← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

ولو دخل الحالف داراً ليس فيها فلان، فدخل فلان تلك الدار: لا يحنث، لأنه ما دخل على فلان، بل فلان دخل عليه فلا يحنث (١). وذكر المالكية (٢): أن من حلف ألا يدخل دار فلان، فدخل داراً مكتراة له، حنث عندهم وعند الحنفية والحنابلة إن لم ينو دار الملك لأن الدار تضاف إلى ساكنها. ومن حلف ألا يدخل دار فلان، فانتقلت عن ملكه، لم يحنث بدخولها. وإن قال: (هذه الدار) حنث. وقال الشافعية: لا يحنث إلا بدخول دار يملكها؛ لأن الإضافة إلى المالك. واتفق الفقهاء (٣) على أن من حلف لايدخل داراً، فأكره على دخولها، ولم يمكنه الامتناع، لم يحنث؛ لأن الفعل غير موجود منه ولا منسوب إليه. المطلب الثاني - الحلف على الخروج: الخروج مقابل للدخول وهو: الانتقال من داخل الشيء إلى خارجه. فلا يكون المكث بعد الخروج خروجاً، كما لا يكون المكث بعد الدخول دخولاً، والخروج كما يكون من البلدان والدور والمنازل والبيوت، يكون من الأخبية والفساطيط والخيم والسفن لوجود تعريف الخروج، وذلك كالدخول. والخروج من الدور المسكونة: أن يخرج الحالف بنفسه ومتاعه وعياله، كما إذا حلف لا يسكن فيها. والخروج من القرى والبلدان: أن يخرج الحالف ببدنة خاصة.

стр. 2417

وهذا مبني عل العرف، فإن من خرج من الدار، وأهله ومتاعه فيها لا يعد خارجاً من الدار، ومن خرج من البلد يعد خارجاً منها، وإن كان أهله ومتاعه فيها (١). وهذا هو مذهب الحنابلة أيضاً (٢)، فالحلف على الخروج يقتضي الخروج بنفسه وأهله، كما لو حلف لا يسكنها. أما من حلف على الخروج من هذه البلدة، فتتناول يمينه عند الحنابلة الخروج بنفسه؛ لأن الدار يخرج منها صاحبها عادة في اليوم مرات، فظاهر حاله أنه لم يرد الخروج المعتاد، أما الخروج من البلد فهو بخلاف ذلك. وقال الشافعية: يتحقق معنى الخروج بأن يخرج الحالف بنفسه بنية الانتقال، لأنه المحلوف عليه، ولا يضر بقاء أهله ومتاعه (٣). ويترتب على مذهب الحنفية ما يأتي (٤): الحلف على الخروج من البيت: لو قال رجل لامرأته: (إن خرجت من البيت فأنت طالق) فخرجت من البيت إلى صحن الدار، حنث، لأنه نوى ما يحتمله لفظه: وهو الانتقال من داخل الشيء إلى خارجه، ولأن البيت غير الدار، لأن البيت اسم لمسقف واحد، والدار اسم لحدود يجمع البيوت والمنازل، وبناء عليه إذا قال: (إن دخل فلان بيتك) فدخل صحن دارها، دون بيتها، لم يحنث. والحكم في هذين المثالين مبني على عرف الذين كانوا في عصر المجتهدين،

стр. 2418

أما في عرف المتأخرين، فإن اسم البيت يطلق على الدار والمنزل، فيحنث في الثاني دون الأول. الحلف على الخروج من الدار: وإن قال: (إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق) فخرجت من هذه الدار من أي باب كان، ومن أي موضع كان: من فوق حائط، أو سطح أو نقب: حنث، لوجود شرط الحنث، وهو الخروج من الدار. الخروج من الباب: ولو قال: (إن خرجت من باب هذه الدار فأنت طالق) فخرجت من أي باب كان، سواء من الباب القديم أو من الباب الحادث بعد اليمين، حنث في يمينه لوجود شرط الحنث: وهو الخروج من باب الدار. فلو خرجت من السطح أو من فوق حائط أو نقب: لا يحنث، لأنه ليس بباب. ولو عين باباً في يمينه فقال: (إن خرجت من هذا الباب) لا يحنث ما لم تخرج من الباب المعين. وإن خرجت من باب آخر، لا يحنث، لأنه قد يكون للتعيين فائدة أو غرض معين، فيعتبر ذلك. الخروج لأمر معين: لو قال: (إن خرجت من هذه الدار إلا في أمر كذا) فخرجت في ذلك الأمر مرة، ثم خرجت لأمر آخر: يحنث، لأنه حرم عليها جميع حالات الخروج إلا خروجاً مقيداً بصفة معينة، فإذا وجد منها الخروج المستثنى لا يحنث، وإن وجد خروج آخر يحنث. وإن عنى بيمينه الخروج مرة يصح. وتكون (إلا) بمعنى (حتى) مجازاً، كأنه قال: (إن خرجت من هذه الدار حتى تخرجي في أمر كذا) فإذا خرجت في ذلك الأمر يسقط اليمين، لتحقق الغاية من اليمين، ولكن هذا يثبت ديانة لا قضاء، لأنه مخالف لحقيقة اللفظ.

стр. 2419

الخروج مع فلان: لو قال: (إن خرجت من الدار مع فلان فأنت طالق) فخرجت وحدها أو مع غير فلان، ثم خرج فلان ولحقها: لم يحنث، لأن حرف (مع) للمصاحبة والقران، فيقتضي مقارنتها في الخروج، ولم يوجد، لأن الدوام على الخروج ليس بخروج. بعض الحالات المتعلقة بالخروج من الدار: لو قال: (إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق) فدخلت في صحن الدار أو في بيت علو أو كنيف شارع (١) إلى الطريق العام، فإنه لا يحنث، لأن هذا لا يسمى خروجاً من الدار. هل الدوام على الشيء بحكم ابتداء الشيء؟ لو قال لها وهي خارجة من الدار: (إذا خرجت من الدار فأنت طالق) لا يحنث. وكذلك إذا كانت في الدار، فقال: (إن دخلت هذه الدار .. إلخ) لا يحنث، ويقع اليمين على خروج ودخول مستأنف. أما لو قال: (إن قمت أو قعدت أو لبست أو ركبت) وهي قائمة أو قاعدة أو لابسة أو راكبة، فدامت على ذلك ساعة، يحنث. هذا هو مذهب الحنفية؛ لأن الخروج معناه الانتقال من الداخل إلى الخارج والدخول عكسه، وهذا مما لا دوام له، فلا يعتبر الدوام على الخروج خروجاً. أما الركوب ونظائره ففعل له دوام أي تتجدد أمثاله، فيكون له حكم الابتداء. ودليل التفرقة أنه يقال: ركبت أمس واليوم، ولبست أمس واليوم، ولا يقال: دخلت أمس واليوم إلا لدخول مبتدأ جديد (٢). وزعم الحنفية أن مذهب الشافعي يعتبر الدوام على الدخول والخروج له حكم

стр. 2420

ابتداء الفعل، وهذا غير صحيح، فإن نصوص المذهب الشافعي صريحة في أنه لو حلف إنسان ألا يدخل الدار وهو فيها، أو لا يخرج منها، وهو خارج، فلا حنث في الصورتين؛ لأن الدخول هو الانفصال من خارج إلى داخل، والخروج عكسه، ولم يوجد المعنى في الاستدامة، فلهذا لا يسمى دخولاً ولا خروجاً. أما الدوام على اللبس والركوب والقيام والقعود فله حكم الابتداء، فلو استمر في هذه الأحوال حنث (١) كما لاحظنا عند الحنفية. ومثل الركوب: الأكل والضرب: فلو قال لها وهي في الأكل والضرب: (إذا أكلت أو ضربت، فأنت طالق) فدامت على ذلك: يقع اليمين؛ لأن كل جزء من هذا الفعل يسمى أكلاًوضرباً. ومثل الدخول والخروج: (الحيض والمرض): فلو قال رجل لامرأته وهي حائض أو مريضة: (إن حضت أو مرضت، فأنت طالق) فإن اليمين يقع على ما يستجد ويحدث من الحيض والمرض، كما هو عرف الناس. ولو نوى ما يحدث من الحيض في هذه المدة أو يزاد من المرض: يصح، لأن الحيض ذو أجزاء، يحدث حالاً فحالاً، فتصح نيته. ولو قال: (إن حضت غدا ً) وهو لا يعلم أنها حائض، فإن اليمين يقع على الحيض المستجد الحادث. وإن كان يعلم أنها حائض، فإن اليمين يقع على هذه الحيضة إذا دام الحيض منها إلى أن يطلع الفجر واستمر ثلاثة أيام في رأي الحنفية، لأنه لما علم أنها حائض وقد حلف، فقد أراد استمرار الحيض، وما لم يكن ثلاثة أيام لا يكون حيضاً.

стр. 2421

الحلف على الخروج بدون إذن: قد يحلف الرجل بطلاق امرأته إذا لم يأذن لها بالخروج، بإحدى الصيغ الآتية: ١ - أن يقول: (أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني أو برضاي) ونحوه. ٢ - أن يقول: (أنت طالق إن خرجت من هذه الدار حتى آذن لك أو حتى أرضى). ٣ - أن يقول: (أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا أن آذن لك أو إلا أن أرضى). وأبدأ بالحالة الأولى وهي: ١ - أن يقول: (إلا بإذني أو برضاي): إذا قال رجل لامرأته: (أنت طالق إن خرجت إلا بإذني أو بأمري أو برضاي أو بعلمي) أو قال: (إن خرجت من هذه الدار بغير إذني، أو بغير أمري، أو بغير رضاي، أو بغير علمي) ففي هذه الحالات كلها يحنث إن خرجت بغير إذنه، ويشترط الإذن في كل مرة، حتى لو أذن لها مرة فخرجت، ثم عادت، ثم خرجت بغير إذنه مرة أخرى، حنث. وكذلك لو أذن لها مرة، فقبل أن تخرج نهاها عن الخروج، ثم خرجت بعدئذ يحنث. وإن وجد خروج بإذن فهو خروج مستثنى من يمينه، فلا يكون داخلاً تحت اليمين، فلا يحنث. والسبب فيه أنه جعل كل خروج شرطاً لوقوع الطلاق، واستثنى خروجاً موصوفاً بصفة: وهو أن يكون الخروج مصحوباً بالإذن؛ لأن الباء في اللغة للإلصاق، مثل كتبت بالقلم أي أنه التصقت الكتابة بالقلم، فكل خروج لايكون

стр. 2422

بتلك الصفة، كان داخلاً في اليمين، وصار شرطاً للحنث. قال الله تعالى: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ [مريم:٦٤/ ١٩] أي لا يوجد نزول إلا بهذه الصفة. ونظيره: ما لو قال لامرأته: (إن خرجت إلا بملاءة، أو بقناع أو إلا راكبة فأنت طالق) فإن وجد الخروج المستثنى لا يحنث، وإن وجد لا على ذلك الوصف: يحنث؛ لأن المستثنى غير داخل في اليمين، وغير المستثنى داخل، فيحنث، لوجود الشرط. فإن أراد بقوله: (إلا بإذني) مرة واحدة: تصح نيته، ويعمل بمقتضى نيته ديانة فيما بينه وبين الله . أما قضاء فيعمل أيضاً بموجب النية عند أبي حنيفة ومحمد، وفي رواية عن أبي يوسف. وقيل: لا يعمل بنيته قضاء، لأنه نوى خلاف الظاهر؛ لأن ظاهر هذا الكلام يقتضي تكرار الإذن في كل مرة كما تقدم، وهو الرأي الراجح الذي عليه الفتوى عند الحنفية. أما وجه قول الطرفين: فهو أن تكرار الإذن لم يثبت بظاهر اللفظ، وإنما ثبت بإضمار الخروج، فإذا نوى مرة واحدة، فقد نوى ما يقتضيه ظاهر كلامه. والحقيقة أن ظاهر الكلام: هو تكرار الإذن. وأما إذا أريد باليمين الإذن مرة واحدة، فهذا مما يحتمله الكلام فقط، ولذا كان المعول عليه في الفتيا، هو رأي أبي يوسف، فيصدق الحالف في أنه نوى مرة واحدة ديانة لا قضاء، لأنه نوى التخفيف عن نفسه، فلا يصدق في القضاء. والحيلة في هذه اليمين المتطلبة تكرار الإذن: أن يقول الزوج لامرأته: (أذنت لك الدهر كله) أو (أذنت لك أبداً) أو (كلما شئت الخروج فقد أذنت لك) فيثبت الإذن في كل مرة وجد فيها الخروج؛ لأن كلمة (كلما) توجب التعميم والتكرار.

стр. 2423

وكذلك لا يحنث إذا قال الزوج: (أذنت لك عشرة أيام) فخرجت مراراً في مدة العشرة. ولو أذن الزوج لامرأته في قوله: (إلا بإذني) مرة واحدة، ثم نهاها عن الخروج بعد صدور الإذن الخاص يصح نهيه، حتى لو خرجت بعد ذلك بغير إذنه: يحنث في يمينه؛ لأنه صح رجوعه عن الإذن، واليمين باقية، فجعل كأنه لم يأذن. أما لو أذن الزوج لامرأته إذناً عاماً: ثم نهاها عن الخروج بعدئذ نهياً عاماً عن جميع حالات الخروج، فهل يؤثر هذا النهي أو لا؟ قال محمد: يعمل بموجب النهي، ويبطل إذنه الصادر منه بالخروج، حتى إنها لو خرجت بعدئذ بغير إذنه، يحنث، بدليل أنه لو أذن لها مرة، ثم نهاها يصح نهيه، فكذا إذا أذن لها في كل مرة، وجب العمل بنهيه، ويزول الإذن بالنهي. وقال أبو يوسف: لا يؤثر نهيه في الإذن السابق ويظل ساري المفعول، لأن الإذن العام بالخروج يرفع اليمين، لأنه بالإذن ألغى شرط وقوع الطلاق: وهو الخروج بدون إذن، فإذا وجد النهي العام عن الخروج فلا يؤثر، لأنه لا يمين هناك. وهذا بخلاف الإذن الخاص بالخروج مرة واحدة، فإنه لم ترتفع اليمين، فجاء النهي عن الخروج واليمين باقية، فصح النهي (١). ٢ - أن يقول: (حتى آذن لك): إذا قال رجل لامرأته: (أنت طالق إن خرجت من هذه الدار حتى آذن لك أو آمر، أو أرضى أو أعلم) فيكفي الإذن مرة واحدة، وتسقط اليمين، حتى لو أذن لها مرة، فخرجت ثم عادت، ثم خرجت بغير إذن لا يحنث، وكذا إذا أذن لها مرة ثم نهاها قبل أن تخرج، ثم خرجت بعدئذ

стр. 2424

لا يحنث؛ لأن كلمة (حتى) تفيد الغاية، وهي بمعنى (إلى) وكلمة (إلى) لانتهاء الغاية، فينتهي اليمين بانتهاء ما بعد (حتى) فيصير وجود الإذن من الحالف غاية لمنع الخروج، فلا تبقى اليمين بعد وجود الغاية. فإذا حدث خروج بعدئذ، لا يحنث إذ لا يمين هناك؛ لأن اليمين سقطت بالإذن، فلا يعتبر النهي بعده. أما قبل الإذن فاليمين باقية فيحنث بالخروج. ولو نوى بقوله: (حتى آذن لك) حصول الإذن في كل مرة: يصدق ديانة وقضاء، لأنه نوى التشديد على نفسه (١). ٣ - أن يقول: (إلا أن آذن لك): إذا قال رجل لامرأته: (أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا أن آذن لك، أو آمر أو أعلم، أو أرضى) فهذا بمنزلة قوله: (حتى آذن) عند عامة العلماء. فلو أذن لها مرة واحدة، فخرجت، ثم خرجت مرة أخرى بغير إذنه لم يحنث، لأن (إلا أن) كلمة تفيد معنى الغاية، فتنتهي اليمين بها، كما إذا قال: (حتى آذن لك). والسبب في أن كلمة (إلا أن) تفيد معنى الغاية، مع أنها من حروف الاستثناء: هو أن صدر الكلام الذي قبل أداة الاستثناء ليس من جنس الإذن، حتى يستثنى الإذن منه، فيجعل مجازاً عن كلمة (حتى) لمناسبة بينهما: وهو أن حكم ما قبل الغاية مخالف لما بعدها، كما أن حكم ما قبل الاستثناء يخالف ما بعده. وقال الفراء من علماء النحو: قول القائل: (إلا أن آذن لك) مثل قوله: (إلا بإذني) يتطلب تكرار الإذن في كل مرة من مرات الخروج، لأن المعنى (إلا خروجاً بإذني)، إذ (أن) والفعل المضارع بعدها في تأويل المصدر، فصار تقدير

стр. 2425

الكلام: (إن خرجت من الدار إلا خروجاً إذني) وهذا كلام غيرمستقيم، فلزم تقدير الباء، فيصير (إلا خروجاً بإذني) وإسقاط الباء في اللفظ مع ثبوتها في التقدير أمر جائز في اللغة، كما روي عن رؤبة بن العجاج أنه قيل له: كيف أصبحت؟ فقال: (خير، عافاك الله) أي بخير. وكذا يحذفون الباء في القسم، فيقولون: (الله) مكان قولهم: (بالله) وإذا كان حذف الباء جائزاً قدرت في الكلام لضرورة تصحيحه، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ [الأحزاب:٥٣/ ٣٣] أي إلا بإذن لكم يتكرر بتكرار الدخول في كل مرة. ورد الحنفية بأن تصحيح الكلام بجعل (إلا) بمعنى (حتى) و (إلى) أولى من تصحيح الكلام بالتقدير الذي قاله الفراء؛ لأن التصحيح بجعل كلمة قائمة مقام أخرى أولى من التصحيح بطريق الإصنمار والتقدير، لأن الأول تغيير بتصرف في الوصف، والإضمار إثبات أصل الكلام، ولا شك أن التصرف في الوصف بالتغيير والتبديل أولى من إثبات أصل الكلام. وأما قوله : ﴿إلا أن يؤذن لكم﴾ [الأحزاب:٥٣/ ٣٣] فإنه اقتضى تكرار الإذن في كل مرة لابمقتضى اللفظ، بل بدليل آخر: وهو أن دخول دار الغير بغير إذنه حرام، ولأن الله تعالى قال؛ ﴿إن ذلكم كان يؤذي النبي﴾ [الأحزاب:٥٣/ ٣٣] ومعنى الأذى موجود في كل ساعة، فشرط الإذن في كل مرة (١). وقال غير الحنفية (٢): الحكم في أنواع الألفاظ الثلاثة السابقة واحد، وهو أنه متى خرجت بغير إذنه، طلقت وانحلت يمينه؛ لأن حرف (إن) لا يقتضي

стр. 2426

تكراراً، فإذا حنث مرة انحلت اليمين؛ لأنه علق الطلاق على شرط، وقد وجد فيقع الطلاق، كما لو لم تخرج بإذنه. لكن الحنابلة قالوا: لابد من تكرار الإذن، كما سيأتي بيانه. تعليق الخروج بإذن فلان: لو قال الرجل لامرأته: (إن خرجت إلا بإذن فلان) فمات فلان قبل الإذن، بطلت اليمين عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف ﵀: اليمين باقية، حتى لو خرجت بعدئذ يحنث. وهذا الخلاف مفرع على اختلافهم فيمن حلف (ليشربن الماء الذي في هذا الكوز، ولا ماء فيه). فعند الطرفين: لا تنعقد اليمين؛ لأن تصور البر شرط لانعقاد اليمين ولبقائها في المستقبل عندهما. وعند أبي يوسف: تنعقد اليمين، لأنه لا يشترط هذا الشرط عنده، وإنما يكفي أن تكون اليمين على أمر في المستقبل. الإذن بالخروج دون أن تسمع المرأة: إن أذن الرجل لامرأته المحلوف عليها بالخروج من حيث لا تسمع عادة، فخرجت، بغير الإذن: يحنث عند أبي حنيفة ومحمد، لأن الإذن إعلام، قال الله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ [التوبة:٣/ ٩] أي إعلام، والإذن بحيث لا تسمع يكون إعلاماً، فلا يكون إذناً، فلم يوجد مأذون فيه، فيحنث، ولأنه حرم عليها الخروج إلا خروجاً مأذوناً فيه مطلقاً بحيث يأذن وتسمع، والخروج الذي حصل مأذون فيه من جهة واحدة، فلم يكن هذا خروجاً مستثنى، فبقي داخلاً تحت الحرمة. وقال أبو يوسف: لا يحنث؛ لأن شرط الحنث وجود خروج غير مأذون فيه مطلقاً، والخروج الذي حصل مأذون فيه من وجه لوجود كلام الإذن فلم يوجد شرط الحنث، فلا يحنث بالشك. الحلف مقيد ببقاء الولاية: إذا حلف رجل على زوجته ألا تخرج من الدار،

стр. 2427

أو سلطان حلَّف رجلاً ألا يخرج من بلدة إلا بإذنه، ثم بانت المرأة من الزوج، أو عزل السلطان عن عمله، ثم خرجت المرأة والرجل بغير إذن: لم يحنث الحالف، وسقطت اليمين؛ لأن اليمين تقع على الحال التي يملك الحالف فيها الإذن: وهي بقاء الولاية، فإذا زالت الولاية زالت اليمين. وتنطبق هذه القاعدة على ما إذا حلَّف الدائن مدينه ألا يخرج من بلده إلا بإذنه، فاليمين مقيدة بحال قيام الدين، فإن خرج وعليه دين: يحنث. وإن خرج بعد أداء الدين أو إبراء المدين منه: لا يحنث؛ لأن اليمين سقطت، وإنما تتقيد اليمين ببقاء الدين. وهذا من تطبيقات يمين الفور التي تتقيد بدلالة الحال. ويترتب عليه أنه إن عاد الدين أو غيره على المدين لم تعد اليمين (١). والخلاصة: إن مذهب الحنفية يشترط تكرار الإذن في كل خروج في قول الحالف: (إلا بإذني). أما قوله: (حتى آذن) أو (إلا أن آذن) فلا يقتضي تكرار الإذن، وإنما يكفي الإذن مرة واحدة، ثم تسقط اليمين. مذاهب غير الحنفية في هذه الألفاظ: قال المالكية والشافعية: يكفي إذن واحد بالخروج في هذه الصور الثلاث: (إلا بإذني) و (حتى آذن لك) و (إلا أن آذن لك). فإذا أذن الحالف مرة واحدة تنحل اليمين، ولا يحنث بخروجها بعدئذ، لأن اليمين تعلقت بخروج واحد بحرف لا يقتضي التكرار، وإذا خرجت بغير إذن حنث. وإن خرجت بإذن بر في يمينه؛ لأن البر يتعلق بما يتعلق به الحنث. وقال الحنابلة: لا بد من تكرار الإذن في كل حالة من حالات الخروج في

стр. 2428

الصور الثلاث السابقة؛ لأن الحالف علق الطلاق بشرط، فإذا وجد الشرط وقع الطلاق، وتنحل اليمين إن حنث مرة واحدة (١). المطلب الثالث - الحلف على الكلام: لا بد من وقوع الكلام من الإنسان، لأنه يحتاج إلى إيصال ما في نفسه إلى غيره للوصول إلى مقاصده وأغراضه. وللكلام أهميته في التوفيق أو التنازع بين اثنين. ويحتاج المرء في الغالب إلى القسم لحمل نفسه أو غيره على التكلم أو الامتناع من التكلم. وسأذكر أهم حالات الحلف على الكلام: وهو إما أن يكون مطلقاً أو مؤقتاً. أما المطلق: فهو أن يحلف ألا يكلم فلاناً، فيقع على الأبد، حتى لو كلمه ولو بالسلام في أي وقت وفي أي مكان وعلى أي حال، حنث. ومن حالاته ما يأتي: الحلف على عدم تكليم فلان: لو حلف شخص على ألا يكلم فلاناً فناداه من مكان بعيد: فإن كان فلان هذا في موضع بحيث يسمع مثله لو أصغى إليه أذنه، فإنه يحنث عند الحنفية والحنابلة وفي قول عند المالكية، وإن لم يسمعه. وإن كان في موضع لا يسمع في مثله عادة بسبب بعد المسافة، فإنه لا يحنث. وكذا إذا كان المخاطب أصم بحيث لو أصغى إليه أذنه لا يسمع: لا يحنث. والسبب: هو أن تكليم فلان: عبارة عن إسماع كلامه إياه، إلا أن الإسماع أمر باطن خفي، فأقيم السبب الظاهرالمؤدي إليه مقامه، وهو إمكان السماع في الموضع القريب.

стр. 2429

ولو حلف ألا يكلم فلاناً، فكلمه وهو نائم فأيقظه: حنث، لأنه كلمه وأسمعه، ولو لم يوقظه لم يحنث، وهو المختار عند عامة مشايخ الحنفية خلافاً لما ذكر القدوري من أنه إذا كان بحيث يسمع لو لم يكن نائماً يحنث؛ لأنه قد كلمه ووصل إلى سمعه إلا أنه لم يفهم لنومه، فصار كما إذا ناداه وهو في مكان بحيث يسمع إلا أنه لم يفهم لاشتغاله بأمر آخر. ورأي عامة المشايخ هو الأرجح، لأنه إذا لم يوقظه كان كما إذا ناداه من بعيد، وهو بحيث لا يسمع صوته، ولأن الإنسان لا يعد مكلماً للنائم إذا لم يتيقظ بكلامه، كما لا يعد متكلماً مع الغائب. ولو مر الحالف على جماعة فيهم المحلوف عليه، فسلم عليهم: حنث لأنه كلمه وكلم غيره بالسلام، فإن قصد بالسلام الجماعة دونه لم يحنث وتصح نيته فيما بينه وبين الله تعالى، لأنه نوى تخصيص كلامه، وإطلاق الكل وإرادة البعض جائز، ولكن لا يقبل منه هذا الادعاء قضاء، لأنه خلاف الظاهر من كلامه (١). ولو سلم في الصلاة والمحلوف عليه معه في الصلاة: فإما أن يكون الحالف إماماً أو مقتدياً: ١ - فإن كان الحالف إماماً ينظر: إن كان المحلوف عليه خلفه، فسلم، لم يحنث بالتسليمة الأولى. وإن كان على يمينه: لا يحنث أيضاً؛ لأن التسلمية الأولى كلام في الصلاة؛ لأن المصلي يخرج بها عن الصلاة، فلا تكون من كلام الناس، بدليل أنها لا تفسد الصلاة. وإن كان شماله فقد اختلف المشايخ فيه: فقال بعضهم: يحنث، وقال بعضهم: لا يحنث.

стр. 2430

٢ - وإن كان الحالف مقتدياً: فكذلك لا يحنث عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن المقتدي لا يصير خارجاً عن الصلاة بسلام الإمام عندهما. وقال محمد: يحنث لأن المقتدي يصير خارجاً عن صلاته بسلام الإمام عنده، فقد تكلم كلاماً خارج الصلاة مع فلان، فيحنث. ولو حلف لا يكلم فلاناً، فكتب إليه كتاباً، فانتهى الكتاب إليه، أو أرسل إليه رسولاً، فبلغ الرسالة إليه، أو أشار إليه بالإصبع: لا يحنث؛ لأن هذا ليس بكلام، وذلك باتفاق الحنفية، والشافعية في الجديد. وقال الحنابلة والمالكية على الراجح: يحنث إلا أن يكون أراد ألا يشافهه (١). الحلف على عدم التكلم: من حلف لا يتكلم اليوم، فقرأ القرآن، أو صلى، أو سبح: لم يحنث، استحساناً، ومثله التهليل والتكبير، وهو يتناول القراءة والتسبيح في الصلاة وخارجها؛ لأن هذا لا يسمى كلاماً عرفاً، أما في الصلاة فليس بكلام عرفاً ولا شرعاً، قال ﵊: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هي التهليل والتسبيح وقراءة القرآن» (٢) وقوله ﷺ : «إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا نتكلم في الصلاة» (٣)، ولأن الكلام مفسد، ولو كانت هذه الأشياء من كلام الناس لأفسدت.

стр. 2431

وأما في غير الصلاة فلا يحنث، لأنه لا يسمى متكلماً في عرفنا المتأخر بل قارئاً ومسبحاً، ومبنى الأيمان على العرف (١). وكذلك قال الشافعية والحنابلة: لا يحنث مطلقاً سواء قرأ في الصلاة أم في غيرها؛ لأن الكلام في العرف لا يطلق إلا على كلام الآدميين. وهذا هو مذهب الشافعية خلافاً لما زعم الحنفية من أن مذهب الشافعي مخالف لهم، فإنهم قالوا: لو حلف لا يتكلم فسبح الله تعالى أو حمده أو هلله أو كبره أو دعا أو قرأ قرآناً في الصلاة أو خارجها، ولو كان عليه حدث أكبر، فلا حنث بذلك، لانصراف الكلام إلى كلام الآدميين في محاوراتهم (٢). وأما الحلف على الكلام مؤقتا ً: فهو نوعان: معين ومبهم. أما المعين: فنحو أن يحلف الرجل بالليل: لا يكلم فلاناً يوماً، فيحنث بكلامه من وقت الحلف إلى أن تغيب الشمس من الغد، فيدخل في يمينه بقية الليل. وكذلك لو حلف بالنهار لا يكلمه ليلة: إنه يحنث بكلامه من حين حلف إلى طلوع الفجر. ولو حلف في بعض النهار لا يكلمه يوماً فاليمين على بقية اليوم والليلة المستقبلة إلى مثل تلك الساعة التي حلف فيها من الغد. فإن قال في بعض اليوم: (والله لا أكلمك اليوم)، فاليمين على باقي اليوم، فإذا غربت الشمس سقطت اليمين. وكذلك إذا قال بالليل: (والله لا أكلمك الليلة)، فإذا طلع الفجر، سقطت اليمين. ولو حلف لايكلمه شهرا ً: يقع على ثلاثين يوماً تبتدئ من حين الحلف. ولو قال: الشهر، يقع على بقية الشهر، ولو حلف لايكلمه السنة، يقع على بقية السنة.

стр. 2432

ولو قال: (والله لا أكلمك يوماً ولا يومين)، فهو مثل قوله: والله لا أكلمك ثلاثة أيام في قول أبي حنيفة ومحمد، وفي رواية عن أبي يوسف. وذكر محمد في الجامع الصغير أنه يقع على يومين. ودليله: أن كل واحد منهما يمين منفردة، فصار لكل يمين مدة على حدة، وبذلك أصبح على اليوم الأول يمينان، وعلى اليوم الثاني يمين واحدة. ودليل الرأي الأول: أن الحالف عطف اليومين على اليوم، والمعطوف غير المعطوف عليه، فاقتضى يومين آخرين غير الأول (١). وأما المبهم: فنحو أن يحلف ألا يكلم فلاناً زمناً أو حيناً أو الزمان أو الحين: فإنه يقع على ستة أشهر؛ لأن الحين يستعمل، ويراد به الوقت القصير: قال الله تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ [الروم:١٧/ ٣٠] وقد يراد به الوقت الطويل، وهو أربعون سنة، قال تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ [الإنسان:١/ ٧٦] وقد يراد به الوقت الوسط: وهو ستة أشهر، قال تعالى: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ [إبراهيم:٢٥/ ١٤] قيل: أي ستة أشهر، فحمل على الوسط، لأنا لا نعلم أنه يريد القليل أو الكثير. ولو قال: (لا أكلمه دهراً أو الدهر) فقال أبو حنيفة: إن كانت له نية فهو على ما نوى، وإن لم تكن له نية، فلا أدري ما الدهر. وقال الصاحبان: إذا قال: دهراً أي (منكَّراً) فهو ستة أشهر، وإذا قال: الدهر أي (معرفاً) فهو على الأبد.

стр. 2433

وقال بعض مشايخ الحنفية: لا خلاف في الدهر أنه الأبد، وإنما قال أبو حنيفة: (لا أدري ما الدهر) إذا قال: (دهرا ً) (١). وقال الشافعية والحنابلة (٢): إن حلف ألا يكلمه زمناً أو وقتاً أو دهراً أو عمراً فإنه يقع على القليل والكثير، فيبر بالقليل والكثير؛ لأن هذه الأسماء لا حد لها في اللغة، وتقع على القليل والكثير، فوجب حمله على أقل ما يتناوله اسمه. أما إذا حلف ألا يكلمه الدهر أو الأبد أو الزمان، فذلك على الأبد، لأن ذلك بالألف واللام، وهي للاستغراق، فتقتضي الدهر كله. ولو قال: (والله لا أكلمك يوم الجمعة) فله أن يكلمه في غير يوم الجمعة؛ لأن الجمعة اسم ليوم مخصوص. وكذلك لو قال: (جمعاً) له أن يكلمه في غير يوم الجمعة، لأن الجُمَع جمع جمعة وهي يوم الجمعة فلا يتناول غيره، بخلاف ما إذا قال: (لا أكلمه أياما ً): إنه يدخل فيه الليالي. ثم إذا قال (والله لا أكلمك جمعا ً) فهو على ثلاث جمع؛ لأن أقل الجمع الصحيح ثلاثة، فيحمل عليه. وإذا قال: (الجمع) يقع اليمين على عشر جمع عند أبي حنيفة، وكذلك الأيام والأزمنة والأحايين والشهور والسنين: يقع اليمين على عشرة أيام، وعشرة أحايين أو أزمنة وعشرة أشهر وعشر سنين؛ لأن أكثر ما تناوله اسم الأيام ونحوه: هو عشرة؛ لأن بعد العشرة لا يقال: أيام، بل يقال: أحد عشر يوماً، ومئة يوم، وألف يوم. وقال الصاحبان: في الجُمَع والسنين يقع على الأبد، وكذا في الأحايين والأزمنة، وفي الأيام يقع على سبعة، وفي الشهور على اثني عشر؛ لأن الأصل

стр. 2434

عندهما فيما دخل عليه حرف التعريف هو (اللام) من أسماء الجمع: أن ينظر إن كان هناك معهود ينصرف إليه كالسبعة في الأيام بحسب أيام الأسبوع، والاثني عشر في الشهور، وإن لم يكن هناك معهود ينصرف إلى جميع الجنس، فيستغرق العمر كالسنين والأحايين والأزمنة. أما الأصل عند أبي حنيفة فهو كما لاحظنا: أن ينصرف الاسم إلى أقصى ما يطلق عليه لفظ الجمع عند اقترانه بالعدد: وذلك عشرة (١). ومن حلف ألا يكلمه حينا ً، فكلمه قبل الستة أشهر، حنث عند الحنفية والحنابلة (٢)؛ لأن الحين المطلق في كلام الله أقله ستة أشهر، قال تعالى: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ [إبراهيم:٢٥/ ١٤] فسره جماعة بستة أشهر. وقال مالك: الحين سنة؛ لأنه فسر بعام. وقال الشافعي وأبو ثور: لا قدر له، ويبر بأدنى زمن؛ لأن الحين اسم مبهم يقع على القليل والكثير. ولو حلف (لا يكلمه أياما ً) فهو على ثلاثة أيام وهو الصحيح، لأنه ذكر لفظ الجمع منكراً، فيقع على أدنى الجمع الصحيح: وهو ثلاثة. وفي رواية: يقع على عشرة أيام عند أبي حنيفة، وعند الصاحبين: على سبعة. ولو قال: (لا أكلمك سنين) فهو على ثلاث سنين باتفاق الحنفية والمالكية، لما ذكر أن أقل الجمع ثلاثة، فيحمل عليه (٣). والخلاصة: أن أبا حنيفة وصاحبيه يقولون في الجمع المنكر: إنه يقع على أقل الجمع وهو ثلاثة، أما في الجمع المعرف: فالأصل عند أبي حنيفة: أن يقع على

стр. 2435

أقصى ما يطلق عليه لفظ الجمع عند اقترانه بالعدد وهو العشرة. والأصل عند الصاحبين: أن يقع على المعهود إن كان هناك معهود، وإلا فيقع على جميع الجنس. ولو حلف (لايكمله العمر) فهو على جميع العمر إذا لم تكن له نية. ولو قال: عمراً: فعن أبي يوسف روايتان: في رواية وهي الأظهر: يقع على ستة أشهر كالحين. وفي رواية: يقع على يوم. ولو حلف (لا يكلم فلاناً أياماً كثيرة): فهو على عشرة أيام عند أبي حنيفة. وعند الصاحبين: يقع على سبعة أيام. ولو حلف (لا يكلمه إلى بعيد) يقع على شهر فصاعداً. ولو حلف (لا يكلمه إلى قريب) فهو على أقل من شهر. ولو حلف (لا يكلمه عاجلاً أو آجلاً) فالعاجل: يقع على أقل من شهر؛ لأن الشهر في حكم الكثير؛ لأنه يجعل زمناً آجلاً في الديون، فكان بعيداً. والآجل: يقع على الشهر فصاعداً. ولو حلف (لا يكلمه مليا ً) يقع على شهر كالبعيد. ولو حلف (ألا يكلمه الشتاء) فأوله إذا لبس الناس الألبسة الشتوية، وآخره إذا ألقوها بحسب البلد الذي حلف فيه، والصيف على ضده: وهو من حين خلع الألبسة الشتوية إلى لبسها. والخريف والربيع معروفان بحسب المعلوم في اللغة (١). ومن حلف ألا يفعل شيئاً ففعل بعضه حنث إلا إن أراد الكل، فمن حلف ألا

стр. 2436

يزور شخصين أو لا يكلمهما فزار أو كلم أحدهما، إلا أن يكون أراد ألا يجتمع فعله بهما (١). المطلب الرابع - الحلف على الأكل و الشرب و الذوق ونحوها: الأكل: - هو إيصال ما يتأتى فيه المضغ بفمه إلى جوفه، مضَغه أو لم يمضغه، كالخبز واللحم والفاكهة ونحوها. والشرب: - هو إيصال ما لا يتأتى فيه المضغ إلى جوفه، مثل كل المائعات من الماء والنبيذ واللبن والعسل الممزوج بالماء ونحوها (٢). والذَّوْق: - هو إيصال المذوق إلى الفم ابتلعه أو لا، بعد أن وجد طعمه، لأن الذوق أحد الحواس الخمس التي تعلم بها الأشياء، ولذا يتحقق العلم بالطعم سواء ابتلع الشيء المذاق أو مجه، فكل أكل فيه ذوق، وليس كل ذوق أكلاً. الحلف على الذَّوْق: بناء عليه: إذا حلف لا يأكل ولا يشرب فذاق، لم يحنث. وإذا حلف لا يذوق طعاماً أو شراباً، فأدخله في فمه وعرف طعمه، حنث لحصول الذوق، وتحقق معناه الذي ذكر. ولو حلف لا يذوق شيئاً وعنى به أكله وشربه: فإنه تصح نيته ويصدق ديانة بينه وبين الله ، ولا يصدق قضاء، ولا يحنث بالذوق، لأنه قد يراد بالذوق: الأكل والشرب في عرف الناس، يقول الرجل: ما ذقت اليوم شيئاً، وماذقت إلا الماء - يريد به الأكل والشرب.

стр. 2437

وأما السبب في أنه يصدق ديانة، فلأنه نوى ما يحتمله كلامه، ولا يصدق قضاء لعدوله عن ظاهر الكلام إلى معنى آخر. ولو حلف لا يذوق ماء: فتمضمض في الوضوء: لا يحنث في يمينه، وإن حصل له العلم بطعم الماء؛ لأن ذلك لا يسمى ذوقاً عرفاً وعادة، لأن قصده التطهر، لا معرفة طعم المذوق (١). ولو حلف لا يشم شيئا ً، فالشم عند الحنابلة يشمل كل نبت أو زهر طيب الرائحة، مثل الورد والبنفسج والنرجس. وقال الشافعي: لا يحنث إلا بشم الريحان الفارسي؛ لأنه المتعارف (٢). الحلف على الأكل: ١ - لو حلف لا يأكل الرمان أو العنب، فمصه ورمى تفله وبلع ماءه، لا يحنث في الأكل، ولا في الشرب؛ لأن المص ليس بأكل ولا شرب، بل هو مص. وإن ابتلع العنب أو الرمان من غير مضغ: يحنث لأنه أكل. ٢ - مفهوم أكل الطعام: لو حلف لا يأكل طعاماً: فإن الطعام يقع بالاتفاق على الخبز، واللحم، والحلوى والفاكهة وما يؤكل على سبيل الإدام مع الخبز؛ لأن الطعام في اللغة: اسم لما يطعم، لقوله تعالى: ﴿كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه﴾ [آل عمران:٩٣/ ٣] أما في العرف فقد اختص بما يؤكل بنفسه أو مع غيره عادة.

стр. 2438

وكذلك إذا حلف لا يأكل من طعام فلان، فأكل شيئاً مما ذكر من طعام فلان: يحنث. فإن أخذ من نبيذ فلان أو مائه، فأكل به بخبز نفسه: لا يحنث؛ لأن هذا لا يسمى طعاماً، لأنه لا يؤكل مع الخبز عادة، ولأن الشخص يسمى حينئذ طعام نفسه عادة. ولو حلف ألا يأكل قوتاً، فأكل خبزاً أوتمراً أو زبيباً أو لحماً أو لبناً، حنث؛ لأن كل واحد من هذه يقتات في بعض البلدان. ٣ - كيفية أكل اللبن والخل: لو حلف لا يأكل هذا اللبن، فأكله مع الخبز أو التمر، أو حلف لا يأكل هذا الخل، فأكله مع الخبز: يحنث باتفاق الحنفية والشافعية؛ لأن أكل اللبن هكذا يكون عادة، وكذلك الخل لأنه من جملة الإدام، قال ﷺ : «نعم الإدام الخل» (١) ولو شربه لا يحنث، لأن هذا ليس بأكل (٢). ٤ - اليمين معلقة ببقاء العين لا بعد تغيرها: لو حلف لا يأكل هذا اللبن، فأكل مما يتخذ منه كالجبن والأقط (٣) ونحوهما، لا يحنث بالاتفاق؛ لأنه قد تغير، فلا يبقى له اسم العين المحلوف عليها. ومثله: ما لو حلف ألا يأكل من هذه البيضة، فصارت فرخاً، فأكل من فرخ خرج منها، أو حلف لا يشرب من هذه الخمر، فصارت خلاً: لا يحنث، لأنه تغير عن أصله.

стр. 2439

وذكر الحنابلة (١) أن اللبن يتناول لبن الأنعام أوالصيد أو لبن الآدمية؛ لأن الاسم يتناوله حقيقة وعرفاً، وسواء أكان حليباً أم رائباً مائعاً أم مجمداً؛ لأن الجميع لبن. ومثله أيضاً لو حلف ألا يأكل من هذا البُسْر فصار رُطَباً (٢) أو لا يأكل من هذا الرطب فصار تمراً، أو لا يأكل من هذا العنب شيئاً، فصار زبيباً فأكله: لم يحنث في جميع ما ذكر باتفاق الحنفية والشافعية والمالكية؛ لأن الأصل أن اليمين متى تعلقت بعين تبقى ببقاء العين، وتزول بزوالها، إلا أن العين في الرطب وإن لم تتبدل، لكن زال بعضها: وهو الماء بالجفاف، فإذا جف الرطب، فقد زال عنه الماء، فصار آكلاً بعض العين المشار إليها فلا يحنث، وذلك كما لو حلف لا يأكل هذا الرغيف، فأكل بعضه. وقال الحنابلة (٣): لو حلف ألا يأكل هذا الرطب، فأكله تمراً حنث، كما يحنث من أكل كل ما تولد من ذلك الرطب. أما لو حلف ألا يأكل تمراً، فأكل رطباً، لم يحنث، وكذا لو حلف ألا يأكل عنباً، فأكل زبيباً أو دبساً، أو لا يكلم شاباً فكلم شيخاً، أو لا يشتري جدياً فاشترى تيساً لم يحنث؛ لأن اليمين تعلقت بالصفة دون العين، ولم توجد الصفة. ومن حلف لا يأكل طعاماً يشتريه فلان، فاشتراه فلان وغيره، فأكل منه ولم تكن له نية، حنث عند المالكية والحنفية والحنابلة (٤) لأن فلاناً مشتر لنصفه وهو طعام وقد أكله، فيجب أن يحنث كما لو اشتراه فلان فخلطه بما اشتراه غيره، فأكل

стр. 2440

الجميع. وقال الشافعية: لا يحنث؛ لأن كل جزء لم ينفرد أحدهما بشرائه، فلم يحنث به، كما لو حلف لا يلبس ثوباً اشتراه زيد، فلبس ثوباً اشتراه زيد وغيره. وهذا بخلاف الحالات الآتية: لو حلف لا يأكل من لحم هذا الحَمل (١) أو هذا الجدي (٢) فأكل منه بعدما صار كبشاً أو تيساً: فإنه يحنث عند الحنفية؛ لأن العين قائمة لم تتغير، واليمين وقعت على الذات المعينة. وإذا حلف ألا يكلم هذا الشاب، فكلمه بعدما شاخ: حنث لأن العين قائمة لم تتغير، وإنما الذي تغير هو الوصف، لا بعض الشخص المحلوف عليه. أما لو حلف لا يكلم شاباً، فكلم شيخاً: فإنه لا يحنث بالاتفاق؛ لأن اليمين وقعت على نكرة موصوفة بصفة الشباب، وذكر الصفة بمنزلة اشتراط الشرط، ومن المعلوم أن صفة الشباب لا تنطبق على الشيوخ. اختلاف الحنفية في حكم خلط اللبن بالماء: إذا حلف إنسان لا يذوق من هذا اللبن شيئاً، فصب فيه ماء فذاقه أو شربه: ينظر إذا كان اللبن غالباً: حنث، لأنه إذا كان غالباً يسمى لبناً، وإذا كان الماء غالباً لا يحنث، وهذا ينطبق على النبيذ إذا صبه في خل، أو الماء المالح إذا صب على ماء عذب، فالعبرة فيه للغلبة، وهذا باتفاق الصاحبين، غير أن أبا يوسف اعتبر الغلبة في اللون أو الطعم، لا في الأجزاء، فإن بقي لون اللبن أو طعمه يحنث وإن كان اللبن أقل. أما إذا ذهب طعم اللبن أو لونه فلا يحنث، وإن كانت أجزاء اللبن أكثر، لأنه إذا كان اللون والطعم كان اسم الشيء باقياً.

стр. 2441

ونظر محمد إلى غلبة الأجزاء، فقال: إن كانت أجزاء المحلوف عليه غالبة يحنث، وإن كانت مغلوبة لا يحنث؛ لأن الحكم يتعلق بالأكثر ويكون الأقل تبعاً للأكثر. وذكر محمد: أنه لو حلف إنسان لا يأكل سمناً، فأكل سويقاً لتَّه (١) بسمن ولا نية له أخرى: إن كانت أجزاء السمن تستبين في السويق ويوجد طعمه يحنث. وإن كان لا يوجد طعمه، ولا يرى مكانه لم يحنث لأنها إذا استبانت لم تصر مستهلكة ضِمْن غيرها، فكأنه أكل السمن بنفسه منفرداً، وإذا لم تستبن أجزاء السمن، فقد صارت مستهلكة في غيرها، فلا يعتد بها. اختلاط الشيء بجنسه: إذا اختلط المحلوف عليه بجنسه كاللبن المحلوف عليه إذا اختلط بلبن آخر، قال أبو يوسف: حكمه حكم خلط اللبن بالماء تعتبر فيه الغلبة، فإن كانت الغلبة لغير المحلوف عليه، لم يحنث في يمينه، لأنه في معنى الشيء المستهلك في غيره. وقال محمد: يحنث وإن كان المحلوف عليه مغلوباً؛ لأن الشيء لا يصير مستهلكاً بجنسه، وإنما يصير مستهلكاً بغير جنسه، وحينئذ يعتبر كأنه غير مغلوب. ولكن يلاحظ أن الإمام محمد لم يجعل خلط الجنسين استهلاكاً أي (إعداماً لذات الشيء) إذا كان الجنس والنوع والصفة في كل منهما واحداً، فإذا اختلف النوع كلبن الضأن ولبن المعز، أو اختلفت الصفة كالماء العذب والماء المالح، فيجعل

стр. 2442

خلطهما استهلاكاً، ويعتبر الحكم في الخليط للغلبة كما في حالة اختلاط الجنسين (١). ٥ - الحلف على الإدام: لو حلف لا يأكل إداماً، فالإدام: كل مايصطبغ (٢) به مع الخبز عادة كاللبن والزيت والمرق والخل والعسل ونحوها، وما لا يصطبغ به فليس بإدام مثل: اللحم والجبن والبيض، وهذا قول أبي حنيفة، وفي رواية عن أبي يوسف. وقال محمد وبقية الفقهاء وفي رواية أخرى عن أبي يوسف: إن كل ما يؤكل بالخبز: فهو إدام مثل اللحم والبيض والجبن، بدليل ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «سيد إدام أهل الجنة اللحم» (٣) ولأن الإدام من الائتدام وهو الموافقة، والموافقة بين هذه الأشياء وبين الخبز في الأكل أمرها ظاهر، فكانت إداماً، ولأن الناس يأتدمون بها عرفاً وعادة. وهذا هو الرأي الأظهر المفتى به عند الحنفية. وبناء عليه هناك ثلاثة أوجه في أكل الإدام: آـ إن أكل ما يؤتدم به كالزيت والخل يحنث بالاتفاق؛ لأن هذه الأشياء تصير تبعاً للخبز، ولا تؤكل مقصودة بنفسها، وهذا هو معنى الإدام. ب - إن أكل مع الخبزوالجبن واللحم والبيض: يحنث على الرأي المختار، وهو قول محمد. ولا يحنث على الرأي المرجوح وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف.

стр. 2443

وأما الأرز: فإن كان في بلد يؤكل تبعاً للخبز يكون إداماً عند محمد، فيحنث بأكله، وإن كان يؤكل مقصوداً بنفسه في عرف الناس كما في بلاد الشرق الأقصى، فلا يحنث، لأنه ليس إداماً عندهم. جـ - وإن أكل مع الخبز عنباً وسائر الفواكه أو البقول: لا يحنث بالاتفاق، لأنه تؤكل وحدها، ولا تؤكل إداماً مقصوداً، بل هي تبع للأكل مع الإدام، إلا في موضع تؤكل تبعاً للخبز غالباً مراعاة للعرف (١). ٦ - عدم أكل اللحم: لو حلف لا يأكل لحماً، فأي لحم أكل من سائر الحيوان غير السمك حنث. أما إن أكل سمكاً فلا يحنث وإن سماه الله لحماً في قوله تعالى: ﴿لحماً طرياً﴾ [فاطر:١٢/ ٣٥] لأنه لا يسمى لحماً في العرف ولا يراد به عند الإطلاق اسم اللحم، فإن الرجل يقول: ما أكلت اللحم كذا يوماً، وإن كان قد أكل سمكاً، وإطلاق القرآن عليه مجرد تسمية. وهذا هو مذهب الشافعية أيضاً (٢)، ولا يشمل الكَرْش والكَبِد والطِّحال والقلب في الأصح عند الشافعية، ويشمل لحم الرأس واللسان وشحم الظهر والجَنْب. وقال المالكية والحنابلة: يحنث بأكل شحم الظهر والجنب وبأكل السمك، لأن الله سماه لحماً في قوله سبحانه: ﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً﴾ [النحل:١٤/ ١٦]، وقال: ﴿ومن كلٍّ تأكلون لحماً طرياً﴾ [فاطر:١٢/ ٣٥]، ولأنه من جسم حيوان (٣).

стр. 2444

واللحم عند الحنابلة لا يشمل الشحم والمخ والدماغ، إلا إن أراد اجتناب الدسم، فيحنث بأكل الشحم. ولو أكل شحم الظهر يحنث عند الحنفية؛ لأنه لحم سمين. ولو أكل شحم البطن والألية: لا يحنث، لأنه لا يسمى لحماً، ولا يباع مع اللحم أيضاً، فإن نواه يحنث؛ لأنه شدد على نفسه، ولأن فيه معنى اللحم من وجه وهو الدسومة. وكذلك يحنث إن نوى لحم السمك، لأنه لحم ناقص في معنى اللحمية. ولو أكل أحشاء البطن مثل الكرش والكبد والقلب والكلي والرئة والأمعاء والطحال: ذكر الكرخي أنه يحنث في عادة أهل الكوفة في زمن أبي حنيفة، لأن ذلك يباع مع اللحم، وأما في الموضع الذي لا يباع مع اللحم كما في عرفنا الحاضر فلا يحنث به. ولو أكل لحم الرأس من الحيوانات، سوى السمك: يحنث؛ لأن الرأس عضو من أعضاء الحيوان، فكان لحمه كلحم سائر الأعضاء، بخلاف ما إذا حلف لايشتري لحماً، فاشترى رأساً: إنه لا يحنث، لأن مشتريه لا يسمى مشتري لحم، وإنما يقال: اشترى رأساً (١). ٧ - عدم أكل الشحم: ولو حلف لا يأكل شحماً فاشترى شحم الظهر لم يحنث عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد؛ لأنه لا يسمى شحماً عرفاً وعادة، بل يسمى لحماً سميناً، فلا يتناوله اسم الشحم عند الإطلاق، وتسمية الله تعالى إياه شحماً لا يدل على دخوله تحت اليمين إذا لم يكن متعارفاً، والأيمان مبنية على العرف، وإنما يحنث بشحم البطن والأمعاء.

стр. 2445

وقال الصاحبان والمالكية: يحنث بأكل شحم الظهر أيضاً، لقوله تعالى: ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما﴾ [الأنعام:١٤٦/ ٦] والمستثنى من جنس المستثنى منه، فدل أن شحم الظهر شحم حقيقة (١) وهذا ما يؤيده عرف اليوم أنه شحم. ٨ - عدم أكل الرأس أو شرائه: لو حلف لا يأكل رأساً أو لا يشتري: إن نوى الرؤوس كلها انصرف إليها، لأنه نوى حقيقة كلامه وشدد على نفسه. وإن لم يكن له نية فإن اسم الرأس يتناول جميع ما يباع في بلد الحالف من الرؤوس. وكان أبو حنيفة ﵀ يقول أولاً: يدخل فيه رأس الإبل والبقر والغنم، ثم رجع فقال: يحنث في رأس البقر والغنم خاصة. وقال الصاحبان: لا يحنث إلا في رأس الغنم خاصة. قال متأخرو الحنفية: وهذا اختلاف عصر وزمان وتبدل عادة لا اختلاف حجة وبرهان، إذ مسائل الأيمان مبنية على العرف، فتدورمعه (٢). وقال الشافعية (٣): من حلف لا يأكل الرؤوس، ولا نية له، حنث برؤوس تباع وحدها، وهي رؤوس الغنم قطعاً، وكذا الإبل والبقر على الصحيح؛ لأن ذلك هو المتعارف. ولا يحنث بأكل رؤوس طير وحوت وصيد وخيل إلا ببلد تباع فيه مفردة، لكثرتها واعتياد أهلها، فيحنث بأكلها فيه؛ لأنها كرؤوس الأنعام في حق غيرهم.

стр. 2446

٩ - عدم أكل البيض: إذا حلف لا يأكل بيضاً: فإن نوى بيض كل شيء، يقع عليه عند الحنفية؛ لأنه نوى حقيقة كلامه، وشدد على نفسه وإن لم تكن له نية فيقع على ماله قشر: وهو بيض الطير والدجاج والأوز، بدلالة العرف (١). ويقع اسم البيض عند الشافعية (٢) على كل ما يفارق بائضه في الحياة كدجاجة ونعامة وحمام، لا سمك وجراد. ١٠ - عدم أكل الطبيخ: لو حلف لا يأكل طبيخاً: فإن نوى اللحم وغيره يقع عليه، لأنه طبيخ حقيقة، وفيه تشديد على نفسه. وإن لم ينو شيئاً ينصرف إلى المتعارف عليه وهو كل مطبوخ بالماء. وكان العرف السابق يعني بالطبيخ: اللحم المطبوخ بالماء ليسهل أكله، ويعني أيضاً المرقة المتخذة منه لما فيها من أجزاء اللحم. ١١ - عدم أكل الشواء: لو حلف لا يأكل شواء ونوى أكل لحم مشوي بالنار: يحنث بأكل أي مشوي، لأنه نوى حقيقة كلامه وإن لم يكن له نية فإنما يقع على اللحم خاصة لتعارف الناس في السابق عليه، وأما اليوم فينصرف إلى ما يتعارفه الناس أيضاً. ١٢ - عدم أكل الحلو: إذا حلف لا يأكل حلواء أو حلواً أو حلاوة: فالأصل الذي كان مقرراً عند السابقين: هو أن الحلو: هو ما ليس من جنسه حامض. وغير الحلو: ما كان من جنسه حامض، والمرجع فيه إلى العرف. فيحنث بأكل الخبيص والعسل والسكر والرطب والتمر والتين وأشباهها، لأنه ليس من جنسها حامض، ولا يحنث بأكل العنب الحلو والبطيخ الحلو والرمان الحلو والإجاص الحلو والتفاح الحلو والزبيب؛ لأن من جنسها ما ليس بحلو، فلم يخلص معنى الحلاوة فيها.

стр. 2447

وأما الحلواء: فيقع على المصنوع من الحلاوة وحدها، أو مع غيرها كالخبيص والناطف: وهو ما يصنع من الطحينة والسكر (١). والحقيقة أن تفسير الحلوى وغيرها مرجعه إلى العرف كما قالوا، ففي عرفنا يراعى ما هو المقصود من الحلويات أو الحلاوة عند الناس. قال ابن عابدين: وفي زماننا، الحلو: كل ما يتحلى به من فاكهة وغيرها كتين وعنب وخبيصة وكنافة وقطائف، وأما الحلاوة والحلوى: فهي اسم لنوع خاص كالجوزية والسمسمية مما يعقد، وكذا ما يطبخ من السكر أوالعسل بطحين أو نشا (٢). ١٣ - عدم أكل الفاكهة: الكلام في الحلف على ألا يأكل الفاكهة على النحو الذي ذكره فقهاء الحنفية بحسب عرفهم السابق يتناول أصنافاً ثلاثة أعرضها هنا عرضاً تاريخياً، ثم أذكر الحكم الفقهي الدائم: الصنف الأول: يحنث به باتفاق الحنفية: وهو أنه يقع على ثمرة كل شجرة سوى العنب والرطب والرمان، سواء منها الطري واليابس؛ لأنه ينطبق عليها اسم الفاكهة: وهو كل ما يتفكه به ويؤكل قبل الطعام وبعده، أي يتنعم به زيادة على المعتاد. الصنف الثاني: لا يحنث به بالاتفاق أيضاً: وهو أن يأكل القثاء والخيار والجزر؛ لأن معنى التفكه غير موجود فيها بحسب المعتاد، لأنها من البقول بيعاً وأكلاً.

стр. 2448

الصنف الثالث: اختلفوا فيه وهو العنب والرطب والرمان: فعند أبي حنيفة لا يحنث بها؛ لأن الفاكهة من التفكه: وهو التنعم بما لا يتعلق به البقاء زيادة على المعتاد، وهو مما لا يصلح غذاء ولا دواء، وهذه الأشياء مما يتغذى بها ويتداوى بها، لأن الرطب والعنب يؤكلان غذاء، ويتعلق بهما بقاء الجسد. وبعض الناس في بعض المواضع يكتفون بها. والرمان يؤكل للتداوي، فليس في هذه الأشياء معنى التفكه الكامل، فلا يتناولها اسم الفاكهة، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فأنبتنا فيها حباً، وعنباً وقضباً، وزيتوناً ونخلاً، وحدائق غُلْباً، وفاكهة وأبّا، متاعاً لكم ولأنعامكم﴾ [عبس:٢٧/ ٨٠ - ٣٢] فالله سبحانه عطف الفاكهة على العنب، والمعطوف غير المعطوف عليه. وقال الصاحبان: يحنث بأكل هذه الأشياء؛ لأن معنى التفكه موجود فيها عرفاً، فإنها أعز الفواكه، والتنعم بها يفوق التنعم بغيرها. هذا هو مذهب الحنفية في الفاكهة، والعبرة الآن للعرف، فيحنث الحالف بكل ما يعد فاكهة عرفاً. وأما قول أبي حنيفة بأن العنب والرطب والرمان ليس بفاكهة، فهذا اختلاف عرف وزمان، وكان في زمنه لا تعد هذه الأشياء من جملة الفواكه، فأفتى بحسب عرف زمانه، وقد تغير العرف في زمان الصاحبين، فكانت فتواهما مخالفة لفتوى الإمام ﵁. ولو حلف لا يأكل فاكهة يابسة فأكل الجوز واللوز والتين ونحوها: فإنه كان في الماضي يحنث؛ لأن اسم الفاكهة يطلق على الرطب واليابس منها، وأما في عرفنا فلا يحنث في الجوز واللوز، لأنه لا يتفكه بهما (١).

стр. 2449

وقال المالكية والشافعية والحنابلة (١): يدخل في فاكهة: رُطَب النخيل وعنب ورمان وأتر ُجّ (نارنج) ورَطْب ويابس وليمون ونَبْق (ثمر حمل السدر)، وبِطّيخ ولبُّ فُسْتق وبُنْدق وغيرهما من اللبوب كلبّ لوز وجوز، في الأصح، ولا يشمل القثاء والخيار والجزر والباذنجان. ١٤ - عدم أكل الحنطة: لو حلف لا يأكل من هذه الحنطة يقع على أكل عينها مقلية (٢) ومطبوخة، ولا يقع على الحنطة النيئة إلا بالنية، كما لا يقع على الخبز، وما يتخذ من الدقيق إلا أن ينويه فيحنث به، وهذا عند أبي حنيفة ﵁؛ لأن اسم الحنطة لا يقع على الخبز حقيقة، فحملها على الخبز يكون حملاً على المجاز، والحقيقة أولى. ورأى الشافعية (٣) أنه يحنث بأكل الحنطة مطبوخة ونيئة ومقلية، ولا يحنث بأكل طحينها وسويقها وعجينها وخبزها. كذلك لا يتناول الرطب تمراً ولا بُسْراً (٤)، ولا يتناول العنب زبيباً. وقال الصاحبان رحمهما الله والمالكية: إن أكل الحنطة خبزاً حنث أيضاً، كما لو أكل من عينها؛ لأن المتعارف في إطلاق أكل الحنطة هو أكل المتخذ منها وهو الخبز، لا أكل عينها، يقال: فلان يأكل من حنطة كذا أي من خبزها، ومطلق الكلام يحمل على المتعارف. ومنشأ الخلاف في هذه القضية راجع إلى اختلافهم في مسألة في أصول الفقه: وهي أن الكلام إذا كان له حقيقة مستعملة ومجاز متعارف، فعند أبي حنيفة: الحقيقة أولى من المجاز المتعارف. وعند الصاحبين:

стр. 2450

المجاز المتعارف أولى. فمن حلف لا يشرب من الفرات أو من هذا النهر فعند أبي حنيفة: يقع على الشرب كرعاً (١) حتى لو اغترف بإناء أو بيده: لا يحنث. وعند الصاحبين: يقع عليهما أخذاً بعموم المجاز. وعموم المجاز: معناه أن يكون للمجاز أفراد كثيرة، ومن جملة أفراده محل الحقيقة، فتدخل الحقيقة في المجاز، كمن حلف لا يدخل دار فلان، فإنه مجاز عن المسكن، وحقيقته الدار المملوكة لفلان، فيدخل في اليمين: ما يسكنه كيفما كان، سواء أكان مستأجراً أم عارية أم ملكاً لعموم المجاز اتفاقاً. عدم أكل الدقيق: ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق، فأكل مما يتخذ منه وهو الخبز: يحنث؛ لأن عينه لا يؤكل، وإنما يؤكل عادة خبزاً، ولا يستف إلا نادراً، والنادر ملحق بالعدم. فإن نوى لا يأكل عين الدقيق: لا يحنث بأكل ما يخبز منه، لأنه نوى حقيقة كلامه. عدم أكل الخبز: ولو حلف لا يأكل خبزاً فيمينه على حسب المعتاد عند أهل البلد فيما يعتبر أكله خبزاً، وذلك خبز الحنطة والشعير، لأنه هو المعتاد في غالب البلدان (٢). والخبز في الحلف على أكله يتناول عند الشافعية (٣) كل خبز كحنطة وشعير وأرز وباقلا (فول) وذ ُرة وحَمِّص. وبناء على مسألة الدقيق: إذا حلف لا يأكل من هذه الشجرة فأكل من ثمرتها: يحنث؛ لأن عينها لا تؤكل.

стр. 2451

١٥ - الحلف على عدم الأكل وقصد طعام خاص: لو حلف لا يأكل أو لا يشرب، أو لا يلبس، ونوى طعاماً خاصاً وشراباً خاصاً، وثوباً: فإنه لا يصدق؛ لأنه نوى خلاف مقتضى كلامه وهو لا عموم له، فلا يحتمل الخصوص، والنية إنما تعمل في الملفوظ لتعيين بعض محتملاته. أما لو قال: لا آكل طعاماً، أو لا ألبس ثوباً، ونوى طعاماً بعينه وثوباً بعينه: يصدق ديانة لا قضاء، لأنه نوى تخصيص كلامه الظاهر منه العموم ولكنه يحتمل الخصوص (١). وذكر المالكية (٢): أن من حلف ألا يأكل رغيفاً، فأكل بعضه، فإنه يحنث في المشهور، ولو حلف أن يأكله، لم يبر إلا بأكل جميعه. والقاعدة عندهم أن من حلف على فعل يحمل على أكثر ما يحتمله اللفظ على المشهور. ومن حلف على فعل شيء حنث بأكل ما يشتق منه، فمن حلف ألا يأكل قمحاً، حنث بأكل خبزه، ومن حلف ألا يأكل لبناً، حنث بأكل الجبن، ومن حلف ألا يأكل عنباً، حنث بأكل الزبيب. الحلف على الشرب: عرفنا معنى الشرب: وهو إيصال مالا يحتمل المضغ من المائعات إلى الجوف، فلو حلف لا يشرب، فأكل: لا يحنث، كما لو حلف لا يأكل، فشرب: لا يحنث؛ لأن الأكل والشرب فعلان متغايران. وإذا حلف لا يشرب ولا نية له: فأي شراب شرب من ماء أو غيره يحنث، لأنه منع نفسه عن الشرب عموماً، وسواء شرب قليلاً أو كثيراً، لأن بعض الشراب يسمى شراباً. ولو حلف لا يشرب من دجلة أو من الفرات: قال أبو حنيفة: لا يحنث ما لم يشرب منه كرعاً: وهو أن يضع فاه عليه، فيشرب منه، فإن أخذ الماء بيده أو بإناء لم يحنث.

стр. 2452

وقال الصاحبان: يحنث سواء شرب كرعاً أو بإناء أو اغترف بيده. دليلهما: أن مطلق اللفظ ينصرف إلى المتعارف عند أهل اللغة. والمتعارف عندهم: أن من رفع الماء من النهر بيده أو بإناء أنه يسمى شارباً من النهر، فيحمل مطلق الكلام على غلبة المتعارف، وإن كان مجازاً بعد أن كان متعارفاً، كما ذكرت قريباً، وهو مثل ما لو حلف لا يأكل من هذه الشجرة، فإنه ينصرف إلى الثمرة. ودليل أبي حنيفة: أن مطلق الكلام محمول على الحقيقة، وحقيقة الشرب من النهر: هو أن يكرع منه كرعاً بأن يضع فاه عليه فيشرب منه. الشرب من الجب أو البئر: إن حلف لا يشرب من ماء هذا الجب (١) أو البئر فاغترف بإناء أو بيده من الأول واستقى من الثاني وشرب: يحنث بالاتفاق، لأنه لا يمكن الشرب منه كرعاً. فلو حلف لا يشرب من هذا الجب: فهو على الاختلاف الذي ذكرته في الحلف من دجلة أو الفرات، فلا يحنث عند أبي حنيفة ما لم يكرع منه. وعند الصاحبين: يحنث مطلقاً (٢). الحلف على الغداء والعشاء والسحور: الغداء والعشاء والسحور عبارة عن أكل ما يقصد به الشبع عادة، ويعتبر غداء كل بلدة: ما تعارفه أهلها، فإن كان خبزاً فخبز، وإن كان لحماً فلحم، حتى إن الحضري إذا حلف على ترك الغداء، فشرب اللبن لم يحنث، والبدوي بخلافه، لأنه غداء في البادية أي أن المعتبر فيما يتغدى به عادة أهل بلد الحالف. ولا بد من أن يأكل أكثر من نصف الشبع في غداء وعشاء وسحور.

стр. 2453

و الغداء في الماضي: هو الأكل من طلوع الفجر إلى الظهر. و العشاء في الماضي: هو الأكل من صلاة الظهر إلى نصف الليل؛ لأن مابعد الزوال يسمى عشاء، وعليه تسمى الظهر إحدى صلاتي العشاء في الحديث، فإنه ورد أن النبي ﷺ صلى إحدى صلاتي العشاء ركعتين: يريد به الراوي: الظهر أو العصر. وفي عرفنا اليوم يعتبر الأكل من طلوع الفجر إلى ارتفاع الضحى الأكبر فطوراً، ومابعده يدخل وقت الغداء وينتهي إلى العصر، لأنه أول وقت العشاء في عرفنا، وحينئذ يدخل وقت العشاء: وهو مابعد صلاة العصر، وهذا العرف يعمل به. و السحور: هو الأكل من بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر، مأخوذ من السحر وهو الثلث الأخير من الليل، وقد أطلق على النصف الثاني من الليل لقربه من الثلث الأخير. وأما التضحي: فهو الأكل في وقت الضحى. ووقت الضحى: هو من بعد طلوع الشمس من الساعة التي تحل فيها الصلاة إلى نصف النهار؛ لأن هذا وقت صلاة الضحى. وأما التصبيح: فهو ما بين طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحوة الكبرى لأنه من الإصباح، وهذا يعرف بتسمية أهل اللغة. ولو حلف ليأتينه غدوة: فهذا بعد طلوع الفجر إلى نصف النهار (١). وإن حلف ألا يأكل شيئاً فشربه أو لا يشربه فأكله، لا يحنث عند الجمهور، وعن الإمام أحمد روايتان: إحداهما - يحنث؛ لأن اليمين على ترك أكل شيء أو شربه يقصد بها في العرف اجتناب ذلك الشيء، فحملت اليمين عليه إلا أن ينوي.

стр. 2454

والثانية - لا يحنث؛ لأن الأفعال أنواع كالأعيان (١). المطلب الخامس - الحلف على اللبس والكسوة: من حلف ألا يلبس ثوباً وهو لابسه، نزعه في الحال، فإن لم يفعل حنث بالاتفاق (٢). وإذا حلف إنسان (لا يلبس قميصاً أو سراويل أو رداء) فاتزر به: لا يحنث، وكذا إذا اعتم بشيء مما ذكر؛ لأن المطلق تعتبر فيه العادة، والاتزار والتعمم ليس بمعتاد في هذه الأشياء، فلا يحنث. ولو حلف (لا يلبس هذا القميص أو هذا الرداء) فعلى أي حال لبسه حنث بالاتفاق (٣). حتى بالاتزار والتعمم؛ لأن اليمين إذا تعلقت بعين اعتبر فيها وجود اسم العين، ولا تعتبر فيها الصفة المعتادة. ولو حلف (لا يلبس من غزل فلانة شيئا ً) فلبس ثوباً قد غزلته فلانة: يحنث في يمينه؛ لأن الغزل عينه لا يلبس، فيقع على ما يصنع منه، وهو الثوب. ولو نوى الغزل بعينه: لا يحنث إذا لبس الثوب، لأنه نوى حقيقة كلامه. ولو حلف (لا يلبس ثوباً من غزل فلانة) يقع على الثوب، ولو نوى الغزل لايصدق. ولو حلف (لا يلبس ثوباً من غزل فلانة) فلبس ثوباً من غزلها وغزل غيرها: لايحنث باتفاق الحنفية والشافعية؛ لأن الثوب اسم لشيء مقدر، فلا يقع على بعضه.

стр. 2455

وعند الحنابلة روايتان: إحداهما: يحنث كالصورة الآتية بعدها، والثانية: لايحنث. ولو حلف (لا يلبس من غزل فلانة) فلبس ثوباً من غزلها وغزل غيرها: حنث بالاتفاق (١)، لأن البعض يسمى غزلاً. أما لو حلف (لا يلبس من غزل فلانة) ولم يقل ثوباً: لم يحنث في التكة والزر والعروة والطوق؛ لأن هذا ليس بلبس في العادة، فلو لبس ثوباً تلابيبه (٢) من غزل فلانة: يحنث؛ لأن هذا القدر ملبوس من غزلها بلبس الثوب (٣). ومن حلف (لا يلبس حليا ً) فلبس خاتم فضة لم يحنث؛ لأنه ليس بحلي عرفاً ولا شرعاً، حتى أبيح استعماله للرجال، وإن كان من ذهب حنث، لأنه حلي ولهذا لا يحل استعماله للرجال، ولو لبس عقد لؤلؤ يحنث عند الصاحبين، لأنه حلي حقيقة، والتحلي به معتاد، وهو الرأي المفتى به خلافاً لرأي أبي حنيفة القائل بأنه لا يحنث. وقال غير الحنفية: يحنث بلبس الفضة واللؤلؤ (٤). ولو حلف (لا يكسو فلاناً شيئاً) ولا نية له، فكساه قلنسوة، أو خفين أو جوربين: حنث؛ لأن الكسوة اسم لما يكسى به، وذلك يوجد في القليل والكثير. ولو حلف (لا يكسو فلاناً ثوباً) فأعطاه دراهم يشتري بها ثوباً لم يحنث، لأنه لم يكسه، وإنما وهبه دراهم، وشاوره فيما يفعل بها.
следующие страницы →