ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون، أيّ السنَّين وجدت أخذت» فإن وجد المالك بماله أحدهما أخذ منه، وإن لم يجد فله تحصيل ما شاء من النوعين بشراء أو غيره.
وإن وجد الفرضين معاً في ماله تعين الأغبط (أي الأنفع للمستحقين بزيادة قيمة أوغيرها)، ولا يجزئ غير الأغبط إن دلّس الدافع في إعطائه بأن أخفي الأغبط، وقصر الساعي، وإن لم يدلس الدافع ولم يقصر الساعي، فيجزئ المدفوع عن الزكاة مع وجوب قدر التفاوت بينه وبين قيمة الأغبط؛ لأنه لم يدفع الفرض بكماله، فوجب جبر نقصه.
الجبران حالة فقد أحد الفروض: من فقد واجبه، كأن لزمه بنت مخاض، فلم يجدها عنده، صعد إلى أعلى منه وأخذ من المدفوع له شاتين (١) أو عشرين درهماً (٢)، عملاً بما روى البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر المتقدم، أو نزل إلى أسفل من الواجب بدرجة وأعطى على حسب اختياره شاتين أو عشرين درهماً. وهذا رأي الشافعية والحنابلة (٣)، وقال الحنفية: يدفع المالك في هذه الحالة قيمة ما وجب عليه، أو يدفع ما دون السن الواجبة والفرق المطلوب من الدراهم، أو أخذ الساعي أعلى منها ورد الفضل (٤).
وله صعود درجتين وأخذ جبرانين، كإعطاء بنت مخاض بدل الحقة بشرط تعذر وجود الدرجة القربى في تلك الجهة، فلا يصعد عن بنت المخاض إلى الحقة، أو ينزل عن الحقة إلى بنت المخاض إلا عند تعذر بنت اللبون، لإمكان الاستغناء عن الجبران الزائد.
стр. 1857
واتفق الفقهاء على أنه يجوز أن يخرج المالك عن الواجب سناً أعلى من جنسه؛ لأنه زاد على الواجب من جنسه.
زكاة البقر:
ثبتت فرضية زكاة البقر كما تقدم بالسنة والإجماع، أما السنة فمنها حديث معاذ: «أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مُسِنَّة، أو عَدْله مَعَافرياً» (١) والتبيع: ذو الحول ذكراً كان أو أنثى، والمسنة: ذات الحولين، والمعافر: الثياب الممعافرية، نسبة إلى حي في اليمن تنسب إليهم هذه الثياب.
ومنها حديث أبي ذر: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا تؤدى زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت، وأسمن، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها، كلما نفذت أخراها، عادت عليها أولاها، حتى يقضى بين الناس» (٢).
ولا زكاة فيما دون الثلاثين من البقر، لحديث معاذ السابق، ولا زكاة عند الجمهور في غير السائمة، وعند المالكية: تجب الزكاة في المعلوفة والعوامل، كالإبل. والأرجح كما تقدم رأي الجمهور، لحديث: «ليس في البقر العوامل صدقة» (٣). ولأن صفة النماء معتبرة في الزكاة، ولا يوجد إلا في السائمة.
واتفق الفقهاء (٤) عملاً بحديث معاذ على أن أول نصاب البقر ومثله
стр. 1858
الجاموس ثلاثون، ففي ثلاثين إلى تسع وثلاثين (٣٠ - ٣٩) بقرة: تبيع أو تبيعة، وهو عند الجمهور: ما أتم السنة ودخل في الثانية، وعند المالكية: ما أتم سنتين ودخل في الثالثة، وذلك إذا حال عليها الحول.
وأوجب الحنفية الزكاة في البقر والجاموس ولو متولداً من وحشي وأهلية بخلاف عكسه، أي المتولد من أهلي ووحشية، كما بينت.
وفي أربعين إلى تسع وخمسين (٤٠ - ٥٩): مسنّة: وهي عند الجمهور ما أتمت السنتين ودخلت في الثالثة، وهي الثنية. وقال المالكية: هي ما أوفت ثلاث سنين ودخلت في الرابع. وأجاز الحنفية في هذا النصاب دفع مُسنِّ ذكر أو مسنة.
ثم في كل ثلاثين بدءاً من الستين تبيع، وفي كل أربعين مسنة. ففي (٦٠ - ٦٩): تبيعان أو تبيعتان، وفي (٧٠ - ٧٩): مسنة وتبيع، يدفع عن ٤٠ مسنة وعن ٣٠ تبيع، وفي (٨٠ - ٨٩) مسنتان، وفي (٩٠ - ٩٩) ثلاثة أتبعة، وفي مئة تبيعتان ومسنة، عن ٦٠ تبيعان، وعن ٤٠ مسنة، وهكذا يتغير الفرض في كل عشرة من تبيع إلى مسنة، عملاً بحديث معاذ.
وقال المالكية: في مئة وعشرين، يخير الساعي (آخذ الزكاة) بين أخذ ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة إذا وجد الصنفان معاً أو فقدا معاً. فإذا وجد أحدهما فقط عند المالك تعين أخذه.
العفو: وما بين الفريضتين عفو إلا فيما زاد على الأربعين إلى الستين، فيجب عند أبي حنيفة في الزيادة بقدر ذلك، ففي الواحدة: ربع عشر مُسِنَّة، وفي الاثنين: نصف عشر مسنة، وفي الثلاثة: ثلاثة أرباع عُشْر مسنة، وفي الأربع: عُشْر مسنَّة.
стр. 1859
وقال الصاحبان: وعلى رأيهما الفتوى، وقولهما هو المختار: لا شيء في الزيادة على الأربعين، حتى تبلغ إلى ستين، فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان ولا خلاف في أن الجواميس والبقر سواء لاتحاد الجنسية، إذ هو نوع منه.
ولا يخرج الذكر في الزكاة أصلاً إذا كانت الحيوانات ذكوراً وإناثاً؛ لأن الأنثى أفضل، لما فيها من الدر والنسل، إلا في البقر، لنص حديث معاذ السابق. فإن كان النصاب كله ذكوراً، أجزأ الذكر في جميع أنواع زكاة الحيوان من إبل أو بقر أو غنم؛ لأن الزكاة وجبت مواساة، فلا يكلفها من غير ماله
زكاة الغنم:
تشمل الضأن والمعز، ذكوراً وإناثاً:
وهي أيضاً واجبة بالسنة والإجماع كما تقدم، أما السنة فحديث أنس في كتاب أبي بكر المذكور فيه: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاةٍ: شاةٌ، فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين، ففيها شاتان، فإذا زادت على مئتين إلى ثلاث مئة، ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاث مئة، ففي كل مئةٍ: شاة».
فإذا كانت سائمة الرجل ناقصةً عن أربعين شاةً: شاةً واحدةً، فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها.
ولا يُجمع بين مُتفرِّق، ولا يُفرَّق بين مُجتَمِع خشية الصدقة (١). وما كان من
стр. 1860
خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية (١).
ولا يُخرج في الصدقة هَرِمة ولا ذات عُوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدِّق (٢).
وبناء عليه اتفق الفقهاء (٣) على أنه ليس فيما دون أربعين من الغنم السائمة أكثر السنة صدقة، لعدم بلوغ النصاب، ولا زكاة عند الجمهور في المعلوفة والعوامل؛ لأنها من الحوائج الأصلية. وسوى المالكية بين المعلوفة والسائمة في وجوب الزكاة.
فإذا كانت أربعين إلى مئة وعشرين (٤٠ - ١٢٠): شاة، وحال عليها الحول، ففيها شاة واحدة.
وفي مئة وإحدى وعشرين إلى مئتين (١٢١ - ٢٠٠): شاتان.
وفي مئتين وواحدة إلى ثلاث مئة وتسع وتسعين (٢٠١ - ٣٩٩): ثلاث شياه.
وفي أربع مئة (٤٠٠): أربع شياه.
ثم في كل مئة: شاة.
ولا خلاف في أن الضأن والمَعِز سواء في النصاب والوجوب وأداء الواجب،
стр. 1861
ولا يؤخذ إلا الثني وهو ما تمت له سنة عند الجمهور، وشرط الشافعية في المعز أن يكون له سنتان، واكتفى الحنابلة في جذع الضأن أن يكون مما له ستة أشهر، فإن تطوع المالك بأفضل منها في السن، جاز، ودليل الحنابلة: ما رواه مالك عن سويد ابن غفلة قال: «أتانا مصدّق رسول الله ﷺ وقال: أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن، والثنية من المعز» قال إبراهيم الحربي: إنما أجزأ الجذع من الضأن لأنه يلقح، والمعز لايلقح، إلا إذا كان ثنياً.
واتفق الفقهاء على أن ما بين الفريضتين في كل الأحوال عفو، لا زكاة فيه.
والأصح عند الشافعية: أنه يجوز إخراج ضأن عن معز أو عكسه، بشرط رعاية القيمة، كأن تساوي ثنية المعز في القيمة جَذَعة الضأن، وعكسه، لاتحاد الجنس.
وأجاز الحنابلة أيضاً إخراج ثنية المعز (وهي ما لها سنة كاملة) عن جذع الضأن، وإخراج جذع الضأن (وهو ما له ستة أشهر فأكثر) عن ثنية المعز، ولا يجبر أحدهما عن الآخر بالقيمة، لعدم وروده.
زكاة الخيل والبغال والحمير:
لا شيء من الزكاة في البغال إجماعاً إلا أن تكون للتجارة؛ لأنها تصير من العروض التجارية، وتجب الزكاة أيضاً في الخيل إن كانت للتجارة بلا خلاف.
وأما الخيل غير التجارية: فقال أبو حنيفة (١): إذا كانت سائمة ذكوراً وإناثاً، أو إناثاً فقط، من أجل الدر والنسل، فتجب فيها الزكاة، وصاحبها بالخيار:
إن
стр. 1862
شاء أعطى عن كل فرس ديناراً، وإن شاء قوَّمها، وأعطى عن كل مئتي درهم خمسة دراهم كعروض التجارة، وأما ذكور الخيل السائمة منفردة فلا زكاة فيها، لعدم الرواية في السنة.
ودليله: حديث جابر: «في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم» (١)، وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵄ في صدقة الخيل: أن خيّر أربابها، فإن شاؤوا أدوا من كل فرس ديناراً، وإلا قوِّمْها، وخذ من كل مئتي درهم خمسة دراهم (٢).
وقال الصاحبان، وبقولهما يفتى: لا زكاة في الخيل ولا في شيء من البغال والحمير إلا أن تكون للتجارة. وهذا موافق لرأي بقية الأئمة (٣). بدليل حديث «ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه» (٤)، وقال أبو هريرة: سئل رسول الله ﷺ عن الحمير، فيها زكاة، فقال: ما جاءني فيها شيء إلا هذه الآية الفاذّة: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ [الزلزلة:٧/ ٩٩ - ٨] (٥) وروى علي حديث «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» (٦). وأما عمر فإنما أخذ منهم شيئاً تبرعوا به، وسألوا أخذه، وعوضهم عنه برزق عبيدهم. وهذا الرأي هو الصحيح. وبه يتبين أن ليس في الإسلام زكاة خيل وبغال وحمير.
стр. 1863
رابعاً - زكاة الخليطين في الماشية وغيرها: لا يتأثر وجوب الزكاة عند الحنفية بالخلطة أي الشركة؛ لأن ملك كل واحد دون النصاب، كما لو لم يختلط بغيره، فإذا اختلطا في نصابين بأن كان كل واحد منهما يملك أربعين من الغنم، وجبت على كل واحد منهما شاة، للحديث النبوي: «في أربعين شاةً شاةٌ».
وقال الجمهور: للخلطة في الماشية تأثير في الزكاة، فيزكى الخليطان زكاة المالك الواحد، إلا أن المالكية قالوا: إن اجتمع نصاب من مجموع حصة كليهما فلا زكاة عليهما، والخلطة إنما تؤثر إذا كان لكل واحد من الشركاء نصاب.
وتفصيل مذاهب الجمهور ما يأتي:
قال المالكية (١): خلطاء الماشية المتحدة النوع يكون حكمهم حكم المالك الواحد في الزكاة، كثلاثة لكل واحد أربعون من الغنم، فعليهم شاة واحدة، على كل ثلثها، فالخلطة أثرت فأوجذت التخفيف، أما لو كانوا متفرقين فعلى كل واحد شاة. وقد تؤدي الخلطة إلى التثقيل، كما لو كان لأحدهما مئة وشاة وللآخر مئة من الغنم وشاة، فعليهما ثلاث شياه، ولولا الخلطة لكان على كل منهما شاة واحدة، فالخلطة أوجبت الثالثة، فلا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق، خشية الزكاة.
ولا تؤثر الخلطة إلا إذا كان لكل واحد من الخليطين مقدار النصاب لو انفرد بنفسه، فإن اجتمع نصاب من مجموع الحصتين، فلا زكاة عليهما. وإن لم يكمل من مجموعهما نصاب فلا زكاة عليهما إجماعاً. وإن كان لأحدهما نصاب وللآخر أقل من نصاب، فيزكي صاحب النصاب وحده زكاة المنفرد.
стр. 1864
والاختلاط المؤثر يكون بتوافر شروط أربعة:
أولها - عدم نية الفرار من الزكاة بالاشتراك.
ثانيها - أن تكون ماشية كل واحد من الخليطين مما يضم بعضه إلى بعض كالضأن والمعز.
ثالثها - أن يكون كل واحد من الشريكين مخاطباً شرعاً بالزكاة: بأن يكون حراً، مسلماً، ملك نصاباً، تم حوله. فإن كان أحدهما تجب عليه الزكاة فقط والآخر كافر مثلاً، وجبت على الأول وحده، حيث توفرت الشروط. وإن حال الحول على ماشية أحدهما دون الآخر، زكى الآخر زكاة المنفرد.
رابعها - أن يتم الاختلاط في الراعى والفحل والدلو والمسرح والمبيت. بأن يكن لهما راع واحد أو أكثر، فيشتركان في الرعي، أو يتعاونان ولو لم يحتج لهما، ويتم التلقيح في الجميع بفحل واحد بإذنهما، وتشرب من ماء واحد مملوك لهما أو لأحدهما ولا يمنع الآخر، وتسرح معاً، وتبيت معاً، إلا أنه إذا تعدد المسرح أو المبيت بشرط الحاجة فلا يضر.
وقال الشافعية والحنابلة (١): إما أن تكون الخلطة أي الشركة في المواشي، أو في غيرها من الأموال.
أـ أما في غير المواشي وهي النقود (الأثمان) والحبوب والثمار وعروض التجارة، فلا تؤثر الخلطة فيها عند الحنابلة، لقوله ﷺ : «لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» لأنه إنما تكون الخلطة في الماشية، لأن فيها منفعة أحياناً وضرراً
стр. 1865
أحياناً، أما غير الماشية فلا يتصور فيها غير الضرر برب المال، لأنه تجب فيها الزكاة فيما زاد على النصاب بحسابه، فلا أثر لجمعها، أي لا يعفى منها شيء بعد النصاب، وعليه فتؤخذ من كل واحد منهم زكاته على انفراد إذا كان ما يخصه تجب فيه الزكاة.
وتؤثر الخلطة على الجديد في مذهب الشافعية في غير المواشي، لعموم الحديث السابق: «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة»، ولأنه مال تجب فيه الزكاة فأثرت الخلطة في زكاتها كالماشية، ولأن المالين كالمال الواحد في المؤن (التكاليف) من مخزن وناطور وغيرهما، فهي كالمواشي، فتخف المؤونة إذا كان المخزن والميزان والبائع واحداً. والخلاصة: إن الحنابلة قالوا: لا منفعة للشركاء في الشركة في غير الماشية، وقال الشافعية: المنفعة متوفرة، فيزكى المالان كالمال الواحد.
ب - أما الخلطة في المواشي: بأن اشترك أهل الزكاة في ماشية، فلها تأثير عند الشافعية والحنابلة في الزكاة إيجاباً وإسقاطاً وتشديداً وتخفيفاً، فتصير الأموال كالمال الواحد، للحديث السابق: «لا يجمع بين متفرِّق ولا يُفَرَّق بين مجتمع .. » نهى المالك عن التفريق وعن الجمع خشية وجوب الزكاة أو كثرتها، ونهى الساعي عنها خشية سقوطها أو قلتها.
والخلطة الجائزة المؤثرة نوعان: خلطة شيوع أو أعيان، وخلطة مجاورة أو أوصاف.
أما خلطة الأعيان: فهي أن يشترك أهل الزكاة في ماشية من جنس واحد بإرث أوشراء أو هبة أو غيره، وهي نصاب، أو أقل ولأحدهما نصاب فأكثر وداما على ذلك كإرث أخوين أربعين غنمة، أو شراء اثنين معاً ثلاثين بقرة. أو هي أن
стр. 1866
تكون الماشية مشتركة بينهما لكل واحد منهما منها نصيب مشاع، أي أن المالين هنا ممتزجان امتزاج شيوع، فلا يتميز أحدهما عما يملكه الآخر، وإنما لكل منهما جزء غير متعين من المال المملوك بنسبة ما يملك.
وأما خلطة المجاورة أو الأوصاف: وهي أن يكون مال كل واحد منهما مميزاً، فخلطاه واشتركا في الأوصاف التي نذكرها، سواء تساويا في الحصة أو اختلفا، مثل أن يكون لرجل شاة، ولآخر تسعة وثلاثون، أو يكون لأربعين رجلاً أربعون شاة، لكل واحد منهم شاة، أي أن المالين هنا غير ممتزجين، بل هما منفصلان متميزان.
فلا يشترط عندهم خلافاً للمالكية أن تكون حصة كل منهم قبل الاشتراك نصاباً، ولا تشترط نية الخلطة؛ لأن خفة المؤنة على الشركاء باتحاد المواقف لا تختلف قصداً وعدمه، أي أن المقصود بالخلطة من الارتفاق يحصل بدونها، ولأن النية لا تؤثر في الخلطة، فلا تؤثر في حكمهما. وإنما اشترط الاتحاد في أمور ليجمع المالان كالمال الواحد، ولتخف المؤنة على المحسن بالزكاة.
وهذه الشركة بنوعيها قد تفيد الشريكين تخفيفاً كالاشتراك في ثمانين شاة على السواء، أو تثقيلاً كالاشتراك في أربعين، أو تخفيفاً على أحدهما وتثقيلاً على الآخر، كأن ملكا ستين لأحدهما ثلثاها وللآخر ثلثها، وقد لا تفيد تخفيفاً ولا تثقيلاً كمئتين على السواء.
وتجب الزكاة في مال الشركة كما تجب في مال الرجل الواحد بشروط:
١ - أن يكون الشريكان من أهل وجوب الزكاة، ومن المعلوم أنه لا تجب الزكاة إلا على حر مسلم تام الملك.
стр. 1867
٢ - أن يكون المال المختلط نصاباً، فلا زكاة على ما لم يبلغ مقدار النصاب.
٣ - أن يمضي عليهما حول كامل، وإلا زكى كل منهما على انفراد بحسب مضي حوله، فإن كان لرجل أربعون شاة، ومضى عليهما بعض الحول، ثم باع بعضها مشاعاً، انقطع حول البائع فيما لم يبع، ويستأنفان حولاً جديداً من حين البيع.
٤ - ألا يتميز مال أحدهما عن الآخر في ستة أوصاف: المسرح، والمبيت (المُراح) والمشرب (مكان الشرب فقط)، والمحلب (موضع الحلب)، والفحل (١)، والراعي؛ لأنه إذا تميز مال كل واحد منهم بشيء مما ذكر، لم يصيرا كمال واحد، والقصد بالخلطة (الشركة): أن يصير المالان كمال واحد لتخف المؤنة (النفقة). ويجوز تعدد الرعاة قطعاً بشرط ألا تنفرد هذه عن هذه براع.
والأصل في هذه الشروط الحديث السابق: «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» ولأن المالين صارا كمال واحد في المؤن، فوجب أن تكون زكاته زكاة المال الواحد ويؤيد ذلك حديث آخر: «والخليطان: ما اجتمعا على الفحل والرعي والحوض» (٢) فنص على هذه الثلاثة، ونبّه على ما سواها.
стр. 1868
ما يأخذه الساعي من مال الشركة (الخلطة) والتراجع فيما بينهم بالحصص:
قال الشافعية في الأصح والحنابلة في ظاهر كلام أحمد (١): يأخذ الساعي فرض الزكاة من مال أي الخليطين إن شاء، سواء دعت الحاجة إلى ذلك أم لا، مثال الحاجة: أن تكون الفريضة عيناً واحدة، لا يمكن أخذها إلا من أحد المالين، ومثال عدم الحاجة: أن يجد فرض كل واحد من المالين فيه؛ لأن المالين بالخلطة جعلا كالمال الواحد في وجوب الزكاة، فوجب أن يجوز الأخذ منهما.
ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» وهما خشيتان: خشية رب المال من زيادة الصدقة، وخشية الساعي من نقصانها، فليس لأرباب الأموال أن يجمعوا أموالهم المتفرقة التي كان الواجب في كل واحد منها شاة، ليقل الواجب فيها، ولا أن يفرقوا أموالهم المجتمعة التي كان فيها باجتماعها فرض، ليسقط عنها بتفرقتها، وليس للساعي أن يفرق بين الخلطاء لتكثر الزكاة، ولا أن يجمعها إذا كانت متفرقة لتجب الزكاة.
ومتى أخذ الساعي الفرض من مال أحدهما، رجع على شريكه بقدر حصته من الفرض، وهذا رأي المالكية أيضاً (٢)، عملاً بالحديث السابق عن أنس: «ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية» فإذا كان لأحدهما ثلث المال، وللآخر ثلثاه، فأخذ الفرض من مال صاحب الثلث، رجع بثلثي قيمة المخرج على صاحبه، وإن أخذه من الآخر، رجع على صاحب الثلث بثلث قيمة المخرج.
стр. 1869
والقول قول المرجوع عليه مع يمينه إذا اختلفا، وعدمت البينة؛ لأنه غارم، فكان القول قوله، كالغاصب إذا اختلف مع المالك في قيمة المغصوب بعد تلفه.
وإن أخذ الساعي أكثر من الفرض بغير تأويل، مثل أن يأخذ شاتين مكان شاة، أو يأخذ جذعة مكان حقة، لم يكن للمأخوذ منه الرجوع إلا بقدر الواجب دون الزيادة؛ لأنه ظلمه، فلا يرجع به على غير الظالم.
وإن أخذ أكثر من الحق بتأويل سائغ، كأن يأخذ الصحيحة عن المراض، والكبيرة عن الصغار، فإنه يرجع على شريكه بنصف ما أخذ منه؛ لأن ذلك اجتهاد من السلطان، فلا ينقض ما فعله باجتهاده. وكذلك يرجع عليه إن أخذ منه قيمة الفرض؛ لأنه أخذها باجتهاده.
خامساً - أحكام متفرقة في زكاة الحيوان: ١ - هل تجب الزكاة في العين أو في الذمة؟ للفقهاء رأيان (١):
أـ قال الحنفية والمالكية والشافعي في مذهبه الجديد: الزكاةتجب في العين دون الذمة، فإذا هلك المال بعد وجوب الزكاة، ولو بعد مَنْع الساعي في الأصح عند الحنفية، سقطت الزكاة عنه، لأنه حق يتعلق بالمال، فيسقط بهلاكه، فيتعلق بعينه، كحق المضارب. وإذا هلك بعض المال سقط حظه من الزكاة.
أما الاستهلاك فلا يسقط الزكاة؛ لأنها بعد الوجوب بمنزلة الأمانة، فإذا استهلكها صاحبها ضمنها كالوديعة.
стр. 1870
ب - وقال الحنابلة: تجب الزكاة في الذمة بحلول الحول، وإن تلف المال فرط أو لم يفرط، وإذا حال الحول على مال ولم يؤد زكاته، وجب أداؤها لما مضى.
وفرع الشافعية أيضاً على مبدأ تعلق الزكاة بالعين دون الذمة: أنه إذا باع المالك مال الزكاة بعد وجوبها فيه، سواء أكان تمراً أم حباً أم ماشية أم نقداً أم غيره، قبل إخراجها، كان البيع باطلاً في قدر فرض الزكاة، وقدر الفرض للمساكين، فلا يجوز بيعه بغير إذنهم؛ لأنهم شركاء فيه.
وأجاز الحنفية والحنابلة بيع مال الزكاة، على أن يضمن البائع قدر الزكاة.
٢ - دفع القيمة في الزكاة:
أـ قال الحنفية (١) تفريعاً على مبدئهم أن الواجب في الزكاة جزء من النصاب إما صورة ومعنى، أو معنى فقط: يجوز دفع القيمة في الزكاة، وكذا في العشر والخراج وزكاة الفطرة والنذر والكفارة غير الإعتاق، وتعتبر القيمة يوم الوجوب عند الإمام أبي حنيفة، وعند الصاحبين: يوم الأداء، وفي السوائم يوم الأداء بالاتفاق بينهم، ويُقوَّم الواجب في البلد الذي فيه المال، فإن كان في مفازة ففي أقرب الأمصار إليه. ودليلهم أن الواجب أداء جزء من النصاب من حيث المعنى، وهو المالية، وأداء القيمة مثل أداء الجزء من النصاب من حيث إنه مال، ولأن في ذلك تيسيراً على المزكي، وتوفيراً لحرية الفقير في التصرف بالمال بحسب الحاجة.
وقد روي أن رسول الله ﷺ رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء (٢)، فغضب على المصدِّق (العامل)، وقال: ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس (٣)؟ فقال:
стр. 1871
أخذتها ببعيرين من إبل الصدقة، وفي رواية: ارتجعتها، فسكت رسول الله ﷺ . فأخذ البعير ببعيرين يكون باعتبار القيمة (١).
ب - وقال الجمهور (٢): لا يجزئ إخراج القيمة في شيء من الزكاة؛ لأن الحق لله تعالى، وقد علقه على ما نص عليه، فلا يجوز نقل ذلك إلى غيره، كالأضحية لما علقها على الأنعام، لم يجز نقلها إلى غيرها. وبعبارة أخرى: إن الزكاة قربة لله تعالى، وكل ما كان كذلك، فسبيله أن يتبع فيه أمر الله تعالى. وقال النبي ﷺ : «في أربعين شاة شاة، وفي مئتي درهم خمسة دراهم» وهو وارد بياناً لمجمل قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة:٢٧٧/ ٢] فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر» (٣) وهو نص يجب التزامه، ولا يتجاوز عنه إلى القيمة؛ لأنه يكون أخذاً من غير المأمور به في الحديث، ولأن مخرج القيمة قد عدل عن المنصوص، فلم يجزئه، كما لو أخرج الرديء مكان الجيد، وهذا كله يدل على أن الزكاة واجبة في العين.
قال الشافعية: لا يجوز أخذ القيمة في الزكاة إلا في خمس مسائل: زكاة التجارة، والجُبران (وهو شاتان أوعشرون درهماً في الإبل في حال عدم وجود الواجب)، وفي حالة إخراج الشاة عن الإبل دون الخمسة والعشرين، علماً بأن
стр. 1872
الشاة وإن لم تكن قيمة فهي بمعناها، وفي حالة جبر التفاوت بين الأغبط وغيره بنقد أو جزء من الأغبط فيما لو أخذ الساعي في اجتماع فرضين غير الأغبط باجتهاده بلا تقصير منه، ولا تدليس من المالك. وفي حالة صرف الإمام للمستحقين ما أخذه من النقد من المستحق الذي استغنى بدلاً عن زكاة تعجلها، ولم يقع المعجل الموقع المطلوب لاستغناء المستحقين.
وأرجح رأي الحنفية؛ لأن المقصود من الزكاة إغناء الفقير وسد حاجة المحتاج، وهذا يتحقق بأداء القيمة، كما يحصل بأداء جزء من عين المال المزكى، ولأن الفقير يرغب الآن في القيمة أكثر من رغبته في أعيان الأموال، ولأن إعطاء القيمة أهون على الناس وأيسر في الحساب.
٣ - ضم أنواع الأجناس إلى بعضها:
لا خلاف بين أهل العلم في ضم أنواع الأجناس، بعضها إلى بعض في إيجاب الزكاة (١)، فيضم المعز إلى الضأن، والجواميس إلى البقر، والبُخْت (٢) من الإبل إلى العِرَاب.
ويخرج المزكي عند الجمهور الزكاة من أي الأنواع أحبَّ، سواء دعت الحاجة إلى ذلك: بأن يكون الواجب واحداً، أو لا يكون أحد النوعين موجباً لواحد، أو لم تدع الحاجة: بأن يكون كل واحد من النوعين يجب فيه فريضة كاملة؛ لأنهما نوعا جنس واحد، من الماشية، فجاز الإخراج من أيهما شاء.
стр. 1873
فإن كانت عشرين ضأناً، وعشرين معزاً، أخذ من أحدهما ما يكون قيمته نصف شاة ضأن ونصف معز.
وقال الشافعية: إن اتحد نوع الماشية أخذ الفرض منه، كأن كانت إبله كلها من صفة واحدة أو بقرة كلها جواميس، ويجوز في الأصح أخذ ضأن عن معز أو عكسه بشرط رعاية القيمة. وإن اختلف النوع كضأن ومعز، فالأظهر أن يخرج المالك ما شاء من النوعين، مقسَّطاً عليهما بالقيمة، فإذا وجد ثلاثون عنزاً وعَشْر نَعَجات من الضأن، أخذ الساعي عنزاً، أو نعجة بقيمة ثلاثة أرباع عنز ورُبُع نعجة، وفي عنز بقيمة ثلاثة أرباع نعجة وربع عنز.
وبه يكون الشافعية في الحقيقة كباقي المذاهب إلا في مراعاة فرق القيمة بين المعز والضأن.
٤ - كون الفرع أو النتاج يتبع الأصل في الزكاة:
اتفق أئمة المذاهب الأربعة (١) على أن النتاج أو الفرع - أولاد الأنعام يتبع الأمهات في الحول، فكل ما نُتج أو تولد من الأمهات وتم انفصاله قبل تمام حول النصاب الأصلي ولو بلحظة، يزكى بحول الأصل، لقول عمر ﵁ لساعيه: «اعتد عليهم بالسخلة (٢) يروح بها الراعي على يديه، ولا تأخذها منهم» (٣)، ولأن الحول إنما اشترط لتكامل النماء الحاصل، والنتاج نماء في نفسه، فيجب أن يضم إليه في الحول كأموال التجارة.
стр. 1874
فعلى هذا إذا كان عنده مئة وعشرون من الغنم، فولدت واحدة منها سخلة قبل الحول بلحظة، والأمهات كلها باقية، لزمه شاتان.
أما لو انفصل النتاج بعد الحول أو قبله، ولم يتم انفصاله إلا بعده، كجنين خرج بعضه في الحول، ولم يتم انفصاله إلا بعد تمام الحول، لم يكن حول النصاب الأصلي حوله، لانقضاء حول أصله، ولأن الحول الثاني أولى به.
زكاة الصغار: يرى أبو حنيفة ومحمد أنه ليس في الفُصلان والحُملان والعجاجيل زكاة إلا أن يكون معها كبار ولو واحداً، ويجب ذلك الواحد ما لم يكن جيداً، فيلزم الوسط، وعلى هذا فإنه يشترط أن تبلغ الماشية سناً يجزئ مثله في الزكاة وهو السنة، بأن تكون كلها أو بعضها مسانّ، لأن السن يتغيربه الفرض، فكان لنقصانه تأثير في الزكاة كالعدد. وخالفهما باقي الأئمة فأوجبوا فيها الزكاة، لأن السخال تعد مع غيرها، فتعد منفردة كالأمهات، والعدد تزيد الزكاة بزيادته بخلاف السن.
٥ - الحيوان المستفاد في أثناء الحول:
قال الحنفية والمالكية (١): من كان له نصاب، فاستفاد في أثناء الحول شيئاً من جنسه بشراء أو هبة أو صدقة، ضمه إليه أي إلى النصاب، وزكاه معه، كربح مال التجارة ونتاج السائمة، ويعتبر حوله حول أصله، لأنه تبع له من جنسه، فأشبه النماء المتصل، وهو زيادة قيمة عروض التجارة. وإن لم يكن من جنسه لا يضم اتفاقاً.
وقال الشافعية والحنابلة (٢): لا يضم المملوك بشراء أو غيره كهبة أو إرث أو
стр. 1875
وصية إلى ما عنده، في الحول، وإنما يبدأ له حول جديد؛ لأنه ليس في معنى النتاج؛ لأن الدليل قد قام على اشتراط الحول، واستثني النتاج لقول عمر المتقدم، فبقي ما عداه على الأصل. ثم إن الأولاد والنتاج تابعة في الملك، فتملك بملك الأصل، بخلاف المستفاد.
ويتفرع على الخلاف: من كان عنده نصاب من النعم كخمس من الإبل، وثلاثين من البقر، وأربعين من الغنم فأكثر، فاستفاد بهبة أو صدقة، أو استحقاق في وقف، أو دين، أو بشراء قدر نصاب آخر أو ما يكمل نصاباً آخر، فإنه على رأي الحنفية والمالكية يضم للأول الذي كان عنده، ويزكيه معه، فيكون عليه شاتان بعد أن كان عليه واحدة مثلاً، أو تبيعان بعد أن كان عليه تبيع، أو حقة مثلاً.
ومثله: من كان عنده نصاب نقدي في بدء الحول، ثم قبض رواتب شهرية، فيضم ما يدخره ولو من آخر راتب إلى أصل النصاب، ويزكيه معه.
أما عند الشافعية والحنابلة، فإنه يكون للمستفاد أو المتجدد من الدخل حول مستقل على حدة، كل متجدد أو مدخر جديد له حوله.
٦ - الزكاة في النصاب دون العفو (الأوقاص):
الأوقاص: جمع وقص: وهو ما بين الفريضتين من كل الأنعام.
لا زكاة في الأوقاص، وهي عفو أي معفو عنها باتفاق المذاهب (١)، فلا تتعلق به الزكاة، بل تتعلق بالنصاب المقرر شرعاً فقط، لقوله ﷺ : «إن الأوقاص لا صدقة فيها» (٢)، ولأن العفو مال ناقص عن نصاب، يتعلق به فرض مبتدأ، فلم يتعلق به الوجوب قبله، كما لو نقص عن النصاب الأول.
стр. 1876
فما دون النصاب عفو، وما فوقه إلى حد آخر عفو، فلو هلك العفو، وبقي النصاب، بقي كل الواجب، كأن كان له تسع من الإبل، أو مئة وعشرون من الغنم، فهلك بعد الحول من الإبل أربع، ومن الغنم ثمانون، لم يسقط من الزكاة شيء.
٧ - ما يأخذه الساعي:
الساعي أو العامل أو المصدِّق: هو الموظف المخصص من الحاكم لجمع الزكاة وجبايتها من المالكين.
فإن كان في المال المزكى كرائم ولئام (١)، وسمان ومهازيل، وصحاح ومراض، وكبار وصغار، وجب الوسط بقدر قيمة المالين، طلباً للتعديل بينهما، وهو عند الحنفية أعلى الأدنى وأدنى الأعلى، فلا يؤخذ من خيار الأموال ولا من شرارها، ولا من الأولاد، فإن كانت كلها جياداً فجيد عند الحنفية (٢)، لقوله ﷺ في حديث معاذ المتقدم: «فإياك وكرائم أموالهم» وقوله أيضاً: «إن الله تعالى لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» (٣)، ولأن مبنى الزكاة على المواساة، وأخذ الصحيحة عن المراض مثلاً إخلال بالمواساة، ولأن فيه مراعاة لجانبي المالك والمستحق.
стр. 1877
وقد فرع الفقهاء بناء على هذا المبدأ تفريعات:
فقال الحنفية (١): ليس للساعي أن يأخذ الجيد ولا الرديء إلا من طريق التقويم برضا صاحب المال. ولا يؤخذ الرُّبَّى (التي وضعت وهي تربي ولدها، يعني قريبة العهد بالولادة)، ولا الماخض (التي قد حان ولادها أي في بطنها ولد)، ولا الأكولة (التي تسمن للأكل).
ويأخذ الساعي الوسط، سواء أكان النصاب من نوع واحد، أم من نوعين كالضأن والمعز، والبقر والجواميس، والعراب والبخت، والوسط: هو أن يكون أدنى من الأرفع، وأرفع من الأدون.
ولا يأخذ الذكر في زكاة الإبل، فتتعين الأنوثة في الواجب في الإبل من جنسها من بنت المخاض وبنت اللبون والحقة والجذعة، ولا يجوز الذكور منها وهو ابن المخاض وابن اللبون والحق والجذع، إلا بطريق التقويم؛ لأن الواجب المنصوص عليه هو الإناث، ودفع القيمة في الزكاة جائز عندهم.
أما في البقر فيجوز فيها الذكر والأنثى، لورود النص بذلك، كما تقدم.
وليس في الصغار والذكور وحدها زكاة، فإذا وجدت الصغار والكبار عدّت مع بعضها، ويجب فيها ما يجب في الكبار وهو المسنة.
وإذا فقد الساعي في مال المالك ما يجب أخذه، بأن وجب عليه سن فلم توجد عنده، أخذ أعلى منها وردّ الفضل (قيمة الزيادة عن المدفوع)، أو أخذ أدنى منها وأخذ الفضل، ولا يقدر عندهم بشيء؛ لأنه بحسب الأوقات غلاء ورخصاً (٢).
стр. 1878
وقال المالكية: يتعين على الساعي أخذ الوسط من الواجب، فلا يؤخذ من خيار الأموال ولا من شرارها، حتى ولو كان عند المزكي خيار فقط أو شرار فقط، إلا أن يرى الساعي أن أخذ المعينة أحظ للفقراء لكثرة لحمها مثلاً. ولا يؤخذ من الأولاد. وإذا تساوى عدد الضأن والمعز أو غيرهما، خيّر الساعي، فإن لم يتساويا أخذ من الأكثر، كثلاثين من الضأن وعشرة من المعز أو عكس ذلك، وكعشرين من البقر وعشرة من الجواميس، فيأخذ من الأكثر؛ لأن الحكم للغالب.
وقال الشافعية: لا تؤخذ مريضة، ولا معيبة، إلا من مثلها بأن كانت ماشيته كلها منها، ولا يؤخذ ذكر؛ لأن النص ورد في الإناث إلا إذا وجب كابن اللبون والتبيع في البقر، أو كانت ماشيته كلها ذكوراً في الأصح، كما تؤخذ المريضة والمعيبةمن مثلها. ويؤخذ من الصغار صغيرة في المذهب الجديد. ولا تؤخذ الرُّبَّى (الحديثة العهد بالنتاج) ولا الأكولة (المسمنة للأكل) ولا ماخض (حامل)، ولا فحل الغنم، ولا خِيار، لحديث معاذ السابق «إياك وكرائم أموالهم» ولقول عمر ﵁: «ولا تؤخذ الأكولة، ولا الربى، ولا الماخض، ولا فحل الغنم» إلا برضا المالك في جميع ما ذكر؛ لأنه محسن بالزيادة، وقد قال تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ [التوبة:٩١/ ٩].
وقد عرفنا أنه بالنسبة للجبران: إذا لم يجد الساعي الفرض المطلوب في الإبل كان للمالك الصعود والنزول درجة أو درجتين، فدفع الأعلى أو الأدنى مع أخذ الدافع شاتين أو عشرين درهماً، وذلك تخفيفاً على المالك، حتى لايكلف الشراء، والخيار في الشاتين أو العشرين درهماً للدافع سواء أكان مالكاً أم ساعياً، لحديث أنس في كتاب أبي بكر عند البخاري.
وقال الحنابلة: لايؤخذ في الصدقة تيس (ذكر) ولا هَرِمة، ولا ذات عوار
стр. 1879
((معيبة) إلا ما شاء المصدِّق أي العامل، بأن يرى ذلك بأن يكون جميع النصاب من جنس المذكورات، فيكون له أن يأخذ من جنس المال، فيأخذ هرمة (كبيرة) من الهرمات، وذات عوار من أمثالها، وتيساً من التيوس، كما قرر الشافعية، ودليلهم حديث أبي بكر عن أنس المتقدم.
ولا يجوز إخراج المعيبة عن الصحاح، وإن كثرت قيمتها، للنهي عن أخذها، ولما فيه من الإضرار بالفقراء.
ولا تؤخذ الرُّبَّى ولا الماخض ولا الأكولة، كما بينت في مذهب الشافعية، ولا تؤخذ السخلة الصغيرة إلا إذا كانت الماشية كلها صغاراً، فيجوز أخذ الصغيرة في الصحيح من المذهب، كما قرر الشافعية.
ورأيهم في الجبران كالشافعية أيضاً، فمن وجبت عليه سن في الزكاة فعدمها، خيِّر المالك دون الساعي، أو الفقير ونحوه في الصعود إلى ما يليها في ملكه، ثم إلى ما يليه إن عدمه، وفي النزول إلى ما يليها في ملكه ثم إلى ما يليه، إلى درجة ثالثة من فوق أو من أسفل، مع شاتين أو عشرين درهماً ويتضاعف الجبران مع زيادة الدرجة، ولا مدخل للجبران في غير الإبل؛ لأن النص إنما ورد فيها، فيقتصر عليه، وليس غيرها في معناها، لكثرة قيمتها، ولأن الغنم لا تختلف فريضتها باختلاف سنها، وما بين الفريضتين في البقر يخالف ما بين الفريضتين في الإبل، فامتنع القياس.
فمن عدم فريضة البقر أو فريضة الغنم، ووجد دونها، حرم إخراجها، ولزمه تحصيل الفريضة وإخراجها، وإن وجد أعلى منها فدفعها بغير جبران، قبلت منه، وإن لم يفعل أي يدفع الأعلى عن الواجب كُلِّف شراء الفريضة من غير ماله، لكونه طريقاً إلى أداء الواجب.
стр. 1880
المبحث السادس - هل تجب الزكاة في العمارات والمصانع، وكسب العمل والمهن الحرة؟
أوضحت في بحث زكاة النقود حكم زكاة الأسهم والسندات، ويخصص هذا المبحث لزكاة الدخل أو المورد الذي يحصل عليه الإنسان من طريق المباني المؤجرة والمعامل الصناعية، والأعمال والمهن الحرة. وفيه مطلبان:
المطلب الأول - زكاة العمارات والمصانع ونحوها:
اتجه رأس المال في الوقت الحاضر لتشغيله في نواحٍ من الاستثمارات غير الأرض والتجارة، وذلك عن طريق إقامة المباني أو العمارات بقصد الكراء، والمصانع المعدة للإنتاج، ووسائل النقل من طائرات وبواخر (سفن) وسيارات، ومزارع الأبقار والدواجن وتشترك كلها في صفة واحدة هي أنها لا تجب الزكاة في عينها وإنما في ريعها وغلتها أو أرباحها.
وبالرغم من أن جمهور فقهائنا لم ينصوا على وجوب الزكاة في هذا النوع من المستغلات، وقالوا: لا زكاة في دور السكنى وأثاث المنزل وأدوات الحرفة ودواب الركوب، كما ذكرت سابقاً، فإني أرى ضرورة الزكاة في غلة العقارات بشروطها الآتية، لوجود علة وجوب الزكاة فيها وهي النماء، والحكم يدورمع علته وجوداً وعدماً، ولتوفر حكمة تشريع الزكاة فيها أيضاً وهي التزكية والتطهير لأرباب المال أنفسهم، ومواساة المحتاجين، والمساهمة في القضاء على الفقر الذي يشغل أنظمة العالم الحاضرة.
وقد قرر مؤتمر علماء المسلمين الثاني ومؤتمر البحوث الإسلامية الثاني عام ١٣٨٥ هـ /١٩٦٥ م: أن الأموال النامية التي لم يرد نص ولا رأي فقهي بإيجاب الزكاة فيها حكمها كالآتي:
стр. 1881
لا تجب الزكاة في أعيان العمائر الاستغلالية والمصانع والسفن والطائرات وما أشبهها، بل تجب في صافي غلتها عند توافر شروط النصاب، وحولان الحول.
ومقدار الزكاة: هو ربع العشر في نهاية الحول، أي ربع عشر صافي الغلة في نهاية الحول (أي ٥،٢%) كزكاة التجارة والنقود. وفي الشركات لا ينظر إلى مجموع أرباح الشركات، وإنما ينظر إلى ما يخص كل شريك على حدة.
وهذا القرار يتفق مع المروي عن الإمام أحمد الذي يرى أنه تزكى هذه المستغلات من غلتها وإيرادها، ومع رأي بعض المالكية الذين يرون تزكية فوائد المستغلات عند
قبضها (١).
ويرى ابن عقيل الحنبلي والهادوية من الزيدية وجوب الزكاة في المستغل من كل شيء لأجل الاستغلال، فيشمل العقار المعد للكراء، وكل سلعة تؤجر وتعد للإجارة أي يقوم رأس المال في كل عام ويزكى زكاة التجارة (٢).
المطلب الثاني - زكاة كسب العمل والمهن الحرة:
العمل: إما حر غير مرتبط بالدولة كعمل الطبيب والمهندس والمحامي والخياط والنجار وغيرهم من أصحاب المهن الحرة.
وإما مقيد مرتبط بوظيفة تابعة للدولة أو نحوها من المؤسسات والشركات العامة أو الخاصة، فيعطى الموظف راتباً شهرياً كما هو معروف. والدخل الذي يكسبه كل من صاحب العمل الحر أو الموظف ينطبق عليه فقهاً وصف «المال المستفاد» (٣).
стр. 1882
والمقرر في المذاهب الأربعة أنه لا زكاة في المال المستفاد حتى يبلغ نصاباً ويتم حولاً، ويزكى في رأي غير الشافعية المال المدخر كله ولو من آخر لحظة قبل انتهاء الحول بعد توفر أصل النصاب.
ويمكن القول بوجوب الزكاة في المال المستفاد بمجرد قبضه، ولو لم يمض عليه حول، أخذاً برأي بعض الصحابة (ابن عباس وابن مسعود ومعاوية) وبعض التابعين (الزهري والحسن البصري ومكحول) ورأي عمر بن عبد العزيز، والباقر والصادق والناصر، وداود الظاهري. ومقدار الواجب: هو ربع العشر، عملاً بعموم النصوص التي أوجبت الزكاة في النقود وهي ربع العشر، سواء حال عليها الحول، أم كانت مستفادة. وإذا زكى المسلم كسب العمل أو المهنة عند استفادته أو قبضه لايزكيه مرة أخرى عند انتهاء الحول.
وبذلك يتساوى أصحاب الدخل المتعاقب مع الفلاح الذي تجب عليه زكاة الزروع والثمار بمجرد الحصاد والدياس.
المبحث السابع - مصارف الزكاة:
فيه مطلبان: الأول - مستحقو الزكاة، والثاني - أحكام متفرقة في توزيع الزكاة.
المطلب الأول - من هم مستحقو الزكاة؟ أولاً - دليل تحديدهم: نصت الآية القرآنية ٦٠ من سورة التوبة على أصناف ثمانية تستحق الزكاة وهي قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة
стр. 1883
قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، فريضة من الله، والله عليم حكيم﴾ [التوبة:٦٠/ ٩] فدلت على أنه تصرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية.
وروى الجماعة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن « .. فإن هم أطاعوك لذلك - أي الإقرار بوجوب الزكاة عليهم - فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم .. » دل على أن الزكاة تؤخذ من قبل الإمام من أغنياء المسلمين، وتصرف في فقرائهم، وكونها في فقرائهم استدل به لمذهب مالك وغيره بأنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد.
ثانياً - هل يجب تعميم الأصناف الثمانية؟ قال الشافعية (١): يجب صرف جميع الصدقات الواجبة سواء الفطرة وزكاة الأموال إلى ثمانية أصناف، عملاً بالآية الكريمة ﴿إنما الصدقات .. ﴾ [التوبة:٦٠/ ٩] أضافت الآية جميع الصدقات إلى هذه الأصناف بلام التمليك، وشركت بينهم بواو التشريك، فدلت على أن الصدقات كلها مملوكة لهم، مشتركة بينهم. فإن كان الذي يفرق الزكاة هو الإمام، قسمها على ثمانية أسهم، منها سهم العامل، وهو أول ما يبدأ به؛ لأنه يأخذه على وجه العوض، وأما غيره فيأخذه على وجه المواساة. وإن كان مفرق الزكاة هو المالك أو وكيله سقط نصيب العامل، وصرفت إلى الأصناف السبعة الباقية إن وجدوا، وإلا فللموجودين منهم، والمستحب أن يعم كل صنف إن أمكن، ولا يجوز أن يصرف لأقل من ثلاثة من كل صنف؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، فإن دفع لاثنين ضمن نصيب الثالث إلا العامل، فإنه يجوز أن يكون واحداً إن حصلت به الكفاية.
стр. 1884
والغالب وجوده الآن في البلاد أربعة: الفقير والمسكين والغارم وابن السبيل. وأجاز جمع من الشافعية دفع زكاة الفطر لثلاثة فقراء أو مساكين، واختار الرُّوياني من الشافعية صرف الزكاة إلى ثلاثة من أهل السهمان، قال: وهو الاختيار من حيث الفتوى لتعذر العمل بمذهبنا.
ومذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) (١): جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد، وأجاز الحنفية والمالكية صرفها إلى شخص واحد من أحد الأصناف. وندب عند المالكية صرفها إلى المضطر أي أشدهم حاجة على غيره. ويستحب صرفها في الأصناف الثمانية خروجاً من الخلاف وتحصيلاً للإجزاء يقيناً، ولا يجب الاستيعاب.
ودليلهم أن الآية تعني عدم جواز صرفها لغير هذه الأصناف، وأما فيهم فهي تدل على التخيير، أي إنها لبيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم، لا لتعيين الدفع فيهم.
وأما دليل جواز الاقتصار على شخص واحد من أحد الأصناف فهو أن الجمع المعرف بأل «الفقراء .. » ينبغي حملها على المجاز، وهو جنس الفقير، الذي يتحقق بواحد، لتعذر حملها على الحقيقة: وهو الاستغراق، أي الشمول لجميع الفقراء، إذ يصير المعنى أن كل صدقة لكل فقير، وهو غير معقول.
ثالثاً - بيان الأصناف الثمانية: مستحقو الزكاة هم ثمانية أصناف: وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها،
стр. 1885
والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل (١).
١ - أما الفقراء: أصحاب السهم الأول: فهم جمع فقير، والفقير في رأي الشافعية والحنابلة: هو من ليس له مال ولا كسب يقع موقعاً من كفايته، أو حاجته. فليس له زوج ولا أصل ولا فرع يكفيه نفقته، ولا يحقق كفايته مطعماً وملبساً ومسكناً كمن يحتاج إلى عشرة ولا يجد إلا ثلاثة، حتى وإن كان صحيحاً يسأل الناس أو كان له مسكن وثوب يتجمل به.
٢ - وأما المساكين أصحاب السهم الثاني فهم جمع مسكين: والمسكين: هو الذي يقدر على كسب ما يسد مسداً من حاجته، ولكن لا يكفيه، كمن يحتاج إلى عشرة وعنده ثمانية لا تكفيه الكفاية اللائقة بحاله من مطعم وملبس ومسكن.
فالفقير عند الشافعية والحنابلة: أسوأ حالاً من المسكين، فالفقير: هو من لا مال له ولا كسب أصلاً، أو كان يملك أو يكتسب أقل من نصف ما يكفيه لنفسه ومن تجب عليه نفقته (ممونه) من غير إسراف ولا تقتير. والمسكين: هو من يملك أو يكتسب نصف ما يحتاجه فأكثر، ولكن لم يصل إلى قدر كفايته. والمراد بالكفاية في حق المكتسب: كفاية يوم بيوم، وفي حق غيره: ما بقي من عمره الغالب وهو اثنان وستون سنة.
ودليلهم على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين: بداءة الله تعالى بذكر الفقراء، وإنما يبدأ عادة بالأهم فالأهم. وقال تعالى: ﴿أما السفنية فكانت لمساكين
стр. 1886
يعملون في البحر﴾ [الكهف:٧٩/ ١٨] فأخبر أن لهم سفينة يعملون فيها، وقد سأل النبي المسكنة واستعاذ من الفقر، فقال: «اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين» (١)، ولا يجوز أن يسأل شدة الحاجة، ويستعيذ من حالة أصلح منها. ولأن الفقير هو المفقور لغة: وهو الذي نزعت فقرة من فقار ظهره، فانقطع صلبه.
وقال الحنفية والمالكية: المسكين أسوأ حالاً من الفقير، كما نقل عن بعض أئمة اللغة، ولقوله تعالى: ﴿أو مسكيناً ذا متربة﴾ [البلد:١٦/ ٩٠] أي ألصق جلده بالتراب ليواري به جسده، مما يدل على غاية الضرر والشدة (٢)، ولأن المسكين: هو الذي يسكن حيث يحل، لأنه لا مسكن له، مما يدل على شدة الضرر والبؤس.
٣ - والصنف الثالث - العاملون عليها: وهم السعاة لجباية الصدقة، ويشترط فيهم العدالة والمعرفة بفقه الزكاة، ويدخل العاشر والكاتب وقاسم الزكاة بين مستحقيها وحافظ المال، والحاشر: الذي يجمع أرباب الأموال، والعريف: الذي يعرف أرباب الاستحاق. وعدّاد المواشي والكيال والوزان والراعي، وكل من يحتاج إليه في الزكاة لدخولهم في مسمّى «العامل» غير قاض ووال لاستغنائهما بمالهما في بيت المال. أما أجرة الكيل والوزن في حال تسليم الزكاة من المالك ومؤنة دفعها، فعلى المالك؛ لأن تسليمها عليه، فكذلك مؤنته. أما مؤنة ذلك حال الدفع إلى جباة الزكاة، فمن سهم العمال.
стр. 1887
والذي يعطى للعامل: هو بمثابة الأجرة على العمل، فيعطاها ولو كان غنياً، أما لو اعتبرت زكاة أو صدقة لما حلت للغني.
٤ - والصنف الرابع - المؤلفة قلوبهم: منهم ضعفاء النية في الإسلام، فيعطون ليتقوى إسلامهم. وهم نوعان: مسلمون وكفار.
أما الكفار فصنفان: صنف يرجى خيره، وصنف يخاف شره. وقد ثبت أن النبي ﷺ أعطى قوماً من الكفار، يتألف قلوبهم ليسلموا، ففي صحيح مسلم: أنه ﷺ أعطى أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس، وعباس بن مرداس، كل إنسان منهم مئة من الإبل. وأعطى أيضاً علقمة ابن علاثة من غنائم حنين (١).
واختلف العلماء في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة حال كونهم كفاراً، فقال الحنابلة والمالكية: يعطون ترغيباً في الإسلام؛ لأن النبي ﷺ «أعطى المؤلفة من المسلمين والمشركين».
وقال الحنفية والشافعية: لا يعطى الكافر من الزكاة لا لتأليف ولا لغيره، وقد كان إعطاؤهم في صدر الإسلام في حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم، وقد أعز الله الإسلام وأهله، واستغنى بهم عن تألف الكفار، ولم يعطهم الخلفاء الراشدون بعد رسول الله ﷺ ، قال عمر ﵁: «إنا لا نعطي على الإسلام شيئاً، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر».
وأما المسلمون من المؤلفة: فهم أصناف يعطون بسبب احتياجنا إليهم:
١ - ضعفاء النية في الإسلام: يعطون ليتقوى إسلامهم.
стр. 1888
٢ - الشريف المسلم في قومه الذي يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه، فقد أعطى النبي ﷺ أبا سفيان بن حرب وجماعة ممن ذكر، وأعطى الرسول ﷺ الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم، لشرفهما في قومهما.
٣ - المقيم في ثغر في ثغور المسلمين المجاورة للكفار، ليكفينا شر من يليه من الكفار بالقتال.
٤ - من يجبي الصدقات من قوم يتعذر إرسال ساع إليهم، وإن لم يمنعوها. وقد ثبت أن أبا بكر أعطى عدي بن حاتم حين قدم عليه بزكاته وزكاة قومه عام الردة.
وقد اختلف العلماء في بقاء سهم المؤلفة قلوبهم بعد النبي ﷺ : فقال الحنفية ومالك: قد سقط سهم المؤلفة بانتشار الإسلام وغلبته؛ لأن الله تعالى أعز الإسلام، وأغنى عنهم وعن استمالتهم إلى الدخول فيه. فيكون عدد الأصناف سبعة لا ثمانية، وذلك بإجماع الصحابة. قال مالك: لا حاجة إلى المؤلفة الآن لقوة الإسلام.
وقال الجمهور منهم خليل من المالكية: حكم المؤلفة باق لم ينسخ، فيعطون عند الحاجة، ويحمل ترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم: على عدم الحاجة إلى إعطائهم في خلافتهم، لا لسقوط سهمهم، فإن الآية من آخر ما نزل، وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر، كما ذكرت، ولأن المقصود من دفعها إليهم ترغيبهم في الإسلام لأجل إنقاذ مهجهم من النار، لا لإعانتهم لنا حتى يسقط بفشو الإسلام.
стр. 1889
٥ - والصنف الخامس - في الرقاب: وهم عند الحنفية والشافعية: المكاتبون (١) المسلمون الذي لا يجدون وفاء ما يؤدون، ولو مع القوة والكسب؛ لأنه لا يمكن الدفع إلى الشخص الذي يراد فك رقبته إلا إذا كان مكاتباً، ولو اشتري بالسهم عبيد، لم يكن الدفع إليهم، وإنما هو دفع إلى سادتهم، ولم يتحقق التمليك المطلوب في أداء الزكاة، ويؤكده قوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور:٣٣/ ٢٤] وفسر ابن عباس «في الرقاب» بأنهم المكاتبون.
وقال المالكية والحنابلة: يشترى بسهمهم رقيق، فيعتق؛ لأن كل موضع ذكرت فيه الرقبة، يراد بها عتقها، والعتق والتحرير لا يكون إلا في القن (العبد الخالص العبودية) كما في الكفارات.
وشرط إعطاء المكاتب هو كونه مسلماً، محتاجاً.
وبما أنه لا يوجد الآن في العالم رقيق، لإلغائه وتحريمه دولياً، فإن هذا السهم لا وجود له حقيقة، وما قد يوجد ليس له طريق شرعي جائز.
٦ - والصنف السادس - الغارمون: وهم المدينون، سواء استدان المدين عند الشافعية والحنابلة لنفسه أم لغيره، وسواء أكان دينه في طاعة أم معصية. فإن استدان لنفسه لم يعط إلا إذا كان فقيراً، وإن استدان لإصلاح ذات البين ولو بين أهل ذمة، بسبب إتلاف نفس أو مال أو نهب، فيعطى من سهم الغارمين، ولو كان غنياً، لقوله ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني إلا خمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليهم، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين إليه» (٢).
стр. 1890
وقال الحنفية: الغارم: من لزمه دين، ولا يملك نصاباً فاضلاً عن دينه. وقال المالكية: الغارم: هو من فدحه الدين للناس في غير سفه ولا فساد، أي من ليس عنده ما يوفي به دينه، إذا كان الدين في غير معصية كشرب خمر وقمار، ولم يستدن لأخذ الزكاة، كأن يكون عنده ما يكفيه وتوسع في الإنفاق بالدين لأجل أن يأخذ من الزكاة، فلا يعطى منها؛ لأنه قصد مذموم، بخلاف فقير استدان للضرورة، ناوياً الأخذ من الزكاة، فإنه يعطى قدر دينه منها لحسن قصده.
لكن إن تاب من استدان لمعصية، أو بقصد ذميم، فإنه يعطى على الأحسن.
٧ - والصنف السابع - في سبيل الله: وهم الغزاة المجاهدون الذين لا حق لهم في ديوان الجند؛ لأن السبيل عند الإطلاق هو الغزو، ولقوله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً﴾ [الصف:٤/ ٦١] وقوله: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ [البقرة:١٩٠/ ٢] وغير ذلك، فيدفع إليهم لإنجاز مهمتهم وعونهم ولو كانوا عند الجمهور أغنياء؛ لأنه مصلحة عامة. وأما من له شيء مقدر في الديوان فلا يعطى؛ لأن من له رزق راتب يكفيه، فهو مستغن به.
لكن لا يحج أحد بزكاة ماله، ولا يغزو (يجاهد) بزكاة ماله، ولا يُحَج بها عنه، ولا يُغْزى بها عنه لعدم الإيتاء المأمور به.
وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي في سبيل الله إلا إذا كان فقيراً.
والحج عند الحنابلة وبعض الحنفية من السبيل، فيعطى مريد الحج من الزكاة، لما روى أبو داود عن ابن عباس: «أن رجلاً جعل ناقة في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي ﷺ : اركبيها، فإن الحج من سبيل الله» فيأخذ مريد
стр. 1891
الحج من الزكاة إن كان فقيراً، ما يؤدي به فرض حج أو فرض عمرة، أو يستعين به في أداء الفرضين؛ لأنه يحتاج إلى إسقاط الفرض. وأما التطوع فله عنه مندوحة.
٨ - والصنف الثامن - ابن السبيل: هو المسافر أو من يريد السفر في طاعة غير معصية، فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة، والطاعة: مثل الحج والجهاد وزيارة مندوبة.
يعطى ابن السبيل ما يبلغ به مقصده، إذا كان محتاجاً في سفره، ولو كان غنياً في وطنه.
رابعاً - هل تعطى الزكاة لغير هذه الأصناف؟ اتفق جماهير فقهاء المذاهب (١) على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير من ذكر الله تعالى من بناء المساجد والجسور والقناطر والسقايات وكري الأنهار وإصلاح الطرقات، وتكفين الموتى، وقضاء الدين، والتوسعة على الأضياف، وبناء الأسوار وإعداد وسائل الجهاد، كصناعة السفن الحربية وشراء السلاح، ونحو ذلك من القرب التي لم يذكرها الله تعالى مما لا تمليك فيه؛ لأن الله قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة:٦٠/ ٩] وكلمة «إنما» للحصر والإثبات، تثبت المذكور وتنفي ماعداه، فلا يجوز صرف الزكاة إلى هذه الوجوه؛ لأنه لم يوجد التمليك أصلاً.
لكن فسر الكاساني في البدائع سبيل الله. بجميع القرب، فيدخل فيه كل
стр. 1892
من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجاً؛ لأن «في سبيل الله» عام في الملك، أي يشمل عمارة المساجد ونحوها مما ذكر، وفسر بعض الحنفية «سبيل الله بطلب العلم ولو كان الطالب غنياً». قال أنس والحسن: «ما أعطيت في الجسور والطرق، فهي صدقة ماضية».
وقال مالك: سبل الله كثيرة، ولكني لا أعلم خلافاً في أن المراد بسبيل الله ههنا الغزو.
خامساً - مقدار ما يعطى لمستحقي الزكاة: اختلف الفقهاء في مقدار ما يعطى للفقير والمسكين (١):
فقال الشافعية والحنابلة: يجوز أن يدفع إلى كل منهما ما تزول به حاجته أو كفايته من أداة يعمل بها إن كان فيه قوة، أو بضاعة يتجر فيها، حتى ولو احتاج إلى مال كثير للبضاعة التي تصلح له، ويحسن التجارة فيها؛ لأن الله أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعاً لحاجتهم وتحصيلاً لمصلحتهم، فالمقصود من الزكاة سد الخلة ودفع الحاجة، فيعطى الفقير والمسكين ما يحقق حاجته وهو كفاية سنة. وقال ﷺ في حديث قبيصة عند مسلم: «فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، أو سِداداً من عيش» والسداد: الكفاية.
وكره أبو حنيفة إعطاء إنسان نصاب الزكاة وهو قدر مئتي درهم، ويجزئ إعطاء أي قدر.
стр. 1893
وأجاز مالك إعطاء نصاب، ويرد الأمر إلى الاجتهاد، فإن الغرض إغناء الفقير حتى يصير غنياً. لكن لا يعطى عند المالكية أكثر من كفاية سنة.
ودليل أبي حنيفة ومالك أن الآية ليس فيها تحديد مقدار ما يعطى كل واحد من الأصناف.
وأما مقدار ما يعطى للعامل: فاتفق الفقهاء (١) على أنه يدفع إليه الإمام بقدر عمله، أي ما يسعه أو يكفيه وأعوانه بالوسط، مدة ذهابهم وإيابهم، لكن قيد الحنفية ذلك بألا يزاد على نصف ما يقبضه.
وأما ما يعطى للغارم: فبقدر ما عليه من الدين إذا كان في طاعة وفي غير سرف، بل في أمر ضروري.
وكذلك ابن السبيل: يعطى ما يوصله إلى بلده (٢).
سادساً - من سأل الزكاة وكان غير مستحق: هذه مسألة تشترك فيها الأصناف الثمانية كلها (٣)، وهي من سأل الزكاة وعلم الإمام أنه ليس مستحقاً، لم يجز له صرف الزكاة إليه. وإن علم استحقاقه، جاز الصرف إليه بلا خلاف.
وإن لم يعرف حاله فالصفات قسمان: خفية وجلية:
فالخفي: الفقر والمسكنة، فلا يطالب مدعيها ببينة لعسرها، فلو عرف له
стр. 1894
مال، وادعى هلاكه، لم يقبل إلا ببينة، ولو ادعى عيالاً فلا بد من البينة في الأصح.
والجلي: نوعان: أحدهما - يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في المستقبل، وذلك في الغازي وابن السبيل، فيعطيان بقولهما بلا بينة ولا يمين. ثم إن لم يحققا ما ادعيا، ولم يخرجا، استرد منهما ما أخذا، ويترصد للخروج بحسب المعتاد على وجه التقريب.
والثاني - يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في الحال، وهذا النوع يشترك فيه بقية الأصناف، فالعامل إذا ادعى العمل طولب بالبينة، وكذلك المكاتب والغارم. وأما المؤلف قلبه: فإن قال: نيتي ضعيفة في الإسلام، قبل قوله؛ لأن كلامه يصدقه، وإن قال: أنا شريف مطاع في قومي، طولب بالبينة. قال الرافعي من الشافعية: واشتهار الحال بين الناس قائم مقام البينة في كل من يطالب بها من الأصناف، لحصول العلم أو الظن بالاستفاضة.
سابعاً - شروط المستحقين أو أوصافهم: اشترط الفقهاء في مستحق الزكاة شروطاً خمسة هي ما يأتي (١):
١ - أن يكون فقيرا ً إلا العامل فإنه يعطى ولو كان غنياً لأنه يستحقه أجرة ولأنه فرغ نفسه لهذا العمل، فيحتاج إلى الكفاية، وإلا ابن السبيل إذا كان له في
стр. 1895
وطنه مال، فهو بمنزلة الفقير؛ لأن الحاجة هي المعتبرة، وهو الآن فقير يداً، وإن كان غنياً ظاهراً، وإلا المؤلف والغازي في رأي الشافعية والحنابلة.
والفقر شرط عام لصرف جميع الصدقات المفروضة والواجبة كالعشور والكفارات والنذور وصدقة الفطر، لعموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة:٦٠/ ٩].
وعليه لا يجوز صرف الزكاة وغيرها من الواجبات لغني، لقوله ﷺ : «لاتحل الصدقة لغني، ولا ذي مِرّة سوي» (١) وجاز دفع الزكاة لأربعة أو خمسة من الأغنياء: وهم العامل، والمؤلف، والغازي، والغارم لإصلاح ذات البين عند الشافعية والحنابلة، لقوله ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل، أو رجل اشتراها بماله، أوغاز في سبيل الله، أو لغارم، أو مسكين تُصدِّق عليه منها فأهدى منها لغني» (٢).
والغني عند الحنفية (٣): هو من ملك قدر نصاب فارغ عن حاجته الأصلية من أي مال. فيعطى من الزكاة من كان يملك أقل من نصاب شرعي، ولو كان صحيحاً قوياً قادراً على الكسب؛ لأنه فقير والفقراء هم المصارف، ولأن حقيقة الحاجة لا يوقف عليها، فأدير الحكم على دليلها وهو فقد النصاب، فلا بأس أن يعطى من الزكاة من له مسكن وما يتأثث به في منزله وخادم وفرس وسلاح وثياب البدن،