قضاء الحق قبل وقته: إذا حلف شخص أن يقضي حق غيره في وقت، فقضاه قبله، لم يحنث بيمينه عند الحنفية والحنابلة؛ لأن مقتضى هذه اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الوقت، فإذا قضاه قبله، فقد قضى قبل خروج الوقت، وزاد خيراً، ولأن مبنى الأيمان على النية، ونية هذا بيمينه أداء الحق قبل خروج الوقت.
وقال الشافعي - نقلاً عن ابن قدامة -: يحنث إذا قضاه قبله؛ لأنه ترك فعل ما حلف عليه مختاراً، فحنث كما لو قضاه بعده (١).
فعل بعض المحلوف عليه: إن حلف ليفعلن شيئاً، لم يبر عند الحنابلة إلا بفعل جميعه، وإن حلف ألا يفعله وأطلق، ففعل بعضه، ففيه روايتان عند الحنابلة، أرجحهما أنه يحنث بفعل البعض (٢).
المبحث الثاني - صيغة اليمين:
تنقسم اليمين بحسب اللفظ المقسم به إلى خمسة أنواع:
١ - يمين بالله تعالى صراحة باستعمال اسم من أسماء الله الحسنى.
٢ - يمين بالله تعالى صراحة باستعمال صفة من صفات الله.
٣ - يمين بالله تعالى بطريق الكناية.
٤ - يمين بالله تعالى من حيث المعنى.
٥ - يمين بغير الله تعالى صورة ومعنى.
стр. 2382
١ - اليمين باسم من أسماء الله تعالى:
إن الحلف المباح: هو الحلف بالله تعالى، وإن الحالف بغير الله عاص، وقد اتفق العلماء على إباحة الأيمان بأسماء الله سبحانه، سواء أكان الاسم خاصاً لا يطلق إلا على الله تعالى نحو: الله، والرحمن، أم مشتركاً في الإطلاق على الله تعالى وعلى غيره كالعليم والحكيم والكريم والحليم ونحو ذلك؛ لأن هذه الأسماء وإن أطلقت على المخلوقات إلا أنها تنصرف إلى الخالق بدلالة القسم، إذ القسم بغير الله تعالى لا يجوز، فكان المراد بالاسم اسم الله تعالى.
حروف القسم: هي الباء، والواو، والتاء، كأن يقول الحالف: بالله، أو والله، أوتالله، وهو بحسب استعمال العرب، وقد ورد الشرع بتأييد اللغة مثل قوله تعالى: ﴿والله ربِّنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام:٢٣/ ٦] ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ [الأنبياء:٥٧/ ٢١] ﴿وأقسموا بالله﴾ [فاطر:٤٢/ ٣٥] وقال ﷺ : «والله لأغزون قريشاً - ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: إن شاء الله» (١)، وقال ﵇ فيما يرويه عمر: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت» قال عمر: «فما حلفت بها بعد ذلك ذاكراً ولا آثراً» (٢).
стр. 2383
والباء والواو يستعملان في جمع ما يقسم به من أسماء الله تعالى وصفاته. أما التاء فإنه لا يستعمل إلا في اسم الله تعالى، تقول: تالله، ولا تقول: تالرحمن، تعزة الله تعالى.
ولو لم يذكر الحالف شيئاً من هذه الأدوات بأن قال: (اللهِ لا أفعل كذا) يكون يميناً عند الجمهور. وقال الشافعية: لو قال: (الله) ورفع أو نصب أو جر فليس بيمين إلا بنية (١).
٢ - اليمين بصفة من صفات الله تعالى:
صفات الله تعالى ثلاثة أقسام:
أحدها - ما لا يستعمل في عرف الناس وعاداتهم إلا في الصفة نفسها، فالحلف بها يكون يميناً، مثل: «وعزة الله، وعظمته، وجلاله، وكبريائه» يكون حالفاً؛ لأن الحلف بهذه الصفات أمر متعارف بين الناس.
الثاني - أن يحلف بصفة تستعمل صفة لله ولغيره على السواء، فالحلف بها يكون يميناً أيضاً، مثل (وقدرة الله تعالى، وقوته وإرادته، ومشيئته ورضاه، ومحبته، وكلامه) (٢) فإنه يكون حالفاً؛ لأن هذه الصفات، وإن استعملت في غير صفة الله، لكن تعين المراد منها بقرينة القسم، إذ لا يجوز القسم بغير اسم الله تعالى وصفاته.
стр. 2384
ومما يلحق بهذا القسم: أن يقول الحالف: (وأمانة الله) في ظاهر الرواية عند الحنفية، وهو مذهب المالكية والحنابلة أيضاً. وذكر الطحاوي: أنه لايكون يميناً وإن نوى، دليله: أن أمانة الله فرائضه التي تعبد بها عباده من الصلاة والصوم وغيرهما. قال الله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال .. ﴾ [الأحزاب:٧٢/ ٣٣] الآية، فكان حلفاً بغير اسم الله ، فلا يكون يميناً.
ودليل ظاهر الرواية: أن الأمانة المضافة إلى الله تعالى عند القسم يراد بها صفته، بدليل أن «الأمين» من أسماء الله تعالى، وهو مشتق من الأمانة، فكان المراد بها - لا سيما في حالة القسم - صفة الله.
وقال المالكية: اليمين المنعقدة الموجبة للكفارة: الحلف بالله وبأسمائه كالعزيز والرحيم، وبصفاته كعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه ووحدانيته، وقدمه وبقائه وعزته وجلاله وعهده وميثاقه وذمته وكفالته وأمانته، وكذلك باسمه وحقه. ويلحق بذلك القرآن والمصحف على المشهور.
وقال الشافعية في الراجح عندهم: لا ينعقد اليمين بأمانة الله إلا أن ينوي الحلف بصفة الله تعالى؛ لأن الأمانة تطلق على الفرائض والودائع والحقوق، كما في الآية السابقة.
ومن هذا القسم: (وعهد الله) (١) فهو يمين، وهذا باتفاق الحنفية والمالكية والحنابلة، وفي وجه عند الشافعية؛ لأن العادة الحلف بها والتغليظ بألفاظها كالحلف بالله وصفات، وفي الوجه الثاني عند الشافعية وهو الراجح: لا تعتبر يميناً ما لم ينو الحالف بها اليمين؛ لأنها تحتمل أن المراد بالعهد: هو استحقاق الله ما
стр. 2385
تعبدنا به، فهو يمين، وتحتمل أن المراد بها ما أخذ علينا من العهد في العبادات، فليس بيمين، لأنه يمين بشيء محدث (١).
ومن هذا القسم أيضاً: (ووجه الله) فهو يمين؛ لأنه الوجه المضاف إلى الله تعالى يراد به الذات، قال تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص:٨٨/ ٢٨] أي ذاته.
ولو قال الحالف: (وأيم الله) كان يميناً وكذلك إذا قال: (لعمر الله) (٢).
وقال الشافعية لو قال: (وأيم الله) أو (لعمر الله) ونوى به اليمين، كان يميناً (٣).
وقال المالكية والحنابلة كالحنفية: إذا قال الحالف: (وأيم الله) أو (أيمن الله) أي بركته، فهو يمين تجب كفارته؛ لأن الحلف بذلك متعارف، وكذا إذا حلف بقوله (لعمر الله) (٤).
الثالث - أن يحلف بصفة تستعمل لله تعالى، ولغيره، لكن استعمالها في غير الصفة هو الغالب، فالحلف بها لا يكون يميناً، مثل قول الحالف: (وعلم الله) (ورحمة الله)، (وكلام الله) أو غضبه أو سخطه أو رضاه (٥)، لا يكون هذا يميناً؛
стр. 2386
لأنه يراد بهذه الصفات آثارها عادة، لا نفسها، فالعلم يراد به المعلوم غالباً، والرحمة يراد بها الجنة، قال تعالى: ﴿ففي رحمة الله هم فيها خالدون﴾ [آل عمران:١٠٧/ ٣] والغضب والسخط يراد به أثر الغضب والسخط عادة:
وهو العذاب والعقوبة، لا الصفة نفسها، فلا يصير بذلك حالفاً إلا إذا نوى به الصفة، وكذا العرب لم تتعارف القسم بعلم الله تعالى، فلا يكون يميناً بدون النية (١). والخلاصة: أن المعول عليه هو العرف، فما تعارفه الناس أنه يمين فهو يمين وإلا فلا.
وقال الشافعية والحنابلة: الحلف بكلام الله وعلمه وقدرته يمين إلا أن ينوي بالعلم المعلوم، وبالقدرة المقدور، كما يقال: (اللهم اغفر لنا علمك فينا) أي معلومك منا ومن زلاتنا. ويقال: انظر (قدرة الله) أي مقدوره (٢).
الحلف على المصحف: الحلف على القرآن أو المصحف يمين باتفاق العلماء من مالكية وشافعية وحنابلة، وكذا عند الحنفية على ما رجحه الكمال بن الهمام والعيني؛ لأن الحالف بالمصحف إنما قصد الحلف بالمكتوب فيه: وهو القرآن، فإنه ما بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين. وذلك إلا أن يريد الحالف بقوله (القرآن) الخطبة أو الصلاة، أو يريد بقوله (المصحف) الورق أو الجلد أو النقوش. وقد كان الحنفية يرون أن الحلف بالقرآن أو المصحف ليس يميناً، لأنه حلف بغير الله تعالى. ولكن بما أن القرآن كلام الله فهو من صفاته تعالى، لذا قال ابن الهمام: ولا يخفى أن الحلف بالقرآن الآن متعارف، فيكون يميناً، وقال العيني: وعندي أن المصحف يمين، لا سيما في زماننا (٣).
стр. 2387
ومن حلف بحق القرآن، لزمته عند الجمهور كفارة واحدة؛ لأن تكرر اليمين بالله سبحانه لا يوجب أكثر من كفارة واحدة، فالحلف بصفة من صفاته أولى أن تجزئه كفارة واحدة. ونص الإمام أحمد على أنه تلزمه بكل آية كفارة يمين، لما رواه الأثرم عن مجاهد من قوله ﷺ : «من حلف بسورة من القرآن، فعليه بكل آية كفارة يمين صبر، فمن شاء بر، ومن شاء فجر».
الحلف بحق الله: اتفق المالكية والحنابلة، والشافعية في الأصح على أن الحلف بحق الله يعتبر يميناً مكفَّرة؛ لأن الحق اسم من أسماء الله تعالى، أو أن المراد به صفة لله تعالى؛ لأن لله حقوقاً يستحقها لنفسه من البقاء والعظمة والجلال والعزة، فكان الحلف بذلك كقوله: (وقدرة الله) (١).
وأما مذهب الحنفية في الحلف بحق الله ففيه اختلاف: فقال أبو حنيفة ومحمد وفي رواية عن أبي يوسف: لا يكون يميناً؛ لأن حق الله يراد به طاعة الله ومفروضاته، وليست هذه صفة لله، إذ الطاعات حقوقه كما يتبادر إلى الفهم شرعاً وعرفاً، فيكون حلفاً بغير الله.
وقالوا: فلو قال (والحق) يكون يميناً بالاتفاق. ولو قال: (حقاً) لا يكون يميناً؛ لأن الحق من أسماء الله تعالى، قال سبحانه: ﴿ويعلمون أن الله هو الحق المبين﴾ [النور:٢٥/ ٢٤] فذكره معرفاً بأل ينصرف إلىه، والحلف به متعارف. أما إذا ذكر منكَّراً بدون أل فهو مصدر منصوب بفعل مقدر، فكأنه قال: أفعل هذا الفعل لا محالة، فيراد به تحقيق الوعد، فقوله (حقاً) بمنزلة قوله: (صدقاً) وليس في ذلك شيء من معنى الحلف.
стр. 2388
والرواية الأخرى عن أبي يوسف: أن الحلف بحق الله يكون يميناً؛ لأن الحق من صفات الله تعالى، وهو حقّيته أي كونه تعالى ثابت الذات موجودها، فكأنه قال: (والله الحق) والحلف به متعارف، فوجب كونه يميناً (١) وهذا هو رأي بقية الأئمة كما عرفنا.
الحلف بـ (لعمر الله): هي يمين موجبة الكفارة عند الجمهور؛ لأنه أقسم بصفة من صفات ذات الله، كالحلف ببقاء الله تعالى. وقال الشافعي: إن قصد اليمين فهي يمين وإلا فلا. وإن قال: (وأيم الله وأيمن الله) فهي عند الجمهور يمين موجبة للكفارة. وقال الشافعي: هي يمين إن قصد اليمين كما تقدم سابقاً (٢).
الحلف بلفظ (أقسم بالله ونحوه): إذا قال الحالف: (أقسم بالله، أو أحلف بالله أو أشهد بالله أو أعزم بالله لأفعلن كذا)، يكون يميناً، سواء نوى اليمين أو أطلق عند الحنفية والحنابلة، وفي الأصح عند الشافعية في حالة الإطلاق.
وقال المالكية: يكون يميناً إن نوى وأراد اليمين بالله، فإن لم يرد اليمين بالله فليست بيمين. والمراد بالنية: التقدير أي إن قدر أن هذا اللفظ يمين، فإذا لم يقدره ويلاحظه فلا يمين عليه.
والدليل على أن الحلف بذلك يمين هو عرف الناس واستعمالهم، قال الله تعالى: ﴿فيقسمان بالله﴾ [المائدة:١٠٦/ ٥] ﴿وأقسموا بالله﴾ [الأنعام:١٠٩/ ٦] ويدل عليه أنه لو قال الحالف: بالله ولم يقل: أقسم أو أشهد: أي لم يذكر الفعل، كان يميناً، وإنما كان يميناً بتقدير الفعل قبله؛ لأن الباء تتعلق بفعل مقدر، فإذا ذكر الفعل ونطق بالمقدَّر كان أولى بثبوت حكمه.
стр. 2389
وكذلك الحكم إن ذكر الفعل بلفظ الماضي، فقال: (أقسمت بالله أو حلفت بالله لأفعلن كذا)، يكون يميناً (١).
الحلف على الغير: قال الشافعية وغيرهم (٢): إذا قال شخص لغيره: (أقسم عليك بالله، أو أسألك بالله لتفعلن كذا)، وأراد يمين نفسه فهو يمين، ويسن للمخاطب أن يبر الحالف، لما روى البخاري «أن النبي ﷺ أمر بإبرار المقسم» وهذا على سبيل الندب لا على سبيل الإيجاب، بدليل أن أبا بكر قال: «أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بما أصبت مما أخطأت، فقال النبي ﷺ : لا تقسم يا أبا بكر» ولم يخبره، ولو وجب عليه إبراره لأخبره، فإن لم يبره فالكفارة على الحالف، وإن أراد يمين المخاطب أو لم يرد يميناً، بل أراد التشفع بالله في الفعل لم يكن يميناً.
الحلف بقوله (أقسم لأفعلن كذا): إذا ذكر الحالف القسم والخبر المقسم عليه، ولم يذكر المقسم به أي لفظ الجلالة بأن قال: (أشهد) أو (أحلف) أو (أقسم) أو (أعزم) لأفعلن كذا، كان يميناً عند جمهور الحنفية وفي رواية عن أحمد وهي الراجحة في مذهبه؛ لأن القسم لما لم يجز بغير الله تعالى، دل على أن هنالك مقسماً به محذوفاً: وهو اسم الله تعالى، مثل (واسأل القرية) أي أهلها، ولأن العرب تعارفت الحلف على هذا الوجه، قال الله تعالى: ﴿يحلفون لكم لترضوا عنهم﴾ [التوبة:٩٦/ ٩] ولم يقل: بالله، وقال : ﴿إذ أقسموا ليصرمُنَّها مصبحين﴾ [القلم:١٧/ ٦٨] ولم يذكر بالله. وقال سبحانه: ﴿إذا جاءك المنافقون
стр. 2390
قالوا: نشهد إنك لرسول الله﴾ - إلى قوله - ﴿اتخذوا أيمانهم جنة﴾ [المنافقون:١/ ٦٣] فسماها الله يميناً.
وقال المالكية مثل قولهم حالة ذكر المقسم به، وهي الرواية الثانية عن أحمد، وقول زفر عند الحنفية: إن نوى اليمين بالله كان يميناً وإلا فلا؛ لأنه يحتمل القسم بالله وبغيره، فلم تكن يميناً حتى يصرفه بنية إلى ما تجب به الكفارة، واستثنى المالكية من ذلك لفظ (أعزم) فإنه لا يكون يميناً وإن نوى، لأن معنى (أعزم): أقصد وأهتم.
وقال الشافعية: لا يكون يميناً وإن نوى؛ لأن ذكر المقسم به ركن من أركان اليمين (١).
تكرار المقسم به: إذا ذكر الحالف المقسم به مكرراً بدون حرف العطف مثل قوله: (والله الرحمن الرحيم الطالب الغالب المدرك): كان يميناً واحدة بلا خلاف. وإن كرر المقسم به بواسطة حرف عطف مثل قوله: (والله والله) أو (والله والرحمن) لا أفعل كذا: كان يمينين في أرجح الروايتين عن أئمة الحنفية ما عدا زفر؛ لأنه لما عطف أحد الاسمين على الآخر كان الثاني غير الأول؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، فكان كل واحد منهما يميناً على حدة. أما إذا لم يعطف أحدهما على الآخر، فيجعل الثاني صفة للأول.
وقال زفر وهي الرواية الثانية عن أبي حنيفة: يكون ذلك يميناً واحدة في الحالتين؛ لأن حرف العطف قد يستعمل للاستئناف، وقد يستعمل للصفة، فإنه
стр. 2391
يقال: فلان العالم والزاهد والجواد والشجاع، فاحتمل المغايرة، واحتمل الصفة، فلا تثبت يمين أخرى مع الشك (١).
تكرار الخبر المقسم عليه: إذا كرر الحالف الخبر المقسم عليه بأن قال: (والله لا أفعل كذا، لا أفعل) أو قال: (والله لا أكلم فلاناً والله لا أكلمه) فإنه يكون عند الحنفية يمينين إلا إذا أراد بالكلام الثاني الإخبار عن الأول، فإنه يكون يميناً واحدة. والدليل على الحالة الأولى: أن الحالف لما أعاد المقسم عليه، علم أنه أراد به يميناً أخرى، إذ لو أراد الصفة أو التأكيد لما أعاد المقسم عليه (٢).
٣ - اليمين بالله تعالى بطريق الكناية:
إذا حلف إنسان بالخروج من الإسلام مثل أن يقول: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بريء من الإسلام أو من رسول الله أو من القرآن أو كافر، أو يعبد من دون الله أو يعبد الصليب أو نحوه مما يكون اعتقاده كفراً، فهذا ما اختلف فيه فقهاؤنا: فقال الحنفية (٣) وفي رواية عن أحمد: يكون يميناً موجبة للكفارة إذا فعل الشيء المحلوف عليه؛ لأن الناس تعارفوا الحلف بهذه الألفاظ من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير، ولو لم يكن ذلك حلفاً لما تعارفوا؛ لأن الحلف بغير الله تعالى معصية، فدل تعارفهم على أنهم جعلوا المذكور كناية عن الحلف بالله ، وإن لم يعقل وجه الكناية فيه، كقول العرب: (لله علي أن أضرب ثوبي حطيم (٤) الكعبة) فهذا جعل كناية عن النذر بالتصدق في عرفهم، وإن لم يعقل وجه الكناية فيه.
стр. 2392
وقال المالكية والشافعية والحنابلة في الرواية الصحيحة عندهم: لا يكون ذلك يميناً لخلوه عن ذكر اسم الله تعالى وصفته، ولا كفارة عليه بالحنث فيه، والحلف به معصية، والتلفظ به حرام. هذا إذا قصد بيمينه تبعيد نفسه عن المحلوف عليه، أما لو حلف على قصد الرضا بالتهود وما في معناه إذا فعل الفعل، كفر في الحال، فإن لم يعرف قصده، لا يحكم بكفره، كما رجح الشافعية (١). ويؤيد هذا الرأي ماروى بريدة أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف أنه بريء من الإسلام، فإن كان كاذباً فقد قال، وإن كان صادقاً فلم يرجع إلى الإسلام سالماً» (٢).
هذا إذا أضاف اليمين إلى المستقبل، فأما إذا أضاف اليمين إلى الماضي بأن قال: (إني يهودي أو نصراني إن فعلت كذا في الماضي) كاذباً قصداً، فهذا يمين الغموس، ولا كفارة فيه عند جمهور الفقهاء، كما بان سابقاً.
لكن هل يكفرُ بقوله هذا؟
اختلف مشايخ الحنفية في ذلك، والصحيح ما روى الحاكم الشهيد عن أبي يوسف أنه لا يكفر؛ لأنه ما قصد به الكفر، ولا اعتقده، وإنما قصد به ترويج كلامه وتصديقه فيه.
وكذلك لا يكفُر في الصحيح إذا قال: (يعلم الله أني فعلت كذا) وهو يعلم
стр. 2393
أنه لم يفعل. وقيل: إنه يكفر إذا علم أن قوله هذا مكفر؛ لأنه بالإقدام عليه صار مختاراً للكفر، واختيار الكفر كفر (١).
الحلف بتحريم شيء من ماله: قال الحنابلة والحنفية (٢) إن قال: (الحل علي حرام)، أو قال: (هذا حرام علي إن فعلت)، ثم فعل، فهو مخير إن شاء ترك ماحرمه على نفسه، وإن شاء كفَّر. وقال المالكية والشافعية: ليس بيمين ولا شيء عليه؛ لأنه قصد تغيير المشروع، فلغا ما قصده. والراجح الرأي الأول لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لِم تحرمُ ما أحل الله لك﴾ - إلى قوله - ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم:١/ ٦٦].
هل اليمين بحسب نية الحالف أو المستحلف؟ اتفق الفقهاء على أن اليمين في الدعاوى تكون بحسب نية المستحلف، واختلفوا في مثل الأيمان على الوعود ونحوه، فقال قوم: بحسب نية الحالف، وقال قوم آخرون: بحسب نية المستحلف.
أما المالكية فقالوا: اليمين على نية المستحلف، ولا تقبل نية الحالف؛ لأن الخصم كأنه قبل هذه اليمين عوضاً عن حقه، ولأنه ثبت أن رسول الله ﷺ قال: «اليمين على نية المستحلف» وفي رواية «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» (٣).
стр. 2394
وأما الحنفية فقد فصلوا في رواية عن أبي حنيفة، فقالوا: اليمين على نية الحالف إذا كان مظلوماً، لأنه لا يقتطع بيمينه حقاً، فلا يأثم وإن نوى غير الظاهر من كلامه، وإن كان ظالماً فعلى نية المستحلف، لأنه يكون حينئذ آثماً إن نوى به غير ما حلف عليه. والمعول عليه عندهم هو أن اليمين على نية المستحلف إلا إذا كانت اليمين بالطلاق أو العتاق ونحوهما، فتعتبر نية الحالف إذا لم ينو خلاف الظاهر ظالماً كان الحالف أو مظلوماً، وكذلك إذا كانت اليمين بالله تعالى وكان الحالف مظلوماً، فإنه تعتبر نية الحالف أيضاً. والظالم: من يريد بيمينه إبطال حق الغير.
ووافق الحنابلة أبا حنيفة، فمن حلف فتأول في يمينه أي قصد بكلامه محتملاً يخالف ظاهره، فله تأويله إن كان مظلوماً، وإن كان ظالماً لم ينفعه تأويله.
وأما الشافعية فقالوا: العبرة في اليمين بنية الحالف؛ لأن المقصود من الأيمان هو المعنى القائم بالنفس، لا ظاهر اللفظ (١).
٤ - اليمين بغير الله تعالى صورة ومعنى (الحلف بمخلوق):
إذا حلف الإنسان بغير الله تعالى، كالإسلام أو بأنبياء الله تعالى أو بملائكته أو بالكعبة أو بالصلاة والصوم والحج، أو قال: (عليَّ سخط الله وعذابه) أو بالآباء أو الأمهات أو الأبناء، أو بالصحابة أو بالسماء أو بالأرض أو بالشمس أو بالقمر والنجوم ونحوها، ومثل: (لعمرك وحياتك وعيشك وحقك) فلا يكون يميناً
стр. 2395
بإجماع العلماء، وهو مكروه (١). قال الشافعي: أخشى أن يكون معصية ولا يجب عليه كفارة؛ لأنه حلف بغير الله تعالى، والناس وإن تعارفوا الحلف بالآباء ونحوهم لكن الشرع نهى عنه، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت» (٢)، «فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليذر» (٣) وقال ﵇: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٤) ولأن هذا النوع من الحلف لتعظيم المحلوف به، وهذا التعظيم لايستحقه إلا الله تعالى.
٥ - اليمين بغير الله تعالى صورة ولكنها يمين بالله معنى:
وهي اليمين بغير القربات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، وهي الحلف بالطلاق والعتاق، أو كالمشي إلى مكة، والصوم والصدقة وغيرها، وذلك بذكر
стр. 2396
الشرط والجزاء (١)، وبما أنه مانع عن تحصيل الشرط، وحامل على البر، فهو بمنزلة ذكر اسم الله تعالى. ويتحقق هذا الحلف باستعمال أحد حروف الشرط وهي: إن، وإذا، وإذا ما، ومتى، ومتى ما، ومهما، وكلما.
مثل قوله لامرأته: (إذا دخلت هذه الدار فأنت طالق) أو: (إن دخلت) أو: (متى دخلت) أو: (إذا مادخلت) أو: (متى مادخلت) فإن وجد الدخول طلقت؛ لأن هذه حروف الشرط، فإذا وجد الشرط، حنث في يمينه، فإن تكرر دخولها لاتطلق؛ لأن هذه الحروف لاتقتضي التكرار (٢).
وحكمها: أنه يلزمه تنفيذ ما حلف به، ولا كفارة فيه.
ولو قال لامرأته: (كلما دخلت هذه الدار فأنت طالق) يحنث بدخولها الدار، فإن تكرر دخولها مرة ثانية أو ثالثة، تكرر وقوع الطلاق، فتطلق طلقة واحدة في كل مرة؛ لأن كلمة (كلما) تقتضي تكرار الأفعال، وهي قد دخلت على فعل الدخول. هذا إذا تكرر الدخول في حالة زوجية واحدة، فإن طلقت ثلاثاً، فتزوجت بزوج آخر، وعادت إليه، ثم دخلت الدار في المرة الرابعة، لايقع الطلاق عند أئمة الحنفية ماعدا زفر، لأن محل الجزاء قد فات (٣).
ولو قال: (كل امرأة أتزوجها فهي طالق) فتزوج امرأة، تطلق لوجود الشرط، ولو تزوجها ثانية لاتطلق؛ لأن الطلاق توقف على الزواج لا على طريق
стр. 2397
التعليق بالشرط، بل لأنه أوقع الطلاق على امرأة متصفة بأنه تزوجها، ويحصل الاتصاف عند التزوج. ولو تزوج امرأة أخرى تطلق؛ لأن كلمة (كل) توجب عموم الأسماء أي كل ما يوصف بأنه امرأة، ولا توجب عموم الأفعال وتكرارها (١).
الجمع بين شرطين في يمين: إذا جمع الحالف بين شرطين بأن عطف أحدهما على الآخر بحرف الواو لايقع الطلاق إلا عند وجود الشرطين، مثل قوله: (إن دخلت هذه الدار وهذه الدار) فلا يقع الطلاق إلا عند دخول الدارين جميعاً، سواء قدم الشرط أو أخره أو كان متوسطاً، ولايشترط الترتيب في دخول الدارين؛ لأن حرف الواو لمطلق الجمع، ولعطف الشيء على جنسه، فيكون الشرط معطوفاً على الشرط لا على الجزاء.
وكذلك إن عطف بحرف (الفاء) لابد من تحقق الشرطين أيضاً بأن قال: (إن دخلت هذه الدار، فهذه الدار، فأنت طالق) إلا أنه يشترط هنا دخول الدارين على الترتيب والتعقيب بلا تراخ.
وكذلك إن كان العطف بحرف (ثم) لابد من تحقق الشرطين بأن قال: (إن دخلت هذه الدار، ثم هذه الدار، فأنت طالق) فيقع الطلاق بدخول الدارين على الترتيب مع التراخي بأن يدخل الدارين الأولى ثم الثانية بعد مدة ساعة من الزمن أو أكثر منها؛ لأن حرف (ثم) للترتيب والتعقيب مع التراخي.
والحكم لايختلف في الجمع بين الشرطين، سواء كرر حرف العطف بدون الفعل، كما تقدم، أو كرر حرف العطف مع الفعل بأن قال: (إن دخلت هذه الدار ودخلت هذه الدار) وذلك بالواو أو بالفاء أو بحرف (ثم) (٢).
стр. 2398
فإن قال: (الأيمان تلزمني) يحمل على العرف الثابت عند المالكية، والمراد به في بعض البلاد الطلاق الثلاث، فيلزمه (١).
تكرار الأيمان في مجلس واحد أو في مجلسين: إذا حلف إنسان فقال: (والله لا أكلم فلاناً) ثم قال في ذلك المجلس، أو في مجلس آخر: (والله لا أكلم فلاناً) أو قال لامرأته: (إن دخلت هذه الدار فأنت طالق) ثم قال بعدئذ: (إن دخلت هذه الدار فأنت طالق) فهنا ثلاثة احتمالات: إما ألا يكون له نية، أو نوى بالثانية التغليظ والتشديد، أو نوى بالثانية الأولى.
آ - فإن لم يكن نية: فلا شك أنهما يمينان، حتى لو فعل كان عليه كفارتان، فلو كلم فلاناً لزمه كفارتان، وفي اليمين بالطلاق يقع طلقتان إن تحقق الشرط.
ب - وإن نوى باليمين الثانية التغليظ: فكذلك عليه يمينان، ويلزمه كفارتان إذا كلم فلاناً، كما أنه يقع عليه طلاقان بدخول الدار. ودليل هاتين الحالتين هو أنه لما أعاد المقسم عليه مع المقسم به، علم أنه أراد به يميناً أخرى.
جـ ــ وإن نوى باليمين الثانية الأولى: كان عليه يمين واحدة، لأنه نوى التكرار، وهو مستعمل في العرف للتأكيد، إلا أن في مسألة الطلاق لايصدق قضاء، ويصدق ديانة؛ لأن كلامه ظاهر في تكرار اليمين، فإن نوى خلاف الظاهر، صدق فيما بينه وبين الله تعالى (٢).
وقال المالكية (٣) كالحنفية: إذا حلف الحالف على شيء واحد بعينه مراراً كثيرة، ففي كل يمين كفارة، إلا أن ينوي أو يريد التأكيد.
стр. 2399
وقال الحنابلة (١): إذا كرر الحالف اليمين على شيء واحد، مثل قوله: (والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً)، فحنث، فليس عليه إلا كفارة واحدة.
وعن الشافعي قولان (٢): أحدهما كالحنابلة، والآخر كالمالكية، والراجح فيما يظهر أنهم كالمالكية.
وسبب الاختلاف: هل الموجب للتعدد هو تعدد الأيمان بالجنس أو بالعدد، فمن قال: اختلافها بالعدد، قال: لكل يمين كفارة إذا كرر. ومن قال: اختلافها بالجنس، قال: في هذه المسألة يمين واحدة.
المبحث الثالث ــ شروط صحة اليمين:
اشترط الحنفية شروطاً لصحة اليمين بالله تعالى، سواء بالنسبة للحالف والمحلوف عليه وركن اليمين (٣).
١ - شروط الحالف: يشترط في الحالف شرطان:
أولهما - أن يكون الحالف عاقلاً بالغاً قاصداً إلى اليمين: فلا يصح يمين الصبي والمجنون والنائم.
ثانيهما - أن يكون مسلماً: فلا يصح يمين الكافر؛ لأن كفارة اليمين عبادة، والكافر ليس من أهلها. والدليل على أن الكفارة عبادة: أنها لاتتأدى بدون النية، وكذا لا تسقط بأداء الغير عن الحانث، وهذان حكمان مختصان بالعبادات، إذ غير
стр. 2400
العبادة لاتشترط فيه النية، ويسقط بأداء الغير مثل الديون ورد المغصوب ونحوها، والكافر ليس من أهل العبادات، فلاتجب بيمينه الكفارة.
وقال غير الحنفية (١): تصح اليمين من الكافر، وتلزمه الكفارة سواء حنث في أثناء كفره، أو بعد إسلامه، بدليل أن عمر ﵁ نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام، فأمره النبي ﷺ بالوفاء بنذره (٢)، ولأن الكافر من أهل اليمين بالله تعالى، بدليل قوله تعالى: ﴿فيقسمان بالله﴾ [المائدة:١٠٦/ ٥].
وأما الحرية فليست بشرط، فتصح يمين العبد، وكفارته بالصوم حال رقه، وكذا الطواعية والاختيار ليس شرطاً عند الحنفية والمالكية، فتصح اليمين من المكره؛ لأنها من التصرفات التي لاتحتمل الفسخ، فلا يؤثر الإكراه في اليمين كالطلاق والنذر ونحوهما.
وقال الشافعية والحنابلة: يشترط أن يكون الحالف مختاراً، فلا تنعقد يمين المكره؛ لأنها من التصرفات التي لاتحتمل الفسخ، فلا يؤثر الإكراه في اليمين كالطلاق والنذر ونحوهما.
وقال الشافعية والحنابلة: يشترط أن يكون الحالف مختاراً، فلا تنعقد يمين المكره، لقوله ﷺ : «ليس على مقهور يمين» (٣) ولأنه قول حمل عليه بغير حق، فلم يصح ككلمة الكفر، كما سبق بيانه في أنواع اليمين.
стр. 2401
٢ - شرط المحلوف عليه: يشترط في المحلوف عليه عند أبي حنيفة ومحمد وزفر شرط واحد: وهو أن يكون متصور الوجود (١) حقيقة عند الحلف، وفي حال بقاء اليمين. وهو شرط انعقاد اليمين على أمر في المستقبل، وشرط لبقاء اليمين أيضاً، فلا ينعقد اليمين على ماهو مستحيل الوجود حقيقة، ولايبقى إذا صار بحال يستحيل وجوده.
وقال أبو يوسف: ليس هذا بشرط لانعقاد اليمين ولا لبقائها، وإنما الشرط فقط أن تكون اليمين على أمر في المستقبل.
واتفق أبو حنيفة وصاحباه على أن كون اليمين متصور الوجود عادة ليس بشرط لانعقاد اليمين، وقال زفر: هو شرط، لاتنعقد اليمين بدونه.
ويتوضح الخلاف بالأمثلة التطبيقية على كل من الحالتين: المستحيل حقيقة، والمستحيل عادة، وذكر بعضها في بحث أنواع اليمين.
أما أمثلة النوع الأول وهو المستحيل حقيقة فهي: لو قال إنسان: (والله لأشربن الماء الذي في هذا الكوز) فتبين أنه لا ماء فيه، لاتنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر، لعدم تحقق شرط انعقاد اليمين: وهو تصور شرب الماء الذي حلف عليه.
وعند أبي يوسف: تنعقد اليمين لوجود الشرط بحسب رأيه: وهو مجرد إضافة اليمين إلى المستقبل.
فإن كان الحالف يعلم أنه لا ماء في الكوز، فهو من المستحيل عادة: تنعقد اليمين عند أئمة الحنفية الثلاثة، وعند زفر: لاتنعقد. ويجري هذا الخلاف فيما لو وقَّت اليمين فقال: (والله لأشربن الماء الذي في هذا الكوز اليوم).
стр. 2402
وإذا قال الحالف: (والله لأقتلن فلاناً): مع أن فلاناً هذا ميت، وهو لايعلم بموته، لاتنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر، وعند أبي يوسف: تنعقد.
ويجري هذا الخلاف فيما إذا قال شخص: (والله لأقضين دين فلان غداً) فقضاه اليوم، أو أبرأه صاحب الدين قبل مجيء الغد، لايحنث في يمينه عند الطرفين وزفر والحنابلة. وعند أبي يوسف والشافعي: يحنث.
وكذا إذا قال الزوج في اليمين بالطلاق: (إن لم أشرب هذا الماء اليوم فامرأتي طالق) ثم أهريق الماء قبل انقضاء اليوم: لايحنث عند الطرفين وزفر، وعند أبي يوسف: يحنث.
وأما أمثلة النوع الثاني: وهو المستحيل عادة فهي: لو قال شخص: (والله لأمسن السماء) أو (لأصعدن السماء) أو (لأحولن هذا الحجر ذهباً) وحكمه: أنه تنعقد اليمين عند أئمة الحنفية الثلاثة. وعند زفر: لاتنعقد.
الأدلة: استدل أبو يوسف على المستحيل حقيقة فقال: إن الحالف شرَط لحنثه عدم تحقق فعل من الأفعال: وهو القتل أو شرب الماء مثلاً، فإذا تحقق الشرط حنث، كما في المستحيل عادة.
واستدل أبو حنيفة ومحمد وزفر: بأن اليمين تنعقد بقصد البر والوفاء بما حلف عليه، والكفارة تجب لستر الذنب الذي حصل بعدم البر وهو الحنث، فإذا لم يكن البر متصور الوجود حقيقة لايتصور الحنث، فلم يكن في انعقاد اليمين فائدة، فلاتنعقد. وهذا بخلاف المستحيل عادة، فإن البر متصور الوجود في نفسه حقيقة بأن يقدر الله تعالى الحالف على صعود السماء مثلاً، كما أقدر الملائكة والأنبياء ﵈، إلا أنه عاجز عن ذلك عادة، فيحنث للعجز عن تحقيق مقتضى يمينه في العادة.
стр. 2403
واستدل زفر على عدم انعقاد اليمين في المستحيل عادة بقوله: المستحيل عادة يلحق بالمستحيل حقيقة، وبما أنه لاتنعقد اليمين في المستحيل حقيقة، فلا تنعقد في المستحيل عادة.
واستدل جمهور الحنفية على انعقاد اليمين في المستحيل عادة: بأن الذي ينبغي مراعاته هو حقيقة الشيء والعادة فيه، فإذا قررنا انعقاد اليمين فقد اعتبرنا الحقيقة والعادة معاً، وهو أولى من النظر إلى العادة فقط، أو إهدار الحقيقة كما يرى زفر.
والخلاصة: إن زفر سوّى في الحكم بين المستحيل حقيقة والمستحيل عادة وهو عدم انعقاد اليمين، وأن أبا يوسف سوَّى في الحكم بين النوعين وهو انعقاد اليمين، وأن أبا حنيفة ومحمد فرقا بين المستحيل حقيقة والمستحيل عادة، فتنعقد اليمين في النوع الثاني دون الأول.
ووافق بقية أئمة المذاهب رأي جمهور الحنفية في المستحيل عادة. وأما في المستحيل عقلاً فقد اتفق الشافعي والقاضي من الحنابلة مع أبي يوسف في الرأي. كما اتفق مالك وأبو الخطاب من الحنابلة مع أبي حنيفة ومحمد وزفر ﵏ جميعاً، وسبق ذكر ذلك كله.
٣ ــ شرط ركن اليمين: ركن اليمين بالله تعالى: هو اللفظ الذي يستعمل في اليمين بالله تعالى، وهو مركب من المقسم عليه والمقسم به. وقد تكلمت عن المقسم به تحت عنوان: صيغة اليمين.
الاستثناء في اليمين: اشترط جميع الفقهاء (١) في ركن اليمين نفسه:
стр. 2404
أن يخلو عن الاستثناء (١)، مثل: إن شاء الله تعالى، أو إلا أن يشاء الله، أو ماشاء الله، أو إلا أن يبدو لي غير هذا، أو إلا أن أرى غير هذا، أو إلا أن أحب غير هذا، أو قال: إن أعانني الله، أو يسّر الله، أو قال: بمعونة الله، أو بتيسيره ونحو ذلك.
فإن قال الحالف شيئاً مما ذكر متصلاً مع لفظ اليمين، لم تنعقد اليمين أي أن للاستثناء بالمشيئة تأثيراً في اليمين بالاتفاق. وإن فصل الاستثناء عن لفظ اليمين انعقدت. ودليله قول النبي ﷺ : «من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث» (٢) وروى أبو داود: «من حلف فاستثنى: فإن شاء رجع، وإن شاء ترك» (٣) فقول النبي ﵊: «من حلف فاستثنى» يقضي كونه عَقِبه لا منفصلاً عنه.
وذكر المالكية شروطاً ثلاثة لتعطيل اليمين بالاستثناء بالمشيئة أو بإلا وهي ما يأتي (٤):
أحدها - النطق باللسان، ولا يكفيه مجرد النية إلا في الاستثناء بمشيئة الله.
الثاني - اتصاله باليمين من غير فصل إلا بنحو سعال أو عطاس أو تثاؤب وشبه ذلك. وقال الشافعي: لا بأس بالسكتة الخفيفة للتذكر أو للتنفس أو انقطاع الصوت.
стр. 2405
الثالث - قصد حل اليمين: فلو قصد تأكيد اليمين أو التفويض إلى الله أو التأدب والتبرك، لم ينفعه الاستثناء.
أما النذر فلا ينفع فيه الاستثناء بالمشيئة.
ووافقهم بقية الفقهاء في الشرطين الأولين (١). وإن قال: إلا أن يشاء فلان، فإن لم تعلم مشيئته لغيبة أو جنون أو موت، انحلت اليمين، لأنه لم يوجد الشرط. وإن عرفت مشيئته فشاء، لزمه الفعل.
المبحث الرابع - أحوال اليمين التي يحلف عليها فعلا ً:
يحلف الإنسان عادة على الأحوال المحيطة به من أكل وشرب ودخول وخروج وجلوس وركوب وسكنى ولبس وكلام وضرب ونحوها، قاصداً حث نفسه أو غيره على فعل الشيء أو المنع منه، فإن خالف مقتضى يمينه حنث ووجبت عليه الكفارة. لهذا كان مناسباً أن يعنون لهذا المبحث بأحوال اليمين التي يكون الكلام عنها في أحد عشر مطلباً بحسب ما هو الأغلب وقوعه بين الناس.
وقبل البدء بالكلام عن هذه المطالب أحقق هذه المسائل المهمة التي اختلف فيها الفقهاء، والتي يتوقف إصدار الحكم في أهم موضوعات هذه المطالب على معرفتها وهي:
هل الأيمان مبنية على العرف أو النية أوصيغة اللفظ؟ قال الحنفية: الأيمان مبنية على العرف والعادة لا على المقاصد والنيات، لأن غرض الحالف: هو المعهود المتعارف عنده، فيتقيد بغرضه. هذا هو الغالب
стр. 2406
عندهم، وقد تبنى الأيمان عندهم على الألفاظ لا على الأغراض (١).
وقال الشافعية: الأيمان مبنية على الحقيقة اللغوية أي بحسب صيغة اللفظ، لأن الحقيقة أحق بالإرادة والقصد، إلا أن ينوي شيئاً فيعمل بنيته، مثاله: لو حلف إنسان ألا يأكل رؤوساً، فأكل رؤوس حيتان (مفرده: حوت) فمن راعى العرف قال: لا يحنث، ومن راعى دلالة اللغة قال: يحنث. وكذلك يحنث من حلف لا يأكل لحماً، فأكل شحماً مراعاة لدلالة اللفظ، وقال الآخرون: لا يحنث.
والخلاصة: أن الشافعي يتبع مقتضى اللغة تارة، وذلك عند ظهورها وشمولها، وهو الأصل العام، وتارة يتبع العرف إذا اشتهر واطرد.
وقال مالك في المشهور من مذهبه: المعتبر في الأيمان التي لا يقضى (٢) على حالفها بموجبها وكذلك النذور هو النية (أي نية الحالف في غير الدعاوى ففيها تعتبر نية المستحلف كما بان سابقاً)، فإن عدمت فقرينة الحال، فإن عدمت فعرف اللفط أي ماقصد الناس من عرف أيمانهم، فإن عدم فدلالة اللغة، وقيل: لايراعى إلا النية أو ظاهر اللفظ اللغوي فقط، وقيل: يراعى النية وبساط الحال أي السبب الحامل على اليمين (٣)، أو المقام وقرينة السياق في اصطلاح علم المعاني. ولاينفع في النذر الاستثناء بالمشيئة.
стр. 2407
وأما الأيمان التي يقضى بها على صاحبها: ففي مجال الاستفتاء تراعى هذه الضوابط على هذا الترتيب، وإن كان مما يقضى بها عليه لم يراع فيها إلا اللفظ إلا أن يؤيد ما اد عاه من النية قرينة الحال أو العرف.
قال الشاطبي: من مذهب مالك أن يترك الدليل للعرف، فإنه رد الأيمان إلى العرف، مع أن اللغة تقتضي في ألفاظها غير مايقتضيه العرف. كمن حلف لايدخل بيتاً: لايحنث بدخول المسجد، لأنه لا يسمى بيتاً في العرف (١).
وقال الحنابلة: يرجع في الأيمان إلى النية أي نية الحالف، فإن نوى بيمينه مايحتمله اللفظ انصرفت يمينه إليه، سواء أكان مانواه موافقاً لظاهر اللفظ، أم مخالفاً له (٢) لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى» (٣) فإن لم ينو شيئاً رجع إلى سبب اليمين وما هيجها أو أثارها لدلالته على النية. فإن حلف لا يأوي مع امرأته في هذه الدار، فإن كان سبب يمينه غيظاً من جهة الدار لضرر لحقه منها أو منة عليه بها، اختصت يمينه بها. وإن كان لغيظ لحقه من المرأة يقضي جفاءها ولا أثر للدار فيه، تعلق ذلك بإيوائه معها في كل دار.
هذا .. وقد عرفنا أنه ينقسم هذا المبحث إلى أحد عشر مطلباً أذكرها فيما يأتي:
стр. 2408
المطلب الأول ــ الحلف على الدخول:
أبدأ ببيان الأفعال أو الأحوال التي يحلف عليها فعلاً، وأولها الدخول لمكان باعتباره من أهم الأسباب التي تثير المشكلات، وتستدعي الحلول بعد انعقاد الأيمان المحلوفة لمنع المرء نفسه أو غيره من الدخول إلى مكان من الأمكنة.
معنى الدخول:
الدخول: هو الانتقال من خارج المكان إلى داخله. فإن حلف إنسان لايدخل هذه الدار وهو فيها، فمكث بعد يمينه، لايحنث استحساناً، والقياس أن يحنث وهو قول غير الحنفية، ووجه ذلك أن المداومة على الفعل هي بحكم إنشاء الفعل. ووجه الاستحسان: أن معنى الدخول المذكور وهو (الانتقال من خارج الشيء إلى داخله) لايتحقق؛ لأن الدوام هو المكث، والمكث استقرار في الشيء فيستحيل أن يكون انتقالاً.
ولو حلف ألا يدخل داراً أو بيتاً أو مسجداً أو حماماً، فعلى أي وجه دخل: من الباب أو غيره، حنث لوجود الدخول، فإن نزل على سطحها، حنث عند الجمهور غير الشافعية؛ لأن سطح الدار منها، إذ الدار اسم لما تدور عليه الدائرة، والدائرة أحاطت بالسطح. وكذا لو أقام على حائط من حيطانها؛ لأن الحائط مما تدور عليه الدائرة، فكان كسطحها، وهذا هو مذهب المالكية والحنابلة في أن سطح الدار منها، وحكمه كحكمها.
وقال الشافعية: لايحنث بصعود سطح من خارج الدار، لأنه لايسمى داخل الدار لغة ولا عرفاً، لأنه حاجز يقي الدار الحر، والبرد، فهو كحيطانها.
стр. 2409
ولو قام على ظلة للدار شارعة (١) أو كنيف شارع (٢): فإن كان مفتح ذلك إلى الدار يحنث، لأنه ينسب إليها، فيكون من جملة الدار وإلا فلا يحنث.
وإن قام على أسكفَّة (٣) الباب: فإن كان الباب إذا أغلق كانت الأسكفة خارجة عن الباب لم يحنث لأنه خارج، وإن بقيت من داخل الدار حنث، لأنه داخل؛ لأن الباب يغلق على مافي داخل الدار، لا على ما في الخارج.
ولو دخل دهليز (٤) الدار حنث باتفاق الحنفية والشافعية؛ لأنه من داخل الدار. ولو دخل ظلة باب الدار لا يحنث، لأنها اسم للخارج.
وإن أدخل الحالف إحدى رجليه في الدار، ولم يدخل الأخرى لا يحنث بالاتفاق؛ لأنه لم يوجد الدخول مطلقاً، وهو الانتقال بكله، وإنما دخل بعضه، وكذا إذا أدخل رأسه دون قدميه (٥).
ولو حلف لا يدخل داراً، فدخل داراً بعد انهدامها ولا بناء عليها لا يحنث.
стр. 2410
ولو عين المحلوف عليه، فقال: (والله لا أدخل هذه الدار) فذهب بناؤها بعد يمينه، ثم دخلها، يحنث.
والفرق بين الصورتين: هو أنه إذا ذكر الحالف لفظ الدار منكَّراً، فإن النكرة تنصرف إلى المتعارف، وهي الدار المبنية، فما لم يوجد البناء وهو وصف الدار لا يحنث، وأما إذا قال: (هذه الدار) فهو إشارة إلى الشيء المعين الحاضر، فيراعى ذات المعين، لا صفته؛ لأن الوصف للتعريف، والإشارة كافية للتعريف، وذات الدار قائمة بعد الانهدام؛ لأن الدار في اللغة اسم للعَرْصة يقال: دار عامرة ودار غير عامرة، وقد شهدت أشعار العرب بذلك، والعرصة قائمة بعد انهدام الدار.
ولو أعيد البناء فدخلها يحنث سواء ذكر الدار منكراً أو معيناً (١).
وقال الشافعية والمالكية: إن حلف لا يدخل هذه الدار فانهدمت، وصارت ساحة، أو جعلت حانوتاً أو بستاناً أومسجداً أو حماماً، فدخلها، لم يحنث، لأنه زال عنها اسم الدار. ثم إن أعيدت بغير تلك الآلة أي بأدوات بناء جديدة من حجارة واسمنت ونحوها لم يحنث بدخولها، لأنها غير تلك الدار. وإن أعيدت بآلتها الأولى ففيه وجهان: أحدهما وهو الأصح: يحنث، والآخر: لا يحنث (٢).
الحلف على عدم دخول مسجد: لو قال شخص: (لا أدخل هذا المسجد) فهدم فصار صحراء ثم دخله، فإنه يحنث لأنه مسجد، وإن لم يكن مبنياً. وإذا دخل سطح المسجد يحنث، لأنه مسجد.
стр. 2411
الحلف على عدم دخول بيت: ولو حلف: لا يدخل بيتاً أو هذا البيت، فدخله بعدما انهدم ولابناء فيه، لا يحنث؛ لأن البيت اسم لما يبات فيه، ولا يبات إلا في البناء، وكذلك لا يطلق اسم البيت إلا على المبنى المسقف.
الحلف على عدم دخول الفسطاط: لو حلف: (لا يدخل هذا الفسطاط) وهو مضروب في مكان، فقلع وضرب في مكان آخر، فدخله، يحنث؛ لأن اليمين يقع على عين الشيء، والعين باقية لا تتبدل بنقلها من مكان إلى مكان.
عدم الجلوس إلى الحائط أو الأسطوانة: إذا حلف: (لا يجلس إلى هذا الحائط، أو إلى هذه الأسطوانة) فهدما، ثم بنيا بأنقاضهما، فجلس إليه: لا يحنث؛ لأن الشيء الجديد غير القديم، فإن الحائط إذا هدم زال اسمه عنه، وكذا الأسطوانة.
الحلف على القلم والمقص ونحوهما: إذا حلف: (لا يكتب بهذا القلم) فكسر القلم، بحيث لم تبق صورته، ثم براه، فكتب به، لم يحنث، لأنه إذا كسر، فقد زال عنه اسم القلم، فبطلت اليمين.
وكذلك إذا حلف على مقص أو سكين أو سيف، فكسر، ثم أعيد ثانية: لا يحنث؛ لأن اسم الشيء قد زال بالكسر.
ولو نزع الحالف مسمار المقص ونصاب السكين وجعل مكانه مسماراً آخر، أو نصاباً آخر: يحنث؛ لأن اسم الشيء لم يزل عنه، وإنما تغير وصف التركيب.
الحلف على عدم دخول الدار ثم جعلها شيئاً آخر: لو حلف: (لا يدخل هذه الدار) فجعلها بستاناً أو حماماً أو مسجداً: لا يحنث، لأنها صارت شيئاً آخر من حيث الانتفاع بها والغرض من استعمالها (١).
стр. 2412
وإن حلف: (لا يدخل بيتاَ) فدخل مسجداً أو بِيعة أو كنيسة أو بيت نار (١)، أو دخل الكعبة، أو حماماً أو دهليزاً وظلة باب دار: لم يحنث بالاتفاق؛ لأن البيت ما أعدَّ للبيتوتة، وهذه البقاع ما بنيت لها ولأن هذه الأشياء لا تسمى بيتاً في العرف والعادة، ومن المعلوم عند الحنفية أن الأيمان مبنية على العرف. وكذلك لا يحنث إن دخل صُفَّة (٢) في عرفنا الحاضر؛ لأن الصُفَّة لا تسمى بيتاً في العرف والعادة (٣).
وهذا هو الحكم المقرر أيضاً عند الشافعية (٤)؛ لأن هذه الأشياء لا تدخل في إطلاق اسم البيت، ولأن البيت اسم لما جعل للإيواء والسكنى، وهذه الأشياء لم تجعل لذلك، ولا تسمى بيتاً عرفاً. ويحنث عندهم بدخول أو سكنى كل بيت من طين أو حجر أو آجر أو خيمة أو بيت شعر أو جلد، لأن اسم البيت يقع على ذلك كله حقيقة في اللغة، سواء أكان الحالف حضرياً أم بدوياً. وخالفهم المالكية (٥)، فقالوا: إن حلف ألا يدخل على فلان بيتاً، حنث إن دخل عليه في الحمام لا في المسجد.
الحلف على عدم دخول باب الدار: لو حلف: (لا يدخل من باب هذه الدار)، فدخلها من غير الباب، لم يحنث بالاتفاق، لعدم الشرط وهو الدخول من الباب. ولو جُعل للدار باب آخر، فدخل منه يحنث؛ لأن الحلف على باب
стр. 2413
منسوب إليها، فيستوي القديم والحادث إلا إن عين ذلك الباب في حلفه، ولو نواه ولم يعينه يدين فيما بينه وبين الله تعالى، لأن لفظه يحتمله، ولا يدين في القضاء، لأنه خلاف الظاهر، حيث أراد بالمطلق المقيد.
ولو حلف: (لا يدخل من باب الدار): فمن أي باب دخل حنث إلا إذا أراد به الباب المعروف، فيدين فيما بينه وبين الله تعالى، دون القضاء (١).
الحلف على عدم دخول دار فلان: وإن حلف لا يدخل دار فلان فدخل داراً بين فلان وبين آخر، فإن كان فلان ساكناً فيها بالإجارة حنث، وإذا كان مالكاً بعضها حنث من باب أولى. وإن لم يكن ساكناً فيها لا يحنث، لأن الدار مضافة إلى الشخصين إضافة ملك، وكل الدار ليست مضافة إلى أحدهما، لأن بعض الدار لا يسمى داراً، وحينئذ لا يقال: إن الدار لفلان.
وهذا يفترق عما إذا حلف لا يزرع أرض فلان، فزرع أرضاً بين فلان وشخص آخر، فإنه يحنث، لأن كل جزء من الأرض يسمى أرضا، وبعض الدار لا يسمى داراً كما ذكرت.
وكذلك قال المالكية والشافعية في الأظهر (٢): من حلف لا يدخل على زيد، فدخل بيتاً فيه زيد وغيره حنث مطلقاً، لوجود صورة الدخول عليه. لكن لو حلف لا يسلم على فلان، فسلَّم على قوم هو فيهم واستثناه، لا يحنث، وإن أطلق حنث في الأظهر، كالدخول.
الحلف على عدم دخول بيت فلان: لو حلف شخص لا يدخل بيت فلان،
стр. 2414
ولا نية له، فدخل صحن داره، وفلان ساكن فيها لا يحنث حتى يدخل البيت؛ لأن البيت اسم لموضع يبات فيه عادة، ولا يبات في صحن الدار عادة، فإن نواه يصدق، لأنه شدد على نفسه.
الحلف على عدم دخول الدار إلا مجتازا ً: لو حلف لا يدخل هذه الدار إلا مجتازاً أوعابر سبيل: فإن دخل وهو لا يريد الجلوس، لا يحنث، لأنه عقد يمينه على كل دخول، واستثنى دخولاً بصفة الاجتياز، وقد دخل على الصفة المستثناة.
فإن دخل يعود مريضاً، ومن رأيه الجلوس عنده، يحنث، لأنه دخل لا على الصفة المستثناة.
وإن دخل لايريد الجلوس، ثم بدا له بعد ما دخل فجلس، لا يحنث؛ لأنه لم يحنث بدخوله، والبقاء على الدخول ليس بدخول. وإن نوى بقوله: (لا يدخلها إلا مجتازاً) النزول فيها والدوام: لا يحنث بالجلوس، لأنه يقول: دخلت عابر سبيل: بمعنى أنه لم يدم على الدخول ولم يستقر (١).
الحلف بالدخول على فلان: لو حلف إنسان لا يدخل على فلان، فدخل عليه في بيته: فإن كان يقصده بالدخول حنث، وإن لم يقصده لا يحنث، وكذلك إذا دخل عليه في بيت رجل آخر، ولم يقصده بالدخول، لا يحنث. وإنما اعتبر القصد حتى يصير داخلاً عليه؛ لأن الإنسان إنما يحلف ألا يدخل على غيره استخفافاً به وتركاً لإكرامه عادة، وهذا لا يكون إلا مع القصد.
وذكر الكرخي عن ابن سماعة في نوادره خلاف هذا، فقال في رجل قال: (والله لا أدخل على فلان بيتاً) فدخل بيتاً على قوم، وفيهم فلان، ولم يعلم به الحالف، فإنه حانث بدخوله، فلم يعتبر القصد للدخول على فلان.
стр. 2415
ودليله أنه جعل شرط الحنث الدخول على فلان، وقد وجد الشرط، والعلم بشرط الحنث ليس بشرط في الحنث، كمن حلف لا يكلم زيداً، فكلمه وهو لا يعرف أنه زيد. ولكن ظاهر المذهب هو الرأي الأول.
ولو علم الحالف أن فلاناً في القوم، فدخل ينوي الدخول على القوم لا عليه: لا يحنث فيما بينه وبين الله ، لأنه إذا قصد غيره لم يكن داخلاً عليه، ولا يصدق قضاء؛ لأن الظاهر دخوله على الجماعة وما في اعتقاده لا يعرفه القاضي.
فإن دخل عليه في مسجد أو ظلة أو سقيفة أو دهليز دار: لم يحنث لأن الدخول يقع على الدخول المعتاد، وهو الذي يدخل الناس فيه بعضهم على بعض، ولا يكون هذا إلا في البيوت.
فإن دخل في فسطاط (١) أو خيمة أو بيت شعر: لم يحنث إلا أن يكون المحلوف عليه من أهل البادية، لأنهم يسمون ذلك بيتاً، والتعويل في شأنه على العرف والعادة.
ولو دخل عليه في داره، وفلان في بيت من الدار: لم يحنث، لأنه ليس بدخول عليه. وإن كان في صحن الدار، يحنث، لأنه يكون داخلاً عليه إذا شاهده.
وإن دخل عليه في المسجد أو الكعبة أو الحمام، لا يحنث لأن المقصود بهذه اليمين الامتناع من الدخول في المواضع التي يُكرَّم الناس بالدخول عليهم فيها، وهذا لا يوجد في هذه المواطن.
стр. 2416
ولو دخل الحالف داراً ليس فيها فلان، فدخل فلان تلك الدار: لا يحنث، لأنه ما دخل على فلان، بل فلان دخل عليه فلا يحنث (١).
وذكر المالكية (٢): أن من حلف ألا يدخل دار فلان، فدخل داراً مكتراة له، حنث عندهم وعند الحنفية والحنابلة إن لم ينو دار الملك لأن الدار تضاف إلى ساكنها. ومن حلف ألا يدخل دار فلان، فانتقلت عن ملكه، لم يحنث بدخولها. وإن قال: (هذه الدار) حنث. وقال الشافعية: لا يحنث إلا بدخول دار يملكها؛ لأن الإضافة إلى المالك.
واتفق الفقهاء (٣) على أن من حلف لايدخل داراً، فأكره على دخولها، ولم يمكنه الامتناع، لم يحنث؛ لأن الفعل غير موجود منه ولا منسوب إليه.
المطلب الثاني - الحلف على الخروج:
الخروج مقابل للدخول وهو: الانتقال من داخل الشيء إلى خارجه. فلا يكون المكث بعد الخروج خروجاً، كما لا يكون المكث بعد الدخول دخولاً، والخروج كما يكون من البلدان والدور والمنازل والبيوت، يكون من الأخبية والفساطيط والخيم والسفن لوجود تعريف الخروج، وذلك كالدخول.
والخروج من الدور المسكونة: أن يخرج الحالف بنفسه ومتاعه وعياله، كما إذا حلف لا يسكن فيها.
والخروج من القرى والبلدان: أن يخرج الحالف ببدنة خاصة.
стр. 2417
وهذا مبني عل العرف، فإن من خرج من الدار، وأهله ومتاعه فيها لا يعد خارجاً من الدار، ومن خرج من البلد يعد خارجاً منها، وإن كان أهله ومتاعه فيها (١). وهذا هو مذهب الحنابلة أيضاً (٢)، فالحلف على الخروج يقتضي الخروج بنفسه وأهله، كما لو حلف لا يسكنها. أما من حلف على الخروج من هذه البلدة، فتتناول يمينه عند الحنابلة الخروج بنفسه؛ لأن الدار يخرج منها صاحبها عادة في اليوم مرات، فظاهر حاله أنه لم يرد الخروج المعتاد، أما الخروج من البلد فهو بخلاف ذلك.
وقال الشافعية: يتحقق معنى الخروج بأن يخرج الحالف بنفسه بنية الانتقال، لأنه المحلوف عليه، ولا يضر بقاء أهله ومتاعه (٣).
ويترتب على مذهب الحنفية ما يأتي (٤):
الحلف على الخروج من البيت: لو قال رجل لامرأته: (إن خرجت من البيت فأنت طالق) فخرجت من البيت إلى صحن الدار، حنث، لأنه نوى ما يحتمله لفظه: وهو الانتقال من داخل الشيء إلى خارجه، ولأن البيت غير الدار، لأن البيت اسم لمسقف واحد، والدار اسم لحدود يجمع البيوت والمنازل، وبناء عليه إذا قال: (إن دخل فلان بيتك) فدخل صحن دارها، دون بيتها، لم يحنث.
والحكم في هذين المثالين مبني على عرف الذين كانوا في عصر المجتهدين،
стр. 2418
أما في عرف المتأخرين، فإن اسم البيت يطلق على الدار والمنزل، فيحنث في الثاني دون الأول.
الحلف على الخروج من الدار: وإن قال: (إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق) فخرجت من هذه الدار من أي باب كان، ومن أي موضع كان: من فوق حائط، أو سطح أو نقب: حنث، لوجود شرط الحنث، وهو الخروج من الدار.
الخروج من الباب: ولو قال: (إن خرجت من باب هذه الدار فأنت طالق) فخرجت من أي باب كان، سواء من الباب القديم أو من الباب الحادث بعد اليمين، حنث في يمينه لوجود شرط الحنث: وهو الخروج من باب الدار. فلو خرجت من السطح أو من فوق حائط أو نقب: لا يحنث، لأنه ليس بباب.
ولو عين باباً في يمينه فقال: (إن خرجت من هذا الباب) لا يحنث ما لم تخرج من الباب المعين. وإن خرجت من باب آخر، لا يحنث، لأنه قد يكون للتعيين فائدة أو غرض معين، فيعتبر ذلك.
الخروج لأمر معين: لو قال: (إن خرجت من هذه الدار إلا في أمر كذا) فخرجت في ذلك الأمر مرة، ثم خرجت لأمر آخر: يحنث، لأنه حرم عليها جميع حالات الخروج إلا خروجاً مقيداً بصفة معينة، فإذا وجد منها الخروج المستثنى لا يحنث، وإن وجد خروج آخر يحنث.
وإن عنى بيمينه الخروج مرة يصح. وتكون (إلا) بمعنى (حتى) مجازاً، كأنه قال: (إن خرجت من هذه الدار حتى تخرجي في أمر كذا) فإذا خرجت في ذلك الأمر يسقط اليمين، لتحقق الغاية من اليمين، ولكن هذا يثبت ديانة لا قضاء، لأنه مخالف لحقيقة اللفظ.
стр. 2419
الخروج مع فلان: لو قال: (إن خرجت من الدار مع فلان فأنت طالق) فخرجت وحدها أو مع غير فلان، ثم خرج فلان ولحقها: لم يحنث، لأن حرف (مع) للمصاحبة والقران، فيقتضي مقارنتها في الخروج، ولم يوجد، لأن الدوام على الخروج ليس بخروج.
بعض الحالات المتعلقة بالخروج من الدار: لو قال: (إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق) فدخلت في صحن الدار أو في بيت علو أو كنيف شارع (١) إلى الطريق العام، فإنه لا يحنث، لأن هذا لا يسمى خروجاً من الدار.
هل الدوام على الشيء بحكم ابتداء الشيء؟ لو قال لها وهي خارجة من الدار: (إذا خرجت من الدار فأنت طالق) لا يحنث. وكذلك إذا كانت في الدار، فقال: (إن دخلت هذه الدار .. إلخ) لا يحنث، ويقع اليمين على خروج ودخول مستأنف.
أما لو قال: (إن قمت أو قعدت أو لبست أو ركبت) وهي قائمة أو قاعدة أو لابسة أو راكبة، فدامت على ذلك ساعة، يحنث.
هذا هو مذهب الحنفية؛ لأن الخروج معناه الانتقال من الداخل إلى الخارج والدخول عكسه، وهذا مما لا دوام له، فلا يعتبر الدوام على الخروج خروجاً. أما الركوب ونظائره ففعل له دوام أي تتجدد أمثاله، فيكون له حكم الابتداء. ودليل التفرقة أنه يقال: ركبت أمس واليوم، ولبست أمس واليوم، ولا يقال: دخلت أمس واليوم إلا لدخول مبتدأ جديد (٢).
وزعم الحنفية أن مذهب الشافعي يعتبر الدوام على الدخول والخروج له حكم
стр. 2420
ابتداء الفعل، وهذا غير صحيح، فإن نصوص المذهب الشافعي صريحة في أنه لو حلف إنسان ألا يدخل الدار وهو فيها، أو لا يخرج منها، وهو خارج، فلا حنث في الصورتين؛ لأن الدخول هو الانفصال من خارج إلى داخل، والخروج عكسه، ولم يوجد المعنى في الاستدامة، فلهذا لا يسمى دخولاً ولا خروجاً. أما الدوام على اللبس والركوب والقيام والقعود فله حكم الابتداء، فلو استمر في هذه الأحوال حنث (١) كما لاحظنا عند الحنفية.
ومثل الركوب: الأكل والضرب: فلو قال لها وهي في الأكل والضرب: (إذا أكلت أو ضربت، فأنت طالق) فدامت على ذلك: يقع اليمين؛ لأن كل جزء من هذا الفعل يسمى أكلاًوضرباً.
ومثل الدخول والخروج: (الحيض والمرض): فلو قال رجل لامرأته وهي حائض أو مريضة:
(إن حضت أو مرضت، فأنت طالق) فإن اليمين يقع على ما يستجد ويحدث من الحيض والمرض، كما هو عرف الناس.
ولو نوى ما يحدث من الحيض في هذه المدة أو يزاد من المرض: يصح، لأن الحيض ذو أجزاء، يحدث حالاً فحالاً، فتصح نيته.
ولو قال: (إن حضت غدا ً) وهو لا يعلم أنها حائض، فإن اليمين يقع على الحيض المستجد الحادث. وإن كان يعلم أنها حائض، فإن اليمين يقع على هذه الحيضة إذا دام الحيض منها إلى أن يطلع الفجر واستمر ثلاثة أيام في رأي الحنفية، لأنه لما علم أنها حائض وقد حلف، فقد أراد استمرار الحيض، وما لم يكن ثلاثة أيام لا يكون حيضاً.