بعده لا يستأصل المال.
فإن عشره، فرجع إلى دار الحرب، ثم خرج من يومه ذلك، عشره أيضاً؛ لأنه رجع بأمان جديد، وكذا الأخذ بعده لا يفضي إلى استئصال المال.
стр. 1841
وإن مر ذمي بخمر أو خنزير بنية التجارة وتبلغ القيمة مئتي درهم، عشر عند أبي حنيفة ومحمد الخمر من قيمتها دون الخنزير؛ لأن حق الأخذ للحماية، والمسلم يحمي خمر نفسه للتخليل، فكذا يحميها على غيره، ولا يحمي خنزير نفسه، بل يجب تسييبه بالإسلام، فكذا لا يحميه على غيره. وقال أبو يوسف: يعشرهما إذا مر بهما جملة، كأنه جعل الخنزير تبعاً للخمر، فإن مر بكل واحد على الانفراد، عشر الخمر دون الخنزير.
وقال الشافعي: لا يعشرهما؛ لأنه لا قيمة لهما.
وإن مر الحربي المضارب بمال غيره بمئتي درهم على العاشر، لم يعشرها؛ لأنه ليس بمالك ولا نائب عن المالك في أداء الزكاة، إلا أن يكون في المال ربح يبلغ نصيبه نصاباً، فيؤخذ منه؛ لأنه مالك له.
اثنا عشر - إخراج الزكاة وإسقاطها:
أبحث هنا موضوعات:
الأول - ركن الإخراج:
هو التمليك، لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام:١٤١/ ٦] والإيتاء هو التمليك، لقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة:٢٧٧/ ٢] فلا تتأدى بطعام الإباحة، وبما ليس بتمليك من بناء المساجد ونحو ذلك (١).
الثاني - كيفية الإخراج:
لا خلاف بين العلماء في أنه إذا كان المال الذي فيه الزكاة نوعاً واحداً، أخذ
стр. 1842
منه، جيداً كان أو رديئاً؛ لأن حق الفقراء يجب على طريقة المواساة، فهم بمنزلة الشركاء.
وإن كان أنواعاً، أخذ من كل نوع ما يخصه، في رأي الحنابلة والحنفية، وقال مالك: يؤخذ من الوسط، لا من الأعلى ولا من الأدنى، ولا من كل نوع، للمشقة، إلا أن يتطوع المزكي بدفع الأعلى.
وقال الشافعي: يؤخذ من كل نوع جزء منه، فإن عسر أخرج الوسط.
ولا يجوز اتفاقاً إخراج الرديء، لقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة:٢٦٧/ ٢] (١).
ولا يجوز أخذ الجيد عن الرديء، لقول النبي ﷺ : «إياك وكرائم أموالهم» (٢) إلا أن يتطوع رب المال بذلك.
الثالث - وقت إخراج الزكاة:
لا تؤخذ زكاة الحبوب إلا بعد التصفية، ولا زكاة الثمار إلا بعد الجفاف، بالاتفاق (٣)؛ لأنه أوان الكمال وحال الادخار، ومؤنة التصفية والحصاد والجفاف إلى حين الإخراج على المالك، ولا يحسب شيء منها من الزكاة بالاتفاق، لأن الثمرة كالماشية، ومؤنة الماشية وحفظها ورعيها والقيام عليها إلى حين الإخراج على صاحبها.
стр. 1843
فإن أخذ الساعي الزكاة قبل التجفيف فقد أساء، ويرده إن كان رطباً بحاله، وإن تلف رد مثله، وإن جففه وكان قدر الزكاة، فقد استوفى الواجب، وإن كان دونه أخذ الباقي، وإن كان زائداً رد الفضل.
وإن كان المخرج لها رب المال، لم يجزه، ولزمه إخراج الفضل بعد التجفيف؛ لأنه أخرج غير الفرض، فلم يجزه، كما لو أخرج الصغير من الماشية عن الكبار.
الرابع - تقدير الواجب في الثمار ب الخرص:
الخرص: الحزر والتخمين أي التقدير الظني بواسطة رجل عدل خبير.
وقد أنكر الحنفية الخرص؛ لأنه رجم بالغيب، وظن وتخمين لا يلزم به حكم، كما أنكروا القرعة، وإنما كان الخرص تخويفاً للأكره (الحراثين) لئلا يخونوا (١).
وقال الجمهور (٢): يسن خرص الثمار (التمر والعنب) دون غيرهما كالزيتون، إذا بدا صلاحها أو طيبها، لا قبله، وينبغي للإمام أن يبعث ساعيه إذا بدا صلاح الثمار ليخرصها ويعرف قدر الزكاة، ويعرِّف المالك ذلك. فإن لم يبعث الإمام أحداً فللمالك أن يأتي بعارف يخرص ما في بستانه من التمر والعنب، سواء أكان من شأنهما اليبس أم لا، كرطب وعنب مصر، ليضبط ما تجب الزكاة فيه منهما.
стр. 1844
ودليلهم: أن النبي ﷺ «كان يبعث على الناس من يخرُص عليهم كرومهم وثمارهم» وقال عَتَّاب بن أسيد: «أمر رسول الله ﷺ أن يُخْرَص العنب، كما يخرص النخل، فتؤخذ زكاته زبيباً، كما تؤخذ صدقة النخل تمراً» (١).
ترك الثلث أو الربع: ويدخل جميع الثمر في الخرص، ويترك الخارص عند الشافعية والحنابلة الثلث أو الربع توسعة على أرباب الأموال، لقوله ﷺ في حديث سهل بن أبي حثمة: «إذا خرصتم فخذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدَعوا الثلث، فدعوا الربع» (٢) ولا يترك عند الحنفية والمالكية شيء؛ لأن في إسناد حديث سهل راوياً لا يعرف حاله، كما قال ابن القطان.
الاكتفاء بخارص واحد: ويجزئ خارص واحد؛ لأن النبي ﷺ كان يبعث عبد الله بن رَوَاحة، فيخرُص النخل حين يطيب (٣)، ولم يذكر معه غيره، ولأن الخارص يفعل ما يؤديه اجتهاده إليه، فهو كالحاكم والقائف.
شروط الخارص - شرط الخارص: العدالة أو الأمانة؛ لأن الفاسق لا يقبل قوله، والحرية والذكورة؛ لأن الخرص ولاية، وليس الرقيق والمرأة من أهلها. ولابد أن يكون عالماً بالخرص؛ لأن الخرص اجتهاد، والجاهل بالشيء ليس من أهل الاجتهاد فيه.
صفة الخرص - صفة الخرص تختلف باختلاف الثمر: فإن كان نوعاً واحداً، فإنه يطيف بكل نخلة أو شجرة، وينظركم في الجميع رطباً أو عنباً، ثم يقدر
стр. 1845
ما يجيء منها تمراً. وإن كان أنواعاً، خرص كل نوع على حدته؛ لأن الأنواع تختلف، فمنها ما يكثر رطبه ويقل تمره، ومنها ما يكون بالعكس، وهكذا العنب.
فإذا خرص على المالك وعرَّفه قدر الزكاة، خيره الخارص بين أن يضمن قدر الزكاة، ويتصرف فيها بما شاء من أكل وغيره، وبين حفظها إلى وقت الجداد والجفاف.
فإن اختار حفظها ثم أتلفها بتفريطه، فعليه ضمان نصيب الفقراء بالخرص. وإن أتلفها أجنبي، فعليه قيمة ما أتلف. وإن تلفت بجائحة سماوية، سقط عن الملاك الخرص؛ لأنها تلفت قبل استقرار زكاتها، ويسقط من الزكاة بمقدار التالف، ويزكى الباقي إن لم يتلف الكل، وكان الباقي بمقدار النصاب.
وإن ادعى المالك هلاك الثمار أو تلفها بغير تفريطه، بسبب خفي كالسرقة، أو ظاهر كحريق أو برد أو نهب، صدق قوله بيمينه عند الشافعية، وبغير يمين عند الحنابلة.
خطأ الخارص: إذا أخطأ الخارص التقدير: فزاد أو نقص، يلزم المالك عند الإمام مالك بما قال الخارص، زاد أو نقص، إذا كانت الزكاة متقاربة؛ لأنه حكم واقع لا نقض له (١).
وقال الشافعية (٢): إن ادعى المالك حيف الخارص أو غلطه بما يبعد، أي لا يقع عادة من أهل المعرفة بالخرص كالربع مثلاً، لم يقبل قوله إلا ببينة. وإن كان بمحتمل، قبل في الأصح، وحط عنه ما ادعاه؛ لأنه أمين، فوجب الرجوع إليه في دعوى نقصه عند كيله؛ لأن الكيل يقين، والخرص تخمين، فالإحالة عليه أولى.
стр. 1846
وقال الحنابلة (١): إن ادعى رب المال غلط الخارص، وكان ما ادعاه محتملاً، قبل قوله بغير يمين، وإن لم يكن محتملاً مثل أن يدعي غلط النصف ونحوه، لم يقبل منه؛ لأنه لا يحتمل، فيعلم كذبه. وإن قال: لم يحصل في يدي غير هذا، قبل منه بغير يمين؛ لأنه قد يتلف بعضها بآفة لا نعلمها.
الخامس - ما تسقط به زكاة النبات:
قال الحنفية وغيرهم (٢): تسقط هذه الزكاة بعد الوجوب بهلاك الخارج من غير صنع المالك؛ لأن الواجب في الخارج، فإذا هلك هلك بما فيه، كهلاك نصاب الزكاة بعد الحول.
وإن استهلك الثمر أو الزرع: فإن استهلكه غير المالك، أخذ الضمان منه، وأدي عشره. وإن استهلك بعضه، أدى عشر القدر المستهلك من الضمان. وإن استهلك المالك أو استهلك البعض، بأن أكله، ضمن عشر الهالك، وصار ديناً في ذمته في قول أبي حنيفة.
وتسقط الزكاة عند الحنفية خلافاً لغيرهم بالردة؛ لأن في العشر معنى العبادة، والكافر ليس من أهل العبادة.
وكذلك تسقط هذه الزكاة عند الحنفية خلافاً للجمهور بموت المالك من غير وصية، إذا كان استهلك الخارج، كما في بقية أنواع الزكاة. أما إن كان الخارج قائماً بعينه، فيؤدى العشر منه في ظاهر الرواية عند الحنفية.
стр. 1847
المطلب الخامس - زكاة الحيوان أو الأنعام:
مشروعيتها، وشروطها، وأنواعها ونصاب كل نوع، وزكاة الخليطين في الماشية وغيرها، وأحكام متفرقة في زكاة الحيوان (هل تجب الزكاة في العين أم في الذمة؟ دفع القيمة في الزكاة، ضم أنواع الأجناس إلى بعضها، كون الفرع أو النتاج يتبع الأصل في الزكاة، المستفاد في أثناء الحول، الزكاة في النصاب دون العفو، ما يأخذه الساعي العامل أو الجابي).
أولاً - مشروعية زكاة الحيوان: تقررت فرضية زكاة الحيوان في السنة النبوية في أحاديث صحاح أو حسنة أشهرها اثنان:
الأول - حديث أبي بكر (١) المتضمن مقدار زكاة الإبل ونصابها، ومقدار زكاة الماشية ونصابها، وكيفية زكاة الخليطين، وما يخرج من زكاة المواشي وهو أوسط الأنواع، لا الهَرِمة والعوراء، والذكر إلا أن يشاء المصدِّق (٢)، وما يجوز أخذ بعضه عن بعض في الإبل، وكون زكاة الفضة (الرِّقة) ربع العشر.
والثاني - حديث معاذ المتضمن نصاب زكاة البقر (٣).
وأجمع العلماء على فرضية الزكاة في الأنعام (٤): الإبل والبقر والغنم
стр. 1848
الإنسية، لا في الخيل والرقيق والبغال والحمير والظباء، وأوجب أبو حنيفة الزكاة في الخيل، خلافاً للصاحبين، فإنهما قالا: لا زكاة في الخيل، وبرأيهما يفتى.
ثانياً - شروط وجوب زكاة الحيوان: اشترط الفقهاء لوجوب زكاة الحيوان خمسة شروط، على خلاف في بعضها، وهي ما يأتي (١):
١ - أن تكون الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم إنسية، لا وحشية، أما المتولد بين الإنسي والوحشي، كالمتولد من الشاة والظبي أو المتولد من البقر الأهلي والوحشي: فلا زكاة فيه عند الشافعية وفي المشهور عند المالكية؛ لأن الأصل عدم الوجوب، ولا نص ولا إجماع في ذلك إذ لا يطلق عليه اسم الشاة، وهو متولد من وحشي، فأشبه المتولد من وحشيين.
وقال الحنابلة: تجب فيه الزكاة كالمتولد بين سائمة ومعلوفة.
وقال الحنفية: إن كانت الأم أهلية، وجبت فيه الزكاة ويكمل به النصاب، وإلا فلا؛ لأن ولد البهيمة يتبع أمه (٢).
٢ - أن تكون الأنعام بالغة نصاباً شرعياً على النحو المبين في السنة، كما سيوضح في زكاة كل نوع.
стр. 1849
٣، ٤ - أن يحول عليها حول كامل في ملك صاحبها: بأن يمضي على تملكها عام كامل من بدء الملكية، ويبقى الملك فيها جميع الحول، فلو لم يمض الحول في ملكه، لم تجب عليه الزكاة، لحديث: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (١)، ولأنه لا يتكامل نماء المال قبل تمام الحول، وذلك إلا في النتاج فإنه يتبع الأمهات في الحول.
ولو زال الملك عن الماشية في الحول عن النصاب أو بعضه، ببيع أو غيره، فعاد بشراء أوغيره، أو بادل بمثله مبادلة صحيحة لا للتجارة، كإبل بإبل، أو بجنس آخر كإبل ببقر، استأنف الحول أي بدأ حولاً جديداً لانقطاع الحول الأول بما فعله، فصار ملكاً جديداً، فلا بد من حول جديد للحديث المتقدم.
٥ - كونها سائمة أي راعية في معظم الحول، لا معلوفة، ولا عاملة في حرث ونحوه، وهذا شرط عند الجمهور غير المالكية، لحديث: «في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون» (٢) وحديث «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة: شاة» (٣) وتقاس البقر على الإبل والغنم.
والسائمة عندالحنفية والحنابلة: هي التى ترعى العشب المباح في البراري في أكثر العام، بقصد الدر أو النسل أو التسمين، فإن أسامها (رعاها) للذبح أو الحمل أو الركوب أو الحرث، فلا زكاة فيها. وإن أسامها للتجارة ففيها زكاة التجارة. ولا يضر العلف اليسير؛ لأن للأكثر حكم الكل. ولو علفها نصف السنة أو أكثر من نصفها، فلا زكاة فيها.
стр. 1850
أما إن سامت (رعت) بنفسها بدون أن يقصد مالكها ذلك، فلا زكاة فيها عند الحنفية، وفيها الزكاة عند الحنابلة.
والسائمة عند الشافعية: أن يرسلها صاحبها للمرعى في كلأ مباح في جميع الحول أو في الغالبية العظمى منه، ولا يضر علف يسير تعيش بدونه بلا ضرر بيِّن كيوم أو يومين؛ لأن الماشية تصبر اليومين ولا تصبر الثلاثة غالباً، فإن علفت معظم العام، أو في مدة لا تعيش بدونه، أو تعيش في تلك المدة ولكن بضرر بيِّن، فلا تجب زكاتها، لوجود المؤنة (النفقة والمشقة).
ولو سامت بنفسها، أوبفعل الغاصب أو المشتري شراء فاسداً، أو كانت عوامل في حَرْث ونَضْح (حمل الماء للشرب) ونحوه، فلا زكاة في الأصح، لعدم إسامة المالك، وإنما اعتبر قصده دون قصد الاعتلاف؛ لأن السوم يؤثر في وجوب الزكاة، فاعتبر فيه قصده، والاعتلاف يؤثر في سقوطها، فلا يعتبر قصده؛ لأن الأصل عدم وجوبها. وبذلك يشترط عند الشافعية: أن يكون كل السوم من المالك، فلا زكاة فيما سامت بنفسها أو أسامها غير المالك.
ومذهب المالكية (١): أن الزكاة تجب في الأنعام، سواء أكانت سائمة (راعية) أم معلوفة، أم عوامل، لعموم حديث أبي بكر المتقدم في الإبل: «في كل خمس شاة».
ومنشأ الخلاف بين الرأيين كما بين ابن رشد: معارضة المطلق للمقيد، ومعارضة دليل الخطاب للعموم، ومعارضة القياس لعموم اللفظ، أما المطلق فحديث: «في كل أربعين شاة شاة» وأما المقيد فحديث «في سائمة الغنم الزكاة»
стр. 1851
فمن غلب المطلق على المقيد، وهم المالكية، قال: الزكاة في السائمة وغير السائمة. ومن غلَّب المقيد وهم الجمهور قال: الزكاة في السائمة منها فقط، وتغليب المقيد علي المطلق أشهر من تغليب المطلق على المقيد.
وأما دليل الخطاب (مفهوم المخالفة) فحديث «في سائمة الغنم» يقتضي ألا زكاة في غير السائمة، وعموم حديث «في أربعين شاةً شاةٌ» يقتضي أن السائمة في هذا بمنزلة غير السائمة، وقد أخذ المالكية بمبدأ أن عموم اللفظ أقوى من دليل الخطاب.
وأما القياس المعارض لعموم حديث «في أربعين شاة شاة»: فهو أن السائمة هي التي يتحقق مقصود الزكاة فيها وهو النماء والربح، وهو الموجود فيها أكثر ذلك، والزكاة إنما هي فضلات الأموال، والفضلات إنما توجد في الأموال السائمة، ولذلك اشترط فيها الحول، فالجمهور خصصوا بهذا القياس ذلك العموم، فلم يوجبوا الزكاة في غير السائمة. والمالكية لم يخصصوا ذلك، ورأوا أن العموم أقوى، فأوجبوا الزكاة في الصنفين جميعاً.
ورأيي أن قول الجمهور أصح، لاشتمال آخر الحديث صراحة على كون الماشية سائمة، وهو الذي يجب حمل أول الحديث عن الإبل عليه، إذ لا يعقل تعارض آخر الحديث مع أوله، فحديث أنس المتضمن كتاب أبي بكر في فرائض صدقة المواشي ذكر فيه أولاً مقادير زكاة الإبل، ثم ذكر فيه زكاة الغنم بلفظ «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومئة».
ثالثاً - أنواع الأنعام التي تجب فيها الزكاة ونصاب كل نوع منها:
تجب الزكاة في الإبل والبقر والغنم، وأوجب أبو حنيفة خلافاً لصاحبيه
стр. 1852
الزكاة في الخيول، والفتوى على قولهما أنه لا زكاة في الخيل إلا إذا كانت للتجارة
زكاة الإبل:
الإبل: الذكور والإناث، الكبار والصغار، والصغار تبع للكبار، والمقصود منها السوائم عند غير المالكية، وكذا المعلوفة عند المالكية: لا زكاة فيما دون خمس من الإبل بإجماع المسلمين، لقول النبي ﷺ : «ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل، فليس عليه فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها» وقال: «ليس فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقة» (١) وأجمع العلماء على أن في خمس من الإبل شاةً، وفي العشر شاتين، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه (٢)، لحديث أبي بكر المتقدم. ولا يجزئ في الغنم المخرجة في الزكاة إلا الجَذَع من الضأن والثني من المعز (٣)، فيخرج أحدهما بحسب غالب غنم البلد من المعز والضأن عند المالكية، ولا يتعين عند الجمهور غالب غنم البلد، لخبر «في كل خمس شاة» والشاة تطلق على الضأن والمعز.
وأجمعوا على أنه إذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين (٢٥ - ٣٥) ففيها بنت مخاض (وهي التي لها سنة من الإبل ودخلت في الثانية)، وأضاف الشافعية والمالكية: أو ابن لبون له سنتان إن فقدها.
стр. 1853
وفي ست وثلاثين إلى خمس وأربعين (٣٦ - ٤٥) بنت لبون (وهي ماأتمت سنتين ودخلت في الثالثة.
وفي ست وأربعين إلى ستين (٤٦ - ٦٠) حِقَّة (وهي ما أتمت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة).
وفي إحدى وستين إلى خمس وسبعين (٦١ - ٧٥) جَذَعة (وهي ما أتمت أربع سنين ودخلت في الخامسة) (١).
وفي ست وسبعين إلى تسعين (٧٦ - ٩٠) بنتا لبون.
وفي إحدى وتسعين إلى مئة وعشرين (٩١ - ١٢٠) حقتان، كما دلت كتب السنة في حديث أبي بكر ..
وفي مئة وإحدى وعشرين إلى مئة وتسع وعشرين (١٢١ - ١٢٩) ثلاث بنات لبون عند الجمهور.
وعند الحنفية: حقتان وشاة؛ لأنه إذا زادت عن مئة وعشرين تستأنف عندهم الفريضة، فيكون في الخمس من الإبل شاة مع الحقتين، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض مع الحقتين، فإذا بلغت مئة وخمسين فيكون فيها ثلاث حِقاق، فإذا زادت عن ذلك تستأنف الفريضة أيضاً على النحو المذكور، ففي الخمس شاة مع ثلاث حقاق إلخ.
ويخير الساعي لا المالك عند المالكية في (١٢١ - ١٢٩) بين حقتين وبين ثلاث
стр. 1854
بنات لبون إذا وجد الصنفان عند المزكي، أو فقدا، ويتعين عليه أخذ ما وجد عند رب المال من الحقتين أو ثلاث بنات اللبون.
وفي مئة وثلاثين فأكثر: في كل أربعين عند الجمهور بنت لبون، وفي كل خمسة حقة، لقول النبي ﷺ : «فإذا زادت على عشرين ومئة، ففي كل أربعين بنت
لبون» (١) وفي رواية الدارقطني: «إلى عشرين ومئة، فإذا زادت واحدة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقه».
وأما الحنفية فقالوا كما تقدم: إذا زادت عن مئة وعشرين تستأنف الفريضة في مواضع ثلاثة، أي أنه لا يجب فيما زاد على مئة وعشرين حتى تبلغ الزيادة خمساً، فإذا بلغت خمساً كان فيها شاة مع الواجب المتقدم، وهو الحقتان.
الموضع الأول: تستأنف الفريضة بعد الـ ١٢١:
ففي ١٢١ - ١٢٩ تجب حقتان وشاة.
وفي ١٣٠ - ١٣٤ تجب حقتان وشاتان.
وفي ١٣٥ - ١٣٩ تجب حقتان وثلاث شياه.
وفي ١٤٠ - ١٤٤ تجب حقتان وأربع شياه.
وفي ١٤٥ - ١٤٩ تجب حقتان وبنت مخاض.
والموضع الثاني: تستأنف الفريضة من ١٥٠.
ففي ١٥٠ - ١٥٤ يجب الفريضة من ١٥٠.
وفي ١٥٥ - ١٥٩ يجب ثلاث حقاق وشاة.
стр. 1855
وهكذا مع الثلاث حقاق يكون في الخمس شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، فإذا بلغت مئة وستاً وتسعين (١٩٦) ففيها أربع حقاق، إلى مئتين (٢٠٠).
والموضع الثالث: بعد المئتين تستأنف الفريضة أبداً كما تستأنف في الخمسين بعد المئة والخمسين (١٥٠) حتى يجب في كل خمسين حقة.
ولا تجزئ عندهم ذكور الإبل إلا بالقيمة للإناث، بخلاف البقر والغنم، فإن المالك مخير. ودليلهم على استئناف الفريضة: ما وجد في كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المتضمن ما يخرج من فرائض الإبل حتى عشرين ومئة: «فإذا كانت أكثر من عشرين ومئة، فإنها تعاد إلى أول فريضة الإبل» (١).
اتفق الفقهاء على أن ما بين الفريضتين من الفرائض المتقدمة وهو ما يسمى الأوقاص معفو عنه، فالخمس إلى التسع من الإبل فيها شاة واحدة، ولا شيء في مقابل الزائد عن الخمس، لما روى أبو عبيد عن يحيى بن الحكم أن النبي ﷺ قال: «إن الأوقاص لا صدقة فيها» ولأن العفو مال ناقص عن نصاب.
حالة مصادفة الفرضين: ذكر الشافعية (٢): أنه لو اتفق فرضان في الإبل كمئتي بعير، ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون، فالمذهب عندهم: لا يتعين أربع حقاق، بل هن، أو خمس بنات لبون؛ لأن المئتين أربع خمسينات أو خمس أربعينات، لحديث أبي داود وغيره عن كتاب رسول الله ﷺ : «فإذا كانت مئتين
стр. 1856
ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون، أيّ السنَّين وجدت أخذت» فإن وجد المالك بماله أحدهما أخذ منه، وإن لم يجد فله تحصيل ما شاء من النوعين بشراء أو غيره.
وإن وجد الفرضين معاً في ماله تعين الأغبط (أي الأنفع للمستحقين بزيادة قيمة أوغيرها)، ولا يجزئ غير الأغبط إن دلّس الدافع في إعطائه بأن أخفي الأغبط، وقصر الساعي، وإن لم يدلس الدافع ولم يقصر الساعي، فيجزئ المدفوع عن الزكاة مع وجوب قدر التفاوت بينه وبين قيمة الأغبط؛ لأنه لم يدفع الفرض بكماله، فوجب جبر نقصه.
الجبران حالة فقد أحد الفروض: من فقد واجبه، كأن لزمه بنت مخاض، فلم يجدها عنده، صعد إلى أعلى منه وأخذ من المدفوع له شاتين (١) أو عشرين درهماً (٢)، عملاً بما روى البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر المتقدم، أو نزل إلى أسفل من الواجب بدرجة وأعطى على حسب اختياره شاتين أو عشرين درهماً. وهذا رأي الشافعية والحنابلة (٣)، وقال الحنفية: يدفع المالك في هذه الحالة قيمة ما وجب عليه، أو يدفع ما دون السن الواجبة والفرق المطلوب من الدراهم، أو أخذ الساعي أعلى منها ورد الفضل (٤).
وله صعود درجتين وأخذ جبرانين، كإعطاء بنت مخاض بدل الحقة بشرط تعذر وجود الدرجة القربى في تلك الجهة، فلا يصعد عن بنت المخاض إلى الحقة، أو ينزل عن الحقة إلى بنت المخاض إلا عند تعذر بنت اللبون، لإمكان الاستغناء عن الجبران الزائد.
стр. 1857
واتفق الفقهاء على أنه يجوز أن يخرج المالك عن الواجب سناً أعلى من جنسه؛ لأنه زاد على الواجب من جنسه.
زكاة البقر:
ثبتت فرضية زكاة البقر كما تقدم بالسنة والإجماع، أما السنة فمنها حديث معاذ: «أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مُسِنَّة، أو عَدْله مَعَافرياً» (١) والتبيع: ذو الحول ذكراً كان أو أنثى، والمسنة: ذات الحولين، والمعافر: الثياب الممعافرية، نسبة إلى حي في اليمن تنسب إليهم هذه الثياب.
ومنها حديث أبي ذر: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا تؤدى زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت، وأسمن، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها، كلما نفذت أخراها، عادت عليها أولاها، حتى يقضى بين الناس» (٢).
ولا زكاة فيما دون الثلاثين من البقر، لحديث معاذ السابق، ولا زكاة عند الجمهور في غير السائمة، وعند المالكية: تجب الزكاة في المعلوفة والعوامل، كالإبل. والأرجح كما تقدم رأي الجمهور، لحديث: «ليس في البقر العوامل صدقة» (٣). ولأن صفة النماء معتبرة في الزكاة، ولا يوجد إلا في السائمة.
واتفق الفقهاء (٤) عملاً بحديث معاذ على أن أول نصاب البقر ومثله
стр. 1858
الجاموس ثلاثون، ففي ثلاثين إلى تسع وثلاثين (٣٠ - ٣٩) بقرة: تبيع أو تبيعة، وهو عند الجمهور: ما أتم السنة ودخل في الثانية، وعند المالكية: ما أتم سنتين ودخل في الثالثة، وذلك إذا حال عليها الحول.
وأوجب الحنفية الزكاة في البقر والجاموس ولو متولداً من وحشي وأهلية بخلاف عكسه، أي المتولد من أهلي ووحشية، كما بينت.
وفي أربعين إلى تسع وخمسين (٤٠ - ٥٩): مسنّة: وهي عند الجمهور ما أتمت السنتين ودخلت في الثالثة، وهي الثنية. وقال المالكية: هي ما أوفت ثلاث سنين ودخلت في الرابع. وأجاز الحنفية في هذا النصاب دفع مُسنِّ ذكر أو مسنة.
ثم في كل ثلاثين بدءاً من الستين تبيع، وفي كل أربعين مسنة. ففي (٦٠ - ٦٩): تبيعان أو تبيعتان، وفي (٧٠ - ٧٩): مسنة وتبيع، يدفع عن ٤٠ مسنة وعن ٣٠ تبيع، وفي (٨٠ - ٨٩) مسنتان، وفي (٩٠ - ٩٩) ثلاثة أتبعة، وفي مئة تبيعتان ومسنة، عن ٦٠ تبيعان، وعن ٤٠ مسنة، وهكذا يتغير الفرض في كل عشرة من تبيع إلى مسنة، عملاً بحديث معاذ.
وقال المالكية: في مئة وعشرين، يخير الساعي (آخذ الزكاة) بين أخذ ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة إذا وجد الصنفان معاً أو فقدا معاً. فإذا وجد أحدهما فقط عند المالك تعين أخذه.
العفو: وما بين الفريضتين عفو إلا فيما زاد على الأربعين إلى الستين، فيجب عند أبي حنيفة في الزيادة بقدر ذلك، ففي الواحدة: ربع عشر مُسِنَّة، وفي الاثنين: نصف عشر مسنة، وفي الثلاثة: ثلاثة أرباع عُشْر مسنة، وفي الأربع: عُشْر مسنَّة.
стр. 1859
وقال الصاحبان: وعلى رأيهما الفتوى، وقولهما هو المختار: لا شيء في الزيادة على الأربعين، حتى تبلغ إلى ستين، فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان ولا خلاف في أن الجواميس والبقر سواء لاتحاد الجنسية، إذ هو نوع منه.
ولا يخرج الذكر في الزكاة أصلاً إذا كانت الحيوانات ذكوراً وإناثاً؛ لأن الأنثى أفضل، لما فيها من الدر والنسل، إلا في البقر، لنص حديث معاذ السابق. فإن كان النصاب كله ذكوراً، أجزأ الذكر في جميع أنواع زكاة الحيوان من إبل أو بقر أو غنم؛ لأن الزكاة وجبت مواساة، فلا يكلفها من غير ماله
زكاة الغنم:
تشمل الضأن والمعز، ذكوراً وإناثاً:
وهي أيضاً واجبة بالسنة والإجماع كما تقدم، أما السنة فحديث أنس في كتاب أبي بكر المذكور فيه: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاةٍ: شاةٌ، فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين، ففيها شاتان، فإذا زادت على مئتين إلى ثلاث مئة، ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاث مئة، ففي كل مئةٍ: شاة».
فإذا كانت سائمة الرجل ناقصةً عن أربعين شاةً: شاةً واحدةً، فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها.
ولا يُجمع بين مُتفرِّق، ولا يُفرَّق بين مُجتَمِع خشية الصدقة (١). وما كان من
стр. 1860
خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية (١).
ولا يُخرج في الصدقة هَرِمة ولا ذات عُوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدِّق (٢).
وبناء عليه اتفق الفقهاء (٣) على أنه ليس فيما دون أربعين من الغنم السائمة أكثر السنة صدقة، لعدم بلوغ النصاب، ولا زكاة عند الجمهور في المعلوفة والعوامل؛ لأنها من الحوائج الأصلية. وسوى المالكية بين المعلوفة والسائمة في وجوب الزكاة.
فإذا كانت أربعين إلى مئة وعشرين (٤٠ - ١٢٠): شاة، وحال عليها الحول، ففيها شاة واحدة.
وفي مئة وإحدى وعشرين إلى مئتين (١٢١ - ٢٠٠): شاتان.
وفي مئتين وواحدة إلى ثلاث مئة وتسع وتسعين (٢٠١ - ٣٩٩): ثلاث شياه.
وفي أربع مئة (٤٠٠): أربع شياه.
ثم في كل مئة: شاة.
ولا خلاف في أن الضأن والمَعِز سواء في النصاب والوجوب وأداء الواجب،